الخميس، 24 مارس، 2011

ماعدت اعرف وطناً .. اسمه العراق

ترددت كثيراً قبل ان اسجل افكاري في هذه المقالة التي ستضعني في موقف لاأحسد عليه من قبل العديد من الذين سيقروأنها ، وقد يُقدِمُ البعض منهم ــ وهذا امر مؤكّد ــ على كتابة رد ٍقاس سيكون بمثابة درس اخر لي في الوطنية لطالما شنفت اسماعنا به ،من خلاله يُفنّدُ الكاتب المفترض ، ارائي التي اقل ماسيقول عنها ،انها متطرفة ،وانها إذا ماعبََّرت عن فكرة ما، فانها لم تعبرإلاّ عن انانيتي المفرطة ،ومحدودية افكاري، وانتهازيتي الواضحة الخ من الصفات اللاوطنية التي ستلصق بي،هذا اذا ما لم يتهمني البعض الاخرممن سيردون عليّ ويقولون عني بأنني حاقد ، أومصاب بمرض نفسي.وقد يصل البعض بهم لان يشكك بولائي أوبأصلي وفصلي وحسبي ونسبي،
على اية حال ومهما ستكون ردود الافعال نحوي ، سأكون أنا في ذلك الوقت مستعداً لكل التهم التي ستلصق بي، ومع ذلك لن اكلف نفسي عناء الرد عليها .

