الأربعاء، 28 ديسمبر، 2011


                   ثوبُ البلاد ِيُرتَّقُ بأوهَام ِالسُلطَةِ
          
اخطأ المالكي من حيث يقصد أولايقصد في حساباته السياسية التي راهن على تحقيقيها بعد انسحاب القوات الاميركية من العراق إعتماداً على الفراغ الذي ستتركه ، ويبدو ان المالكي قد ذهب به الوهم كثيرا جداً ليعتقد جازماً ان بأمكانه ان يملأ هذا الفراغ مستندا على الدعم الايراني الذي سيحل بديلا عن الوجود الاميركي الذي  كان يشكل مانعا ًقويا امامه لتحقيق حلم ٍطالما ظلّ ُيداعب خياله وطموحه السياسي هو والعديد من قادة التحالف الوطني ، لم يكن يخرج عن : تصفية عقد الشراكة السياسية الهشّة التي قامت عليها العملية السياسية في العراق وفق مبدأ التوافق في اقتسام السلطة بين الشيعة والسنة والاكراد منذ الاطاحة بنظام صدام حسين عام 2003والتي كان قد تم الاتفاق عليها بين جميع تلك  القوى والاطراف السياسية التي بدأت تشغل المشهد السياسي العراقي .
ان المنهج الايدلوجي الذي يتخندق خلفه المالكي والذي يتمثل في تكريس سلطة طائفية تحكم البلاد تقودها احزاب شيعية بزعامة حزب الدعوة ، لم يعد أمراً خفيا يتستُّر بمنطق ( التقية ) وماعاد مقتصرا تداوله في الاجتماعات السرية والادبيات الداخلية لتلك الاحزاب ،ولاعبر تصريحات فردية تطلقها هنا وهناك شخصيات لها صفة حزبية أو دينية كما كانت تفعل في المؤتمرات التي كانت تعقد خارج العراق قبل سقوط نظام صدام او حتى خلال السنوات التسع التي اعقبت السقوط ، بل خرج الامر هذه الايام الى العلن بشكل صريح بعد خروج الجيش الاميركي وعودة المالكي من زيارته الاخيرة لاميركا التي جاءت بعد يوم واحد من خروج اخر جندي اميركي من العراق .
وقد شهد العالم  تنفيذ الخطوة الاولى من هذا الانقلاب السريع على الشريك السني من خلال عرض سلسلة من الاعترافات لعدد من الاشخاص الذي ادعوا مسؤوليتهم عن عدد من الجرائم  كانوا قد ارتكبوها بحق عدد من الاشخاص والمؤسسات الحكومية خلال الاعوام 2006 و2007 و2008 بعد أن كانوا قد تلقوا الاوامر بالتنفيذ حسب ماأدّعوا من طارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي نفسه ،و تم عرض الاعترافات تلك على شاشة التلفاز، وسبق للمواطن العربي والعراقي ان شاهد  العشرات من مثل هذه الاعترافات على شاشات التلفزة الرسمية ومازلنا نشاهد مثلها كما هو الحال في سوريا خصوصا بعد أن انكشف الوجه الطائفي لنظام الحكم القائم فيهامن خلال ردود افعاله العنيفة التي قابل بها موجة الاحتجاجات الشعبية التي تعم البلاد منذ اكثر من ثمانية اشهر، فكان لجوء النظان السوري الى مثل تلك الاعترافات اصراراً واضحاً على استغباء الناس وخداعهم بحفنة من المشاهد المفبركة .
المالكي هو الاخر أعاد انتاج نسخة من تلك الاعترافات  في حربه التي اعلنها ضد شركائه في الحكم والتي طالما كانت  ديدن الانظمة العربية السياسية التقليدية الجمهورية التي تهاوت واحدة بعد الاخرى ،والتي غالبا ماتلجأ الى مثل هذه  الاساليب الساذجة  ــ والتي لاسبيل امام العالم المتمدن الذي يحترم حقوق الانسان أن يصدقها ـــ كلما وجد النظام السياسي الحاكم نفسه محاصراً بازمة أو فضيحة عادة مايكون هو سببها لتفوح منها أمام الملأ رائحة فساد ٍأوكارثة ٍأو صفقة ٍمريبة ٍضد مصلحة البلاد ودافعه الى اتباع مثل هذه المنظومة المتهرئة من الاساليب الاعلامية هو : دورانه حول نفسه واعتقاده الجازم بوهمٍ ورثه ُعن عصور ٍسحيقة ٍمن التخلف سبق أن مرت على البشرية كان عموم الناس فيها يغطون في جهل واضح  اسبابه تعود الى بطىء وبساطة وسائل الاتصال ونقل المعلومات التي عادة ماتلعب دوراً رئيسياً في تشكل الرأي العام ليس بالصورة المتقدمة  كما هي عليه اليوم . وهنا يكمن الخطأ الفادح الذي مازالت تعيش فيه وترتكبه هذه الانظمة بحق شعوبها وفي نظرتها القاصرة اليها ذلك لانها : انظمة تقليدية في المنهج والتفكير، تجاوزها الزمن وتجاوزتها حركة الحياة بكل متغيراتها،وهي اليوم تعيش لحظة مصيرية مفارقة باتت فيها تنازع وتكابر قبل ان تلفظ انفاسها الاخيرة،لكنها وبنفس الوقت هي مُدركة تمام الادراك أن آوانها قد فات ،ورغم ذلك فهي ازاء هذه الحقيقة المرّة غير مؤهلة ولاقادرة على الاقرار والاعتراف بذلك ، لان الاعتراف بالخطأ لم يكن منهجاً تقر به في منظومتها الفكرية تواجه به نفسها قبل ان تواجه به شعوبها ،ونتيجة لغياب هذه الشفافية في ادارة ومواجهة القضايا التي تعالجها وتواجهها فليس مستغرباً اذن ان يكون ذلك سبباً لأن تحفر قبرها بنفسها .
