السبت، 26 نوفمبر 2011

  
                                                            
الحرامية . .

إتقان اللعبة في صياغة الخطاب المسرحي  .


تأليف واخراج : رفيق نوري
تمثيل : حمه سعيد ، نوزاد رمضان ، تارا عبد الرحمن ، كوفار أنور ، تحسين اسماعيل ، كمال دانيال
مدير انتاج : هيوا سعاد
تاريخ العرض : 31/10/ 2011
مكان العرض : قاعة الشعب في اربيل
تقديم : منتدى عنكاوا للفنون بالتعاون مع مديرية الفنون المسرحية في اربيل
                                           

المنطق الجدلي
الدراما فن يستند في بنائه على الجدل بين الحاضر والماضي ، بين الواقع المرئي والمحسوس وبين واقع مفترض متخيل ، وفيما لو غاب الجدل عن الرؤية التي تحكم هذه العلاقة غابت الدراما ، فما جدوى ان تقلب صفحات الماضي دون ان تمتلك مجسا ناقدا يدقق من جديد في كنه ومسار الاشياء والاحداث ؟
 من هنا كانت اهمية الاعمال المسرحية لعدد من الكتاب الذين مروا في تاريخ المسرح العالمي ، ذلك لانها لم تخرج في بنائها عن المنطق الجدلي الذي كان يحكم رؤية الكاتب للاحداث والعلاقات الانسانية التي تناولها في نصه ليخرج بافتراضات وتصورات قائمة على توفر المنطق في بنائها .
وهنا ليس  بالضرورة ان يكون مايتوصل اليه الكاتب باعتباره حقائق ثابتة ينبغي تصديقها والقبول بها  باعتبارها استنتاجات لاتقبل الجدل والتقاطع والرفض ، بل يبقى مايتوصل له اي كاتب ماهو الا من باب الفرضيات التي تحتمل اوجها عدة تتراوح مابين الرفض او القبول لكن يبقى المنطق هو اللبنة التي ينبغي توفرها كقاسم مشترك في اية فرضية يتم طرحها من قبل الكاتب .
وفيما لو  ذهب الكاتب الى الاتجاه الاخر باعتبار مايطرحه من افكار ماهو الا حقائق ثابتة فأنه بذلك يكون قدم حكم على عمله بالفشل ، وبالتالي سينعكس ذلك على موقف ورد فعل المتلقىء للعمل الدرامي والذي سيتسم هنا بالرفض وعدم التواصل مع العمل ، ذلك لانه ينطلق من قاعدة خاطئة في تحديد ورؤية العمل الفني عندما يضعه في اطار مقفل على الافكار المطروحة فيه دون ان تكون  عرضة للنقاش والحوار والجدل في ذهن المتلقي . وهذه القاعدة الخاطئة تجعل من النص يسقط في هوة بعيدة تقصيه عن جنسه ومساره الفني المفتوح كما تلصق كمامات على فم المتلقين كي لايدخلوا معه في حوار جدلي،  وهذا هو ماينبغي ان يقوم به العمل الدرامي واي عمل فني .
 فما جدوى ان تقدم عملا فنيا دون ان تفتح الابواب مشرعة لحوار يتقاسمه المؤلف مع الاحداث والشخصيات التي يتناولها من جهة والمتلقين من الجهة الاخرى ولن ينتهي هذا الحوار مع انتهاء العمل الفني بل يبقى قائما حتى بعد الانتهاء من قراءة او مشاهدة العمل لفترات قد تطول او تقصر تبعا لعمق ومستويات الافكار والرؤى المطروحة بين طيات الحوار والصور الفنية التي يحملها العمل الفني .

