الخميس، 20 سبتمبر 2012



مقالي في صحيفة الزمان الطبعة الدولية الستة الخامسة عشرة - العدد 4509 - الخميس 20 ايلول سبتمبر 2012 م

فرقة ناجي عطالله تحت عيون النقد الفكري قبل الفني

حين يسقط الفن في اوهام الاعلام الرسمي
               


                                                  مروان ياسين الدليمي /الموصل

في خضم الوضع المشوَّه والمُلتَبس على الناس البسطاء لعِب الفن العربي في كثير من منتوجه الدرامي دوراً مسانداً في ترويج وتعميم الخطاب الرسمي الذي كان يقفزفي طروحاته  فوق الحقائق المؤلمة والفاضحة ليرسم صورة مزيفة عن بطولات عربية لاوجود لها على ارض الواقع إلاّ في فيما يروجه الاعلام الرسمي ، وقد ساهمت الحكومات العربية لاكثر من نصف قرن في خلق ومساندة اسماء معينة في الوسط الفني من خلالها مررت ما كانت تريد ايصاله من اكاذيب وحقائق مُظَلَلة ومُظلِلة  معتمدة بذلك على سذاجة الكثير من اولئك الفنانين بعد أن وجدت فيهم محدويةً في الوعي والتفكير إضافة الى اقتصار طموحهم على نيل الشهرة والمجد والثروة لاأكثر ، من دون ان يكون في حسبانهم ان يكرسوا فنهم لتحقيق متعة فكرية وجمالية تساهم في إيقاظ الوعي لدى الفرد .
يأتي عادل امام في مقدمة الفنانين الذين كانوا غارقين حتى آذانهم بكل الخرافات والاظاليل التي كانت تنتجها السلطة ، وكان  خير وسيط لتمريرها الى عقول الناس البسطاء عبر مُجمل أعماله الفنية ، مساهمة بذلك في الاساءة لعقول الناس البسطاء واستغبائهم، وغالباً ماكانت اعماله تنتهج  سياسة التعميم ،التي  لم  تخرج عن اطار التسفيه والسخرية والتسقيط للعديد من  القضايا الشائكة والمعقدة في المجتمعات العربية كالجنس والدين والارهاب  دون الخوض في معالجة  الاسباب والمقدمات التي انتجتها ،  بل كان ينمذج القضايا  ويعممها من غير ان يتناولها موضوعياً بالنقد والتحليل بل كان  يضع مايتناوله  من شخصيات وموضوعات ضمن اطار نمطي  مكرر  في كل اعماله .
في الاعوام الاخيرة التي سبقت سقوط نظام مبارك لم يعد عادل امام يملك ذاك  البريق الذي كان عليه ، ولم يعد  يمتلك الاهمية الجماهيرية الكبيرة التي تربع عليها لاكثر من ثلاثة عقود خصوصاً بعد ظهور عدد من النجوم الشباب الذين زاحموه على عرش النجومية ،وجاء هذا الانهيار بطبيعة الحال منسجما تماماً مع ماكان يمر به النظام السياسي نفسه من اختناقات وانهيارات ، لذلك عندما جاءت اللحظة التي سقط فيها النظام سقط  هوايضاً  معه  بكل المجد الذي بناه باعتباره جزءا منه ومن منظومته الايدلوجية خصوصا بعد التصريحات التي ادلى بها في الفترة المحصورة مابين 25 ينايركانون الثاني 2011  وحتى يوم سقوط نظام مبارك التي أساء فيها الى الشباب المعتصمين بميدان التحرير وكانت تحمل نفس عبارات التخوين  الجاهزة التي اعتاد  النظام نفسه أن يسوقها  عبر اجهزته الاعلامية .
انتكاسة للديموقراطية
 وشاء الحظ  أن يخدمه مرة اخرى من حيث لايدري  وذلك بعد نجاح الثورة باشهر معدودة عندما أخطأت  جماعة اسلامية برفع دعوة قضائية ضده تتهمه فيها بالاساءة للاسلام، وليصدر بالتالي وفقاً لهذه الدعوى حكما  قضائيا من المحكمة يقضي بسجنه  لمدة ثلاثة اشهر، هنا جاءته الفرصة الذهبية التي لم يكن ينتظرها عندما وقفت الى جانبه ولمساندته معظم  القوى اللبرالية والعلمانية واليسارية  احتجاجاً ورفضاً للقرار القضائي الصادر ضده وانطلاقاً من ايمان تلك القوى  بحرية الفكر والتعبير ، على اعتبارأن الحكم الذي صدر بحقه  ماهو إلاّعودة الى الوراء وانتكاسة  للديموقراطية وحرية الرأي التي ناضلت من اجلها ،فكان رد الفعل هذا غاية  مايتمناه إمام ليعود مرة اخرى الى واجهة المشهد الفني بزخم وقوة  كما كان عليه  في مامضى من الايام التي سبقت التغيير السياسي في 25 يناير كانون الثاني  ، وليبدو امام العالم نموذجا للفنان الذي يدافع عن حرية الرأي والتعبير .
ورغم ماحصده من نتائج كبيرة  من هذا الحكم القضائي إلاّ أنه لم يستثمرها بالشكل الصحيح ليعيد تقييم ماكان يقدمه بل وجدناه يعود مرة أخرى ليقدم لنا في مسلسل  فرقة ناجي عطالله ماكان حريصا على تقديمه فيما مضى  من تزييف وتسطيح وتسخيف للحقائق ،فإذا بنا  مرة اخرى نشاهد شخصية اليهودي في هذا العمل كما تعودنا أن نراه في مجمل الاعمال الدرامية العربية  : ساذجا ،بخيلا ،جبانا ،غبيا ، ومن السهولة جدا ان يتم الضحك عليه من قبل العربي  ناجي عطالله وفي عقر داره   !. وليأخذنا إمام مرة اخرى في وهم ِالبطولات الزائفة التي ننتصر فيها دائماً على اليهود  رغم خساراتنا الدامية معهم على ارض الواقع ، هذا يقودنا بالتالي لان نسأل انفسنا : اذا كان اليهود ودولة اسرائيل بهذا الشكل من الضعف والسذاجة ،كيف إذن تمكنوا من تحقيق الانتصارات تلو الانتصارات العسكرية في صراعهم مع العرب ؟  كيف تمكنوا من بناء دولة اسرائيل والحفاظ عليها وسط  الصراعات الكبيرة التي يخوضونها ضد العرب  ؟ .  كيف تمكنوا من  تحقيق ذلك ،إن كانوا بهذا الغباء وهذه السذاجة وهذا الجبن ؟
لاينبغي للفن ان يقع في قبضة الاوهام والخرافات التي اعتاد الاعلام الرسمي العربي صنعها وتسويقها الى المواطن العربي . انما ينبغي عليه ان يتحلى بالجرأة والمصداقية في رؤية الحياة وفي نقد الذات .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

