الأحد، 22 يناير 2012

اصدقائي العاملين في المسرح العراقي ادعوكم لقراءة مقالي الاخير في جريدة التآخي يوم الخميس 19/1/2012

حرية المخرج المسرحي.. نحو زمن جديد يتسع لكل ماهو مستور ومستقر

مروان ياسين الدليمي/ اربيل

الخميس 19-01-2012

بعد كل التجارب المسرحية التي تجلى فيها الدور الجديد للمخرج المعاصر بكل تحدياته وتحديثاته القيمية في اعادة صياغة مفهوم الاخراج المسرحي ومايتفرع عن ذلك من تأطير جديد للعلاقة مع النص الادبي والتي ابتدأت مع مطلع القرن العشرين عبر اعمال عدد من الاسماء العاملة في المسرح الاوربي منهم على سبيل المثال راينهارت وبيساكتور واعقب ذلك اسماء اخرى توالت في نسف كل ماكان تلبّس التجربة المسرحية من ثياب ثقيلة كان قد اسقطها عليها كتاب النصوص المسرحية لم يعد المخرج المسرحي المعاصر ينطلق عبر الابواب والنوافذ التي يفتحها النص الادبي ، بل لم يعد المخرج يحتمل التعامل مع نفسه بصورة مشوهة،انما اخذ يتطلع من خلال دوره الخلاق لاخضاع النص الى مستلزمات الفضاء المسرحي وتقنيته المتحركة، وهو بذلك يضحي بسلطة النص ويغادر بهاالى مؤَلف جديد ،لان النصوص الادبية ما هي الا مشاريع عروض مسرحية تستدعي من المخرج ان يصحبها الى محترفه الذاتي ليسلط عليها مشرطه وفقا لمنطق :1-التصور 2-الافتراض ..حتى تستوفي اشتراطات الفضاء المسرحي وتستجيب الى فعل التمسرح مغادرة بذلك قوقعة اللغة الادبية .
ان مايخطط له المخرج في افتراضاته وتصوراته ماهي الا ّ:قراءة توليدية للنص ينتج عنها قراءة اخرى ، تجيءبعد انتهاء العرض من قبل مجموع المتلقين الذين بدورهم يتلقون العرض وهم يحملون مشارطهم بحثا عن اسئلة واجوبة جديدة بقيت خفية وبعيدة عن الظهور امام المؤلف والمخرج على حد سواء .. بمثل هذا المنطق سيتم تشييد زمن جديد يتسع لكل ماهو مستور ومستقر في انساق العرض السمعية والمرئية. والمخرج في هذا المنظور ليس بحاجة الى جمهور واسع طالما كانت فلسفته تنظر الى التجربة المسرحية على انها: مغامرة شاقة لتفكيك اللغة المتوارثة واقتحام عصيانها وهدمها ليشكل عرفا اخر ولغة اخرى. وهذا الفهم يتم الوصول اليه عبر تكثيف الجهد والبحث والتامل بشكل متواصل من اجل استنتاج تجارب فنية تنسف آلية العلاقة القائمة مابين الجمهور والتجربة المسرحية .
الخروج من الدائرة المغلقة . . ان غايتنا الحرية، حرية الشكل ،حرية التلقي ، حرية القراءة. فلم يعد مجديا الركون الى ارتباطات فنية مسبقة لقيام التجربة المسرحية ، لان المسرح باعتباره فعل معرفة ، وتقنية تعبير عن الانسان وهواجسه يمتلك الافق الواسع لاستيعاب المغامرة والتجريب بحثا عن حلول جديدة لاطلاق الاسئلة المتحركة في ذات الانسان. والمخرج في تعامله مع النص الادبي يعيد اكتشافه من جديد متحركا في مواطن مغلقة لم تُستنطق من قبل المؤلف متجاوزا بذلك مايتحرك على السطح من مكاشفات مصحوبا بعدته المسرحية (التقنية والمهارية) للخروج من النمذجة في التعاطي مع النص والتي لاينتج عنها الاحلقة مفرغة من التكرار والنمطية في بناء العرض .فالمخرج ينظر الى النص المسرحي على انه دائرة مغلقة من المعاني والدلالات المكتفية براهنيتها بل وجد فيه اشبه مايكون بخطين متوازيين لايمكن لهما ان يلتقيا، وهذان الخطان هما: 1- ( النص والمخرج) قبل العرض 2- ( والمخرج مع المتلقي) بعد العرض.. لان هذا الصراع الثر قائم ولاينتهي مابين اضلاع هذا المثلث.
من هنا تتسع وتتعدد زوايا الرؤيا الى الموضوعات والافكار مابين المؤلف والمخرج والمتلقي في انتاج التجربة المسرحية.. وعليه فان كل الصياغات الاجرائية في الحذف والتعديل والاضافة واعادة التركيب من جديد من قبل المخرج ماهي الا محايثة للنصوص بمعان جديدة للوصول بالعمل المسرحي الى ان يكون حركيا في آلية تعاملة مع النص ومشتبكا معه لامستسلما ولاينفكُّ هذا الاشتباك حتى بعد انتهاء العرض، بل تستدعي هذه العلاقة الجديدة كل عوامل التحريض على طرح الاسئلة والسير في طريق التامل والتاؤيل، ولعل المؤلفين سيجدون انفسهم غرباء داخل صالة العرض وهم يشاهدون نصوصهم وقد خرجت من ملكيتهم ومملكتهم وحلقت في زمن اخر ، زمن شكلته الحرية المشاعة لكل اطراف اللعبة المسرحية. ولم يعد النص مُنغلقا على الزمن الذي أراده له المؤلف. بل تعداه الى زمن مفتوح بالدلالات التي شكلها ويشكلها المخرج والمتلقي بهذه الامكنة البكر التي دشنها المخرج المعاصر مع النص والتي لم تكن سوى عودة للروح الى الجسد الميت.
