الأحد، 14 أغسطس 2011

                      إنقلابُ قاسم  . . وكُتّابُ السَلاطين  !

مجمل الكتابات التي نشرت حول ماجرى في الرابع عشر من تموز عام 1958 كانت تؤكد على ان ماجرى كان ثورة وطنية ، وان قاسم كان رجلا يتسم بالبساطة والتواضع والاخلاص للشعب الفقير اضافة الى ذلك عدم تورطه بأية جريمة من تلك الجرائم التي ارتكبت في عهده !. . ونادرا ماتجد من بين تلك الكتابات مقالة تبتعد ـ  فيما تريد قوله ـ  عن التناول المبسّط للتاريخ  والتخلي عن الدقة والموضوعية في رؤية  ألاشخاص أوالاحداث . .
ان حدثا كبيرا مثل اللي  صنعه العسكر في 14 من تموز عام 1958 كان له أثر كبير وخطير على مسار النظام السياسي وشكله في العراق ينبغي ان لايخضع لاهواء ورغبات حزبية وفئوية وقفت الى جانب الزعيم للاسباب ايدلوجية أو طائفية بل يستدعي قراءة مسؤولة تتوخى الوصول الى الحقيقة سعياً من وراء ذلك للخروج بنتائج تكون بمثابة اشارات ودلالات ترسم الطريق واضحا أمام الاجيال اللاحقة لكي لاترتكب مرة اخرى نفس الاخطاء التي وقع فيها الذين سبقوهم في الرغبة والسعي الى التغيير .
ان العراق مازال يدفع ثمن تلك المغامرة الانقلابية على النظام والدستور، اذ لم نشهد بعد ذاك التاريخ سوى ازمنة مُرّة تعصف بها انقلابات واغتيالات وحروب لها أول وليس لها اخر، وكانت تلك اللحظة التاريخية من عمر العراق فاتحة له لمنحدر خطير  شهد من بعدها  صعود عدد من القادة والزعماء العسكر الطامحين الى السلطة دون ان يكون لديهم مايقدمونه للشعب من برامج وخطط تستثمر قدراته وامكانياته ،  بل اشترك الجميع في تبديد الثروات الطبيعية والبشرية اضافة الى تدهور وتمزق العلاقات السياسية مع معظم دول الجوارولم يكن قاسم بعيدا عن ذلك ، فعلاقته مع سوريا ومصر وتركيا لم يكن يحسد عليها اما علاقته مع الكويت فلا أحد يستطيع ان ينكر انه كان اول من وضع فتيل الازمة معها عندما طالب بضمها وضرب عرض الحائط بكل المشاورات التي كانت تجري بين طرفي البلدين بشكل سري في احدى دول اوربا الشرقية انذاك كما كانت تسمى  عندما ارتجل خطابا في حفل تخرج دفعة من الضباط توعد فيه بعودة الكويت الى العراق في نفس الوقت الذي كانت المفاوضات قد قطعت شوطا كبيرا من التقدمواقتربت الى توقيع معاهدة جديدة لترسيم الحدود وتنظيم العلاقة بين البلدين ، ولو طال العمر به بناء على ماجاء من افعاله لما تردد في ارتكاب تلك  الحماقة نفسها التي تورط بها صدام حسين وورط العراق وشعبه معه عندما غزا الكويت في 4من شهر اب عام 1990 طالما كان هذا الحلم بالتوسع والزعامة يداعبه وهو نفس الحلم الذي من اجله استبعد عددا من الضباط الذين كانوا معه في الحركة الانقلابية الى خارج بغداد وفي المقدمة منهم الشواف الى الموصل ورفعت الحاج سري الى كركوك لكي يبقى هو ولوحده في دائرة الضوء تصفق له الجماهير مما استدعى من اولئك الضباط ان يتمردوا عليه .   