الأحد، 9 سبتمبر 2012



حفل تأبين للراحل قاسم مطرود
استذكارا لمسيرة المسرحي الراحل قاسم مطرود وعطائه والذي لايليق الاّ بمن كان اكبر منه عمرا وتجربة ارتأى منتدى عنكاوا للفنون في يوم السبت 9/8/2012   ان يخصص تمرين العرض المسرحي الذي يستعد لتقديمه خلال منتصف هذا الشهر ايلول سبتمر تأبيناً للراحل الكبير وللوقوف احتراماً وتثمياً لهذا الكاتب العراقي الذي غادرنا فجأة وهو في ذروة عطائه . فكانت امسية اقتصر الحضور فيها على اعضاء المنتدى والبعض من اصدقائه . في بداية حفل التأبين تحدث رئيس المنتدى الفنان رفيق نوري عن الفقيد الكبيرقاسم مطرود وعن اهميته في المسرح العراقي ،بعدها تحدث المخرج المسرحي المغترب فاروق صبري عن ذكرياته وافكاره عن الراحل وماشكله من اهمية في مسيرة الكتابة المسرحية .بعد ذلك تحدث الشاعر والمسرحي مروان ياسين الدليمي عن تجربة مطرود والمساحة التي يشغلها في ذاكرة المسرحيين العرب .ثم جاء دور عازف العود ليث الرافدين ليقدم قطعة موسيقية انسجاماً مع طقوس هذه الامسية التأبينية .بعدها تم تقديم مشهد من العرض المسرحي "الوردة الحمراء" وهي من تأليف واخراج فاروق صبري وتمثيل رفيق نوري حنا وجيهان طه.
والراحل  مطرود كان قد تخرج من قسم الفنون المسرحية جامعة بغداد عام 98 وغادر العراق بعدها ليستقر في هولندا ومن ثم بعدها الى المملكة المتحدة . اصدر مطرود اكثر من عشرين نصاً مسرحياً ترجم العديد منها الى لغات مختلفة . كما  اسس في نهاية عقد تسعينيات القرن الماضي وقد اسس موقع مسرحيون الالكتروني وهو اول موقع يهتم بالشأن المسرحي . ونال خلال مسيرته العديد من الجوائز التكريمية اخرها كانت من مهرجان المسرح العربي في القاهرة .

.

السبت، 1 سبتمبر 2012



رؤية نقدية في الانتاج الدرامي العراقي 
هل يُذِلُّ المنتجون الممثلين والمخرجين حقاً ؟  


                                               مروان ياسين الدليمي

متابعة المسلسلات العراقية التلفزيونية لابد أن تصيب المتلقي  بالملل ،  وهذا الشعور مبعثه جملة من العيوب والنواقص الفنية عادة ماتكون موزّعة على مجمل الاعمال، لذا باتت اشكالية الانتاج العراقي  تبدو اشبه بمعضلة مستعصية لن يتم التوصل الى حلها على المدى المنظور، وهذا يعود في بعض من الاسباب  الى حالة من الوهم الكبير يعيشيها معظم العاملين في قطاع الدراما العراقية منتجين ومخرجين وكتاب وممثلين على حدٍ سواء ، ويذهب بهم هذا ألوهم الى الاعتقاد : بأهمية ماينتجونه من الناحية الفنية ، بل لايترددون في أن يضعونه في مرتبة تؤهله لمنافسة الاعمال المصرية والسورية  ! . لكنهم عادة مايرجعون عدم نجاحه وانتشاره عربياًالى نوع من العداء المستحكم لدى القائمين على الفضائيات العربية  ضد كل ماهو منتوج  فني عراقي ،ذلك  لانه وحسب اعتقادهم واوهامهم انه سيربح الرهان فيما لو دخل ساحة المنافسة مع الاعمال العربية على شاشات القنوات الفضائية العربية  !  هذا هو مايحسبه معظم الفنانين العراقيين ،غافلين ومتجاهلين عن قصد او بدون قصد ماتحمله اعمالهم من جوانب ضعف فنية واضحة اذا ماقورنت بالاعمال الاخرى المنتجة في مصر وسوريا .