من هنا كان حتمياً عليها ان تعمل  بكل ماتبقى لديها من وقت قصيرجداً من عمرها الى أن  تَسْعَى حثيثاً ــ بكل ماتملك من اذرع مسلحة تتحرك على الارض وتأتمِرَ بأمرها تحت اغطية ومسميات متنوعة اضافة الى قوى اخرى طبقية مساندة لها ومرتبطة بها وبمصالحها ــ  لدفع شعوبها الى محرقة  ُتلتَهَمُ فيها  الاعراق والطوائف والاديان ثمناً لخروج السلطة  من أروقة السلطة وزوال عهدها وهذا هو مايحصل في اليمن والبحرين وسوريا ومصر اضافة الى العراق الذي سبق شعبه شعوب هذه البلدان في تجرع مرارة هذه التجربة وقسوتها ومازال شعبه المبتلى بالقهر الازلي يتجرعها حتى لتبدوصورة غَده ِ رغم وعود الديموقراطية التي جاء بها إليه الاميركان ليست بافضل حال مما هي عليه اليوم وهي تعجُّ باعتقالات عشوائية بالجملة دون امر قضائي ، وعمليات قتل متواصلة تتم باسلحة كاتمة للصوت في وضح النهار ضحاياها رموز علمية وثقافية دون ان يتم الكشف عن الجناة في معظم الحالات التي تم فيها اعلان القبض عليهم مما يثير الشبهات واصابع الاتهام الى تورط جهات حكومية او شخصيات سياسية فاعلة في السلطة، هذا اضافة الى الصاق تهمة  الارهاب بكل من يعلو صوته كاشفاً صورالفساد والتعذيب التي عادة ماتجري بعلم البعض من المسؤولين الحكوميين  ولا يتم التراجع عن اسقاط تلك التهم قضائيا حتى لو اثبتت التحقيقات التي تجريها المنظمات الدولية المستقلة براءة احد المتهمين من التهم المنسوبة اليه وهذا مثل ماحصل مع عضو البرلمان العراقي السابق محمد الدايني الذي برأته منظمة الشفافية العالمية مما نسب اليه من تهم تتعلق بمسؤوليته في محاولة تفجير البرلمان والذي كان قد اثار غضب الحكومة وحقدها عليه بعدما استضافه الكونكرس الاميركي في إحدى جلساته بأعتباره احد اعضاء لجنة حقوق الانسان  في البرلمان العراقي  ليقدم في تلك الجلسة  ادلة ووثائق لايرقى اليها الشك  تثبت أن  شخصيات عراقية سماها بالاسم  تتولى مسؤوليات حكومية في الدولة العراقية متورطة بجرائم قتل وتعذيب ضد المواطنين اضافة الى مسؤوليتها المباشرة في تشكيل فرق للقتل لتصفية الخصوم السياسين انطلاقا من دوافع طائفية .فكان ذلك سببا كافياً للتعجيل في اسقاط الدايني سياسياً باللجوء الى الصاق اسمه بالعملية الارهابية التي كانت تستهدف تفجير البرلمان ومن ثم رفع الحصانة عنه وملاحقته قضائيا وهو الان هارب خارج العراق ومطلوب للعدالة العراقية رغم تبرئته من التهم المنسوبة اليه من قبل منظمة الشفافية العالمية .
ان اي مواطن بسيط لم تعد تنطلي عليه اساليب ساذجة مثل هذه طالما روّجتها برامج السلطة الدعائية كان الهدف منها دائماً تسقيط ومحاربة معارضيها ومنتقدي سياساتها ،وهو يدرك تماما ان اعتراف أي مواطن قد يَظهرعلى شاشة التلفزيون الرسمي لابد ان يكون قد تم  تحت اساليب من الضغط والتهديد والتعذيب والترهيب والتشهير تم اللجوء اليها  لالشيء سوى  تشويه صورة خصم سياسي سواء كان فردا ًاو جماعة  أمام جموع الشعب تمهيداً اولياً لاسقاطه في المجتمع ومن اللعبة السياسية ، وهذا ما جرى العرف عليه في مستنقع السياسة الذي اعتاد الحكام العرب ان يخوضوا فيه وليس في نيتهم العيش خارج قذارته .
 جرت في العراق خلال الايام الاخيرة من شهر كانون الاول من العام 2011 احداث دراماتيكية احتوت على  مؤشرات خطيرة مسّت تحديداً شخصيات سنية سياسية تتولى مناصب متقدمة في الحكومة العراقية وقد جاءت تلك الاحداث مباشرة بعد خروج الجيش الاميركي المحتل من العراق ، وكانت قد ابتدأت باعترافات من على شاشة التلفزيون الرسمي لعدد من الاشخاص أدعوا بأنهم يعملون في الحماية  الشخصية لطارق الهاشمي نائب الرئيس العراقي ثم تصاعدت الاحداث بالطلب الذي قدمه المالكي الى البرلمان والذي يوصي فيه بحجب الثقة عن نائبه  صالح المطلك ولتتوّج بصدور مذكرة اعتقال قضائية  بحق الهاشمي ومداهمة بيته ومكتبه ومصادرة ماوجد فيه من وثائق واوراق وحواسيب بعد ان كانت قطعات عسكرية حكومية قد طوقت بيته قبل ذلك بعدة ايام ، وهذا يؤشر بشكل صريح الى : بدء مرحلة جديدة وخطرة من عمر اللعبة السياسية يمكن تسميتها (بالانقلاب ) ستؤدي بالعراق شعباً وارضاً الى الدخول مرة اخرى في نفق اشد ظلمة من الذي كان فيه طيلة العهود التي سبقت العام 2003 وقد  يكون من نتائجها ــ وهذا امر قد يبدو غير مستبعد ــ  تخندق طائفي  واضح وصريح لدى كل الاطراف التي كانت تربَأُ بنفسها عن هذا النهج دفاعاً عن وجودها ومصالحها المرتبطة بالقاعدة الشعبية التي تنتمي لها وتمثلها وهذا بدوره سيفضي الى تقسيم ٍوتمزيق ٍلجغرافيا العراق الادارية وتحوله الى اقاليم ودويلات صغيرة قائمة على الانتماءات العرقية والطائفية وقد بدا ذلك واضحا في الدعوات التي جاءت من محافظة صلاح الدين وديالى والانبار وسيكون هذا الاختيار بمرارته اخر ملجأ للاطراف السنية التي كانت ترفض الفدرالية حتى العام 2010 كما جاءت صيغتها في دستور مابعد 2003 فكانت موقفها واضحاً في رفض كل الدعوات التي تساند قيام عراق فيدرالي وكان التحالف الكوردستاني الذي يضم معظم القوى السياسية الكردية اضافة الى غالبية الاحزاب الشيعية مثل الدعوة والمجلس الاعلى تساند هذه الدعوة ،  لكن سياسات التهميش والاقصاء ونقص الخدمات والتمويل اضافة عمليات الاعتقال التي اخذت تتصاعد يوما بعد اخر ضد ابناء المحافظات السنية بحجة الارهاب دفعتها لتغيير موقفها تماما من الفدرالية وصارت هي التي تطالب بها بصورة اكثر الحاحاً حتى من بعض المحافظات الجنوبية كمحافظة البصرة  التي كانت اول المحافظات العراقية التي اعلنت رغبتها في أن تتحول الى اقليم ومازالت مصرة على هذا الطلب .   
