الأربعاء، 30 مايو، 2012



  1. نشر الحوار في صحيفة الزمان يوم الثلاثاء 22 ايار 2012 م السنة الخامسة عشرة العدد
    4206 . الطبعة الدولية .
    التشكيلي إياد أل عبار يتحدث( للزمان )عن رفقته مع سيلفادور دالي وآخر أيام بيكاسو :

    - روضت الغربة وصنعت منها خوذتي ولوحتي


    - تعلمت الكثير من دالي برغم انه كان يرفض أن يتكلم معي عن الفلسفة


    حاوره : مروان ياسين الدليمي / الموصل

    إياد العبّار شاعر ورسام واكاديمي عراقي الاصل يقيم في ايطاليا منذ اربعة عقود ويُدرِّس في جامعاتها. . مدينته الموصل التي يقول عنها "عشيقتي في السراء والضراء " غادرها في مطلع العقد السابع من القرن العشرين ولم يعد إليها رغم انه مايزال يحلم بدجلة والفرات كلما وضع رأسه على الوسادة كل ليلة . العبَّار غادر العراق عابراً البحار والمحيطات بحثاً عن المعرفة في مجهول الازمنة والامكنة البعيدة ،حاملاً حقيبته على ظهره وهويشيح بوجهه للحرائق التي بدأ يستشعر انها قد امست قريبة وستأتي ، متجها الى مصر ، ليدرس فيها ومن ثم لينتقل الى ايطاليا ليكمل دراسته العليا للفن هناك وليبقى فيها حتى هذه الساعة .
    أقام العبار معارض شخصيةلأعماله الفنية من رسم ونحت في جميع أنحاء أوربا،بعض منها تتواجد في متحف الفنون للفن المعاصر في نيويورك، وكذلك في اليابان وأيطالياوفرنسا وإسبانيا وألمانيا ،أكثرمحاضراته عن الفن والأدب والدين والفلسفة تم نشرها في معظم المجلات والصحف الاوربية وفي دور النشر الأكاديمية التابعة لمختلف الجامعات،كمانشرالعديد من نتاجاته في دور النشر الاوربية ،من قصص ودواوين شعرية ودراسات،ايضا له مسرحية شعرية بعنوان: الشيخ والفنار كانت قد نشرت في إيطاليا باللغة العربية والإيطالية. كما أعاد كتابة ملحمة جلجامش شعراً وكلفه ذلك ثماني سنوات من عمره ،وله ايضا مجموعات من القصائد والقصص التي نشرت في صحف ومجلات اوربية وعربية منها :
    الحصار ـ قصة ـ باللغة الإيطالية 1991ـ دار النشر ـ پالا َّديو ـ
    الفريسة ـ قصة ـ باللغة الإيطالية 2001 ـ دار النشرـ جانكارلو دزدِّي ـ
    جروح في قلب الزمان ـ مجموعة شعرية ـ باللغة العربية والإيطالية 2002 ـ دار النشر ـ آنـَنـْكي ـ .
    الزمان التقت بالشاعر والفنان التشكيلي المغترب إياد العبار واجرت معه هذا الحوار . . .

    *اولا وقبل أن نبدأ بالحديث الذي إنْ بدأ فلن ينتهي ، أود ان اطرح السؤال الاتي على اياد العبار: - بعد هذا الابحار الطويل في سفر الحياة، والشعر، والرسم ، متنقلاً مابين مدن وقارات تفصلها ازمنة وحضارات ، من انت ؟
    - قبل أن أجيب على أسئلتك، أود أن أشكرك على هذا الإهتمام وعلى هذا الإطراء. لقد أيقظت فيَّ ما كان قد سَبَتَ منذ حين طويل. شكراً جزيلاً يا أخي مروان. . من انا؟! ليس غريبا عليّ هذا السؤال، وإجابتي الصادقة والصادقة جداً هي أنني لا أعرف. كل ما أعرفه هو أنني كنت قد بدأت ولم أنتهي بعد. بدأت بالعلم والدراسة ولمَّا أنتهي. كنت أُلاحِقُ ولاأزال كل ما يشدّني إلى المعرفة. إيماني الوحيد هو أن الخلاص يكمن في المعرفة والمعرفة لها قوانين ومقامات: الصبر والعزيمة، الطاقة الكبيرة من التحمل والإصرار، الإنفعال والغضب واحتراق الأعصاب، الفرح والحزن، الكراهية والأنحباس في عوالم الشوق وأغلال التتيم حتى النخاع، تواصل الرحيل فكريا، أخلاقيا وجسديا من مقامة إلى أخرى ومن فكر إلى آخر حتى تترابط وتتسلسل الدرب دون انقطاع ودون توقف، كل ذلك يتوجب العشق والحب وهذان لن يكونا بدون ألم ومعانات وشعور بشيئ من الجوع والبرد والخوف، بالكثير من الألم والحرمان والحاجة، العيش على مبدأ الخسران: أنت تخسر كي تحصل وأنت تحصل كي تكبر وتكبر كي تستعيد ما خسرته بطريقة أو أخرى. لم يبق مكاناً على الكرة الأرضية إلاّ وزرته إلا َّّ نيفاً، لم يبق فكراً إلاّ ودخلته مهما كان الثمن ومهما كانت الوسيلة. الإيمان بالمعرفة هو الإيمان بالله. والإيمان بالله يُؤكّد لك بأنك لا تعرف نفسك إلاّ إذا اتَّخذت المعرفة طريقا لك. .أنا كنت في كل الجوامع والمعابد في كل أنحاء العالم وكان السؤال هو هو.... أتعرف نفسك؟! وهل عرفت أنا نفسي؟ إذاً أعيد السؤال مِن جديد: هل عرفت مَنْ أنتَ؟