منافسة الدراما السورية
إن اي متابع بسيط للانتاج الدرامي العربي والعراقي سيصل دونما جهد الى نتائج واضحة  لاخلاف ولااختلاف عليها وهي في اخر الامر ستضع الاعمال العراقية في مستوى متدنٍ بالقياس الى الانتاج العربي  فيما لوتمت المقارنة مابين نمطي الانتاج ،  ذلك لان الاعمال العربية كانت دائماً في حالة نمو وتطور على المستوى الفني  اخراجاً وتصويراً وتأليفاً ومعالجات فنية .وهناك محاولات واضحة وملموسة عبر عدد من الاعمال للخروج من نمطية البنية التقليدية للمسلسل الدرامي العربي الذي تشكّل منذ بدء البث التلفزيوني مع مطلع ستينيات القرن الماضي وتظهر هذه المحاولات في الاعوام العشرة الاخيرة التي شهدت بدء ونمو البث الفضائي خاصة بعد ان دخلت الدراما السورية ساحة المنافسة وبقوة مع الدراما المصرية بل انها تخطتها فنياً في العديد من الاعمال التي يقف خلفها  مخرجون سينمائيون أكفاء درسوا الفن السينمائي في البلدان الاوربية مثل باسل الخطيب وشوقي الماجري ونجدت اسماعيل انزو وحاتم علي ،وهنا نسأل : كم من مخرج عراقي يعمل في الدراما التلفزيونية قد درس الفن السينمائي خارج العراق ؟ أنا اقول : لاأحد . . اذن التطور الذي حصل لدى الاخرين لم يبنى من فراغ ولم يكن ضربة حظ ولا حلماً عابراً  بل جاء نتيجة عوامل موضوعية اساسها : الاعتماد على عناصر متعلمة وعارفة الى اي هدف هي ذاهبة .
وعليه فإن هذا التحول في الدراما السورية وضع شركات الانتاج المصرية في مأزق كبير وأصبح نتاجها الفني على المحك بعد أن كان يتربع على العرش لعقود طويلة، من هنا بدأت تشعر بخطورة ماوصلت اليه الدراما السورية من مستوى فني متقدم خصوصا من الناحية الاخراجية بعد أن استأثرت بأستقطاب عموم المشاهدين في العالم العربي . من تلك الاعمال  على سبيل المثال : اخوة التراب ، الفصول الاربعة ، الزير سالم ، ابناء الرشيد ،اسمهان ،الاجتياح ، هدوء نسبي ، الارواح المهاجرة ، ايام الغضب ،نساء صغيرات ، رسائل الحب والحرب ، عائد الى حيفا ، الولادة من الخاصرة ، فارس المدينة ، الفصول الاربعة ، التغريبة الفلسطينية الخ .
لذلك عمل المصريون بكل جهدهم من اجل تصحيح المسار الانتاجي لكي يعودا بأعمالهم الى الواجهة ، وبدأوا  في البحث عن اسباب تراجع مستوى انتاجهم بالقياس الى نمط الانتاج السوري الذي بدا متقدما عليهم من حيث المعالجات الفنية التي باتت تلفت النظر الى  مدى خصوصية المخرج السوري والتي اقتربت في صورتها النهائية من طبيعة المعالجة السينمائية سواء في حركة الكامرة اوالتصوير أوبناء الميزانسين والجو العام.
وبداللمتابعين والمهتمين  بالانتاج الدرامي وكأن نمط الانتاج السوري قد اعاد الى الاذهان ماكانت قد احدثته السينما الواقعية الايطالية في خمسينيات القرن الماضي من حيث : - نزولها الى الشارع ،وابتعادها عن الاستديوهات ، وطبيعة الشخصيات الواقعية المستلة من الحياة ،  وجرأة المعالجات ، وطبيعة الطروحات الفكرية والفنية للموضوعات الانسانية التي اخذ يتناولها بعيداً عن نمطية الانتاج المصري الذي كان قد حبس نفسه داخل الاستديوهات وغارقا في عدد من الموضوعات المستنسخة والمكررة في اطار بنية تقليدية ماعادت تثير الدهشة وتحبس الانفاس مثلما هي الحال في الدراما السورية التي استعار مخرجوها الكثير من تقنيات السرد السينمائي المُستند الى التكثيف والايحاء والاهتمام الواضح في بناء الصورة ، مع اننا لايمكن هنا ان نتجاهل او ننسى الاعمال الكبيرة التي قدمها  اسامه انور عكاشه ووحيد حامد للدراما المصرية على مستوى التأليف ليس إلاّ .