المالكي رئيس الوزراء وازاء تفاعلات هذه الاحداث كان ينتظر الفرصة المناسبة لكي يقول كلمته بكل وضوح دون لف ٍ أو دوران بعد أن ساق لنفسه تفسيرا جاهزا اقنع به نفسه على الاقل  والتحالف الوطني الذي ينتمي له لكل مايجري من حراك مطالب بالفيدرالية  في هذه المحافظات وماتبعه من مواقف مؤيدة لها من قبل زعماء الكتل السياسية السنية الفاعلة في العملية السياسية والمشاركة فيها ، وتفسير المالكي لايخرج عن الصاق تهمة الطائفية لكل الدعوات المطالبة بالفدرالية ،هذا اضافة الى تحولها فيما لو تحققت ـ حسب ادعائه ــ الى حاضنة للبعثيين والصداميين والتكفيريين وهي تهمة  جاهزة طالما الصقت جزافا على كل من يختلف ويتقاطع في الرأي مع الحكومة المركزية في بغداد خصوصا من كان مسقط رأسه يعود الى واحدة من تلك المحافظات ولن يبرأ من هذه التهمة حتى لوكان تاريخه حافلا بالشواهد التي تدل على معارضته للبعث ولنظام صدام كما هو الحال مع نائب مجلس محافظة صلاح الدين سبهان الملا جيادالذي كان شيوعيا قبل سقوط نظام صدام  وقدعانى هو وزوجته اياما قاسية في السجون والمعتقلات بسبب مواقفه المعارضة للسلطة انذاك ، ولم يكن هذا كافيا ًليشفع له عند المالكي والدائرة الحزبية والحكومية المحيطة به طالما كان قد اعلن سبهان  بنفسه بيان مجلس المحافظة والقاضي بأعلانهااقليماً ادرايا واقتصادياً فكان ذلك سبباً كافياً لتجريده من تاريخه النضالي المعارض للبعث وليكون في نظر المالكي بعثيا صداميا شاء ذلك ام لم يشأ .
الفرصة التي كان ينتظرها المالكي للرد على كل تلك التحركات التي كانت تعني له : تفتيتاً لسلطته الواسعة، وتحجيماً لها. اخيراً جاءته بعد طول انتظار عندما غادر اخر جندي اميركي  ارض العراق ، فبدأ باتخاذ خطوته الاولى لملء لفراغ اللوجستي الذي خلفه  خروج الاميركان  بالطريقة والشكل الذي كان يحلم به ويخطط له هو والذي يلتقي ويلتحم مع ستراتيجية نظام الملالي الحاكم  في ايران وتشير ملامح الخطة الى  :  العمل على بناء نظام ِ حُكمٍ طائفي شيعي في العراق يعتمد على اللعب بورقة الاغلبية السياسية  بعد ان يتم إستبعاد كل الاطراف المذهبية الاخرى تحت ذريعة فشل سياسة التوافق التي كانت تقوم عليها العملية السياسية طيلة الاعوام الماضية فكانت نتيجتها كما ادّعى المالكي  في اكثر من تصريح ادلى به بعد خروج الاميركان الى وصول عدد من الزعماء السياسين المتورطين بأعمال ارهابية ضد مؤسسات الدولة وتم التغاضي عن ذلك بذريعة الحفاظ على سياسة التوافق واستمرار العملية السياسة ونص الحديث هذا جاء على لسانه في المؤتمر الصحفي الذي عقده في بغداد بعد عودته من رحلته الاخيرة الى اميركا والذي جاء بعد يوم واحد فقط من صدور  مذكرة الاعتقال  بحق نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي .
وبناء على تلك الرؤية السياسية الجديدة التي اعلنها صراحة في ذاك المؤتمر سيكون  من المنطقي جداً ووفق هذا التحول والانعطاف لمستقبل العملية السياسية ان يكون العرب السنّة في مقدمة المستبعَدين خصوصاً أن معظم الذين تدورحولهم الشبهات والتهم هم من العرب السنّة .
 ووفق هذا التخطيط الذي اعلنه المالكي لن يكون الاكراد بمنأى عن ذلك وإن كان ذلك لايبدو واضحا على المدى القريب المنظور، لكنه ليس ببعيد عما يخطط له طالما يستمد قوته واندفاعه بهذا الاتجاه  من ايران التي اعلنت صراحة في اكثر من موقف دعمها للمالكي  فكيف بها الحال اليوم وهي تمسك بكل خيوط اللعبة السياسية على الارض العراقية  بعد خروج الاميركان منها .
ان النتائج المترتبة على هذا النهج  ستدفع البلاد الى مازق خطير يقودها الى حالة من الاحتقان والاقتتال الطائفي العنيف َطرفاهُ السنة والشيعة وقد يكون اشد قوة وعنفاً مما كانت قد شهدته البلاد خلال الاعوام 2006 ـ 2007 ، اضافة الى ذلك فإن الاطراف الاقليمية لن تقف صامتة ومكتوفة الايدي ازاء مايجري بل ستدخل بكل ثقلها اكثر من ذي قبل لتغذية هذا الصراع المميت  كلُّ حسب مصلحتها  التي عادة ماتغذيها دوافع مختلفة منها ماهو: طائفي أوديني أوقومي ، أو مما هو قد يكون جزاً من حسابات دولية بين القوى الكبرى التي تتكالب على اقتسام النفوذ والثروات وتصريف السلاح في منطقة الشرق الاوسط والخليج العربي ولن تترد من اجل ذلك الى السعي لتأجيج  وتفجيروتوسيع مديات هذا الصراع لأجل أن تكون هذه الفوضى مدعاة لخلق افضل الاجواء المناسبة لها والتي من خلالها تدعم تواجدها الدائم عبر صور مختلفة  ليس بالضرورة ان يكون الوجود العسكري من ضمنها .
ومن المؤكد أن نهاية  هذا الصراع فيما لو حُسِم ـ وهذا امر بعيد تماما عن حسابات من يغذيه ويستثمره لصالحه ـ فأنه لن يحسم  بأية صورة من الصور لصالح انتصار طرف على حساب هزيمة طرف اخر ،انما  ستكون نتيجته بلاشك : تدمِيرُ ما تبقى من امال ٍ للناس وسط كومة من الانقاض ، في  بلد ٍمازال يئن من ثقل جراح لم تندمل بعد .


