الخميس، 23 يونيو 2011

                      حاوره : مروان ياسين الدليمي

المخرج السينمائي عبد الخالق الجواري :

              كامرتي لن تتعب من التجوال .

ليس ثمة طريق يؤدي الى اكتشاف الحقيقة سوى البحث عنها . . هذا ماأشترطه على نفسه المخرج السينمائي عبد الخالق الجواري عندما اختار أن يذهب بعيدا بعدسة كامرته في رحلة لاتخلو من المتعة والتعب في آن واحد  بين المسافات والازمنة بصحبة الفلم الوثائقي . . متوغلا في مناطق وموضوعات عبث الغبار فيها .. باحثا عن الضوء،والالم،والمعرفة،خلف اكوام من الحجارة وبين الملامح أو في شقوق الجدران . . ومن اجل ان نقتسم معه متعة العشق للصورة والفكرة والرؤية اجرينا معه هذا الحوار .


*الفلم الوثائقي في العراق لم يشهد اهتماما ملحوظا خلال العقود التي مضت سواء من قبل الفنانين أومن الدوائر الفنية المعنية ،الى ماذا يعود ذلك،هل يعود الى قصورفي الفهم للعمل السينمائي واختصاره بالفلم السينمائي الدرامي ام ان ذلك يعود الى صعوبة العمل في الفلم الوثائقي او قد يعود  ذلك الى اسباب اخرى؟
- لم يحظ صناع الفيلم الوثائقي أوالروائي على مر الازمان المتعاقبة في العراق بما حظي عليه زملائهم في اوربا والأمريكتين من اهتمام ودعم علما ان بلاد مابين النهرين تمثل إرثا غنيا  وشهيا لانتاج عشرات الافلام الوثائقية المتميزة ولا يمكن حصر القصص والاحداث  التي يمكن تحويلها الى انتاج فني . ان العراق بيئة بكر لم تستثمر . فهنالك الكثير من الازمنة والاحداث التي مازالت مدفونة في ذاكرة الناس  والمكان تحتاج الى من يقترب منها .  يقول ايرول موريسوهو من افضل مخرجي الوثائقيات في العالم الان :-ان الشرق يمتلك ثلثي سحر العالم وغموضه.

*انت عملت في القنوات الفضائية معدا ومخرجا للبرامج ذات الهوية الوثائقية كيف تقيم تجربة انتاج مادة وثائقية للقنوات الفضائية . هل وجدت القائمين عليها يخضعون ماتفكر فيه وفقا لمقتضيات وخصوصيات البث التلفزيوني الذي يراعي الكثير من الضوابط والاشتراطات الاجتماعية.  والاخلاقية على حساب الحقيقة والجرأة والموضوعية التي هي شروط اساسية لنجاح الفلم الوثائقي  ؟
- تنوعت القنوات الفضائية العراقية إلى عدة أنواع ، منها  قنوات خاص هدفها الربح ومنها حكومية والتي عادة ماتكون خاضعة لقوالب واشتراطات وضعتها الدولة ومازالت تلعب نفس الدور التقليدي الذي عفا عليه الزمن ،اما بقية القنوات الاخرى  المطروحةعلى الساحة الفضائية ليست سوى قنوات حزبية فئوية ذات نظرة محدودة وضيقة لاتتجاوز مكانها وزمانها وبيئة نشئتها ، ولا يمكن طبعا مع ماتحمله هذه القنوات من توجهات اسيرة ايدلوجيات لاترى الواقع الاّ بعين واحدة لايمكن لها ان تنشر الوعي الوثائقي من اجل صناعة أفلام تؤرشف ذاكرة بلد غني وحافل بالأحداث والحروب والتغيرات السياسية في ظل عالم يلهث وراء الاقتصاد وجني الأرباح. ذلك لان هذا النمط من الافلام يحتاج الى هواء الحرية في التفكير والتعبير والمعالجة وهذا مالايتسع له صدر اي مسؤول في هذه القنوات التي لاتسعى الاّ لتنفيذ ايدلوجياتها السياسية ولو على حساب التضحية بالحقيقة .  يقول جيمس كارتن وهو  أحد أهم صناع الوثائقيات الاميركان: - ان الامة التي بلا وثائقيات هي امة بلا ذاكرة.

*نلاحظ في الاعوام الاخيرة ظاهرة الاحتفاء بالفلم العراقي في المهرجانات الاقليمية ، لماذا برأيك هذا الاهتمام ، هل يعود ذلك الى اسباب فنية يحتويها الفن السينمائي في العراق؟ ام ان ذلك ينسحب من خصوصية الواقع العراقي  فقط .؟
-الاحتفاء الذي اشرت اليه بالفلم العراقي جاء اولا لاهمية مايجري على ارض العراق من احداث وثانيا لوجود محاولات جادة لعدد من الشباب السينمائيين لاثبات وجودهم وقدراتهم رغم أن الكثير من تلك التجارب مازالت  تفتقر الى  الموضوعية والاحتراف ،وهذان امران جوهريان يقف عليهما بناء ونجاح الفلم الوثائقي ، وعليه فيما لو لم يتوفر هذين العنصرين في الفلم فمن الطبيعي ان  ينتهي تأثيره مع انتهاء المهرجان ، وليصبح بالتالي رقما يضاف  في   سجل قائمة الافلام العراقية المنتجة ، اي يصبح جزاً من الكم المنتج لايستدعي العودة اليه لقراءته وتأمله من جديد بين فترة واخرى من قبل الدارسين والاكاديميين . لعدم احتوائه على الجرأة في الطرح شكلا ومضمونا . فما فائدة ان تقدم عملا فنيا  دون ان تحرك المياه  الراكدة دون ان تثير القلق لدى المتلقين الفن لاينبغي له ان يبعث التخدير في حواس ومشاعر المتلقين كما لو كان شيئا مخدرا نحتسيه . بل ينبغي له ان يكون ممتعا في فيما يثيره من اسئلة لها صلة بحياة ومصير الانسان والبشر   وينبغي ايضا ان تتوفر في العمل الفني مستويات متعددة  من   الافكار .
*هنالك الكثير من النتاجات السينمائية العراقية منها :ماهو وثائقي ومنها ماهو روائي قصير ،هل استوقفتك تجارب معينة ؟
- في الحقيقة استوقفتني أعمال وثائقية كثيرة منها فيلم لمخرج عراقي مغترب هو باز شمعون البازي، يسجل المخرج في هذا الفيلم عبر اسلوب واقعي قصصاً لمجموعة  من الاطفال العراقيين ومن شتى المكونات ، يذهبون في رحلة علاج الى اوربا بعد ان كانوا قد تعرضوا الى اصابات وتشوهات جسدية بسبب التفجيرات التي تعرضوا لها من قبل عصابات الإرهاب ، في هذا الفلم نجد اولئك الاطفال في رحلة علاجهم يضطرون  للعيش والسفر معا وهم ينتمون اصلا الى قوميات واديان وطوائف مختلفة ،وهنا يعيد الفلم اكتشاف الشخصية العراقية وتناغمها فيما بينها رغم ما يحدث على الأرض المشتعلة من تقاطعات وتشنجات يقف وراءها السياسيون وتجار الحروب الذين يلبسون ازياء مختلفة . ومن الفرص الجميلة انني كنت ضمن المجموعة التي  اشرفت  على مرحلة مابعد الإنتاج لهذا الفيلم الروائي الطويل . ايضا  أعجبتني كثيرا التقنيات في بعض مفاصل فيلم ابن بابل للمخرج محمد الدراجي  رغم تحفظي على جوانب من الفلم خصوصا مايتعلق بالسرد الوثائقي .

