الخميس، 28 أبريل 2011

مسميات المشهد المنهار


                 
                  مُسَمّياتُ المَشهدِ المُنهار ْ


أ ليات الثورة
ثورة العرب في  تونس ومصر قدمت نفسها بشكل مدني  متحضر بأطار سلمي بكل التفاصيلها التي  رسمتها اجيال شابة جديدة عكست من خلالها وعيا متقدماً  في فهم جوهر المشكلة التي راكمت التخلف في المنطقة العربية من المحيط الى الخليج  عقوداً من الزمن ، كما عكست تعبيراً واضحاً عن تطلعات المجتمع وأهدافه عبر ممارسات وفعاليات احتجاجية واعتصامية مبتكرة جاءت بها وتوصلت اليها واتفقت عليها القوى السياسيةالتي ساهمت وشاركت بها  من خلال حوارات ونقاشات ابتدأت  من العام 2008 على مستوى فردي وجماعي  ووضعت لها تسميات وعناوين لها دلالات سياسية واضحة على مواقع التواصل الاجتماعي ( facebook twitter  (واكتسبت تسمياتها تلك من واقع احداث مؤلمة استفزت مشاعر المجتمع  المصري عندما تعرض فيها افراد عاديون مثل الشاب خالد سعيد لقمع شديد دون مبرر من قبل اجهزة السلطة على اثرها فارق الحياة ، وكان تأثير عرض مقطع فلمي قصير لم يتعدى زمنه ثلاث دقائق تم تصويره بكامرة هاتف محمول عبر موقع(YouTube  ) يظهر فيه ذلك الشاب وهو يتلقى الضرب من قبل قوات الشرطة أثر كبير جداً حتى تتشكل على اثره مجموعة ( كروب ) على موقع الفيس بوك تحمل اسم خالد سعيد تدعو الى ضرورة تنظيم الوعي والجهود من اجل احداث تغيير جذري في نظام الحكم السياسي القائم في مصر منذ ثلاثة عقود ، ويقف وراء تأسيس تلك المجموعة على شبكة الانترنت شاب مصري  اسمه وائل غنيم في العقد الثالث من عمره يحمل شهادة عليا (ماستر) في علوم الحاسبات ويعمل مديراً للمركز الاقليمي في الشرق الاوسط لشركة محرك البحث كوكل على الانترنت ،ايضاً تشكلت مجموعة اخرى على نفس موقع الفيس بوك حملت اسم حركة(  6 ابريل)  ويشير هذا  التاريخ الى اليوم الذي كان قد خرج فيه هولاء الشباب الذين كانوا يتحركون علناً عبر واقع افتراضي الى الواقع الفعلي في اول اعتصام لهم عام  2008 . كما استجابت  بكل حيوية وسرعة الجمعية الوطنية للتغييرالتي يتزعمها د. محمد البرادعي لهذه المتغيرات في آليات الدعوة للتغيير واسست لها هي ايضاً مجموعة( group  ) على موقع الفيس بوك وتويتر يحمل اسمها حتى لاتكون بعيدة عن روح العصر وايقاعه المتسارع الذي يجسده الشباب خير تجسيد . 