    *عندما نقرأ سيرتك الذاتية نجد ان خروجك من العراق في اوائل سبعينيات القرن الماضي كان ُمبكرا جدا على ماجرى من حروب واحداث جسام ، ومنذ أن غادرته لم تعد اليه ابداً. هل كنت تستشعر بما سيجري من دمار وتراجع حضاري فقررت الخروج منه مبكرا ؟ أم انك كنت منساقاً الى ماكنت تحلم به من مشاريع فنية وادبية كنت تخطط لانجازها؟
    - نعم، كنت أشعر بذلك. كان خروجي من الوطن مبكرا. هذا ما حدث، ولكني كنت قد عدت ولأيام قليلة وذلك في أواخر سنة 1976. بَقيت يومين ونصف اليوم ثم رحلت من جديد!. أنا لست مُتـَنـَبـِّئ، ولكن كان بي شعور يدفعني إلى المضيئ أماماً، إلى عدم التوقف... إلى الخروج ثائراً على كل ما يمنعني من الإستمرار في طريقي. كان في داخلي شعور بالضيق والخضوع المجبر لحالة لا تحتمل من الضغط والحد من وجودي وتفكيري، هذا ما جعلني أندفع الى الخارج قبل أن يحدث ما لم يكن في الحسبان! كنت أُمنـَعْ مِنِ الدراسة والقراءة! إذا قرأت لكارل ماركس قيل عني شيوعيا، وإذا قرأت لسيد قطب قيل عني هذا من الإخوان! وإذا قرأت لجون بول سارتر قيل هذا وجوديا وإذا قرأت عن داروين يُحتارُ ماذا يمكن أن أكون...إلخ! إذا عرضت لوحة في معرض ما بالإشتراك مع الأستاذ ضياء أو عبد الحميد أو ستار الشيخ قيل عن عملي غير مفهوم أو أنه مرفوض جذريا، والويل لي إذا نشرت قصيدة! وشرطة الأمن تلاحقني وأنا لم أكن قد جاوزت من العمر السابعة عشر!
    كذلك في مصر، عندما كان يصدر لي مقال في جريدة "الأهرام" أو في "الجمهورية" في الصباح، تأتِ شرطة الأمن بعد الظهر لتأخذني إلى السجن، بالرغم من أن مقالي كان عن الأدب أو الفن أو الفلسفة أو غيرها، إذ أنَّهُ كان هناك من القلائل الذين يقرؤون مابين السطور ويكشفون حقيقة ما كنت أريد قوله! نعم، كان بي ذلك الشعور بأنَّ شيئاً ما، بل أنَّ أشياء كثيرة ستحدث وإنـَّها لأحداثٌ جسام ودمارٌ وتخلـُّفٌ حضاريٌّ كان من غير شك سيهلكني، هذا إذا ما كنت سأقف أمامه شاهدا لا حراك لي، أم كنت سأردُّ وأنتهي كما حصل ذلك مع الكثير من جيلي، كان يجب أن أختار بين إثنين: إمـّا أن أواجه الواقع مواجهة مباشرة، وفي هذا الحال سأخسر، سأخسر كلَّ شيئ وأنا الذي كنت ضعيفاً ضعف نبيٍّ سُرِقـَتْ منه عصاه! وإمـّا أن أرحل ومن ثمَّ أُعِيد الكرَّة والحرب سجالٌ، كرٌّ وفرٌّ. .لذا رحلتُ، أشياء أخرى كانت تجعلني أكثر تحرُّقاً إلى الشرود والرحيل، منها التحدي، تحدي العالم الذي كنت فيه مُحتـَضِراً " مدفون بالحياء" والعالم الذي كنت أجهله، أجهل الـ " لماذا وكيف وأين ومتى ... إلخ" قد وصل إلى ما وصل سلبيا وإيجابيا. كان قد قيل: ستعيا، ستعاني كثيرا، ستـُكسر... وها انا بالرغم من كل ما جرى! كان في داخلي إذ َّاك وأنا أودع عبود عبدالله بكر وناظم ويونس وغيرهم، شعور غريب، شعور بأنَّ الكثير الكثير سيحدث، كنت أشعر بأنَّ تلك الأرَضَةَ قد بدأت تتحرك وتأكل وأن كثيراً ممَّا ليس بالغيب ولامحالة واقع! وهذا الكثير سوف يحطم كل مافي وجودي من رغبة وزخم للشروع بالمسير بذاك الذي خـُلِقتُ من أجله. لم يكن دواري دوار سائح ولكن التنقل من مدينة إلى أخرى، من جامعة إلى أخرى ومِن حضارة إلى أخرى باستمرارية وبدون توقف أعطاني القوة كي أخدع الزمان وآخذ منه قبل أن يأخذ مني:ـ ( الوقت كالسيف إذ لم تقطعه قطعك).