المخرج المؤلف
مسرحية الحرامية التي كتبها وقدمها (نصا وعرضا مسرحيا ) الفنان رفيق نوري حنّا توفرت فيها جملة من العناصر الفنية  التي اشرنا اليها في المقدمة . فلم يكن نوري وهو يكتب هذا العمل يسعى الى تقديم مجموعة من الشخصيات الانسانية المتواجدة والمقيمة في مستشفى للامراض النفسية والتي تعاني امراضا نفسية مختلفة نأت بها معزولة عن المجتمع لتجتمع في مكان واحد افترضه فنيا  حتى يكون حاضنة مكانية مكثفة يمكن عبرها ومن خلالها بناء نسيج من العلاقات الانسانية فيما بينها لتكون توطئة للوصول الى اعماق تلك الشخصيات وصولا الى رسم دائرة واسعة من الاحداث والدوافع التي جعلت منها بالتالي مهزومة ومأسورة بمشاعر وهواجس وخيالات مريضة غيرواقعية انتهى بها هذا الحال في نهاية المطاف الى ان تكون في مستشفى للامراض النفسية والعقلية .
 ولكي نبقى في اطار المفاهيم الدرامية التي انطلق منها وبنى عليها هذا العمل لابد من الاشارة الى  ما يحسب له لصالح هذه التجربة عندما يكون مؤلف النص الادبي هو مخرج العرض .  نظراً لعمق التجربة المسرحية للفنان نوري التي تمتد لاكثر من ثلاثة عقود توزعت مابين التمثيل والاخراج وتدريس الفن المسرحي في معهد الفنون الجميلة ،  فقد انعكس ذلك بشكل واضح على طبيعة النص المكتوب على الورق الذي اتيحت لي فرصة الاطلاع عليه وقراءته والذي لم يكن سوى بمثابة مسودة اخيرة للخطة الاخراجية التي بني عليها العرض المسرحي .
وينبغي الاشارة هنا الى لغة النص التي كانت مكثفة وموجزة وخالية من الزخرفة اللفظية والبلاغية ــ التي عادة ماينشغل بها كتاب نصوص الادب المسرحي التقليديين ـــ ولتذهب اللغة في فضاء الايماءة والايحاء الذي يمنحها طاقة درامية تأويلية تحث المتلقي على التأمل والتفكير في مايراه ويلتقاه من شظايا الافكار التي تتاجج  وتتطاير نتيجة الصراع المحتدم في ذات الشخصيات ومع ذوات الشخصيات الاخرى .
ايضا ينبغي ان نشير الى ما توفرفي المسودة او المخطوطة الادبية من  نقاط انطلاق فنية كانت بمثابة هيكل فني واضح الملامح  لمعمار ألعرض المسرحي ، وقد خلا  في مجمل عناصره ( الاحداث ، الحوار ، الشخصيات ، فضاء الاحداث ، الافكار ) من اية تفاصيل  فائضة عن الحاجة يمكن التغاضي أوالاستغناء عنها .
وهنا يتضح مدى النضج الدرامي  الذي يمكن ان يتوفر في اي عرض مسرحي عندما يأتي من  مشغل مؤلف درامي له تجربة عملية بكل تفاصيل الشغل المسرحي على عكس النصوص التي يكتبها اولئك الذين يأتون غالبا من حقول الفن القصصي او الروائي او اي فن ابداعي اخر وهم لايملكون  اية تجربة عملية وميدانية مسرحية مما يوسم اعمالهم بطبيعة الحال بالترهل ، والاستطراد ، والحشو ، اضافة الى  احتوائها على تعليمات وملاحظات اخراجية لاقيمة ولاجدوى من الالتزام بها ) ومجمل ذلك لايساهم في بناء وتطوير الحدث الدرامي .
هذا اضافة الى ضعف المعرفة في بناء تفاصيل الفضاء الدرامي الذي تتحرك فيه الشخصيات  في اغلب هذه النصوص ، فأما ان يكون فضاء خياليا غير قابل للتنفيذ على رقعة الخشبة المسرحية لعدم توفر الدراية الواقعية الكافية بما تمتلكه من طاقة وقدرة وامكانات . او يكون فضاء غارقا في طبيعيته مما لايترك اية فسحة للخيال ان يلعب دوره في التجربة الفنية ،وليصبح بالتالي كتلة ثقيلة على الخشبة ، قد تؤدي اي وظيفة ممكنة الا الوظيفة الدرامية التي تغيب عنها  .