*بعد عشرين عاما من العمل في انتاج البرامج الوثائقية كتابة واخراجا كيف تنظر الى تجربتك انت ، هل تجد نفسك قد توصلت الى شيىء ما في هذا المضمار ،يمكن ان نجد له صورة واضحة في الايام القادمة ؟
- منذ عدة سنوات وأنا  أحاول مطاردة بعض القصص بالبحث والتقصي المتكرر                  فالأساس لأي فيلم هي المقولة التي أؤمن بها كثيرا (ابحث ثم ابحث وفي كل مرة ستجد  شيئا) ومن اجل ذلك سعيت لمخاطبة مؤسسات عربية وغير عربية لإنتاج فيلمي الذي اعمل عليه منذ مدة طويلة ، حتى استقر المشروع على مؤسسة ألمانية كبرى jena bild التي رحبت بإنتاج هذا الفيلم بمشاركة شركة kic film الكندية وبرعاية مؤسسة الفيلم القومي الكندي وقد شرعنا فعلا  بكتابة السيناريو معا انأ والأستاذ قيس الزبيدي السينمائي العراقي المعروف والفيلم من إخراجي , يتناول الفيلم رحلة عالم الآثار ماكس مالوان وزوجته الكاتبة أجاثا كريستي في العراق في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي . كما أنهيت عمل مائة حلقة من برنامج وثائقي عنوانه  (حكاية صورة) بواقع عشردقائق لكل حلقة وهو من إنتاج شركة عراقية ، وسوف يعرض قريبا على أكثر من قناة فضائية والبرنامج يتناول 100 حدث من خلال صور الشخصيات نفسها،  في محاولة منّا لارشفة الوثيقة العراقية التي داستها سنابك خيول المحتل واوشكت على طمر الكثير والثمين منها.
شرعنا في ذات الوقت ايضا في كتابة وانتاج فيلم وثائقي لصالح احدى القنوات  العربية وهي تجربة جميلة في الكتابة والاخراج المشترك بيني وبين المخرج السينمائي الاستاذ قيس الزبيدي الذي سيكون لي الشرف وللمرة الاولى ان اوقع باسمي الى جانب اسمه العالمي الكبير، كما اني وبعد دورة مكثفة عالية التخصص  تمكنت من الحصول على شهادة اول مخرج عربي على كاميرات Redcinama)) Arri alexa) )وهذا النوع من الكاميرات جديد تماما على المنطقة برمتها وهو الذي سيجعل العمل السينمائي اكثر سهولة بدون استخدام الفيلم 35ملم ، وبعد نهاية الدورة اعمل الان على تدريب  مخرجين ومصورين في اكاديميتين خاصتين هما:
Focus Academy)) و Drama Academy))

*عندما تبدأ في التفكير في انتاج عمل ما ،هل هنالك موضوعات معينة دائما ماتدور في وجدانك ، ام انك تلتقط الموضوعات مما قد يدفعه الواقع الى السطح ، ام انك تسعى لاكتشاف الموضوعات ؟
- لقد استفدت كثيرا من التجوال في كردستان العراق من أقصاها لأقصاها خلال أكثر من 3 سنوات أنتجت فيها بالتعاون مع قناة عشتارالفضائية  أكثر من سبعين برنامج وثائقي له خصوصية وشكل معين يمكن مقارنته بادب الرحلات،  وبواقع نصف ساعة للحلقة الواحدة ، حاولت في هذه التجربة ان أسرّع في عملية الإنتاج التفيذي والضغط  في كلفة الانتاج حتى تتلاءم مع الميزانية المتواضعة  لقناة محلية ، فأنا أؤمن تماما بقضية اساسية وهي : لكي تكون مخرجا وثائقيا ناجحا عليك ان تكون خلاقا حتى في تقنين النفقات الإنتاجية!

*هنالك العديد من التجارب العالمية في الفلم الوثائقي ، هل تعتقد ان الفنان العراقي قريب من تلك التجارب ، هل قرأها بشكل جيد ، هل حاول ان يكتشف مافيها من عناصر فنية . ؟
- لاتزال التجارب العراقية محلية وضيقة ،ولا تتجاوز خارطة ولادتها ، لكني لا اعتقد ان هذا الواقع سيطول ، لأننا اليوم نراهن على الطاقات الشابة النخبوية الجديدة التي تسعى لاستخدام الثقافة استخدام أمثل من أجل خلق صناعة سينمائية ووثائقية. مازلنا بحاجة لرؤية تجارب الاخرين الذين سبقونا في هذا المضمار . لان رؤية هذه التجارب على تنوعها في الرؤية والمعالجة والاساليب سيفتح افاقا كبيرة في نمط تفكيرنا ويجعلنا نسعى لان لانستسهل البدء في اي مشروع فني وثائقي . فهذا العمل يحتاج الى وقت طويل من التحضير والاستعداد على الورق قبل البدء في التنفيذ . وهذا فرق جوهري بيننا نحن في العراق وبين التجارب المتقدمة في  العديد من دول العالم .
*نود ان تعطينا فكرة عن طبيعة التجارب والاعمال المهمة التي انجزتها ؟
- ابتدأت العمل في الفلم  الوثائقي منذ نهاية التسعينات عندما رافقت المخرج الايطالي القس(Director: Jan-Marie Benjamin) اثناء انتاجه فيلم في العراق تحت اسم Iraqi solidarity أثناء تلك التجربة سحرني الموضوع كثيرا وتعلمت منه ان الصبر هو حقا مفتاح الحل في الفلم الوثائقي وان خلق مجابهة  واستهلال وخاتمة امر نتركه للحدث نفسه وينبغي علينا ان لانظيف ولانتطفل عليه.

*بماذا تفكر الان . . ماهي المشاريع التي تسعى لتحقيقها ؟ 
- أسعى منذ فترة لخلق بيئة عمل وثائقية  جديدة وذلك عن طريق تأسيس مدرسة لتطوير الشباب الراغبين في العمل بهذا المجال ،  ولدي أيضا قيد الانجاز  كتاب وصل الى مراحله  النهائية يتحدث عن أسس بناء الفيلم الوثائقي وهو بعنوان(الإعداد المسبق . . إكسير النجاح).