اقول مرة اخرى ترددت كثيراً قبل ان اسجل افكاري في هذه المقالة ، ذلك لانني نشأت في عائلة تعلمت منها الصبر امام المحن ، وعدم الشكوى الاّ لله ، لان الشكوى لغير الله مذلة .
وهكذا عشت طوال عمري وانا اكظم غضبي كلما واجهتني ظروفاً صعبة وقاسية في مشوارحياتي من اجل ان احيا محافظاً على عزة نفسي ،رغم الفقر الذي احاط بعائلتي التي عاشت برفعة عالية في مجتمع موصلي محافظ .
ومع هذا الظرف الذاتي الذي أحاطني انا وعائلتي ، الاّ انني وجدت نفسي مُنخرطاً دون إرادتي بقراءة الادب والشعرومتابعة الشأن السياسي ، سواء في العراق أو العالم .
لذا كُنتُ على استعداد دائم للدفاع عن انتمائي لهذا البلد الذي ولِدتُ وعشت فيه طوال حياتي ، ولم اغادره طوال خمسون عاماً من عمري الى اي بلد اخر، وعليه لم اكن احمل في جيبي غير جنسيتي العراقية ، ودائماً كنت اشعر بقوة لاحدود لها تسحبني اليه وتمنعني حتى من التفكير بمغادرته في اقسى الظروف والمحن التي مرت عليه ، وشهدت انا فصولها لحظة بلحظة وحدثاً بحدث مع انني كنت أمنحُ العذر لمن يغادرالعراق من مواطنيه الشرفاء خلاصاً من الازمنة التي كان البلد يضيق فيهاعلى مواطنيه ،والتي غالباً ماتعود اسبابها الى ملابسات العمل السياسي وتعقيداته الدموية في بلد عجيب مثل العراق لم يكن في يوم ما يحترم فيه ساسته وقادة احزابه خصومهم، وماكانوا يترددون ابداً في قتل بعضهم البعض واللجوء الى التصفية الجسدية في احسن الاحوال وليس اسوأها ماأن تحين الفرصة لهم .
ومع هذا الوضع السياسي البائس الذي عانت منه ايضاً عائلتي ودفعت ثمنه خيرة شبابها ، إلاّ انني كنت متمسكاً بعراقيتي وبجذوري العميقة في هذه الارض، مدفوعاً بأمل واسع كنت واثقاً جداً من قدومه إما اليوم أوغداً وسيتحقق فيه ماكان يصبو اليه الناس دائماً من نظام سياسي عادل يعيد الاوضاع الى نصابها الطبيعي وتتحقق العدالة الاجتماعية بين الناس بعد ان ذاقوا ماذاقوا من ظلم واجحاف من قبل كل الانظمة السياسية التي حكمت العراق منذ عام 1958بعد أن خُدع عموم الناس بشعارات وطنية زائفة ، لم يجني منها سكان هذا البلد إلاّ مزيداً من المعتقلات والحروب، وتراجعاً خطيراً في مستويات التنمية والخدمات والحرية .
وفي محصلة هذا الدمار الذي اخذ يأتي على البلاد ، عاماً بعد اخر، وحكماً بعد اخر، وزعيماً بعد اخر، فقد المواطن العراقي اي شعور بالامان في وطنه العراق ، ولم يعد يؤمن بان الغد سيكون مطمئناً له ولعائلته، بعد ان تم تجريده من ابسط حقوقه الانسانية والمدنية ، وباتت اسس العيش الاولية للانسان بعيدة عنه ، وماعاد من السهولة بمكان الحصول عليها الاّ بعد ان يصل الانسان الى ارذل العمرولايحصل عليها مطلقاً .
وإذا ما ماكان الانسان غير حامل لشهادة علمية تؤهله للحصول على وظيفة تأتي له براتب شهري يؤمن له احتياجاته الانسانية ، فإن عليه ان يبقى طوال عمره يركض وراء لقمة العيش دون ان يكون متأكداً من الحصول عليها ، بل يترتب عليه ازاء هذا الوضع ان يشقى طوال عمره من اجل ان يكون له بيتاً يسكنه هو وعائلته، وقد لايتمكن في أحسن الاحوال من تحقيق هذه الاحلام المتواضعة ، والتي تعد من الاولويات التي غالباً ماتحققها الكثيرمن بلدان العالم لمواطنيها ماأن يبلغوا سن الرشد ،لان في ذلك حق واضح للمواطن كفله الدستور وعلى الدولة ان تتكفل بتحقيقه مع بقية الخدمات الاجتماعية والصحية التي تلتزم بتوفيرها اجهزتها ومؤسساتها تجاه المواطنين .
- فهل التزمت اي حكومة ــ اخذت نصيبها من حكم العراق ـــ بواجباتها
كاملة تجاه مواطنيها؟
- هل احترمت ارائهم وقناعاتهم الشخصية،ولم تراقبهم ،وتتلصص عليهم
وتستجوبهم ،متى ماأرادت، واعتقلتهم متى شاءت ،وعذبتهم كيفما شاءت ؟
- وهل أمنّت لهم العلاج والتأمين الصحي طوال حياتهم ؟
- وهل وفرت لهم السكن اللائق على ارضهم ؟
- وهل صَدَقَتْ معهم ولم تكذب عليهم في كل علاقاتها وخلافاتها
السياسية مع اصدقائها وخصومها ؟
- وهل احترمت دماء الشهداء الابرياء الذين سقطوا دفاعا عنها او عن
الوطن كما تدّعي . ؟
- هل اعتذرت من المواطنين عندما صافحت الاعداء ؟
- هل خجلت حين عادت الاخوة والاصدقاء ؟
لن اكون متطرفاً حين أتّهم كل الحكومات العراقية التي تربعت على عرش السلطة بأنها لم تفي بوعودها تجاه المواطن، ولم تكتفي بذلك، بل أوغلت في الاساءة إليه بشتى السبل والاساليب ،ولم تكن الحكومات العراقية بكل مؤسساتها سنداً للمواطن، بل كانت تتفنن في اساليب احتقاره وأنكاره وتهميشه،ابتدأً من الطريقة المتعالية والمتعجرفة التي ينهجها اي موظف بسيط في اية دائرة حكومية عراقية وهو يتعامل مع اي مواطن عراقي بسيط لاسند له سوى عراقيته ، وصولا الى اعلى سلطة في الدولة لايتردد ممثلها في استرخاص ارواح المواطنين ارضاءً لنزواته وطموحاته السياسية .
هكذا كانت الحال ولم تزل تجري على العراقيين طوال عقود من الازمنة التي مرت عليهم منذ تأسيس الدولة العراقية في مطلع القرن العشرين وحتى هذه اللحظة ، ولكي اكون دقيقاً اكثر اقول ابتدأً من صعود العسكر الى هرم السلطة العراقية عام 1958 .
فمنذ ذلك التاريخ بدأ سقوط الدولة العراقية التي حاول بناتها الاوائل أن يوجدوها على ارض الواقع من العدم ،وقد تمكنوا بذلك فعلاً لاقولا ً انطلاقاً من صدقهم وفهمهم مضافاً الى ذلك تجربتهم المُرّة التي كانوا قد عاشوها عندما كانوايقاتلون في اراض ٍغريبة عنهم ،واقصد هنا تلك النخبة من الساسة والعلماء والضباط الذين كانوا قادة في الدولة العثمانية، كانت تلك الصفوة من القادة تحلم دوماً في بناء بلدها،وما أن جاءت ألفرصة المناسبة لها،لم تتوانى في استثمارها .
هكذا بدأوا في بناء العراق الجديد بدولته الحديثة بكل مؤسساتها التشريعية والتنفيذية ،والتي لم تكن موجودة قبل عام 1921 .
لكن الذي حصل بعد ذلك،أن كل الذي تم بناءه خلال اربعون عاماً ، من مؤسسات دستورية مدنية لدولة فتية قد انتهى في اللحظة التي جاء فيها العسكرالى السلطة ابتداً من العام 1958 بكل احلامهم المريضة ، ليهدموه،زعيماً بعد اخر، حتى امسى العراق خلال نصف قرن من الزمان ، بلداً تعصف به الانقلابات، والاحقاد والصراعات الدموية التي كان يقودها حفنة من المراهقين والمغامرين والاشقياء لايملكون من العقل والحلم شيئاً
فكانت النتيجة بعد ذلك : ان المواطن العراقي بات محطماً وفاقداً للرؤية ، ولم يعد قادراً على التمييز مابين الحرية والعبودية، بين الماضي والحاضر، بين القائد والمجرم ، بين المفكر والدجال . بين العدو والصديق .