من هنا: ضاقت الارض تحت اقدام المؤلف التقليدي وانزوى خارج اللعبة المسرحية ومسارها الجديد وانطوت صفحته وليقفز عوضا عنه الى الخشبة: المخرج المؤلف.. الذي يشتغل مفكرا بلغة المعالجه الاخراجيه للمعنى الذي ينوي ترويجه على خشبة العرض ،فهو لا يستطيع الخروج من ثنائية : (التركيب + المعنى) ،عندما يخطط _للنص/العرض_ لان في ذلك يتجلى الدالين (النص+ العرض) في سياق واحد متراكب داخل انساق العرض السمعية والبصرية التي تملكها علاقة تجانس وتوافق في تشكيل الصوره /المشهد.
الاجهاز على المؤلف . . ان هذا الحضور الفاعل لا ياتي الا من فهم مسوغات العمل المسرحي وعلاقته المتشابكة اثناء التمرين والتحضير للعرض. يقول كاندس دالنغ (ان النصوص تقول دائما لا اكثر و لااقل من مقاصد مؤلفيها او انها تقول ببساطة شيئا اخر )......... على ذلك عندما يرتبط المخرج مع نص ما فانه سيحاول ان يكمل النقصان الحاصل في النص ويستدعي ما هو غائب للحضور على خشبة المسرح عبر اقنية مختلفه عن لغة المؤلف وفقا لمشيئة الاجراءات الافتراضية داخل (مشغل التمارين ) الذي يفي حاجاته من خلال رحلة غامضة تسعى الى الاستعانة بعلاقة راسخة مع آلية الاستعارة في كتابة النص من جديد ليحرره من راهنيته ويعدو به الى احتمالات جديدة ومن ثم ليصبح ملحقا بقانون (الضرورة).
ان اجراءات هذه العلاقة الجديدة مع النصوص: اوقفت رحلة الكتابة الادبية للمسرح وفق المنهج الارسطي ولم يعد هذا الرهط من الكتّاب قادرا على المصالحة مع استقلالية المخرج وتمرده على سلطة النص ومقترحاته بعدما اصبح النص خاضعا لاعادة توليده من جديد بعيدا عن مكتفيات المؤلف بل تم الاجهاز عليه وفق مقتضيات اللعبة المسرحية وفضائها الفسيح بانساقها السمعيه والبصريه ليستجيب لتقنية الفعل المسرحي المتحرك وفق الضروره الدرامية وبذلك سيتجه النص عبر العرض المسرحي نحو جهة اخرى لايرتضيها المؤلف التقليدي وسيصاب بالخيبة والخذلان.
سلطة الخشبة . . ان المخرج حينما يتصدى لاي نص يسعى الى تحريره من عبودية المحددات التي فرضها المؤلف عبر لغته ليقوده الى فضاءات الخشبة المفتوحة والمنتصرة لبلاغات: (الافتراض ،والتصور الاستعاري للفعل الدرامي).. هنا يضع المخرج نفسه امام اختيار حر وشائك في البحث عن الخفايا المستبعدة عمداً وسهواً من النص. ولم يعد المخرج في موقع المستهلِك المخدوع من قبل المؤلف بل يضع نفسه وتجربته في زمن ابداعي جديد يعيد فيه امتلاك وتغيير بنية النص.
الى هنا وصل المخرج الى ايقاف مفعول النص الادبي باعتباره (بؤرة مركزية للعرض ) وتسلّم عصا السلطة الانتاجية لسينوغرافيا العرض بانساقها السمعية والبصرية. ليكتفي بها المخرج في استبعاد سطوة الاملاءات الاستعلائية الادبية وليحرر الفضاء المسرحي من غشاوة الجملة الادبية وغرورها ولتنعتق الطرق امام المخرج ،محققاً بذلك : الممارسة الاخراجية بلا وصاية مسبقة. ومؤسساً (نصا) مسرحيا تم تشكيله في فضاء (الخشبة / المكان) وليس على الورق.
لاشك ان ذلك اعطى للتجربة المسرحية خصوصية اجناسية لها صلة بامكاناتها الجمالية واخرجها من معتقل الادب الى فضاء (التمسرح) ولم يعد هناك قسرية كتابية مسجلة على الورق تفرض نفسها على المخرج بل خرج صانع العرض المسرحي من عزلته بندية ٍواضحةٍ ليفرض هويته الابداعية وليدجِّن المؤلف الادبي فيها..
بذلك عبر المخرج بالعرض المسرحي الى رهانات ِاللغة المسرحية التي خلخلت ارستقراطية النص الادبي وامتلك العرض براءته من خطايا الغرباء الذين اقتحموا بكارته.
في هذا الاطار التغييري كُشِفَ النقاب عن صيرورة بناء (النص/ العرض) بحركة اختزالية رمت بالكثير من الاستعراضات الاستطرادية اللغوية ليحل محلها بدائل ُمقاومِة. استعاريةٍ مجازيةٍ تشفيريةٍ عبَّاتها الصورة المسرحية بما تمتلكه من قدرة على تسريب الفعل المسرحي، ولم يعد المخرج مترجما ومكتشفا لافكار المؤلف بل خالقا وممارسا لحريته في التعبير عن افكاره هو ومحطما بذلك العلاقة غير الطبيعية والمخادعة مابين النص والعرض.
كتابة جديدة . . وهنا ينفتح السؤال: مالذي يسعى اليه المخرج من وراء ذلك بعد ان ترك وراءه كل ذلك الارث الواضح الذي انتجته مؤسسة معرفيه قائمة منذ الالاف السنين ؟
