الاثنين، 22 مايو، 2017


http://www.raialyoum.com/?p=679213


مروان ياسين الدليمي: البحث عن الحقائق في تاريخ العرب والمسلمين

marwan yasin

مروان ياسين الدليمي

هنا المسالة لاتتعلق بحرية التفكير،بمعنى أنّ لاصلة لها بمسألة نقد الموروث الديني والتاريخي بقدر صلتها في اطلاق اراء عائمة في الفضاء العام بما يحمله هذا الفضاء بكل خصوصيته المحلية من مستويات ثقافية هشّة في مجمل بنيتها الفكرية، مما لايجعله بالتالي يحتمل ستراتيجة الجدل وافاقها الواسعة التي لاتنسجم مطلقا مع بنية المخيلة الشعبية التي عادة ما تختلط فيها الحقيقة  بالخيال، خاصة وانها تشكلت في بيئة مغلقة على ذاتها ،منقطعة عن متغيرات حاضرها،و يغيب عنها هاجس التفكير بمستقبلها ومستقبل علاقتها مع المحيط الكوني طالما راوفدها المعرفية ــ الشفاهية منها والمكتوبة ــ مازالت تتغذى على ماانتجته الذاكرة الجمعية قبل عشرات السنين من غير ان يحدث فيها تغيير وتجديد في بنيتها ومحتواها،وهذا يعود في اسبابه الى غياب السؤال الموجه الى الماضي ،والغياب هنا مرتبط بقضية تحريم السؤال من حيث المبدأ .

هذه الايام من يريد ان يشتم العرب والمسلمين لن يجد وللأسف الشديد افضل من العراق مكانا يلقى فيه جمهورا واسعا من العرب المسلمين انفسهم مؤيدا له  قبل غيرهم من جماعات دينية وعرقية تعيش على ارضه ،وفيما لو ضاقت الارض على طعناته الموجهة ضدهما سيجد ابواب هذا البلد مشرعة امامه،بعد ان اصبح ميدانا واسعا ترمى فيه السهام عليهما بمناسبة ودونما مناسبة ،ولن يكون امرا مستغربا الاحتفاء به من قبل طيف واسع لايستهان به من العرب المسلمين ! ، بما يجعله يندفع في رد فعله الى الحد الذي يمكن ان يتخلى حتى عن اهله وجنسيته الوطنية، كما سبق ان اقدمت على ذلك مراسلة احدى القنوات الفضائية الجزائرية(سميرة مواقي)التي جاءت الى العراق مع بداية العام 2017 حيث رافقت ميليشيا الحشد الشعبي لتغطية دورها في المعارك التي كانت قد بدأت تخوضها مع بقية قوات الجيش العراقي ضد تنظيم الخلافة(داعش)في جبهة قضاء(تلعفر)غرب مدينة الموصل التي سيطر عليها تنظيم الخلافة قي 10 حزيران (يونيو ) 2014،وإذابالاوساط الاعلامية تتفاجأ بموقف لم يكن متوقعا في الحسابات المهنية خاصة وان مهنة الصحافة تضع العاملين فيها في مواقع ومواقف ليس بالضرورة ان تتفق مع قناعاتهم الشخصية فالاولوية لديهم ان يكونوا موضوعيين ومهنيين في نقل الحدث استنادا الى  مصادر متعددة،وأن تبقى قناعاتهم الذاتية قدر المستطاع بعيدة عن محتوى رسالتهم الصحفية،إلاّان مااقدمت عليه مواقي ادى الى خلط الخاص بالعام والذاتي بالموضوعي في موقفها ذاك،لتضيع الحقيقة مابين موقف الصحفية وموقف الانسانة من بعد ان ضاعت رسالتها المهنية في حمى الصراع الطائفي،وقد تجلى ذلك عندما اعلنت عبر تسجيل فديوي تنكّرها لجنسيتها الوطنية الجزائرية وهويتها المذهبية دون مبررات موضوعية حتى وصل بها موقفها الى ان ترفض استقبال عائلتها عندما جاءت لزيارتها في المستشفى لتطمئن عليها من بعد ان اصيبت في ساحة المعركة اثناء تغطيتها للقتال،مما اثار جدلا ساخنا داخل الاوساط الاعلامية حول طبيعة اساليب الترغيب التي مورست معها بهدف استغلالها في حرب دعائية مستعرة مابين القوى السنية والشيعية في العالم الاسلامي.

هذا السياق يقودنا الى مواقف اخرى مشابهة اتخذها مفكرون تركت اثرا سلبيا زاد من الاحتقان الطائفي بدل ان يأخذ به الى ساحة الحوار بذلك لم تحقق مواقفهم مايرتجى منها في خلق مناخ صحي يشيع ويحترم الجدل، بعيدا عن الاستعراض واستقطاب الاضواء،كما حصل في الموقف الاخير للروائي المصري الدكتور يوسف زيدان في مطلع شهر ايار(مايو)لمّا قال عن القائد صلاح الدين الايوبي بأنه(أحقر)شخصية في التاريخ اثناء استضافته في برنامج تلفزيوني يقدمه الاعلامي المصري عمرو اديب على شاشة احدى القنوات.

ربما لم يحظى رأي الدكتور زيدان بتأيد كبير في اي مكان آخر مثلما حظي به في العراق،على الرغم مما خلفه من نقاش اتسم بالانفعال في معظم البلدن العربية اكثر مما اتسم بالنقاش المثمر،وقد انعكس ذلك الانقسام الحاد على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي موزعا مابين مؤيد ومعارض له،ومن السهل ملاحظة العامل الطائفي(الشيعي والسني)في هذا الانقسام الثنائي.

قبل حديث الدكتور يوسف زيدان بايام معدودة كان موقع الفيس بوك قد شهد معركة كلامية حامية تقاسم القتال فيها اصوات شيعية وسنية،وقد جاءت على وقع القتال  الشرس الذي تخوضه القوات العراقية في الجانب الايمن من مدينة الموصل وتحديدا في الجزء القديم منها  حيث يقع جامع النوري الذي سبق ان اعلن من خلاله ابو بكر البغدادي زعيم تنظيم دولة الخلافة دولته المزعومةفي 5 اب 2014(بني الجامع في القرن السادس الهجري في عهد نورالدين زنكي) ، بدأت المعركة الفوسبوكية عندما طرح احد الاعلاميين العراقيين فكرة تدمير منارة الحدباء الشهيرة التي تتوسط جامع النوري في الموصل القديمة بعد ان تحصن عناصر تنظيم الخلافة(داعش)داخل الجامع وفي المنطقة المحيطة به،وبررصاحب الفكرة دعوته تلك انطلاقا من عاملين:1- ان تنظيم داعش لكي يحرج القوات العراقية المهاجمة ويمنعها من قصف وقتل عناصره لجأ الى استغلال رمزية الجامع لدى اهل الموصل،فتحصن فيه مع جمع كبير من العوائل الموصلية التي احتجزها معه داخل مبنى الجامع متخذا اياهم دروعا بشرية.2- بما ان الجامع بناه نور الدين زنكي(التركي/ السني) حسب قول الاعلامي صاحب الفكرة والذي سبق له ان  لعب دورا كبيرا في القضاء على الدولة الفاطمية (الشيعية)مع القائد صلاح الدين الايوبي فهذا سيوفرسببا مهما لقصف الجامع بالمدفعية وتدميره.

لو تأملنا ماجاء من مبررات تضمنتها دعوة قصف الجامع وتدميره،خاصة النقطة الثانية،نجدها تستدعي التاريخ البعيد(بمحموله المذهبي)حتى يغيّب الحدث الحاضر بكل ظروفه ومستجداته وملابساته الميدانية ودلالاته الحضارية.

على ذلك فإن اطلاق اراء واتخاذ مواقف على هذه الصورة السائبة اشبه بانفجار سيارة مفخخة في ساحة عامة،في جميع الاحوال ستكون النتائج سيئة وسيتم التعامل معها من وجهة  نظر القانون والمجتمع الدولي على انها مجرد عمل ارهابي مهما كانت دوافع الجهة التي تقف ورائها شرعية.

حرية القول هنا في هذا السياق ليس بالامكان القبول بها على علاتها قبل ان تكتمل فيها الرؤية العلمية وتستوفي جميع شروطها في اطار فضاء المؤسسات العلمية البحتة التي ينهض عملها على طرح الفرضيات ومن ثم البحث عن الادلة لاثباتها .