 سلطة المخرج
كان عرض الحرامية الذي تصدى لتقديمه مجموعة من الممثلين الكوردالمحترفين عرضا مسرحيا توفرت في منظومته ( البصرية والسمعية)  مجمل العناصر الفنية التي عادة ما  تسود الاعمال الفنية التي تنجح في استقطاب وعي المتلقي ووجدانه وتجعله وهو يتلقى التجربة الجمالية للعرض الفني وهو في حالة من التواصل والتوقد  الذهني والشعوري ، وهذا قصد جوهري لايغيب عن وعي المبدع  مطلقا كلما  اراد ان يكون في المواجهة مع اي مشروع فني جديد لم تتضح ملامحه بعد وكلما تصدى لتقديم عمل فني يعبىء فيه هواجسه وتأملاته وقراءاته الفلسفية والجمالية للقضية التي يسعى  لطرحها باطار رؤيته ومعالجاته الفنية التي تكتسب رشاقتها وتفردها الاسلوبي من خلال عمق التجربة الانسانية له بكل روافدها وهو يحرص كل  الحرص على نشدانها واكتمالها في البناء العام للتجربة الفنية  لكي يصل الخطاب المسرحي الى المتلقي في سياق جمالي وهو يمتلك عنصر المتعة بمعناها المطلق والشمولي( الفكري والعاطفي)  .
"المخرج هو المبدع الكللي للعرض المسرحي وهذا هو دوره الطبيعي الذي لاينافسه فيه احد"  اي بمعنى هو الذي يتحمل المسؤولية الكاملة عن النص والتمثيل وتصميم الاطار المادي للعرض (السينوغرافيا ) والمخرج رفيق نوري مارس دوره السينوغرافي كاملا في هذه التجربة  متلمسا طريقه على خشبة المسرح بالاعتماد عى مجساته الذاتية التي رسختها حرفيته ومهنيته المسرحية التي نطقت بجمله الدرامية  في مفردات لغة العرض البصرية والسمعية بعد ان طوعتها ووظفتها لخدمة الجملة الدرامية وهو يرحلها في البقع الضوئية التي كتبها بالوان محددة مابين الازرق والاحمر والاصفر لتنتشي اللحظة التعبيرية بطاقة من البوح والكشف الاستفزازي الايحائي .
كذلك  انغمر المكان الذي تدور فيه الاحداث ( المستشفى ) بمستويات متدرجة لقطع الديكور التجريدية التي جنحت لان تكون سلالالم غير متناظرة انفتحت في اغترابها التجريدي على واقعية العذابات التي حملتها اليها الشخصيات وحملتها بالتالي مدلولات جديدة وبعيدة عن ايقونيتها وهي تتحرك عليها بتعدد مستوياتها . هذا اضافة الى مفردة الاسرّة المتحركة على عجلات والتي دون عليها المخرج نوري اكثر من جملة درامية باشكال وتوظيفات متنوعة ومختلفة وهو هنا قصد أن ينحت اشكاله من وحي فهمه وتبنيه لمنهج الحداثة ولتحمل الدلالات  لديه بالتالي مدلولات متعددة ومتنوعة اخرى بعيدة عن وظيفتها الاجتماعية المستهلكة والمتداولة.

