الأحد، 30 أكتوبر 2011

 نشر في صحيفة الزمان السنة الرابعة عشر. العدد 4031 الثلاثاء 25 تشرين الاول لعام 2011 م

دلالاتُ المشهدِ الاخير للقذافي .



 من مصائب الزعماء العسكرالذين ابتليت بهم وبأنظمتهم  المجتمعات العربية  أنهم  لم يفكروا جدياً بأية ستراتيجية تنموية تنتشل بلدانهم من واقع بائس ومتخلف كان قد تغلغل في  كل الاصعدة والبنى ــ اقتصادية واجتماعية ، وثقافية ــ  بل على العكس من ذلك كانوا منشغلين بكل مايملكون من قدرة محدودة على التفكير ــ بفعل ضحالة ثقافتهم العلمية وبكل ماكانت تملكه البلاد من قدرات اقتصادية ــ في بناء المنظومة الامنية بكل تسمياتها وتشعباتها التي تؤمّن لهم اسكات الناس وقمع احتجاجاتهم  ولم يكن ذاك الجهد يرمي في حقيقته واهدافه سوى الحفاظ على عروشهم وكروشهم التي تضخمت وترهلت  لتصل كما يطمحون ويخططون الى احفادهم واحفاد احفادهم ، والقذافي كان واحداً من اولئك الزعماء العسكر،  وفي المقابل كانت الشعوب العربية تزداد بؤسا وفقرا وجهلا.
 وهكذا استمر هذا الحال على ماهو عليه طيلة ستة عقود واكثر لتصل  فيه المجتمعات العربية الى حالة من غياب الوعي التام الى درجة لم تعد تدرك ماوصلت اليه من بؤس في الوجود وفي الفاعلية  اخذين بنظر الاعتبار  ان وسائل الاتصال والاعلام المرئي لم تكن بهذا الشكل من الاتساع والتقدم وسرعة في ايصال المعلومة كما هي عليه في يومنا هذا ، لذا كانت المجتمعات العربية حتى مطلع تسعينيات القرن الماضي ــ عندما ابتدأ البث الفضائي الدخول الى عالمنا العربي ــ تعيش عزلة قسرية مفروضة عليها حتى بعد ان دخل البث التلفزيوني في مطلع ستينيات القرن الماضي ، ذلك لان هذا البث كانت  السلطة قد احتكرته ووظفته ودجنته بشكل سيء وخبيث بما يخدم خطابها وايدلوجيتها التي اعتادت ان تكذب في كل شيىء حتى في نشرة الاحوال الجوية، وبدت الشعوب العربية ازاء ذلك وكأنها قد آمنت بقدرها وأن لامفر ولاخلاص من ارادة القدر التي شاء الله ان تكون هكذا . . لقد ترسخ هذا الاعتقاد وهذه القناعة لدى عموم الشعوب العربية التي كانت ولم تزل تشكل نسبة الامية فيها 70 % من مجموع السكان ، وكان لعوامل كثيرة اخرى تظافرت مع المخططات الامنية للانظمة العربية السياسية  من اجل ان تبقى عموم الناس قابعة في جهلها ومعتقداتها الغيبية التي تعلق عليها  بؤسها ولعل اخطرها واشدها فتكا في عقول العامة هي منظومة الفكر الاسلاموي التكفيري الذي ساهمت الانظمة العربية في نموه واشتداد على الرغم من اختلافها وتقاطعها معه وقمعها له في غالب الاحيان  لكنها ورغم ذلك كانت في جوهر تفكيرها السياسي  وخططها الامنية  تضعه في خانة الاصدقاء الذين تمد  لهم يد العون لتساعدهم على الظهور كلما شعرت السلطة بخطر ما قد يهدد وجودها واستمرارها في الحكم  من قبل القوى الليبرالية والعلمانية واليسارية ، لذا كان اصحاب هذا الفكر المتطرف ودعاته بكل تشكيلاتهم الحزبية ومسمياتهم السياسية لايترددون في انتهاز الفرصة التي كانت الانظمة السياسية تمنحها لهم للاعلان عن انفسهم في مواجهة اعداء المجتمع من ليبراليين وعلمانيين ويساريين كفرة  ـ كما يصفونهم  في خطاباتهم ــ  والحد من نشاطهم وفعالياتهم بشتى اساليب الترهيب والترغيب والتكفير وهذا مافعله كل القادة العرب ابتدأً من السادات وانتهاء بالقذافي رغم ان نهاية البعض من زعماء العرب كانت قد انتهت بشكل مأساوي على ايدي أولئك  المتطرفين دينيا !.