فالزعيم كان كغيره من الذين جاءوا بعده وحكموا العراق طامحا بالسلطة وراغبا فيها حتى لو كان طريق الوصول اليها معبدا بدم العائلة الهاشمية التي كانت تحكم العراق ولم يكن ــ  وهذا ماأظهرته الايام والوقائع ـــ  على انه كان على استعداد لان يشاركه اي شخص اخر في منصب الزعامة على حكم البلاد . وليس هنالك ايضا ًمايشيرالى انه كان ينوي إقامة حكم ديموقراطي يقوم على احترام رغبات وتطلعات الشعب والاخذ بها ،ولايكفي هنا  ان يبني عددا من البيوت المتواضعة بدلا من بيوت الصفيح التي كانوا يسكنها مهاجرون فلاحون فقراء من جنوب العراق  لكي نغلق ابصارنا عن رؤية بقية المشهد الدموي الذي شهدته عدة مدن واماكن عراقية ، بل ان بعض المحللين والمؤرخين من  يجد ان بناء تلك المساكن ــ التي سميت في حينها مدينة الثورة ـــ لالاف من الفلاحين كانت سببا في زحف واكتساح عادات وتقاليد (قروية وعشائرية )  الى مدينة متحضرة مثل بغداد ، ومن دون ان يتم توفير فرص عمل منظم لهم من قبل الحكومة   .  
علينا  بعد هذه الاعوام  التي  مرت  ّعلى ذاك اليوم  ونحن نستعيده ونتذكره، نظراً لاهميته وخصوصيته وتأثيره على ماجاء من بعده من احداث ان نسعى لرؤيته من زوايا اخرى جديدة لم نقترب منها ونحن ننظر اليه سعياً منّاً لاكتشاف ماغفلناه من حقائق ( بقصد او بدونه ) بفعل الحماسة الوطنية التي اضاعت وضيّعت الكثير من الشخصيات والاحداث وشطبتها من ذاكرة الناس والمراجع دون وجه حق واخرى وصمتها باوصاف جاهزة طالما تعودت عليها اسماعنا في كتابات وخطابات وبيانات الساسة الذين يتربعون على سدة الحكم أوحتى  الذين يقفون في صف المعارضين لهم .
 ولنسأل هنا من جديد : هل كان عبد الكريم قاسم يملك رؤية نظرية ثورية لمستقبل العراق يمكن تلمسها في خطاباته وافكاره وكتاباته يستحق على اساسها ومن خلالها ان يطلق عليه صفة الثائر . ؟ . هل يمكن ان يكون ثائراً دون ان يترك ولو قصاصة واحدة من الورق مُسجلاً فيها ماكان يحلم به لهذا الوطن ؟ ماهي رؤيته للاحداث والوقائع التي كان هو  شاهدا عليها في بلده وفي المنطقة العربية بشكل عام قبل ان يصل الى السلطة ؟ لماذا لم يكن لقاسم اي حضور واضح وملموس في المشهد السياسي العراقي على الاقل في الايام أو الاعوام الاخيرة من العهد الملكي بينما على العكس منه كان هنالك اخرون غيره لهم دورهم  البارز في تفاصيل الحراك السياسي القائم انذاك ؟ . هل يمكن لشخص مغمور في المؤسسة العسكرية لايملك تاريخا شخصيا  يميّزه عن اقرانه  سواء على  مستوى الفكر أوعلى مستوى الفعل ان يتحول بين ليلة وضحاها الى ثائر وقائد تاريخي  ؟ هل تكفي اربعة اعوام من عمر زعيم ما  في بلد من بلدان الشرق الاوسط لم يكن قد مضى على خروجه من عهدة المستعمر البريطاني سوى فترة قصيرة جدا و شهدت ماشهدت تلك الاعوام الاربعة من حكمه من تمرد وانشقاق بين اقرب المقربين اليه اضافة الى  تراجع واضح عن قيم ومبادىء كان قد تعهد بها الزعيم نفسه وانقلب عليها كما حصل مع القضية الكوردية التي شهدت في عهده مرة اخرى عودة الى التعامل بقوة السلاح معها ومع طلائع القوى الكوردية السياسية التي كانت قد استبشرت خيرا بمجيىء سلطة جديدة الى الحكم لم تتردد في اول صعودها الى السلطة في اطلاق الوعود الوردية بحل سلمي وعادل ينصف الاكراد وقضيتهم!؟ . . هل يمكن ان اغفال  ماشهده ذاك العهد  من صراع دموي عنيف بين مؤيدي السلطة الحاكمة ومن يختلف معهم من بقية  الاطراف والاحزاب السياسية التي كانت موجودة على ارض الواقع انذاك ــ  والتي هي ايضا تتناصف المسؤولية فيما حدث ــ وراح ضحية ذلك  الصراع  العشرات من المواطنين الابرياء كما حصل في الموصل وكركوك ويمكن القول ان قاسم  كان  سببا رئيسيا في اندلاعه وتأججهه ذلك لانه مال بشكل صريح وواضح  لصالح طرف ضد طرف اخر رغم خطورة وخطأ هذا الموقف،  ولن  يعفيه من الخطأ هذا انه لم يكن مدركاً لجسامة ماسيحدث (فإن كنت تدري فتلك مصيبة وان كنت لاتدري فالمصيبة اعظم  ) .  هل يمكن لنا ونحن ازاء هذه الفوضى وهذا التخبط وهذا الدم المراق ان نطلق جزافا على من كان يقود البلاد في حينها صفة الزعيم والثائر والخالد الخ من الصفات التي  يعجز الرجال العظام  عن نيل واحدة منها  رغم مايقدمونه من خدمات ومواقف ومشاريع لبلدانهم ؟  
انا لاأستطيع مطلقا ولا أحد اخر غيري ان يشطب على العديد من المزايا الشخصية الانسانية التي كان يتحلى بها قاسم  وهذا امر طبيعي فهو رجل  كافح من اجل ان يصل الى ماوصل اليه من مرتبة متقدمة في سلك الجيش الذي أمتهنه ، وهوبنفس الوقت ينتمي الى مجتمع عراقي فيه الكثير من خصال الطيبة والشهامة والكرم وهذه العادات والتقاليد المتوارثة  لايستطيع اي فرد عراقي بشكل عام ان يتملص منها ويخرج عليها اذا ماعاش بشكل طبيعي  في وسطها ، وهنا يشترك هو مع غيره من القادة الذين جاءوا من  بعده في الكثير من هذه الصفات الشخصية الانسانية حتى وان كانوا طغاة ! لكن هذا لايمنع اي واحد منهم من ارتكاب الاخطاء والحماقات التي قد يدفع الشعب ثمنها باهظا .
ولايعفينا هذا من مسؤولية تحديد اخطاءهم .  
مرة اخرى نقول : على كل الذين سيكتبون عن تاريخنا المعاصران لايتسرعوا في اطلاق  الاحكام ، وان لايستمروا كما اعتدنا ان نجد ذلك كتابات تدور في فلك لعبة التزييف والكذب التي طالما  عوّدنا عليها اغلب كتاب السلاطين والامراء في مجمل تاريخنا العربي والاسلامي ،الذين طالما كتبوا لنا صفحات وصفحات من التاريخ المزيف ، عادة ماتحوّل فيه الطغاة ابطالا والقتلة  ملائكة .

 نشر في موقع عنكاوافي 7/19/2011
                             
    17/ 7/2011

الأربعاء، 3 أغسطس 2011

قراءة نقدية للشاعر والناقد شاكر سيفو لمجموعتي الشعرية ( سماء الخوف السابعة )

شعرية السّيَري الذاتي الحكائي
في( سماء الخوف السابعة )      
الشاعر وحيدا بين التواءات السؤال . . 
