الأربعاء، 18 مايو 2011


 نشرت في صحيفة الزمان في 18/نيسان / 2011

 ماتمّ شطَبَهُ ِمن  ُبرجِ ِ الَحَمَل  هذا اليوم  


أنت الذي كنت واهماً جداً بما ارتكبت من نبوءات باذخة  
خمسون عاماً  من عمرك ولّت
والمراثي أذاقتك فيها  َطعم َفصول ٍخمسة ٍعلى مقاس ِالطفولة ِ
بكل ماتملك من فرح ٍخبّأته في اناشيدكَ : 
                                                                 
لمدن ٍبعيدة ٍ يبللُها الليلُ بنشوتهِ
لعطر ِالانوثة ِ يتوهجُ في المناديلْ،
لأسلافٍ اشداء من سومريين وكلدان وأشوريين
لضوء ِالشمسِ يُطرّزُ جبهة َايامِك في محلة ِالمحموديين
لصوتِ  فيروز ُ كُل صَباح  يقبّلُ خديك  .

كم أخطأتَ
كم تعثرت َ
كم تلعثمتَ
بعد اول ِحاجز ٍعَبَرتَهُ الى المدينة ِ الموصَدة ْ                      
قرأتَ فيه المشطوب َ من عُمرِك    .
تمنّيتَ ساعَتها ،  لوأنّك ماعُدّتَ لزيارتِها  
ولارأيت انحناءَ قامتِها
بكفّك اليُسرى أغمضت عينيك َ
لعلكَ تستطيع ُأن  تُكذّب ماترى  
كنت مرتبكاً بعد أول نقطة تفتيش عبرتها في حي الكرامة
 لمّا رأيت اصابع الجنود على الزناد مشدودة  .
أكتفيتَ بالصّمت
حَذِراً تأمّلت وجوه الناس  
كانّها هياكل سيارات محترقة
يخنِس الشحوب فيها علامة ًفارقة
أثار الشظايا على واجهات البيوت تحكي  بعض محنتها .


اقتربت رائحة ُالموتِ من  شفتيك
وقميصِك ،
تعِب القلب منها  
وأمتلأتْ بها  رئتيكْ  .
ألشوارع التي كُنتَ  تعرفُها لم تصلها ،
ضيّعْتها
اشتبَهتَ بها
 كانت ُمتخمة بالندوب   
حتى  أسمائها  التبست عليك خلف حواجز من رعب وكونكريت .

هل اخطأتَ  ؟
هل توهمتَ ؟
كان يوماً عبوساً أسود اًوأنت تحاول أن تتهجى إسم نينوى عند حائطٍ  ذابلٍ ضرّجته ُ اُمنيات ُألعابرين َمن الحَيرة ِالى الحَيرة ِأمام بوابة شمش ،   فماأستطعت َ.
أيامُك ٌنواقيس ٌ من زجاج
دقت معلنة وعودها
تحت سماءٍ يهطل منها البارود
فأنهكتها أساطيرُ السنواتِ المُغبرّة ِ بتراتيل الظُلمةْ ِ .
أجِّلْ دمعتَك إلى يوم ٍآخَر ، أجِّلها
وأنت غريباً تسكُن في حيّ كويستانْ .
عَلِّقها على بوابة ِقلعة ِاربيل  امام السيّاح
وزّعها عليهم تذكاراً من وطن قد تصحو غداً ولن تعثر عليه في خارطة العالم   
أطويها مع حسرة ِالمهجّرين الى  قرقوش وعنكاوا
من الصابئة ِوالارمن  ِوالمسيحيينْ .
إمسح بها كل مساء  نافذة ِالبيتْ حين تزورُك سُحبُ الوِحشة  ويقتُلكُ الشوقُ الى دجلةَ في الليل إذ كنت تغني وتثرثرُ مع تلك الصحبة  في الاعوام الحلوة.
اجِّلْ عِتابكَ لمن طعنوك َفي الظّهرِ
وكنت تحسبهم اصدقاء
 وأنتَ  تعد الايام وحيداً في الغربة ِ .
  
