السبت، 10 أغسطس 2019


https://www.alquds.co.uk/جدل-الهويّات-الثقافية-وخطابها-في-سجال/?fbclid=IwAR3tmawItK3Fvj18my982XqeMVUGHAoIhTZnVOOZJedK6NZaWrLiOGKHC4A

جدل الهويّات الثقافية وخطابها في سجالات المثقفين العراقيين

منذ 36 دقيقة
مروان ياسين الدليمي

 0
 حجم الخط

بكل ما تحمله من خصوصية ضاربة في جذور الذاكرة الجمعية، تواجه الثقافات المحلية انساقا إيديولوجية فرضتها ماكنة العولمة مهددة استمرارها وفاعليتها، وإذا ما أردنا ان نرصد انعكاس هذه القضية على المثقف في المنطقة العربية، سنقف عند حزمة من الأسئلة: ما الذي يمكن أن نقرأه في خطابه الثقافي، هل يحمل حساسية عالية ازاء تحدياتها، هل تشكلت لديه رؤية واضحة في التعامل معها، أين يمكن أن يكون حضوره في هذا الصراع الثقافي، هل يستحضر التاريخ ويستعين به لتأكيد خصوصية ملامحه أم يتحرك في مساحة من الانفتاح يخضع فيها مورثه الثقافي إلى رياح التغيير مستجيبا بذلك إلى خطاب العولمة الشمولي؟ من هنا لجأنا إلى تلخيص هذه الهواجس بسؤال واحد طرحناه على نخبة من المثقفين العراقيين: كيف تَقرأون الهوية الثقافية في زمن العولمة؟
هويّات متسرِّبة
الروائي حميد الربيعي بدا متشككا في مآلات العولمة، حتى أنه شبهها ببالوعة كبيرة تشفط كل شيء يتحرك في الشوارع والأزقة من دون أن تستطيع إعادة تدويره ثانية. وضمن مفهوم التدرج التاريخي في المسيرة الإنسانية فإن العولمة لن تكون المحصلة النهائية وإلا سنقرأ سلام الختام على البشرية وذلك بالعودة مرة ثانية إلى قانون الغاب الأولي. ويضيف الربيعي بأن العولمة لم تأت من فراغ، إنما فرضتها إرادات اقتصادية دولية وتدرجت من السوق المفتوحة إلى التجارة الحرة لتحويل العالم إلى قرية صغيرة عبر وسائل وأساليب كثيرة. ويصل في استنتاجه إلى ان الهويات ستكون متسربة في ثنايا هذه القرية الكبرى ولن يكون لها وجود من خلال تلاشي مفاهيم الأطر للثقافات المحلية كاللغة والتراث والتاريخ والجنس، لأن الاختلاط الذي تطلبه العولمة يقضي على هذه المفاهيم كما يحاصر الذات الإنسانية، فضلا عن ان انتشار ثقافة العولمة سيقودنا إلى عدم التمييز ما بين الثقافات المحلية بين هؤلاء وأولئك من المجاميع البشرية، بالتالي يتحول البشر إلى قوالب معبأة بمفاهيم جاهزة بدون أن تكون هناك خلفية تساعد على المقاربة أو المقارنة بثقافة أخرى، والنتيجة تعني إلغاء كل ما هو ذاتي أو محلي.
هويّات لا تسعى للطيران
يرى الشاعر بولص آدم أن الإساءة للهوية الثقافية في هذه المسألة تتمثل بالحصار الرجعي عليها، بحجة مقاومة الذوبان، وقبل أن يصل إلى هذه النتيجة يتساءل: هل هناك تكافؤ فرص وعدالة في توزيع هذه الفرص في الشرنقة الثقافية لتكتسي الحواضر بالحرير؟ ويجيب على تساؤله قائلا: إن خالق الوجه الثقافي له منجز يقصد الوصول والصول بصوته المعلن لحضوره واستعداده للتفاعل في كل العالم، فليكن من كان قد أعلن عن مشروع متجسد في عمل ثقافي فكري إنساني فهو أول من تمرد على الحواجز والتحكم. ويضيف أن فكرة الفني والتقني طموحة ومسافرة بل عاشقة للتماهي والتبادل بينها وبين الآخر البعيد قبل القريب. ثم يحاول آدم مرة أخرى أن يعيد قراءة الهوية الثقافية في إطار ما طرحناه من سؤال وذلك بطرحه عدة أسئلة: كيف للهوية الثقافية ان تنتعش وتتجدد وهي لا تسعى للطيران والتحليق بعيدا؟ هل القدرية عند بتهوفن ناتجة عن هوية تفهم القدر وتسميه تجريديا بصيغة مطابقة لسماتها وتوقعاتها الإنسانية فقط؟ في معرض إجابته على الأسئلة التي طرحها نجده يضمنها أسئلة أخرى إذ يقول: لنركز على شكل هوية أحوال مثقف مثلا، ألم تتغير تلك التي كانت قبل نصف قرن عنها الآن؟ شكل الورق والطبع والصورة الشخصية تغير، غير أننا نستطيع تمييزه رغم شكل هوية أحواله الجديدة فسماته ومميزاته حوفظ عليها. نحن نخشى ان يكون للحفاظ كنية حسنة ان تقابل بمكافئة رديئة من قبل الطرف المتصدي للعولمة بغية إشباع رغبات التحكم والسلطة والنفوذ بأشكالها الشاذة والغبية، فالانغلاق نتيجة لذلك والخوف عنوان تلك الهوية الثقافية. ثم يصل إلى نتيجة واضحة حول مفهوم الهوية الثقافية عندما يقر بأن مدنية اليوم دليل وعي وعمل حثيث على هوية ثقافية متجددة تساير العصر وتقرر ما تنتمي ولا تنتمي إليه بحس استقلالي شفاف وليس استغلالي كذاب. أعطني فرصةً فاذا لم أحصل عليها فساكون أول من يشك في كل شيء. لدي هوية ثقافية تعدَّنت بالصهر مع كل استقبال إيجابي تأسيسا على معدن الأرض التي أنجبتني، غدا ستكون عندي هوية جديدة جرى عليها تحسين طفيف وهكذا.
يوتوبيا المستقبَل
الناقد المسرحي عصمان فارس يجد في اعتناق العولمة الثقافية كظاهرة عالمية أمرا صعبا للغاية. لأننا نتحدث كثيرا عن التعددية الثقافية على المستوى الملموس والمحلي، وهو مفهوم قريب ولكن ليس متطابقًا بالشكل الذي تتطرق إليه العديد من النصوص في هذه القضية. ربما يمكن القول إن التعددية الثقافية هي المظهر الوطني للحركة الثقافية العالمية. ولأن متحدثنا يعيش منذ مدة طويلة لاجئا في السويد يتطرق إلى موضوع التعددية الثقافية في الدول الاسكندنافية، مفترضا أن ثقافة الأغلبية المحلية هي بطريقة ما سياق العولمة الثقافية. وفي ضوء ذلك، يرى أن التعددية الثقافية ليست مفهوما إشكاليا، بينما يتم استخدامه كمثال، فإنه يميل إلى التركيز على الآخر المهاجر. فإن العولمة الثقافية شيء يشعر المرء بسهولة بالتناقض تجاهه. من ناحية، يعد شكل من أشكال المجتمع الثقافي العالمي شرطا أساسيا وفرصة للقرية العالمية التي وعدت بها يوتوبيا للمستقبل، ومن ناحية أخرى فإن حنين الروح ينخرط، والشعور بأن هناك كنوزا تضيع إلى الأبد، واللغات التي تموت، والذكريات الجماعية والخبرات التي تتلاشى. الثقافة شيء يُحدِث الموت المستمر والولادة، لذلك فإن حدود البلد هو موطن الثقافة.
طائفيّة الثقافة
ويشير الروائي نوزت شمدين في إجابته إلى عمق التفتت الحاصل في الوعي الثقافي الجمعي لدى العراقيين حتى انه شبه العراق مثل مركب تتقاذفه أمواج الأزمات، لذا فلا شيء مستقر فيه وركَّابه الذين توزعوا مجموعاتٍ طائفية وقومية، راضين أو مرغمين، يحاول بعضهم وباستماتة مسك المساحة التي حصلوا عليها وعدم الرجوع ولا حتى خطوة واحدة إلى الوراء. بينما آخرون همهم الوحيد المحافظة على ما تبقى لديهم. هذا هو المشهد العام. ويعبر شمدين عن أسفه لأنه وجد الحال يتفاقم في بعض الأحيان عندما يلعب فيه المظلوم سابقاً دور الظالم حالياً وقد يتجاوزه بمراحل. قلة قليلة هم المؤمنون حقاً بالعراق بيتاً ومستقبلاً للجميع ويظهر ذلك جلياً في أقوالهم وأفعالهم، وإلا فأن الأغلبية تحمله شعاراً فقط، سرعان ما يلقون به أرضاً ويهرعون لتلبية نداء الطائفة او القومية، ويظهر ذلك جلياً في الانتخابات والكوارث الوطنية المتلاحقة. ويضيف معلقا على ما وصل إليه حال الثقافة في العراق فيقول، إن العراق هو البلد الوحيد في هذا الكوكب الذي ليس فيه عيد وطني يحتفل فيه الجميع وهذا يكفي لندرك حجم المأساة. وبالنسبة له فان الثقافة الوطنية حتى تحقق حضورها الفاعل فإنها تحتاج إلى إجماع حتى تسود لتغلب على الانتماءات والولاءات الضيقة التي تقاسم الساسة على أساسها كل شيء تقريباً في بلادنا بدءاً من الإنسان. يجب أن نفهم جيداً أننا بلا عراق مجرد نتف بشرية لا قيمة لنا في أي مكان آخر وأن متانة سقفه فوق رؤوسنا تعتمد علينا وعلى سعينا الدائم للبحث عن معززاتٍ لوحدتنا. وهذا الفهم العام يتطلب فضلاً عن الجهد الجمعي الشعبي اضطلاع مؤسسات الدولة لترسيخه فعلاً يومياً في المدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية. وفرصة ذلك قائمة إن قررنا فعلاً أننا أبناء وطن واحد.