أزمنة القسوة    
على هذا الشكل الذي يحمل روح وايقاع العصر  تشكلت عناصر الثورة في تونس ومصر واعلنت الثورة عن نفسها للعالم فكان   ال 14 من شهر يناير/كانون الثاني هو موعد إعلانها  في تونس وتاريخ ال  25 من الشهر نفسه موعد اعلانها  في مصر، وفيما بعد من الايام القريبة جداً من هذين التاريخين لحقت بهذه الثورة  بقية شعوب البلدان العربية مقتفية اثرها وخطواتها وآلياتها في التعبير شكلاً ومضموناً  لتواجه طغاة ،عتاة ، قساة ، ظلمة ، لم يقدموا  لشعوبهم مشروعاً تنموياً مثمراً وناضجاً لشعوبهم يستحق التقدير طيلة عقود طويلة مضنية مُهلكة ومُستهلِكة للزمن والطاقات البشرية والمادية ،كانوا فيها هائمين عائمين بعوالم وردية لازوردية ناعمة مترفة لاصلة لها مع واقع معيشي غيرانساني يعيشه ويتجرعه ويرزح تحته اغلبية قطاعات الشعوب في البلدان العربية ، اولئك الحكام ظلوا  لعقود طويلة جاثمين على رؤوس شعوبهم لم يفعلوا شيئاً يساعد في انتشالها من العيش تحت مستوى خط الفقر الذي وصلت نسبته  كما تشيرالى ذلك  المنظمات الدولية التابعة الى الامم المتحدة الى 40 % من مجموع العدد الكلي للسكان في العديد من البلدان العربية وفي المقدمة منها مصر التي وصل عدد سكانها  حتى العام 2010 الى 80 مليون نسمة ! . لم يفعل اولئك الحكام مايشير الى انهم يحترمون ادمية الانسان في العيش امناً داخل بيته ووطنه دون ان تنتهك كرامته وحريته ويتم اعتقاله وزجه في السجون والمعتقلات دون أمر قضائي ودون ان يكون قد ارتكب جناية ودون ان تترك له فرصة للدفاع عن نفسه ،وقد يكون ذنبه انه قال كلمة عابرة في حديث شخصي عابرتعليقاً على امرعابر وشاء ان تواجد لحظتها بالقرب منه مخبرسري بشكل عابر فأوصل مالتقط اذناه الى من كان شغله الشاغل الترصد والتنصت والتجسس على كل صغيرة وكبيرة ،الوارد والشارد في حياة الناس، لافرق في هذا بين  كبير وصغير،  بين متعلم وجاهل . فالكل متهم ومشكوك فيه وبنواياه وبولائه وعدائه  للسلطة والقائد والحزب الحاكم  .
اولئك الحكام انشغلوا  حد الهوس والمرض  والجنون بتكريس  انظمة سياسية امنية مرعبة ومرعوبة ،متخلفة وفاسدة ، وحينما بدأت تتهاوى وتسقط واحدة اثراخرى تحت ضغط شعبي سلميّ اخذ يتصاعد يوماً بعد اخر، لم تخلف وراءها سوى تاريخ  قذر من القهر والفقروالفساد  وسجل حافل بهزائم عسكرية وسياسية مع عدو اجنبي وانتصارات وهمية صدعت بها رؤوس الناس البسطاء لم يكن  لها اي وجود على ارض الواقع الاً في أناشيد وكتب ومؤتمرات وخطابات وتجمعات مفتعلة مزيفة كاذبة ساذجة تفتقد الى الحد الادنى من المنطق والمصداقية والاقناع كما هو الحال في نمط افلام المقاولات التي كانت قد شاعت في مصرخلال  ثمانينيات القرن الماضي .
انقلابات ُأم ثورات 
هذه ثورة بالمعنى  والمصطلح الاكاديمي الدقيق عندما  نصف جوانبها  وآلياتها واهدافها ودلالاتها وشعاراتها وممارساتها وقواها الشابة التي فجرتها وبقية فئات وطبقات الشعب التي تظافرت معها ونظمتها وقادتْها في مسارها بشكل مميز ومدهش سالكة طرقاً  لم تكن تخطرأبداً على فكر ومنهج  اجهزة الامن والمخابرات والاستخبارات لكل الانظمة العربية  الحاكمة والقوى السياسية المخضرمة المعارضة لها خلال التاريخ المعاصر الذي يمتد على طول القرن العشرين وماتلاه من السنين ،بل يمكن القول بشكل مطلق ان كل ماكان قد جاء قبلها واطلق عليه جزافاً