ان مايسعى اليه المخرج هو: البحث عن انتاج خطاب جديد يبلور نمطا تكنيكيا يتم استدعائه عبر الممارسة التجريبية ،وهي تتجلى من العلامات التي تاكسدت في متونِ ذلك الارث، كما ان هذا الخوض التجريبي يحمل في توغله بين ثنايا التجربة المسرحية مقصدا فنيا لابتكار اشكال ٍوستراتيجيات جديدةٍ ومتحركةٍ لتهشيم مفردات الذائقةٍ الجماليةٍ المتداولةٍ. والخروج من الوقائع الجاهزةٍ لايجاد بنيةٍ اختزاليةٍ ترتفع بالقيم والعلاقات التعبيريةِ الى خارج تشكيلات المؤسسةِ المعرفيةِ (التاريخيةِ) ومن ثم ليولَدَ الاختلاف في التلقي وتعدد القراءات للعرض المسرحي بعيدا عن الثوابت والاطر المرجعية التقليدية المتوارثة، لنصل الى قطيعة معرفية وجمالية مع ماهو مسبّق من الافكار والنظم وصولا الى كتابةٍ جديدة لكل عرض وتجربة مسرحية.
من كل ذلك يسعى المخرج المعاصر الى التوغل الدائم في بناء خصوصية التجربة المسرحية ورسم تفردها وعصيانها عن كل ما يجاورها من الفنون الاخرى، كذلك تنويع خصوصية كل تجربة مسرحية وانغلاقها على نفسها. هنا يتحول العرض الى الدخول في تجربة متفردة بكل حقولها السرية بحثا عما هو مخبوء تحت الافخاخ التي نزرعها في زمن العرض المحتفل بعنصر التناقض القائم ما بين كل المفردات والاشارات المرفرفة في ذاكرة العرض .
القبض على جمر الاسئله . . ان مانقيمه هنا على خراب السياق الطبيعي والمتوارث للعلاقات ماهي الا: رحلة انتشاء ـــ لكن بارتياب ــــ ضد الرماد وضد التآلف المقدس وارتماء تام في محنة ، والخروج منها ، بزمان ومكان جديدين ، بفعل الانتهاك الدائم لرايات ميراثنا المتهرىء ،ذلك لان حقيقة علاقتنا الدائمة مع المسرح هي: حالة استياء دائم لما انجزناه من قيود.
عليه فان خصوصية هذه العلاقه تقتضي: صراعا دائما مع انفسنا الى مملكة الرفض لنقبض على جمر الاسئلة باحتفال مجنون .
ان غايتنا: المجابهة مع النفس، مع الذات ، مع الوجود.. فما الذي يمكن ان نقدمه اذا لم نتخلى عن مافي جعبتنا من مهارات مكدسة بين ايدينا مستندين الى فعل الصدام والمجابهة المعرفية القائمة على الاسئلة .
حرية اللعب . . المسرح لعبة ترتبط بتقنيات جمالية تكشف في استقصاأتها عن حواريات تفكك كثافة الزمن وتعيد سرده بصيغ وبناءات تتوزع على خارطة مسكونة بالتعري تتأرجح مابين ( النزول و الصعود) الى منظومة معرفية جمالية تتقصد ابتكار الفوضى المزحزحة لفساد المعايير . وهو يحتوي على صرامة نظامية متحرِرَة بافتراضات مرئية ولا مرئية.
ان اصولية المدرسة الارسطية اقتصرت اسئلتها على منظومة السرد القصصي للدراما ، المسوّر باللغة المصنّعة ، وبقي التجريب فاتحاً ذراعيه امام النصوص الادبية المسرحية فقط وكانت تلك الرؤية قد انجزت مغريات ادبية مسرحية كثيرة الا انها لم ُتخضِع العرض المسرحي الى فضاء الحرية واحراز تقاليد التهديد والازاحة والتفجير في نطاق الممارسة الانجازية للرؤية الفنية - الجمالية - التي تواجه النص المكتوب على الورق ،وبقي العرض المسرحي حتى اوائل القرن العشرين يتعثر باذيال النص الادبي المكتوب للمسرح .
الا ان التوازن في هذا السياق اختل بفعل حركة مضادة كانت خلاَصَاً للعرض المسرحي من قيود المؤلف ونزعته المتفاقمة في الاستيلاء على كل شيء وقد حدث ذلك مع بداية القرن العشرين من خلال راينهارت ، وما يرخولد .. فشدد هؤلاء على ترجيح دور المخرج في نحت العرض المسرحي ، بلغته السينوغرافية.
وهكذا تشكّل موقفاً جمالياً جديداً في فهم (الحرية) الابداعية للمخرج المسرحي ، فكان (انتونان ارتو) بكل احلامه اللاعملية واحداً من اولئك الذين قادوا حركية التحديث في قوانين ولغة العرض المسرحي ساحقاً كل الحدود الستاتيك التي تحجم الدلالات في العرض المسرحي في تشكلات مدلولية مقهورة وقاذفاً بها في معان تثير اسئلة لا تعرف طريقاً للاجابة.
ثم جاء بريخت وبروك وغروتوفسكي ليكشفوا عن ممارسات تمرّدية عن كل ما هو ينظوي تحت سلطة التقاليد ، وكانت رعشة الحرية ، هي التي تقودهم الى طرح الاسئلة على الذات ومحاكمة مقولات التراث الفني الجمالية واشعال الفتيل في كل الوقائع والاجابات الصياغية التي يقوم عليها العرض المسرحي الخارج من احشاء النص الادبي.
ان ما حدث وما يحدث في حركية الرسم التحديثي لمسار وبنية العرض المسرحي : ما هو الا فعل "صيرورة" ترتب عنها - وما زال - نتائج في جوهرية المنظومة النسقية للعملية الفنية البنائية للعرض المسرحي وبالتالي تحوّلت مقولات الذائقة النقدية لدى المتلقي بل صار المتلقي اقرب الى فعل المحاورة المتبادلة مع المشروع الفني الذي انتجه المبدع ليكون بذلك منتجاً للافكار وليس مستهلكاً لها وهنا تكمن نقطة التحول في فاعلية التجربة الابداعية المسرحية وكذلك فاعلية التلقي التي كانت قد ُغلّفت بالخمول والثقة المخادعة المتبادلة ما بين المنجز الفني والمتلقي.