دماء جديدة
 وبعد حوارات طويلة وصريحة دارت بين العاملين في الانتاج الدرامي شهدنا جزءا منها خلال الاعوام الاخيرة على شاشات الفضائيات المصرية تناولوا فيها ماآلت اليه من تراجع في مستوياتها الفنية والتسويقية ،  بدأنا بعدها في الاونة الاخيرة وخصوصا العام  2011 والعام 2012 نشهد نتاجاً مصريا مميزاً اعاد الثقة به وبأهميته وريادته ، والصحوة هذه جاءت بناء على عدد من المعالجات التي توصل اليها القائمون على الانتاج ،  كان في اولويتها : الاستعانة بدماء جديدة من المخرجين السينمائيين سبق أن اثبتوا حضورهم وكفاءتهم في عدد من الاعمال السينمائية التي حملت بصمتهم في العمل ، فكانت هذه الخطوة اساسية ومهمة على طريق تصحيح ومعالجة الخلل الذي شاب نمط الانتاج ،وعليه شهدنا خلال هذين العامين نتاجات مصرية مهة ومميزة على مستوى : الرؤية الفنية والتناول ، اضافة الى تحسن وتطور واضح جدا في الصورة التلفزيونية بعد ان ادخل هذا الجيل الجديد من المخرجين عدداً من التحديثات في نمط الانتاج مبتدئين ذلك باستعمال احدث انواع الكامرات السينمائية في تصوير المسلسلات على سبيل المثال تم استعمال كامرات  ( RED ) و (( 5DMARKIII التي تستخدم في الانتاج السينمائي العالمي ، وهذا بدوره انعكس بطبيعة الحال على نوعية الصورة التلفزيونية وجودتها لتصل في نوعيتها الى مستوى الصورة السينمائية ، وقد تطلب الوصول الى هذه النتائج اللجوء الى استخدام مدراء تصوير سينمائيين من ذوي الخبرة والحرفية العالية امثال سعيد شيمي ومحسن نصر وطارق تلمساني ، لهم القدرة على معرفة ماتحتاجه هذه الكامرات من معدات الاضاءة وكيفية توزيع مساقط الضوء لكل لقطة داخل المشهد الواحد كما هو الحال في السينما ـــ وليس المشهد ككل كما هو سائد في نمط الانتاج التلفزيوني ــ  بالشكل الذي يخلق جواً درامياً يتلائم ويتوافق مع الفكرة والمعالجة الفنية التي يتوخاها المخرج  ، وهذا مايمكن ملاحظته في  عدد من الاعمال  التي عرضت خلال هذين العامين مثل : المواطن X  ، أهل كايرو، شارع عمر بن عبد العزيز، الحارة ، طرف ثالث ، الهارب ،رقم سري ،  وغيرها من الاعمال .
وهنا بعد هذا الاستعراض لما جرى من تحولات كبيرة  في الدراما المصرية والسورية ، هل فكر المعنيون بالانتاج الدرامي العراقي في عقد جلسات نقاشية يشارك فيها ذوي الاختصاص من اكاديميين وكتّاب دراما  ومخرجين سينمائيين محترفين شيوخا وشباباً من اجل التوصل الى مكامن الضعف والخلل في نمط الانتاج العراقي الذي بقي يراوح في مكانه وكأنه يدور في حلقة مفرغة وغير قادر على تجاوزها . ولابأس في اشراك عدد من الخبراء من غير العراقيين يتم تكليفهم بمعاينة نماذج من الانتاج العراقي للخروج بملاحظات نقدية وتقويمية بهدف البدء بمسار سليم يتسم بالنضج والحداثة التي طالما افتقدها .
إن الاستمرار بهذه الصورة الرثة من الانتاج تعود مسؤوليتها الى عوامل واطراف عدة يقف في مقدمتها: 1- المخرجون  2- كتاب الدراما  3- المنتجون .
- المخرجون : إن المخرجين العاملين في الدراما العراقية  يتحملون المسؤولية الكبرى في ماوصل اليه الانتاج من ضعف وتسطيح ذلك لان غالبيتهم لم يتلقوا تعليماً اكاديمياً عالياً في فن الاخراج التلفزيوني أو السينمائي وإن كان الكثير منهم قد تخرج من كلية الفنون الجميلة ــ ذلك لان دراسة السينما والتلفزيون تحديدا في كلية الفنون الجميلة ليست على درجة عالية من التعليم والتأهيل الاكاديمي والمهني ،  لذا من الطبيعي أن  يسجل عليها الكثير من الملاحظات  التي ليست بصالحها ـــ  هذا اضافة الى ان العديد من المخرجين  كانوا قد جاءوا الى هذه المهنة بطريقة اوبأخرى لاعلاقة لها بما يحملونه من هموم  او مشاريع فنية تؤرقهم ويسعون لتحقيقها، بقدر تعلق الامر بأسباب اخرى لها صلة وثيقة بما يملكونه من علاقات شخصية وثيقة مع المنتجين وبقية الحلقات الانتاجية الاخرى ، وهذا بالتالي نتج عنه استبعاداً واقصاءً  لعناصر تمتلك الموهبة الفنية لكنها لاتملك خاصية بناءعلاقات اجتماعية يملكها اخرون غيرهم تنقصهم الموهبة  . وهنا ينبغي الاشارة الى ان الممثل العراقي غالباً ما يتجلى حضوره المؤثر والفعال فيما لو عمل تحت ادارة مخرج عربي ، بينما نجد نفس الممثل  يتراجع مستوى ادائه كثيرا  فيما لو عمل تحت ادارة مخرج عراقي وليسقط ادائه  في اطار التشنج والمبالغة في التشخيص.ولنا مثال واضح على هذا عندما نتذكر الاداء الجميل للممثل خليل فاضل خليل عندما عمل في مسلسل هدوء نسبي للمخرج التونس شوقي الماجري ، مما رشحه ادائه هذا  لنيل جائزة افضل ممثل واعد في مهرجان القاهرة  وبنفس علينا أن نتذكر ضعف ادائه في مسلسل الملك فيصل ،وهذا يعود بطبيعة الحال  الى افتقار معظم المخرجين العراقيين الى القدرة على توجيه الممثل وتنظيم عطاءه بالشكل الذي ينسجم مع حساسية الكامرة التي تفضح اي مبالغة في التعبير والاداء ويمكن استثناء المخرجين باسم عبد القهار وحسن حسني من ذلك  . وهذا يعني ان الممثل العراقي في غالب الاحيان يعتمد على ذاته في بناء الشخصية (افعال وردود افعال ) ولامن دور مؤثر لشخصية المخرج العراقي عليه .  