التطرف يدخل من الابواب
هذا الوضع الشائك والمعقد الذي ابتليت به المنطقة العربية بدأ يفرز قيحه مع سقوط نظام صدام حسين وليستمر تدهورا وخطورة مع ربيع الثورات العربية التي ابتدأت بثورة الشعب التونسي  وسقوط علي زين العابدين ومن ثم نظام حسني مبارك وبعده القذافي .
فالصورة الان في هذه البلدان التي شهدت هذا التغيير( العراق ، تونس ، مصر ، ليبيا )  تثير الكثير من القلق بل الرعب لدى الكثير من المراقبين والقوى التي تقدس الحرية الفكرية  وتحترم الحريات والحقوق المدنية التي ينبغي ان يتمتع بها الانسان  بعد أن كانت مدعاة للتفاؤل بمستقبل مشرق وجديد لحرية ألفرد والمجتمع ، اذ برزت على سطح المشهد المجتمعي  قوى سياسية  عديدة ذات هوية دينية اسلامية يغلب على معظمها سمة التطرف في الفكر والممارسة موجهة ضد احزاب وفعاليات سياسية غير اسلامية ، اضافة الى بقية مكونات المجتمع الاخرى التي  تختلف عنها في الانتماء الديني أو الطائفي . واخذت هذه القوى تمارس دورا ارهابيا واضحا ضد مكونات مختلفة من المجتمع أفرادا وجماعات ولم يقف امامها اي رادع قانوني مستغلة بذلك  ضعف وانهيار المؤسسات الامنية والعسكرية للسلطة بعد سقوط رموزها وافتضاح دورها المشبوه في افتعال ازمات واحتقانات داخل مكونات وقوى المجتمع مما جعلها غير قادرة على الرد والسيطرة على ماتشهد البلاد من فوضى وعنف وتطرف .
ان من يراقب الاوضاع التي ترسم صورة المشهد السياسي والمجتمعي للمنطقة العربية لابد ان يشعر بالقلق الشديد ازاء ماستؤول اليه مجريات الحراك السياسي بين قوى لها سمة دينية يغلب عليها التطرف واخرى تنأى بنفسها وبهويتها عن الصبغة الدينية .
فالصراع هنا بدا واضحا بين قوتين وفلسفتين ومنهجين ، يسعى كل منهما لاقامة نظام سياسي يقود المجتمع والبلاد ويرسم صورته وهويته التي تحدد علاقاته وصداقاته واعداءه في الداخل والخارج .
ويبدو حتى هذه اللحظة ان الغلبة للقوى الدينية ( تونس ، مصر ، ليبيا ، البحرين ، سوريا ، اليمن ، ) وذلك يعود لعدة اسباب ،تعود في مجملها لمصلحة سرعة رواج مشروعها السياسي ، فالبيئة المتخلفة التي تحيا بظلها المجتمعات العربية المغيبة عن الوعي بفعل عوامل الفقر والامية والتاريخ الطويل من القهر والتسلط  وسياسات التجهيل الحكومية ليست سوى ميدان نموذجي  يتحرك فيه  الفكر الاسلامي المتطرف بحيوية وتأثير لاحدود لهما  تعجز بقية القوى الاخرى عن التحرك والتأثير فيه  مثلها .
وعلى هذا  فلن تأخذنا الدهشة ونحن نرى جيش الفقراء والمقهورين الذي التحق بالثورة وركب موجتها في البلدان العربية ــ دون ان يعرف الى اي مصير غامض تتجه به ـ  لن يتوانى أبدا عن ارتكاب افضع الجرائم واكثرها حماقة ضد رموز الانظمة البائدة  وضد كل القوى الاخرى التي تختلف عنه في الدين والطائفة والايدولوجيا ،وهو بذلك يرتكب مرة اخرى كل السيئات والاخطاء التي سبق ان ابتلي بها ووقعت عليه من قبل النظام السابق الذي ثارهو عليه . !  . . وهو هنا في هذا السلوك الذي انزلق إليه يبيح لنفسه ماكان يحرّمه على غيره ،من عنف وقتل وقهر وانتهاك لحقوق الانسان وكرامته الادمية .

لم يعد الطريق آمناً
لقد كانت لحظة القبض على القذافي من قبل الثوار  خير دليل وشاهد على مانذهب اليه ، اذ كان سلوكهم بمافيه من قسوة وعنف ووحشية ماهو إلاّتعبير صارخ وواضح  على أن عموم الشعوب العربية قاطبة معبأة بطاقة كامنة من مشاعر بدائية غاضبة وعنيفة مازالت تستمد طاقتها من : تربة قيم بدوية وقبلية  لم تستطع ان تثلمها برامج التمدن الشكلية التي اقامتها تشكيلات الانظمة السياسية للدول العربية الحديثة منذ تأسيسها في مطلع القرن العشرين .وعقول مغيبة عن الوعي والادراك بحقوق الانسان نتيجة مارتكبته الانظمة السياسية التقليدية العربية من سياسات منظمة كان هدفها ان تبقى عقول عموم الناس البسطاء وهم الاغلبية مقفلة ترزح تحت سلطة محرمات ومقدسات يختلط فيها الواقع بالخيال والمنطق بالخرافة .
 بل يمكننا القول ونحن ازاء هذه الصورة القاتمة ان نقر بصعوبة الطريق الشائك الذي يمتد امام القوى التقدمية ( احزابا  ونخبا مثقفة علمانية وليبرالية اضافة الى النقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني ) وهي تخوض من اجل اثبات وجودها وشرعيتها فقط صراعا ونضالا مدنياً سلميا في مجتمع شرقي عربي عاد الى الوراء في منظومته الفكرية والاخلاقية الى ماقبل الثورة الصناعية كما صرح بذلك الساسة الاميركان عندما كانوا يستعدون لشن هجومهم العسكري على العراق بعد غزو صدام حسين لدولة الكويت 1990 وتحقق لهم ماسعوا لاجله . في خلق مجتمعات عربية تسودها الفوضى ويعمها صراخ القوى المتصارعة على السلطة كل يسعى بمايملك لفرض اجندته وافكاره حتى ولو تم ذلك بالترهيب والتخوين والتكفير .


الأربعاء، 12 أكتوبر 2011

حوار مع الشاعر رعد فاضل


  
الشاعر رعد فاضل يتحدث  للزمان : عن ظلم شعراء الاختلاف في العراق
-الحداثة لا تقوم إلاّ بوعي مضاد .

  حاوره : مروان ياسين الدليمي / الموصل
نشر في صحيفة الزمان  العدد 4020 الاربعاء 
12 تشرين الاول / اكتوبر   
العام 2011 م

اختار الشاعر العراقي رعد فاضل في تجربته الشعرية التي ابتدأت في منتصف العقد السابع من القرن العشرين أن يُحدِثَ قطيعةً ابداعيةً معرفيةًمع نمط القراءات المحايثة، ليمضي بعيدا ًبمساره في فضاء شعري مُختلِفٍ ومُختلفٌ فيه وعليه،علامتُهُ :قراءةٌ مفارِقةٌ في فهم وانتاج مقترحات وتحولات التجربة الشعرية الحداثوية . . وجاءت كتاباته الشعرية والمسرحية ــ نصوصا وتنظيرا ــ  خروجاً على انماط المألوف في القول والرؤية . . والمهم بالنسبة له في هذا المعيار هو "كيف يؤلف الشعر وكيف تخلق الأفكار والرؤى لتأخذ طريقها إلى شعرية المحتوى ، لتتحول إلى أفكار مميزة تُحفِّزُ وتوغِلُ وُتهدِدُ لِتؤسِسَ". . هنا نلتقي مع من كان على مدى ثلاثة عقود منحازا ًبحلمه الشعري  الى الوعي المضاد والمفارق في احداث التحولات التي تجلت في التفكير والتنظير والكتابة الشعرية . وليتوالى الاختلاف والتجاوز كتابا شعريا بعد اخر متشكلا في لغة معبأة بزخم تخييلي، صادم،وغامض . . فالكتابة لدى فاضل انزياح عن ذاتٍ لغويةٍ مُحنَّطة ٍومُحنِّطةٍ الى اخرى تتفوق بذاتها على ذاتها عبرالتأمل واجتراح ذاكرة جديدة يتماهى فيها اليومي والاسطوري في بناءات توليدية تحلق بالكلام الشعري  الى فضاء كوني .
في رصيد الشاعر رعد فاضل هذه العناوين : الموجة الجديدة(مجموعة شعرية مشتركة) 1982،أناشيد المحارب(مشتركة)1984، فاليتقدم الدهاء الى المكيدة 1993،شانقابا امورو 2000، عندما اشتبك الضوء بالياقوت 2003،منمنمات 2009،مخطوطة المحنة 2010،وله في المسرح ثلاثة نصوص:لاغبار لاأحد 1989، وأناشيد الاخطاء 1992، ومن وممن ولماذا 2007. أما في التنظيري الشعري فله : الاجتثاث والمغادرة1992، وقيعة وثلاث عواصف 1994، الآخر من الكلام .