 قراءة: شاكر مجيد سيفو
 لم
 تعد الكتابة الشعرية الجديدة منوطة بالإيصال في قنواتها اللغوية المباشرة بقدر اشتغالها على الخيال الذي يتسلح به الشاعر... في دخولنا الأولي لنصوص مجموعة "سماء الخوف السابعة" للشاعر مروان ياسين، نقف عند عتبة الهاجس الوجودي.. أذ يبدأ النص في تشكلّه الأولي من لحظة شعرية  مقترنة بالتقرير اللفظي - ليست مفاجأة – في نصه " أحداق القبرات" إلى أن يصل بنا المقام الشعري في صورته اليائسة، وانقطاع التمنيات بالأسئلة العالقة في استهلال الجملة الشعرية، بالعودة إلى المكان الأول، والإعلان عن الهاجس الطقسي الذي يرى في مسار الحياة الشخصية انكساراته ((وحيد بين أهداب الشوارع/ والتوءات السؤال/ هل سأتقن العودة إلى نينوى؟ "إلى الصياحات المنحنية على أكفنّا؟)) يقع معامل الأنزياح على هذه الصورة الشعرية في إشعاعها الشعري بقوة التخييل، ثم تتمظهرالصورة في ثنائية الأكتمال بالتشارك الحي على التلميح البرقي للتدليل على مشهدية الكارثة العراقية اليومية، إلى أن يصل الشاعر في مقولاته الشعرية "الطريق أضناه الدم خلف الجهات الشاحبة، وأحداق القبرات مستباحة بالرجم/ والغبش منقطع عن زرقة الطرقات إلى بغداد..." يتوسم الشاعر في ثنائية الفعل الشعري بشحنة لكهربة الملفوظات لجهازه اللغوي، حتى تكتمل صياغة الجملة الشعرية التي تتدفق في سيل من الإيحاءات والإشارات، فالنص عنده كتلة شعرية ملتهبة في العديد من مفاصله، ومفارقة فاصلة، منكسرة .. في أخرى، فالمفارقة تستعيد شعرية الملفوظة في تأصيل معامل الأنزياح، مثلا هذه الصورة الرائعة في بنيتها اللسانية ((خيانة تصطحب الصمت/ إلى بياض الورقة/ بينما الأقنعة تشعل الحرائق بدمي/ وفي يدي الأقمار/ مغلولا بحزني/ استدرج النهار حتى نافذتي/ وظلال الحكاية تخدع الطريق إلى ندائي....ص4)) تقترن كتابة النص الشعري المعاصر في تجربة – سماء الحزن السابعة – بأواليات الاشتغال الذاكراتي حيث تفاقم الصراع الإنساني في صورته الكونية، هذا الصراع الكوني يتمشهد اسطوريا في مخيلة الشاعر ويظل هاجسه الأبدي، مكونا معادلته الثنائية التي يوسمها غاستون باشلار بثنائية "يقظة الموت ويقظة الحياة"  أذ ترشح انساق هذه المعادلة في نص الشاعر ((ايها السخط... التئم، ثم التئم)) يقول مروان {مَنْ أبقى ترابا على هيبتهِ؟/ ومَنْ أطلق الموت على سحابةٍ من ذهبْ؟} إنّ ما تدخره المعادلة هذه قد لا يحتاج إلى تأويل، فالمركب اللفظي في صيغته التساؤلية يوحي بالثنائية الضدية، في قيامة إشكالية السؤال الفلسفي للصورة ومكوناتها وعلاماتها الاشارية (الموت × الذهب) وتبدّت الحكاية في منطوقها في إرسالية النص ولعبة الصياغة في شحن الملفوظة بشعرية الفراغ والتجاور مع منطوق السير حكائي الشخصي وترى قراءتنا إلى ما يتمم السؤال الجوهري في "ألقمتني طعناتها الأساطير، وتهشمت قبضتي على حيطان الكتابة/ هذي نوافذنا/ أمست معابر لليوم ورغيفنا لم تفرد له النار كفّيها...