أجّلْ عتابك للجّارِالمُتديّن ِجداً لم يفعل شيئاً حين اقتحمَ القتلةُ في ساعات الصبح الاولى دارَ الانسانَ الرائع ابا فادي في حي البلديات وذبحوا من فيه بدم ٍ بارد ، ثم نهبوا شقاءَ العُمر.
أجِّل سُخطَك َ ضِدّ  ألحِّس المُتبلّد ِ لم يُبق  الرحمة في وجدان ِالناس .
أجِّل سُخطك ضد الزمن المُرعِب هذا ماعادت فيه ألمرأة ُ ُتأمنُ أن تمشي حاسرة َ الرأس ِ
اجِّلْ نعيك للنخوة ِ، للبسمةِ وروح َالتسامحِ بين الطوائف  والاخوةِ  والاديانِْ
أجِّلْ نصاً شعرياً تكتب فيه عن زمن ماضٍ ،
 أو زمن اتٍ ،
وأكتُب  نعياً عن زمنٍ لن يأتي ابداً  .
هذا اجلٌ يَطفَح ُبالحقد  وِلن يهدأ ألى يوم الدين ْ.
تعرّت فيه النفسُ تماماً من كُلِّ ثيابِ الزّيف
خرجَ المخفيُّ بكُلِّ وضوح ٍ من  تحت الجُبّة .
أجِّلْ موعِدك القادم َ مع الاصحاب عند حديقة ِالشهداءِ  الى إشعارٍ اخر .
وعلى أطلال ِجدارٍعثماني لايبعد سوى امتارٍ معدودة عن ساحة ِصقور  الحَضَر في وسطِ المدينةِ  طالما اتكأت َعليه ِ ُمنتظراً بفارغِ الصَّبرِحتى تأتي  من تهوى لاتشطُب عباراتٍ ساخرةٍ  كتبها العابرون من امثالك :
"ذهب الطاغية ُوجاء َاللصوصْ .
من يرمي الاوساخ َهنا لاشرفَ له ُ .
وهل بقي لنا شرفٌ نخافُ عليه ْ ؟  .
تساوى القاتلُ والقتيلُ .
هذا استنتاجٌ متأخرْ .
الديموقراطية ُرجسٌ من عملِ  الشيطان،  فأجتنبوها . 
لن يموت َالعراقُ.
الفدرالية هي الحل .
خوش طين على بنطرونك .
سر بهذا الاتجاه الى باجة ابو مهدي"  . . . .

لاتحزن ياهذا ، فالمدينة ُ ماعادت تطرحُ اسئلةً ًعلى نفسِها
ولم تَعُدْ  تفتح ُصدرها للنّدم ْ
كلُّ شيء ٍفيها باتت تكرهُه ُ :
أبنائَََها  
ربيعَها
غاباتَها
ثيرانَها المُجنّحة
اشتعلَ الحقدُ فيها على نفسِها
على الرِّقة ِفي خصوصية ِ لهجتِها
على العطر ِيفوح ُمن فساتين ِصباياها  .  
هي الانَ  سحابة من رماد  
أمرأة  في خريف جمالها
لاأحد يطمئن لها
لاأحد يقترب منها
لاأحد يدعوها
لاأحد يعشقها
شاخت  قبل اوانها
نسيتْ اسمَها
وفرحَ الليل ِ بشُطأنِها
سمائَها الزرقاء الصافية
طرقاتها الامنة
مواكب الربيع في مهرجانها .
كم من الاجيال هامت بها
برقتها
بطولها الفارع .
فارقها اليوم  من احبها  
وكان يأبى ان يغادرها
هي الان مفتونةُ حدّ النخاع ٌبفجيعتِها
تسدِلُ الرصاص َستائرَ
على بواباتِها .
مازال الحادي عشرمن شهر نيسان من السنة ِالثالثة ِبعد الالفين يسكُنُها ، 
لم تعد تسمَعُ العندليب الاسمر عبد الحليم ولاأمَّ كلثوم ولا  قارىءَ المقام  أسماعيل الفحام ولا بلبلَ الحدباء مُحمد حسين مرعي  
ولم  تعد تغني اليردلي
صارت تنقُرُ الدفوفَ في فجرِها وليلِها
لتقتفي تضاريسَ القُرى في شكلها .  
هي الان غريبةٌ عنك  
يحكمها الموت  
تسكنها الاشباح ُ
تمشي سعيدةٌ الى حتفها
لانجمَ يطلعُ في ليلها
لاصُبحَ يمرُّ على أهلِها
تخلت عن اناقتِها  
عن رموز الفكر في عمق حضارتها :
أبي تمام وأبن الاثيروالملا عثمان الموصلي
 واسوار اشور
وباب نركال
ومكتبة بانيبال
تخلت عن النخبة من ابنائها .
هي ألان  بعيدة ٌجداً الى عينيك  
لم تعد انثاك الجميلة التي كنت تعشقها
خانتك
داست عليك َ
على الافق الذي تمنّيت َ
على فطرة الحب  فيها تجمعُ الخَلق َ.
أيّاك منها
من  حواريها
من  شوراعها
من مقاهيها
من هدوءها
من صمتها
من قُراها التي فتكت بحكمتها
واستباحت بأعراف القبيلة  تمدُّنها  
أيّاك منها مرة اخرى
أطويها صفحة  من عمرك
وادعو لها مع نفسك قبل ان تنام كل ليلة
أن تصحوا وتعود الى رشدها حرة  طاهرة ًالى اهلها  .  
آه  عليها
على  دجلة
على ضفّتيها
على من فارقها
من يموت حيّاً كل لحظة فيها
 من يبكي عليها
من يصلي لقتلاها
على الظلمة تخنقها
على ذاك الوقت النّدي
 فرّ منك
 ومنها
آه على رسائل لن تصلها  .
                                  