العراق بهذا الموضوع يعيش زمنا خاصا لاعلاقة له بالزمن الانساني العام بعد ان ارتدت عجلة الزمن الى الوراء بشكل متسارع ومخيف مع  انتعاش  سلطة المخيلة الاسطورية على حساب سلطة العقل التي انكفأت.

من هنا يمكن تفسير شيوع ظاهرة العنف والتطرف في مجمل صور الحياة سواء في الافكار او المواقف وردود الافعال،بمافي ذلك قضية اعادة قراءة التاريخ، بما يستدعي رصدتها والتصدي لها دراسة ونقدا ،وهنا يحار المرء في قاموس الشتائم الذي طال احداثا وشخصيات تاريخية مضى على غيابها عشرات السنين بغض النظر عن كونها تستحقها  أم لا فهذا شأن آخر .

 في المجمل فإن اي مراقب موضوعي لقضية التعامل مع التاريخ خاصة من قبل الجمهور العام الذي يشكل القاعدة الاساسية للقوى التي تحكم عراق مابعد العام 2003 سيجد نفسه امام حالة غريبة عنوانها سعار الكراهية وهذا ما يتجسد في معجم الشتائم البذيئة التي باتت متداولة على الالسن ــ ولن يستثنى منها من يحسبون على النخبة المثقفة ــ ربما ليس لها مثيل في مكان آخر،ولانظن بأن العراق قد مر بها في اية فترة سابقة وعلى هذه الصورة،وتبدو في جوهرها  اشبه بعملية جلد للذات وبقسوة، كما يحصل في طقوس عاشوراء التي تجري سنويا في كربلاء ومايصاحبها من عمليات تطبير الرؤوس بالسكاكين يقوم بها معظم زوار ضريح الحسين حفيد النبي محمد.

قضية (احتقار) التاريخ العربي والاسلامي التي تكاد ان تصبح ظاهرة شائعة في العالم العربي وفي العراق خاصة منذ سقوط نظام البعث عام 2003 لم يعد ممكنا تجاهل رصدها وتحليلها ومعرفة اسبابها ومالآتها،خاصة وان ازدراء  الماضي بوجهه القومي والديني،والطعن فيه ليس فيها مايشير الى انها قد استندت على اسسس علمية في البحث الهدف من ورائها  اعادة قراءة التاريخ بهدف ازاحة ماعلق به من حكايات ومرويات لها صلة بالخرافات والاساطير اكثر مما لها صلة بالحقيقة والواقع وابعد مما يمكن ان يتقبلها المنطق، وكان للمخيلة الشعبية دور كبير في تشكيلها ،هذا اضافة الى وجود عملية تزييف ممنهجة ومقصودة ارتكبها مؤرخون على مدى عقود انطلاقا من احقاد شخصية او قومية،أو خضوعا لرغبة حكام وسلاطين.

تاريخ العرب والمسلمين يشهد على الكثير من هذا التحريف الذي طال مسرودات تاريخية نتيجة للصراع الدموي على السلطة مابين القوى التي كانت تتكالب عليها منذ ان توفي النبي محمد سنة 632 م .

الاقرار بهذا التشوية الذي تعرض له التاريخ العربي والاسلامي بالشكل الذي تم فيه تغييب حقائق وتقديم اكاذيب بدلا عنها لايعني مطلقا القبول بالوقوف في منطقة النقد ونحن محملين بمشاعر الكراهية ونعبر عنها بشتائم والفاظ اقل مايقال عنها سوقية كما جاء على لسان الدكتور يوسف زيدان ،وفي ما لو لجأ البعض الى ذلك سيكون من المنطقي امام الباحثين والدراسين أن لايعيروا اهمية لمثل هذه الاحكام حتى لو كانت تحمل في داخلها افكارا مهمة قابلة للتداول والنقاش طالما خرجت بعيدا عن ادبيات وسياق المنهج العلمي في التقييم،كما ان غياب الادلة المنطقية والتاريخية سيزيد من رفضها وعدم الاخذ بها،ويمكن للبعض ان ينظر اليها  في اطار السياق العام لما يجري من احداث وصراعات معقدة وساخنة تشهدها المنطقة العربية والاسلامية في اللحظة الراهنة وهذا ماسيدفع بهم الى ان يضعوها في سلسلة المؤامرات الدولية التي يتعرض لها العرب والمسلمون،ويبدو هذا الاستنتاج الاكثر قبولا وتداولا لدى عموم العرب والمسلمين بعد ان تعرضت مجتمعاتهم الى كافة اشكال  التدمير والتدخلات الاجنبية .

السبت، 20 مايو، 2017




" المال السياسي واثره في الاعلام "
هذا هو عنوان الندوة التي اقامها منتدى الاعلام العراقي في مدينة اربيل اليوم الخميس ١٨ مايو في قاعة الندوات بفندق كريستال .وقد طرحت فيها ثلاث وجهات نظر .

النائب في البرلمان العراقي مثال الالوسي كان اول المتحدثين حيث قدم شهادته من خلال تجربته في المشهد السياسي العراقي .
اما عبد الباسط سلمان وباعتباره رجل قانون فقد استعرض الموضوع من خلال القوانين التي كانت قد اقرتها الحكومات العراقية منذ العهد الملكي وماتلاه من انظمة وحكومات تعاقبت على حكم العراق .
ولكي تكتمل الرؤية ازاء موضوعة الندوة فقد جاءت شهادة الكاتب والصحفي عامر القيسي الذي كان اخر المتحدثين الذي انطلق من وحي تجربته الطويلة في ميدان الصحافة التي ابتدأت منذ مطلع سبعينات القرن الماضي وحتى الان.
حضر الندوة جمع من الصحفيين والاعلاميين والعاملين في منظمات المجتمع المدني .


















الأربعاء، 17 مايو، 2017

أُمنية :     ليس من الطبيعي ابدا ان يفرح الانسان ساعة المذبحة . 

يضاف بين لحظة واخرى اعداد جديدة الى قائمة الضحايا الذين يسقطون في الموصل من المدنيين ،ومنذ بدء معارك التحرير وحتى قبل يومين وصل العدد الى اكثر من ستة عشر الف ضحية (من المدنيين فقط ) حسب احصاءات المنظمات الدولية المعنية !!! والمعركة مازالت مستمرة .
اخر الضحايا الذين ودعتهم اليوم هذه المدينة المنكوبة الفنان التشكيلي (اسماعيل حمّو مع ولده الوحيد) ليلتحقا بقافلة الراحلين عن حياة عراقية بامتياز من بعد ان اتخمتهم باوهامها واصنامها .
نرجو ، ان تصحو ضمائر( البعض ) من العراقيين، الذين ــ وفي لحظة هستيريا ــ يجدون في مشاعر الشماتة والتشفي، امرا طبيعيا ازاء مايسقط من ارواح بريئة من نساء واطفال ورجال في هذه المدينة.
فليس من الطبيعي ابدا ان يفرح الانسان ساعة المذبحة .
لتكن هذه الايام بما تخلفه من حرائق في اكباد الامهات وعيون الاطفال،وما تبتره من ذكريات واسماء وامكنة محفورة في الافئدة بسبب همجية الدواعش وكل الذين يتاجرون بالانسان متذرعين باسم الدين او باية عناوين اخرى (دينية او قومية او مذهبية او ايدلوجية ..الخ الخ ) ، لتكن درسا اخير ، يستعيد الجميع من خلاله انسانيتهم التي سحقتها حروب الطوائف .
* مرفق صورة الفنان الراحل اسماعيل حمّو

الثلاثاء، 16 مايو، 2017

رواق 194

 رواق 194
اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي
العناوين :
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
- ثقافة التأديب  / عدوية الهلالي
- "بلطجية " تحت الطلب / علاء حسن
- فـي انتظار ذوي القبعات الزرق !!/ طالب عبد العزيز
- ماذا بعد الاختطاف؟/ حسن حامد سرداح
- ورثة العنف : فاروق يوسف

الأحد، 14 مايو، 2017


http://www.raialyoum.com/?p=674841
صحيفة راي اليوم

مروان ياسين الدليمي: الانحياز ناحية التطرف في الاعلام الرسمي العراقي

 marwan-delami77

مروان ياسين الدليمي

بدأ لابد من الاشارة  الى أن منظومة الاعلام الرسمي في العراق يغيب عن عملها الحد الادنى من الحيادية في التعامل مع الاحداث والموضوعات التي تتعامل وتتفاعل معها خاصة السياسية منها ،وهذه الاشكالية لاتنحصر في الاعلام الرسمي بل تتعدى ذلك الى بقية القنوات الاعلامية غير الرسمية من صحف ورقية وقنوات فضائية ومواقع الكترونية .كماانها لاترتبط فقط بالفترة التي اعقبت التغيير السياسي بعد العام 2003 .