الأحد، 19 يونيو 2011

                                  انت لم تكن ابدا ً   !

الى/ لوثر ايشو


لاأعرف  لماذا يَضيق الفضاء  حتى على أوهامنا  
لاأعرف  لماذا المبررات  التي لاتملك دماثة الخُلق تؤازرنا  
هل سنكون سعداء هكذا دائما رغم انوفنا
هل سنكون حزانى  هكذا بمحظ ارادتنا
هل سنبقى نمسك بالمرآة ونحن نهذي بالكلمات
 بينما النار تقبع على  اكفنا   !   . . .

نينوى طقسها اليوم  ليس كعادته
الهواء فيها مثقل بالندوب
الماء بطعم التعاسة
والصمت يجلد الدروب . .

التشابه بينك وبينها ، لن  يمر بعد الان على البيوت القديمة في بغديدا
ولن يذكره الجنود المكدسون في العربات
ولا الامهات ينتظرن الابناء
ولاالمهجرون
ولاالغائبون
ولاالنازحون
ولامن أخطا الطريق الى بغداد
النوافذ لن تفتح بعد هذا الغياب المُر في قرية ديري 
انكسر الحلم  فيها هذا الصباح  
انكسرنا نحن
انكسر اللون في اللوحة
في العشب
في الاشجار
في الورد
في زرقة السماء .

اعرف ان لاأحد سيبقى بعدك في الطريق متجها  الى المدن المأسورة بالخوف  
ولاأحد سيمضي اليها ،
انت وحدك . .  كنت فيها
انت وحدك . .  سكنت طويلا في الغائب منها
وتركت وجهك  في الحاضر الشاحب من لياليها
وحدك . . كنت منتصبا في الحنين الدائم اليها
وحدك المسكون بها
 بعتباتها
بفصولها
بألوانها
بقلاعها
بأسوارها
بمن ودع الامنيات على  حيطانها .

أنا بعد موتك لاأشك بموتك
لاأشك بعودتك
لكني  . .  وعذرا ياصديقي ، اشك اصلا بوجودك
فاأنت لم تكن ابدا
ولاجئت
ولاعشت
ولارسمت
ولافرحت
ولاأنتظرت
ولاتألمت
ولن اصدق ابدا انك كنت .

                                              
                                                 18/6/2011

السبت، 18 يونيو 2011



                         وفاة الفنان التشكيلي لوثر ايشو .

انتقل الى رحمة اللله صباح اليوم السبت 18/6/2011  الفنان التشكيلي لوثر ايشو في قضاء قرقوش . بعد ان ترك وراءه ارثا فنيا غنيا جدا في تاريخ الحركة التشكيلية العراقية المعاصرة . والفنان ايشو من مواليد 1955قرية ديري  التابعة لقضاء العمادية في محافظة دهوك . ولان والده كان يعمل موظفا في محطة سكك حديد الموصل انتقل مع عائلته الى محافظة نينوى ليقيم فيها مع عائلته منذ العقد السادس من القرن العشرين . ومنذا بداية سبعينات القرن العشرين بدأ اهتمامه بالفن التشكيلي مع مجموعة من الشباب الذين سيكون لهم شأن  كبير في تجديد الحركة التشكيلية في مدينة الموصل وفي العراق وهم كل من رائد فرحان ومزاحم الناصري وعاصم هادي وخليف محمود .
 وكان معرض مهرجان الشباب العربي في بغداد  للفن التشكيلي هو اول مهرجان فني شارك  فيه عام 1977 . ثم تتابعت مشاركاته الفنية في المهرجانات المحلية والدولية وكان اخرها معرض مشترك لكاليري بوران في العاصمة الاردنية عمان  عام 2010. . اضافة الى تصميمه للعشرات الاغلفة لكتب  اصدرها ادباء وشعراء وكتاب عراقيون  .
وكان الفنان الفقيد قد ساهم في تأسيس جماعة نينوى . وهي جماعة تضم عدداً من الفنانين التشكلين من ابناء نينوى، وهم تقريباً نفسهم الجماعة التي كانت قد انطلقت سوية مع مطلع سبعينيات القرن الماضي . واقامت هذه الجماعة عددا من المعارض الفنية داخل وخاج العراق . اخرها كان عام 2010 في متحف جامعة الموصل . و اخر نشاط  كانت تستعد له هذه الجماعة معرضا تشكيليا كان من المؤمل ان يتم اقامته في صيف هذا العام في مدينة بيروت . .
والفنان لوثر ايشو له اربعة اخوة كلهم منشغلون  بالعمل الفني والادبي وفي المقدمة منهم يأتي الشاعر والقاص والمخرج السينمائي بولص ايشو الذي يعد واحد اً من الاسماء التي بدأت تفرض حضورها الفاعل في مجمل هذه الانشطة الفنية والادبية ،وسبق له ان  اصدر مجموعته الشعرية الاولى العام الماضي بعنوان ( ضراوة الحياة اللامتوقعة ) عن دار الحضارة في مصر  وهناك ايضا شقيقاه الفنان فارس ايشو ومازن ايشو. اللذان  يعملان في ميدان الموسيقى . . لقد خسر العراق بغياب لوثر ايشو واحدا من اهم الاسماء التي عملت بجد وتميز طيلة اكثر من ثلاثين عاما ولن يتمكن اي ناقد ومؤرخ للحركة التشكيلة العراقية ان يتجاوز هذا الاسم دون ان يتوقف امام تجربته طويلا لما فيها من اشتغال كبير وعميق  في ميدان التجريب والبحث والتجاوز .



                                     

الاثنين، 13 يونيو 2011

                                            

                                             حاوره :مروان ياسين الدليمي 


الروائي يونس صديق توفيق الحمداني :