وتحريفاً وتزييفاً وخداعاً على انه ثورة لم تكن سوى انقلابات عسكرية قامت بها زمرة من الضباط  المغامرين الطامحين الى الحكم لاأكثر من ذلك ، ولم يكن في جعبة اية مجموعة  منهم عندما كانت  تخطط للتمرد على النظام القائم  او حينما وصلت الى كرسي الحكم اي برنامج تنموي نهضوي يستثمر ويستنهض قدرات وطاقات وامكانات البلاد ، ارضاً وشعباً وثروات ،  وكل الذي كان  قد حمله افراد تلك المجموعات في جيوب بزاتهم العسكرية : ليس سوى ورقة سجلت فيها شعارات طنانة رنانة طالما تم التركيزعليها من قبل قادة تلك الانقلابات المتوالية  انطلاقاً من قصور وعيها وانعدام خبرتها السياسية وضآلة طموحاتها الذاتية في الوصول الى كرسي الحكم لذا كانت لاتملك وسيلة ناجحة لكسب الناس اليها وجرها مخدوعة الى صفها سوى ان تخاطب غرائز واحاسيس ومشاعر وطنية جامحة فياضة وصادقة عند جموع الشعب العربي الفقير البسيط الامي ّ، ولم تكن تخرج في عموم نلك البيانات والخطابات وتفاصيلها عن اطار محاربة الاستعمار والرجعية والصهيونية والشعوبية وقوى الكفر والالحاد ومن لف لفهم ! وغالباً ماكانت تلك البيانات يتم كتابتها على عجل في الساعات والثوان التي تسبق اعلانها من وراء ميكرفون الاذاعة أومن على شاشة التلفزيون . ولم تشهد تلك الانقلابات التي سميت ثوارت  في الايام والسنين التي اعقبت لحظة نجاحها اي حوار جدي ملموس وصادق تم فتحه مع  بقية القوى السياسية والفكرية التي كانت تتواجد على سطح المشهد المجتمعي وتؤثر فيه من اجل التشاور معها والاصغاء لها والاخذ بما تطرحه من افكار وملاحظات تهدف في مسعاها الى  الاخذ بواقع ومستقبل البلاد نحو مرحلة جديدة تعقب ماسبقها لترفع عن كاهل المواطن بعض ما كان يئن ويرزح تحته من ظلم وبؤس اجتماعي واقتصادي ،  كما لم  تشهد تلك الفترات محاسبة قضائية  تتوفر فيها ابسط الشروط والضوابط القانونية لرموز العهد السابق لها، لتكتسب على الاقل وفي الحدود الدنيا شكلا من الشفافية يوسمها  بالعدالة  التي ينبغي توفيرها  للمتهم للدفاع عن نفسه ازاء مايوجه له من تهم  .
أزمةُ ُالعقول ِالمتأكسدة
ان ماجرى بكل انقلابات العسكر في خمسينيات القرن الماضي وماتبعها من متغيرات سياسية طيلة النصف الثاني من القرن العشرين سواء في مصر أو العراق أو ليبيا أو سوريا أو اليمن  جاء على عكس مانشهده اليوم في ثورة  تونس ومصر من حراك وحوار وتحركات وافكار يعبرعنها شباب الثورة  باصدق واجمل وانضج صورة ، وقد فتح هذا الفضاء الرحب الجديد الذي خلقته هذه الثورة  للقوى والاحزاب السياسية مجال الرؤية والتفكير بشكل اوسع واكثر حيوية مما كانوا قد تعودوا عليه في آليات عملهم السياسي المعارض خصوصاً مايتعلق منه بعلاقتهم مع بعضهم البعض او مايتعلق بطبيعة الخطاب السياسي المطروح  الذي بدت ملامح التغييرفيه  واضحة في ألنبرة واللهجة المتصلبة والمتحجرة والمتطرفة لدى العديد من القوى التقليدية ذات الصبغة الدينية والقومية  على وجه الخصوص بعد ان وجدت نفسها امام خيار وحيد خلقه مناخ عام يسود المجتمع  يتوق فيه الى : بناء نظام سياسي مدني برلماني يحتكم فيه الى شرائع وقوانين واضحة مثبتة في دستور جديد ينبغي كتابته على انقاض دستور صوري كانت قد  صيغت فقراته الاساسية لاجل ان يضمن للحاكم وحزبه الامساك بعصا السلطة الى فترة غير محددة ومعلومة ، ويضمن لابنائهم أن يرثوا الحكم من بعدهم  .