الهويّة متغيّرة
من وجهة نظره يعلق المخرج المسرحي د. علي عبد الحسين إزاء الهوية الثقافية ويجدها متغيرة بالضرورة لأي شعب، كما انها لا تعرف الثبات ما ظل تاريخها يمر بمراحل من التحول والتغير اللذين ينتجان عن عوامل محلية وعالمية في آن. والهوية ليست كياناً ثابتاً مغلقاً على نفسه، وإنما هي كيان فعال، فاعل ومنفعل، وتتكون من عناصر ثابتة عميقة الجذور ضاربة في العمق التاريخي للأمة، وأخرى متغيرة لأنها مشروطة بالتأريخ المتحول بكل عملياته، أي العمليات التي تأتي من الخارج، متفاعلة مع العناصر الثابتة. ويضيف علي عبد الحسين أن الهوية لا يمكن أن توجد بمفردها من دون ثلة من النقائض والنوافي والأضداد. وان البعد الثقافي للعولمة لا يعدو أن يكون محاولة لوضع شعوب العالم في قوالب فكرية موحّدة. ويصل في رؤيته حول أهداف العولمة إزاء الهوية الثقافية فيجدها تسعى إلى سلخ الشعوب عن ثقافتها وموروثها الحضاري وبالتالي سلخ هويتها الثقافية، لأنها في قناعته ليست سوى نظام يقفز فوق حدود الدولة والأمة والوطن يعمل على إفراغ الهوية الجماعيّة للأمة من أي محتوى، ويدفع بها إلى التفتيت والتشتيت، وليربط الناس بعالم اللاوطن واللاأمة واللادولة. وبذلك تصبح العولمة فعل اغتصاب ثقافي وعدوان رمزي على سائر الهويات، أنها رديف الاختراق الذي يجري بالعنف المسلح بالتقانة- فيهدر سيادة الثقافة في سائر المجتمعات التي تبلغها عملية العولمة.
سؤال شائك
الشاعر محمود جمعة اعتبر السؤال شائكا، والإجابةُ عنه تتطلّب إحاطةً بجوانب كثيرة، من التاريخ والسياسة والدّين والأنثروبولوجيا. لكنْه يستدرك ويجد ان بالامكان الرجوعُ إلى مصطلح (العولمة) الذي بموجبه أصبحَ العالمُ قريةً صغيرةً، وهذا أثّر على العقل العربيّ بصورةٍ مُباشرةٍ، فجعله يتنازلُ عن قناعاته الشخصيّة المتعلّقةِ بالتصاقه بالأرض، والأمرُ الأهمّ من ذلك بالنسبة لجمعة ان الحديث عن ثقافةٍ وطنيّة بات غيرَ ممكن مع شيوع محوُ فكرة الوطن، وإبدالُها بمفهوم الطائفة، لا سيما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، فانبرتِ الطوائفُ مُحاوِلةً انتزاعَ التاريخ من سياقاته المعرفيّة بما يعزّز أحقيّتها في السلطة، فضلاً عن ذلك فإنّ الدول العربية محكومٌة بحُكّامٍ، لم يحافظوا على أوطانهم سواء التي هي أفكار في الأذهان، أو حقائق جغرافيّة على التراب.
ثقافة نكوصيّة
الناقد الاكاديمي د. قيس عمر وضع مسؤولية ما آلت إليه حال الثقافة على عاتق الثقافة الإبدالية بعناوينها الطائفية والقومية، لأنها عملت على تشكيل ثقافة نكوصية/تاريخية- أسطورية، وإذا ما حاولنا البحث عن الثقافة الوطنية التي تسعى لها الأيديولوجيات السياسية المنعتقة من الخطاب الطائفي أو القبلي سنجد تجربة الحزب الشيوعي- عربيا- مثلا لا تختلف كثيرا عن الثقافة السائدة، فمحاولة الهيمنة على المنابر الثقافية والإعلامية وتكريس ثقافة تاريخية ثبت فشلها التاريخي أمام الرأسمالية لا يمكن عده إلا في هذا السياق. وأضاف أن التحالف الهش بين هذه المكونات الإبدالية قد عمل على ضرب لحظة التنوير. فبعد احتلال العراق تغول الخطاب الطائفي، وفتح الباب أمام مشروع نكوصي جديد أطاح بمفهوم “الدولة الوطنية” لتتبعها مفاهيم “الثقافة الوطنية” وإذا ما أردنا تشكيل ثقافة وطنية ينبغي ترصين دعامات الفكر الحر، وأن يكون الهرم فيها هو الأيمان بالمواطنة القطرية ومن ثم الكونية العابرة للجغرافيا والتي تؤمن بالتجربة الإنسانية.