-انا عراقي في خانة الكتاب الايطاليين


ثلاثون عاما في المغترب الايطالي وهو يبتكر صور حضور ٍآسر ٍ في مزاج المدن المسكونة بالبحر و والضوء وغواية العشاق . .  ثلاثون عاما وهو يحلق عاليا ً في سماوات الغربة  بعيدا ً عن موطن ارتعاشته الاولى  . .
 لكن الذاكرة مازالت تطرق ابوابا مقفلة ، تطرح اسئلة في دروب الموصل العتيقة ، لعلها تمسك بأسماء وتفاصيل تركها هناك منثورة على العشب في ربيع  نينوى وحول اسوارها . .  مازالت الروح نابضة  تضج برائحة النقوش على باب الدار ، وظلال النهارات التي اغتسلت بماء دجلة ، مازالت تطل من الشرفة البعيدة ،تتعقب البراءة في  انكسارات الازمنة الحاضرة /الغائبة . .
ونحن ازاء سيرة مكتضة  بالامطار والاسفار والروايات والاشعار والاحلام  كان علينا ان نقتنص الوقت لنسجل ـ بعد غياب دام ثلاثة عقود عن الوطن ـ  حديثا مع يونس صديق توفيق الحمداني الايطالي الجنسية العراقي الاصل  وهو أول كاتب أجنبي يكتب أول عمل روائي مباشرة  باللغة الإيطالية وبدون أي وسيط  .  
 سيرته تقول أنّ له العديد من المؤلفات  منها : (الغريبة ) رواية صدرت عن داربومبياني في ميلانو عام ١٩٩٩، (مدينة إرم) رواية صدرت في ميلانو عن دار (بومبياني) عام ٢٠٠٢. (اللاجئ)رواية صدرت في ميلانو عن دار (بومبياني) عام ٢٠٠٦. (عراق صدام) راوية تاريخيةصدرت في ميلانو عن دار (بومبياني) عام ١٩٩٩. (إسلام) بحث تاريخي صدر عن دار إيديا ليبري عام ١٩٩٧. (حضور السيدة البابلية) ديوان شعر صدر في تورينو عن دار آنكولو مانزوني عام ١٩٩٤ . (القمر بين اليدين) ديوان شعر صدرفي تورينو عن دار (آنانكي) عام ١٩٩٤.(السلام عليكم . الحديث بالعربية ) دراسة لغوية صدر في تورينو عن دار أنانكي عام ١٩٩٩. اضافة الى ذلك فهو يكتب في صحف ايطالية عديدة مثل : لاستامبا والميسّاججيرو والجورنالي  ويرأس المركز الثقافي العربي - الايطالي دار الحكمة منذ عام2000. كما يشغل منصب عضو استشارية وزارة الداخلية الايطالية لشؤون الإسلام الايطالي منذ عام 2006. اضافة الى انه  يشغل منصب أستاذ اللغة والأدب العربي في جامعة جنوة كلية الآداب منذ العام 1999..


البحث عن فضاء جديد
* قبل اكثر من ثلاثين عاما غادرت العراق للداراسة في ايطاليا ، واثرت البقاء فيها ، مالذي وجدته في ايطاليا ولم يستطع العراق ان يعطيك اياه ؟
-لقد غادرت العراق لهدف الدراسة والمعرفة وكان أملي هو العودة رغم إدراكي لحساسية الوضع السياسي الذي بدأ يسود البلاد آنذاك. في داخلي كان التوق الى الحرية يقودني بعيدا حيث البحث عن قيمة الإنسان ومساحات التواصل مع الذات والآخر، من أجل إكتشاف وتحسس واقع الوجود والكينونة الفكرية الذين كانوا في مرحلة التطور في أعماقي. كنت أحتاج الى فضاء يسمح لي بالحركة والإرتقاء، الى مجالات تسمح لفكري ولإبداعي بالتطور دونما رقيب أو تحديد آيديولوجي أو شروط مفروضة من واقع سياسي وفكري معين. إيطاليا منحتني الوجود والإحساس بقيمتي كإنسان. عرفت معنى الحرية بالنسبة للأديب وتعلمت، رغم بعض المشاكل، أن للحياة قيمة تستأهل التضحية من أجلها.

*عندما  خرجت من العراق كان عمرك ثمانية عشر عاما وها أنت تعيش  في اوربا منذ  اكثر من ثلاثين عاما ومع هذا عندما كتبت اعمالك الروائية ونلت عليها جوائز اوربية كانت معظم الشخصيات والازمنة والامكنة ذات هوية عربية . .  مالذي دفعك الى ذلك . هل كنت تحاول ان الدفاع عن تلك  الجذور امام الغرب  ام هي محاولة لاكتشاف الذات و تعريتها ومدواتها مما اصابها من ضرر ،ام هي محاولة منك لاستثمار الدراما الانسانية التي عادة ما تحتشد في تفاصيل الحياة الشرقية والتي يتمنى اي كاتب اوربي ان ينهل منها لكن الفرصة ليست متاحة امامه مثلما هي لك ؟
- البعد عن الوطن يترك في الأعماق الدفينة جروح
عميقة لا تنفك تنزف وتؤلم. وأعمالي تحمل كل الجراحات وثقل الذكريات وجنون الوحدة القاتل. عالجت الشعور بالحنين والعزلة التي يعاني منها المهاجر والتي، مع مرور الوقت، تقتل فيه عنصر الإرتباط بالجذور، وفي الوقت نفسه تغلق في وجهه أبواب الإندماج. كانت الكتابة ومازالت هي الفضاء الذي يمنحني القدرة على التواصل مع الهوية والبعد الثقافي الأصلي، والدفاع عنها ليس سوى ردّ فعل للكثير من الجهل الذي يعاني منه الغرب تجاه حضارتنا وديننا. كانت أيضا عملية لاكتشاف الذات التي أنهكها البعد والشوق بل ونهشتها الوحدة حتى العظم. وجدت الحاجة في (رواية الغريبة) الى طرح قضية الهجرة السرية والتضاد بين كيانين: واحد معلق بين عالمين ولاينتمي الى أيّ واحد منهما  رغم إعتقاده الراسخ بأنه قد تعدى مرحلة الإندماج  والآخر متمسك بجذور الأرض التي جاء منها، طرية ولاينسلخ عنها رغم موته البطيء في قفص عزلته. عالجت الإحساس بالوحدة وكيف أن جرح الحنين والبعد عن الوطن لايبرأ أبدا وكيف أن الذاكرة هي العالم المتوازي الذي يعيش فيه المهاجر ويجد فيه ملاذه ومنفاه. كما أنني وجدت نفسي منقادا الى ضرورة معالجة تراكمات فكرية وذكريات وصراعات طفت على السطح فجأة بعد سقوط النظام  (رواية اللاجيء) في عمل درامي يعكس الحاجة الى طرح الوضع العراقي (السياسي والإجتماعي) على طاولة التشريح وتقديمه للقاريء الأوربي بصيغة ملحمة عائلية تقربه من المأساة عن طريق معايشتها عن قرب.
أنا أعتبر أول كاتب أجنبي يكتب أول عمل روائي مباشرة  باللغة الإيطالية وبدون أي وسيط. وهذا حتم عليّ في بعض الأحيان أن أستغل بعض الدرامات الإنسانية لأنني أعرف الناس بها ولكوني عشتها أو كنت شاهدا عليها. كل أبطال رواياتي أناس حقيقيون عاشوا ماساتهم بصمت وماتوا بصمت. وجدتني رغما عني في موقف من يتكلم بلسان الآخر ويعالج معاناته بصيغة أدبية غيرت من مفهوم القاريء الإيطالي وجعلته ينظر الى المهاجر على أنه إنسان وليس مخلوقا بلا هوية.