أزمة المؤسسة الثقافية العربية
*هل تتفق مع الرأي الذي يقول بأنّ قصيدة النثر قد خاضت معركة آيديولوجية في العراق أكثر مما هي معركة فنيّة، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار المناخ السياسيّ العراقيّ طيلة نصف القرن الماضي، وما كان يشهده من عنف وصراع انعكس بشكل واضح وثقيل على المشهد الثقافي العراقي ؟
                                                                          
- كلّ تطلّع مختلف وجديد معرّض إلى خوض حروب من جهة كلّ قارّ وقديم وبخاصة عندنا. منظومتنا الآيديولوجية والثقافية العربية لا تقدّس الأشياء حسب أيّ فهم عميق لها أو لأيمانها بها أيماناً خلاّقاً، وإنما لتحتمي فكرياً وسياسياً وثقافياً بما رسّخته هذه الأشياء بقدامتها، فتحوّل هذا التقديس إلى تقاليد ثابتة، ومَن يتجرّأ على خرقها وتجاوزها، سيوصم بآفاق من التّهم الجاهزة، تصل في الغالب إلى التّخوين والتّأثيم، ويُضرب من حوله شتى أنواع الحصارات.
فلأذهب أبعد من ذلك: لا يمكن (للحظة الماضي الثقافية) أن تكون الجسر الوحيد إلى (لحظة الحاضر الثقافية) التي لا يمكنها هي الأخرى أن تكون هذا الجسر إلى (لحظة ثقافية ما في المستقبل). ذلك ما تتحلّى به كلّ ثقافة خلاّقة، وكلّ شاعر ومُتلّق من هذا النوع. صحيح أنّ الشعر يوصل ما بين هذه اللحظات الثلاث بطريقة أو بأخرى، ولكنّ المهمّ ما طبيعة هذا الوصل؟.
لكي يكون النص الشعري ومُتلقّيه منتجيْنِ، لابدّ أن ينطلق إنتاجهما من لحظة الـ (ما) هذه، أي من مستقبل الأشياء والإنسان. وهنا قد تسألني: كيف ذلك والشاعر ومتلقّيه يعيشان لحظتهما الماضية والحاضرة ثقافةً ووجوداً وإنتاجاً ؟. فأقول: إنّ أهمّ مهمة أُنيطتْ بالشعر هي أن يكون (رائياً) وهذه الرؤيا بالنتيجة لا تقود إلاّ إلى اكتشاف الأشياء وترحيلها إلى لحظة الحاضر. وفي ظنّي أنّ هذا هو أحد أهم أسباب الصراع ما بين لحظتي؛ (الماضي والمستقبل). وما لحظة الحاضر هنا إلاّ ميدان ذاك/ هذا الصراع. من هنا لابدّ أن لا يصنع الشاعر تاريخه بالخضوع لقواعد الثقافة القارّة، آيديولوجياً ومؤسسّاتياً، وإنما عليه صناعة فرص جديدة لتاريخ يجيء، لذلك أنطلق دائماً من حداثة لا يمكنها أن تقوم وتستمرّ إلاّ بانطوائها على وعي مضاد .
أزمة المؤسسة الثقافية العربية بعامة، والعراقية بخاصة تتركز في مناوءتها الغريزية لكلّ جديد، كما نوّهت، وبخاصة للشعر، وبما أنّ الثقافة تؤسس عقليات فبطبيعة الحال ستتحوّل هذه العقليات تدريجياً إلى نظام شموليّ صارم يظلّ ينتج قراءات، في أغلبها، خاطئة وضعيفة للشعر، أعني الشعر المتحوّل. وما دام " من حقّ الشعر أن تكون ألفاظه كالوحي، ومعانيه كالسحر " كما رأى أبو هلال العسكري. إذاً لا بدّ بالمقابل من ثقافة ومتلقّ على هذا المستوى من هذا الوحي والسحر. كلّ شعراء الحداثة والاختلاف العراقيين ظُلِموا وإنْ تباينت مستويات هذا الظلم نقدياً وإعلامياً. ظُلمنا جميعاً، وأثِّمنا وخُوِّنا، غير أنّي سأظلّ أسمّي هذا الظلم الضريبةَ الذّهبية التي لا بدّ من دفعها- ضريبة أن تكون مختلفاً؛ ثقافةً ونصّاً ورؤيةً ورؤيا، سلوكاً وأسلوبَ حياة. ولا أزال من جهتي مستعداً لدفع ضرائب أُخر، ما دام الوسط الثقافي عندنا لا يزال عيياً، ويدفع هو الآخر لنا ضرائب تردّده ونكوصه وثباته. الشعر الشائع عندنا رسميّ ومؤسساتيّ، أعني ذلك النمط المُفضّل لدى الذائقة الآيديولوجية؛ ثقافياً وسياسياً واجتماعياً، ويتمّ ذلك عبر منهجة دراسية لا تتعلّق إلاّ بنزعة تلك الّذائقة الواحديّة. ذلك هو الشعر الذي تربّت وتتربّى على وفقه أجيال من الذائقات في مدارسنا وجامعاتنا، وبالمعنى الأكثر تخصيصاً للكلمة: إننا لا نتوفر حتى الآن على ذائقات نوعية متنوعة، إلاّ ما ندر، من شأنها إعادة فحص الشعر فحصاً نقدياً حقيقياً بسبب من هذا الخضوع التربويّ لسلطة تلك الذّائقة، وما المتغيرات التي تطرأ على مناهجنا الدراسية وبخاصة الجامعية، من وقت لآخر ليس إلاّ على وفق المتغيّر الآيديولوجي والسياسي، لا على وفق التّطلب الثقافي بالمعنى المتنوّع والواسع للكلمة. من هنا تكون ثقافة الأغلبية عندنا ليست سوى نتاج لقراءة هذه الآيديولوجيّة المركزية للشعر، فضلاً عل تحكّمها بوسائل النشر والإعلام. معركتنا أكبر من أن تكون آيديولوجية أو فنية بالمعنى العام للكلمة، معركتنا في أن نظلّ نأتي من أمام. تلك هي معركة كلّ شعر خلاّق.
التنظير نص ابداعي
*أنت تكتب في التنظير الشعريّ بالاهتمام نفسه الذي توليه لكتابة النّص الشعري إلى اي حدّ  تجد ذلك أمراً ضرورياً لتوضيح عالمك الشّعري ووضع الدلالات أمام النّقاد كي يسيروا في الاتجاه الذي تريد عندما يسعون إلى السّير في قارّتك الشعرية التي تؤسس لها مجموعة شعرية بعد أخرى.
- في أكثر من حوار ومناسبة ثقافية كنت قد نبّهتُ إلى أنّ كلّ شاعر جِدّة وحداثة لا بدّ وأن يكون مُفكّراً، أعني أن يكون مُنظِّراً يجيد التفكير والكلام على هذا التّفكير وعلى كتابته الشعرية، أسلوباً وفكراً، ليس دفاعاً أو هجوماً بالمعنى العام للكلمة، بل لإضاءة المفاصل الجديدة التي يشتغل عليها. أنا أنجز شعري ثمّ أُنظِّر على وفقه. فالتنظير عندي بهذا المعنى ليس سلاحاً ولا مُلحقاً تفسيريّاً. قد يكون نوعاً من التّبرير لهذا الاختلاف والخروج، تفكيراً وأسلوباً. الشعر المختلف  يتطلّب دائماً قارئاً عُمدةً ، كما تتطلّب كتابة الشعر الخلاّقة شاعراً عُمْدةً بالمستوى الذي يتطلّبه الاختلاف والابتكار الخلاّقان. وإذا لم يكن الشعر (هذا الشعر) بالنسبة إلى الشاعر ومتلقّيه حسب هذا التوصيف إشكاليّةً فكلاهما ليسا بخلاّقين. قد تتساءل: وما علاقة ذلك بالتّنظير حسب تحديدات سؤالي؟!. العلاقة تكمن في بحثي عن توصيف آخر لقراءة الشعر، وهذا البحث هو من يظلّ يحرّضني على التنظير للشعر وقراءته. في واحد من الحوارات التي أجريت معي سابقاً ( أودّ التنويع عليه قليلاً): إنّ الشعر في واحد من معانيه هو حرق لثقافات إبداعية ومعرفية بتنوّع أشكالها،  ليس لتمثّلها تمثّلاً تقليدياً، بل لابتكار خلاّق آخر لها، وبهذا يكون التنظير نوعاً من الفِكْر الشّعري، أو التفكير للشعر. البعض يرى أنّ نصوص رعد فاضل الشعرية لا تطابق نظرته إلى شعره، أقول وبجرأة: نعم. ولكن كيف؟. أزعم أنني شاعر ومثقّف متحرّك، كلّ ما فيّ لا ينحو إلاّ منحى البحث والتّقصي والاكتشاف، وما تنظيري إلاّ جزء عضويّ من حركة هذا البحث والتّقصي والاكتشاف ورغبة في المعرفة وكيفية التّجاوز. أتحرّك شعرياً لا يعني بالمقابل إلاّ أنّي أتحرّك نظرياً، بل ليعني أنّي أتحرّك نسيجيّاً. وكما ترى إنها علاقة عضويّة تكاملية. فكيف يمكن مع الحركة ترسيم ملامح تطابق نهائيّ وحاسم ما ؟. ولمناسبة هذا الكلام أقول: إنّ الشعر ما عاد شكلاً شموليّاً ولا اجتراراً لشكل أو لطريقة تعبير بعينها. التنظير أضيئ به مكامن التّجاوز والاختراق، وبالمثل مواطن المراوحة والتّراجع إن وُجدت. التنظير أتعرّف عبره إلى نفسي وإلى العالم/ وبالشعر أضيئهما. الشاعر المتحرّك بطبيعته مُنظّر سواء أعلن عن ذلك أو مارسه في الخفاء، وفي الحالتين يمكن جسّ حركة هذه الثنائية في شغله الشعريّ. والآن وبما أنّ النقد الحديث لم يعد نصّاً تابعاً للنصّ المنقود فلا يمكن قطعيّاً القبول بفكرة أنّ الشاعر هو مَن يوجّه الناقد. النقد نصّ إبداعي ناقد لنصّ إبداعيّ منقود. الناقد كما الشاعر لا يُوجَّهُ ولا يُسيَّر، كلاهما خلاّقان.