ان ما يشتغل عليه المخرج الحديث هو : ازاحة سلطة النص الادبي وتقديم سلطة العرض المسرحي بانساقه الصورية والسمعية وهو بذلك يمنح الحرية الكاملة للعرض لكي يحلق في فضاء الخشبة بعد ان كان كتاب المسرح قد تعمدوا ان يعتقلوا المسرح داخل حدود اللغة وتراكيبها البلاغية الا ان ما حصل من تحولات ثورية جمالية مع بداية القرن العشرين اعطى للمسرح فضاءات جديدة للعمل فيها ،وبدأ يشكل تهديداً متسارعاً لكل التاريخ المسرحي المُزيِّفَ للمسرح وفتحت الابواب واسعة امامه ليؤكد اختلافه عن باقي الفنون ، وحضوره بدأ يتاكد من خلال : القضاء التام على كل الصلات المُزَيَّفَة مع الفنون الاخرى وازاحتها عن كاهله واعادة قراءة العلاقات الايقونية مع كل مفردات العرض المسرحي اضـاءة ، ديكور ،موسيقى ،جسد الممثل ،صوته ومن ثم تكوين علاقات جديدة مع هذه المفردات تتحرك في حدود وفضاء الاختلاف عن وظيفتها المتوارثة اضافة الى تقويضها أي عزل (المدلول عن الدال) عبر سلطة التاويل . لقد اثمرت جهود رجال المسرح (مخرجون ، ممثلون ،مصمموا ديكور ،ومصمموا اضاءة ) في اختراق متاريس وتحصينات الكُتّاب الذين وقفوا ضد حرية المسرح فاخترقوا حضورهم "اللغوي" باستحضار كل ما تم تغييبه ما بين السطور.
ان هذه القراءة الجديدة للعرض المسرحي بددت الظلمات التي غرق فيها المسرح فكانت جهود كل من مايرهولد ارتو،غروتوفسكي، بتربروك . تفكيراً وعملاً مُغايراً ، وتفجيراً لاسرار العرض المسرحي المتراكمة ذلك لأنهم عملوا على تحقيق - واستجواب كل التراث المسرحي الادبي وحاكموه لانه كان قد دخل ارضاً ليست أرضه . وانتهك فضاءاً ليس فضاءه.
فأثمرت جهودهم في جعل العرض المسرحي عصيّاً على الامتلاك ، ومبتعداً عن السهولة التي ادمنَ عليها المتلقي لمئات السنين فاصبح المسرح بجهودهم لايبوح باسراره للاغبياء والكسالى .
بل انطلق العرض الى تحقيق التجاوز ضد ماهو منطقي ومعقول وحلق في سماوات اللامعقول وصولاً لتاكيد ما هو منطقي ومعقول ومن هنا تحرك العرض المسرحي من السكون الى الحركة المستمرة واحدث اضطراباً وقلقاً لذيذاً في عقل المتفرج اليقظ . وعلى الرغم من ان فناني القرن العشرين قد ازاحو كل الممارسات القمعية اللامسرحية /الادبية عن طريقهم وبدأوا اقرب الى الارهاصات والافتراضات الجمالية للمسرح، الاّ ان مسرحنا تأخرنا كثيراً في مسرحنا من الوصول الى اللحظة التي نمارس فيها وعينا في الخلاص من الوقائع اللامسرحية المشوشة التي تجلبها لنا اللغة الأدبية الفخمة، وهكذا بقينا مُعلقين في داخل التاريخ واختصرنا الامكنة في مكان ضيق ، وبذلك اصبح كل شيء متشابهاً واصبحنا نعيد تكرار ما أنتجه الذين سبقونا وبقينا ندور في حلقة مفرغة من الوهم ، وكنا نعتقد بان هذا الفعل :هو الحضور بعينه ، لكنه لم يكن الا غياباً ، وعلى هذا تأخرت الثورة المسرحية في العراق - اذا صح القول - حتى ثمانينات القرن الماضي عندما اخترق هذه الغشاوة الفنية المخرج صلاح القصب الذي بدأ معركته منذ منتصف سبعينات القرن الماضي وهكذا تمكن هذا الفنان ان يحقق الخلاص الفني للمسرح العراقي وبدأت من خلال تجاربه : ملامح "ذات مسرحية مضادة " تتكون ، وتشكلت حلقة صراع جمالي على خشبة المسرح العراقي وبدأنا نشهد اصواتا عديدة تعلن عن نفسها تمكنت من الخروج من عالم محدود الى عالم واسع الافاق وبدأت تمارس عملية التفكيك المنهجي لعربة المسرح العراقي المتهرئة وتعلن اختلافها عما سبق قوله وانجازه وسعت للتحرر من كل سلطة او مرجعية سابقة. اننا هنا لا نخرج عن الصواب اذا قلنا ان فترة الثمانينات من القرن الماضي كانت علامة تحول في الفعالية الاخراجية اثمرت تحولاً نوعياً في المناهج الاخراجية وشكلت حساسية جمالية جديدة ذات طابع نقدي وتحليلي ، وهي محطة ستراتيجية مهمة جداً في مسيرة العطاء المسرحي العراقي .
ولن نتطرف في الاستنتاج فيما لو قلنا : لم يكن هنالك من اسم في المسرح العراقي قبل صلاح القصب كان قد حاول ان يستثير المخيلة الاخراجية ليخرُج عن السكون الجمالي الحاصل في المشهد الاخراجي العراقي ، وفي هذا الاطار لايمكننا ان نتغافل عن ذكر المخرج ابراهيم جلال ومحاولاته الفنية لاستثمار تقنيات المسرح الملحمي لتوصيل افكاره الماركسية وضخها الى المتلقي.