وفيما يتعلق بالممثلين المحترفين الذين اعتمد عليهم فقد تفادى نوري ان يزج نفسه في اشكالية قد لاتكون لصالحه عندما لم يغامر في الاستغراق باستثمار الطاقة الجسدية بما تمتلكه من كشوفات مشفرة  كما هو الحال في التجارب المسرحية الحديثة . ذلك لانه يدرك بحكم خبرته وفهمه لطبيعة الواقع ماهية القدرات المتاحة امامه والتي تربّت على نمط من الاداء الكلاسيكي يستند بشكل اساس على التعبير الصوتي ولايعير اهمية كبرى للطاقة التشفيرية  التي يملكها الجسد . وذلك للغياب التام في  استثمار( البيو ـ ميكانيك )  الذي كان قد توصل اليه مايرخولد كطريقة في اعداد الفيزيقي / البدني للمثل بهدف الانجاز الخارجي العاجل للمهام التي يكلف بها .وهو نقيض منهج المعايشة الداخلية للمعلم الاول ستانسلافسكي ، لذا حاول نوري  ان يستمثر مايمتلكونه من خزين حرفي ّوخبرة متراكمة في الاداء النمطي  ليوظفه بالاتجاه السليم  الذي يدخل في السياق الفني الذي يسعى لتقديمه . وهذه قضية فنية تواجه المخرج المعاصر في سواء في اقليم كوردستان او في العراق اذ مازالت اساليب اعداد الممثل لجسده ضعيفة جدا ولم  تأخذ اي جزء من اهتمامه ، لذا من الطبيعي ان تتعطل الطاقة التشفيرية لجسد الممثل ويبقى الصوت هو الوسيلة التي يعتمد عليها الممثل دائما  في التجسيد والمحاكاة والتشخيص .  وعليه لابد ان تأسف كثيرا عندما تجد ممثلا شابا يملك موهبة ناضجة وجميلة في التمثيل مثل (     ) ويملك اطلالة قوية جدا على الخشبة بما يتسم به ادائه من استرخاء وعفوية في اداء الفعل ورد الفعل قد يعجز عن الوصول اليه  الكثير من نجوم المسرح العراقي ، وهنا نستذكر مقولة للمعلم ستانسلافسكي " الشيء الرئيسي في فن الممثل لايكمن في الفعل ذاته بل في نشأة الميل الى الفعل نشأة طبيعية فهذا الميل هو بالضبط نصف الموهبة " فمثل هذا الممثل بهذا الحضور الاسر تأسف كثيرا له عندما تجده لايهتم ببناء جسده وترشيقه الى الحد الذي يمكنه  الخروج من حالة الترهل التي يعانيها والتي تسبب له البطىء الواضح في الحركة وبالتالي التعطيل التام لطاقة جسده التعبيرية . وهكذا هو الحال مع الممثلين المبدعين  (     ) و(   ) اللذان نجحا في تقديم دوريهما اعتمادا على مايمتلكان خبرة طويلة في المسرح الكوردي .وطالما الحديث هنا عن التمثيل لابد من  لذا ينبغي ان يصار الى اقامة دورات مستمرة لتدريب وتنمية المهارات والفعاليات الجسدية وبتعبير ادق ( مختبرات مسرحية ) ينتظم فيها من يعمل في مهنة التمثيل  حتى ترتقي قدرات الممثلين الى مديات افضل ولكي يستطيع المخرجون ان يستثمروا ويفجروا الطاقات المخزونة في جسد الممثل الكوردي . لان الجسد ماهو الاّ وسيط فاعل بين الانا والاخر .
اخيرا لابد من الاشادة بهذا العمل الذي امسك بخيوط اللعبة المسرحية بمهارة واضحة استثمر فيها المخرج رفيق نوري نزعته الى المزاوجة بين اساليب ومناهج متنوعة توزعت بين ماهو  تعبيري وتجريدي ورمزي . وقدم للمسرح في كوردستان عرضا فنيا ملأ فراغا واضحا بعمل مسرحي يتسم بمتعة الخطاب الفني  في المسرح الكوردي هو بأمس الحاجة اليه حتى يستعيد المسرح جمهوره الواسع الذي افتقده . ذلك لان مصطلح المسرحانية كما يؤكد د. صالح سعد في كتابه (الانا ـ الاخر ازدواجية الفن التمثيلي ) الصادر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية يشير الى "الدور البارز الذي لعبه بقاء العرض المسرحي على خارطة الفنون  والاداب الانسانية كتعبير ضمني عن شوق الانسان الغريزي الى الفرح والاحتفال كمساحة مفتوحة للمشاركة وللابداع الجمعي "                                            
وختاما تحية لكل الممثلين والعاملين  الذين ساهموا فيه . 
    نقد مسرحي :    مروان ياسين الدليمي / اربيل

نشر المقال في 24/11/ 2011 في جريدة التأخي العراقية العدد 6217 رابط المقال
http://www.altaakhipress.com/viewart.php?art=5530#pagebegin

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

السبت، 19 نوفمبر 2011



ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    المشهد السياسي العربي . . .  والكيل بمكيالين