    *انت شاعر ولك في ميدان الفن التشكيلي تجربة ثرية جداً ، خصوصا انك رافقت لفترة ما الفنان سلفادور دالي في مشغله الفني ، كيف توصلت الى هذه الرفقة مع دالي وكيف وجدتها . نريد ان تطلعنا عن تفاصيل العلاقة مع هذا الاسم الكبير ؟
    -كنت، في مدينة فلورنسا، طالبا في أكاديمية الـ" سينيوريـَّة" للفنون الجميلة، في السنة الثانية، في السنة الأكاديمية 1974ـ 1975، كنت تحت زخم الإمتحان للنصف الأول من البرنامج الأكاديمي للرسم والنحت، كنت قد توقفت عن العمل، عن الرسم، وذلك لأنه كان قد سُمِحَ لي لأخذ ساعة من الوقت للغداء. ذهبت الى مطعم الطلبة وكالعادة أخذت صينية ووضعت عليها اطباق الطعام والشراب الذين اخترتهم وجلست الى جانب احد رفاقي في الأكاديمية لآكل. على حين صادف نظري دخول بعض أساتذتي ومعهم رجل لا أعرفه، كان أشهب الرأس واللحية، ذو وجه أسمر تميل تعابيره الى الحزن الذي كان يكاد يخفيه. كانوا متوجهين إلى حيث كنت جالسا. إقترَبوا وسلموا، نهضت، أردفت على السلام. قال أحد أساتذتي، أقدَّمُ لك الشاعر الإسباني الكبير رافئيل ألبيرتي! نهضتُ أسلم، قال ألبيرتي: أنا اليوم بدأت زيارتي لأكاديميتكم العظيمة! ودخلت أزور أكثر أنحائها، وصدفة، كنت قد دخلت المرسم الذي تعملون فيه لأجل الإمتحان ورأيت أعمالكم، أعجبتني لوحتـَكَ كثيرا، بل أدهشتني وأنا أُهَنـِّئـُكَ على هذا العمل الرائع! شكرته كثيرا، قال: إني ذاهب إلى باريس بعد ثلاثة أيام لزيارة صديقي بيكاسو لأنني سمعت أنه مريضا وأريد أن أطمئن نفسي عليه فهل تأتي معي؟ قلت: بلى بكل بهجة وشرف، قال: إذاً، ألقاك ونسافر سوية، قلت نعم! جلس ألبيرتي وأحد أساتذتي يأكلان معي. وكان الحديث إيـَّاه ـ الشعر والأدب والفن والفلسفة! حتى إذا جاءني النداء: إلى المرسم، إلى المرسم يا آل عبـَّار وإلاّ سترسب في الإمتحان! كنا أنا وألبيرتي في باريس. دخلنا غرفة بيكاسو، رأيته طريح الفراش، كان قد انتهى توا من أخذ فطوره ودواءه. وكان حديثا طويلا: كلمات بالفرنسية وأخرى بالإيطالية وأخرى بالإسبانية وأخرى بالإنكليزية وأخرى أيضا بالعربية! قال لي بيكاسو لقد سمعت عنك، قصائدك وكتاباتك ولوحاتك تنبع من نور أنا كنت قد عرفته! ورأيت صورا لبعض أعمالك، أنا أهنئك، أنت شاب ذا موهبة، ليكن الله بعونك! بعد أيام قليلة رحل بيكاسو الى العالم الآخر وكانت جنازة رائعة بقيت في ذهني حتى اليوم. أنا و ألبيرتي ذهبنا الى إسبانيا والتقيت بـ دالي، وكانت سيرتي معه صحبة وعداوة، إذ أنه كان رجلا نرجسيَّ الطباع، متكبَّـرا على الآخرين ومكروها من قبل مجموعة السرياليين عامةّ. حدثٌ وخطبٌ سيئ وثقيل كان قد صار بينه وبين الآخرين الى جانب تكبـُّره عليهم. كان قد هرب هو وخطيبة الشاعر الفرنسي بول إلـْوار ـ كانت روسية الأصل ونبيلة من نبلاء الروس ـ كان إسمها " ڴلاَهْ Galàh ". في مرسم دالي كنا نتباد الآراء ونحن نعمل "نرسم"، حول الكثير من المواضيع عن الفن عامة وعلم النفس وخصوصا عن فرويد والأدب والفن الكلاسيكي والمعاصر، ولكنه كان يرفض أن يتكلم معي عن الفلسفة! تعلمت منه الكثير ولو أننا لم نكن نتفق على الكثير من القضايا، كان يقول: لاأحداً بعدي!. كان أكثر حديثنا ينتهي بعبارات كهذه: إبقَ أنت وتعجرفك هذا، لا تنسى بانني أنا الأعظم!، إذهب إلى الجحيم، أنا لا أوافقك بهذا الرأي، أنت لاتدري شيئا... أنت وإستمناءُكَ الفكري هذا سوف تلقى نهاية عسيرة! وهكذا. كلما افترقنا إزدادت صداقتنا عمقا وكلما التقينا تبدأ مفارقاتنا لعبتها الأولى! معه تعرفت على الكثير من الأُدباء والفنانين والمخرجين السينمائين والممثلين. دالي، وبعد موت گلاه كان قد ذهب هو الآخر ولو فكرياً ونفسيا فقط ، إن العشر سنوات التي كانت قد بقيت له من حياته كان يعيشها وهو أشبه بالحي الميت! دالي كان صديقا ومعلـِّماً عبقريا.
    *الاغتراب شعور عميق طالما رافق المبدع حتى وهو داخل وطنه . فكيف بك وانت قد عشت الشطر الاعظم من عمرك مُغترِباً . مالذي تركته فيك هذه التجربة ؟ ماذا اضافت لك ؟ وماذا اخذت منك ؟
    -" الغنى في الغربة وطن والفقر في وطن غربة!" الغنى والفقر ليس بمعنيهماالمادي فقط ولكن هما أيضاً بالمعنى الكوني أي الروحي والفكري والأخلاقي. الإغتراب هوالمادة الحية التى تعطي وتأخذ وهو القدر الذي يلاحق الإنسان منذ تواجده على هذه الإرض. الغربة يمكنها أن تسحق وتـُبيد ويمكنها أن تـُعطي وتـُثمر، الغربة هي تلك "الغولة" المخيفة القاسية التي لا ترحم والتي يمكنها هكذا بلحظة أن تمحيك وتجعل منك نسيا منسيا. وهي، إذا ما رُوِّضَتْ وأُخْضِعَتْ تـُعطيك الكثير!جامعة تلو أخرى وإمتحان تلو الآخر ودراسة تتبع أخرى والفقر والحاجة هما أمهات الإختراع والإبداع. تراني أستعير كتابا إذا لم أكن قادراً على شرائه وبعد أن أنتهي منه، أعيده شاكرا وممتنا. تراني أشتري القليل القليل من الألوان والفِرَش والقماش، أشتري إزميلاَ و مِطرقة مُسْتـَعـْمَلـَيْن وحجارة لها قيمة رخيصة جدا، ثم أبدأ العمل. أنجح في الإمتحان وأرسمُ لوحة ذات مستوى فنـِّي عالٍ وأنحتُ تمثالاً يجعل الرَّائي عاشقا. أبيع اللوحة والتمثال مختومين بإسمي وألقي محاضرة وأُكْرَمُ عليها لأني كنت قد أجدتُّ بدراستي وصُنعي وفنـِّي وأجلس في إحدى مقاهي فلورنسا أو باريس أو مدريد أو أي مدينة أخرى، آكل لفـَّة ًمن الخبز والجبنة وأشرب كأسا من النبيذ وقهوة حلوة، أدخن سيجارة وأكتب، أقرأ وأرسم بقطعة من الفحم أو قلم من الرصاص مايمر أمام عيني، ومن ثم أسافر عائدا إلى الوطن! في سفري هذا أرى وأسمع وأُحِس!ُ بما لم تره عين ولم تسمعه أذن ولا خطر ببال بشر! تبزغ الكلمات وتـُولدُ أمهات الألباب وتـُطحَنُ الجُمَلُ والعبارات وتخرج ذوات السحر فتسحرن وتعزفن ألحانا من الضياع والشرود، من الموت والخلود من العطش والجفاف، من الضمأ والإشتياق، من الحب والحزن، من العشق والحرمان، تولد عروس البحر أو راعية الغنم في واحة الصحراء أوفي وادي الجبل، تولد نادلة المقهى أو عاملة في المصنع، تولد الغجرية أو الأميرة، الأخت والأخ والأُم والصديق الذين هم في منفى منفايَ، يولد كل شيئ ومن ثم يختفي كل شيء! أظلُّ وسيجارتي حتى غروب الشمس. أعود الى منزلي... أحتضن الكحل والحنـَّاء، أضع رأسي على وسادتي وأحلم بدجلة والفرات! هذا مثال بسيط لما تركته في وجودي الغربة. الغربة روّضتـُها وصنعت منها خوذتي وسيفي ودرعي وهي أعطتني فرساَ عربية أصيلة، أتـَتْ بها من وادي الرَّافدين فكنت ذلك الفارس العربي الذي لا يهدأ ولا يستكين. هذا ما تركته فيَّ الغربة. .في أواخر دراستي وأنا أقدِّم أطروحتي عن الحلا ّج مقارناً فكره بفكر فريدريك نيتشه، كان علي أن أجتاز أمتحان من الإمتحانات المقررة الأخيرة، إمتحان صعب جدا وهو " تاريخ الفكر الإنساني الفلسفي العلمي" لمؤلـِّفِه لودفيك جايموناه"Storia del pensiero filosofico” scientifico _ Ludovico Geymonat”، الكتاب مؤلف من تسعة أجزاء، كل جزء مختص بمرحلة وعصر، من بداية التاريخ إلى يومنا هذا! إلى جانب ذلك كان مطلوبا مني أن أقدم للإمتحان الأعمال الكاملة لفيلسوفيْن حسب إختياري، وكنت قد إخترت الفيلسوف الإنكليزي دافيد هيوم والفيلسوف الألماني عمَّانوئيل كنت، فكان ممَّا يجب عليَّ تقديمه للإمتحان مالا يقل عن 37ألف صفحة!
    كنت أرسم وأنحت وأدرس بصيغة مترادفة ومتوالية. في الإمتحان كان السؤال الأول، قال أحد أساتذة لجنة الإمتحان: حدِّثنا عن مفهوم "الجوهر" وذلك إبتداءً من آرسطوطاليس وحتى سبينوزا ! أي بمعنى آخر : مفهوم هذه الكلمة عند كل مفكر وفيلسوف عبر التاريخ إبتداءً من آرسطو إلى سبينوزا وهذا يعني سرد كل ما يتعلق بهذه الكلمة خلال أكثر من ألفي عام!. بدأت الجواب مرورا بالفلسفة العبرية والمسيحية والعربية الإسلامية حتى انتهيت إلى فكر سبينوزا. مرَّ على حديثي هذا أكثر من ساعتين وأساتذتي أمامي مبهورون بقوة ذاكرتي وسُداد جوابي. قال رئيس لجنة الإمتحان: يا بني، أشفيت غليلنا من هؤلاء! خذ هذه هي علامة نجاحك 30 من 30 إمتياز وليباركك الله. .عدت إلى منزلي، أكلت القليل وشربت أكثر ثـُمَّ احتضنت الكحل والحنَّاء ووضعت رأسي على الوسادة وأنا أحلم بدجلة والفرات!هذا مثال عمَّا أضافت إليََّّ الغربة. .أذكر أنني بعد أن ألقيت محاضرتي عن الفلسفة التنويرية La filosofia dell’illuminismo في القاعة الكبرى لإحدى الجامعات في مدينة فيينـَّا، سألني أحدهم فيماإذا أستطيع أن أوضِّحَ بلغة سَلِسَةٍ النظرية النسبية لألبيرت آينشتاين. إجابتي، عند نهايتها جعلت الجمهور يُصفـِّق ويُصفـِّر! . سألَني آخر: يا أستاذ، وأنت على كل هذا من العلم أتـَستطيع أن تـُجيبَ على سؤالي... " ولو أنني أعتقد أنـَّه محرجا"... ماهي الرُّوح؟! . الصمت كان يُطبق على القاعة كلـِّها وكاد يخنِقني... أجبت الروحُ هي من عند ربـَي وأنا لا أدري ما هي، فلاسفة الفكر التنويري يقولون بأنـَها طاقة الحياة ولكن ماهذه الطاقة، ما كنهها، هل هي طاقة كهربائية أم أنها نووية أم غير ذلك؟ أنا لا أدري إلا َّ ما علـَّمني ربـِّي. .عدت إلى منزلي، لم آكل ولم أشرب، لكنني احتضنت الكحل والحنـَّاء وألقيت رأسي على الوسادة مشاركا بكاء دجلة والفرات.
    هذا مثال آخر عمَّا أخذته منـِّي تجربة الغربة. .في تلك السنين وأنا طالب في أكاديمية الفنون في فلورنسا، كان بعض الأساتذة يطلبون منا الخروج والعمل، الرسم، في الخارج. كنت أذهب إلى ضواحي المدينة وأرسم بعضا من مناضر الطبيعة وصادف أن كنت أرسم حصانا وهو يمد برأسه ليأكل من غصن لشجرة عنب، كان أحدهم يراقبني من الخلف وأنا أرسم. قال كم أنت ماهر في الرسم، فقد رسمت رأس الحصان بأقلِّ من دقيقتين! قلت: لا هذا غير صحيح، أنت نسيت أكثر من خمسة عشر عام وأنا أحاول رسم رأس حصان بأقلِّ من دقيقتين! هذا مثال آخر عن الغربة. عدت إلى منزلي وأنا أغني أغنية عراقية: شيگولون... شيگولون... توَلَّعْ بالمّحّبـَّهْ وصار مجنونْ... خلْهُمْ يڴولونْ!!! إحتضنت الكحل والحنـَّاء وشيئاً فشيئاً أغمضت عينيَّ ورأسي على الوسادة أحلم بدجلة والفرات.