                        23/12/2011
















الأربعاء، 21 ديسمبر، 2011

مروان ياسين يجد نفسه في فضاءات مختلفة وصولا الى المتعة .

المسرح يجعلني اقاطع الماضي

حاوره – سامر سعيد الياس / الموصل
أسفار عديدة دونها مروان ياسين في رحلته مع الحياة حيث وجدها محطة لإعلان تمرده ، بعد تجارب مؤلمة استقاها من محطات حياتية حزينة مر بها افراد من عائلته، دعته لان يقول كلمته في هذا العالم ، فلم تكن كلمة،  بل كانت على خشبة المسرح صرخة خرقت حاجز الماضي وصالحته مع العالم ،عبر علاقة جديدية ، بينما كانت حروفه على صفحات الجرائد بمثابة بصمات تركها على رمال لم تكن متحركة ، بل بقيت راسخة بثباته راصداً للواقع الثقافي، تارة بالكاميرا ،او بالجلوس على كرسي المخرج ليحبك مشهدا ثقافيا لكن بكلمات مبدعيه من الادباء ،يرصدهم ياسين في محافلهم وعلى منابرهم، ليقولوا كلمتهم كما هو،  حيث قال ماجال في خاطره ازاء رحلته مابين المسرح والقصيدة في سياق حوارٍ تلك هي تفاصيله :
اقع
*ايهما ينبض اكثر في اعماق مروان ياسين المسرحي ام المخرج ام الشاعر ..؟
قبل كل شيىء اجد نفسي اشعر بالرضا وأنا اتنقل في خضم هذا التنوع والتوزع مابين انشعالات فنية وادبية وابدو مثل الذي يمتلك القدرة على التفكير والحديث  باكثر من لغة ، هذا الوضع المتحرك والحيوي يضعني امام حالة من الاحساس بالحرية الذاتية تمنحني اكثر من فرصة ٍ واختيار للتعبير والاكتشاف ، فأنْ تمتلك اكثر من لغة ٍمعناه انك تستطيع ان ترى ذاتك والعالم بطرق وادوات متنوعة وان لك فضاء واسع لبناء عوالم مختلفة ، رغم انني في بعض الاحيان تنتابني حالة من الضياع والتشتت نتيجة هذا التوزع الاجناسي في الانتماء والتعبير ، وهنا ينبغي المرور سريعا على سيرتي الذاتية التي كان لها الاثر الكبير بما اشرت اليه فلقد وجدت نفسي اخوض في تحولات كبيرة ، قادتني اليها معطيات خارجية هيمنت على الحياة بشكل عام خلال العقود الثلاثة الاخيرة التي مرت على المنطقة وعلى العراق تحديدا، وهذا ماشكل اطارا ومناخا عاما احاط بي ورمى بكل ثقله على كاهلي اضافة الى تجربتي الذاتية التي تحتشد فيها احداثا درامية ابطالها كانواافراد عائلتي التي انتمي اليها . فكان من الطبيعي لشاب في مقتبل العمر ان يلجأ الى المسرح حتى يستخرج كل مشاعر القهر السياسي التي تضج في داخله نتيجة للوضع الذي وجد عائلته فيه  بسبب موقفها المختلف والرافض للمنهج السياسي العام الذي كان مهيمنا على الحياة طيلة عقود الستينيات والسبيعنيات من القرن العشرين، اضافة الى  تجربة السجن المريرة التي مر بها معظم افراد العائلة بسبب عدم انخراطهم في حاضنة التدجين الفكري والسياسي الذي كان قد استوعب قطاعات واسعة من المجتمع ،  ثم جاءت فترة الحصار خلال تسعينيات القرن الماضي ، من هنا تشكلت لدي نظرة اخرى ومفهوم اخر لماينبغي ان اكون عليه بعد ان وجدتُ الحياة الانسانية ُتهانُ بطريقة بشعة ،فاأقتضى الموقف مني ان احافظ على ذاكرتي من الخَرَف والانهيار الذي بدا يترك بصماته واضحة على عقول الناس بعد ان بدأالجوع والاذلال يهتكها، لذا كان ينبغي ان تحدث مواجهة مع ذاتي ومع ماكان يجري.  فكان لابد من اللجوء الى الكتابة لمواجهة التدمير الذي بات يمتد ويزحف على الذاكرة مثلما كان يترك اثره في صور الحياة المادية ، فأنتعشت ذاكرتي بفعل الكتابة مقابل ذلك الانهيار الحاصل في الواقع الموضوعي حينها كتبت اول مجموعة شعرية لي، كما اعدت قراءة النشاط والتجارب المسرحية في مدينة الموصل خلال اكثر من نصف  قرن ،وكانت تلك القراءة ومازالت مثار لغط ورفض واستهجان شديد من قبل اجيال هرِمة ٍفي التفكير ،اعتادت على كلمات التبجيل والاعجاب المزيف ، مما جعلها تعيش وهما ًمضحكا يثير الرثاء عليها ، كان ذاك الوهم قد اوصلها الى حالة باتت فيها  تعتقد جازمة بريادتهاوانها قد انجزت تاريخا فنياً يستحق التبجيل والتعظيم ،بينما هي واقع الامر لم تترك شيئا يذكريستحق البقاء،فجاءت دراستي تلك والتي نشر بعض فصولها على صفحات جريدة الزمان بمثابة صدمة كبيرة لهم وغير متوقعة لكنها وللاسف الشديد بدلا من ان تجعلهم يستيقظون من ذاك الوهم ليتوقفوا لحظة امام انفسهم ليعيدوا النظربما قدموا  ازدادوا تعنتا وتمسكا بمنهجهم الفني المتهرئ والذي يعود في منظومته الى العصور الوسطى وهي اشد العصور انحطاطا في الوعي والتعبير الفني، المهم في هذا الامر انني فيما يتعلق بموضوع التنوع في الانتماء والانجذاب مابين المسرح والسينما والشعر اجد نفسي دائماً في فضاءات مختلفة وأنا في حالة من الاكتشاف والبحث ،وهذا بحد ذاته يجلب لي المتعة . 
*بدات مشوارك الابداعي من خشبة المسرح ،برايك ما تاثير المسرح على المكنون الابداعي  لمروان ياسين ..؟