الكيل بمكيالين عُرف بات يُمسك بمنظومة المشهد السياسي العربي بكل وضوح وهذا امر  ليس بجديد أو طارئ لكنه وبتقديرنا قد كََشف عن وجه سافر ومقلق مع بدء الحرب العراقية الايرانية عندما انقسم العرب وقتها على انفسهم وفي مواقفهم وفي ردود افعالهم ازاء تلك  الحرب ، وبدلا من ان يتحملوا المسؤولية كاملة في لعب دور فعال لايقاف نزيفها الذي كان يزداد يوما بعد اخر وعاما بعد اخر تحمّل البلدين ايران  والعراق  نتائجه الكارثية ثمانية اعوام على حد سواء.
في تلك الحرب  شاء الحكام العرب ان يكتفوا بمواقف جُلّها سلبية ، بعضها اتّسم باللؤم عندما اثر ان يكون في موقف المتفرج وكأنه يشاهد فلما حربيا يسقط فيه قتلى وجرحى بالعشرات على شاشة التلفزيون وهو مستمتع كل ليلة بما يشاهد ،ومواقف اخرى اتسمت بالتجاهل التام  لصور الموت والدمار وكأن لاشيىء يحدث ، واخرى ارتأت ان تزيد من سعير الحرب الطاحنة وتغذيها وذلك بالوقوف الى جانب احد الطرفين المتقاتلين  امّا علنا او خفية  من خلال مشاركة فعلية فيها ، سواء بجيوش اوقطع سلاح أو تمويل .
ونتيجة لكل تلك المواقف التي اطالت من عمر الحرب والتي  اقل مايقال عنها انها كانت مواقف تتسم بنفاق وانتهازية واضحين ، هذا اضافة الى تغليب للمطامح والمطامع  الشخصية بكرسي الزعامة على حساب  المصالح والقيم الاخوية والانسانية التي تجمع  الشعوب العربية مع الشعب الايراني الذي يرتبط معه بعلاقات تاريخية ودينية عميقة جدا.
ومن تداعيات  ذلك الانحطاط في مستوى الوعي والمواقف الرسمية العربية ازاء قضية ولحظة تاريخية فارقة ومفارقة أن سيكون له نتائج وتفاعلات اقليمية ودولية كبيرة  فيما تلاها من الاعوام  وسيدفع بالتالي منطقة الشرق الاوسط الى هاوية ومنزلق سياسي خطير لاوضوح لصورته النهائية وكانت اولى مقدماته : حرب الخليج الثانية عام 1990 بعد ان غزا العراق الكويت بقرار خاطى ء ومتسرع ومنفعل تورط فيه صدام حسين وورط العراق وشعبه ومستقبله فيه .
تلك الحرب جاءت بالاساطيل والقطع العسكرية الى منطقة الخليج  لتقيم فيها اكبر القواعد العسكرية الاميركية  لتكون منطلقا الى كل البقاع التي كانت تحلم بالوصول اليها في قارة اسيا طيلة ايام الحرب الباردة التي كانت قائمة بينها وبين الاتحاد السوفيتي سابقا قبل انهياره عام 1990. ولتسيطر على منابع النفط الذي كانت تسعى للوصول اليه  منذ العام 73 حينما لعب النفط دوره الفاعل والمؤثر في حرب تشرين ، عندما اوقفت السعودية صادراتها النفطية الى الغرب في تلك الحرب فأدركت في حينها اميركا والغرب معها خطورة بقاء مصادر الطاقة النفطية في الشرق الاوسط بعيدا عن سيطرتها وتحكمها. وسعت لاجل ذلك ألعمل بكل ماتملكه من قدرات استخبارتية من اجل الوصول الى منابع النفط .
وهاهي الفرصة قد جاءت مثلما ارادت وخططت عندما  استثمرت ماكان يحلم به صدام في تصدر الزعامة العربية بعد ان كان قد خَرج من حربه مع ايران وهو ممتلىء بمشاعر القائد المنتصر ، فدفعه ذلك الوهم والشعور الطاغي  بالقوة والقدرة التي لاتحدها حدود  ودون ان يدري الى الاندفاع كالاعمى نحو محرقة الموت بغزوه لدولة  الكويت ، ولتكون هذه المغامرة مقامرة على حياته ووجدوه ونظامه ولتصبح بالتالي  بمثابة الحجة التي امسك بها الاميركان للوصول الى ماكانوا ينوون الوصول اليه .