    *لو عدت الى الوراء اربعة عقود هل كنت ستختار نفس الطريق الذي سلكته ؟
    -نعم، بكلِّ تأكيد كنت سأختار نفس الطريق الذي سلكته بكل ما كان وصار، بل أنه بودي لو أضفت إليه، وسَّعته، طوَّلته، عمَّقته أكثر وأكثر وأكثر.

    *حياتك حافلة بالتنقل والاسفار والتجارب ، هل من محطات معينة كان لها تأثير عميق واساسي في رسم مسارك الانساني والابداعي ؟
    -نعم، هناك محطات جغرافية ـ مكانية: منها الموصل، هي عشيقتي في الجهر والخفاء، في اليسر والضرَّاء، كانت قد سُمَّيَت زوجة لآخر، لكنني خطفتها ورحلت! روما وفلورنسا وفينيتسيا وباريس و بيتر بورگو( (Pietroburgoو مدريد وبرشلونة...و...و...وهناك محطات فكرية:الحضارات القديمةـالسومرية،البابليةالآشورية، المصرية القديمة، الإغريقية واللاتينية، الحضارات الشرقية اليابانية ـ الصينية ـ الهندية، المكسيكية "المايا" وأميركا الجنوبية، حضارات أميريكا الشمالية " ألاسكا" والهنود الحمر، الفكر الإجتماعي ـ الحضاري ـ الأنثروبولوجي الإفريقي، حضارة أوربا القديمة والحديثة المعاصرة... الفكر العربي الإسلامي والمسيحي والعبري... من كل هؤلاء ومن غيرهم أخذت الكثير ولم أشبع بعد ولم أرتوي. هناك إتجاهات متعددة للفكر الغربي معاصرة وحديثة منها في الفن: الفن الشعبي ـ الپوپ آرت Pop arte الفن الفضائيL’arte spaziale والتوب آرتTop arte ...إلخ، هذه الحركات الفنية وغيرها الكثير كانت بداياتها في الستينات حيث أنها جاءت بعد الدادائية والمستقبلية والتكعيبية والسريالية وهذه الأخيرة كانت في بدايات القرن الماضي. حركات فنية تشكيلية إلا َّ أنـَّها كانت تتعدى ذلك الى الأدب والفكر عامة، حركات فنية تولد صباحا وتموت مساء! الشعر في الغرب وصل إلى الحضيض بشكله ومضمونه إلا َّ القليل منه. القصة والروايا مازالتا تحتلاَّن القسم الأوسع والأعلى في الأدب الغربي. السينما والمسرح في سقوط رهيب في أوربا بعد أن خضع الإعلام كله تحت ثقل الإنتاج الأميريكي المادي المبتذل. الفكر الفلسفي يحاول النهوض وذلك عن طريق الإتجاه المعاصر الحديث للفيلسوف الألماني هانز جورج ﮔاديميرHans Georg Gadamer وهي فلسفة الإرمَنِيْوتِكهْ Ermemeutica وهو إسم مأخوذ من إسم إله البريد واللصوص "إيرمسErmes" في الميثولوجيا الإغريقية القديمة أو " ميركوريوسMercurios" في الميثولوجيا اللاتينية، وكان هذا الإسم يستعمل للإشارة إلى الفلسفة التفسيرية ـ الترجمية للكتب المقدَّسة في العصور الوسطى، أخذه ﮔاديمير ليوسع رقعة معناه إلى: أنَّ كل تفسير ترجمي أو ترجمة تفسيرية لأيِّ موضوع أو كتاب أوأيِّ عمل هي بحد ذاتها موضوع آخر لا يمت بصلة قط إلى الموضوع الأول إيـَّاه! .الفكر الغربي عامة يتخبط مابين المادية الإستهلاكية البراجماتية Pragmatism وهي الفلسفة الذرائعية التي تقوم على الإستشراف العملي المادي للأُمور والمشكلات. .منذ البداية في حلـِّي وترحالي كنت قد اتخذت منهجا معيناً أعمل به ولاأزال: يقول أفلاطون :" الحياة مقياس وحساب، إذا خرجت عنهما فإنـَّك الخاسر". ثمانية أشهر من الدأب بالدراسة وأداء الإمتحانات والتدريس والمحاضرات والعمل للحصول على مايكفي، شهر للراحة والتحضير للسنة القادمة وثلاثة أشهر للسفر والرحيل. نعم السفر والتأمل والتفكير العميق والكتابة.
    بعد محاضرة ألقيتها في جامعة روما" لاسبيينسهْLa Sapienza "
    عن مفهوم التخصص في مجال معين من العلم ما بعد الشهادة التي يحوز عليها الدارس، سألني أحدهم، قال:من أنت؟ شاعر، رسام، نحات، أديب، كاتب، فيلسوف،عالم فزياء كمِّيَّة أم ماذا؟ أجبت: أنا كل هؤلاء وغيرهم ولستُ أحدا منهم! التخصص له إيجابياته وسلبياته، فمن جهة يجعل الدارس قد توصَّل إلى أعلى درجة من المعرفة في حدود تخصصه ومن جهة أخرى يجعله أكثر جهلاً بما يحيطه من العلم والمعرفة. كل أدب وفكر قرأته لأيِّ أمَّة لاشكَّ وأنـَّه قد ترك بصمة وتأثيرا في مساري هذا، مع ذلك لم أتـَّخذ عظيما ما بعينه من العظماء كمثال أعلى لي أو أنني اتخذت فكراً معينا أو إيديولوجية بحد ذاتها. الكل له دوره في بناء هذا الوجود الذي يحتويني. أنا أُسَمِّي ميكل آنجلو الجد وليوناردو الجد الآخر و سقراط الأب الكبيروآرسطو المعلم الأول وإبن رشد المعلم الثاني وغيرهم الكثير الكثير ممن أحتذي بهم وأحتسي مما تركوه لكل الإنسانية. كل أديب، شاعر، فنان، عالم وفيلسوف من أيِّ أمة كان ومن أيِّ عصر، ليس إلا َّ مرشدا ومعلما ورفيق درب أتبادل معه مما في وجداني وأتعلم منه أكثر مما يتصور هو بنفسه. لم أتبع سياسة أو سياسياً أو رجل دين، من أيِّ جهة كان. أنا أعتبر السياسيين ورجال الدين هم مَنْ يهدمون الحضارة والإنسانية! ستقول لي ولكن هؤلاء هم يشكلون العمود الفقري للمجتمع بتعاملهم مع الشعوب لإيجاد الطريقة المثلى للسعادة والرفاهية وأنا أقول هو كذلك! ولكن السياسي أورجل الدين، يبدأ بذاته وما يفيدها ثم يتجه الى الآخر"هذا إذا ما قرَّر الإتجاه إليه"!ـ هذا ما يحدث عادة ـ بالضبط على عكس العالم والفيلسوف والفنان والأديب. أخلاقية السياسي ورجل الدين هي أخلاقية شخصية ذاتية يبدأ بها فكره وينتهي بها ولا يبتعد عن ذلك ولو بخطوة واحدة، إنـَّه لا يرى أبعد من أرنبة أنفه شيئاً على الإطلاق! ذلك كي يحوزعلى السلطة والقوة التي يحكم بها. مهما يكن حكمه، سلبيا أم إيجابيا، دكتاتوريا أم ديمقراطيا سيكون ذا طابع خاص وشخصي متحيز ليس إلا َّ. لذلك تراني ومنذ شبابي لم أتبع حزبا أو سياسة. أنا مسلم، أأمنُ بالله الواحد ونبيـِّه محمد "صلعم"، أأمن بالأنبياء والأولياء من قبله، أحترم كل مذهب وكل دين يحترم إيماني هذا.
    عفواً. خرجت قليلاً عمَّا كنت فيه... أستميحك عذراً. أنا رجل طمَّاع! أطمع أن أحصل أكثر وأكثر من كل حدبٍ وصوبٍ ذلك كي أعطي أكثر وأكثر وأكثر.