مسيحيو العراق ح 4 / "المسيحيون ايام الدولة العثمانية "





النوع : وثائقي / تاريخي
الزمن : 35 دقيقة
العدد : 12 حلقة
مونتاج واخراج : مروان ياسين

المشهد الثقافي 634 - الممثل نزار السامرائي بضيافة ملتقى الاذاعيين والتلف...

الخميس، 8 أغسطس 2019

https://www.alquds.co.uk/تهديم-اشتراطات-العالم-الواقعي-في-العر/

تهديم اشتراطات العالم الواقعي في العرض المسرحي العراقي” توبيخ “

منذ 23 ساعة



أي عرض مسرحي لا يستحضر في بنية خطابه الفني امتدادات ومحددات فنية سبق أن جرّبها المسرحيون هنا وهناك، لابد أن يضع مُبتَكِرهُ في مواجهة جمالية مع الموروث بكافة مدارسه، وبطبيعة الحال فإن شكل وموضوع هذه المواجهة سوف يعتمد على ما أحدثه العرض الجديد من لحظة مفارقة مع المنظومة التقنية الحاضرة في المشاريع المسرحية السائدة، التي سبق أن تم إنجازها من قِبل أجيال من المشتغلين والمفكرين في تحديث وتطوير خطاب العرض المسرحي.
باعتبارنا متلقين للعمل الفني سنكون أمام مسؤولية نقدية ليست بتلك البساطة عندما نتلقى جرعة من التلقي الفني تتسلل إلينا عبر عمل مسرحي، فتحدث إرباكا في ذائقتنا واهتزازا في ثبات المقاييس الراسخة في ذاكرتنا، والصعوبة هنا تتحدد في كيفية التوصل إلى نحت كلمة أقرب في وظيفتها إلى المصطلح الفني، بهدف أن تُمارس مقاربة توصيفية لأسلوبية العرض الذي حمل في رسالته خطابا مغايرا، بالشكل الذي تصبح فيه هذه الكلمة مجسّا حساسا لكشف ما انفتح عليه العرض من إطار فني غير مألوف، بالتالي وضعه خارج ما هو مستقر من أساليب مكرّسة في آليات الاشتغال الفني، بناء على ما قدمه من رهانات فنية نهضت بها رسالته الجمالية، سواء على مستوى التقانات، أو القراءة الاشتغالية المُرَكِّبة لجوهر العرض المسرحي، وهذا سيضعنا أمام جهد نقدي، جوهره استكشاف ما طرحه المُنْتَج من أسئلة وما قدمه من أجوبة جمالية على مستوى الشكل والمعالجة، تقطع صلته بممارسات مسرحية متوارثة ومتداولة.

والعرض المسرحي الموسوم «توبيخ « للمخرج العراقي أنس عبد الصمد يمكن وضعه في هذا السياق، باعتباره احتفى بعلاقات جديدة توخى تأسيسها في إطار رؤيته للعرض المسرحي، وقد تجسدت بنزعته الواضحة إلى قطع صلته مع النص الأدبي بكل عناصره الدرامية، التي سبق أن شخصها أرسطو في كتابه «فن الشعر»، مكتفيا بجسد الممثل وما يختزنه من مفردات قادرة على أن تصنع جملا وتراكيب بلاغية، بدون حاجة إلى لفظها صوتيا. اعتمد أنس عبد الصمد في تشكيل جملته المسرحية على سلطة التخييل، لتكون منطلقا لتأسيساته الغرائبية في قراءة الواقع، ومواجهته بقسوة صياغاته الصورية، التي كانت تنثال متناسلة في فضاء سينوغرافي يحيلنا إلى عوالم الفن السيريالي، بذلك يكون أنس عبد الصمد قد سار في منحى شكلاني بحت وهو يحرِّك وعي المتلقي واستثارته ناحية تأكيد العلاقة بين الواقع والمتخيل، في بنية العرض المسرحي.
يأتي هذا الجهد الفني في مسرحية «توبيخ» ضمن إطار ما أفرزه المسرح المعاصر من تجارب حملت إرهاصات ما بعد الحداثة، التي تجلى فيها الانعكاس الذاتي في رؤية الواقع بمحمولاته الجمالية، وهذا المستوى من الفهم لطبيعة العرض المسرحي يعكس اهتماما كبيرا ومتصاعدا بالكيفية التي يعبر البشر من خلالها عن خبرتهم الفردية بالعالم، بما يعني الانزياح بعيدا عن السياقات التي تطرحها الحياة اليومية من صور تتمظهر في العلاقات القائمة بين الأشياء، حيث عمل المخرج على بناء سينوغرافيا العرض في منحى فني أساسه تهديم اشتراطات العالم الواقعي، وإعادة إنتاجه في عالم من التخيلات الذاتية التي هي أقرب إلى بنية الأحلام والكوابيس.