- المنتجون : امّا فيما يتعلق الامر بحلقة الانتاج والمنتجين ،  فنحن هنا  بلاشك سنتوقف امام اهم حلقة  تلعب دوراً اساسياً في نمو وتطور الدراما  أوتدهورها ، واذا ماعلمنا ان معظم المنتجين العراقيين الذين ظهروا منذ تسعينيات القرن الماضي كانوا قد جاءوا من مهن وحرف واعمال لاصلة لها مطلقاً بالعمل الفني ، فإن من الطبيعي سيكون تقييمهم للعناصر الفنية التي سيعتمدون عليها في انتاج اعمالهم لن يكون لها صلة  بالمقاييس الفنية السليمة والصحيحة ، وقد ابتدأ هذا المسار في انحراف الدراما العراقية في منتصف تسعينيات القرن الماضي مع انتاج نمط من الافلام اطلق عليها في حينها (افلام السكرين) وهي اعمال تحتشد فيها كل العناصر المشوهة والمشوهة للقيم الفنية والانسانية اعتمدت جميعها على استسنساخ  اكثر الموضوعات الميلودرامية سذاجة وتفاهة ورخصاً ،وليستمر بعدها اولئك المنتجون بالعمل  بعد ان حققوا ارباحا كبيرة في ذلك النمط الهابط من الانتاج اضافة الى ماأستثمروه  في انتاج عروض مسرحية كان ابطالها بلا منافس الغجريات وراقصات الملاهي الليلية .
وبناءً على ماجاء نقول : إن ألخروج والابتعاد عن هذا الرهط من المنتجين ،الذين لايدركون طبيعة ماينبغي ان يقدم من مستوى فني ــ ولن يكون هذا من اولويات اهتماماتهم ــ  يحتّم على الفنانين أولاً ( ممثلين ومخرجين ومصورين ) ــ قبل اي جهة اخرى ــ التفكير والسعي الجاد من اجل تكوين شركات فنية مساهمة حتى يمسكون العصا من المكان الصحيح لكي تصبح ادارة عجلة الانتاج الدرامي بأيديهم ، وبالتالي يمكن من بعد ذلك تصحيح الاوضاع بأنفسهم ، ذلك لان الخروج من هذا الوضع المزري الذي يعانونه نتيجة الاستغلال البشع لجهودهم وطاقاتهم من قبل المنتجين الذين اشرنا اليهم  لن يحل عليهم صدقة او منحة من اية جهة حتى لوكانت حكومية ، ولن ينزل عليهم هبة ً من السماء. إن جميع العاملين في الدراما العراقية  يعرف  تمام المعرفة بأن المنتج العراقي قد تفنن كثيراً وبأساليب مختلفة  في إذلال الفنان العراقي خاصة الممثلين منهم . فَهُم الحلقة الاضعف في عقل وضمير المنتج ، وهم لارأي  ولاحول ولاقوة لهم فيما يُعرض عليهم من اعمال ،لانهم يدركون تماما انهم فيما لو عبروا عن رفضهم لاي دور يعرض عليهم انطلاقاً من عدم قناعتهم به ــ ولاسباب مختلفة ــ  ستكون نتيجته حرمانهم من العمل ، إن هذا الوضع يبدو شاذ جدا ، وقد لانجد له مثيلاً بهذا الشكل السافر والمزري  في اي بلد عربي آخر، إذ ليس من المعقول ان  نجد الممثلين العراقيين لايملكون القدرة على الاحتجاج والرفض لكل انواع الاستغلال البشع الذي يتعرضون له ! ويمكن ان نضرب مثلا على مانقول : إن اجر ايّ ممثلة او ممثل مصري او سوري من الدرجة الثالثة اوالرابعة في الساعة التلفزيونية الواحدة  هو أعلى اجراً بمايعادل خمسة اضعاف اجر الممثل العراقي المُصنّف على انه من الدرجة الاولى . ! وقيس على ذلك حجم الاستغلال البشع الذي يتعرض له الممثل العراقي وبقية العناصر الفنية الاخرى .
-كتاب الدراما :  أن معظم كتاب الدراما التلفزيونية العراقية هم هواة وليسوا كتابا محترفين بالمعنى الدقيق للكلمة ، جاءوا الى هذا الميدان لاسباب مختلفة منهم من فشل في الادب أوالشعر ومنهم من كان ممثلا يسعى من خلال الكتابة الى البقاء في دائرة الضوء ، ولاننفي هنا  وجود مواهب مهمة قدمت نصوصاً جميلة ومميزة لكنها وللاسف الشديد ضاعت بين ايدي مخرجين لم يتمكنوا من تقديمها بالشكل الذي تستحقه ومن هؤلاء  الكاتب حامد المالكي واحمد هاتف وعبد الخالق كريم اضافة الى الكاتبين الكبيرين صباح عطوان وعادل كاظم . . إلاّ أن الملاحظة الاساسية التي تنطبق على الجميع : انهم جميعاً لم يتلقوا تعليماً اكاديمياً في معاهد متخصصة يُدرَّسُ فيها علم وفن الكتابة الدرامية للسينما أو للتلفزيون ــ وإن كان بعظهم قد تخرج من معاهد وكليات فنية داخل العراق  ــ لكن فن الكتابة الدرامية  لم يكن  الاختصاص العلمي الدقيق الذي دَرَسوه ، هذا إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار افتقار معاهدنا وكلياتنا الفنية الى المناهج العلمية ،والى الاختصاص الدقيق ، والخبرة الاحترافية التي تتولى تدريس  هذا الحقل المهم والاساسي في العملية الابداعية  .
اخيرا نقول لاجل تجاوز هذا الخلل الكبير في مسار الانتاج الدرامي العراقي نضع الملاحظات الاتية للخروج مما وصلت اليه اوضاع الدراما العراقية من هشاشة وبساطة وسذاجة في المستوى الفني : -
-السعي الجاد لفتح دورات تخصصية لكتاب الدراما ،من خلالها يتلقون دروسا ومحاضرات حول اصول الكتابة الدرامية، بشرط أن يتم اختيار محاضرين من ذوي الخبرة والدراية ومن الاسماء العربية المعروفة والمحترفة  في ميدان الكتابة .
- ان يتم استحداث فرع للكتابة الدرامية  في كلية الفنون الجميلة داخل قسمي السينما والتلفزيون .ليكون هذا قاعدة اساسية لشيوع المعرفة العلمية في معرفة وتمثّل اصول وقواعد الكتابة ، وليخلق بالتالي جيلا جديدا من الكتاب يعرف جيداَ اسرار الكتابة بعيدا عن العفوية والتقليد الاعمى الذي عادة ماتتسم به معظم النصوص العراقية التي تلهث بشكل محموم الى تقليد كل ماتطرحه الدراما العربية في مواسمها المتغيرة ولكن بطريقة مستنسخةٍ ومشوهةٍ .