    *منذ بدء مشوارك الشعري في مطلع سبعينيات القرن الماضي كان للميثولوجيا حضور طاغ في نصك الشعري الذي نشرته في المجلات العراقية انذاك ومن يقرأ اخر ماكتبته من نصوص عام 2012 يجد ان العبار مازال ينهل من هذه الاجواء الملحمية التي تحتشد في تربة العراق والجزيرة العربية كما في (آكِلُ المِرار، ذو يَزِن ، ذو َمحَن ْ، مَالِكُ ابْنِ ِالرَّيب) . مالذي يجعل هذه العلاقة متسمة بهذه القوة وهذا التلازم ؟ . وهل كان للاغتراب دور في تعميق هذه الصلة وتأصيلها ؟ أم ان الماضي مازال يسكن فيك رغم ابتعادك جغرافياً عنه ؟
    - نعم، هو كذلك. والحديث ذو شجون! .كنت في الصف الأول الثانوي وبدأت من هناك. إشتريت كتاباً مستعملاً: " العروض مبسطا لحسن دندشي" بمئتي فلس! درجة النجاح في إمتحان مادة ما كانت 100من 100 وكنت أحصل على 40 من 40 في الإنشاء و3 من 30 في النحو! 14من 15 بالإملاء و15 من 15 في حفظ النصوص الأدبية، فتكون درجتي النهائية في اللغة العربية 72 من 100!. دخلت الإعدادية ـ القسم العلمي ـ كنت أحب الجبر والرياضيات والفيزياء ..إلخ، إلى أن إلتقيت بالأستاذ يونس والأستاذ ذوالنون الإطرقجي. كنت أريهم ما كتبت والجواب كان أن العروض جيد والنحو مكسور بصيغة شنيعة! علـَّموني ومن ثم أكملت في جامعة عين شمس في القاهرة ـ كنت أدرس النحو العربي في الأزهر على يد الأستاذ شحاته الطنطاوي والذي كان كل مايعرفه من الحياة شيئين فقط لا غير: النحو العربي والفقه الإسلامي! وصلت إلى أن تكون أطروحتي للتخرج هي " التفسير والتعليق على ألفيـَّة إبن مالك" ومقارنة أراء سيبويه بما يعللونه الكوفيون في النحو مثل الكسائي و المبرّد. خلال تلك الحقبة كنت أدرس، أحفظ، أتعلم وأخزن الكثير في كل مكان يناسب: في سراديب الفكر، في غرف القلب الأربعة، في الصدر وبين الأضلاع، في الأحشاء وفي الشرايين حتى أنني كنت قد أُتـُّهِمتُ بالشره والطفيلية ـ كل التاريخ والفلسفة والأدب العربي وإلى يومنا هذا، لم يفتني شيئ إلا َّ ما شاء الله ـ، كنت قد حفرته في كياني ـ. الميثولوجيا هي هوية وجنسية لكل حضارة، هي ذلك النبيذ المُعَتـَّق وتلك النكهة التي تعطي إسماً وشكلاً وجسماً لكل الوجود، تمنح الرائحة الزكية والزي الرسمي والتقليدي، تهب جماليات الزمان والمكان والسببية للزهو والشرف وكل قيم الوجود وميتافيزيقيته. كل هذا يجعلني أستشف وجودي، المفعم بالفرحة والحزن وأرسم أبعاده الثلاثة باحثاً عن البعد الرابع، من الأُسطورة!
    الغربة تجبرك على الإنصياع والذوبان فيما هو أبعد من المادة الهشة ويومياتها المخنقة، تجعلك تثابر كي تجد العلاج لجروحٍ وكسور وكدمات، تمنحك القدرة على الحصول على الإكسير الشافي الذي يعيد لك القوة والزخم اللاَّزِمَيْن للمضيئ أماماً. الأُسطورة هي راعية الغربة والغربة إذا لم تـُرعى تضيع وتضيع أنت معها! .الماضي هو الوجود بعينه! إذا قلت أنَّ شيئاً ما هو "الآن" فإنـَّه قد مضى! والحاضر، كل الحاضر، كل وجوده يتوالى في الماضي القريب ولا مناص له أبداً من ذلك. المستقبل هو أسطورة الماضي الذي فيه يتكررالحاضر، والماضي هو أُسطورة نفسه! "إذن"... إذاَ...فإنَّ آكل المرار هو أنا وهو أنت وكل من يتجرَّأ ويفرض وجوده فرضاً قسريّاً وقدريـّاً ولامحالة إلاَّ أن يكون. البعد جغرافياً وجسدياً مهما يكن من طوله وارتفاعه وعمقه وعرضه يبقى موصولاً بالروح، بالعشق والهيام والغرام، هذا الوصل يكون أعمق ما يكون عندما يحمل صليب البعد، عندما يتعدَّى المسافات ويختزلها فتصبح على قاب قوسين أو أدنى! فمن ثمَّة قبلة تحرق الشفاه وتمتدُّ إلى القلب فتجعل العين تدمع فيعود طوفان نوح وتغسل الأرض من كل خطاياها!
    يا أخي مروان كلنا ماضٍ وكل ماضٍ هو ميثولوجيا الوجود! الحاضر هو تلك اللحظة التي قد مرَّت. الماضي هو الخلود!.