المسرح كما اراه في تجربتي الشخصية كان  بداية القطيعة مع الماضي وتأسيس لعلاقة جديدة ومدهشة مع العالم كان فيها الكثير من الشجن والانعتاق والتارجح مابين الانا والعالم كانت انتمائي للمسرح نقطة فاصلة مابين انتمائي للواقع الملموس والواقع المتخيل ،مابين العزلة والبوح ،مابين الحقيقة العارية والحلم .  كان المسرح بمثابة توق الى العبور الى نقطة مجهولة لاأعرف اين تكمن والى اين ستؤدي بي . وماأن توغلت خطواتي شيئا فشيئا في عالم الدراما المسرحية وأنا في مقتبل العمر  بدأت بقراءة معظم النصوص الدرامية التي شكلت علامات اساسية في التطور الدرامي ابتدأً من الكتاب الاغريق ومروراً بكتاب الواقعية الاشتراكية السوفييت وصولا الى كتاب العبث واللامعقول  . هذه القراءة المبكرة للمسرح ايقظت في ذاتي مساحة واسعة من اليقظة في  كيفية تلمس واكتشاف الجانب الدرامي في صور الحياة ومظاهرها وكيفية التعبير عنها فانثالت الاسئلة المقلقة والمحيرة منذ اللحظة التي ارتبطت فيها بالمسرح . لذا حققت هذه العلاقة تحولا في الوعي والقدرة على رؤية الذات والعالم اضافة الى ان المحاكاة في المسرح كما يراها ارسطو ليست استنساخا بل خلقاً جديد للعالم المستعاد ، فاأنت  عندما تواصل التمرين المسرحي لعدة شهور معناه انك ستمر كل يوم اثناء التمرين بتحولات واكتشافات جديدة لان الممثل لايحاكي صفات الشخصية التي يمثلها كما يفترض ان تكون في الحياة الطبيعية انما يسعى بكل جهده من اجل محاكاة الفعل وهنا يكون للخيال والتخييل الدور الاساس في هذه العملية الانتاجية للفعل المسرحي ، لاننا خلال التمرين المسرحي نتوصل الى صور متعددة للشخصية وهذا يعني تمرينا عمليا في التفكيروالانصهار بحرية واسعة مع التنامي والتقابل والانشطار عن الذات ضمن منهج يعتمد الانزياح في الوصول القيم الجمالية في التعبير والبناء ولك ذلك يأتي في  اطار ديموقراطي نموذجي بين افراد المجموعة العاملة  لاتجده في اي نظام سياسي .  فليس اجمل من ان تعيش الحرية في التفكير والتعبير والخلق داخل المشغل المسرحي الذي يبقي الذهن والمخيلة في حالة من اليقظة والتوتر والانتاج ، وليس امرا غريبا ان يبقى الفن المسرحي قائما وصامدا حتى هذه اللحظة رغم مرور الاف السنين على ظهوره رغم المتغيرات التي حصلت وتحصل الان على مستوى التقنيات في السينما والتلفزيون وهذا يعود كما قلت الى ان المسرح يقدس الحرية ولايمكن ان يعاد العرض المسرحي في اليوم التالي بنفس ماعرض في اليوم السابق ففي كل يوم وفي كل عرض هنالك تغيير وتجديد ، وهذا مالاتقوى السينما وبقية الفنون على الاتيان به ومجاراته .
*بدات قصائدك في الاونة الاخيرة ترتدي ثوب التوثيق والارخنة  فلكل مناسبة اوذكرى صدى في نزيف الروح لدى مروان ياسين ،برايك ما مدى حضور المناسبة ورد فعلها في انتاج قصيدة..؟
انا لاأستطيع ان اكون بمعزل عن الحياة بمعناها الواسع وهي في حالة من الصيرورة ، والشعر بطبيعته لايتعامل مع ماهو ظاهر وعابر ، الشعر تجربة ونشاط معرفي وروحي يسعى لاعادة اكتشاف الذات والاشياء مرة اخرى للوصول الى الجوهر، الى قيم انسانية وجمالية جديدة ، وهذا يأتي من خلال اعادة الفحص والقراءة للوقائع والثوابت من جديد بعيدا عن هيمنة القيم المطلقة والثابتة التي تحكم الواقع بكل التباساته الاخلاقية وموروثاته ، بلاشك اي نظام سياسي واجتماعي لابد ان يقوم وينهض مستندا على اسس فلسفية يمررها من خلال الممارسات والاساليب والوقائع التي يحدثها في الواقع ، والشعر في واحدة من  مهماته الجمالية يسعى لتفكيك هذه الفلسفة ودحضها عبر رصده للصور والتجارب المعاشة والمتخيلة  في اللحظة الشعرية ، وله في ذلك اليات فنية تنهض من خلال المخيلة الشعرية التي تنتج تداعياتها الصورية . انا اجد ان النص الشعري العربي له خصوصيته التي  تجعله بمكانة خاصة  إذا ماقورن مع النص الشعري الذي يكتب في اوربا او في اميركا ، قد نجد له مشتركات كثيرة مع الشعر الذي يكتب في اسيا وافريقيا واميركا اللاتينية فمابيننا توجد قواسم مشتركة وزعتها علينا انظمة سياسية قمعية بتسميات مختلفة انتجت مجتمعات تتشابه في البؤس والتخلف ، اذن نصنا الشعري  نص ينتمي  الى بيئته التراجيدية رغم التطور الذي طرأ على بنائه الفني الذي  جعله منقطعا الى حد كبير مع كل الموروث الشعري الذي يمتد الى اكثر من الف وخمسمائة عام لكن التجربة الشعرية بقيت تعكس وعي الشاعر واسئلته وموقفه من الحياة بكل مستوياتها من خلال نسق فني خضع الى تغييرات كبيرة وفقا لمفاهيم مختلفة تسعى لاقتناص اللحظة الشعرية كما يسميها فوزي كريم  والنسق الفني الذي اطرح من خلاله قلقي وهواجسي يتوزع مابين قصيدة النثر  والنص المفتوح الذي اجدني انساق اليه اكثر من اي شكل اخر ومن خلاله  استدرج اليه اجناسا تعبيرية مختلفة انحتها داخل تجربتي لتكون ضمن السياق الفني العام، واذا كانت الفلسفة قد انقطعت علاقتها مع الاساطير التي شكلت اسئلتها الاولى فإن النص الشعري المفتوح اعاد اكتشاف هذه العلاقة مع الاسطورة من جديد عندما اسطر الواقع والوقائع التي يعج بها وانا هنا لاأكتب عن مناسبات عابرة كما  يكتب شعراء القصيدة العمودية انما احاول ان اكتشف الكليات التي تختفي وراء تفاصيل الاحداث اليومية التي تمر بي ومن حولي ، بحرية اسلوبية يتداخل فيها الغنائي والدرامي والملحمي .
*مادمنا في فلك القصيدة فهل لقصيدتك بيئة معينة تسعى لان تعيش خلالها اجواء المخاض والولادة ..؟