من المسرح الى السينما
- الاستعانة بمخرجين عرب أكفاء ومشهود لهم بالتميز فيما يقدمونه من اعمال لكي يتم نقل خبرتهم الى بقية العناصر العاملة معهم من العراقيين .وهذا مابدأنا نلاحظه في الاونة الاخيرة .  
- اعطاء الفرصة للمخرجين السينمائيين الشباب العراقيين الذين اثبتوا حضورا واضحاً وتميزاً في نتاجاتهم السينمائية على سبيل المثال : محمد الدراجي ، عدي رشيد ، جمال امين ، هادي ماهود .  فهولا ء بما يمتلكونه من فهم سليم لطبيعة البناء الدرامي داخل المشهد السينمائي والوعي السليم بالعناصر الفنية التي ينبغي توفرها في بناء المادة الفلمية من ايقاع وحركة كامرة الى الميزانسين وتوزيع الاضاء والجو العام ونمو الفكرة وتطور الصراع ،يمكن الاطمئنان الى تجديد صورة الدراما العراقية اعتمادا على ما ستكتسبه من جمالية البناء للفلم السينمائي والتي لايعيها  معظم المخرجين العراقين العاملين في الدراما التلفزيونية ألاّ قلة ً منهم  ، هذا إذا ماعلمنا أن الكثير من المخرجين  قد جاء من خشبة المسرح ممثلا او مخرجا ، لذا من الطبيعي أن يكون  مفتقراً الى الكثير من المعلومات الاكاديمية التي تتعلق بفن الاخراج السينمائي او التلفزيوني او التصوير او بطبيعة الكامرة والعدسات واهمية حجم اللقطات والزوايا . فكل هذه المفردات تشكل عناصر اساسية  لاغنى عن فهمها ودراستها دراسة علمية اكاديمية  قبل الدخول في ميدان العمل الاحترافي . وفيما إذا تم تجاهلها ستكون النتيجة ماهي عليه الان من صورة بائسة في  الاعمال العراقية .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