    *انت المثقف والمبدع القادم من الشرق عشت المشهد الثقافي الغربي وعرفته عن قرب وتداخلت معه وكنت جزءاً منه لاكثر من ثلاثة عقود،. السؤال هنا : كيف تنظر الى دور المثقف العربي وحضوره وفاعليته في محيطه العربي بالقياس والمقارنة مع المثقف في الغرب ؟ هل من ازمة يعاني منها هذا المثقف ؟ وأين تكمن هذه الازمة ،مع نفسه ؟ مع مجتمعه ؟ مع النظام السياسي العربي ؟
    -نعم، أنا الرجل الآتي من الشرق ليس إلا َّ. عشت وأعيش المشهد الثقافي الغربي، عرفته وتداخلت معه وبه طيلة هذه السنين، لم أبتلعه هكذا مرَّة واحدة، كما يحدث عادة مع الأكثرية، ولكن إستوعبته وأكلته مضغة مضغة، سرت خطوة خطوة، كل خطوة كانت لها أبعادها: بدايتها، مسيرتها، زمنها، عمقها، طولها، عرضها وارتفاعها. إنَّ كل تطور حضاري له صفاته وزمنه وليس من الممكن إلـْتـِقـَافـُه هكذا مرَّة واحدة. الثقافة الغربية هي مسخ جبار وعجيب، له أساليباً وطرقا تعجُّزيَّة تستطيع أن تبتلع كل شيئ دونما تترك له أثراً، لم أتواطأ معها بل كنت ولاأزال نِدّاً: خصماً، عدوّاً وصديقاً! لم أنتظر كي تعطيني بل أخذت منها ماأشاء، كانت تتكبـَّرعليَّ وكنتُ أذلـُّها، كانت تتحدَّاني وكنت أبارزها: في مَحْضََرِ الجميع أضرب وجهها بقفازي وأواعدها عند الفجر لإنهاء القضية بمبارزة معطيا لها حق إختيار السلاح والمساعد الذي تفضِّلـُهُ! وعند الفجر نلتقي ويبدأ النزال فأجرحها بالـ"متنبـَّئ" وترد بـ"لورنزو العظيم" أقطع نفسا من أنفاسها بـ" أبي العلاء المعري" وتردُّ بـ " دانتي"... وهكذا يطول الصراع حتى الغروب وكلـُّنا قد أخذ منه التعب والعطش والجروح ما أخذوا، نتوقف كرجلين نبيلين لنعقد الصلح أو أن نكمل المبارزة غداً! في أكثر الأحيان وحكماً بما تقتضيه الحال يكون هناك نوع من التلاحم والتداخل فكل ماهو غربي يصبح شرقيا والعكس صحيح أو أن الكل يفقد حدوديته ويصبح التعبير الفكري خارج الزمان والمكان والسببية. مهما كان الشكل والاُسلوب وأينما قيل ولاَيِّ سبب كان، يصبح ذلك التعبير كونياً فيتعدى كلٌ مِنْ شكسبير وابن المقفع، دانتي وأبو العلاء المعري، جابر بن حيان إبن الهيثم الكوفي الجبري وإقليدس، الفارابي وسيبيليوس، حدود المكان والزمان والسببية. هكذا يصبحُ هؤلاء بلا حدود تحدُّهم ولا زمان يتسلـَّط ُ عليهم ولا سببيـَّةٍ تـُعَلـِّلُ وجودهم وفكرهم. هم أحرار، يتواجدون ويختفون، يرحلون ويعودن لا حدود توقفهم ولا زمان يتعداهم ولاسببية تعصب أعينهم أو تسد أفواههم. هم قد توحدوا بالحرية المطلقة إلى أبد الآبدين!
    إنَّ دور المثقف العربي في الغرب محدود بصيغة أو بأخرى اللهمَّ القليل منهم من إستطاع اختراق الحدود. أما حال المثقف العربي في داخل وطنه " فالعياذ بالله!" إنـَّه محكوم قبل أن يتنفس، قبل أن ينبس بحرفٍ واحد. على مرِّ التاريخ نحن رأينا وسمعنا وقرأنا عن أًولئك الذين ثاروا ودفعوا الثمن غالياً، أذكُرْ معي يا أخي مروان كيف أُلـْقِيَ بإبن المقفع في التنـّوُر وهو حي وكيف أُحْرِقَ جوردانو برونو وهو حي، والحال لم تتغير عبر الزمن. حتى هنا في الغرب هناك ثمن يدفعه من يثور على القيود فكيف هي الحال في أوطاننا؟. في الوطن إمَّا أن تكون مهرِّجا أو أن تكون ببغاءً وإلاَّ! مَنْ ذاك الذي وقف في وجه أحد الحكام العرب "عرب بالإسم فقط" وقال لا، بأوسع ما تنفتح به شدقتيه؟ ومَنْ كان قد فعل، نحن نعرف ماانتهت به الحال إليه. إنَّ الأزمة التي عانى منها المثقف العربي ولازال هي أزمة لها شكلان بجوهرين، الأول المحيط الذي يعيش به من سياسة وتقاليد إجتماعية ودين مفسَّر على طريقة المنفعية والسيطرة والأخذ بزمام الحكم وفرض ما تشتهي نفس هذا وذاك من الحكام ورجال الدين. الآخر هو النفس والضمير، العقل والقلب، تلك الخلفية المليئة بالمأساة والقمع والأبتزاز التي يعاني منها المثقف العربي. طالما تابعتُ وقرأتُ وكلما وجدت مايستحق وما يمكن الأخذ به يكون قد ضاع واختفى. الكثير منـَّا في الخارج ومنهم في الداخل يأمل! ولكن هل ياترى من منقذ أو أنَّ قدراً ما يخرجنا؟ أو أنَّه كما يقول المثل الإيطالي:" مَنْ يعش مُؤَمِّلاً يموت مُنـْفـَجـِراً"!
    *الشعراء العرب منذ النصف الثاني من القرن العشرين كتبوا الكثير من البيانات والتنظيرات الشعرية التي تؤسس لنماذج كتابية جديدة للنص الشعري ومن المؤكد انك قد اطلعت عليها . هل تجد هذه الكتابات كانت تقليداً وتأثراً بشكل واضح بتجارب غربية أم انها كانت محاولات اصيلة لكسر الجمود الشكلي الذي رافق الشعر العربي بصيغته التقليدية ؟
    -إنَّ الطفرة الأولى في التجديد ( والتجديد ليس غربياً أو شرقياً) كانت لبدر شاكر السيَّاب ولنازك الملائكة لنشرهما لأولى قصائد الشعرالحر وذلك في سنة 1945 ـ 1946. ذلك التجديد كان عبارة عن كسر وتحطيم القصيدة العمودية السائدة وذلك بعدم الإنقياد بعدد التفعيلات الموجودة والمحددة في البحر الواحد من بحور الخليل الستةعشر واستعمال مايجوز فيه من خبنٍ وطيٍّ وما إلى ذلك للتفعيلة نفسها، بل إلى هذا أضف أنـَّهما كانا قد إعتمدا على مايسمى بكسر التفعيلة نفسها وإجازة التدويرأي:
    مستفعلن مستفعلن مستفعلن ـ.ـ.ــ./ ـ.ـ.ــ./ ـ.ـ.ــ.
    مستفعلن مست ـ.ـ
    ـ فعلن مستفعلن .ــ./ ـ.ـ.ــ.
    مس ـ ـ.
    ـ تفعلن ـ.ــ.
    ...إلخ.
    أوائل القصائد للشعرالحر كانت تـُنظم على البحور الصافية أي التي تحتوي على تفعيلة واحدة متوالية: مستفعلن مستفعلن...، وليس على البحور المختلطة أي التي تحتوي على تفعيلتين مختلفتين: مستفعلن فاعلن أو فعولن مفاعيلن. .من بعد ذلك بدأ الشعراء بتوسيعهم لهذه الثورة في شكل القصيدة العربية بحيث أضافوا أشياء أخرى لم تكن نازك الملائكة نفسها راضية عنها! بالأحرى كان يجب عليها أن تفكر بأنَّ من فتح الأبواب وكسر القيود سوف لن يتوقف أمام المتاريس والعوائق المقبلة، بل أنـَّه سوف يواصل الطريق بكلِّ ما يحويه من المخاطر والوقعات والسقوط والعلو. إجمالاً كانت هذه هي الخطوة الأولى. .إنَّ إحدى الميـِّزات الأساسية واللازمة لكي يكون ما نكتبه يسمى قصيدة وليس أي نتاج أدبي آخر هو الوزن ـ الموسيقى " هذارأيي". هذه الموسيقى، هذا اللحن وهذه الغنائية هي التي تعطي القوة القصوى للكلمة كي تخترق العوائق والجدران الإسمنتية المسلـَّحة وتصل إلى الأعماق. بهذا فالكلمة لاتكون هي الواسطة للتعبير ولكن الموسيقى التي تغلـِّفها وتحتويها فتجعل منها الغاية التي موقعها في الأعماق. الكلمة هي كالفكر تتواجد في كل زمان ومكان، فإمـَّا نائمة وإمـَّا هي في سباتٍ عميق:ـ هذا الشاعر قال ماكنت أفكِّرُ به!... وذاك المُهَلـْهِلُ غنـَّى ما عجزت أن أُصْدِحَ به! الموسيقى هي لغة كونية وعندما تحتوي الكلمة ـ(المُتـَّفـَقُ عليها مِنْ قِبَلِ مجموعة مِنَ البشر) ـ ، تجعلها متـَّسِمة بكونيتها فتقضي على الحواجز والعوائق كلها وتصبح الكلمة روحاً لا يحدها شيئ على الإطلاق. لم أتوقف في يوم من الأيام عن مواصلة القراءة والإطـَّلاع على كل ما يجري سواءً في الوطن العربي أم في الأنحاء الأخرى من العالم، لذا فمن خلال تواصلي وجدت الكثير، منه ما اعتبرته تجربة فاشلة لأنها تقليداً أعمى للآخرين لا لشيئ بل لمجارات " الموضة" ومنه ما اعتبرته قابلاً للتعامل معه. التجديد يجب أن يكون ومن دونه سيطغي الموت والتحجر. وهذا التجديد يجب أن يكون في كل زمان ومكان ولكن القضية وما فيها أن هذا التجديد يجب علينا أن نفهمه أن نتدارك محتواه وشكله بصيغة موضوعية وليست إعتباطية.
    النص المكتوب دون الموسيقى يسمى نثراً والمسرد منه يسمى رواية أوقصَّة أو أي تسمية أخرى وليس بالشعر. شكل التعبير مهما يكن ومهما سمي تجديداً كان أم تقليدا فإنَّ محتواه يجب أن يصل الى الغاية وإلا َّ كان تعبيراً مبتوراُ، أعرجاً، مشوهاً! " بالمناسبة، التشويه هو نوع من التعبير، أليس كذلك يا أخي مروان؟!"