*في العراق وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي حصلت على  الجائزة الاولى في مسابقة الشعراء الشباب مناصفة مع الشاعر لؤي حقي وتم تكريمك  انذاك من قبل رئيس الجمهورية احمد حسن البكر ، ماهي المساحة التي يتحرك بها الشعر الان  في مشوارك الادبي ؟
- كان ذلك التكريم قد شكل منعطفا مهما في حياتي الأدبية. حينها كان عمري ثمانية عشرة عاما تقريبا حين وجدت رئيس الجمهورية والوزراء يصغون الى شعري بإهتمام  ويكرمونني، كما أنني كنت في إمتحان مصيري أمام فطاحلة الشعر في العراق ومنهم رئيس لجنة التحكيم الشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد. كانت لحظات جميلة جعلتني أعيش الشعر وكأنه عملية داخلية من التطور الذاتي للإبداع حتى أن القصيدة أصبحت ألوان حياتي التي أرسم بها وشريط أفكاري التي أصور به وأوراق مشاعري التي أكتب فيها. لقد وضفت الشعر في سياق الرواية، بتفاعل مع النثر بهارمونية موسيقية لكي يكون الصيغة الفنية الأكثر صدقا وفاعلية في التعبير عن خطورة الحدث وثقله. أدخلت القصيدة في حيز الرواية، أقحمتها بين السطور فكانت إطارا متكاملا، وهذا يعتبر، في مفهوم النقد الأوربي، عملا خطيرا قد يقضي على مسيرة الكاتب. كنت متشبثا في تغيير قوانين ألوان الكتابة الروائية وخلق نوع من التزاوج بين فن الشعر وفن الرواية إنطلاقا من تراثي القصصي العربي: المقامات وألف ليلة وليلة وكان النجاح الذي لم أتوقعة تذوق القراء الشعر مثلما تفاعلوا مع العمل القصصي.


الشعر هو الحقيقة التاريخية .
*كيف تنظر الى اشكالية  المصطلح والمعنى لانواع الشعرالعربي الحديث ، دقة وفهما علميا اكاديميا ، ابتدأ بمايسمى الشعر الحر وقصيدة النثر والنص المفتوح . وهل ارتقت هذه التسميات الى مستوى التعبير والتأطير الدقيق لهويته؟
- الشعر يجب أن لايخضع لإشكاليات وأطر معينة. فهو عبارة عن حركة ديناميكية متطورة، مرتبطة بتطور الحضارة الإنسانية. الشعر كان حرّا حتى حينما كان يخضع لقواعد ونظم ضيقة تتمثل بالشكل والمحتوى، بينما هو الآن، وبالأخص في هذه المرحلة، بحاجة ماسة الى أن يخرج من حدود التحجر والخمول. في الخمسينيات كان المحيط الإجتماعي والسياسي والثقافي يتوق الى إيجاد صيغ شعرية جديدة ولكن فترة الستينيات كانت مرحة التدفق الحقيقي لما  يمكن أن يسمى بالشاعرية المتألقة في أكبر تعبير عن الإندماج الإبداعي بين الشكل والمحتوى. اليوم، وحتى هنا في أوروبا، أصبحت قصيدة النثر هي الشكل الفني الأمثل، والذي يمنح مساحات فضائية تتماشى مع حركة الإنسان في بيئة مفتوحة تبدأ من الإنترنيت ثم الفيس بوك وانتهاء بالحركة الأفقية للموجودات والتي أصبحت تقريبا ضوئية بفعل التطور العلمي. إذا كل مرحلة ولها إبداعها الفني والأدبي والشعر ليس بمعزل عن هذا بل هو الحقيقة التاريخية والشاهد الأكثر صدقا على واقع العصر.


*كيف تنظر الى منظومة الثقافة العربية الحديثة . . هل تجدها بعيدة عن التفاعل مع المتغيرات . وان نتاجها في مجمله ليس سوى طريقة شكلية للمثاقفة مع الاخر؟
- منظومة الثقافة العربية تحتاج الى الخروج من خطابيتها ومن خضوعها الى التقليد. نحن لدينا الطاقة على التحرك والتحرر ونحن بطبيعتنا شعوب ديناميكية وحضارتنا كانت دائمة الإرتباط بحركية الزمان والمكان. هذا التشبث العبودي بالشكل والنظر المتواصل الى الخلف جعل من منظومة الثقافة العربية عبارة عن مؤسسات بورقراطية تهدف الى الإنتاج المتسلسل لأعمال تسعى الى الإبهار. هناك محاولات جيدة من أجل كسر هذا الخط ولكنها لاتتمتع بدعم مؤسساتي بل نجد أن في كثير من الأحيان يكون الجمهور هو الفاعل الأساسي في الإختيار والتقييم بل والتسويق حتى. هناك انتاج أدبي عربي يرقى الى العالمية ويصل الى درجة ابهار المهتمين لكن ومع الأسف فالأمر ينحصر في أعمال قليلة جدا وهذه نادرا ما تكون مرتبطة بمؤسسة أو منظومة ما. نحن لدينا الطاقات والتجارب والإمكانيات المادية من أجل الخروج من أطر الكلاسيكيات ومنح العمل الأدبي حرية الإنطلاق والنمو. علينا أن ناخذ بعين الإعتبار تطور المجتمع والمرحلة الزمنية التي نعيشها كي ندرك أن العمل الفني هو الناتج الحقيقي لما هو حاصل في المجتمع وهذا ماحصل بعد ظهور الإسلام وخلال الفترة العباسية وهكذا.


*المسرح ، القصة ، الرواية ، الشعر الحديث بشكله الاوربي كل هذا الثراء المتنوع ماهو الاّ نتاج حديث على ثقافتنا العربية المعاصرة ،وكان للشكل الاوربي فيها الحضور الاكبر والاهم لكن الملاحظ ان مايعرف لدينا بقصيدة النثر اخذت الحيز الاكبر في الجدل الذي وصل الى حد الخلاف والرفض والتشنج في الاوساط الادبية منذ اكثر من اربعين عاما ومازال بينما الاشكال الادبية الاخرى لم تتعرض الى مثل هذا الجدل . . مالاسباب في رايك؟
- الفنون الأدبية في عمومها دخيلة علينا وخاصة المسرح بصيغته الأوربية وفن الرواية بشكله الحالي أيضا يعتبر مولودا متبنى  رغم أن التراث العربي عرفه منذ قرون. وكما سبق وقلت فإن الشعر هو من الفنون الأدبية العربية الأكثر أصالة وقصيدة النثر هي التطور الطبيعي للسجع والقصيدة وصولا الى الشعر الحرّ وقصيدة النثر التي فجرت الجدل والخلاف بل والرفض أحيانا. أتصور أن هذا اللغط المفتعل هو ليس سوى ردّ فعل طبيعي لمن يريد حماية فن أدبي عربي أصيل ومن أجل هذه الأبوية المبالغ فيها يصل الأمر بالبعض الى وضع هذه الفرس العربية في قفص ضيق يجعل منها ومع مرور الزمن عاقرا. أنا لست من دعاة الدفاع عن التطور على حساب الأصل بل يجب ترك الحرية لكل أشكال الإبداع مع تشجيع البحث والتجربة والخلق الذي يأتي من الداخل مع الإستفادة من التجارب الخارجية وهذا ما حصل في الماضي وسيحصل مستقبلا شئنا أم أبينا.