منظومة التزييف الدولية
ان شباب تونس ومصر آلوا على انفسهم أن لا يوقفوا دواليب الثورة عن الدوران الى ان ترسي ركائزها على ارض ثابتة واضحة بعد ان تكون قد اقتلعت منها كل ماله صلة بذاك الارث الفاسد الذي انتفضت وثارت عليه من رموز وافكاروقوانين ودساتيرومؤسساتٍ وممارسات خاطئة اساءت واجرمت  بحق الوطن والمواطن في أحزانه وأفراحه ودمه وأحلامه وأطفاله ولقمة عيشه، ولو شاءت ان تتوقف بمجرد سقوط رأس النظام، وتراخت فيها الافكار والامال والسواعد  ومالت ولو قليلا الى المرونة والليونة والتسامح مع النظام القديم وكل رموزه عندها لن يكون للثورة من معنى جديد  وستكون  ساعتها قد ارتكبت اول واكبر اخطائها واعطت الفرصة  لالتقاط الانفاس مرة اخرى لمن كان قد  تسبب بكل هذا الارث من التخلف والتراجع والتردّي واعطى  نتيجة لذلك : ساسة الغرب وامريكا الحجة والعذر في أن يوصم العرب والمسلمين بسمة التطرف والتخلف والتعصب والارهاب وأنهم باتوا يشكلون خطراً وتهديداً شديداً ومرعباً على أمن وسلامة العالم والكرة الارضية مما يستدعي ويستوجب ان تتكاتف وتتآزر وتتحالف وتتعاضد كل الامم المتحضرة المسالمة ضدهم ،وتتخذ من اجل ذلك اجراءات وقرارات دولية ظالمة ومجحفة ، سواء كانت قد  اكتسبت الصفة القانونية التي تقرها مواثيق هيئة الامم المتحدة أو لم تكتسبها ، ولواقتضى تحقيق هذا الهدف اللجوء الى  الكذب والتلفيق والتزوير في وثائق  ومستمسكات فلن ولم يترددوا في اللجوء الى ذلك ،  وهذا ماحصل فعلاً وقولاً عندما قررت  اميركا ان تغزو العراق وتحتله ، إذ لم يعد خافياً على أي مراقب ومطلع على ماجرى من احداث  وما قامت به واختلقته وانتجته  منظومتها السياسية والاعلامية من اجندة واساليب مخادعة لتزويرالحقائق والوقائع التي قدمتها بأعتبارها وثائق دامغة تؤكد وتثبت مايشكله العراق بزعامة صدام حسين ونظامه من خطر كبير يهدد العالم لما يمتلكه من اسلحة دمار شامل .
نصف الحقيقة
ومع مواققتنا التامة على كل الملاحظات والتقارير التي كانت تدين نظام صدام وحزب البعث الحاكم في العراق وتتهمه بالعنف والقسوة والوحشية في تعامله مع من كان  يختلف معه ويعارضه من ابناء شعبه إلاّ أننا نختلف مع الرأي الذي تم  الترويج له وتعميمه من قبل اميركا وحلفائها الغربيين وبتسويق من  الاحزاب العراقية المعارضة انذاك بأن :  صدام قد اقتصر ظلمه على الشيعة والاكراد وبقية الاقليات واستثنى من ذلك  الطائفة السنية التي ينتمي لها .  بينما هنالك العشرات من الدلائل والوقائع والاحداث التي تدحض هذا التظليل الذي طالما سوقته الدعاية الاميركية والمعارضة العراقية انذاك التي تؤكد بالدليل القاطع على ان نظام صدام كان  يوزع ظلمه بالتساوي على الجميع ولم يسلم من ذلك حتى من كان هو اقرب الناس اليه صلة بنسب الدم ، ويكفي ان نتذكر ما آل اليه مصير صهريه الشقيقان حسين وصدام كامل، اضافة الى قائمة طويلة من الذين تم اعدامهم من الطائفة السنية التي ينتمي اليها .مثلما حصل عند ما تم اعدام  الحكيم راجي التكريتي بعد أن وجهت له تهمة التأمر على الحكم  والضابط في الجيش العراقي محمد مظلوم الدليمي  ومن كان معه من الضباط والجنود بعد ان اتهموا بالتخطيط للاطاحة بنظام الحكم وسطم الجبوري الضابط الذي فشلت حركته التي كان ينوي فيها اسقاط نظام الحكم فأعدم هو ومن معه في الحركة والتنظيم من جنود واعضاء اخرين مدنيين . اضافة الى اسماء عديدة اخرى يطول تعدادها كلها كانت من الطائفة السنية .  