الإحاطة بما قدمه أنس عبد الصمد من أفكار ليست بالسهولة التي يمكن أن تكون عليها عملية التلقي في العروض التقليدية، سواء الكلاسيكية أو التي تتحرك في المساحة الجمالية للمسرح، الذي أنتجته الحداثة بمدارسها وأساليبها، ذلك لأنه قدم لنا لغة مسرحية عكست عالما قائما على التفكك والانهيار الأخلاقي، تقف وراءه السلطة بدلالتها وعناوينها المطلقة غير المشروطة في بيئة وزمن محددين، عالم لم يعد يرتبط في ظواهره إلى الإنسانية بشيء، مع تصاعد وتيرته في استلاب إنسانية الإنسان، من قبل أشكال من السلطات هي أقرب لعالم الحشرات والحيوانات في طبيعتها ونزواتها وشكلها، على الرغم من اختلاف عناوينها، حتى أصبح الفرد ممسوخا في ظل هيمنتها عليه، وبات يحيا في عالم تتجلى فيه سلطة القمع بكل شيء، وما من فرصة له حتى يمارس كينونته وحضوره الفاعل. بإمكان المتلقي أن يلحظ استمرار صوت طنين الذباب بشكل مستفز طيلة زمن العرض، مترافقا مع موسيقى التقطها أنس عبد الصمد من أنماط مختلفة تجمع ما بين مقاطع مأخوذة من أشكال كلاسيكية وألكترونية وإيقاعات مقبلة من طبول وأصوات، تصدر عن أجراس وآلات حديثة، مثل جهاز الاستنساخ الورقي، إضافة إلى أصوات بشرية لا تعبر عن جمل واضحة يمكن للمتلقي أن يمسك بمعانيها، هذا العالم الصوتي المتشنج أراد من خلاله عبد الصمد، أن يقدم لنا مناخا فانتازيا في منظومته السمعية والبصرية.
وسط هذا الخراب المؤثث بالتزييف والتطرف والرعب والموت، يقف الإنسان المثقف عاجزا، ويائسا بعد أن تفقد الثقافة برمزيتها المعبر عنها بالكتاب قدرتها على المواجهة، لتسلم الراية لسلطة واقع موبوء بكائنات ممسوخة يتم استنساخها في آلة الاستنساح، مثلما تُستنسخ الأوراق.
لم يكن العالم المتخيل في مسرحية «توبيخ» إلا تعرية للعالم الواقعي، في سياق فني قائم على التشظي، إذ ليس هناك من حكاية واحدة يتمركز حولها المتن الدرامي، فكان المتلقي أمام عملية مستمرة من الهدم والبناء، داخل فضاء درامي فضفاض يفضي به بالتالي إلى استجابات شعورية، تبعث على الإحساس الدائم بالتوتر، خاصة أن ما يتحرك في هذا الفضاء السينوغرافي من صور متلاحقة، تربطها علاقات واهية من حيث الشكل مع العالم الواقعي، لكنها في الوقت ذاته صادمة وساخرة واستفزازية، وحملت في دلالالتها إشارات رمزية إلى حقيقة العلاقة المشوهة التي تتعامل بها السلطة مع مواطنيها، وسعيها المستمر باستنساخهم ليكونوا على صورتها التي جاءت على هيئة حِمار.
وسط هذا الخراب المؤثث بالتزييف والتطرف والرعب والموت، يقف الإنسان المثقف عاجزا، ويائسا بعد أن تفقد الثقافة برمزيتها المعبر عنها بالكتاب قدرتها على المواجهة، لتسلم الراية لسلطة واقع موبوء بكائنات ممسوخة يتم استنساخها في آلة الاستنساح، مثلما تُستنسخ الأوراق. بقدر ما يدخلنا العرض في بنية فنية قائمة على التخييل، مبتعدا بذلك عن البنى المألوفة التي يفرزها العالم الوضعي، إلا أنه يظهر لنا بشاعة العالم الواقعي عبر صور مدهشة وغريبة، تتوالى في سرد حكاية الصراع الذي يخوضه الإنسان ضد سلطة قاهرة تتفنن في أساليب القمع، إلى الحد الذي لم نسمع صوت الإنسان طيلة زمن العرض، وليبقى الصوت مقتولا في داخله بعد أن تمددت شراسة السلطة في كل تفاصيل الحياة.
استلزمت بنية العرض الانحياز إلى لغة مشفرة، وفي شكلها الخاص تتعارض وتتقاطع مع الوقائع الموضوعية، وهذا يأتي من قناعة المخرج في أن اللغة المسرحية المتداولة بكل اتجاهاتها الفنية لم يعد فيها من شيء جديد يمكن اللجوء إليه للتعبير عن إشكالية الوضع الإنساني الذي وصل إليه المجتمع البشري، بعد طوفان العنف والقسوة الذي تنتجه أشكال مختلفة من السلطة. منذ أن بدأ أنس عبد الصمد يفرض حضوره في المشهد المسرحي العراقي، قبل عقد من الزمان، اعتاد أن يواجه الجمهور بلغة مسرحية من خارج المنظومة التي عادة يتقن المتلقي التواصل معها، ورغم أن ما يقدمه من عروض في كليتها تعتمد على استثمار ما يمتلكه الجسد من طاقة تشفيرية إلا أنه يحرص على إبقاء خيط شفيف يحافظ بواسطته على توازن العلاقة مع المتلقي، من خلال واقعية الأفكار التي يتناولها، بمعنى أنه لا يسعى إلى تضليله بقدر ما يدفعه إلى تركيز انتباهه أزاء عالم فني مؤسلب تحتشد فيه علاقات استعارية. مثل هذه العروض تترك الباب مفتوحا أمام مستويات متعددة من التأويل، وبقدر ما تتلقى ردود أفعال تحتفي بها لكونها تنغمس بتقنياتها في شكل من الرؤية الفنية التي تمجد الوعي الذاتي بكل تخيلاته وشطحاته الجامحة، فإنها في الوقت نفسه تواجه نظرة أخرى قائمة على عدم التفاعل معها لدى طيف واسع من المتلقين، لأنها تتنصل عن لغة مشتركة قائمة بينهم وبين العرض.