                                            25/11/ 2010


ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ






الثلاثاء، 10 مايو 2011


                     

  منهجية التطرّف . .  

محنة المسيحيين العرب .
                                                 
الى حد ما تمكن الفكر المتطرف والذي لبس ثياب الدين الاسلامي دون ان يغتني بمحتواه الانساني ومنهجه الوسطي وراح بعيدا جداً  في الترويج للكثير من الافكار التخوينية والتكفيرية ضد مكونات اساسية في المجتمعات العربية ، نال فيها المسيحيون العرب الجزء الاكبر من هذا الاستهداف اضافة الى عموم المسلمين وليوضعوا بالتالي في خانة واحدة مع مسيحيي الغرب (اوربا واميركا )  دون ان يضع هذا الفكر في حسبانه حقيقة  الاختلافات القائمة مابين هذين المجتمعين الاخلاقية منها والقومية والتي تشكل بمجموعها دليلا قاطعا على أن المسيحيين يشكلون جزاً اساسياً من التكوين الديموغرافي للمنطقة العربية ولاصلة لهم اطلاقاً  بمسيحيي الغرب، أو حتى  اولئك الذين  ينتمون جغرافيا وقوميا الى  اي مكان اخر خارج المنطقة العربية .
المسيحيون في المنطقة العربية هم في الاصل يرجعون الى اصول قومية وجدت وعاشت في هذه  المنطقة ( سوريا ،فلسطين ،مصر ، الاردن ، بلاد مابين النهرين ، ) وقد حَكموا هم سياسيا هذه الجغرافيا بعناوين حضارية تمتد لالاف السنين قبل ان يتحول الجزء الاعظم منهم الى الديانة المسيحية ، اي بمعنى انهم ينتمون الى الجذور الاساسية للمجتمعات البشرية التي سكنت هذه المناطق  بكل المكونات القومية التي شكلتها انذاك ولم يكونوا طارئين على هذه الارض، وعندما جاء المسلمون من الجزيرة العربية الى هذه الامكنة التي شهدت اولى الحضارات الانسانية نشأت علاقة اندماجية انسانية ومجتمعية فيما بينهما ومع من تحول منهم الى الدين الجديد ولم تنشأ في السنين الاولى للدعوة الاسلامية  فيما بين اتباع الديانتين المسيحية والاسلامية وحتى مع اليهود ايضا علاقة تصارعية ـــ على الاقل في السياق العام لتاريخية وطبيعة تلك العلاقة ــ  تهدف الى رفض الدين الاخر عن طريق قتاله ومحاربته ، بل على العكس من ذلك كانت هذه الجغرافية الواسعة حاضنة طبيعية نموذجية لتعايش اديان مختلفة والسبب في ذلك يعود الى مااتّسم به سلوك ورد فعل سكان البلاد الاصليين ( كلدان ، اشوريون ، اقباط ) وهو إن دل على شيء انما يدل على خُلق ٍعال ٍوقد ضم بين طياته وتفاصيله قدرة على التعايش والتفاعل والتواصل الانساني مع اتباع الدين الاخر الجديد  بينما كان  اتباع الديانة المسيحية انذاك يشكلون الجزء الاكبر من تلك المجتمعات ،وهم بموقفه المتوازن والمعتدل ذاك  كانوا قد انطلقوا من جوهر الديانة المسيحية التي تؤكد على قيم المحبة والتسامح مابين البشر واستبعاد كل الدوافع وردود الافعال العدوانية والعنيفة فيما بينهم .

