الاثنين، 26 نوفمبر، 2012




نشر في مجلة إنانا العدد الثالث تموز ..اب .. ايلول .. 2012




الفنانة هند كامل في حوار صريح لمجلة إنانا :

       العمل الدرامي العراقي يقف في اللامكان !
 

                   حاورها : مروان ياسين الدليمي

ليست كل العناصر النسائية العراقية التي عملت في ميدان الفن الدرامي استطاعت أن تبقى في ذاكرة المتلقي ، متوهجة،  في مساحة زمنية واسعة ، رغم ان البعض من تلك الاسماء،  كانت تحرص على الحضور بشكل دائم على الشاشة،  في أغلب الاعمال ، دون حرص ٍ منها على أختيار ما تواجه به الجمهور . بينما البعض الاخر،  كانت تُقنن حضورها على الشاشة ، بأختيارها هي ، سعياً منها ، لأن تبقى محافظة على رصيد المحبة والاحترام ، الذي كسبته من جمهورها ، نتيجة حرصها ،ودقتها في اختيار مسار فني رصين يليق بها ، كما يضع الفن في إطار مسؤوليته الجمالية ، والفكرية أولا ًوآخرا ً، من غيرأن تُعيرأهمية لايّة أعتبارات أخرى قد يجني الاخرون منها شهرة سريعة أومالا ً كثيراً . كل هذا ينطلق من درجة الثقافة التي يكون عليها الفنان ، فكلما كان حريصا على القراءة والمتابعة الدائمة لكل ماهو جديد في عالم الفن والثقافة والفكر ، كلما نمت موهبته ، وتجددت قدراته التعبيرية ، وعرف كيف يخطو دائما الى الامام . هند كامل ، فنانة عراقية تقف على أرض صُلبة منذ انطلاقتها الاولى في السهرة الدرامية  المُميزة (رائحة القهوة ) بمشاركة الفنان قاسم الملاك ، قبل اكثر من عشرين عاماً .  هذا التألق في الحضور، والفاعلية ، لم يأتي من فراغ أو نتيجة لضربة حظ عابرة ، فبالاضافة الى ماتوفر لديها بالفطرة من موهبة وذكاء، عملت هي بجد وحرص كبيرين على استثمارماتملكه من  قدرات بالشكل الصحيح،  فكانت حريصة على تنمية ثقافتها،  بقراءات جادة في الشعر والادب والفن ، من هنا كان تميزها واتساع رصيدها من المحبة والتقدير لدى الجمهور . .. ولانني كنت زميلاً لها على مقاعد الدراسة في كلية الفنون الجميلة لمدة أربعة أعوام ، فقد عرفتها عن قرب،  وعرفت الجوانب الانسانية التي تتحلى بها،  ومدى الحرص الذي تتمسك به ، من أجل أن تكون في الموقع الرصين،  الذي يعكس صورة مشرقة عن الفنان وشخصيته وتطلعاته الجميلة لصنع الحياة ، ولما أردت أن اجري حوارا مع شخصية نسائية متميزة في الحقل الفني حتى حضرت في ذهني مباشرة صورة الفنانة هند كامل ذلك لانها نموذج للفنانة  المعاصرة المنفتحة على الحياة بكل جدية وتواضع ملفتين من هنا كان هذا الحوار معها .