 غزوٌ .. على نار هادئة
 كانت  الاساليب والاكاذيب التي لجأت اليها القيادة الاميركية وخدعت بها الامم المتحدة على لسان وزير خارجيتها كولن باول وبقية الساسة الاميركان هي  التي هيّأت الارضية المناسبة لان تتخذ قررات دولية خطيرة لاسابقة لها في تاريخ العلاقات الدولية التي ترعاها الامم المتحدة وفرت  من خلالها لاميركا  الغطاء القانوني الذي يعطي المشروعية في  غزو واحتلال العراق فاستباحت ارضه وتمكنت من ثرواته ، وهذا هو بيت القصيد الذي كانت تختفي وراءه تفاصيل هذه اللعبة التي تم التخطيط لها وطبخها على نار هادئة  مستثمرين كل الظروف والعوامل التي كانت قد ساندتها وعجلت بها والتي تتمحوراولاً واخراً  بتلك السياسات المتهورة والمتشنجة التي كان قد ارتكبها صدام حسين شخصياً انطلاقاً من طبيعته التي تتسم في جوهرها على احتواها لمخزون متناقض  من المشاعر والاحاسيس والافكار المتطرفة والتي تختلط فيها  الدوافع الانفعالية القبلية المتعصبة مع احساس متفاقم بالحرمان يعود الى سني الطفولة مختلطاً بوعي طبقي يميل الى التعاطف مع الفقراء لكنه يصل الى درجة عالية من  الكره والحقد تجاه طبقة اصحاب الاملاك والاموال  من العوائل العراقية الغنية المتحضرة . إضافة الى مارتكبه من جرائم جماعية  بشعة ضد شعبه تحمل الجزء الاكبر منها الشيعة والاكراد،  يضاف الى ذلك طبيعة العلاقات المتوترة والمتشنجة التي تسبب بها مع العديد من  الدول العربية ( الكويت ، السعودية ، مصر ،سوريا ) او مع ايران و بعض الدول الغربية الكبرى  .
الزمن العصيب
وليزداد بعد ذلك  وضع العراق بعد دخول الاميركان وسقوط نظام صدام   سوءاً بعد سوء ويغرق في ازمنة مظلمة مهلكة اكثر مما كان عليه قبل التاسع من نيسان عام 2003 ، ولتكون الفرصة سانحة اكثر من ذي قبل لكل القوى المتطرفة والمتخلفة  في المنهج والفكروالعقيدة قومية ودينية  لكي تصحو مرة اخرى من نومتها وغفوتها  لتنتعش وتحيا وتتسع وتتاجر بالدين والطائفة والعِرق والنسب والقبيلة والدم ، بعد ان تغلّف تخندقاتها الضيقة  تلك  بشعارات وطنية فضفاضة زائفة، وليدخل مستقبل بلد مهم وعريق وغني مثل العراق في زمن عصيب  غامض مقلق ٍ مرعب غير مطمئن ، بات العراقيون فيه بعد العام 2003 مهددين بحياتهم وارواحهم وامنهم ومستقبلهم في كل لحظة وأمسى بلدهم ساحة لصراعات دولية واقليمية لايدفع ثمنها الباهض سوى المواطن العراقي بدمه وامنه ومستقبله ، وليصبحوا في مقدمة  الشعوب التي تقف طوابيراً  امام ابواب مفوضيات شؤون اللاجئين  في العديد من دول العالم طالبة  اللجوء الانساني  وهذا ماأقرته احصائيات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين خلال الاعوام الثامنية الماضية ، إذ وصلت اعداد الذين  خرجوا هاربين منه  بسبب الاوضاع الامنية المتردية والظروف المعيشية السيئة  الى اكثر من خمسة ملايين شخص .  