لكننا نؤكد هنا مانذهب اليه من أن نزعة (التشكيل والتشكيك) لم تظهر بشكل واضح وعلني على سطح الخشبة العراقية حتى مجيء صلاح القصب ، مع ان العالم المسرحي خارج العراق خاصة في اوربا واميركا كان يتحرك وفق تكوينات عمودية جديدة تصيب المتابع بالذهول ،إذ كانت تتشكل هناك في اوربا تحديداً "ذاكرة جديدة للمسرح " يغلب عليها النزعة التحويلية لهيكلية مفردات الوعي الجمالي المسرحي ،وبدأت القدرات والخبرات الجمالية تنمو باتجاهات مؤرقة لاساطير المسرح ، فكان غروتوفسكي البولدني وهو يقيم (مملكته الفقيرة) وينحو الى اعادة صياغة الطقوس المسرحية لنجدة المتلقي من اشباح الحضارة المعاصرة التكنولوجية التي اصابت المسرح بالعطب ،وبيتر بروك الذي اقام (مكانه الخالي) ليعكس فيه رموزه واساطيره واشاراته وهو يخاطب الروح الانسانية على ايقاعاتها البدائية سواء في ايران او في غابات افريقيا او فوق جبال الالب وما زال السطح الخشبي للمسرح يتسع للكثير من البصمات التي كشفت العتمة في الزمن المسرحي العتيق .
رياح التغيير تطرق ابواب المسرح في الموصل . انعكست التحولات الجمالية التي شهدها المسرح العراقي في بغداد مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي والتي جاءت بتأثير من صلاح القصب بشكل ما على الحركة المسرحية في مدينة الموصل . وانكشفت تلك التحولات بعد افتتاح معهد الفنون الجميلة في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي مبتدئة بجهود الفنانين العرب وفي مقدمتهم المخرج التونسي المنجي بن ابراهيم ومتواصلة مع الجهد الذي كان قد ابتدأه الفنان شفاء العمري مع مطلع سبعينيات القرن الماضي في تشييد منظومة مفاهيم متحركة ومفتوحة لبناء العرض المسرحي .
لقد كان لجهود المنجي بن ابراهيم الاثر الكبير في اضفاء الديناميكية في الانشاء العلاماتي للصورة المسرحية وتحميل اللغة والنص المعمول به دلالات اخراجية تحلق في فضاء التأويل ، وهذا ما عبرت عنه جهوده في مسرحية (البدلة) و(الفدية) ثم جاء الفنان عصام سميح ليشكل مع المنجي ثنائياً رائعاً في تجديد لغة الخطاب المسرحي الموصلي وصياغته وفق اشكالية فنية مشفرة وهذا ما تحقق مع مجموعة الطلبة الذين تخرجوا من تحت ايديهم والذين سيشكلون مع نهاية القرن العشرين الوجه الجديد للمسرح العراقي في المدينة.
قداسة المفاهيم الارسطية لدى رواد المسرح في الموصل . . . قبل ان نتوغل في صور الفهم الجديد لدور المخرج في المسرح الموصلي ينبغي ان نعود الى الوراء الى خمسينيات القرن الماضي ونتوقف قليلا مع تجارب الرواد الاوائل وهم يؤسسون للخطوات الاولى في بناء النشاط المسرحي . لقد كان اسلافنا رواد المسرح الموصلي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ابعد مايكونون عما كان يجري من تحولات في المفاهيم الفلسفية لمجمل التجربة المسرحية والعناصر التي تنسج شكلها ومحتواها ؟ اين كانوا من هذا التوهج الفكري والجمالي وهذا الاشتعال الجليل الذي كان قد فرض حضوره في اعادة صياغة البنية الجمالية للتجربة المسرحية ؟ كيف فكر وا ؟ وكيف كان فهمهم لشكل الدور الذي يلعبه المخرج في العملية المسرحية (عزالدين ذنون النون ، عبدالله زكـي ، عبد القادر الحلو ، ومن ثم الجيل الذي رافقهم وتتلمذ على ايديهم واكمل بعدهم ، ابرزهم محمد نوري طبو ، علي احسان الجراح ، راكان العلاف ، حكمت الكَلو ، عصام عبد الرحمن .) ؟ لقد قبع كل هؤلاء في مكان واحد ولم يتزحزحوا عنه وهم في حالة من الاستقرار الفني ، يعيدون دائماً تشكيل ما يشيدونه من هياكل عظمية ، وظلت الصورة غارقة في ركود التقاطيع الارسطية عبر جميع اعمالهم الاخراجية والنصوص الجاهزة التي استجابوا لها وقدسوها ، وغابت عن ارواحهم لذة الاكتشاف وكشط السطوح وتأمل الذاكرة باضاءات جديدة تزيح عنها كل التراكمات الفنية والرؤيوية وبقي انجازهم في حدود الاستقرار والتشكيل الخطابي العقائدي الذي يستجيب لسطوح اللوحة المجتمعية (سياسياً واجتماعياً) ولا يخرج عنها ، فكان بذلك اسيراً للنظام الشمولي الذي يحكم الحياة بـعقيدة العبودية السياسية طيلة فترة النصف الثاني من القرن الماضي . وحتى الذيـن كانوا ضمن تكوينات المعارضة السياسية والمجتمعية اليسارية وذاقوا جراء ذلك مرارة السجون والمطاردة (كالمخرج يسن طه) بقوا مجردين من حالة الارتماء في لهيب القلق الفني والبحث والترقب واكتفت اعمالهم ان تكون صدى عقائدياً لانتماءاتهم السياسية لا اكثر ولم تملأ المشهد الفني بطروحات حداثوية تمد الوعي والخيال الانساني الى التنامي وتشكيل منظومة جديدة للخطاب المسرحي كردِّ فعل جمالي على خطاب السلطة ورموزها الفنية.