  القراءة نشاط رؤيوي
*مثلما لك اجتهادك في كتابة اطروحتك الشعرية أجد من الضروري أن أسألك عن الذين يقرأون نصّك الشعريّ. من هم؟.
-دعني أنوّع ثانية على آراء كنت نشرتها سابقاً أجدها مناسبة للإجابة على هذا السؤال: هل القارئ موجود فعلاً. وهل تراه قابلاً للوجود قبل قراءة تكون على درجة عالية جداً من الفاعلية والحسم. كيف تراه مميّزاً أكثر مما يستطيع هو أن يفكّ وأن يتلقّى... ويرفض؟. كما يفهم جاك دريدا هذا الأمر بمعنىً من المعاني. غالباً ما يبدو الشعر(هذا النّوع الإستثنائيّ من الشعر) عصيّاً على الفهم، وعندما تقف القراءة عاجزة أمامه غالباً ما تعزو هذا العجز إلى طريقة كتابته، جاهلة أو متناسية أنّها إزاء نوع آخر من التعبير الشعريّ/ في مواجهة تعبير يفكّر ويشتغل خارج توقّعاتها/ تعبير يعنى بتأثيث واقعه الشعري تأثيثاً مغايراً، صادماً، تعبير ليس معنيّاً بالاشتغال على وفق واقع هذه القراءة. هكذا تصير مخاطبة القراءة، هنا، مُوحىً بها من قبل المقروء الشعري على أنها خطاب مُحتَمل ومُتَوَهم به. خطاب زائغ، فكأنّه سرّ كلّما حاورته يُفرّخ بين يديك أسراراً. من هنا كلّ قراءة تُعنى بالسّطوح لا يمكن أن تكون إلاّ (قراءة عاميّة)، كما أسمّيها، لا تفهم كيف تكونُ قراءةً - جوهراً/ وعَرَضاً، بالمعنى الفلسفيّ، في آن، كونها لا تشتغل إلاّ على الخط القبليّ، الخط الأفقيّ الذيليّ، بينما قراءة الجوهر/ العَرَض، أعني قراءةَ العمق والتّموّج فلا تُبحِر إلاّ عبر تموّجات هذا العمق وصولاً إلى عمائق أبعد غوراً. على القراءة إذاً أن تتحوّل إلى نشاط رؤيوي لتتمكّن من القيام برحلتها الجمالية والفكرية   داخل النشاط الجمالي والفكريّ للشعر، لأنها بهذا المعنى ما عادت قراءةَ استهلاك، على العكس، تحوّلت إلى قراءة تفكُّر وإنتاج. قراءة هي الأخرى كما الشعر مُحتَمَلة. قارئ الشعر كما أتخيّله اليوم معنيّ أكثر من أيما وقت مضى، بالتّخلي نهائياً عن نظامه(المتعدّي) كون هذا النظام لا يزال معنيّاً بثبات القراءة، ليتحوّل نهائياً مع تحوّل الشعر، لأنّ استعداده الجماليّ والثقافيّ والنفسيّ هذا يمنحه خاصيّة البحث والتّقصي والاكتشاف ليقرّ فيما بعد بملء حساسيته الجديدة هذه؛ بأنّ الشعر ما عاد محاكاة مباشرة له، ولا واقعاً يخصّ العالم أكثر مما يخصّ الشاعر، وأنّ قراءة الشعر ما عادت كم كانت عليه، وأن خرق سياقات شعرية قديمة ومعاصرة ليس خيانة للشعر. على القراءة إذاً أن تتوقّف عن التعامل مع الشعر(هذا الشعر) في ظلّ فهمها القديم للشعر. على وفق هذا الفهم قرّائي هم مَن يفهمون هذا الفهم وينحون هذا المنحى. قد يكونون قِلّة أو حتى نادرين، غير أني أعوّل عليهم نقّاداً وقرّاء. .في حوار أجراه معي أحد الأصدقاء بتكليف من جريدة تاتو العراقية، سألني: " يشكو أغلبية قرائك من قراءة نصوصك، ويصفونها بالغموض، وبأنها صعبة المراس " . هذا رأي أُشيع منذ أكثر من ربع قرن عنّي، وغالباً ما كان يُعبَّر عنه وكأنّه تهمة أو سُبَّة!!. ولأنّ الجريدة  لم تنشر هذا الحوار لأسباب هي الأخرى تبدو غامضةً في الأقلّ بالنسبة إليّ !!، سأعرّج على بعض من إجابتي على هذا السؤال لما له من علاقة وطيدة بالقارئ والقراءة: إنّ تنكّر الشعر للواقع لا يعني بالمعنى الدارج للكلمة أنه ضدّه، وإنما يعني سعي الشعر المتواصل لكي لا يكون (شعراً واقعياً) فأنْ تكون جزءاً من واقع ثقافيّ لا يعني بالضرورة أنك مُمثِّلٌ لهذا الواقع، كي تكون (واقعياً) بهذا المعنى. الشعر رفضٌ وثورة مُتواصلان، ولا يمكن أن تكون الثورة رفضاً، ولا الرفض ثورةً إلاّ إذا قاما داخل هذا المرفوض- المُثار عليه. حتى هذا الشعر الذي أتكلّم عليه بمرور الوقت سيعيش نوعاً ليس اختلافياً ولا ائتلافياً، وإنما كأنّه يعيش حالة (اللاختلاف). الشعر وبخاصّة عندنا لا يزال غائباً بالمعنى الاجتماعيّ الواسع للكلمة قياساً بما يسمّى الشعر الشعبيّ (لا أقصد العامّيّ- هنا، وإنما أقصد ذلك النمط الدّارج بين عامّة القرّاء)، وسيظلّ كذلك ما دام هامشياً بالنسبة إلى القراءة الجماهيرية بمعناها الواسع أيضاً. وهنا أتساءل: لِمَ يُطلب دائماً من الشعر أن يكون جزءاً حيوياً من الحياة الاجتماعية والثقافية الواسعة كالتلفزيون والسينما وما شابههما، وهي كما تعرف وسائل ترفيهيّة ما عاد الاستغناء عنها ممكناً اجتماعياً، ولا يُطلَبُ من هذا الاجتماعيّ أن يكون شعرياً؟!. الشعر متحرّك وذلك ما يُشعِر كلّ قراءة بهذا المعنى، بفوقيـّته، لتقدّمه وطليعيّته لا لكونه ارستقراطياً كما قد يُفهَم من هذا الكلام. حسناً.. " أفخرُ الشِّعر ما غمض، فلم يُعطك غرضه " هذا ما نبّه إليه أبو اسحق الصّابي!!. المجتمع عندنا ثقافةً وقارئاً بعامّة، ليس ثابتاً، على العكس!! إنه متحرّك أيضاً ولكن إلى وراء دائماً، وذلك ما يجعله في انفصال دائم ليس عن الشّعر فحسب وإنما عن كلّ حياة ثقافيّة حيّة ومتواصلة. " الشعر لَمْح تكفي إشارته " هذا ما كتبه أبو تمّام !!. فهل تعتقد أننا نتوفر على قاعدة عريضة ولو نوعاً ما من هذه القراءة (اللماحة )؟!. الشعر الخلاق شرطه أن يكون نوعاً من اللبس/ نوعاً من المقاومة. فهل ترى واقعنا ثقافياً واجتماعياً بمستوى هذه التّطلبات؟!.