رموز سريالية تزاوج بيت التراث الرافديني والحداثة
قراءة نقدية في تجربة الفنان التشكيلي اياد العبار .

                                         مروان ياسين الدليمي / الموصل

قيمةُ الفضاءِ لدى الفنان التشكيلي إياد  العبار تتيحُ للمتلقي الخروجَ بانطباعاتٍ مختلفةٍ عما هو يتوقع ان تصلَه من السّطح البصري،  ويتحقق هذا الاختلافُ في التلقي نتيجة َالمساراتِ اللونيةِ والتعبيريةِ التي تمر بمراحلَ من التشكيلِ الرؤيوي بعيداً عن  المستوى الواقعي . هنا يخرجُ العبار من اكتشافاتهِ الواقعيةِ ليعمقَ اسلوبيَتهُ الخارجة َفي  طابعها السريالي ،الذي بقي متألفاً معهُ ومتكاملاًَ مع استجاباتهِ الانسانية،  التي ترفض الانصياعَ للقيود .
رُغمَ مرور الاعوامِ الطويلة ِعلى غربته في ايطاليا الاّ انه مازال متمسكاً باستجاباته الميثولوجية والانسانية التي جاء منها . وكأنه في رحلته البعيدة ْ يسعى لاكتشاف ذاتهِ الاولى التي تشكلت من فضاء بلاد مابين النهرين .إذ بقيت انطباعاتهُ الانسانية بكل تشكيلاتها البصريةِ تنبني على شاعريةِ النظرةِ  التي يتفرد بها الانسانُ الشرقيُ بكل قيمهِ الروحية ، التي بَسَطتها الاشعارُ والاساطيرُ والحكايات، والتراجيديا الانسانية التي تتوفرُ عليها بيئتهُ الملتهبةُ بالرمال ووالغزوات والحروب وقصص العشق المميت .
إن في نصوصِ العبار البصريةِ مَهارةٌ يتم استعراضُ امكاناتها  بقصديةٍ واضحةٍ لغرض بناء ِفضاءه السريالي على انقاض الاسسِ الواقعيةِ التي تأخذ حّيزها الواسع في الكتلِ والفراغاتِ والاشكال المتحركةِ من انثيالات الزمن المرئي والمحسوس في لوحةِ المرصود امام العين .
حداثة النص التشكيلي .
 إنّ مُجملَ اعماله الفنية تضعنا امام حداثوية  النص التشكيلي المُعاصر الذي يعيد انتاجَ العلاقة مابين العمل الفني والمتلقي بالشكل الذي يُعمّقُ الشراكة مابين الاثنين في انتاج المعنى للنص ، مُزيحاً بذلك الصّياغة المُهيمنةَ التي تحتكرُ الرؤيا في جُعبة الفنان وليبقى المعنى غَائباً ومُغيباً قصدياً في لوحات الفنان إياد العبّار، يستلزِمُ استدعائَه قراءاتٍ متعدةٍ للمتلقي  تستمدُّ اشاراتها من وحي اللحظةِ والتجربةِ الذاتية للفنان والمتلقي في آنٍ واحد ،  اذ يحتفي النصُّ البصريُّ لديه  بتراكيبَ وجدانيةٍ تمتلكُ وتفرز دلالاتها الجمالية على السطحِ التصويري بأشاراتٍ إيحائيةٍ يُنتجها عادةً رمزاً واقعيا مؤسلباً في مستوياتِ التقنية السريالية .
والمُلاحظ على أعمالِ العبّار أنّها تحلّق في مستوياتٍ مُتراكبةٍ بين ثنايا الطقوسِ والرموزِ التي إعتمَدها من كينونتهِ الرافدينية ، وكأنه يستنشقُ الهواءَ مِنها في مُحيط الصمتِ والاغترابِ الذي بات يُثقل كيانهُ يوماً بعد آخر، فهو في تجربتهِ الجمالية يستعيدُ ذاتهُ المفقودةَ في مرئياتِ المساحاتِ الغريبةِ التي احاطت به اعواماً طويلةً  ويعلن صوته بكل امتدادتهِ العراقيةِ الحاضرةِ في غياباتهِ ، كما يسعى دائما في تجاربهِ التي تمتدُّ لاكثر من اربعةِ عقود مَضت لِأنْ يحتوي جمالَ العالم ، مُدناً وحضارةً وانساناً وتاريخاً وغداً أجمل .