الاثنين، 5 أغسطس 2019

https://www.alquds.co.uk/ما-الذي-تبقَّى-من-طروحات-علي-الوردي-حول/

ما الذي تبقَّى من طروحات علي الوردي حول البداوة في شخصية الفرد العراقي

منذ 57 دقيقة

«يجوز لنا أن نصف الشعب العراقي بأنه شعب حائر، فقد انفتح أمامه طريقان متعاكسان، وهو مضطر أن يسير فيهما في آن»، هذا ما كان قد توصل إليه عالم الاجتماع العراقي علي الوردي قبل أكثر من ستين عاما، وجاء ذلك في كتابه «شخصية الفرد العراقي» الصادر بطبعته الأولى عام 1951 عن دار ليلى في لندن. إشكالية الفرد العراقي التي شخَّصها الوردي، تفضي بنا إلى نتائج واقعية يمكن ملاحظتها في صور عامة، أبطالها أفراد وجماعات يعبرون فيها، ومن خلالها عن صور تزخر بها مظاهر مختلفة من الحياة، وفي دلالاتها تشير إلى منظومة ثقافية تحمل قيما أخلاقية تنضوي خلف سياق من أفعال وردود أفعال تصدر عنهم في هذا الظرف أو ذاك.
إشكالية الشعب الحائر
الوردي عند استعماله جملة «شَعبٌ حائر «كان يشير إلى ازدواجية المعايير، البدوية والحضرية، واجتماعهما وتنازعهما في ذات الفرد العراقي، فالشخصية هنا تبدو»درامية» إذا جاز لنا استعارة هذا المصطلح من المسرح، لأنها تعيش حالة صراع دائم مع نفسها، بمعنى أنها تعيش مخاضا، ولكن ليس هناك ما يشير إلى أن نهاية هذا المخاض تبدو مرئية على المدى البعيد، بمعنى أن خيار القطيعة مع أحد الخيارين، البداوة والحضارة، لا يظهر في أفق الواقع المنظور، وستبقى حالة الانجذاب إلى كليهما قائمة، وأن الازدواجية ستعلن عن نفسها بشكل طبيعي في الشخصية بدون أن تقصد أو تدرك ذلك، وفي ما لو أنها أدركت فلن يدفعها إدراكها إلى أن تحسم هذا الصراع، لأن روافد البداوة التي تغذي الشخصية، مع أنها ترتدي ثيابها المدنية لم تنضب.
لا بد هنا من أن نشير إلى أننا عندما نذكر مفردة البداوة في سياق الحديث فإننا نعني بها القبلية أيضا، لأننا لا نلمس أي تقاطع جوهري بينهما من حيث ما يفرزانه من قيم، خاصة أن المجتمع القبلي العراقي أبوابه مفتوحة بشكل دائم على الرياح الساخنة المقبلة من الصحراء بكل ترحاب، مقابل ذلك يصد الهواء الناعم المقبل من المدينة.
الصحراء تحكم المدينة
إن أوضاع العراق السياسية لم تعرف الاستقرار منذ عقود طويلة، ودائما ما كانت البلاد تتعرض إلى مناخ يسوده التشنج والاحتقان، ويصل في ذروته إلى صراع دموي بين الأطراف السياسية، ونتجت عن ذلك تداعيات عنفية مجتمعية، ويعزو الوردي هذا العنف الذي تجلى في أبلغ صوره ساعة وقوع الانقلابات العسكرية التي شهدها العراق (1936، 1941، 1958، 1959، 1963، 1968) إلى قيم البداوة، فالعراق حسبما يرى يقع على على حافة الصحراء، ولا يفصل بينها وبينه فاصل من بحر أو جبل، ولهذا كان مجتمعه يتلقى الموجات البدوية بين فترة وأخرى.فكانت تترك اثارها السيئة عليه، فيصطبغ مناخه بالعواصف السياسية الساخنة التي تحرق كل عوامل الاستقرار التي قد تظهر امامها.
يمكن القول بأن الوردي، وفي وقت مبكر من عمر الثقافة العراقية، مارس مهمة النقد الثقافي منذ خمسينيات القرن الماضي، متصديا بذلك لمجموعة المفاهيم التي كانت تكشف عن نفسها في مواقف مختلفة من حياة العراقيين.
استذكار الوردي في محاضرة
إن طروحات الوردي حول الازدواجية في شخصية الفرد العراقي بقيت تستحوذ على اهتمام القراء والباحثين منذ خمسينيات القرن الماضي وإلى يومنا هذا، ولم تفقد بريقها، واحتفظت بقدرتها على إثارة الجدل بين أوساط المثقفين، ومن يضعون نصب أعينهم دراسة المجتمع العراقي. وبناء على ذلك كنا نتوقع أن ترتفع وتيرة الحوار، عمقا واستفاضة إلى المستوى الذي ينسجم مع أهمية تلك الطروحات، في الندوة التي أقيمت نهاية شهر يوليو/ تموز 2019 في مبنى اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين بمناسبة مرور أربعة وعشرين عاما على رحيل الوردي (1913- 1995 ) إلا أن عبد الوهاب حمادي في محاضرته، اكتفى بسرد جوانب من علاقته الشخصية التي ارتبط بها معه، منذ أن تتلمذ على يديه في كلية الآداب جامعة بغداد في ستينيات القرن الماضي، ومن ثم تطور تلك العلاقة إلى زمالة وصداقة بعد تخرجه من الجامعة، إلى أن غادر الوردي الحياة، كما أن مداخلات بعض المثقفين الذين حضروا الأمسية خلت من أي قراءات جديدة للميراث الفكري الذي خلفه الوردي، سوى إشارات عابرة حول قضايا ذات أهمية في مسيرته البحثية مثل، موقفه من مسألة الصراع الشيعي