    *على هذا : أنت مازلت تحتفي بالغنائية وتعدها مرجعية فنية يتنفس فيها نصك الشعري حريته ؟ وضمن هذا الاطار ايضا ،ماهو رأيك بالتجارب الشعرية العربية التي باتت تستثمر السرد في بنية النص الشعري ؟
    -أظنني قد أجبتك عن هذا السؤال بالذي قلته من قبل، ولو بطريقة غير مباشرة، ولكن لاحرج أن أحكي: إنَّ خمرة الشعر هي غنائيته وخمرة القصيدة ليست أيَّ خمر محرَّمةً أو محلـَّلة كانت، بل هي موسيقيتها التي بدونها لا يمكن أن تكون القصيدة. أيَّ نصٍّ نقرأه نقول عن هذا قصَّة وعن ذاك نثرا وعن ذلك مسرحا وآخر نقول عنه سردا بسيطاً ... إذن والحال هذه فإنـَّنا قد اعتدنا " والعادة، يا أخي مروان، العياذ بالله منها!" على أن نسمِّي الأشياء بأسماء سمَّيْناها، فهل يمكن التغيير؟ نعم يمكن أن نغيِّر، حتى وإنْ كان تغييرا غير معقول"كمسرح اللاََّمعقول": نسمِّي البقرة باسم " أنا ـ Io" وهي إحدى عشيقات الإله جوبتر وأن نسَمِّي أيَّ شيئ بأيِّ إسم كان. التسمية ليست مهمة بهذا القدر بل هو مضمون النص وما يرمي إليه. مثلا: في الفن خاصة والأدب عامة " في الغرب خصوصا" تطلق تسميات على العمل الفني أو الأدبي، هذه التسميات ثابتة وغير قابلة للتغيير مطلقا، فأنت تسمي هذا النتاج الفني أو الأدبي كلاسيكيا وذلك حسب مرجعية صفات معينة كانت قد ثـُبـِّتـَتْ من قبل ولا يجوز تغييرها. مثل" أن العمل الكلاسيكي يسمى كذلك لأنـَّه يكون تقليدا تامّاً للطبيعة" وهذه هي إحدى خصائص الكلاسيكية. وذلك العمل هو من المدرسة الكلاسيكية الجديدة لانـَّه يحتوي على خصائص أخرى لا يحتويها العمل الكلاسيكي... وهكذا من الكلاسيكية الجديدة الى الفيَمِّنـﮔو ومن هذا الى الرمزية والى الإنطباعية و... الى ... فكلٌ له خصائصه شكلا ومضمونا. كذلك ما يتعلـَّق بالشعر ـ " رأيي" ـ هو أنَّ الغنائية ـ الموسيقية ـ هي الواسطة الأكثر لازِمِيـَّة بل من المستحيل الا َّ ترافق القصيدة. مع ذلك، إذا سألتني: هل هنال من نصٍّ يستطيع أن يكسر القيود ويتعدى الحدود كلـِّها وهو ليس بالقصيدة التي اعتدنا تسميتها؟ أقول نعم. بل هناك ما يفوق ذلك! ولكن سمِّهِ ماتشاء وليس بالقصيدة.

    *بينك وبين العراق فاصلة زمنية شاسعة هل كنت تتابع مايجري في المشهد الابداعي ؟ وفيما لوكنت متابعاً له ، هل من ملاحظات عليه ؟ خاصة بعد العام 2003 ؟
    -نعم. هذا ما أعتقد أنني قد أجبت عنه من قبل أيضاً، ولكن أقول أنني تابعت كلَّ صغيرة وكبيرة، ما كان سلبياً وأيجابياً، لاحظت الكثير ولكن، قبل التاريخ المشؤوم ـ المـُنـْتـَظر! الذي ذكرته كان السكوت والقمع هما الأقوى وبعد ذلك كانت الشذرات هنا وهناك. براعم أرجو لها أن تكبر سريعاً، براعم منتشرة بين الكثير من الموت والحطام والرماد، بين مخلـَّفات وسموم أرجو أن تتحول إلى سماد وعون كي تنمو البراعم وتـُورق وتـُزهر.

    *هل لديك نية لزيارة العراق او العودة اليه ؟ أم ان العراق امسى جزءاً من الذاكرة وجزءاً من الماضي البعيد ؟
    - نعم، سَأعود! أنا رجل يسكنني الحزن والعتاب! هذا الحزن ذو أنفة وكبرياء، كما العراق ذو أنفة وكبرياء, والعتاب به ألم وحسرة، كألم وحسرة أرض العراق وسمائه، الحزن لا يأكل إلاَّ من طعام راقي الصنع ولا يشرب إلاَّ من دجلة والفرات! العتاب اختناق وغصَّة وتعلثم، كلمات متقطِّعة تكاد لا تـُسمع، حشرجة بها لوعة ومأساة، أنين آتٍ من أبعد الأبعاد وحرقة تـُفـْحِمُ القلب! . العراق ليس ذكرى، بل هو وجود خالد إلى ما شاء الله. الذكرى هي أنا: رجل ولد ومرَّ في أحشاء العراق وهو راحل غداً، والعراق باقٍ إلى ماشاء الله. أنا إبن من أبناء الرَّافدين الثائرين... آهِ لو تعلـَّمت الثورة بسلاح غيرالقلم والفرشاة والإزميل! هناك من يقول: سلاحك أقوى أجمل. ربَّما، ولكن،يا أخي مروان، قد أثرت مالا يجب إثارته وأطعمت للنار عظاماً تكاد تكون رماداً.
  2.  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الأربعاء، 2 مايو، 2012

نشرت في صحيفة الزمان السنة الخامسة عشرة العدد 4189
في يوم الاربعاء 2 ايار 2012 م الطبعة الدولية



مساحة ُ الدهشة ِ والانزياح ْ. .
 في العرض المسرحي الجان والمجنون .

الخروج من ذاكرة المتلقي
                                                       
                                            
تأليف واخراج : بيات محمد مرعي
تقديم             : تربية نينوى
تاريخ العرض : 16/4/2012
مكان العرض  : قاعة فرقة مسرح قره قوش