وعلى ذلك لم يواجه السلفيون الرواد انفسهم بالاسئلة التي تخترق بوابة الواقع ولم يسألوا انفسهم عن طبيعة القداسة التي تحكم منظورهم الفني الُمُلطَّخ بتلافيف مجترة من تجارب وتعاليم تشمًّعت في معمارية ارسطية ، مرة ًتتدلى بخيوط طبيعية ٍواخرى بواقعية ٍفوتوغرافية . ان رؤيتهم الفلسفية للخطاب المسرحي ظلت وحتى هذه اللحظة تتموضع في دائرة ضيقة مفادها :"ان المسرح مرآة عاكسة للحياة!" ان الكل يردد هذه المقولة التي تشكل تجريداً لغوياً لخلاصة تجربتهم الثقافية بكل امتدادها الافقي والذي يمتد على مدى اكثر من خمسين عاماً ولم ينتبهوا على ان ما يتشكل على وجه المرآة لا يمثل الاّ السطح ، كما ان المرآة لا تعكس ما يجري من دماء ودلالات واحلام وعواطف واحباطات ومشاعر سرية واقبية وصرخات خلف ابواب مقفلة وجمال اخاذ يتشكل خلف غشاوة الواقع المرئي .
وظل وجودهم المسرحي يشكل تراتباً عددياً لا اكثر ولم يشكل اشتغالاً على اسئلة الثقافة التي تحاور المنجز الثقافي: ما مدى اضافته ؟ جِدتهُ ؟ موقفه من الماضي ؟ من المستقبل ؟ على اعتبار انهم يشكلون جزءاً مهماً من حقولها الثقافة المتعددة.
ودليلنا على ذلك: اننا لم نجد أي حوار كان قد استيقظ فيما بينهم ليتشابك مع ما هو مستقر ومتشكّل في نظام الحياة المعرفي سواء في صحيفة او مجلة او كتاب ، بل انعزلوا بانفسهم عما كان يجري في ميادين اخرى للثقافة من تحولات وصراعات وازاحات منهجية واسلوبية ، سواء في الشعر او الفن التشكيلي او الرواية او القصة القصيرة وبقوا لوحدهم فرحين بالعيش في زمن آخر ،زمن استورثوه وأمنوا به قبل عشرات السنين.
ان ما جعل البشرية تتحرك في سياق التمرد الفلسفي ابتداءاً من صور الصمت الاولى للانسان وهو يحدق في ارجاء الطبيعة مروراً بكل الفلسفات ووصولاً الى ما نحن عليه هو البحث عن جوهر الاشياء واعادة النظر في المفاهيم والتسميات واعادة صياغتها من جديد وفقاً لمدلولات جديدة ،وظل الانسان يعيد طرح الاسئلة وانتاجها على مدى تاريخه الطويل ليتحول هذا السؤال الى خفقات انتاجية وخطوات ثابتة تجوس على الجمر لتزيح التقاطعات المقدسة التي تحكم الطريق بالظلمات.
لقد استسلم الرواد الاوائل عبدالله زكي وعبدالقادر الحلو وعزالدين ذو النون لما استورثوه واحتضنوه من تعاليم ولقى ممهورة باصابع من زمن السلالات (القرونسطية)حتى وان كانوا قد قدموا نصوصاً كلاسيكية عالية الصنعة (هاملت) مثلاً عام 1947 من قبل عبدالله زكي في جمعية اليقظة الا انهم ارتكنوا في انجازهم الارسالي الى غبار المناهج الصامتة في القرون الوسطى التي جاءت مع مجيء الاباء الدومينيكان الى الموصل الذين يعود لهم الفضل في استقدام الفن المسرحي الى الموصل في نهاية القرن التاسع عشر). لقد راهن رواد المسرح الموصلي على تواصلهم المعرفي مع من سبقوهم لا اكثر رغم ما كان يتمتع به عزالدين ذو النون من اعلان حالة الانذار امسرحي الدائم ، سعياً منه لفهم الجديد القادم واستيعابه ، وهذا ما تأكد في مسرحية (الرجل الذي نكر نفسه) التي قدمها عام 1969 محاولاً في هذا العرض الركض وراء ما جاء به المخرج الشاب انذاك علي احسان الجراح بعد ان اكمل دراسته الفنية في معهد الفنون الجميلة/بغداد مع مطلع ستينيات القرن الماضي إذ بعثر ذنون على سطح الواقع النائم بين اليات وتخريجات المنهج الطبيعي مفردات فنيةجديدة لكنها لم تكن جديدة اذ كانت محشورة بين صفحات الكتب الاكاديمية (كالتكوين - الدوافع والمبررات العلمية للحركة ، الخروج عن الذائقة العفوية في التكوين والتشكيل). كذلك تحركت تجليات ستانسلافسكي في قراءة وتحضير الدور ،كما انطلق الديكور في طاقة جديدة للتعبير الدرامي من خلال المناهج الفنية الاكاديمية التي دفع بها علي احسان الجراح الى الخشبة المسرحية . مما دفع عزالدين ذو النون الى ان يصمم ديكور المحكمة ليكون مستوعباً للحركة الاخراجية التي بدت غير تقليدية انذاك . وذلك بالاعتماد على بناء حركة الممثل وفقاً للمنطق الدرامي داخل المحكمة وليس تقيلداً منضبطاً لآلية الحركة الواقعية ، ايضا تفرد علي احسان الجراح هو الاخر بالقدرة على اختيار النصوص لخلق تكوينات وتشكيلات حركية تقف عند حدود الشكل لا غير دون ان تؤسس هذه الاختيارات الى تحقيق مرتكزات تكون بمثابة مثابات للانطلاق نحو تكوين منجز مسرحي ينتمي الى ذات المبدع اولاً وحركية العالم ثانياً.
ان جيل الرواد في المسرح الموصلي التحق بسفينة العرض المسرحي وهي تشق الامواج العاتية لكن بقدم واحدة لذلك لم يقتربوا من طروحات المشاريع والانجازات ،فأنسحبوا الى الظل ولم يدخلوا منطقة الضوء ولذلك لم يصلوا الى غيمة المبدعين الشاردة أي لم يصلوا الى ممارسة الرؤية الاخراجية بمفهومها الواسع ، انما بقوا في إطار مسار دائري يدور حول نفسه ، في اطار الترجمة الحرفية لافكار المؤلف ، لان عيونهم بقيت معصوبة على نصف الذاكرة.