بيئة انسانية منفتحة
 لذا وجد الدين الاسلامي الجديد انذاك واتباعه بيئة منفتحة لاستقباله ولم يواجه اية صعوبات ومحن مع من كان يدين بالمسيحية حتى وهو يبشر بتعاليمه بينهم بل العكس من ذلك فأن سادة قومهم ،كانوا  في مقدمة من لجأ اليهم محمد (ص) في اللحظات الحرجة الاولى من نزول الوحي عليه ، فما كان منه إلاّ ان يلجأ الى من كان مبعث ثقة واطمئنان، كورقة بن نوفل ، لما كان يمتلكه من اعتقاد راسخ بالله الواحد الاحد ، ذلك لانه كان على دين عيسى بن مريم (ع) ولانه رجل عارف وحكيم يملك العلم والفهم بالميثولوجيا والاديان والمعتقدات وتاريخ المنطقة ،وقبل هذا كله ماكان قد نشأ من علاقة وثيقة كانت قد أنضجتها الاعوام الطويلة التي تقادمت عليها،مابين محمد وعمه ابوطالب مع رجال دين مسيحيين ـ منهم الراهب بحيرة ـ   كانوا يستقبلونهم في اديرتهم ويبيتون عندهم عدة ايام وليالي طلباً للراحة من عناء السفر في اشهر محددة من السنة وهم يتحركون بقوافلهم التجارية صيفا مابين الشام والجزيرة العربية وماكان يتناقل فيما بينهم من معارف وافكار وفلسفات .
ودعونا نتأمل قليلا مع انفسنا لنستجمع صورة واقعية عن طبيعة وقوة تلك العلاقة التي كانت قد نشأت بينهم ،اخذين بنظر الاعتبار اننا لم نجد في كتب السيرة والتاريخ مايشير بسوء اليها ويثلمها بل وجدنا دائماً  مايُثني على تلك العلاقة وعلى ما فيها من لحظات مهمة طالما اعتز بها المسلمون في كل الحقب اللاحقة بعدها كلما أستذكروا تلك الرؤية النافذة للراهب بحيرة عندما  وجد في لحظة ما ذلك الشاب محمد بن عبد الله قادما مع القافلة برفقة عمه ابو طالب والغمام يظلله في عز الصيف لتترسخ في اعماقه حقيقة تؤكد بأن هذا الشاب سيكون له شأن كبيرفي المستقبل وكانت تلك  بمثابة الرؤيا لدى الراهب بحيرة .
لاشك ان تلك العلاقة التي كانت قد  جمعتهم سوياً تحت سقف الدير عكست في معانيها ودلالاتها نظرة انسانية فيها الكثير من التقدير والاحترام والايمان والثقة المتبادلة فيما بينهما وخصوصاً في جانبها الفطري لدى محمد (ص) تجاه المسيح واتباعه ابتداءً من المرحلة المبكرة لطفولته وشبابه قبل ان ينزل الوحي عليه ويعلن رسالته ، ولم تتغير نظرته ومواقفه تلك حتى بعد ما نزل عليه الوحي اول مرة إذ لم يلجأ حينذاك الى  اي واحد من افراد عشيرته او اقاربه ليبدد قلقه باستثناء ورقة بن نوفل.
 هذه هي العلاقة الاجتماعية التي جمعت المسلمين مع المسيحين على هذه الارض وكانت بشكلها وجوهرها بيئة نقية وصالحة ودافعة لكي يتقدم الاسلام خطوة اثر خطوة الى الامام .