*لاشك ان النثر مازال يحتل  لدى العرب  ـ سلطة وشعوب ـ  مرتبة ثانية من حيث الاهمية والتقييم امام الشعر الذي مايزال يحتل المرتبة الاولى مع الاخذ بنظر الاعتبار جملة المتغيرات الفنية التي حصلت في كل انواع النثر سواء في ميدان الرواية او القصة او المسرحية . كيف تنظر الى هذه المسألة ؟
- نحن شعوب محافظة، والقصيدة هي أول الفنون الأدبية العربية التي جعل منها شعبنا البدوي وسيلته الإعلامية والتوثيقية الأكثر فاعلية وأمانة والتي حافظت في أرشيفها الغني على تراثه وهويته. العرب شعب "أورالي" أي أنه يعتمد على الرواية الشفهية، والشعر هو أسهل الفنون الأدبية التي يمكن حفظها وتناقلها بين الناس في الأسواق والمجالس والمقاهي. لاضير في هذا لأننا ملزمون بالحفاظ على هذا الفن وتطويره ولكن هذا يجب أن لايكون على حساب باقي الفنون الأدبية حتى وإن كانت هذه بدورها غريبة أومتبناة ولكنها أصبحت، وبعد خضوعها للإندماج، فنونا إبداعية عربية تتطلب الأخذ بعين الإعتبار بل ويلزم البحث عن كل الصيغ الجديدة كي نتبناها ونطورها كما فعلنا دائما.



ثقافتنا اليوم  ليست في حالة تبعية
* المثاقفة امر لابد منه لكن ، الاتجد ان الثقافة العربية مازال دورها سلبيا  فهي  مازالت  تستورد وتستهلك المصطلحات والتصنيفات الغربية دون ان تساهم في انتاجها . . اذ مازالت مرجعية  المثقف العربي الاصطلاحية ترجع الى المعجم الاوربي . لماذا برأيك لم تخرج الثقافة العربية من هذه التبعية  ؟
- ثقافتنا الآن تمرّ بمرحلة تكوين الهوية الحديثة وهذه تتطلب الإستهلاك والنمو. إنها عملية تطور طبيعية تنهش كل شيء يمر في طريقها. الثقافة الأوربية مرت بهذه المرحلة الطبيعية قبل ألف عام تقريبا ولغتهم مليئة بمصطلحات من أصل عربي بل وحتى هناك صيغ أدبية وفنية صدّرناها نحن الى أوربا عن طريق الترجمات والرحالة والحجاج. كوميديا دانتي الإلهية مثلا تحتوي على الكثير من العناصر الفنية والثقافية الإسلامية، شعر الدولجي ستيل نوفو وعلاقته بالشعر العذري والموشح الأندلسي وقصص البوكاججو وعلاقتها بألف ليلة وليلة، حكاية روبينس كروز وعلاقتها بقصة الحي ابن يقظان وغير ذلك، هذه كلها أعمال أدبية لها علاقة مباشرة بفنون الأدب العربي والذي دخل أوربا مع الترجمات والمثاقفة. فثقافتنا العربية اليوم ليست في حالة تبعية  وإنما داخل بودقة مرحلة التطور الطبيعي للثقافات المتفاعلة. فقط الثقافات النشيطة تلتقي وتتفاعل  وسوف نخرج من مرحلة التأثير والتأثر هذه عندما ننتهي من تكوين هويتنا الثقافية الحديثة وهذا يتطلب وقتا. الأمر ليس في المصطلح وإنما في ديناميكية التطور وفي كيفية خلق صيغ إبداعية أصلية تعكس حالات خاصة لها علاقة بواقعنا، بفكرنا المعاصر بوجودنا في عالم دائم التطور والتغيير.

*هل مازلت تشعر بالوحدة والاغتراب ؟
-نعم. بصراحة هذا شعور كان يستحوذني حتى عندما كنت في وطني وبين أهلي فما عليك الآن وأنا في منفى الإغتراب. هي حالات داخلية تنشأ من حساسية مفرطة تجاه واقع معين أو حالة معينة. أنا لست سوى غريب في عالم ظاهري وغالبا ماأشعر وكأنني هائم في عالم البرزخ بين انتمائي الجذوري والذي يشكل كل خلفيتي التراثية وهويتي الأصلية وبين واقع أعيشه وكلي وعي بانني لاأنتمي اليه وبأنه هو بحد ذاته ينظر اليّ بريب وبحذر وبأنه لايتقبلني كما أنا بل يطلب منّي أن أتغير وأن أصبح كما يريدني هو أن أكون عليه.



*لو سألتك الان بعد هذه الرحلة الطويلة في البحث والقراءة والاغماس في الثقافة الاوربية ،  فهما وتجربة وحياتا ودراسة وتدريسا . لو سألتك من انت بما تجيب ؟ 
- غريب يبحث عن جذوره وهويته في عيون الوقت الذي يجري جارفا الذاكرة والحلم. انا لست سوى أبيات شعر هرمت وصور إصفرت وألوان بهتت وأصوات بحّت وعيون جفّت دموعها وضعفت رؤيتها. الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه هو أنني عراقي وأن فيّ حنين قاتل لوطني ولمدينتي ولأهلي.


دار الحكمة جسر الى العالم
*جزءأً مهما  من نتاجك الفكري كان ترجمة العديد من كتب التراث الفلسفي الاسلامي  لاهم المفكرين والمتصوفة والفلاسفة المسلمين . مثل الجاحظ والإمام أبو حامد الغزالي والشيخ الصوفي ابن عربي ومؤلفات جبران خليل جبران العربية وشعر الشنفرى. السؤال هومالدوافع التي اخذتك الى تلك الازمنة لتعيد تقديمها الى الثقافة الاوربية ومالذي يمكن ان تلعبه في تصحيح وتعديل الصورة عن الاسلام في اوربا بعد ان شهدت ضررا كبيرا لحق بها في الاعوام الاخيرة؟
- بعد دخول القوات العراقية الى الكويت وخاصة في الفترة التي سبقت حرب التحرير كان الغرب  يعيش في حالة من الخوف والهلع من إحتمال قيام حرب عالمية جديدة، والقاريء الإيطالي خاصة كان يبحث عن أي شيء له علاقة بالثقافة العربية والإسلامية ودور النشر بدأت تبحث عن مؤلفات تملأ الفراغ الشائع والجهل الذي جعل الغالبية العظمى تتساءل عن موقع العراق والكويت على الخارطة وهل أن الإسلام دين أم معتقد وهل أن القرآن منزل أم كتبه الرسول (صلع). كان من الضروري المساهمة في صنع برنامج توعية يعيد للحضارة العربية كرامتها ويساعد الإنسان في الغرب على فهم فكرنا وإبداعنا بل وتصحيح الكثير من الحكم المسبق والفهم الخاطيء الذي نال من ديننا وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لم أتوقف فقط على الترجمة بل التأليف مثل كتاب "إسلام" الذي ترجم الى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والألمانية والهولندية وكذلك دراسات وروايات تعالج الكثير من القضايا مثل رواية "مدينة إرم" التي تتعرض لمسألة الحوار بين الحضارات. لقد ساهمت أيضا وبشكل عملي في النضال من أجل تصحيح صورة الإسلام وتشجيع الحوار بين الأديان والتصدي للفكر التكفيري وتشجيع الإندماج الصحيح للمهاجرين في المجتمع المضّيف وذلك عن طريق تأسيس المركز الثقافي العربي – الإيطالي دار الحكمة عام الفين والذي هو عبارة عن مركّب ثقافي يحتوي على مطعم عربي ومركز ثقافي يحتوي على صالة كبيرة للنشاطات الثقافية والمعارض صف للدراسة ومكتبة ومقهى عربي إضافة الى حمام تركي على الطريقة الشرقية. هذا المركز الفريد من نوعه في إيطاليا أصبح وجهة لكل من يريد التعرف مباشرة على حضارتنا وتراثنا العربي وفكرنا الإسلامي المنير عن طريق تنظيم نشاطات تقريبا يومية.