بما أن مانكتبه من نصوص نثرية معبأة بطاقة الشعر وجنوحه وخيالاته وصوره دون ان نستند الى العروض والقوافي ولم نتعكز على قواعد بلاغية توارثناها لعشرات السنين كالكناية والاستعارة الخ من المفاهيم التقليدية في الشعر الكلاسيكي فهذا معناه اننا نتحرك في بيئة اخرى جمالية جديدة نقطع فيها صلتنا مع الماضي الى الحد الذي ليس بالامكان ان نلتفت الى الوراء او ان نصغي لاصوات تنادي علينا ان نتريث حتى نحملها على اكتافنا. ان الشاعر المعاصر الان يسير في بيئة ليس من السهولة  السير فيها طالما فيها الكثير من المفاجأت التي قد تأتي بها ، فكل نص شعري ماهو الاّ تجربة قائمة بذاتها لاتسعى الى لاعادة انتاج نموذج سابق،  قد نجد بعض المشتركات هنا او هناك لكنها تأتي عرضا وليس قصدا مركزيا في سياق التجربة الذي يميل الى القطيعة مع ماسبق والتأسيس لشيء جديد مغايروالانفتاح الشعري على كل اساليب السرد . وبيئة النص الذي نكتبه ونتحرك في فضائه ليست واضحة المعالم والحدود أويمكن تتبعها من نقطة البدء الى نقطة الختام . فليس هنالك من نقطة بدء ولا نقطة ختام ، ولايمكن التكهن بمسار القول وماسيدرج فيه من صور ودلالات ، وهنالك الكثير من التداخل والتقاطع والانعطافات الحادة التي تصدم المتلقي وهو يقرأ النص بعينيه ويجد نفسه وسط بحر متلاطم من المفردات والصورالمزدحمة المتنافرة والمتداخلة ، مشكلة عالما شعريا مركبا وغامضا حتى في اشاراته التي تبدو مباشرة . وهذه البيئة التي يخلقها الشاعر في نصه تستدعي ان يكون الشاعر في قلب الفلسفة المعاصرة بكل اسئلتها المحيرة لتستحيل بمخيلة الشاعر الى طاقة شعرية .
*البرنامج الذي يحمل عنوان(المشهد الثقافي ) والذي يبث على قناة عشتار يوفر لك رؤية واسعة عن مديات الثقافة العراقية ، فمالذي استنبطته من معطيات ازاء واقعية المشهد الثقافي ؟
على المستوى العام المشهد الثقافي العراقي مرتبط بمايجري من تحولات في الواقع ومايجري فيه يشير في مجمله الى صورة هزيلة من الانغلاق والتردي والانحطاط في جوهر وشكل الخطاب الفكري العام للواقع الذي يبدو واضحا انه قد اصيب بكل امراض وعوامل الهزيمة الفكرية التي كانت قد ابتدأت منذ اكثر من نصف قرن بعد ان تجاهل المجتمع العربي اشارات النهضة التي كانت قد بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر التي تحملها رواد النهضة العربية .وظلت عوامل الهزيمة تواصل تفاعلاته منذ النصف الثاني للقرن العشرين ولايوجد اية إشارة حتى هذه اللحظة  لتجاوز هذا الانحدار في الوعي العام . فصور الانغلاق مازالت  تمتد وتولد وتتكاثر في كل الاتجاهات وتكتسب صفة القداسة والتبجيل لكل مالايستحق التقديس والتبجيل وفي مجمله يكرس الماضي ويدور حوله بشكل يثير الرعب والريبة فيما ستؤول اليه الاوضاع الانسانية . فهل من المعقول ان نصل  الى ماوصلنا اليه من تقديس لبشر وطقوس تلغي وتعدم فرصة التفكير عند الفرد وتضعه في مسار القطيع  في دوامة من التخدير والتأنيب والتعذيب لنفسه عقوبة ًعلى ذنوب واخطاء لم يرتكبها ؟ وبما أن المثقف يخوض عملية جدلية في التواصل مع المحيط ماضيا وحاضرا ومستقبلا لذا امست الثقافة العراقية امام اشكالية كبيرة قائمة على الانقطاع لان مايمتلكه المثقف من رؤية نافذة وواسعة لشمولية الحياة تتقاطع مع ضيق الرؤية والاهداف لدى بقية القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة والمحركة للواقع بل ان الصراع بين الاثنين بات شرسا خصوصا مع الاطراف التي تقف في  الضفة الاخرى المواجهة للمثقف وهي لم تعد تخفي خطابها الذي يستهين ويحتقر الفعل الثقافي بكل اشكاله وتعبيراته . ودليلنا على مانقول مانشهده هذه الايام من صور تثير تساؤلات مخيفة سواء في مصر او تونس او غيرها من البلدان عما آل اليه الربيع العربي الذي انتظرناه طويلاً والمسار المُقلق  الذي وصل اليه بعدما قفزت الحركات السياسية الدينية المتطرفة الى الواجهة لتستلم  دفة القيادة .  
*لديك مشاركات في مهرجانات ومسابقات ثقافية وقد زخرت سيرتك بالعديد من الجوائز والشهادات التكريمية ،ماالذي تمنحه تلك الجوائز للمثقف  وهل هي فرصة لالتقاط الانفاس نحو خطوة اخرى توازي السابقة ام مرحلة للتامل فيما مضى..؟
هنالك جوائزبعينها  تستحق ان يسعى اليها المبدع،بعدما توفرفيها جملة من الشروط تضعها في مكانة عالية يتشرف الشاعر او الاديب ان يكون بين الساعين لنيلها مثلا جائزة نوبل ، فالكل في داخله يتمنى ان تصل اليه رغم كل الاقاويل التي يمكن أن تقال هنا وهناك عنها . والمهم هنا ان لايكون سعي المبدع الاول والاخير هو الحصول على جائزة . انا عن نفسي اعترف على تواضع تجربتي بالقياس الى اخرين لم اكن اتوقع مطلقا ان انال جائزة ادبية لانني كنت اشعر ومازلت بأنني لم اقدم شيئا مميزا ومتفردا يستحق جائزة  في اطار الشعر بالقياس الى اخرين  . ذلك لانني اجد ان الساحة تحتشد بالعديد من الاسماء الكبيرة التي اقف امامها منحنيا بكلل احترام وتقدير ، وكثير منهم  لم ينل جائزة ادبية في مسيرته ، فهل هذا ينتقص من مكانته وتجربته ؟ بلاشك هو يبقى كبيرا وشامخا رغم ابتعاده وابتعاد الجوائز عنه . ومعلوم ان هنالك حسابات كثيرة لاعلاقة لها بقيمة المنتوج الادبي تؤخذ بنظر الاعتبار في عملية التقييم من قبل اللجان المشرفة على التقييم في معظم الجوائز.وقد تكون حسابات سياسية في غالب الاحيان ، يمكن هنا ان نورد  بعضاً من الاسماء الكبيرة التي لم تحظى بجائزة  منهم : الشاعرالعراقي ابن مدينة الموصل رعد فاضل فهذا الصوت الشعري بتقديري وتقديرالعديد من الاسماءالنقدية الكبيرة من اهم الشعراء العراقيين الذين جاءوا مع مطلع سبيعينيات القرن الماضي ومازال مستمرا في الكتابة الشعرية ،ايضا شاكر سيفو وكرم الاعرجي وزهير البردى ومحمد صابر عبيد . اضافة الى ذلك ان الحصول على جائزة لابد أن  يضعك في واجهة المشهد لتكون تحت مرصد الاخرين نقادا وادباءً ينتظرون منك ان تقدم شيئا جديدا دائما تؤكد فيه استحقاقك للجائزة .ايضا يضعك في مواجهة شديدة مع نفسك حتى تتفوق على قدراتك بالطريقة التي لاتكررفيها تجاربك السابقة رغم تفوقها . فالجائزة اذن رغم طعم التفوق والنجاح الذي تمنحك اياه لكنها ترمي بثقل المسؤولية عليك  .