كي لاتغرق السفينة   
لاينبغي هنا ان يتم التجاهل المتعمد من قبل الحركات الاسلاموية المتطرفة للقبائل العربية التي كانت تدين بالديانة المسيحية وكانت تشكل بحضورها ثقلا وعلامة بارزة من التاريخ المجتمعي العربي قبل وبعد الاسلام فهل يمكن ان نشطب قبيلة تغلب وربيعة وبكر ؟ وهل يمكن ان نمحو من تاريخنا العربي مملكة كندة وهل بالامكان ان نغيّب من ذاكرتنا الثقافية اشعار امرؤ القيس وعمر بن كلثوم والمهلهل والاخطل وغيرهم الكثير من الاسماء التي شكلت وعينا وخصوصية ذائقتنا الانسانية التي نفاخر بها امام شعوب العالم ..؟
ولنا في الدولة والخلافة الاموية الاسلامية قدوة حسنة عندما اختار خلفاؤها الذين تعاقبوا على ادارتها الشاعرالاخطل  ليكون شاعرها الاوحد بلامنازع رغم كونه مسحياَ .
فهل يصح نكران هذا التاريخ الجميل والنظيف الذي كان مابين اتباع هاتين الديانتين ومحوه من ذاكرة الاجيال ليحل محله شكل اخر من العلاقة طالما روّجته جماعات اسلاموية متطرفة احالت العالم الى جحيم بطروحاتها وهي  لاتملك سندا ولانصا ً صريحا مُتّفقا عليه يمكن ان يؤطر ماتدعو اليه في خطاباتها وبياناتها المتشددة ضد المسحييين من  ابناء هذه المنطقة لتضعهم بكل سهولة في خانة واحدة مع مسيحيي الغرب متناسية ومتجاهلة  كل ذاك  التاريخ المجتمعي والانساني المشترك سواء البعيد منه أوالقريب عن عمد ٍاو جهلٍ  ولتزيد العلاقة مابين المسلمين والمسيحيين يوماً بعد اخر سوءاً وخطورة عندما تلصق بهم صفة الخيانة والانتماء والارتماء في احضان الغرب وحكامه وساسته ومفكريه ومنظريه ،  هذا الغرب الذي تسبب مع زعماء واحزاب المنطقة بكل الدمارالذي لحق  بشعوب المنطقة العربية برمتها .
آن الاوان على قطاع واسع من شعوب المنطقة العربية المسلمة ـ لايستهان بحجمهاوثقلها ـ بعد ان صَحَتْ من غفوتها التي طالت عقوداً طويلة وهي ترزح مُظللة بوعيها وارادتها تحت حكم قادة شاؤوا بوعيهم وبارادتهم ان يؤسسوا ويساهموا في ترويج وتشجيع وتعميم كل ما يؤجج الاحتقان الديني والطائفي فيما بين مكونات المجتمع العربي من اجل ان يكون ذلك الخلاف والاحتقان شماعة وفزّاعة يعلقون عليها عجزهم وتخلفهم وعدم قدرتهم في صنع مستقبل افضل للفرد والمجتمعات في اوطانهم وليكون هذا الخلاف ايضا بكل تشظياته  شاطىءَ آمان ٍلهم لاستمراربقائهم في السلطة .
آن  الاوان لتصحيح ماارُتكب من اخطاء في الفهم والنظرة والممارسة لدى دعاة التشدد والتطرف في مجتمعاتنا تجاه المكوّن المسيحي العربي لاننا نركب سفينة واحدة تعوم  في بحر هائج متلاطم الامواج .  
.   نشرت في صحيفة الزمان في9/ايار2011                                                       

الثلاثاء، 3 مايو 2011

مقتل بن لادن . . وضعف الرواية الاميركية .

مقتل بن لادن . . وضعف الرواية الاميركية .