المثقف العربي لايتمتّع بأيما قدرة تغييرية!
* نصف قرن مضى من تاريخ المنطقة العربية شهدنا فيها انكفاء لأيّ مشروع ثقافيّ خلاّق.  كيف تنظر إلى مسؤولية المثقف العربيّ ؟.
-إشكاليّة المثقف العربيّ بعامّة تعود إلى تبعيّته للمؤسسات الثقافية الرّسمية، وهذه المؤسسات كما تعلم تابعة بدورها للأنظمة السياسية العربية، ليس لنصف قرن مضى وإنما لأبعد من ذلك بكثير. الإشكالية من وجهة نظري ليست في دور المثقف العربيّ وطبيعة مسؤوليته ودوره، وإنما في طبيعة ثقافته وتكوينها. الثقافة العربية بعامة لم تكن نتاجاً لثقافة حرّة مستقلّة، أعني تلك الثقافة القائمة على تنوع المنهج والنّزعة والمشارب والرؤيا، باختصار:الثقافة العربية السّائدة ليست إلا استلهاماً للثقافة السياسية السائدة، فتحوّلت من كونها عقلاً مُكَوِّناً (بكسر الواو وتشديده) إلى عقل مُكَوَّن (بفتح الواو وتشديده) وهذا بدهياً ضدّ كلّ طبيعة ثقافية خلاّقة، فتحوّل المثقف العربيّ عبر قرون من هذه السياسة الثقافية البراجماتيّة إلى (مُستَلِهم) في الوقت الذي لابدّ أن يكون فيه عقلاً خلاّقاً، مُؤسِّساً، ومُلْهِماً، أي عقلاً مُنتِجاً على وفق متطلّبات كلّ تطور للحياة. من هنا لا دور كما ترى لهذا المثقف في أيّ تغيير ذلك أنّه، حسب هذا التوصيف، لا يتمتّع بأيما قدرة تغييرية ولا حتى تنويريّة إلاّ على وفق الأصول الثقافية والتقاليد السياسية العربية السائدتين، لأنّ السلطة كلها في قبضات سياسيي الدولة ومثقّفيها تخطيطاً وتنفيذاً. المثقف العربيّ إلاّ القلّة القليلة النادرة لا يزال يزداد تعمّقاً في تبعيّته لهذه المؤسسات،لا بل يتحوّل بأساليب عجيبة مع تحوّلها سياسياً وآيديولوجياً وثقافياً، وحسب التطلبات التي تجدها هذه المؤسسات ضرورية وواجبةً لمثل هذا التّحول. خذ انموذجاً: كانت هنالك مؤسسة ثقافية مركزية قائمة بذاتها ولذاتها في العراق، وكان المثقف هو الآخر عموماً مركزياً قائماً ما دام لا يتقاطع مع متطلّبات هذه المؤسسة، والآن صار لدينا مؤسسات عدّة، صحيح أنها قائمة على التعددية ظاهرياً، غير أنها عمقياً هي الأخرى تمارس مركزية أجنداتها الآيديولوجية والسياسية، لا بل حتى المناطقيّة، والعرقيّة، و، و،... تتحكّم بطبيعة الثقافة التي ترسخ لها وهي بطبيعة الحال ثقافة المراوحة والتراجع نفسها ولكن بأساليب مختلفة، أما الهدف فنفسه. باختصار: المثقف العربيّ بعامة إمّا مُنكفئ ومنغلق على ذاته، وإما تابع لسياسة تلك الأجندات أسلوباً، ونزعةً، ومشروعاً. أما المثقف العربيّ الخلاّق الذي من شأنه وحده القيام بأعباء هذه المسؤولية، فإما هو الآخر: مهاجر في ذاته/ أو منفيّ خارج المنطقة العربية ثقافةً ووجوداً !!. لست متشائماً قطعاً. تلك هي الحقيقة إلاّ ما ندر.
النقد كتابة اخرى للنص
* هل تجد أنّ التأطير النقديّ للتجارب والتّحولات في الشعر العربي المعاصر كان دقيقاً ومعبّراً عن تلك التحولات في المصطلحات والمقولات الأكاديمية والمنهجية كما هو الحال في إطلاق مصطلح الشعر الحرّ على كتابات السّياب والبياتي وعبد الصّبور، وكذلك فيما  يتعلّق بقصيدة النثر والنّص الشعريّ المفتوح.... ألا تجد أنّ هنالك خلطاً بين هذه المفاهيم ؟.
-ليس هنالك خلط في المفاهيم بهذا المعنى. أخالفك الرأي نوعاً ما. من جهتي أقول: بعد تنوّع أشكال  التعبير الشعري العربي، وبخاصة كما حددتها أنتَ ابتداء بالسياب وانتهاء بقصيدة النثر(بتنوع أشكالها) كان لا بدّ أن تتنوع المناهج النقدية، وقراءة هذا التنوع. شعر مختلف، بالتأكيد يتطلّب نقداً مختلفاً. تلك بدهية. ولكن: هل أصبح هذا المطلب واقعاً نقدياً عندنا، أم لا يزال مطلباً ؟!. ذلك هو السؤال الأهم من وجهة نظري. أرى أننا نتطلّب نقداً ثقافياً لا يلغي النقد الأدبيّ، وإنما يتماشج معه لإنتاج نقد أشبه ما يكون بكتابة أخرى للنص فما دام هنالك حركة مستمرة لزحزحة الشعر، فهماً وطريقةَ تعبير فلابدّ بالمقابل أن يكون هنالك نقد بمستوى هذه الزحزحات.