*ابداعك ينتشر في مجالات عدة فما بين الصحافة وحواراتك مع الادباء وتحليلاتك التي ترتدي في احيان كثيرة تناول الشان العام وفي الجانب الاخر يبرز مروان الشاعر والناقد المسرحي فهل هنالك مجال للتواصل ما بين تلك المحطات ؟
انا هكذا ولاأستطيع الاّ ان اكون بهذا الشكل ، ولانني اعيش في قلب المهزلة لذا لم يكن  بأمكاني ان اتفادها ، ولابد من اليقظة والحذر في  مثل هذه المواجهة ، والتعبير عنها باشكال تعبيرية متنوعة وفقا لما يفرضه عليك منطق الصراع الغير متكافىء وماتفرضه عليك طبيعة المعركة  وماتريد ان  تقوله ، ومحدوية وخطورة عقل  الطرف الاخر المتطرف الذي تخاطبه . كل هذا اضعه في اعتباراتي وانأ اتحمل مسؤوليتي كمثقف . . فأنا عندما اوجه خطابي الى طبقة السياسين اولئك الذين يملكون زمام الامور، وبيدهم يمسكون عصا السلطة التي  تحرك الاوضاع وتوجهها وفقا لما تشتهي مصالحهم الضيقة ، الجأ الى المقالة والتحليل السياسي الذي اجده يتناسب تماماً مع سطحية وضحالة المستوى الثقافي الذي يحيط بعقول هولاء الساسة عموما ، ولوتوفرت الفرصة لك وسألتهم  مثلا عن جاك دريدا  أوعلي بدر أو او سعدي يوسف أوغائب طعمة فرمان او سان جون بيرس أو عدنان الصائغ لما عرفوا الاجابة . لذلك من الخطأ وانت في مواجهة مع الاغبياء ان تلجأ الى لغة لايستوعبونها مثل اللغة التي تتواجد  في الشعر او الرواية او القصة عندها ستبدو انت امامهم احمقا ومجنونا مهما كان خطابك راقيا وساميا ومتفردا وحداثويا . لذا عليك ان تخاطبهم بلغتهم وأدواتهم وانت تسعى لايصال ماتريد قوله لهم في الوقت المناسب والمكان المناسب واللغة المناسبة .
*انطلقت من مدينة الموصل والان بحكم عملك فانت قريب من مشهد ثقافي اخر مكتنز بالكثير من الاسماء فما هو الرابط بين عالمي  محطة الخطوة الاولى  ومحطة العمل والترقب ؟
انا  هنا في هذا المكان والزمان البعيد عن الخطوة الاولى اشعر بخليط متناقض من المشاعر لكنني في العموم اشعر بالسعادة والامتنان لانني هنا . فلقد وفر لي الابتعاد عن مدينتي رؤيتها بشكل واضح بكل تفاصليها ، بجمالها الباذخ وعيوبها القاتلة ولولا هذه الفرصة لما استطعت ان اتحرر من عبئها واخطائها ومن ثم لاكتشافها من جديد وكأنني لم اعرفها ولم أعش ابدا فيها  ، كان الرحيل عنها ضروريا بعد ان امسكت بها مخالب الخوف والتخوين والترهيب ولم يعد بأمكانك ان تتمتع بلحظة من الحرية في التفكير والقول سواء كنت تنظر الى الماضي او تفكر في المستقبل ، في هكذا حال من الطبيعي أن تموت كلمة الحرية على شفاهنا قبل ان نتلفظ بها فما معنى ان تبقى سجينا ومعتقلا بمحظ اختيارك طالما  ان الفرصة متاحة امامك للخروج من المعتقل ؟
مامعنى ان تبقى صامتا ولاتقوى على الاشارة باصبعك على موطن الجرح ؟
مامعنى ان يحيط بك الكذب والكذابون اينما كنت رغم صور الهزيمة والخراب التي تحيط بك ولاتقوى على ان تقول شيئا من  الحقيقة ؟ إنَّ أنا الشاعر والفنان هاجسها التمرد ورفض الواقع بشكل دائم لان ذاته تحلم دائما بالغد وهي متواشجة بما فيها من قلق وافكار وتساؤلات مع عالم اخر متخيل .
*اسماء كثيرة كنت على تماس مباشر معها في خطوة الالف ميل ،وبعد هذه المحطات لمن توجه يد العرفان ..؟
انا مدين لاسماء كثيرة كان لها فضل التأثير على ذاتي الانسانية او شخصيتي الفنية سواء بشكل مباشر او غير مباشر . فهنالك اسماء لم التقي بها وكانت سببا ودافعا في بناء شخصيتي مثل العديد من الادباء والشعراء والفلاسفة الذين قرأت لهم، وهناك اسماء كانت قريبة جدا مني ورافقتني في محطات مهمة من حياتي ، مثلاً جدتي لأمي التي تعلمت منها معنى الكفاح والاعتماد على النفس وخالي الذي عدم عام 93 بسبب نشاطه السياسي المعارض والذي كان قد ايقظ في داخلي معنى الدفاع عن المبادىء حتى لو كان الموت هو الثمن . والمخرج شفاء العمري الذي من خلاله  ادركت معنى ان يكون الفنان مفكرا وحيويا في تفكيره وهو يقرأ العالم من خلال العمل الفني الذي يقدمه  .
*تتخذ القصيدة لديك طابعا مباشرا حينما تلتقي فيها ببؤساء وسياسيين فهل توجه دفة القصيدة الى القاريءدون منعطفات ؟
على المستوى الفني وضعتنا تراجيدية الحياة العراقية امام خيارات صعبة وقاسية فرضت علينا ان نقذف بانفسنا في بركة السياسة الاسنة رغماً عنّا لنسبح فيها دون ارادتنا بعد ان وجدنا مياهها القذرة تحيطنا بناوتحاول اغراقنا فلم يكن امامنا من  سبيل سوى أن نواجهها . لذا بعض القصائد التي اكتبها تجدها   تنعطف الى تناول ماهو يومي  ، وهذا يأتي عندما اكون مصاباً احياناً بحالة قاتمة من اليأس والاحباط نتيجة ماأرى من صور استهتار بحياة وكرامة الفرد رغم الحرمان الذي عاشه لعقود طويلة .ونتيجة لهذه الاوضاع  ترتسم في مخيلتي صور مخيفة عن الغد الذي سيمر على الاجيال اللاحقة والتي ستدفع هي الاخرى ثمناً باهظا من اعمارها واحلامها مثلما نحن دفعنا ،عندها لاأستطيع أن امنع نفسي من كتابة نص  تتسلل اليه تفاصيل كثيفة من الحياة اليومية لكنها لن تبقى في اطار صورتها المباشرة الفوتوغرافية التي اتلقاها في الوهلة الاولى انما اعيد انتاجها في مشغلي الشعري ولتأخذ بها مخيلتي الشعرية الى حدودها المطلقة والكونية ، لانني بكتابتي لها اوسس لعلاقة جدلية مابين الانا والذات ، الخاص والعام وبقدر ماأقترب من هذا اليومي فاأنا بنفس الوقت اسعى لافلات منه الى ماهو قرب الى التجريد الى ماهو متخيل رغم انني اريد ان اخاطب بهذه النصوص تحديدا عموم الناس وليس النخبة التي تربطني معها لغة اخرى وخطاب اخر .
 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
                                  