طويت بالامس في الاول من شهر ايار من العام 2011 صفحة درامية من التاريخ الحديث عندما سقط بن لادن قتيلاً برصاص القوات الاميركية . وبن لادن يعد الرمز الروحي الاول للتيارات الاسلامية المتشددة والمتطرفة في كل انحاء العالم الاسلامي تلك التي حملت راية الجهاد المسلح عبر تنظيمات دولية سرية تم انشاؤها في الكثير من دول العالم الشرقي والغربي تحت قيادة تنظيم القاعدة التي يقودها بن لان _ضد الغرب الصليبي ومصالحه وعملائه واتباعه في العالم العربي والاسلامي _ ( حسب ادعاء تنظيم القاعدة ) .
طويت هذه الصفحة بعد عشر سنوات من المطاردة والبحث حسب الرواية الاميركية الرسمية : عندما اقتحمت قوة اميركية عسكرية خاصة بمشاركة طائرات هليكوبترعسكرية مقر اقامته، وهو عبارة عن مجمع سكني تقدر كلفة بنائه مليون دولار في بلدة ابوت الواقعة على بعد 60 كم شمالي العاصمة الباكستانية اسلام اباد وقد تم تدريب تلك القوات خصيصا من اجل تنفيذ هذه المهمة ونجحت تلك القوة بعد قتال دام 45 دقيقة من اقتحام مقر بن لادن وقتله بعدها قامت بأداء الصلاة عليه على ظهر باخرة عسكرية في عرض بحر العرب ثم تولت دفنه في عرض البحر. وحسب البيان الرسمي الاميركي نفسه أن المبنى الذي تم اقتحامه كان محصناً بشكل جيد ومحاطاً بسور عال يتجاوز ارتفاعه خمسة امتار .
سأكتفي بهذه التفاصيل الاساسية التي جاء بها البيان ، لكي اجري تحليلا لما جاء فيه من معلومات واقارنها مع الصور الفديويوية والفوتوغرافية التي بثتها وكالات الانباء عن نفس المكان الذي كان يقيم فيه بن لادن لمعرفة مدى صدق الرواية الاميركية ومطابقتها للواقع الذي رأيناه بأعيننا .
الصور الفديويوية التي شاهدها العالم ، أظهرت ان المبنى لم يكن شاهقاً ولاكبيراً ولايساوي 100الف دولار . فقد كان بيتاً وليس قصراً كغيره من ملايين البيوت التي نجدها في اي مكان في العالم شرقاً وغرباً ، يتألف من طابقين اثنين ولايميزه اي شيء لافي المعمار . ولافي مواد البناء عن اي بيت عادي يمكن ان يمتلكه اي مواطن من ابناء الطبقة المتوسطة ،ولم يكن محاطا بسور عال ٍارتفاعه خمسة امتار واكثر كما تدعي المصادر الاميركية بل كان ارتفاع الجدارا مألوفا جدا في بيئتنا الشرقية وهو لايتجاوز المترين او الثلاثة امتار .
ايضا يقول البيان الاميركي ان القتال استمر 45 دقيقة الى ان تم قتل بن لادن . فيما لو نحن اردنا ان نصدق الرواية الاميركية فلابد لنا بناءً على ذلك ان نجد ولو اثراً واضحا لعدد من الاطلاقات النارية على جدار البيت الخارجي او الجدران الداخلية نتيجة للمعركة التي دارت بين الطرفين . لكننا لم نجد اي اثر وقد اظهرت الصور وكأن البيت لم يشهد اي مواجهة عسكرية مابين ساكنيه والقوات المهاجمة . ولو كانت قد حدثت فعلا لكانت صورة البيت على الاقل قد تتشابهت مع صورة القصر الذي كان قد تحصن بداخله عدي وقصي صدام حسين في الموصل عندما تمت مهاجمته من قبل القوات الاميركية عام 2004. والذي اصيب بأضرار شديدة جداً جراء تلك المواجهة ،فيما عدا ذلك فأننا لم نلحظ في شريط الفديو المعروض على الشاشات اكثر من مرة عن مكان الحدث سوى فتحة كانت على شكل دائرة طول قطرها لايتعدى متر واحد تم احداثها في جدارغرفة للنوم في البيت المذكورولم يظهر على جدران الغرفة التي كانت الكامرة قد استعرضتها بشكل واضح اي اثرلاطلاقات نارية كانت قد اصابتها من القوات المهاجمة باستثناء تلك الفتحة . كما لايوجد داخل الغرفة ايضاً مايشير الى تعرضها الى اي نيران لذا لم نجد اي اثار للحرق لمحتوياتها . والامر الاهم هنا هو: وجود بقعة دم في احدى