سؤال واحدٌ لاغير   ؟
وهنا يبرز سؤال يتكرر طرحه بأشكال وصيغ مختلفة من قبل اوساط مراقبة مختلفة ومتنوعة  :
من يتحمل مسؤولية  ماجرى يجري هذه الايام  من احتجاجات وانتفاضات واحداث تتسم بالعنف والدموية ويسقط جراءها يومياً العديد من القتلى والجرحى في معظم البلدان العربية دون استثناء من المحيط الى الخليج  ؟ من أوجد الارضية الخصبة لكل هذا التوتر والتشنج والانفجار في الشارع العربي   ؟ من  كرّس شعوراً دائماً بالانكسار والضعف والهزيمة  لدى الفرد العربي؟ من أورث  المجتمعات العربية هذا المستوى المفجع من الفقر؟ من دحس في ادمغة الناس البسطاء  بشعارات وطنية براقة تنادي بالوحدة والحرية والاشتراكية لعقود طويلة ولم يحقق منها شيئاً ؟  من باع ثروات ألبلاد الوطنية بثمن بخس لشركات ودول اجنبية لأجل ان يتنفع هو لوحده مع اعوانه وازلامه من تجار ورجال اعمال ولصوص كبار ويحرم الشعب من عوائدها ؟ من حرم اولاد الفقراء  من التعليم ؟ من اسكنهم علب الصفيح والمقابر وبيوت الطين ؟ من اعطى الفرصة سانحة سائغة  للهمرات والدبابات والطائرات والبارجات والقاصفات الامريكية والصهيونية والغربية حتى تقصف وتدك بيوت  الناس على رؤوسهم ؟ من سمح للجندي الاميركي ان يهتك بابشع صورة شرف الابناء  في سجن ابي غريب ويهزأ امام العالم  بكرامتهم  ؟ من قتل الشاب المصري خالد سعيد في مصر؟ ولماذا ضرب ؟ وبأي حق ؟  من الذي  دفع الشاب التونسي البوعزيزي لان يبيع الخضروات على عربة  يدفعها متنقلاً  بين الدروب والشوارع وهوالقروي الفقيرالذي كان قد تمكن بجهده وكفاحه بعد سنين طويلة  قضاها في تلقي العلم على مقاعد  الدراسة  من الحصول على شهادة جامعية ؟ من اوصله الى حافة اليأس من هذه الحياة بعد ان كان قد عجز عن الحصول على وظيفة بسيطة تليق بشهادته الجامعية ليقرر بعدها الخلاص من ذل الحياة  في وطن اهانه وذله ومسح تعبه وجهده وكرامته ومرّغها بالوحل  ؟ من قاده الى وسط الشارع ليصرخ بأعلى صوته محتجاً وغاضباً وحانقاً عندما وجد السلطة مازالت صماء بكماء عمياء عنه وعن كل المواطنين الذين كانوا قد تجمعوا حوله وصاروا يرددون خلفه  الهتافات والشعارات المنددة بالسلطة ؟ من  أوقد في جسده النارواحرقه ليموت من الحسرة والكمد ؟ من الذي كان قد تسبب في اصابة الشاعر المصري نجيب سرور  بالكآبة والجنون والتشرد  وهو الذي يعد واحداً  من اهم الشعراء الذين انجبتهم مصر مابين  العقد السادس والسابع من القرن العشرين ؟ من يقف وراء اختفاء اي اثر للمفكر العراقي  الكبير عزيز السيد جاسم بعد اعتقاله  في مطلع تسعينيات القرن الماضي ؟ من بنى سجوناً ومعتقلات سرية حتى يسحق في ظلمتها ابناء الوطن الشرفاء ؟ من بنى غرفاً للتعذيب تحت الارض في الجادرية وقصر النهاية وسجن بادوش وابوزعبل وليمان طره ؟ من كافأ سراق قوت الشعب والمال العام بالعفو والمغفرة ثم الترقية والتكريم ؟  من حرم الشعوب العربية من التنعم بثرواتها كبقية شعوب الارض وبددها في بناء جيوش جرارة عاجزة عن تحرير ولو شبر واحد من الاراضي المغتصبة؟ من تسبب بكل هذا الارث  المفجع والمخزي ؟ أليس القادة والزعماء والملوك العرب ومعها الاحزاب الحاكمة منذ العقد الخامس في القرن العشرين حتى الساعة  ؟