*هل تجد للثقافة العربية المعاصرة حضور ملموس في الثقافة الاوربية ، واين يمكن تلمس هذا التأثير ؟
- نعم، حضور الثقافة العربية المعاصرة بدأ يأخذ حيزا كبيرا في الثقافة الأوربية سواء بفضل كتاب عرب يكتبون بلغات أوربية أو عن طريق الترجمات. التواصل خلق نوعا من الصيغ الأدبية الجديدة التي كانت غائبة عن أطر الكتابة الغربية. نجد اليوم كتابا أوربيون يعالجون قضايا كانت غائبة عن مواضيع أعمالهم إن لم تكن من المحرمات. القضية الفلسطينية مثلا، الحرب على العراق والإحتلال، وكذلك بالنسبة لأفغانستان ومسائل الهجرة وتبعاتها. يجب أن لاننتقص من جهد الكتاب العرب الذين يكتبون بلغة غير العربية لأنهم يقومون بعمل مهم في تعريف القاريء الأوربي بقضايا عربية تبدأ من المواضيع التي طرحتها سابقا الى مسائل تتعلق بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات انتهاء بالأحداث الأخيرة والثورات التي هزت كراسي  وقلبت الموازين في بلداننا.

*انت  تحمل الجنسية الايطالية  منذ اكثر من ربع قرن ومن خلال جهدك الفكري انت تشكل جزءاً من سياق الثقافة الاوربية . . هنا يبرز سؤالان ، الاول يتعلق بك انت  وهو : بأية هوية تسعى وتحرص لان  تقدم نفسك وانت تشارك في صنع المشهد الثقافي الاوربي  وفي الجانب الاخر كيف تجد الصورة التي ينظربها المثقفون الاوربيون اليك ؟
- أنا أحاول أن أكون جسرا بين حضارتين عن طريق الربط بين تراثي الأدبي والحضاري وذلك المكتسب. الأمر ليس بسيطا ويحتاج الى جهد كبير. فكوني أحمل الجنسية الإيطالية لايعني أنني انسلخت عن هويتي العراقية وقلبي الذي ينبض عربيا. كثيرا ما أكتب الشعر بلغتي الأم وأعيد كتابته بالإيطالية أو ترجمته وأنا الآن أعمل على إعادة كتابة روايتي "الغريبة" باللغة العربية، بفكر عربي وبصياغة عربية. أنا ورغم علاقاتي الطيبة مع الجميع وبرغم أن المؤسسة الثقافية الإيطالية تحترمني وتثمن أعمالي وبرغم أنني حزت على ستة عشرة جائزة من كبريات الجوائز الأدبية الإيطالية إلا أن الجميع هنا يعتبرني كاتبا عراقيا ولا أحد يضعني في خانة الكتاب الإيطاليين، بل ولاحتى دار النشر التي تنشر لي أعمالي تعتبرني مؤلفا إيطاليا بل تضعني بين الكتاب الأجانب. هذا هو أحد أسباب شعوري بأحقية بلدي عليّ وبأن الوقت قد حان للعودة وبأن الغريب يبقى غريبا لو مهما فعل.

*كيف تنظر الى مايجري الان من المنطقة العربية من تغييرات وثورات شعبية ، هل تشكك في الجهات التي تقف ورائها ؟ ام تجدها ثورات حقيقية خرجت  تماما من حسابات الدوائر الاستخباراتية الاجنبية ؟ وكيف تنظر الى مستقبلها؟
- لا. أنا ليس لديّ أدنى شك بأن ما يحصل هو تطور طبيعي لحالة عربية خاصة وصلت الى نهايتها. منذ نكسة 1967 ونحن نعيش سلسة من النكسات والتداعيات حتى أننا وجدنا أنفسنا سجناء عقدنا والقناعات التي زرعها فينا زعمائنا على أساس أننا شعوب لاحول لها ولاقوة، نؤله جلادينا ونخشى كلابهم الليلية ونرتعد خوفا حينما يطل الفجر. لقد علمونا كيف ننتقص ونزدري من ذواتنا. لقد أوهمونا بأن كل مشاكلنا ومصائبنا سببها إسرائيل وبأننا ضحايا نكسة مستديمة لاقيام لنا منها. كانوا يستغلون الشماعة الإسرائيلية لتعليق كل اسقطاتنا وذنوبهم وسر بقائهم عليها، وكانوا يشغلون الرأي العام العربي بهذا الكيان الذي يسمم حتى الهواء الذي نتنفسه الى درجة أنهم جعلوا من الدولة الصهيونية  وحش خرافيّ لايقهر وقوة ليس لنا عليها قدير. إنها ثورات خرجت من كل الحسابات سواء الداخلية أم الخارجية. . إن إسرائيل نفسها ترتعد الآن بسبب مايجري وتنتظر المفاجآت التي لابد وأنها قادمة. إنه تمرد شباب واعي ومتفتح  والذي يشكل اليوم  سبعين بالمئة من القوة السياسية والإجتماعية العربية على آلة القمع والسرقة والإغتناء الغير مشروع على حساب الفقراء والمظلومين من ابناء الشعوب . هذا السيل الذي جرف كل شيء خرج من ينابيع القهر والإضطهاد والفساد والمحسوبية حتى أنه تفجّر كعين ماء في قلب الصحراء. جيلنا كان ضحية النكسة وضحية العجز الذي وضعنا فيه حكامنا، وها نحن قد هرمنا بين الحروب والحصارات والمنافي، وقد حان الوقت لهذا الجيل أن يفيق وينهض، إنه زمنه وهاهو قد فعلها فما علينا الا أن نترك له زمام القيادة. قد يخطىء وقد يخسر لكنه فعل مالم يتجرأ أحد على فعله إلا ذلك الذي قام به الثوار في زمن اليقظة الأوربية في القرن الثامن عشر. كان من المفروض أن يجري هذا مباشرة  بعد سقوط تشاوشيسكو في رومانيا، ربما كنا الآن قد وفرنا حتى على عراقنا تبعيات الدمار والإحتلال.  إن ردة فعل الحكام العرب أثبتت أن هذه الثورات هي ناتج طبيعي وموضوعي لحالة عربية وصلت الى درجة لاتحتمل. حاكم يهدد ثم يضرب ثم يقمع ثم يقتل. ومن يقتل؟ أبناء شعبه الأبرياء وخيرة شبابه فقط لأنهم تظاهروا وطالبوا بالإصلاح. رد الفعل هذا هو الدليل الأكبر على أن هؤلاء الحكام هم قتلة ومجرمون وليس فيهم ذرة من الوطنية، كما يدعون، بل هم أول أعداء أوطانهم وشعوبهم. الحاكم يحترم شعبه بل ويضحي بنفسه من أجله وليس كهؤلاء المتسلطين الذين استباحوا دماء أبنائهم. هم يتصرفون وكأنهم أصحاب البلد وكأنهم ورثوها عن آباءهم وكأن الشعوب عبيد لهم يسرقون ويورثون ويقتلون بلا رحمة. هذه حالة عربية خاصة سكتنا عنها طويلا ويجب أن نخجل منها.
لندع، إذا، المستقبل لصانعيه  فأنا ليس لديّ الجرأة على التنبوء بما قد يحصل لأن المفاجآة قادمة.