يمكن القول ان حلما واحدا فقط كان لوحده يجمع الزعماء العرب في كل المواقف والازمات والحروب التي عصفت بمصير الشعوب العربية ألا وهو : الطموح بالفوز بكرسي زعامة إمة عربية واحدة موحّدة لاوجود لوحدتها السياسية  الاّ في الشعارات والخطابات  السياسية الطنّانة ، بعد ان اصبح كرسي الزعامة شاغرا بغياب عبد الناصر، الذي كان ظله مهيمنا عليه ،طيلة وجوده في الحكم  .
ان المواقف الرسمية للحكام والانظمة العربية التي اشرنا اليها عندما قامت الحرب العراقية الايرانية عادت لتكرر نفسها مرة اخرى عندما سقط  نظام صدام حسين عام 2003 لكن هذه المرة كان تأثير تلك المواقف اشد قسوة وخطورة على المجتمع العراقي ، لان المعركة هذه المرة كانت في الداخل وليس على الحدود الخارجية للعراق ، أي في عمق المجتمع العراقي، في وجدانه وقيمه الدينية والمذهبية والقومية .
 فالمواقف العربية الرسمية بكل تنوعها وتقاطعها  كانت تصب في هدف واحد هو : اشعال وتأجيج الصراع داخل المجتمع العراقي نفسه ،وذلك بالاعتماد على التنوع المذهبي والديني والقومي الذي يتشكل منه الشعب العراقي ، خصوصا بعد أن تضررت وضعفت  العلاقات التي كانت تجمع هذه الفسيفساء العراقية لعقود طويلة  واصاب العفن بعض اجزائها  نتيجة للسياسات الخاطئة التي مارستها كل الحكومات العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921.
 وقد ازدادت تلك السياسات خطورة وعنفا وخطأً منذ ان تسلم صدام حسين زمام السلطة عام 1979 ، مع اننا لانعفي احدا من كل الحكام العراقيين من مسؤولية الاخطاء التي ارتكبت بحق الاقليات والطوائف والقوميات دون استثناء . فالاقصاء والتهميش كان جاريا على قدم وساق طيلة قرن كامل وإن بدرجات متفاوتة بين حكومة واخرى وبين زعيم واخر .
ان الساسة العرب كانوا يعرفون جيدا التركة الثقيلة التي خلفها  نظام صدام بعد ما رحل عن سدة الحكم ، لذا لم يتركوا هذه الفرصة تضيع سدى دون ان يتم  استغلالها  بالاتجاه الذي يخدم مصالحهم المختلفة والمتقاطعة مع بعضهم  البعض،  لكنها  تلتقي وتجتمع رغم هذا الاختلاف عند نقطة واحدة كما التقت بكل تناقضاتها سابقا  اثناء  الحرب العراقية الايرانية الا وهي : اضعاف العراق بثقله ووزنه الدولي ، فهذا البلد بعمقه التاريخي والحضاري لم يزل يلقي بظله وحضوره واضحا على خارطة السياسة الدولية بسبب موقعه الجغرافي والاقتصادي رغم ضعف وهزالة  اغلب الساسة الذين حكموه طيلة قرن من الزمان ، فكيف الحال به عندما يحكمه خليط من الساسة الذين لاشأن لهم بأمور الحكم ! ؟ هذا اضافة الى انهم لايمتلكون اية خبرة في ادارة البلاد واثبتت الاعوام التسعة التي مرت بعد العام 2003  انهم  جاءوا الى الحكم  وكأن ليس في نيتهم بناء دولة حديثة تقوم على احترام حرية الانسان بكل صورها انما جاءوا وهم يحملون في دواخلهم رغبة عارمة في الانتقام من كل ماله صلة بنظام صدام وحزب البعث الذي طاردهم  واعتقلهم وشتتهم في المنافي حتى لو احترق جراء ذلك الاخضر مع اليابس ، وليتركوا في الاذهان صورة مشوشة وخاطئة عن معنى النضال والكفاح ضد الظلم وانظمته الفاسدة الذي عادة ماتتحمله نخبة من المجتمع تسموا فوق جراحها وعذابتها لتنهض وُتنهِـِضِ معها الشعب المقهور مما هو فيه قابع فيه من بؤس ،صورة تدعو الى الرثاء على كل المناضلين والمفكرين والفلاسفة الذين غيروا مجرى التاريخ في اكثر من لحظة تاريخية ولم يطلبوا لقاء ذلك ثمنا ، لاقصورا فخمة ولاحسابات خيالية في البنوك ولارواتب تقاعدية خرافية الارقام لهم  ولاحفاهم  .
 ومع ذلك لو كانت سياسة  انزال العقاب الصارم قد اقتصرت على من تسبب  بالظلم والقهر للشعب  العراقي من اركان ورموز النظام السابق لكان من الممكن قبول تلك الرغبة العارمة بالانتقام .