http://www.altaakhipress.com/viewart.php?art=8228#pagebegin رابط المقال في الصحيفة ..

السبت، 14 يناير 2012

حوار في صحيفة الزمان مع الممثل محمد العمر نشر في يوم الثلاثاء
10 كانون الثاني 2012 السنة الرابعة عشرة العدد4093

الممثل محمد العمريتحدث( للزمان) عن وجع ومسرّات السنين على المسرح  :
أنا مع نخبوية العرض المسرحي

                                حاوره : مروان ياسين الدليمي  
في مسيرتهِ الفنية الطويلة التي شهدتها خشبة ُالمسرح في مدينة الموصل  والتي تعود بدايتها الى العام 1974 تجاهل الممثل محمد العمر بوعي ٍ واصرار ٍ كل المغريات الماديّة  اضافة ًالى الشهرة  الواسعة ِالتي يمكن ان يحظى بها فيما لو ارتضى لنفسهِ ان يقايضَ موهبتَهُ بأدوار سهلة ٍالمسافة ُ بينها وبين خداع  المتلقي  قصيرة جداً ، وآثرَ العُمَر خلال اكثر من ثلاثين عاماً إلاّ ان يكون مُتجَدِداً ومُجَدِداً في عشقه الدائب والدائم  للتجريب  داخل اطار التمثيل المسرحي بحثاً عمّا يحررُ جسد الممثل من أُطر التعبيرالتي استهلكته ، وذلك من خلال انغماره في عروض مسرحية نخبوية همُّها الارتقاء بمفردات اللغة الجمالية للتجربة المسرحية ..
الزمان التقت بالفنان محمد العمر وأجرت معه هذا الحوار : -

*المسرح في مدينة الموصل كان المنطلق لمسيرة المسرح العراقي قبل اكثر من مئة عام وتحديدا عام 1882 لكنه ورغم هذا التاريخ البعيد عن نقطة البداية هو الان يعاني من ضعف شديد منذ عدة عقود ويكاد ان يكون هناك غياب تام للعروض المسرحية . باستثناء مايتم انتاجه من قبل الطلبة والاساتذة في كلية ومعهد الفنون الجميلة ، هل يمكن ان تشخص لنا الاسباب والظروف ؟
- من الطبيعي جدا ان يكون المسرح جزء من حركة وديناميكية الواقع الذي تعيشه المدينة فهو يتأثر بها ويؤثر فيها سلباً وايجابا ومن تبنى المسرح في البدايات اي في نهاية القرن التاسع عشر هم الاباء الدومنيكان والمجتمع الموصلي كما تعرف مجتمع محافظ وقد رسم الكثير من الخطوط الحمراء حول هذا الفن وهو لاينظر الى المسرح او العاملين فيه نظرة احترام . فظهرت في خمسينيات القرن الماضي فرق مسرحية قدمت اعمال بسيطة ثم ظهرت في ستينياته فرق مسرحية اخرى منها فرقة نادي الفنون وفرقة الرواد وفرقة المسرح العمالي وكانت هذه الفرق اكثر تخصصا نتيجة وجود عناصر فنية كانت قد تخرجت حديثاً من معهد الفنون الجميلة في بغداد امثال حكمت الكلو وعلي احسان الجراح وراكان العلاف . إلاّ أن تلك الاعمال لم تنتج هوية مسرحية واضحة للموصل كما ينبغي إلاّ بعد ظهور الفنان  شفاء العمري حيث قدم منذ ستينيات القرن الماضي وحتى ثمانينياته اكثر الاعمال اهمية من حيث الشكل والمحتوى وتعددت المذاهب والاتجاهات الفنية التي تعامل معها الفنان العمري حتى اصبح اسمه عنوانا للمسرح في نينوى . اما كلية الفنون الجميلة فهي حديثة العهد لكن معهد الفنون الجميلة الذي سبقها في التأسيس فيمكن القول ان في بدايات تأسيسه في النصف الثاني من سبيعينيات القرن الماضي اكثر نشاطا مما هو عليه الان .
*هل لك ان ترسم لنا صورة لمستقبل المسرح في الموصل . هل ستكون استمرارا لهذا التدهور ام ان هنالك مايدعو الى التفاؤل ؟
-ياسيدي ان فايروس التدهور لم يشمل المسرح فقط وانما عطل كل مرافق الحياة لكنني رغم هذا اعود مرة اخرى لاقول ان هذا الوضع ليس إلاّ وضعا مؤقتاً فالمسرح هو جزء من حركة المجتمع الثقافية ، وزهرة واحدة لاتصنع ربيعاً ، وهذا الشعب ، شعبٌ حي ونينوى مدينة ولاّدة للكتاب والشعراء والمسرحيين فمثلما انجبت الشاعر الراحل الكبير سالم الخباز ومحسن عقراوي فقد انجبت الشاعر معد الجبوري ورعد فاضل واملي كبير بالشباب الاخرين من اساتذة وطلبة في كلية ومعهد الفنون الجميلة .

*هل هنالك اسماء معينة من الشباب يمكن المراهنة عليها في البدء بخطوات جديدة تضع المسرح بفاعلية واضحة ومؤثرة في واجهة المشهد المسرحي العراقي . ؟
-بالتأكيد هناك اكثر من فنان ينبغي ان تتوقف وتنصت اليه وتتابع اعماله سواء على مستوى التأليف او التمثيل او الاخراج . ومن الاسماء المؤثرة على سبيل المثال في ميدان التمثيل نبدأ اولا بالشاعر الكبير معد الجبوري ورعد فاضل وناهض الرمضاني وبيات محمد مرعي ومروان ياسين . اما على مستوى الاخراج فقد انجبت كلية الفنون الجميلة اسماء شابة مهمة مثل بشار عبد الغني ومنقذ محمد والفنان د. محمد اسماعيل .

*عادة ماتكون العروض المسرحية التي كنت ومازلت تعمل فيها والتي تستغرق شهورا عدة من التحضير والتمرين عروضا نخبوية لايشاهدها سوى عدد محدود من المتفرجين ولايستغرق عرضها سوى اياما معدودة لاتتناسب مع الجهد المبذول ومع القيمة الفنية العالية التي تحملها . ياترى اين تكمن سعادتك في هذه العروض .. ألا تصاب بالخيبة ومالذي يدعوك الى الاستمرار ؟
-حسب تصوراتي المتواضعة بأن التمثيل والاخراج على الاقل في الموصل هي من فنون الاثر حيث تكون جماليتها تكمن في لحظة ولادتها ومن ثم تصبح اثراً أما التأليف فهي حياة ديناميكية مستمرة مع تقدم الازمنة . لكن المتنفس الحقيقي الذي يشعرني بالسعادة وحب الاستمرار هو ناتج لعشق المسرح والذوبان فيه واشباع الانا الداخلية .