هذا ما يبدو عليه السياق العام لصورة العمل الاعلامي، إلاّ ان ذلك لا يعني غياب تام للحياد في الاداء، فالموضوعية هنا تقتضي أن لانقفز فوق الحقائق،ونرتكب نحن ايضا في قراءتنا هذه نفس الخطأ ونطلق حكما عاما يضعنا في موقف نكون فيه غير محايدين إن لم نكن منحازين .

من هنا لابد من الاشارة الى وجود الحيادية باعتبارها استثناء من القاعدة وفي حالات فردية وهي بذلك لاتشكل شيئا يذكر من حيث المساحة والتأثير امام الزخم الهائل مما  يحتشد في السياق العام.ولعل اسباب انحسارها واختصارها في حالات فردية مرتبط بالحالة العامة للمشهد السياسي العراقي،بما  يلقيه من  ظلاله ثقيلة على كافة صور الحياة وفي مقدمتها الخطاب الاعلامي .

مابين النظام والاعلام

ان قراءة المشهد الاعلامي في العراق فيما لو اردنا ان نخرج منها بنتائج تتسم بالموضوعية وتقترب الى حد كبير من تحديد ملامحه لايمكن ان تتم إذا مالجأنا الى عملية عزل مابين هوية النظام السياسي ونمطية الصورة السائدة  للخطاب الاعلامي.

إن المحصلة النهائية التي سيظهر عليها الاعلام في تقاليده المهنية ورسالته الى المتلقي تستمد حضورها وحقيقتها من شكل وطبيعة القيم الايدلوجية التي تشكل الثوابت الاساسية للنظام السياسي القائم . وبماأن العراق بعد العام 2003 قد تشكل مشهده السياسي وفق عوامل خارجية  لم تعد خافية على احد،لعبت فيها الادارة الاميركية الدور الحاسم في بناء قواعده واعمدته وهيكليته القائمة على اشاعة مفهوم الاقليات باطاره السياسي وليس الثقافي عن طريق تفتيت المشتركات المجتمعية التي ترتبط بها مكونات المجتمع العراقي وهذا يعني  ازاحة مفهوم المواطنة من الوجدان الجمعي ليحل بدلا عنها انشطارا وتشظيا مجتمعيا محكوما بتخندقات فئوية منعزلة كان لابد ان تنعكس عليه هذه المعادلة بكل مالها وماعليها من نتائج .

 من هنا كان لهذا البناء الذي دمغ النظام السياسي في العراق على هذه الصورة الاثر العميق والاساسي في ان تنعكس صورته في الخطاب الاعلامي السائد والمهيمن .

من هنا ساد التشظي والتخندق الفئوي السياق العام لعمل المؤسسات الاعلامية العراقية،وبات من الصعب نتيجة لذلك ان تتوفر الحيادية في بنية الخطاب الذي تنتجه وتصدره الى المتلقي معظم القنوات الاعلامية،لانها امست تعبر عن حالة التشظي والتخندق الفئوي،وليس من المنطقي وفق ذلك ان يخرج من ماكنتها خطابا تتوفر فيها الثوابت المهنية في الصياغة والافكار الموجهة الى المتلقي  طالما هي تخوض حربا شرسة لاثبات وجودها واحقيتها وأدعاء مظلومية الطائفة التي تروج للدفاع عنها طالما كان المنطلق الفكري لعملها قائم على قاعدة ثابتة عملية لاتتزحزح تتمحور في اطار التسقيط الممنهج للآخر،وكان من الطبيعي ان تستعمل في تشكيل خطابها الفئوي هذا  كافة الاسلحة المشروعة وغير المشروعة في العمل الاعلامي للوصول الى نتائج ملموسة تصب في مسار نجاح بروبوغندا التزييف والتحريف والتجريف للحقائق،وقد نجحت بهذه المهمة الى حد لايمكن انكاره .

 الأعلام في مواقع التواصل الاجتماعي

ومن الممكن ان نجري عملية مسح سريعة على مواقع التواصل الاجتماعي ومتابعة ردود الافعال والمواقف التي يسجلها ويعبر من خلالها روادها والمتفاعلين معها والناشطين فيها لنكتشف حقيقة الانقسام الحاد والتشظي المجتمعي في ما يتعلق بالقضايا العامة،وبطبيعة الحال هذه الصورة  لاتعكس  وجها مشرقا او مطمئنا من حالة الجدل التي عادة ما يعول عليها في تحريك الوعي بقدر ما تعكس حالة من التمزق والتمترس والتخندق الاعمى بعناوينه الطائفية والفئوية المنغلقة على نفسها والتي ساهم في تعميقها الخطاب الاعلامي .

من الطبيعي وفق بنية نظام سياسي قائم على تمجيد وتقديس مفهوم الطائفية ان يكون الريادة للمؤسسات الرسمية الاعلامية في عدم ايلاء مفاهيم مثل الحيادية والموضوعية،الاهمية التي يقتضيها تشكيل الخطاب الاعلامي ورسالته الموجهة الى المتلقي،ويعود السبب الى ان هذه المؤسسات مهما حاولت ان تبدو مهنية في صياغة رسالتها فإنها لن تخرج عن الثوابت الايدولوجية للنظام الذي تحكمه  قوة سياسية لها عقيدة طائفية .

فكيف يمكن للحقيقة ان تبصر النور وهي محاطة بهذه الالغام والاسلاك الشائكة ؟

وحتى لو نجحت بالخروج فإنها ستكون قد تعرضت الى عملية تشوية سيكون من الصعب التعرف عليها .

الاعلام والصراع الطائفي

في اللحظات الحرجة التي تقف فيها البلاد والمجتمعات امام تحديات كبيرة مثل الصراعات العنيفة الداخلية بين الطوائف والاقليات سيكون امرا حتميا ان تغيب الحقائق عن الخطاب الاعلامي الرسمي وغير الرسمي الذي يتم انتاجه في نظام يؤمن عقائديا بمفهوم الطائفية .

وسيكون من المنطقي في هذا الاطار ان يتم تسويق كل ما من شأنه طرد الحقيقة وقمعها عبر تزويرها وتزييفها وتحريفها في صياغة الخبر والتقرير وفي عموم السياق العام للخطاب الاعلامي .

وفيما لو راجعنا الاعوام الثلاثة عشر الماضية وتوقفنا امام السياسة الاعلامية التي سادت وتم انتاجها من قبل القنوات الاعلامية الرسمية وخاصة الاعوام التي شهدت مواجهات طائفية محتدمة وصلت الى الاحتراب في السلاح سنجد ان الاعلام العراقي قد تورط من رأسه الى اخمص قدميه في هذه المواجهات ولم يقف على مسافة واحدة من جميع الاطراف،حيث وجدناه يقف الى جانب القوى السياسية التي تمسك بعصا السلطة والتي كان لها اذرعا ميليشياوية  مشاركة في المواجهات الطائفية .

كذلك في الاحداث التي سبقت سقوط مدينة الموصل تحت سلطة تنظيم الخلافة الارهابي(داعش)،حيث يمكن التطرق الى الدور الذي لعبه الاعلام  في اشاعة مناخ عام من القناعات نتيجتها بالتالي لاتصب في مصلحة تعزيز ثقة المواطن بالنظام السياسي القائم ،بمعنى  انه لعب دورا رئيسا في اشاعة خطاب اعلامي يشكك  في وطنية طيف مجتمعي كبير في المدن ذات الاغلبية العربية السنية،خصوصا بعد ان خرج الى الشوارع واعلن اعتصامه السلمي لمدة تزيد على العام،مطالبا بالافراج عن اعداد كبيرة من المعتقلين مضى على وجودهم في السجون اشهرا طويلة دون ان يخضعوا الى محاكمات او يعرضوا على القضاء ،وبعض المعتقلين اختفت اخبارهم وعجز ذووهم عن معرفة مصيرهم،وهذا ماتشير اليه تقارير المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان ،ومما يذكر هنا  ان تلك الاعتصامات لم تشهد  احتكاكا او أحداث عنف من قبل المعتصمين ضد القوات الأمنية العراقية،إلا أن إلاعلام الرسمي ومعه القنوات الممولة من الأحزاب المهيمنة على المشهد السياسي لعبت دورا أقل مايقال عنه بأنه “دور تحريضي” ضد المعتصمين لم يختلف في سياقه العام  مع ماكان يروجه رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي من أن” الاعتصامات يقف خلفها أجندات إقليمية تهدف إلى إسقاط العملية السياسية وان خيم المعتصمين تحتشد فيها عناصر إرهابية تنتمي إلى تنظيم داعش “.