 لكن ان يتم تحميل طائفة بكاملها مسؤولية واخطاء وجرائم كل ماحدث قبل العام 2003 بكل قضّها وقضيضها لا لشيء إلاّ لانها الطائفة التي ينتمي لها كل الحكام الذين مروا على تاريخ الدولة العراقية منذ تأسيسها وانتهاء بصدام حسين فهذا بلاادنى شك خطأ كبير، وقد بانت نتائجه خلال الاعوام التسعة التي مرت من عمر البلاد عندما وجدناها تغرق في دوامة  من العنف والفوضى حتى هذه الساعة ،  ووفرت بذلك ارضية مناسبة لكل القوى العربية اولا والاقليمية ثانيا لان تدخل الساحة العراقية من النوافذ والشقوق والجحور تحت جنح الظلام الكثيف الذي صار يخيم عليها وصارت تلعب فيها وفقا لما تهوى وتشتهي في التدمير ،وكانت  مشاعر الانتقام والتصفية التي اتصف بها معظم الساسة العراقيون واستبعادهم لاية فرصة حقيقية وجدية لطيّ صفحة الماضي والبدء في صفحة جديدة تقوم على اشاعة روح التسامح والعفو عمن لم يرتكب جرما من اتباع ورموز  النظام البعثي قد أوجد الفرصة المناسبة لتلك القوى حتى تلعب دورها هذا بكل حرية وقوة  .
كان ينبغي على ساسة العراق الجدد فيما لو ارادوا ان يبنوا بلدا جديدا على انقاض ماخلفه نظام صدام  ان يتخذوا من تجربة نظام جنوب افريقيا بزعامة نيلسون مانديلا نموذجا لهم في كيفية التعامل مع حقبة مؤلمة ومُرّة بكل رموزها ، وهذا استدعى منهم ان يمضوا الى الامام  ولم يتوقفوا عند الحقبة السياسية السابقة لهم  طويلا ، لذا لم يغرَقوا في رمالها المتحركة ، بل انطلقوا من فكرةٍ ومبدأ واضح يقوم على احترام القانون والعدالة دون التورط في القفز والتجاوزعليه ليصبح  مطيّة سهلة يتم استخدامها وفقا للاهواء والرغبات والمصالح الضيقة للساسة والاحزاب الحاكمة مثلما هو حاصل في العراق .والصورة الاقرب الينا من تجربة جنوب افريقيا  هي : تجربة اقليم كوردستان العراق عندما لجأ قادته الى الصفح والمغفرة عن كل الاكراد الذين كانوا في خدمة نظام صدام وحزبه ، واعطيت لهم  الفرصة للتكفيرعن خطاياهم ،وذلك بالسماح لهم مرة اخرى بالاندماج بين صفوف المجتمع ليصبحوا مواطنين صالحين يشاركون في بناء كوردستان التي بدأت تفرض حضورها وتجربتها الناهضة شيئا فشيئا امام العالم  واصبح البون شاسعا بينها وبين بقية اجزاء ومحافظات العراق .
وهنا اتسأل واوجّه اسئلتي للساسة الذين يحكمون العراق كيف يمكن قبول اسقاط التهم والجرائم المنسوبة الى عدد من الارهابين الذين يحملون جنسيات عربية غير عراقية ممن تورطوا بجرائم بشعة ضد العراقيين الابرياء تنوعت جرائمهم مابين  تفجير وتفخيخ اضافة الى عمليات قتل وتطهير جماعي وسبق أن اعترفوا بها وعلى اساس اعترافاتهم تلك  تمت ادانتهم . كيف يمكن قبول فكرة اطلاق سراحهم بعد ان توسط القادة والزعماء العرب الجدد في  ليبيا وتونس  الذين استلموا زمام السلطة في بلدانهم بعد ان كانوا قد ثاروا على ظلم وعبودية وفساد حكامهم . . كيف يمكن قبول هذا ؟  . . ولنفترض ياساسة العراق  انكم قبلتم الوساطة وعملتم بمبدأ المسامحة وطي صفحة الماضي مع من اجرم وقتل شعبكم ثم اطلقتم سراحهم اكراما لعيون الغنوشي وعبدالجليل . أما  كان من الاولى والاجدر بكم  ان تسامحوا ايضا نظرائهم من ابناء شعبكم وجلدتكم  ؟
نرجوا منكم ساستنا وحكامنا وقادتنا ان تعدلوا وأن  لاتكيليوا بمكيالين كما فعل الحكام العرب مع شعبكم .
 نشر في موقع كتابات في يوم الجمعة، 18 تشرين الثاني، 2011 الساعة 21:23
رابط المقال :http://www.kitabat.com/index.php?mod=page&num=500&lng=ar