*مالذي يجعلك تنتمين الى العمل الفني . ؟ هل هي حالة الوهم التي يقوم عليها العمل الفني ؟ ام  تحقيق لحالة من التوزان النفسي مع العالم ؟ 
-لا أخفيك ،الحالتين مجتمعتين مع بعض...ولربما الشطر الآخر من الجواب هو أكثر قربا الى نفسي،،بالتأكيد هذا الفرز أتى متأخرا ،،يعني عندما نضج المفهوم الاحترافي لدي.
*انت تشاركين بشكل فعال منذ اكثر من ربع قرن في الدراما العراقية مالذي تجدينه قد تغيرفيها من حيث الشكل أومن حيث الموضوعات المطروحة ؟ 
-كل شيء تغير! لأن العمل الإبداعي فنا ًوتأثيراً لا يمكن فصله عن المتغيرات السياسية والإقتصادية والإجتماعية التي تنتج عن المتغيرين السابقين. وبالتالي ستنتج عنهما فن وثقافة بمفاهيم جديدة ــ بغض النظر عن جودتها أو تخلفها ـــ لمتلقي بذوق  آخرجديد غير منفصل عن الواقع الذي يعيش فيه ، مثلاً أنا لاحظت حرية كبيرة في طرح عدد من الموضوعات ، على مستوى المضمون بغض النظر عن الجودة  الفنية ! كذلك ، لاحظت أن كثرة الفضائيات أدى الى تنافس شديد، وبالتالي اصبح هناك كثرة في الانتاج ايضا، بغض النظر عن النوعية ، لكن الشيء الوحيد الذي بقي على حاله ،هو الوضع المادي المتردي لشريحة الممثلين ،كما ظهرت أو لنقل تعاظمت قضية الاستسهال الفني على كل الاصعدة، لكن هذا لا يمنع وجود اسماء محترمة ، تتسم بالجدية والمثابرة الفنية والفكرية  ،كما ظهرت  أعمال تستحق الاحترام وتنتمي الى مفهوم العمل الابداعي.