كان لهذا الخطاب الإعلامي دور لايمكن التقليل من اهميته ومساحته في أن يتشكل رأي عام في محصلته النهائية اخذ الاعتصامات إلى وجهة أخرى غير التي انطلقت من أجلها وبعيدة جدا عن اهدافها المعلنة على الاقل ، بذلك تهيأت اجواء مناسبة للجماعات الدينية المتطرفة  ومن جميع الأطراف حتى تصطاد في المياه العكرة ولعل الجماعات السنية التكفيرية في مقدمتها،مثل القاعدة وتنظيم الخلافة، هذا اضافة الى تنظيمات اخرى تتحرك في اوساط العرب السنة مثل النقشبندية وحزب البعث وفصائل عديدة مسلحة  لايغنينا ذكر جميع اسمائها.

 وبناء على ذلك بدأت نبرة التخوين تتصاعد ضد المعتصمين وهذا ما منح الفرصة لتنظيم الخلافة أن يختطف راية الاعتصام  السلمية وغالبا ماكان علم الدولة العراقية يمثلها،وليرفع بدلا عنها علم الثورة السورية كمرحلة أولى من عملية الخداع والتمويه وفي مرحلة لاحقة  أزاح جميع الرايات ليرفع رأيته السوداء،من هنا  بدأت اول خطوة عملية  في  سقوط المدن تحت سلطة قوى الإرهاب ممثلة بتنظيم الخلافة ولم تتوان هذه التنظيمات لأجل تحشيد المجتمع العربي السني إلى جانبها  ان تلجأ الى استثمار خطاب التخوين والتسقيط الذي مورس بحق المعتصمين والذي ساهم في اشاعته بدرجة كبيرة الاعلام العراقي الرسمي.

بطبيعة الحال ليس هناك أفضل من هذا الوقت يمكن أن تجد فيه التنظيمات المتطرفة والإرهابية لكي تسحب البساط من تحت أقدام القوى السلمية والمعتدلة وإزاحتها تماما من واجهة المشهد لتحل هي بدلا عنها وهذا ماحصل في الانبار إذ ليس اسهل من خطاب التطرف الانفعالي لكسب الاصوات وتوسيع القواعد الشعبية فكيف بنا ونحن في بيئة عملت فيها سكين الطائفية بشكل ممنهج ومشرعن وضمن اطار الدستور على تمزيقها وتقطيع اوصالها ؟

أستمرت جوقة الإعلام الرسمي في ممارسة هذا الدور ضد سكان المدن التي سقطت تحت سلطة داعش وخاصة مدينة الموصل،منسجما دورها هذا مع خطاب ابرز الساسة والقوى التي تتحكم في ادارة المشهد السياسي الرسمي، متهمة إياهم بطريقة أو بأخرى بالتورط والمساهمة في خطة سقوط مدنهم تحت سلطة تنظيم داعش،دون الاشارة الى مسؤولية الجيش والقوات الامنية التي ولت هاربة من ساحة المواجهة العسكرية وسلمت سكان هذه المدن وخاصة الموصل لقوى ارهابية كما تركت لها ترسانة عسكرية تقدر بمليارات الدولارات .

ما ينبغي التأكيد عليه هنا بهذا الخصوص ان القنوات الإعلامية الرسمية كانت من الدهاء بمايكفي لكي لاتضع نفسها في موضع تكون فيه مدانة بشكل صريح ومباشرويخرج عملها من اطاره الرسمي باعتبارها تعكس موقف ومسؤولية الحكومة تجاه عموم مكونات المجتمع، ولهذا أوكلت هذه  المهمة إلى قنوات اعلامية ممولة من قبل اطراف وشخصيات سياسية ممسكة  بالسلطة لكي  تقوم بدلا عنها بهذا الدور،منها(قنوات فضائية ،صحف ورقية والكترونية،خليط منوع من صفحات في موقعي الفيس بوك وتويتر لشخصيات معروفة في الوسط الإعلامي والثقافي وشخصيات اخرى شبحية وصلت إعدادها بالمئات،ومواقع اخبارية الكترونية لاتعد ولاتحصى ) .

محرقة التاريخ

نتيجة هذا الدور وامتداد حضوره احتقنت الأجواء العامة بمشاعر الكراهية والاحقاد الطائفية بين السنة والشيعة عادت بهم الى الوراء ليخوضوا مرة اخرى في نزاع مضى عليه اكثر من  1400 عام، وليسقطا في دائرة مغلقة من الوهم سبق ان انتجت حكاياتها وتخريجاتها الفكرية قبل عشرات السنين عقول فقهاء ومؤرخين وفقا لماتقتضيه مصالح ورغبات الخلافاء والسلاطين،والنتيجة كانت ان انقسم المجتمع في الزمن الحاضر الى فريقين الاول يرفع راية الثأر من قتلة الحسين،وآخر وجد نفسه في موضع المتهم بجريمة تاريخية لم يكن شاهدا عليها ساعتها ولامشاركا فيها مع انه رافضا لها .

لعل هذه النتيجة بكل عبثيتها ولامنطقيتها اقصى ماوصلت اليه الحرب الاعلامية عندما اقحمت التاريخ البعيد في مشكلات  الحاضر،وبما ليس له صلة به،أكثر مما له صلة بالصراع السياسي الدولي والاقليمي في منطقة الشرق الاوسط .

وفي هذا السياق ظهرت صفحة جديدة بعد سقوط مدينة الموصل تحت سلطة الارهاب في 10 حزيران 2014 لاتقل خطورة عما اشرنا اليه،حيث احتقنت العلاقة بشكل غير مسبوق مابين الأقليات من جهة  والعرب السنة من جهة اخرى،إلى الحد الذي أصبح فيه العرب السنة في موقف لايحسدون عليه،بعد أن نجحت هذه الجوقة الإعلامية في مهمتها التي أوكلت إليها ،وأفلحت في ترسيخ  رأي عام بموجبه وضع  العرب السنة في خانة البيئة الحاضنة للتطرف والإرهاب دفعة واحدة دونما تمييز لطبيعة القوى المتنوعة التي يتشكل منها مجتمعهم،والمختلفة في خياراتها وقناعاتها ومواقفها.

بذلك يكون الإعلام قد مارس عملية تزييف للحقائق عندما خلط مابين الجانب الاجتماعي والمذهبي ليصبح بالتالي كل متطرف سني هو بالضرورة عربي ،وكل عربي سني هو بالضرورة متطرف،وهذا بطبعة الحال مخالف للواقع .

وما يجدر الاشارة اليه بهذا الصدد،ان جوقة الاعلام المشار اليها قد استثمرت  عدد من الأحداث في سياق معركة الدولة والمجتمع ضد قوى الارهاب ووظفتها في خدمة اجندتها الطائفية بعد ان انتزعت منها بعدها الوطني،ويمكن هنا ان نستشهد بحدثين على سبيل المثال لاالحصر، الاول يتعلق باعدام عدد كبير من جنود شباب صغار السن مازالوا تحت التدريب في قاعدة سبايكر بمحافظة صلاح الدين من قبل تنظيم داعش الارهابي . والحدث الثاني يتعلق باعدام الجندي مصطفى العذاري من قبل تنظيم داعش في قضاء الفلوجة بمحافظة الانبار.

في هذين الحدثين سنجد ان ما اشرنا اليه يبدو واضحا ،حيث بات من الصعب في ظل الخطاب الاعلامي الممنهج الذي اعقبهما ان يميز المواطن مابين مسؤولية تنظيم داعش عن الجريمة وسكان المدينة التي وقع فيها الحدث،وكان ذلك تمهيدا لعملية التدمير والقتل التي حصلت فيما بعد اثناء عملية تحرير هاتين المدينتين من سلطة داعش ولتغييب حالة التعاطف الانساني مع سكان المدينتين .