السني، كذلك عدم إيمانه بالوحي مقابل إيمانه بالايحاء، وغموض موقفه من الإلحاد، وعلى ما يبدو أن حساسية الصراع المذهبي في العراق هذه الايام كان سببا جوهريا في أن لا يتوقف الحضور عندها ومناقشتها، مع أن هذا الصراع الذي لم تهدأ نيرانه منذ 1400 عام، لم يمنع الوردي من أن يتصدى له بكل جرأة قبل أكثر من سبعين عاما، سواء في كتبه أو في ندواته التي كان يقيمها أو التي يشارك فيها، وبحضور أبرز الشخصيات الشيعية والسنية من رجال الدين، ورغم ما كان يتعرض له من إساءات وتهديد بالقتل، إلا أنه لم يتردد في إعلان قناعاته وعدم التراجع عنها، بل إن الموقف ضده من قبل رجال الدين تصاعد إلى الحد الذي بدأوا في ختام خطبة الجمعة يطلبون من الله أن ينزل عليه العقاب، أسوة بالطغاة والعاهرات والمجرمين.
نقد الثقافة الاجتماعية
يمكن القول بأن الوردي، وفي وقت مبكر من عمر الثقافة العراقية، مارس مهمة النقد الثقافي منذ خمسينيات القرن الماضي، متصديا بذلك لمجموعة المفاهيم التي كانت تكشف عن نفسها في مواقف مختلفة من حياة العراقيين، وقد عبر عن رؤيته في الثقافة الاجتماعية، باعتبارها مركبا قائما بذاته، وليست مجموعة بسيطة من الأجزاء المتفرقة، وإنها ذات خصائص تختلف عن كل جزء داخل في تركيبها، والثقافة الاجتماعية في نظره مجموع العادات والتقاليد والقواعد والأفكار الموجودة في أي أمة من الأمم، وهي تشمل مختلف شوؤن الحياة فيها، كالشؤون الدينية والأخلاقية والقانونية والفنية والصناعية واللغوية والخرافية. والشخصية بوجه عام كما يحللها ويصفها هي صنيعة الثقافة الاجتماعية وصورة مصغرة لها في الغالب، فالفرد لا يكاد يفتح عينيه في الحياة حتى يجد الثقافة الاجتماعية قد ضربت نطاقها عليه، وشملته بقيمها ومركباتها وطابعها العام، وهو إذن سينشأ وتتبلور شخصيته في حدود القالب الذي صنعته الثقافة الاجتماعية له.
وفي ما يتعلق بثقافة المجتمع العراقي يجد الوردي أن الطابع العام الذي يوسمها بوسمه هو «التّغالب» حسب وصفه، ويرى أن مرجعية ذلك تعود إلى المجتمع البدوي، الذي تتشكل ثقافته من ثلاثة مركبات: العصبية، الغزو، المروءة. ويضيف في هذا السياق أن التغالب موجود في هذه المركبات الثلاثة، والعراقيون تتوفر في شخصيتهم هذه المركبات، ولم يجد ما يشير إلى أن المجتمع العراقي قد حصلت قطيعة بينه وبين قيم البداوة التي تعلي من شأن الرجل وتصفه بالشجاع بقدر ما يحصل عليه من غنائم في الغزو، ولكن هذا المقياس البدوي وحده لا يكفي، فالرجل يجب أن يكون وهّابا بقدر ما يكون نهّابا، ومن هنا يتوقف أمام وصف الرجل البدوي منذ قديم الزمان بأنه «وهّاب نهّاب».
نزعة التغالب
السؤال الذي قد يطرح هنا: هل اضمحلت القيم التي كان عليها المجتمع العراقي عندما شخصها الوردي قبل أكثر من ستة عقود؟ في الواقع هناك العديد من الأدلة التي تثبت وجودها القوي والمؤثر في الحياة المجتمعية، بل إنها ازدادت رسوخا خلال الأعوام التي أعقبت سقوط بغداد عام 2003، ولعل الوقائع الكثيرة التي سجلتها الأحداث العراقية خلال الخمسة عشر عاما الماضية، تؤكد صحة ما ذهب اليه الوردي في هذا الخصوص، إذ لم يعد هناك من حدود تردع الأفراد من أن تمتد أياديهم لتنهب كل شيء يقع أمامهم من المال العام، أو تنتهك قوانين وأنظمة الدولة. وعندما يسعون لاسترداد حقوقهم الشخصية يلجأون إلى القبيلة وليس إلى الدولة، لأنهم لا يعترفون بها ولا يحترمونها بقدر خضوعهم لسلطة القبيلة، حتى إن الدولة نفسها عندما وجدت نفسها في موقف الضعيف والعاجز عن مواجهة سلطة القبيلة تخلت عن دورها لصالحها، وبات للقبيلة الكلام الفصل في حسم النزاعات التي تنشأ بين الأفراد والجماعات، بما في ذلك القضايا التي يكون أحد طرفيها موظف في الدولة، سواء كان عسكريا أو مدنيا.
على سبيل المثال وقعت حادثة قبل عدة أشهر من هذا العام عندما صفع محافظ مدينة واسط أمام الناس ضابطا في الجيش العراقي، عند نقطة سيطرة في شارع عام، لاعتقاد المحافظ أن الضابط كان المسؤول عن عرقلة سير المركبات، وبدل أن يتوجه الضابط إلى الدولة لاسترداد شرفه وحقه لجأ إلى عشيرته، لأنه يدرك جيدا أن سلطتها على الأرض أكبر من سلطة الدولة، والنتيجة أن عشيرة الضابط تمكنت، ومن خلال جلسة عشائرية، أن تفصل في الموضوع وتلزم عشيرة المحافظ أن تعتذر للضابط وتدفع مبلغا ماليا كبيرا له لرفع الإهانة التي لحقت به. والأمثلة كثيرة إذا ما أردنا استعراضها.