زوايا سرير للنوم كان يتوسط الغرفة وحجمها اكبر من حجم الكف وقد انساب الدم من السرير ساقاطا على الارض مشكلاً مساحة صغيرة جداً قرب السرير ولاوجد لاي اثر للدم في اية بقعة اخرى من ارض او جدران الغرفة وهذا يعني لنا : ان عملية القتل قد تمت على الارجح عندما كان بن لادن إمّا نائماً على السرير اوكان جالساً عليه، وهذا مايرجح مصداقية الرأي الذي يقول بأن حارسه الشخصي قد نفذ الوصية التي كان قد اوصاه بها في حالة شعوره بخطر وقوعه اسيرا ً لدى القوات الاميركية بأن يتولى حارسه قتله فوراً .
كل هذه التفاصيل تقودني الى ترجيح فكرة ان القوات الاميركية قد باغتت بن لادن وهو نائم ومطمئن دون ان تطلق رصاصة واحدة من قبل الطرفين وتمكنت القوة المهاجمة من الدخول الى الغرفة تحت جنح الظلام وكان سكان البيت كلهم نيام . و بعد ان شعر الحارس الشخصي ان الامر قد اصبح في حكم المنتهي والمحسوم وأن الخطر قد داهمهم ولايمكن تفاديه ، كان لابد له ان ينفذ وصية سيده ويقتله ( البيان الاميركي يقول ان بن لادن وجد مصاباً بطلق ناري برأسه وهذا يثبت صحة مانذهب اليه في تحليلنا ). . ليتم بعدها اعتقال كل الذين كانوا في البيت دون اية مقاومة تذكر، وهم كما اشارت المصادر 23 طفلا يشكلون اولاده واحفاده و9 نساء ،هن ّلسن سوى نسائه ونساء ابنائه .
اما مسألة اقامة شعائر الصلاة عليه فوق بارجة حربية ودفنه في عرض البحر وفقاً للاصول والشريعة الاسلامية فهذا امر يدعم صحة تحليلنا الذي توصلنا اليه في ان بيان الادارة الاميركية لاصلة له بما جرى من وقائع تتعلق بقضية اغتيال بن لادن . اما لماذا تم دفنه في البحر حسب الرواية المزعومة فأن هذا الاجراء كما تعتقد اميركا سيقطع اي امل لكل من سيسعى للوصول الى قبر بن لادن سواء لزيارته اولنبشه بحثاً عن اية ادلة لم تكشف عنها الرواية الاميركية فالبحر واسع ومليء بالكواسج والاسماك التي ستتكفل بجثة بن لادن ولن تبقي اي اثر لها . ولكي يقطع الطريق ايضا على اتباع بن لادن بأمكانية الضغط على اميركا عبر عمليات نوعية تستهدفها وتستهدف مصالحها من اجل الكشف عن جثة زعيمهم في حالة كونه ميتاً او اطلاق سراحه في حالة كونه مايزال حياً . فالمهم هنا في رمزية الاجراء الاميركية هذا هو ترسيخ القناعة التامة باختفاء بن لادن عن وجه الارض تماما بعد ان ابتلعته مياه البحر وكواسره .
والاهمية الاستثنائية الخاصة جدا التي يكتسبها الشخص المقتول بالنسبة لاميركا وما قدمه لها من خدمات سهلت وعجلت بدخولها هي وقواتها ومصالحها ورجالها وشبكاتها وعملائها الى منطقة الشرق الاوسط وتحديدا المنطقة العربية سواء كان بن لادن يقصد ذلك ام لم يقصد تشير الى ضرورة نقله الى اميركا هو وبقية افراد العائلة والحرس الذين كانوا معه في البيت لغرض التحقيق معهم . والتستر على الكثير من الحقائق التي لاينبغي ان للعالم ان يطلع عليها . وفيما لو عرفها قد تأتي بتائج وردود افعال هم في غنى عنها وعن اثارها السلبية على وجودهم ومصالحهم ومن يرتبطون معهم من زعماء وقادة ومنظمات سرية وعلنية بعلاقات خفية وسرية .
ان التناقضات التي حفل بها البيان الاميركي حول الطريقة التي تم بها قتل بن لادن زعيم تنظيم القاعدة تذكرنا بنفس الطريقة التي صيغ بها سينايو القبض على صدام حسين والذي مايزال يكتنف الغموض الكثير من تفاصيله . ولم يصل الى درجة القناعة به لدى عموم الناس او المراقبين والمهتمين بالشأن السياسي . وستكشف الايام اللاحقة تفاصيل اخرى عن هذين الحدثين قد تم اقصائها عمدا لاسباب ودواعي امنية واستخبارتية تتعلق بمصلحة اميركا اولا واخرا .