 واليوم في معركة تحرير الموصل ظهرت ايضا نتائج هذا الخطاب الإعلامي بكل سلبياته إلى الحد الذي لم نجد قدرا معقولا من التعاطف الإنساني مع هول الكوارث التي أصابت المدينة وسكانها،بل على العكس هناك شعور أقرب إلى اللامبالاة يكاد ان يكون حاضرا بشكل كبير لدى طيف واسع من العراقيين على اختلاف هوياتهم،هذا إضافة إلى حضور واضح لخطاب إعلامي تحريضي يحث ويدعو القوات العراقية على أحداث أكبر قدر من التدمير والانتقام من سكان الموصل باعتبارهم حواضن لقوى الارهاب..حتى ان احد المواقع الإلكترونية (مركز نينوى لتنسيق المعلوماتي ) كان قد اعلن في بوست نشره على صفحته في موقع الفيس بوك قال فيه إن( 70 % من سان حي 17 تموز في الموصل  هم من الدواعش) ونتيجة لما تعرض له من انتقادات شديدة انهالت عليه من ناشطين على الفيس بوك اضطر الى سحب المنشور والاعتذار ولكن بعد فوات الاوان،لان العديد من الاشخاص والمواقع والصفحات كانوا قد استنسخوا واعادوا نشر البوست التحريضي،ومن خلال متابعتنا للموقع المشار اليه بدا لنا،ان جهة لها ارتباط وثيق بالحكومة أو باحزاب مهيمنة داخل السلطة تقف وراءه ادارته لأن معظم منشوراته كانت تعتمد على مايصدر من صور وبيانات وتصريحات حصريا صادرة من قبل قوات الشرطة الاتحادية والحشد الشعبي .

اخيرا لابد من القول،بان الوقت ربما سيكون قد داهمنا قبل أن يدرك المجتمع العراقي ما ارتكبه الإعلام العراقي من أخطاء جسيمة بحقه  نتيجة انحيازه لصالح كل مايصدر عن السلطة على حساب ضياع الحقيقة في متاهات التزييف قبل أن تصل إليه.

كاتب عراقي

الأربعاء، 10 مايو، 2017

رواق 193

رواق 193
اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي
5 / 5 / 2017
العناوين :
العدالة مفتاح الامان للمجتمعات
-نجاح شركة ابل وفشل دولة العراق
- لماذا الخوف من الفيدرالية ؟

وداعا ياماردين ..

مروان ياسين الدليمي 


ربما تكون رواية (وداعا ياماردين) الصادرة عام 2011 للكاتبة السورية(هنريت عابدين) من بين عدد محدود جدا من الروايات الصادرة باللغة العربية التي تناولت ماجرى من عمليات إبادة جماعية وتهجير قسري تعرض له الأرمن والسريان في مدينة ماردين التركية عام 1915 على يد السلطة العثمانية في أخريات عهدها وذلك من خلال متابعة المؤلفة لمصير اسرة مسعود السريانية ذات السمعة والجاه في مدينة ماردين،ورحلتها الى مدينة حلب خلاصا من المذبحة،واستقرارها في هذه المدينة التي استقبلت عديد العوائل الهاربة من هذا المصير بعد ان تركت خلفها كل شيء لتبدأ حياتها من جديد.
من الناحية الفنية يمكن القول بأن المؤلفة قد تمكنت من بناء عالم روائي متخيل
( شخوص واحداث وحكايات)استمدت خيوطه من حدث تاريخي مايزال يلقي بظلاله الثقيلة وبتداعياته على تركيا الحديثة في اطار علاقاتها مع العالم خاصة الاتحاد الاوربي الذي طالما تطلعت بالانضمام اليه،كذلك ما خلفه هذا الحدث من اثار ديموغرافية وسياسية في منطقة الشرق الاوسط مازالت تلعب كبيرا في تحديد الصراعات القائمة فيها ومستقبلها السياسي .
في هذه الرواية الممتعة تتشكل امام القارىء بنية سردية محكمة التركيب نجحت فيها الكاتبة الى حد كبير في ان تفتح الأبواب مشرعة لمحاكمة الماضي بما حمله من تفاصيل تتسم بالقسوة والوحشية تدفعنا ــ اثناء القراءة ــ الى ان نجري وبشكل دائم عملية مواجهة مابينه وبين الحاضر،لنكتشف علاقة التوأمة التي تكاد ان تجمع مابين الزمنين .
- رواية تستحق القراءة-


رواق 192

الثلاثاء، 9 مايو، 2017


http://www.alquds.co.uk/?p=715660



صحيفة القدس العربي 

أدباء السلطة في العراق

مروان ياسين الدليمي

May 08, 2017





لكي تنال لقب مثقف باستحقاق لا يكفي أن يكون في رصيدك العديد من الإصدارت الأدبية والفكرية ولا ارفع الشهادات الاكاديمية ولا عشرات الجوائز الدولية ولا ان تكون عضوا في اتحاد الأدباء والكتاب.
رغم اهمية كل هذه الانجازات على المستوى الشخصي إلا انها لن تمنحك شرعية ان تحمل هذا اللقب فيما لو غابت بصيرتك او غيبتها انت بإرادتك، لعلة في نفسك، واتجهت ناحية السلطة خاضعا ومدلِّسا ومداهنا، بذلك تكون قد اخترت ان تنحرف بشكل حاد عن مسار الضمير الانساني الجمعي، الذي عادة ما يعبر عنه المثقف والمبدع، خاصة في تلك المجتمعات التي تخضع لسلطة قمعية.
دفعني إلى كتابة هذه المقدمة قراءتي لخبر موافقة عدد من الادباء والأكاديميين العراقيين دعوة نائب رئيس الجمهورية نوري المالكي، ولقائهم به في مكتبه نهاية هذا الاسبوع.
ربما يختلف العراقيون حول كثير من المواقف التي اتخذها عدد من الرموز السياسية في العراق، إلاّ أن غالبيتهم يتفقون على خطورة الدور الذي لعبه المالكي في تهديم العلاقات الاجتماعية بين مكونات المجتمع العراقي اثناء وبعد توليه رئاسة مجلس الوزراء من خلال سياساته الطائفية التي عبرت عنها ممارسات الأجهزة الأمنية والعسكرية الحكومية في تعاملها السيئ والمهين للمواطن العراقي اينما كان، خاصة في المناطق ذات الاغلبية العربية السنية حيث كانت تلك الأجهزة تتلقى الأوامر منه شخصيا، كذلك مسؤوليته الرئيسية عن ضياع نصف اراضي العراق لتصبح تحت سلطة تنظيم الخلافة في حزيران/يونيو 2014،هذا اضافة إلى أنه تسبب في اهدار ما يقارب 800 مليار دولار اثناء فترة حكمه التي دامت ثمانية اعوام دون ان يقدم للمواطن خدمة ملموسة تغير من حياته البائسة.
لماذا اذن وافقت هذه المجموعة من الأدباء والأكاديميين على تلبية دعوته؟
ما الذي كانت تراهن عليه في هذه المقابلة ؟
هل كان لديها بصيص أمل في ان يتمكن افرادها من طرق باب ضمير مغلق مليء بالكراهية للعراق وشعبه منذ ان ارتضى لنفسه ان يكون منخرطا إلى جانب الحرس الثوري الإيراني لمقاتلة جيش بلاده ايام الحرب العراقية الإيرانية (1980 – 1988).
هل وجدت في نفسها قدرة فذة على رؤية جوانب مشرقة في شخصية الداعي لم يستطع عموم العراقيين أن يكتشفوها بين ركام الفوضى والجرائم التي خلفتها ميليشياته بحق المدنيين؟
إذا كانوا قد حملوا مثل هذا التصور حتى لو افترضنا صدق نواياهم فإنهم بذلك قد ارتكبوا الخطأ الذي لا يمكن مسامحة المثقف اذا ما وقع فيه مهما كان لونه الأيديولوجي وهويته الإبداعية، سواء كان شاعرا او أديبا او فيلسوفا.
طيلة فترة حكم المالكي كانت المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان تؤكد في تقاريرها السنوية على ان العراق يتصدر قائمة الدول التي تنتهك فيها حرية وحقوق الانسان.
فهل وصل الحال بالأديب والمثقف والأكاديمي العراقي أن لا يعير أهمية للحقائق والأرقام والشهادات التي توثق صرخات الضحايا ونداءات المظلومين، ويصر على أن يتعامل معها بمنهج السلطات المدانة بارتكابها عندما تتجاهلها وتشكك بمصداقية الجهات التي اعلنتها؟
المالكي نال فرصته كاملة في الحكم وترك خلفه إرثا مؤلما سيبقى عالقا في ذاكرة العراقيين لأنه اصطبغ بالدم ولن يكون من السهل على جميع العراقيين نسيانه، فالشيعة والسنة على حد سواء كان لهما نصيب كبير منه، وهكذا الحال مع بقية الأقليات.
يبدو ان من ارتضى لنفسه أن يكون ضيفا على مائدة المالكي لم يكن يعنيه آلاف الضحايا الذين سقطوا في سبايكر والرمادي والحويجة وبهرز والزركا والموصل وسنجار وغيرها من الأماكن،ولا يعنيه الأرقام الفلكية التي اختفت في عهده من المال العام.
هؤلاء الذين احتفوا بالمالكي واحتفى بهم، يمكن النظر اليهم على انهم نتاج طبيعي لنظام سياسي طائفي شرعنه الاحتلال الأمريكي، وساهمت في تكريسه أحزاب الإسلام السياسي، بالوقت نفسه هُم استمرار لتلك النماذج من أشباه المثقفين الذين كانوا يتزلفون إلى السلطة ويكتبون التقارير الأمنية قبل العام 2003.
اتحاد أدباء وكتاب العراق وعلى الرغم من هلامية موقفه طيلة الاعوام الماضية مما يجري في المشهد العام إلا أن عدم استجابته لهذه الدعوة تحسب له، وربما يكون لقيادته الجديدة دور كبير في إنضاج هذا الموقف.
كاتب من العراق