الفن والذائقة المؤلفة .
إن العمل الفني بظواهرهِ التي يستفزُّ بها الذائقةَ المالوفةَ بكل تراكيبها المنغلقةِ على حدودٍ صارمةٍ من القيمِ الفنيةِ ليس سوى نبوءةٍ تحتشدُ فيها الافكارُ والرؤى التي تتصاعدُ في وعي الفنان ولاسبيل الى اظهارها سوى اللونِ والاشكالِ والسطوحِ ، فمن خلالِها يُمسِكُ باستقلاليةِ وعيهِ أمام فوضى العالم وغموضهِ والتباساتهِ ، والعبّار يستثيرُ المُتلقي بأحاسيس ومشاعر تعيدُ صلته الحيوية والآسرة بالانسان .
رغم ان السريالية باتت فناً كلاسيكياً بالقياسِ الى ماجاءَ بعدها من تحديثاتٍ اسلوبيةٍ في التعبير التشكيلي إلاّ أن إياد العبّار مازال يمنحُها هويتها المتجددةِ في اعمالِهِ ،وثمّةَ انشغالٌ دائم في اعادة انتاج الِبنية التوليدية  لذاكرةِ الفضاء السريالي ، وهي محاولةٌ منهٌ للارتقاء بالتصوير النّصي لتجريداتهِ الذهنية التي تتخذُ من مُفردات الميراث الرافديني وجسد المرأة وعالم الفرد المعاصر ، سعياً منهُ في  ترحيلِ شفراتهِ المخادعةِ  الى بناء  علاقات تصميمية تقتربُ في حضورها الدلالي من الامساكِ بطقوسيةِ اللحظةِ الميثولجية .
إنَّ الخطابَ الفني في لوحات العبّار يتعاطى بكل مفرداتهِ وسطوحهِ وكيفياتهِ مع المُحفِّزات الانسانيةِ بعلاقاتها الخاصةِ والجدليةِ دون أن يتورّط في محاولةِ تقديم ابعاد توضيحية لاسناد الرؤية وإيصالها ، فهو ليس مَعنيُّ بالاسهابِ بقدر ماهو معنيُّ بتكثيف الرؤى الفلسفيةِ في تفاعلاتِ المفرداتِ التشخيصيةِ الانسانيةِ على سطح اللوحةِ . فالفن بالنسبة له يبقى اشتغالا في ميدانِ التساؤلِ وحاجةً انسانيةً داخليةً وليست ترفاً جماليا يتسيّجُُ ويتزوّق بالالوان انما هو استئثارٌّ بالمعنى عبر طروحاتٍ شكليةٍ تستعرضهُ في مساحاتٍ لونيةٍ ومعمارية .
لم يكنْ هاجسُ العبّار في اشتغالاتهِ اللونية الوصولَ الى تحقيقِ استثاراتٍ وانطباعاتٍ عاطفيةٍ ينقلها الامتاعِ البَصَري الذي تتشكلُ مِنهُ السلعة الفنية انما كان يذهبُ بكائناتهِ الى بُقعٍ ضوئيةٍ تغتسلُ بالصّمتِ  ليكتشفَ من خلالِها اغترابهُ في صَرامةِ هذا العالم الذي تنقّل بين اوهامهِ واحلامهِ وأسْيِجَتِهِ شارداً من لحظاتِ العَتمَةِ التي كانت تُلاحقُ خطواته بكل صخب .
إنّ طبيعةَ العناصر المؤثرة في مسارهِ الفني والتي تستمدُّ صيروتَها من ذاكرةٍ خصبٍ ومتجذرةٍ في ماضٍ بعيدٍ جداً طالما تعايشَ وتعاشقَ مع ذاتهِ في مدينتهِ الاولى نينوى ، التي طالما وجَدَ فيها ــ  مُنذ بواكير وعيهِ ــ  ان  منحوتات اجدادهِ مِنَ الاشوريين إنّما تُعبِّرُ عن مفاهيم واعتقاداتٍ فلسفيةٍ شَكّلتها مَلحميةُ المَسار الحياتي والانساني التراجيدي الذي وجدوا أنفسهم فيهِ لذا كان لابُدّ أن ترتبط ذاكرتُهُ البَصَرية بما كان ينبثقُ من تلك الارض من مظاهرَ تصويريةٍ تنتمي الى ذاتٍ جَماعيةٍ تحملُ في تمظهُراتها فردانية الفنان التشكيلي الاشوري وهنا وجد العبّار نفسهُ وهو يتحرّك في مساحة خاصة به ، لها فاعليتُها المحسوسة ُ، ومن خلالها يسعى لاستحضارِ ذاته الغائبة / الحاضرة في تجلياتٍ انشائيةٍ تندرجُ في اطارِ البَحث عن الازاحات البَصَرية التي لاتقبلُ التآلفَ والتجانسَ مع بِنية المرئي .

خطاب واقعي مع بنية اجتماعية .
إنّ صياغاتهِ البلاغية التي مرّت بتحولاتٍ ملموسةٍ منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي تعاملتْ مع مفرداتِ الذائقةِ السائدةِ وفق معطياتِ القيم الجّماليةِ التي مَنحَها الفنُّ المُعاصر بتشخيصاتهِ التي ابتعَدت مُغتربةً عن الخطاب الواقعي لتعكس اشراقاتِ وعيه الذاتي في كشفِ متراكماتِ الزّمن في أبعادهِ الاجتماعية والتاريخية فكان نتاجهُ تمريراً بلاغياً لحركةِ الافكارِ وصيرورتِها داخل ذاتهِ التي لم تتوقف عن التساؤل لازاحة مايتلبسها  من غموضٍ وقلقٍ لن تُخطىء العين في الوصولِ الى تمظهُراتِهما على السّطح التصويري في لوحاته ِ .   
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

https://www.alquds.co.uk/%D9%82%D8%A7%D9%84-%D8%A5%D9%86-%D9%85%D8%AB%D9%82%D9%81%D9%86%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%88%...