خلاصة ما يمكن قوله إن نزعة التغالب البدوية، التي أشار إليها الوردي قد سيطرت على شخصية الفرد، وهذا يتفق مع تشخيصه الذي يرى فيه أن الشخصية العراقية تنظر إلى كل الأمور من خلالها، وهذا يتطابق تماما مع ما تؤمن به شخصية البدوي، فعلى سبيل المثال يشير الوردي إلى أن البدوي يود أن يكون ناهبا لا منهوبا، معتديا لا معتدى عليه، معطيا لا قابضا، مقصودا لا قاصدا، طالبا لا مطلوبا، مغيثا لا مستغيثا، مجيرا لا مستجيرا، قادرا لا مقدورا عليه، حاميا لا محميا، مسؤولا لا سائلا، مرجوا لا راجيا، مشكورا لا شاكرا.
ولو تأملنا هذا التأطير لشخصية البدوي، وحاولنا أن نطابقها مع شخصية الفرد العراقي اليوم لن نجدها بعيدة عنها، لان الثقافة الاجتماعية لم تتنصل عن هذه القيم. ويواصل الوردي قراءته للشخصية البدوية لأجل أن يعثر على ما يماثلها في شخصية الفرد العراقي الازداوجية، فيجدها في الإجمال تحمل في داخلها جانبين متناقضين، ولكنهما متوازنان، فيقول في هذا الخصوص «قد نرى الرجل البدوي يود أن يغزو وينهب ويقتل ويعتدي، وهو في الوقت ذاته يود أن يتكرّم على الآخرين ويحمي ويغيث ويشمل بمروءته كل من يأتي اليه قاصدا في حاجة».
الحرية في مفهوم الفرد المتحضر الذي يعيش في المدينة تعني أن هناك حدودا غير مسموح له أن يتجاوزها، بمعنى أن الحرية يراها انضباطا والتزاما بمنظومة من القوانين المسلطة على الجميع وليس انفلاتا.
الشِّعرُ بين البداوة والمدينة
الحرية في مفهوم الفرد المتحضر الذي يعيش في المدينة تعني أن هناك حدودا غير مسموح له أن يتجاوزها، بمعنى أن الحرية يراها انضباطا والتزاما بمنظومة من القوانين المسلطة على الجميع وليس انفلاتا، والحرية بهذا الفهم تكون حاضرة بالقدر الذي يخضع فيه الفرد لسلطة الدولة، وتغيب إذا ما غابت الدولة، وهذا على العكس مما يؤمن به البدوي، الذي يجد حريته في الغزو والسلب، بل يتباهى في أنه غزا وسلب ونهب، ويجد في ذلك تعبيرا عن شخصيته وحريته، وإذا ما حاولنا قراءة المجتمع العراقي بناء على جملة من الوقائع التي يفرزها الواقع، سنصل إلى ما توصل إليه الوردي.
ليس خافيا هنا، تأثر الوردي في رؤية ابن خلدون بهذا المنحى من التفكير، عندما يرى أن البدوي يملؤه شعور قوي بكرامته الشخصية حتى ليثور على كل شكل من أشكال السلطة، وحتى ليتوقع منه سيد قبيلته وقائده في الحروب الحسد والبغض والخيانة، من أول يوم اختير فيه للسيادة عليـــه، حتى لو كان صديقا حميما له من قبل.
من هنا يستنتج الوردي سر الخيانات والجرائم في تاريخ العرب، وصعوبة قيادتهم، وأن عدم خضوعهم للسلطة هي التي تحول بينهم وبين التفاعل مع الحضارة الحديثة، ولا يجد في النزعة الفردية لدى البدوي أي التقاء مع مفهوم الفردية التي جاءت بها الحضارة الغربية، والتي تعني أن كل فرد مسؤول لوحده عن أعماله ولا شأن لقبيلته وعائلته به. فما يقترفه الشخص من أعمال مشينة لا تلحق بعائلته أو قومه أو مدينته.
أما في المجتمع القبلي فإن الفضيحة التي قد تلحق شخصا ما فإن القبيلة كلها تدفع هي أيضا ثمنها، ولا نظن أن أي متابع لطبيعة المجتمع العراقي إلا سيجد رسوخ هذه القيم وثباتها، رغم كل المتغيرات السياسية التي حصلت منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921، فمازال اللسان أشد الأسلحة في المدينة العراقية كما هو في المجتمع البدوي. ومثلما كان العرب قديما يقيمون الاحتفالات إذا ما ولد بينهم شاعر مايزال المجتع العراقي يحافظ على هذا التقليد، لأن الشاعر سيتولى حماية أعراضهم والذود عنهم وتخليد مآثرهم. وهنا يعلل الوردي سبب اهتمام العرب بالشعر حتى هذه اللحظة، لأن البداوة مازالت تقيم فيهم.
لا يختلف اثنان من المهتمين بعلم الاجتماع على أن علي الوردي، أبرز عالم اجتماع قدمه العراق في منتصف القرن العشرين، ومؤلفاته مازالت مثار اهتمام الدراسين حول الشخصية العراقية، وتحظى بالمرتبة الأولى من حيث اهتمام القراء. وقد ترك للمكتبة العربية ثمانية عشر كتابا وعشرات البحوث والمقالات.
٭ كاتب عراقي

مسيحيو العراق ح3 : " اوضاع المسيحيين بعد سقوط الدولة العباسية "





النوع : وثائقي / تاريخي
الزمن : 35 دقيقة
العدد : 12 حلقة
مونتاج واخراج : مروان ياسين

https://www.alquds.co.uk/جدل-الهويّات-الثقافية-وخطابها-في-سجال/?fbclid=IwAR3tmawItK3Fvj18my982XqeMVUGHAoIhTZnVOOZJedK6NZaWrLiOGKHC4A جدل...