هل مازالت الفرصة قائمة ؟
آن الوقت أن ُتزاح  تلك القوى المتحكمة المتغطرسة المتجبرة المتخلفة الجبانة الهشة الضعيفة المريضة العاجزة الشائخة عن واجهة المشهد ، وأن لايسمح لها ابداً ان تأخذ فرصة اخرى في الطموح والصعود الى الحكم مرة اخرى ذلك  لانها فشلت في التجربة تماماً  واستنفذت كل الفرص التي اعطيت واتيحت لها ولم يعد ممكنا القبول بها وبمسمياتها وافكارها وشعاراتها وعقائدها بعد ان تركت لنا وللاجيال التي ستأتي ومن سيقود البلاد بعدها ارثاً ثقيلاً ومعقداً.
ان على البعض من تلك القوى الحزبية والسياسية العربية  التي كانت في يوم ما صادقة ونظيفة في مبادئها وتطلعاتها الثورية والقومية في لحظة من  لحظات بدايات نشؤوها وتأسيسها قبل اكثر من نصف قرن قبل ان تصل فيما بعد الى سدة الحكم وتربعت على عروش وكراسٍ عقوداً طويلة  يتوجب عليها إذا مارادت واصرّت ان تبقى في المشهد :  ان تنزوي بعيداً مع ذاتها لفترة ما تطول او تقصر حسب ماتقتضيه المراجعة مع النفس  والتحديق ملياً فيها ، وان تواجه  بكل شجاعة وصراحة ماضيها وتجربتها وافكارها ، وتنقد نفسها بنفسها،  وتتنازل بإرادتها طائعة مرغمة عن تعنتها ومكابرتها ، وتكشف اخطائها وجرائمها علانية امام نفسها وامام المجتمع ، وتقدم اعتذاراً صريحاً وواضحاً عما ارتكبت من اخطاء  بحق شعبها .
وفيما لوفعلت ذلك يمكن لها ان تعطى  هي لنفسها فرصة اخيرة لصياغة وعيها من جديد ، وفهم الواقع الذي تنكرت له على حقيقته الناصعة بكل متغيراته وملامحه وقواه التي كانت قد غفلت عنها وتجاهلتها عن عمد ٍ وغباء ٍ وغرور في آن واحد ، حتى تخرج برؤية موضوعية سليمة وواضحة ، تمكن المجتمع بقواه الفاعلة والمتعددة من القبول بها بين صفوفه ومكوناته المتنوعة .
وإن لم تفعل ماينبغي عليها ان تفعله وركبها  مرة اخرى العناد والغرور كما كانت عليه طيلة مشوارها معتقدة اعتقاداً واهماً  جازماً بصواب مسيرتها وعظمة ماأنجزه قادتها بينما هي تعيش الان لحظات قاسية تتجرع فيها مرارة الهزيمة والانهيار ، عندها ستكون قد حكمت هي على نفسها بالموت قبل ان يحكم عليها الناس والتاريخ .  

 نشر المقال في موقع عنكاوا الالكتروني يوم 28/4/2011. رابط المقال : 

http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,501358.0.html


                                     
                                         

«عام السرطان» للعراقية سالمة صالح: دلالة الاتكاء على استراتيجية السَّرد السير ذاتي مروان ياسين الدليمي http://www.alqu...