لقد اختلطت عليه القيم والافكار والمفاهيم ، لان ظروف الحياة الصعبة التي وضِع فيها ، كانت قد سحقته بعجلات الحكومات والاحزاب التي كانت ولم تزل تحكمه ، بقوة التخويف والترهيب الى حيث ما شاءت اهواءها وطموحاتها ومصالحها الضيقة ، والتي لاتخرج عن هدف الحفاظ على السلطة بأيديها لاأكثر .
ان ماوصل اليه حال البلاد والعباد الان في الاعوام التي اعقبت 9/ 4/ 2003 لم يكن من نتائج مافعلته القوات الاميركية وبقية القوات الاجنبية التي تجوقلت معها انما ابتدأ ذلك مع انقلاب تموز عام 1958 واستمرهذا التداعي والانهيار في البنى التحتية والفوقية للمجتمع العراقي طيلة نصف قرن من الزمان ، حتى انهار كلياً في 9/4/2003 . إذ لم يكن ذاك البناء إلاّ بناءً هشاً وكاذباً في كل شيىء فيه .
كان لابد لي من اسوق هذه المقدمة الطويلة ، قبل ان أُعبّر عن قناعات جديدة بدات تستولي علي ّوتُمسِك بي ، واجدُني غير قادر على رفضها ، بل بِتُّ مقتنعاً بها يوماً بعد اخر، طالما كنت اجد في كل يوم من المواقف والاحداث مايجعلني اصل الى مرحلة ، أكفُّ فيها ، عن الزّهو بعراقيتي وأتخلى عن ذاك الاصرار الذي طالما لازمني ، وحثني على البقاء داخل وطني.
ان اقسى مايمر على الانسان في وطنه ـ الذي قاتل من اجله ودفع دمه ودم احبائه لاجل كرامته وحريته، وجاع سنيناً طوال صبراً على مايمر به من محن ـ هو: ان يتنكر وطنه له ويصد وجهه عنه ولايبال به عندما يحتاج اليه ليثبت انتمائه له ، والاكثر مرارة في ذلك ،عندما يكتشف المرء بعد كل الذي قدمه لوطنه ، ان لاوطن له ، وانه في حقيقة الامر لاحقوق له عليه مثل بقية المواطنين .
إذ لايكفيه ان يكون من اب وأم عراقيين ليكون بالتالي عراقياً ويكتسب صفة المواطنة العراقية . ولايكفيه ان يحمل هوية احوال مدنية عراقية ، وجنسية عراقية ، وبطاقة سكن حمراء عراقية ، وبطاقة تموينية عراقية ، نعم لايكفيه ان يملك كل هذه المستمسكات الرسمية حتى يثبت عراقيته ، وعلى ذلك لن يكون بأمكانه في اغلب الاحيان ان يتملّك اية قطعة ارض او بيت في اية بقعة يختارها هو من ارض العراق .
إذن : كل هذا الذي كنت افخر به طوال خمسون عاماً من عمري ، اتضح لي ، ماهو إلاّ خواء . . . . . وانْ لافائدة من كل المستمسكات الرسمية التي تثبت عراقيتي ولايمكن بموجبها ان امتلك ارضاً في وطن توهمت دائماً انه وطني ، سواء في الوسط أو في الجنوب أوفي كردستان العراق.
وعلى هذا كان علي ان اصحو من غفوتي وغفلتي الطويلة التي جعلتني ادرس طوال ثمانية عشر عاماً ،حتى انال شهادة جامعية اسعى من خلالها ان اخدم ماكنت اعتقد انه وطني . وليس هذا فحسب فلقد تنقلت بين الخنادق والجبهات ثمانية اعوام بليالها ، دفاعاً عما كنت معتقداً انه وطني ، كما كان عليّ ان اشطب على كل السنوات العجاف التي كنت فيها ممنوعاً من التوظيف ،لا لشيىء اقترفته ولالذنب ارتكبته ، سوى أنني اخترت ان اكون منتمياً لِما كنت معتقداً انه وطني ، ولم انتم لاي حزب سياسي .
كان عليّ وانا صرت على هذه الحال ، ان امحو من ذاكرتي كل احلامي التي تقاسمت فيها مع من كنت معتقداً انه وطني .
والان بعد خمسون عاماً من الوهم ، بعد خمسون عاماً من الخديعة ،
ماعدت اعرف وطناً ولدت وعشت فيه اسمه العراق
طالما اشاح بوجهه عني ،
ولم يثبت لي في يوم ما انه وطني .


نشرت في موقع كتابات بتاريخ 26أذار /مارس عام 2010 على الرابط الاتي :
http://www.kitabat.com/i68841.htm

هل ستختفي الموصل القديمة https://al-aalem.com/article/46615-%D9%87%D9%84-%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AA%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D...