لا يزال النقد عندنا إما استقرار في نظام اللغة البلاغي/ وإما خروج كامل عليه. الشعر  نوع من الحجاج مع اللغة والعالم والحب والتاريخ والفلسفة والإنسان، من هنا ما عادت مهمة الناقد الرئيسة هي البحث عن العلاقات في النص الشعري بوصفها تواصلاً مترابطاً كمثل حلقات في سلسلة، وإنما على العكس من ذلك، مهمته تكمن في توصيف تلك العلاقات الانفصالية، العلاقات الشخصية التي ينشئها الشاعر مع الأشياء. العلاقات التي تظلّ تترك مِسْحات شخصيةً على وجه العالم بعامة، والكتابة الشعرية بخاصة، ليقوم فيما بعد باكتشافها. أغلب النقد عندنا تجريبيّ مُتنزِّه وصّافٌ، وليس مُكتشفاً، وفي المقابل أغلب الشعر(تصويريّ). الشعر الخلاّق شرطه أن يكون( تصوّريّاً، ظنّاً، حيرة، وتوجّساً) الشعر من هذا النوع راءٍ في المقام الأول. تلك في رأيي هي المهمة التي لا بدّ أن يضطلع بها النقد. يعنّ لي أن أتساءل هنا: ألم يكن ماركس رائياً في تصوّره الشهير " تحويل العالم " وكذلك مالارميه في " تحويل اللغة " بهذا المعنى؟. ركّز على العلاقة الغامضة- الواضحة التي بين هذين الشرطين لكلّ عمل خلاّق. ما الشعر إن لم يكن عالماً مُتحوّلاً عبر لغة مُتحوِّلة/ وما النقد إن لم يكن كذلك؟.     
      التلاقح الخلاّق                
* لماذا برأيك هذا الانجذاب إلى كلّ ما ينتجه الغرب من أشكال فنّية شعرية؟. هل في ذلك إشارة إلى عجز واضح في دور المبدع والمثقف العربيين، وهو بالتالي معادل موضوعيّ لطبيعة العجز القائم في منظومة الثقافة العربية التي كانت ولما تزل يرسمها المناخ السياسي؟.
-  لا حركة حقيقيةً من دون حريّة حقيقية. لا حياةَ حيّة، حقاً، من دون حرية حيّة. وكذلك لا إبداع خلاّقاً من دون تنوّع أشكاله. تلك هي الحركة التي تنتج الأشياء وبضمنها الشعر. كنت قد أوضحتُ في جواب سابق بعضاً من طبيعة الثقافة العربية بهذا الاتجاه. إنّ فعل المراوحة والتراجع الذي لا تزال تمارسه هذه الثقافة بعامة، مؤسسات وأفراداً هو في رأيي مَن يدفع إلى مثل هذا التساؤل!!. الشكل الفنيّ ليس زيّاً يجذبك فتذهب إليه، الشكل أفق، وما طُرق تعبيرنا إلاّ مناخات متنوّعة في هذا الأفق، غير أنّ لكلّ طريقةٍ مِسحتها الشخصيّة، هذا هو الأهم، وذلك هو التّميز عبر الشكل كما أفهمه. وإذا كنتَ تلمّح إلى السّبق التاريخيّ فيما يخصّ الغرب، وأنّ أصل هذه الأشكال ليس عربيّاً بهذا المعنى، أجدني مُجبراً على القول: الشعر العربي( أعني شعر الشّطرين) لا يتجاوز عمره 1500سنة تقريباً، وبما أنّ المصادر التاريخية كانت قد أجمعت على أنّ حضارة العراق تعود إلى أكثر من سبعة آلاف عام قبل الميلاد، وأنّ التراتيل والأناشيد التي كانت تُتلى في معابد بابل وأكد وآشور، فضلاً على ملحمة كلكامش كُتبتْ بشكل أقرب ما يكون إلى قصيدة النثر، والنّص المفتوح، فهذا الشكل هو الأكثر أصالةً عربياً  إذا ما علمنا أنّ سكان العراق الأوائل هم ما كانوا يُعرفون بالأقوام الجزرية( نسبة إلى الجزيرة العربية) الذين نزحوا إلى ما عُرِف فيما بعد بجنوب العراق بسبب التّصحّر الذي ضرب الجزيرة آنذاك- حسب هذه المصادر نفسها. وكذلك عودة  إلى المواقف والمخاطبات للنّفري، والإشارات الإلهية للتوحيديّ، وشمس المعارف الكبرى للبونيّ، وإلى نتاج هائل لنخبة من المتصوّفة، كفيلة بتأصيل هذا الشّكل عربياً- إن أردت ذلك. ليس هنالك في شكل الكتابة فنياً؛ تصدير واستيراد بمعنى الانجذاب كما عبّرت أنت، وإنما هنالك نوع من التلاقح الخلاّق أسلوباً وطريقةَ تعبير ورؤيا، من هنا لا يمكن أن يكون السّياب منجذباً ،بهذا المعنى، إلى الشكل الإنكليزي، وأدونيس إلى الآخر الفرنسي، على سبيل التمثيل لا الحصر .
ــــــــــــــــــــــــــــــ                       
                    