video

الخميس، 15 ديسمبر، 2011

نشرت في صحيفة الزمان العدد 4070 الاربعاء 14/ 12 2011  


 اسألُكم . . وأجيبُ عن اسئلتي  ؟

هذا الوطنُ المُتخم ُبالثروات ِ مَدينٌ لي حتى قيام ِالساعة ْ
مع أني لاأملِك ُ شيئاً ُيذكر فيه.
سوى ازمنة ٍلغناء الروحْ  
وقلبٍ  تسكُنُهُ امرأةٌ تمنحُني صباحات ٍحلوة ْ
أُغْمِضُ جفنيّ على صورتِها كل مساءْ
في بلد ٍيهربُ من قسوته ِالشعراءْ  .
دون منافس
يتربّعُ على عرشِ القمعِ
بين جميع ِالبلدانْ . . . .
اه ٍكم كان بخيلاً  بالحُب ِّ
مذ كنتُ صغيراً،
أتهجّى
وأُخطِىءُ
في نُطق ِحُروف ِاللُغة ِ
حتى عَبرتُ العقد َالخامس َمن عُمري
 وأمسى لونُ الشعرِ الفاحِم ُ أبيضْ. . . .

أشعرُ أنّي مازِلتُ فتيّاً ً
أغفو  فوق ضفافِ البحرِ
أستمتعُ بالشعرِ
أركضُ خَلفَ  فراشات ِالحُلم ِ
رُغم َ تجاعِيد ِالوجهِ
والضَّعفَ الواضِح َفي البَصَرِ،
كُلُّ حياتي يقظاً كنتُ
لم تأسِرْني همومُ الدنيا . . . . .
ليس مهماً ياوطني
أن اتغاضى عن بعض ِديوني
فنحن سوياً كنّا
في كل فصول َالعمرِ ،
تركُلنا
ازمنةٌعاصفةٌ بالقلق ِ
وشعورٌ دائمْ  بالغمِّ ،
فالعِشرةُ لاينكُرُها الاّ من كانَ بلا شرف ٍ .  . . . .

يُمكنُني مثلاً  أن اتغاضى :
 عن صفعة ِشرطي لي  
عن تجربةٍ فاشلة ٍفي الحُبِّ
عن حر ِّالصيف ِ
عن حرب ٍمُهلكة ٍ ماانفكّت
حتى أخذت  رُغماً عني
ثمانية َاعوام ٍ من عُمري  . . . . . . .
هذا الشعبُ عجيبْ ،
رُغْم جراحاتِهْ
ورغم حضاراتِهْ
ورُغْم الخيرِ الطافح ِمن  تُربته ِ
ورُغْم تَفرُّده ِوتمرُّده ِوتقشُّفه ِوتنعُّمه ِوتقدُّمه ِوتأخُّره ِوتحطُّمه ِوتسوُّلهِ وتعفُّفهِ  وتجزُّئه ِ,وتهوُّره ِوتجبُّره ِوتحسُّره ِوتماسُكه ِ وتقهقُرهِ وتكبُّره ِوتثلُّمه ِ.
لم يفهم  ابداً ْمعنى الحُريّة َ.
معنى أن يُصْبِح َ لعبةَ َشطرنج ٍ بين الدول ِالكُبرى والدول ِالصُغرى والدول ِالطارئةِ والطامحة ِوالجائعة ِوالحاقدة ِوالخاسرةِ والناكرةِ والحاسدة ِوالناشئة ِوالزائلة ِوالناقصة  ِوالمعتوهة ِ والمرهونةِ ِوالمجنونةِ . . . .
لم يَفهم معنى :
أن يَسقُط َفي فَخ الساسةِ وبعض ِرجال ِالدين .
أن يَعْبُد َ رئيسَ ُالدولةِ أو الحزب ِحَدّ التقديس
ويُصَدِّق بكلِّ  بساطة إِعْلامَاً تنتجْهُ ماكنة ُالسلطة ْ
 بِدأً مِنْ أحوال ِالطقس ِ
وحتى اخبار ِالبحث ِبشكل لايَقبلُ ايَّ جدال ٍ
عن سبل ٍوقواسمَ  مُشتَرَكة ْ، قد تجمع  ابناء الوطن الواحد ،
من كل الفرقاءْ
لم يَفهَم ْمعنى أن يُسْرَقَ صوتَُهْ
 من زعماء ِالكُتل ِالكُبرى  
لم يَفهَم اخطاء َالماضي
فوضى الحاضر
لم يَفهَم ماذا عَليه أن ْيَفهَم :
 أحلامَهْ
أعداءَهْ
إخوانََه ْ.
لم يفهم حتى ذاتَه ْ. . . . .
لم يَفهَم رُخْصَ بيانات  ِالشّجبِ وخطابات ِالتهديد ِ المبتذلة ْ
رُغْم َعُهود العُهر ِ
عفواً ،
رغم عُهود القَهر ِ
ورُغْمَ شعارات ٍ واناشيدَ ٍوكتابات ٍكاذبة ٍ
تتغنى  بالثورة ِوالوحدة ِوالتحرير ْ
لم يشبع منها ِ ابداً ، تندلقُ
من تحت بَساطيل ِالعسكرْ
فوق رؤوس ِالناس ِالبسطاءْ . . . .
لم يَفهَم أبداً
ماذا عليه أن يَفهَم . . . .
هو شعب ٌفطريٌ ،قروي ٌ،بدوي ٌ، طيّبٌ جداً.
حضريٌ ،  متخلفٌ ، متعصّبٌ جداً.  
يَنسى الحِكْمَة َوالدَّرسَ سريعاً
في اقسى لحظات الشدة . . . .
لكن . .
هل يُعقلُ ان ينسى احداثا ًمرّت في الموصل ِايّام الشّواف ْ؟
هل ينسى الانفالْ؟
سجنَ ابي غريب ْ؟
اعتقالَ الناس ِ بشكل ٍعشوائيْ  ؟
أم ينسى سيفو وسميل وصوريا وقضاءَ حلبجة ْ؟
أم ينسى اعواماً ضاعت منه
بين دروب ِالغربة ِ والتهجير ْ؟
أمْ
أمْ
أمْ
أمْ .  .  .  . .

يُمكنُ  أن أتغاضى بكل بساطة ْ: عن حِرماني َمِن َالتعيينْ، فأرغمَني هذا  أن أعمَل  في تسعينيات ِالقَرن الماضي ،بمِهن شتى  لكسَبِ الرِّزقْ ، فكانت بالنسبة ِلي وللناس ِجميعاً ايضا هي الاقسى في سِفر ِالايام ْ، بأستثناء ِالتجار ِوأزلام  َالسلطة  ِوالقادة َفي الجيشِ ِوضباط َالامن  ِومن يحمل ُاوسمةَ َ الحزب ِعلى صدره ْأوكان صديقا للقائد ،أو من يكتُب َتقريراً سرياً عن أيِّ كلام ٍعابر ْ قد لايَعني شيئاً إطلاقا في مَجرى أحاديثِ الخَلْقِ سواءٌ في المقهى أو في الشارع أوحتى في البيت ، يُمكنُ أن يتَعلّق بِغلاء الاسعار، أوبالطقس .اوبنكات ٍتتعلقُ بالمطرب سعدي الحلي . . .
ومع هذا،
يُمكنني ُانْ اتجاهلَ مثلاً :
 - أني لاأملِكُ شِبراً واحدْ في بلدي
 - خوفي َالدائمَ  مِن ْ يوم ٍ قادمْ
 - أنْ تأكُل عائلتي من عَلف الحيوان ِرغيف َالخبز ِثلاثة عشر عاما  
   تحت حصار ٍدُوليّ ظالمْ.
- أو اعمالاً مخجلة يفعلُها الساسةُ ُِبعد التاسع ِمن نِيسان من العام ِالثالث ِ
   بعد الالفين  . . . .
يمكنُ أن اتجاهل هذا ،  بكل بساطة . .
 يُمكنُني هذا ،
لكنّي . .  وأنا اقبع في  وطني
يقتُلُني،
احساسٌ بالغربةِ
 قاسٍ
 مافارقني ...
اسألكم
هل يمكنُني أن اتغاضى عنه .
هل يمكنُني ؟

مروان ياسين الدليمي    
20/11/2011

هل ستختفي الموصل القديمة https://al-aalem.com/article/46615-%D9%87%D9%84-%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AA%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D...