ص9" تجلو نصوص الشاعر مروان ياسين ما تراه العين من المشهدية الكارثية العراقية اليومية والتاريخية وهو العارف بأسرار الشعر وخزائنه الذاكراتية في مجمل ما تشي من أحلام ووشائج مع الأخر الذي يتجسد في الروح العراقية ورموزها الخالدة في استغوار النص لجدلية الحب والحرب، هذه الصلة التي تتعمق في مشغل الشاعر وتكبر إلى أن تصل إلى مرحلة المحنة الكلية، الجمعية حتى  يصل الى  سرد الآم الإنسان والأرض والشجر والمطر، وتعرّية سيركات الاحتلال: ((هاهي أصابع الصحراء/ علقت فينا ظلالها الناقصة/ وجاءت بحوقة الرعاة/ ليخصّوا محنتنا/ ثم وشحوا الناطحات بتراب مهرَّبٍ من جرح الرافدين...ص15)) يستخلص الشاعر كل  كارثي دفين من مركباته اللفظية ليصل بالحال الشعري إلى لبوسات دلالية تهندس هيكلية نصوصه بقدراته الرؤيؤية  واشتغالا ته البصرية التي هي اصلاً من كشوفات متحفه الصوري والسينمي، فالعلاقة المشتركة بين الفنون هي نتاج تاريخ الشعر والنص والفن والفكر والجمال، هي النشاط الجمالي الأبستيمي الأول للإنسان، والشاعر هو هذا الإنسان المتمرد على كل ساكن ومألوف، على الزمان والمكان في شطحاته الفلسفية والصوفية معاً.
        إنّ الذات الشاعرة الخلاقة تحفظ ما هو سيري كوني ونوستاليجي معاً، حين يذهب الشاعر بالقصيدة أو بكل عالمه الشعري إلى خوض صراعه مع العالم وتواصله مع الأخر في خضم هذه المعادلة الصعبة فالأنا أحيانا تتماهى في الـ ((نحن  ))وترى الأنا في مجابهتها وصراعها مع العالم، صراع الوجود الذي هو الشعر بحقيقته، حسب - هايدجر – في كلامه عن الشعر والوجود، والشعر الصوت، هو صوت الوجود حين تصرّح به ملفوظات الشاعر بكل جرأة: ((كانت الوقوعات تنهمر على مهجةِ غيوم/ تمشِّطُ فطنتها بلون الغسق/ وتشير لها أن تطهو حليب اليورانيوم حين يجوع القادة في حضرة الطابور/ وهم يبتكرون الشَّغب/ لاستلام رواتب هزيمتهم... ص18 سماء الخوف السابعة)) يتجسد هنا عرض الصورة الكارثية في ما يشبه الإعلان والإخبار والتقرير والتصريح، بقصّ شعري إذ يبدأ بفعل القص والحكي ""كانت" وما .. من إرسالية نصية بكل أشكال الخرافة والعنف والغضب، يستعين الشاعر من المشهد الوقائعي ما يسود في التاريخ المعاصر من كارثية تتمظهر في تأزم وانكسار واندحار المشهد السياسي والاجتماعي للبلاد وإنسانها النبيل، ويتنقل الخطاب من حالة إلى أخرى وفي نهاية كل حالة يتجسد المعادل الموضوعي ((سار الغرباء بماضيهم المؤثث بالدخان على أجنحة الطرق المضيئة بأسمائنا/ وافتتحوا الزحف بأمنيات قذائفهم/ حتى وصلوا سماء الخوف السابعة/ وجرّوها على الإسفلت مأهولة بدمعنا/ هانحن من جديد/ سنعيد ترتيب كؤوس انتظارنا/ ننفخ التراب بخيولٍ/ ترقب اللصوص وهم يخترعون توباتهم... ص20)).