الأربعاء، 5 أكتوبر 2011


نشرت في صحيفة الزمان السنة الرابعة عشرة العدد 4005 الاثنين 26 ايلول سبتمبر 2011م 
    المدارس لتلقّي  للعلم فقط  . .

تعليقا حول قرار متوسطة الحكمة في ناحية عنكاوا . .
 بعزل الطلبة بصفوف  وفقا لانتمائهم الديني !


تاريخ خاطىء 
عندما نريد ان نبني دولة قائمة على تقديس المواطنة على انقاض نظام عاش فيه الناس تحت ثقل منظومة من القوانين المتخلفة عن العصر وعن المنطق والعدالة الانسانية، كانت تكرس التفرقة والتمييز بين المواطنين على اسس لامعنى ولاقيمة لها ( قومية ،دينية ،طائفية )  فمن الطبيعي  ونحن في مرحلة البناء لمنظومة جديدة  للقيم الانسانية التي ينبغي  للفرد وللمجتمع ان يؤمن بها و يتمسك بها ان نترجم هذه القيمة الفلسفية لمعنى المواطنة  اولا في المؤسسات التربوية والتعليمية بكل مراحلها وخصوصاً في مراحل التعليم الاولى ( رياض الاطفال والمرحلة الابتدائية ) في المناهج وفي اساليب التعامل . ذلك لاننا عندما نضع الحجر الاساس للمجتمع الجديد القادم وبدون ان نولي هذه المؤسسات التربوية هذا الاهتمام لن نتمكن من السير في الاتجاه الصحيح والسليم الذي خططنا له ونحن نتوق لبناء مجتمع خال من التعصب والانغلاق والتطرف .
ومعلوم لنا ان مجتمعاتنا الشرقية تعاني شعوبها بمختلف انتماءتها العرقية والدينية وخصوصا( الاقليات ) من شعور قاس بالانغلاق على نفسها بسبب عدم انفتاح المجتمع بمكوناته الاخرى عليها وعلى بعضها البعض .
و في بيئتنا الشرقية يسود شعور عام بالشك الدائم من المكون الاخر وعدم الثقة به وانتهاز اية فرصة للنيل منه ، ولم يكن هذا الوضع المعقد والملتبس بجديد او طارىء على مجتمعاتنا بل كان ملازما له لعقود طويلة تمتد الى بداية تأسيس الدولة العربية الاسلامية ( الاموية والعباسية ) واستمرت تتفاعل هذه المشاعرخلف الستار وتحت سطح المجتمع الذي يبدو خاليا من هذه الاحتقانات في الظروف التي تكون فيها سلطة الدولة قوية ومسلطة على الناس،  لكن ما أن يدب الوهن والضعف في جسدها عندها تبرز على السطح مشاعر الكره والشك والتخوين مابين المكونات الدينية والقومية  ليصل في كثير من الايام والاحداث الى حد شيوع عمليات النهب والقتل لكل الاديان والطوائف والاقليات التي لاتنتمي الى الاغلبية التي  يتكون منها المجتمع  وهذا مانجد له شواهد في كل العهود والانظمة التي مرت علينا طيلة اكثر من الف عام  سواء في العراق او في بقية المناطق العربية .
والملاحظ اننا لم نجد في مسيرة هذا التاريخ حاكما او نظاما سياسيا سعى جادا من اجل ان يكون افراد المجتمع متساوون امام القانون او السلطة بغض النظر عن الانتماء الديني او الطائفي او العرقي وحتى فيما لوحاول احد ما فأنه غالبا ما يكون قد اخفى وراء ذلك هدفا اخر يسعى اليه لاصلة له بالنية المعلنة بتحقيق العدالة للمواطنين .