الخروج من ذاكرة المُتلقي
مشهدية العرض المسرحي المعاصر في مدينة الموصل تكاد أن تنحسر بشكل واضح في تجارب معدودة يمكن الاشارة اليها بعيدا عن السقوط في الارتباك والغموض اللذين يمكن ان يصيبا الناقد فيما لو كان يتحرك بقلمه النقدي في مشهدٍ مزدحم ٍ بتجارب مسرحية عديدة  تتحرك في اطار الخروج عن النمط المُتراخي والمُتأكسدِ في حدود بركة التحليل والتفسير للنص او للعرض المسرحي دون ان يسعى هذا المشهد  الى تحقيق ازاحات فنية وفكرية يقف العرض المسرحي عليها من اجل ان يكون كتابة جديدة بصرية وسمعية .
إن مدينة مثل الموصل يمكن الولوج الى المساحة المتوهجة فيها دون عناء وذلك لندرة العروض التي تنهل من مُنحنيات القراءات المُستنطِقة لِما وراء الدلالات المَبثوثة بين أسطر الجُمل والصُور المسرحية التي يحملها النص الادبي . وغالبا ما تصبُّ مُجملُ العروض في قوالب فنية مُدونةٍ في ذاكرة المُتلقي، وهي لاتخرج عن استغراقٍ ٍ احتفالي بالنص الادبي لاغير ! بما يَحملهُ من افكارٍ وصورٍ تستمدُّ حضورها من  طاقة الوضوح دون ان ترحلَ نحو الاستغراق في تفتيت المؤطِراتِ المُتمظهِرةِ  التي عادة مايتخَلجَنُ المؤلفُ فيها ويُضفي عليها هالة ًمن  القداسة ، وهذا المُعطى لايقتصرُ أمرهُ على الموصل فقط بل يشمل العاصمة ايضا ولكن ليس  بالصورة التي تندرج عليها العروض في المحافظات . وهذا لايعني أن النشاط المسرحي خارج العاصمة مستمرٌ في ركوده الفني على مستوى الاساليب ، ذلك لاننا بين فترة واخرى نجد انفسنا ننتقل عبر عرض مسرحي جديد هنا او هناك  الى زمن مُتدفق ٍ يطرقُ جدار الركود والصمت ليزرع في زخم ماتكدّس من اسمال ٍ مسرحية غيمة ًماطرة تبعثُ الامل بومضةٍ أشرقت  على وجه عشاق الفن المسرحي ومتذوقيه..
تشفير الفضاء المسرحي
من بين العروض الجديدة التي استوقفتني خلال الايام الماضية مسرحية الجان والمجنون للمؤلف والمخرج بيات محمد مرعي فهذا العرض قد كثف مساحة الامل بما يُمكن أن يحمله المشهد المسرحي الموصلي من طاقة شعرية مُبهرة  تمتلكُ الكثير من عناصر الاختزال والايحاء والتأويل . ليصبح بالتالي هذا  العرض صياغة فنية غير تقليدية ازاحت ومضاتها الخاطفة التي اثثها مَرعي بمُخيلة ٍمجنونة ٍ إستَقت ْ تشردها وانتمائها في آن واحد من روح الشِعرْ الذي يدرك اسراره بيات محمد مرعي وهو الكاتب القصصي والروائي الذي يكتب جُمَلهُ عادة وهي معبأة بخمرة الشعروليقتحم بها ذائقة المتلقي المسرحي التقليدية في رؤية الاشياء الواقعية على المسرح وهي تمضي في تشكيلات غير مأهولة ٍ ، حتى ان الدفوف التي كانت مُلازمة للمجموعة شكّلت  عنصرا اساسيا في بناء العرض مع الشخصية الرئيسية ( المجنون ) باتت تحمل  وظيفة درامية تنطوي على هاجس جمالي يذهب بها الى محمو وظيفتها التقليدية كما هو شائع في المناقب والموالد لتواكب بانزياحها الدلالي هذا التشكيلات البصرية  التي تنوعت منها المدلولات التي حمّلها اياها المخرج في كل خطوة كان العرض يخطوها الى الامام وهو يجنح في رسم ذات المجنون واحلامه الانسانية البسيطة في العيش بوطن آمن يوفر له لقمة خبز وهو يصرخ : - انا جائع.     بساطة ُ الحلم الذي كانت تكتنزهُ ذاكرةُ المجنون ( سعيد) وهو يواجهُ حياة ًشقية ًيتنقل فيها بين القبور والاموات بينما كانت اصوات خفية مُرعبة تأتيه وتلاحقه من أزمنة مُتداخلة تتأرجحُ مابين الوهم والواقع ، الماضي والحاضر، أوحت لمُخيلة المُخرج مَرعي ان تُبقي فضاء الخشبة خالياً من قطع الديكور باستثناء عدد من المكعبات الصغيرة التي أمعن في تشفيرها وهويستثمرها في خلق توليفاته ِالصورية مع مصابيح الليز والدفوف وليفجر في لحظات العرض المتتابعة مُناخات مُتخيلة مُتتالية تعكس الصراع الداخلي المتوتر الذي كان يعصف بذهن وذاكرة المجنون سعيد .  من هنا فقد نأى  التشكيل السينوغرافي للعرض عن حبكة المفردات الصورية الواقعية وعَلّق ثيماته ِفي ما يمكن أنْ تنتجَهُ المخيلة ُمن تخيلات موغلة ٍفي الدهشة والغرابة عبرأدوات ٍ بسيطة ومحددة  وإلى أن تكون الخشبة مساحة رحبة تتحرك فيها المجموعة على هيئة اشباح وهي ترتدي  زياً مسرحياً مُوحَداً يتراوح لونه مابين الاسود والابيض وهو يغطى جسد كل فرد من افراد المجموعة حتى وجوههم التي مُسِخَت  واختفت وضاعت ملامحها لتبدو بشكل ٍ واحد وملامح واحدة . هذا الاختزال الذي كان سمة هذا العرض استثمر القيمة الدرامية للضوء في ازاحاته التعبيرية التي فكَكَ الضوءَ بتدرجاته ِاللونية ، العوالم الثُنائية المتضادةَ والمتصارعة مابين الذات والعالم والتي اختزلتها بؤرة الصراع القائم مابين سعيد والمجموعة فكان الضوء ملفوظة بصرية تتحرك داخل متن الحكاية الدرامية وليس على الهامش منها ، ولم يكن للعمل من دونها  ان يوصِلَ جملتَهُ البصرية التي اطلق من خلالِها مِعمَارهُ الفني المعبأ بالدهشة .
ان هذا العرض المسرحي الذي تحرك نسيجه الدرامي في لوحة بصرية أنيقة ٍ دون بذخ ولاإسراف إنتاجي ، استطاع أن يُزيح عنّا  حالة التساؤل  والشك التي باتت تُصاحبُنا نحن المسرحيون  خلال الاعوام القليلة المنصرمة حول  جدوى الفن المسرحي ؟ ومالذي يمكن ان يدفع المتفرج للذهاب الى صالة العرض المسرحي بعد ان  امتلك الفن  السينمائي امكانات تقنية هائلة وفرتها له التقنية الرقمية  مكنته من تقديم كل ماكان يبدو مستحيلا قبل عدة اعوام ؟ .
في هذا العرض تلمست الجوابَ عن هذه الاسئلة ، وانزاحت بقدر كبير تلك الشكوك بجدوى الذهاب الى العرض المسرحي ،  فلقد كشف هذاالعرض عمّا يمكن أن يصل اليه المسرح من مساحات واسعة ورحبة في الرؤية الفنية واشكال التعبير عنها قد لاتستطيع السينما ان تنافسه فيها اذا ماأخذنا بنظر الاعتبار محدودية المكان الذي تُنسَجُ فيه عوالم فضفاضة تتفجر منها صور انسانية . .
طواعية الجسد في الاداء المسرحي
اما فيما يتعلق بالاداء المسرحي للممثل الرئيسي في هذا العمل، الفنان احمد الجميلي ،  فلقد تمكن الجميلي ان يمنح الشخصية بُعدها الانساني وهو يتحرك برشاقة وحيوية على الخشبة وكانت قدراته الجسدية ولياقته البدنية قد أسعفته بذلك ، وهذا يعني ان الجميلي يُدرك تماما ان الدخول الى التجربة الانسانية في العرض المسرحي بكل ابعادها تستدعي اقتفاء التفاصيل والافعال دون تعقيد ودون اللجوء الى الاسراف في التعبير والمشاعر وهذا ماسيؤدي بالتالي الى لحظات آسرة في آداء الممثل وهو يتحرك بكل حرية مابين الحلم والواقع ،ومابين المتخيل والملموس ، واذا لم يكن جسد الممثل رشيقاً وبدنه مَرِناً ومطواعاًُ فلن يتمكن من تفجير الحياة ونبضها في جسد الشخصية التي تتحرك على الخشبة .
 كما اختصرت الممثلة غادة التي ادت شخصية سعيدة شقيقة المجنون حسرَتنا على غياب العنصر النسوي من النشاط المسرحي الموصلي خلال الاعوام الماضية واكتملت بحضورها جوقة المبدعين الذين ايقظوا فينا مشاعر من الحب والعشق للفن المسرحي كانت قد خبت جذوتها بفعل كم من العروض التي لاتخرج عن سياق التكرار والاجترار  لعروض مسرحية  سابقة .

222 رواق

رواق 222 اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي 2/ 11 / 2017 - المحكمة العسكرية تقرر اعدام مهدي الغرواي قائد عمليات نينوى الاسبق . - سيارات موني...