        تتكرر تضاعيف الحكاية الكبيرة، في تراتبية النصوص   في الأشتغال على مدارات المتن النصي وتشظّي دلالاته، فالمتون الحكائية تكاد تقترب من المفصل السير ذاتي، هذا التجنيس النصي الذي اجترحته أقلام شعرية وقصصية حداثوية أنتجت متوناً أدبية جمالية عالية في عالم الكتابة الأدبية الجديدة، والشاعر مروان ياسين دخل هذا المشغل الحيّ ليحكي ويقص مروياته الشخصية، فبنية العنونة لنصوصه وتصديرات الاهداءات تشي وتوحي كليا بانفتاح النص على بنية القص الشعري، السيري الشخصي واستدعاء الأخر وبثّه الحياتي الحكائي داخل مساحة المتن النصي واتساع مدياته وتعالقات رموزه وأشيائه وحتى أيقوناته الحياتية التي تدخل في صياغة خطابه الشعري ((يأتي الأهتمام الشديد والعناية القصوى الجمالية بالعنونات من اجتراحات التركيب اللفظي الجمالي في بنيته المنزاحة، مثلا "المُهمَل ــــ سهواً أو عمداً" ثم يلحقه بتصدير الإهداء إلى/ شهداء حي الزنجيلي الفقراء/ ويستهل النص بالتركيب اللفظي من الجار والمجرور ليبثّ خبراً، وهو فعلاً خبر مقدم)).
        يقول النص من الأستهلال: ((من بيوت/ كانت تحيا على كف انتظار/ من أسطورة اسمها نينوى/ كان الفجر منها يجيء/ هي ألان جرح وراية للذهول تحت الرماد...ص26)) تترسخ منظومة الحكايات في تجذر بنية المكان وحكاياتها ورموزها، فمشهدية المكان هنا تتمظهر في بنيات القول الشعري، والأطروحة الشعرية المتحققة في مديات الفضاء الشعري الذي يمتد في منظومة من التشكيلات البصرية، ويتحرك النص من بؤرة المعنى الكلي ليمتد في تشظيّه إلى حلقات دائرية تكاد تشكل بؤراً لحادثة النص الكلية ومشهدية المكان وتعالقات رموزه وحكاياهم: ((مشينا على الأقدام إلى قاعة الربيع... لكتب في شارع النجفي، رخيصة تباع على الرصيف/ لأفلام رصينة تعرض في سينما غرناطة/ للزحمة في سوق العطارين/ لأكلة الفلافل من بدر السوري/ والتسكع ليلاً في الدواسة/ أنا و بولص ادم وهو يعود مساءً كالأبطال الرومان من المقلع إلى اقرب حانة...ص29)) يرسم الشاعر صورة فوتو شعرية زائداً فوتو مكانية لنصهِ الشعري إذ يحشد فيه كل ماتختزنه الذاكرة من أفعال يومية وأسماء أدبية وفنية تدخل إلى مشغله الشعري في بصيرة ثاقبة، بهذا التأزم النفسي والوجداني، والقلق والوجع واللوعة والصدق في تنوير الحادثة الشعرية وانثيالات الذات الشاعرة الساردة، فالصياغة الكلية لهذا النص والذي يليه – أنا.. غائب عنّي – ينتظمان تحت سقف كتابة الألم، بألم الروح الشعري وسقف السير ذاتي الحكائي الشخصي: هذا نص الوثيقة، نص التاريخ الشخصي المجروح في تاريخه، وتاريخ البلاد "بلاد عودتنا أن تسحل ملوكها وتربي الذئاب في ثكناتها/ لا دمع سيذرف على قبرها/ لا ورد سيحمل إلى نياشينها/ لا أحد سيلتفت إليها/ لا احد سيمشي خلف جنازتها/ أما بالنسبة لي فسأعلن الحداد على طريقتي/ أولا سأطفئ الستلايت/ ثانيا، سأرتشف قدحاً من الشاي وأنا اقرأ رواية لغارسيا ماركيز/ مستمتعاً بظل شجرة برتقال زرعتها بنفسي في حديقة الدار...."
*سماء الخوف السابعة :مجموعة شعرية صدرت عن السلسة الادبية لمديرية النشاط المدرسي لتربية نينوى عام 2010 ،ثم صدرت بطبعة ثانية عن دار الينابيع في دمشق 2011 .
*فازت بجائزة ناجي نعمان الادبية لعام 2010
نشرت في صحيفة الزمان يوم 3اب 2011*