غياب الحضور العربي
*انت منخرط الى حد واضح بالحياة السياسية في ايطاليا ولك حضور لدى الجالية العربية والمسلمة وخصوصا الجالية المغاربية  مالذي دفعك الى ذلك ،والى ماذا تسعى ؟
- كان هناك فراغ في الحضور الأدبي العربي فشاركت في ملء جانب منه، وكان هناك فراغ في التصدي لحملات التعرض للإسلام فشاركت في الشرح والحوار وكان هناك فراغ في الدفاع عن حقوق المهاجرين فساهمت في إعطاء صوتي لهؤلاء المستظعفين. اليوم هناك الكثير من المثقفين الفاعلين والمنظمات والجمعيات التي تقوم بواجبها وأنا من ضمنها. الجالية المغربية هي الجالية الأكبر في إيطاليا وزوجتي مغربية وقد زرت المغرب عشرات المرات وأجد أنه بلد رائع الجمال ومتنوع وغني لكننا أهملناه كثيرا وما علينا إلا تبنيه عربيا لأنه كريم ومتشبث بحضارته الإسلامية التي حافظ عليها بحرص منذ زمن الخروج العربي من الأندلس وهو فخور بتنوعه الثقافي والأثني الذي يجعل منه غنيا في تنوعه هذا. وفي كل هذا النشاط أنا أسعى الى أن يكون لنا حضورا عربيا فاعلا وتأثيرا في الحياة السياسية والثقافية الأوربية لأن هذه القارة هي خلفيتنا الثقافية والإقتصادية التي لاغنى لنا عنها رغم الإختلافات والصدامات والتناقضات لكن من الخطأ إعتبارها عدوا يجب التقارع معه لأن الوقت قد تغير والشعوب تغيرت مفاهيمها ووجهات نظرها.

*مالذي يقوم به المركز الثقافي العربي الايطالي ( دار الحكمة ) والذي قمت بتأسيبسه منذ العام 2000 ؟
-المركز يقوم بدور فاعل في التقريب بين الثقافات والحوار بين الحضارات وترشيد الإندماج عن طريق الندوات والمحاضرات والورشات التدريبية الخاصة بشباب الجيل الثاني. لقد استظاف المركز العديد من الكتاب والمفكرين العرب والأجانب في لقاءات ثقافية من بينهم الكاتبة نوال السعداوي  والشاعر سميح القاسم والكاتب والباحث يوسف زيدان والكاتبة سعاد العامري والكاتب سلمان ناطور والشاعر العراقي جبار ياسين والكاتب الطاهر بن جلون وغيرهم. كل هذا يدخل في إطار تنشيط الوجود الثقافي الذي يعكس الزخم الكمي والنوعي الذي يميز ثقافتنا الغنية والحاجة الى التعريف بها. كما أن الجالية العربية تحتاج الى ذلك التواصل مع حضارتها ومثقفيها من أجل إثبات وجودها وإعطاء الحياة لجذورها وهويتها.

ماتبقى في الذاكرة  
*مالذي تبقى من  بلد اسمه العراق ومن مدينة اسمها الموصل في الذاكرة  ؟
- بقي كل شيء، كل ما علق في ذاكرتي وكل ما حملته في حقيبة سفري حال خروجي من ذلك البلد الذي بكيته طويلا. بقيت نجوم الموصل وأقمارها، عبق أزهارها وأزقتها، دجلتها والجسر القديم، صروحها وآثارها العريقة  وتلك الخطوات الحالمة التي مازلت أسمع وقعها البعيد على إيقاعات ألحان أغاني عبدالحليم التي كنا نغنيها وصوت رياض أحمد الذي كان يطلقه أحد الأصدقاء الطيبيين ونحن نتمشى على ضفاف النهر أو بين أشجار الغابات، نعانق هبة شبابنا ونطارد أحلامنا. ذاكرتي أبيات من الشعر سمعتها من أحد شعراء الموصل الأصدقاء وقصة قصيرة قرأها عليّ أحد الكتاب الذين رحلوا، في الحرب العراقية-الإيرانية  والآخر رمى بجسده بين أمواج دجلة كي تبتلعه الى الأبد. صور وأصوات وألوان تتواكب في ذهني كصدى البعد. بقي الكثير من عراقي لكن هموم الشوق وعذابات الغربة والحزن الذي حمّلني إياه هذا الوطن قتل فيّ الفرحة وجعلني كالذي "ينتظر الطوفان ولايأتي الطوفان"...

*اخيرا وليس اخرا  انت حلمت وحققت الكثير مما حلمت به فهل من حلم مازال يرواد يونس صديق توفيق الحمداني ؟
- لاأحد يحقق كل شيء، فالأحلام لاتنتهي. حلمي الأهم الآن هو العودة الى الوطن، والنوم بين ذراعي أمي وزيارة قبر والدي والمرحوم أخي وشرب القليل من ماء دجلة. أحلم أن أتمكن من المساهمة في بناء العراق الجديد، العراق الديمقراطي، الحرّ حيث الجميع ينعم بالسلام والحرية والكرامة. دون تمييز عرقي ولاطائفي عراق العراقيين، عراقي أنا.