*هل انت مع نخبوية العرض المسرحي ؟
-نعم أنا مع نخبوية العرض المسرحي .

*مالذي يعيق نمو وتطور الحركة المسرحية في المحافظات تحديدا والعراق عموماً سواء فيما يتعلق بعمل الفرق المسرحية او المؤسسات الفنية؟
-يمكن ان يعزى هذا الوضع الى مجموعة من الاسباب منها سياسية واقتصادية وغياب الرواد عن الساحة الفنية كما ان المردود المادي المتواضع جدا ادى الى توجه الفنانين الى الفضائيات العربية اضافة الى الرغبة في الانتشار السريع .

*ازاء التطور الحاصل في السينما والتلفزيون على مستوى الاساليب التي بدأت تستقطب المتلقي من جديد ألاتجد ان هذا قد يكون واحدا من الاسباب التي جعلت المسرح لم يعد في دائرة اهتمامات المتلقي التي تستقطب اهتمامه وتثير دهشته على الاقل في العراق ام ان المسرح له خصوصية في اساليب العرض والتقديم لخطابه لاتؤثر عليها الاساليب والتحديثات التي حصلت في السينما والتلفزيون ؟
-مما لاشك فيه ان للسينما والتلفزيون تأثيرواضحح في استقطاب المتلقي كما اثرت فعلا الاساليب والتقنيات الحديثة في عالم التشكيل إلاّ ان المسرح يبقى محافظا على خصوصيته على نبضه الحي الذي يساعد على ان يبقى متماشيا مع العصر هو التطور والتغيير الذي شمل المسرح بتقنياته التي ترسم سينوغرافيا العرض المدهشة .

*هل لك ان ترسم لنا صورة موجزة عن اهم المحطات التي وسمت مسيرتك الفنية ؟
-ان مجرد عملي مع استاذي الكبير شفاء العمري اعتبره محطة اختصار وايجاز لكل المحطات ومنها اقطع تذكرة الذهاب الى اجمل الامكنة الساحرة ومن ثم اعود الى محطتي لاسافر بعدها الى اماكن اكثر بهجة وجمالاً فأنا انظر اليها من الاتجاه المعاكس حيث انطلق من الامكنة البعيدة متجها الى المحطة الاساس التي يقف فيها شفاء العمري .

*بعد هذا العمر الطويل الذي قضيته على خشبة المسرح بكل حلوها ومرها مالذي خرجت به من افكار وهل يستحق منك كل هذا الجهد وهذا الوفاء ؟
-يقول الشاعر الكبير معد الجبوري : الكل باطل وقبض ريح متى يدق الموت بابي وأستريح .

*الممثل العراقي عادة مايحصل على جوائز مهمة في المهرجانات التي يشارك بها هل تجد ذلك امرا طبيعياً تبعاً لما يمتلكه من خصوصية في الاداء أم ان هنالك اسباب اخرى تقف وراء هذا التكريم خصوصاً اننا نجد ان الساحة العربية فيها الكثير من الطاقات الكبيرة فماذا تقول عن هذا وعن الممثل العراقي ؟
-على مستوى المسرح نعم المسرح العراقي مسرح واعي ومدروس وعندما يشتغل المخرج العراقي او الممثل العراقي تجده يعمل بكل حب وصدق وحرفية فهو فنان يلاحق عمله بكل تفاصيله بكل صدق وبكل وعي انا اوافق على ان المسرح العراقي دائما كان يحصد الجوائز في كافة المهرجانات التي يشارك فيها وهو يستحق تلك الجوائز .

*هل شاركت في مهرجانات خارج العراق. ؟
-لم اشارك في اي مهرجان خارج القطر للاسباب لان بغداد احتكرت كل المشاركات الخارجية بل اقتصرت على اسماء معينة . ولكن نتأمل من دائرة السينما والمسرح بأدراتها الجديدة بعد العام 2003 خصوصا مع وجود د. شفيق المهدي ان تلتفت الى فرق المحافظات وتشركها في المهرجانات ونحن بالانتظار

*انت تعمل ضمن اطار مسرح لاينتمي الى طراز المسرح التقليدي مالذي يخبئه هذا النمط من المسرح من تفرد وخصوصية الى الحد الذي يستبقيك فيه طيلة اكثر من ثلاثة عقود ؟
-التميز وصعوبة الاداء والبحث الدقيق في تفاصيل الشخصية هذا اضافة الى الجمل التمثيلية المدروسة التي اشتغل عليها لاضعها للشخصية فأنا اتصور ان ادائي كاللغة العربية الفصحى  تكتشف جمالها ومستويات التعبيروالتأويل فيها عندما تضعها امام اللهجات العربية . ؟

*فلاطون كان يقول الجسد قبر . انت كممثل كيف تنظر الى مسألة الجسد واستخدامه من قبل الممثل ؟
-الجسد بحد ذاته لغة يمكن ان تتفاهم بها وبواسطتها مع الاخر . والجسد كما يقول بريخت وستانسلافسكي هي الادوات الخارجية التي يملكها الممثل لتجسيد مايمكن ان تقوله الادوات الداخلية وان بدايات تعلم الانسان للكلام كانت عن طريق الرقص . فالجسد هو اللغة التي كان يتحدث بها الانسان اما على مستوى المسرح فقد قدمت اعظم الاعمال عن طريق لغة الجسد .


الثلاثاء، 10 يناير 2012

حوار مع الممثل المسرحي محمد العمر نشر في صحيفة الزمان السنة 2012
العدد 4093 السنة الرابعة عشرة  في يوم الثلاثاء 10 كانون الثاني .

«عام السرطان» للعراقية سالمة صالح: دلالة الاتكاء على استراتيجية السَّرد السير ذاتي مروان ياسين الدليمي http://www.alqu...