الصحو على عالم اخر
 وعليه ونتيجة لهذا التاريخ الخاطىء للكل المنظومة القيمية التي حكمتنا، اصبحنا في مطلع القرن الواحد والعشرين في ازمة حقيقية مع انفسنا اولا ومع العالم ثانيا بعد ان خطى العالم خطوات واسعة خلال القرن العشرين في تثبيت القيم الانسانية التي تدعم حقوق الانسسان في حرية المعتقد والتفكير بينما بقيت الشعوب في  المنطقة العربية على حالها المزري  الذي ورثته منذ اكثر من الف عام . وكان لثورة الاتصالات التي شهدها العالم في مطلع القرن الواحد والعشرين الدور الاهم في تحريك الوعي لشعوب المنطقة العربية والسعي لنسف وتغيير منظومة القيم التي تحكمها والتي تكرس بموجبها العنف والفقر والتطرف .
كان للعراق بعد العام 2003 دور وحصة فيما حصل  من تغيير في المنطقة .رغم ماتمر به التجربة العراقية من امتحان عسير يبدو من خلال مؤشرات الاحداث وسلوك الساسة والزعماء الذين يقودونه من المنطقة الخضراء انهم غير جادين في بناء دولة المواطنة التي تقدس حرية الفرد وتحترم القانون دون ان يكون للانتماء الديني او القومي او الطائفي اي تأثير في ذلك .
فكل الوقائع تشير سواء في ماتم تثبيته في الدستور او فيما ينتج من مواقف الساسة وزعماء الاحزاب لايقدم الدليل الدامغ على ايمانهم بالشعارات التي طالما يتاجرون بها في خطاباتهم وتصريحاتهم من على شاشات الفضائيات . بل غالبا ماينساقون مندفعين  وراء ردود افعال تدفعهم اليها انتماءاتهم العرقية والدينية والطائفية وهذا ما دفع بأوضاع البلاد الى الاحتقان والعنف المستمر بين المكونات منذ العام 2003 على عكس ماكنا نتوق ونحلم به بعد ان شنفت اذاننا من قبل الساسة بمفاهيم الديموقراطية والعدالة والتعددية الخ من المفاهيم الانسانية التي خلقت اوربا واميركا بوجبها مجتمعات يسودها القانون والحرية الفردية والانتماء للوطن اولاً واخراً،  رغم تعدد واختلاف الاعراق والمكونات التي تشكلت منها تلك المجتمعات .

 القرار الخاطىء
كان لابد من هذه  المقدمة الطويلة  قبل الحديث عن مسالة مهمة اثارتني واستفزتني هذه الايام مع بدء العام الدراسي الجديد في اقليم كوردستان العراق ، عندما علمت من ولدي الذي ابتدأ مشواره الدراسي في الاول متوسط هذا العام في مدرسة ( الحكمة ) التي تقع في ناحية عنكاواالتابعة لمحافظة اربيل بأن ادارة المدرسة قد فصلت الطلبة المسلمين عن المسيحيين فأصبح للمسلمين صفوفا يدرسون فيها والمسيحيون صفوفا اخرى وذلك لكي يتجنب الطلبة المسلمون الخروج من الصف اثناء درس السرياني الذي يتلقاه الطلبة المسيحيون وايضا لكي يتجنب الطلبة المسيحيون  الخروج من الصف اثناء درس التربية الدينية الذي يتلقاه الطلبة المسلمون . . لقد عملت ادارة المدرسة هذا الاجراء سعيا منها لتلافي الاحراج الذي قد يصيب الطلبة من كلا الطرفين. ! وبات امرا معلوما ان كوردستان العراق قد وفر مكانا امنا لالاف العوائل العراقية النازحة والمهجرة منذ اندلاع العنف الطائفي بعد العام 2003
وانخرط ابناء تلك العوائل من مسيحيين ومسلمين وصابئة في مدارس الاقليم اضافة الى المدارس التي تدرس باللغة العربية والتي انشئت خصيصا لابناء هذه العوائل .
أنا لاأظن ان هذا الاجراء الذي توصلت اليه ادارة مدرسة الحكمة يفضي الى الحكمة والعقل في معالجة القيم الخاطئة التي ابتلينا بها لعقود طويلة والتي اشرنا اليها في المقدمة الطويلة اعلاه واعلم جيدا ان العقلاء في الاقليم يشاطرونني رأي هذا وهم يبنون وطنا امنا وعادلا يتسع للجميع .
 نحن بحاجة الى قيم تدعو افراد المجتمع اديانا وقوميات وطوائف الى الاندماج والتفاعل مع بعضها البعض دون حواجز وعقبات لاصلة لها  بقيم المواطنة التي ينبغي ان نكرسها وحدها دون غيرها .


العقدة امام المنشار
ان الاجراء المتسرع  الذي اتخذته ادارة متوسطة الحكمة دون دراسة معمقة
 ـ  ودون ان تقصد من ذلك سوءاً بالتأكيد  ـ  سوف يزيد الشقة والحساسية والانعزال بين الطلبة على اساس الدين وينسف بذلك كل القيم الاخوية والانسانية التي تجمعهم قبل اي انتماء اخر .وقد عبر ولدي بدوره عن امتعاضه ورفضه لهذا الاجراء الذي ابعده عن اصدقاءه وزملاءه وكان موقفه هذا هو الدافع لكتابة هذا المقال .
وكان ينبغي على من وضع المناهج الدراسية ان يستبعد تماما الدروس الدينية منها لكي لاتوضع العقدة امام المنشار ، فالتربية الدينية مكانها الكنائس والجوامع والبيوت وليست رياض الاطفال والمدارس ، والا سوف نجعل من المدارس حواضن طبيعية للشك بالاخر وعدم الثقة به ومن ثم ستصبح المؤسسات التربوية ميداناً لنمومشاعر العزلة والتطرف والعنف .




                                          

المشهد الثقافي 599

المشهد الثقافي ح 599 اعداد وتقديم : مروان ياسين  تقارير حسن البغدادي العناوين : محاضرة عن علاقة الفلسفة بالفن والشعر والادب للدكتور معت...