                               
   ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  

                     لاأحد يعلم سوى الحكومة . .


الدعوات التي وجهت من قبل الغنوشي زعيم حزب النهضة الاسلامي في تونس ومصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الوطني الانتقالي في ليبيا الى الحكومة العراقية بالعفو عن عدد من اعضاء تنظيم القاعدة من الذين يحملون الجنسية التونسية والليبية ممن ثبت تورطهم  في جرائم ارهابية ضد الشعب العراقي وادينوا امام القضاء بها وصدر بحقهم احكاما تتراوح مابين الاعدام والمؤبد تلك الدعوات تثير الريبة والشكوك حول الاهداف والدوافع التي تقف ورائها ،كما تلقي بظلال من الشك حول وجود علاقة وثيقة مابين تنظيم القاعدة وعدد من القوى والاحزاب الكبيرة والفاعلة ذات التوجهات  الاسلامية في النظم الجديدة التي اسقطت القذافي وزين العابدين وحلت مكانهما في الحكم . وإلاّ مامعنى ان تأتي هذه الدعوات بالعفو عن  اشخاص ثبت ارتباطهم التنظيمي والعقائدي بالقاعدة . ؟
ان هذا يبعث القلق في ماستؤول اليه اوضاع المجتمع المدني وحقوق الانسان وحرية التعبير والتفكير في هذين البلدين.وهي اشد خطورة فيمالو قورنت بمصر وكما يبدو من ظاهر الصورة فيهما للمشهد السياسي ان تنظيم القاعدة يتحرك بمساحة واسعة جدا من خلال عدد من الاحزاب التي تحمل تسميات اسلامية لكنها تنتمي من حيث الجوهر والاهداف البعيدة  الى الفكر المؤيد والمساند لتنظيم القاعدة .  وهذا ماكانت قد اشارت اليه التقارير من ان قائد الجناح العسكري للمجلس الانتقالي الليبي كان عضوا في تنظيم القاعدة وانه كان  معتقلا في معسكر غوانتاناموا وتم تسليمه بعدئذ الى السلطات اللليبية ايام القذافي .
كما ان الكلمة التي القاها مصطفى عبد الجليل رئيس المجلس الانتقالي الليبي في يوم اعلان النصر بعد القضاء على القذافي من مدينة بنغازي والتي اكد فيها على اعتبار الشريعة الاسلامية هي المصدر في القوانين التشريعات التي ستصدر في ليبيا الجديدة بعد القذافي . اعطت الدليل والبرهان على المشتركات المنهجية والعقائدية التي يرتبط بها القادة الجدد مع تنظيم القاعدة .
من هنا يمكن الوصول الى حقيقة الدوافع التي تقف وراء تلك الدعوات باصدار العفو عمن تورط بجرائم ارهابية من الليبين والتونسيين في العراق . ويبدو ان الحكومة العراقية من خلال التزامهاالصمت ازاء تلك الدعوات تفكر في رد الجميل الى ليبيا بعد ان زودتها بمعلومات عن محاولة انقلاب في العراق كان يتهيأ لها البعثيون بدعم من القذافي شخصيا قبل سقوطه . حتى لو تغاضت عن الدماء الزكية التي سفكت من العراقيين الابرياء
 من قبل اولئك المجرمين .

     مروان ياسين الدليمي
نشرت في موقع كتابات الاربعاء ‏، 16‏ تشرين الثاني‏،  2011
رابط المقال :http://www.kitabat.com/index.php?mod=page&num=433&lng=ar 
الأربعاء، 16 تشرين الثاني، 2011 الساعة   00:56

http://www.alquds.co.uk/?p=885353  رابط الحوار في القدس العربي الناقد ياسين النصير: الثقافة العراقية بريئة من الدم والعنف ...