الأربعاء، 3 مايو، 2017

May 04, 2017
http://www.alquds.co.uk/?p=713795





سمكةٌ تائِهةٌ

مروان ياسين الدليمي

May 04, 2017

فيما أفكِّرُ بأشياءَ
سقطتْ باكراً مِن أهدابِ يقيني
ومَسَحَتْ نهاياتٍ حزينةً عن زهوري
أسمعُ صوت أشياءَ اخرى لا أراها
كما لو أنَّ فأساً ينكسرُ بين أضلعي
ما أنْ يرتطم بجذع شجرة.
بعيداً عن حضوري المنفي في جسدي أفرَدَتْ أخيلتي أجنحَتَها
بالقرب مِن شتاءاتٍ قصيّة.
توقفتُ عن كتابةِ الأحلام
وماعدت احتفظُ بها
في صندوقِ الخردوات
اليوم أراها تشبهُ غَرغَرة متشرّد
لمّا استعيد بعضَها أحياناً
مع اني بحثت في محطةِ قطارِ فينسيا
عن ليلةٍ تشبهُ أعشاباً صيفية
لكني لمْ التقِ بها
وكتبتُ عن منزلٍ يشبهُ وجهَ والدي
ربّما سألقاهُ في يومٍ مَا
أقصدُ والدي وليسَ البيتْ.
لا تسأليني عَن ساعةِ الهجران
ولا تسأليني عَن صباحاتٍ قصيرةٍ جدا
رأيتُها ساعَة التقبيل .
كثيراً ما أعودُ إلى الصّور
لعلّي أعثرُ على فراشةٍ هاربة
على أخبارٍ مِن عَالمٍ آخر
ولربّما على قليلٍ مِن الرّحمة.
أعدُكِ
في ظهيرةٍ شتائيةٍ قادمة
ستنضجُ روحي
مِثل تُفاحة
فيصبحُ مِن المُمكِن أنْ أكونَ لكِ
أمّا الآن
وأنتِ في حالة اندهاشِ أمَام غيمةٍ
تشبهُ فارسا أضاعَ طريقه إلى ساحةِ الحرب
فابتلعَهُ طقسُ المدينة المُثلِج
تحتاجينَ إلى قليلٍ مِن التخيّل.
ذاكرتي اليوم تقفُ وراء تكشيرةٍ دائمة
كُنتِ دائماً تقولينَ عنها
- ستجعلكَ مِثل سمكةٍ تائهة.
آه .. لو اختبرتِ حُطامي مِن مسافةٍ قريبةٍ جدا
أظنّكِ ســـاعتها ستكونينَ بعيدةً عنّي.
شاعر عراقي

ماكتبه الشاعر والسينمائي بولص آدم معلقا على النص برسالة خاصة وردتني عبر الإيميل،واعتزازا بما كتبه اعيد نشره حيث  يقول :البحث عن ليلة تشبه اعشابا صيفية واهداب اليقين والفأس الذي .. النص نص رسائل نسمع عند ادراكها اشياء لانراها .. انت تكتب سطرا عن تلك الأشياء التي نسمعها لكننا لانراها.. وحسنا تفعل بل ذلك الحُسن الرخيم شعرا احسنت وعاشت مخيلتك الشفافة ابد الدهر في انفاسنا التي تُدرك كل نبض من نبضات النص وكل فاصلة بين وحدات النص الثلاث كلوحة واحدة ذات اطارات متعددة، نصك هذا عاش معي طوال هذه الأيام مُذ قرأتُه منذ عدة ايام، انتابني شعور بأنني رأيت النص ولم اقراه انتابني يقين بأن الشعر مسافات متفاوتة الفضاءات ورغم أن مدينة كانت ولكن مدينتك هي مدينة الصباح .. ظل شجرة الروح على بركة رقراقة من مطر يعرفه ذلك التراب ، ماء اخضر تحت ذلك الجسر المحطم .. وسمكة عمرها الاف السنين الروحية عذبها وحل متكلس تلك السمكة لن ياتيها تيه هي لن تختفي هي النص كله هي الرسائل والصور القديمة كلها هي زهورك وما مُسح من حزن خارج نداها .

الثلاثاء، 2 مايو، 2017

باقية وتتمدد *
تنتظر المؤمنين بالخرافات المقدسة وبأسم المقاومة الاسلامية عهود طويلة من الاستحمار ستضاف الى ماسبقها ، سيكونون فيها عبيدا بارادتهم ، وبكامل وعيهم ، وهم يسبحون باسم الله خلف من يقودهم باساطيره كالقطيع الى محرقة التاريخ .
(*باقية وتتمدد..هذه الجملة الداعشية رددها اليوم احد -عصائب- قادة المقاومة الاسلامية بنسختها الطائفية الاخرى ! )..
وهذا يعني ان مفردات الزمن الداعشي باقية وتتمدد..
فلاتخدعوا انفسكم ايها المؤمنون ، لان وطنكم لن يكون حرا وشعبكم لن يكون سعيدا طالما انتم تعيدون انتاج اسباب عبوديتكم .


http://www.qalamrsas.com/2017/05/01/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9-%D9%88%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D8%B9/

http://www.qalamrsas.com/2017/05/01/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9-%D9%88%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D8%B9/

مجلة قلم رصاص _ 1/ 5 / 2017 
السلطة وجائزة الابداع 
مروان ياسين الدليمي 



هل يمكن لسلطة سياسية تنتهك الحريات الانسانية أن تمنح جائزة لمبدع لطالما كان موقفه منها يقلقها، وصوته المميز عن اقرانه مبعث ازعاج دائم لها ولمؤسساتها؟

من هي تلك السلطة التي شذت عن هذه القاعدة الراسخة التي تكاد ان تكون مقدسة في منظومة العمل والتقييم في كثيرمن البلدان، شرقا وجنوبا (خاصة في عالمنا العربي) فكرّمت مبدعا كبيراً اعتاد أنْ يغرّد خارج سربها؟. هذا إذا لم تتجاهله وتركنه بعيدا في زاوية النسيان لتجعله يلعن اليوم الذي ولدته فيه أمّهُ. وعلى الارجح في هذا السياق ــ الشرق اوسطي بامتياز ــ  ستلجأ الى مطاردته اينما حطت به رحلة الهروب، سعيا لاعتقاله، وفيما لو نجحت سيقضي بقية عمره خلف القضبان لايرى الشمس، وغالبا ماتتخلص منه بطريقة ما، وكأنه لم يكن موجودا على قيد الحياة.

والسلطة بهذا الخصوص تملك من الدهاء ما يجعلها تتجنب التورط بشكل مباشر وصريح في اعلان الحرب ضد هذا المبدع، ولهذا عادة ماتلجأ الى اسلوب الإيحاء والتلميح،فتخاطب مريديها ووكلائها السريين العاملين في الوسط الثقافي لينوبوا عنها في حربها، تشويها وتسقيطا واساءة واعتداءً، وليس غريبا ابدا ان يلعب مثل هذا الدور افرادا يحسبون على خانة الادباء والكتاب والمثقفين والفنانين، فالوسط الثقافي والفني مثل غيره من الاوساط الاخرى، يضم اصنافا شتى من البشر،منهم اقرب مايكونوا الى الملائكة في حضورهم الانساني ومنهم الاقرب الى الشياطين ولاغرابة ان يكون من بينهم  مرتزقة.

تاريخنا وبلا فخر - البعيد منه والقريب - فيه الكثير من الأدلة ما تؤكد على رسوخ هذا السياق في منظومة عمل الكثير من الأنظمة والحكومات التي تعاقبت على كرسي السلطة وإنْ بدرجات متفاوتة وعلى اختلاف عناوينها وايدلوجياتها.

وحتى لو حاولت بعضها أن تمارس الخديعة، كأنْ تمنح جائزة الدولة لمبدع مخلص لفنه لاغير، فإنها لن تفلح في لعبتها ،لالشيء إلاّ لأنَّ المبدع الحقيقي ذاته لا يرتضي ان يضع نفسه في مثل هذا الموقف، فيخون ضميره وجمهوره الذي يحترمه في مقابل جائزة تعبر عن تواطئه مع سلطة  سُجِّل على ممارسات اجهزتها نقاطا سوداء، وهذا ما كان قد اقدم عليه الروائي المصري  صنع الله إبراهيم عندما رفض استلام جائزة الدولة عام 2003 ايام حكم الرئيس حسني مبارك، وكانت قيمتها النقدية تساوي 16 ألف دولار، وفي حينها قال صنع الله: "لم يعد لدينا مسرح أو سينما أو بحث علمي أو تعليم، لدينا فقط مهرجانات ومؤتمرات وصندوق أكاذيب، لم تعد لدينا صناعة أو زراعة أو صحة أو عدل، تفشى الفساد والنهب، ومن يعترض يتعرض للامتهان وللضرب والتعذيب. وفي ظل هذا الواقع لا يستطيع الكاتب أن يغمض عينيه أو يصمت، لا يستطيع أن يتخلى عن مسؤوليته".

وذات الموقف اتخذه ايضا الروائي الاسباني غويتسولو عندما رفض استلام جائزة معمر القذافي للآداب عام  2009 وقيمتها النقدية 150 ألف يورو. وقد علل موقفه هذا الى ان "المبلغ المالي المخصص للجائزة أتى من الجماهيرية الليبية التي استولى فيها القذافي على الحكم بانقلاب عسكري، كما اعتبرنفسه ليس شخصا ينساق مع القضايا دون قيود أو شروط، ولا يتردد في انتقاد الأنظمة السلطوية، سواء كانت دينية أو جمهوريات وراثية، التي تحكم شعوبها وتبقيهم في الفقر والجهل."

الانظمة التي تطالها الشبهات خاصة في اطار حريات التعبير وحقوق الانسان تسعى دائما الى ان تستر عورتها باطلاق فعاليات ومهرجانات فنية كبيرة تغدق عليها ميزانيات ضخمة حتى لو كانت ميزانيتها تعاني ضائقة مالية وشعوبها ترزح تحت ظل بطالة وامية وشظف العيش، ولعل مسألة منح الجوائز للمبدعين تأتي في اولويات خططها التي تهدف من ورائها الى تحسين صورتها امام المجتمع الدولي لتبدو امامه راعية للثقافة والفنون نظرا لما تشكله هذه الانشطة والفعاليات من اهمية لدى الشعوب والبلدان المتحضرة، وربما تنجح الى حد ما في خديعتها هذه لكنها لن تستطيع ان تمارس هذا الدور الى آخر الشوط طالما الامر برمته قائم على الكذب، وحبل الكذب قصير مهما طال الزمن.

لا قيمة لأية جائزة تمنح لمبدع اذاكانت تقف ورائها جهة سياسية،لانها ستجردها من اطارها الثقافي لتضعها في سياق مشروعها السياسي (ايدولوجي، ديني، مذهبي)، وبالتالي ستصدر حكما بحق المبدع ونتاجه لتضعهما معا  في خانة ضيقة اشبه بزنزانة انفرادية مدى الحياة بدل ان يحلقا في فضاء واسع لاتحده حدود ولاجدران.

كثيرة هي الجوائز التي اطلقتها انظمة وحكومات اختفت مع سقوطها، وبعض من نال تلك الجوائز حاول ان يتبرأ منها ومن النظام الذي منحه اياها ايام جبروته ومجده ولكن بعد فوات الآوان (مثلما فعل البعض ممن استلموا جائزة القذافي على سبيل المثال)، وكان على هؤلاء ان يدركوا في حينه بأن الجائزة ليست قيمتها بذاتها مهما كانت قيمتها المادية عالية،بل بالجهة التي تقف ورائها.

ومازالت جائزة نوبل ــ رغم انها ارفع جائزة عالمية ولاعلاقة لها بدولة او نظام سياسي ــ يدور حولها الكثير من اللغط بسبب الدور الذي سبق ان لعبه مؤسسها الصناعي السويدي الفريد نوبل 1895، في اختراع الديناميت، فكيف بنا امام جوائز تمنحها انظمة متورطة حتى العظم في سياسات القتل والتهجير الطائفي والعرقي  لشعوبها.

السبت، 29 أبريل، 2017

http://www.raialyoum.com/?p=665621
April 29, 2017
مروان ياسين الدليمي: قطار على قضبان عارية رواية للكاتب كريم عبدالله تبئير المكان الواقعي والتوغل في البقع المظلمة للذاتhttp://www.raialyoum.com/?p=665621
 

مروان ياسين الدليمي: قطار على قضبان عارية رواية للكاتب كريم عبدالله تبئير المكان الواقعي والتوغل في البقع المظلمة للذات

marwan-delami77

مروان ياسين الدليمي

 آدم هي الشخصية المحورية في رواية(قطار على قضبان عارية)للمؤلف كريم عبدالله الصادرة في بيروت عام 2016 ،وكأن الأسم هنا(آدم) كناية عن الانسان بعد ان يختار مساره الذاتي في الحياة بعيدا عن خيارات السلطة بمفهومها المطلق(المجتمعي والسياسي والديني)ليواجه نتيجة موقفه هذا تحديات وصعوبات تستهدف كينونته الانسانية،وربما تشويهه وتدميره كما هوالحال في الصورة الاخرى المقابلة له مجسدة في شخصية(ديمتري جواد عبد الرضا)التي تتناصف معه المبنى الحكائي،وليشكل الاثنان وجهان لحقيقة واحدة .

ينفتح المبنى الحكائي خلال الرحلة التي يقطع فيها القطار المتجه من الموصل الى بغداد مسافة 400 كم بزمن لايقل عن عشر ساعات ليكشف لنا مبناه الدلالي ما يستتر خلف سطح الاحداث،وللوهلة الاولى يبدو مرتبطا بما تعكسه الحالة السياسية على اوضاع ومصائر الناس  خلال الفترة التي حكم فيها حزب البعث العراق منذ مطلع سبعينات القرن الماضي وصولا الى الحرب العراقية الايرانية،إلا أن دلالات المبنى تذهب الى ابعد من ذلك حيث تصدى المؤلف لموضوعات تحتل درجة عالية من الحساسية لدى الوعي الجمعي الى الحد الذي ليس ممكنا ولامسموحا الاقتراب منها ومناقشتها ومحاولة تفكيكها مثل مسألة الخَلقْ والكون والاديان والانبياء والذات الالهية والجنس.

الفضاء الحكائي

تخرّجَ آدم حديثا من الكلية باختصاص علم النفس،ليساق الى الخدمة العسكرية ايام الحرب العراقية الايرانية(1980 – 1988)،فتبدأ احداث الرواية عندما يصل آدم الى محطة قطار الموصل ويجلس في صالة الانتظار الى ان يحين الوقت فيُسمح للمسافرين الصعود الى عربات القطار المتجه الى بغداد حيث يروم الالتحاق بوحدته العسكرية(وحدة الطب النفسي التابعة لمستشفى الرشيد العسكري).

داخل صالة الانتظار يستعرض لنا المؤلف من وجهة نظر(آدم)السارد للاحداث تفاصيل مايجري في الصالة ويرسم لنا اطارا عاما لشخصيات الرواية قبل ان نلتقي بها فيما بعد،وعن قرب داخل عربة القطار،وكأن مايصفه لنا يتم عبر عدسة كامرة سينمائية،وهذا بطبيعة الحال يعود الى خبرة المؤلف الطويلة في مجال الكتابة الدرامية للتلفزيون والسينما حيث انتجت له شركات الانتاج في لبنان ودبي والعراق عدد من السيناريوهات، ومن هنا كان تأثير الكتابة الدرامية واضحا في البنية  المشهدية لكثير من الاحداث اضافة الى اهتمامه برصد ردود افعال الشخصيات كما لو انها تقف امام عدسة الكامرة،وهذا يبدو واضحا من الأسطر الاولى التي افتتح بها روايته :” تناثرت قطرات المطر بدون خجل،والرصيف يستجدي المارة،بينما غابة الإسفلت تعج بالسيارات التي كانت تقف لتلفظ راكبيها المسرعين نحو بوابة محطة القطار،علّهم يلحقون بما يخشون أن يفوتهم ،بينما صاحب النظارات السميكة يصرخ من خلف كابينته داخل صالة الانتظار: – ليلتزم الجميع بالصف وإلاّ سوف اغلق الباب ولتذهبوا جميعكم للجحيم ! النظام النظام ياهمج ! ” .

الصدفة وحدها تجمع آدم مع رجل دميم الخلقة(ديمتري جواد عبد الرضا) داخل القطار وفي غرفة منام واحدة تتسع لشخصين فقط .لم يكن آدم في بداية الرحلة قادرا على ان ينظر الى وجهه المليء بالدمامل التي تنزف دما،فحاول ان يفتعل الاسباب لكي يغادر الغرفة بين فترة واخرى ليبتعد عن وجهه البشع .

ديمتري:” اعرف مايدور في مخيلتك..لقد صُدمتَ حين شاهدتني أدخلُ عليك كالقضاء والقدر إلى هذه الغرفة،وحاولتَ الهروب من مواجهتي،تارة بالانشغال في قراءة المجلة وتارة بترك الغرفة لوقت طويل ..ولكن يبدو أنّ قدرك جرّكَ إلى حتمية مواجهته كما هو”.

إلاّ انَّ مسار العلاقة اخذ منحى آخر بعد أنْ اكتشف آدم ما تحمله شخصية ديمتري من ذكاء وثقافة وقدرة على الجدل في مسائل فكرية معقدة التقى الاثنان عندها،كما تختفي وراء هذا الوجه القبيح قصة تعكس جانبا من محنة الانسان في العراق عندما يختار التفكير والعمل خارج اطار ماتفكر به السلطة ليجد نفسه محاصرا ومطاردا وربما مقتولا كما حصل لوالد ديمتري الذي كان شيوعيا فلجأ الى الاتحاد السوفيتي ــ ايام كان الاتحاد قائما ــ هربا من ملاحقة السلطة له،فتزوج من شابة روسية انجبت له ابنة جميلة وولدا بشع الوجه(ديمتري)وتشاء الاقدار ان يُعدَم والد ديمتري من قبل السلطة في العراق بعد عودته لتصفية املاك العائلة،بينما ارملته تغادر البيت تاركة ولديها لتتزوج من شخص اخر،وليبقى ديمتري في بلدة (تومسك)الروسية وحيدا منبوذا يعيش في اسوأ الامكنة بسبب قبح منظره من بعد ان تزوجت شقيقته:”لم يقبلوني في اي مكان للعمل سوى قاعة غسل الموتى “.

فضاءالمكان

تشكل عربة القطار بعدا مكانيا محوريا لرحلة المؤلف مع الشخصية الرئيسة وبقية الشخصيات الاخرى التي تبقى دون ان تغادر عربة القطار الى ان تصل الرحلة مبتغاها،ولو تأملنا الدوافع التي اتت بكل الشخصيات الى هذه الرحلة لتوصلنا الى ان جميعها كانت محكومة بقوى قاهرة ارغمتهم جميعا على ان يكونوا معا في هذا المكان ،فكانوا اشبه بمجموعة منفيين الى لحظة زمنية لاإرادة لهم فيها .

ينطلق المؤلف في رحلته السردية مع شخصياته،من لحظة آنيّة عابرة ــ تشكل الحرب خلفيتها البعيدة ــ الى ماهو ابعد منها بكثير،لتكون رحلة القطار الطويلة مرتكزا مكانيا يخلق من خلاله حافزا مجازيا للكشف عن ماضي وحاضر شخصيات غريبة عن بعضها البعض جمعها في مكان واحد(عاهرة كبيرة في السن تبحث عن طريدة،جنود صغار مساقون الى جبهات القتال،طلبة جامعيون في رحلة الى بغداد،استاذ علم نفس يعجز عن ايجاد  حلول لما يواجهه من مشاغبات داخل العربة مصدرها جنود صغار ،باحثون عن متعة رخيصة عابرة يجدونها بكل سهولة مع العاهرة في عربات القطار).

شكَّل خيار تبئير المكان في(عربةالقطار) كيانا مزدوجا(داخليا وخارجيا) كان الهدف منه(داخليا)الكشف عن مايحصل من تحولات للشخصيات ضمن اطار مكاني محدد بما يفرضه من اشتراطات تفرض عليهم البوح والحديث في محاولة منهم للقضاء على الوقت الطويل،وخارجيا جاء التبئير المكاني حاملا علامات واقع خارجي تم التعبير عنه مجازيا  بكل تداخلاته وتقاطعاته،وقد انعكس ذلك بالقصص والحكايات التي استدعتها ذاكرة الشخصية الرئيسة.

تقنية الرحلة عبر القطار إرتكز عليها المؤلف في سبيل ان  يمنح مخيلته فرصة المغامرة داخل مغاور البقع المظلمة والخفية التي عادة ما تخفيها الذات الواعية للانسان خلف طبقات اللاوعي نتيجة ماتعرض له من قمع وقهر لرغباته،وعبر هذه التقنية(الرحلة) كشف الحقيقة الداخلية لشخصياته ،وهذا يتطابق مع وظيفة الشخصية المحورية(آدم)باعتباره باحثا نفسيا، وكلما كانت عجلات القطار تتوغل في العمق قاطعة المسافة الطويلة مابين مدينة الموصل وبغداد،تكون رحلة المؤلف في اعماق شخصياته قد وصلت الى مالم يكن ممكنا الوصول اليه خارج الرحلة،ولينكشف امامها وامامنا ماكان قد ارتحل منها بعيدا جدا في اقاصي الذاكرة واللاوعي.

بمعنى آخر،الرحلة لاتأخذ بعدها الواقعي بما حفلت من تفاصيل واحداث وقعت اثناء سير القطار،بقدر ما تأخذ دلالتها الرمزية من احداث وقعت خارجها وخارج زمنها،بحثاً عن ذات ضائعة في سفر الحياة العراقية التراجيدي .

فضاء الزمن

لاشك ان التعامل مع الزمن هنا يكتسب خصوصيته على اعتبار انه يتشكل من خلال علاقته مع وحدة المكان/العربة ،هذا اضافة الى كونه محركا للاحداث داخل المكان ذاته بصيغته الآنية،بنفس الوقت باعتباره وعاء يتم فيه الانتقال الى امكنة اخرى بعيدا عن صورته الآنية،وهذا ما يتم في عملية الاستذكار والاستدعاء من قبل الشخصيتان المحوريتان(آدم+ ديمتروف).

يأتي التعامل مع وحدة الزمن في هذه الرواية في سياق علاقة ارتدادية تعود بالقارىء الى الخلف بين فترة واخرى وعبر صيغة(ضمير المتكلم)  للشخصية الرئيسة الساردة للاحداث(آدم) عندما يستعيد ما مرت عليه من ذكريات وتفاصيل ايام الطفولة والشباب والكلية .

نسق اللهجة المحلية

اما في ما يتعلق باستعماله اللهجة العراقية المحلية في بناء الحوارمابين الشخصيات الثانوية،خاصة تلك الالفاظ الجنسية المتداولة في الحياة اليومية بشكل شائع ومن غير ان يخضعها لعملية انتخاب اوتنقية اوتصفية،فقد سعى من وراء ذلك على مايبدو الى عملية تمثيل الخصائص المحلية للبيئة بما تفرزه من نسق لغوي خاص بها،وسيكون من الصعب استبداله بنسق لغوي اخر قائم على استعمال المفردة الفصحى،كما عمق اسلوبه هذا من التعبير عن طبيعة الشخصيات ورسم معالم حضورها الانساني بلغتها الخاصة بما فرضته عليها البيئة وجغرافيتها من معايير جمالية تعكس موروثاتها وماتتخصب به المفردة من روافد تصلها من الحياة بصورتها الفطرية والعفوية ،وكان لتلك المفردات المحلية بماتتركه من صدمة في الوعي الاخلاقي المحافظ حضور يلتقي ويتداخل في صلب قصدية المؤلف  القائمة على مواجهة قسوة الواقع وحياءه الزائف بنفس قسوته وخشونته ومن هنا جاءت عبارة (للكبار فقط )التي كتبها واضحة على الغلاف الاول للرواية ،وكان من الافضل ان يستغني عنها لان في ذلك سيكون انسجاما مع تطلعه الى احداث صدمة في وعي وذائقة القارىء.