*اذا اردنا ان نعقد مقارنة مابين العمل العراقي الدرامي والاعمال العربية ( مصرية وسورية ) كيف يمكن ان تري الصورة انت ؟
-العمل العراقي يقف في اللامكان. نعم في اللامكان ، وشرح ذلك يطول ، لان الفن ، لعبة ابداعية وبصرية وفكرية ، والذي يمتهنها عليه ان يكون كالحاوي او الساحر،  الذي يوهمك بالمستحيل ، لكنه في الحقيقة واقع بسيط مع مهارة عالية  .
*هل من اعمال عراقية  شاركت بها كان لها تأثير واضح على مسارك الفني ؟
-كل ما قدمته منذ بدايتي كممثلة اذاعية بعمر ١٦ سنة حتى هذه اللحظة هو مهم لي ، وكان مؤثراً بحضوره ، بالتأكيد هناك أعمال أكدت موهبتي عند جمهوري الأهم . وأقصد  الجمهور العراقي،  مثل ،تمثيلية رائحة القهوة التي اخذت جائزة التمثيل والاخراج في مهرجان الخليج  للتلفزيون، كذلك الذئب وعيون المدينة ، المرايا، نساء في الذاكر ،رجال في الذاكرة، الذخائر ، الجرح، الهاجس، قضية عبدالله  س ،  إقتفاء أثر..  وبالتأكيد كل الافلام السينمائية ،مثل فلم :  حيث لم يقف القطار طويلا ، والحدود الملتهبة، وليلة سفر، بابل حبيبتي ،والفلم الجديد( بغداد ..حلمي الوردي) ..تأليف الروائية ميسلون هادي،وسيناريو واخراج فيصل الياسري مع دائرة  السينما والمسرح ، كمحاولة جادة للنهوض من جديد بواقع السينما العراقية،
*ماهي مصادر الوعي والثقافة لدى هند كامل ؟
-والدي ،والدتي ..العائلة ، القراءة المبكرة،تحمل المسؤولية في عمر مبكر،  لكوني الابنة  الكبرى في عائلتي والمدللة في ذات الوقت ، والتي الكل يُنتظر منها الافضل والنجاح والتميز..  الوعي المبكر استمدته من  جدتي {والدة ابي} التي كانت تعيش في بيتنا الكبير ،بيت بابا ، ابنها الاكبر،كانت سيدة أميّة اي لاتقرأ ولاتكتب لكنها ذات وعي عالي جداً  بالحياة،  وبالمفهوم الاجتماعي ، وفهم الآخر بإنسانية عالية الجناب،،والدتي دون شك ساهمت بشكل كبير في توجيهي ، كذلك كان الكتاب المفردة الاولى في البيت والحياة ، هذا اضافة الى المنافسة في تطوير الذات حيث كانت هديتي عندما تخرجت من الابتدائية هو سلسلة كتب المعرفة أهداني اياها والدي الذي كان يحمل فكراً بغداديا متحضراً ،  وترافقه ثقافة أميريكية نتيجة دراسته الجامعية في أميركا خلال  منتصف خمسينات القرن الماضي فكان حضوره بمثابة  الحجر الاساس في دعمنا جميعاً وخصوصا وقوفه الى جانب والدتي الممثلة فوزية الشندي ، كذلك كان هو الحامي لنا،  أنا وأختي هديل ، بثقته العالية وإيمانه بنا ، وبدور المرأة المهم  في بناء الحياة.
*لمن تقرأين من الكُتّاب ؟ 
-للكل وفي كل شيء....ونقيضه
*الممثل العراقي هل من ملاحظات على طبيعة اداءه بالمقارنة مع اداء الممثل العربي .؟ ومالذي ينقصه لكي يكون بنفس المكانة والتأثير الذي يمتلكه الممثل االعربي ؟
-الموهبة موجودة .لكن الوعي والحضور والثقافة السلوكية والمهنية! في بعض الاحيان أهم من الموهبة،وأن ينتمي الى العصر الذي يعيش فيه،ويراقب الآخر ،واقصد بالآخر ،أنداده، والاشتغال على الذات ،والمثابرة ،والاستعداد الدائم لكل ادوات الممثل الظاهرة وغير الظاهرة.والتخلص من الغنائية في الاداء واللاتلقائية والابتعاد عن المباشرة في الأداء...
*ماهي مكانة فيصل الياسري الفنان في مسيرة هند ؟
-فيصل الياسري...ساهم في نوعية ومستوى الاعمال التي عملت فيها معه والتي تميزت بفكرها العالي ،ساهم بشكل واضح في زيادة رقعة وعي ومفاهيمي حول الفن،وودفعني للاشتغال بمثابرة أعلى على نفسي كممثلة،وعلى مفهوم التمثيل وتقمص الشخصيات بعمق أكبر،لان الادوار التي لعبتها في اعمالنا المشتركة كانت تتطلب مستوى آخر من التناول لمفهوم التمثيل الذي اعتدنا عليه،وبالتأكيد اعتمادا على الاسس التي هي موجودة ومبنية بوضوح عندي .
*مالذي يحدد طبيعة الموضوعات التي ينبغي طرحها في الانتاج الدرامي ؟
-ليس هناك شيء يحدد طرح أي موضوع ،الفن هو انعكاس للحياة وللمجتمع ،وما نحتاجه في الحياة ، علينا ان نتحدث عنه دراميا،  ونجد الحلول ،او نساعد على ايجادها.
*هل الممثل العراقي يملك خيار انتقاء الاعمال التي يشارك بها ام لاخيار له ؟
-يملك الحق في الاختيار عندما يكون مكتفيا ماديا ،وليست مهنة التمثيل للإرتزاق فقط.............. ؟
*هل انت راضية عما حققت ؟ ام ان مشاريع وطموحات اخرى لم تتحقق بعد  ؟
-لا هناك الكثير من الاحلام وأدَها الوضع السياسي في عراقنا والحروب التي سرقت من أعمارنا وطموحاتنا وحيوات من نحب ،،و،،،و..ولا يزال العراقينهض  من كبوة ليسقط في أخرى........ فبالتأكيد هناك الكثير لم يتحقق ،وكان بمكان العراق بما يملك على كل الاصعدة،ان يكون عين القلادة ،لكن لا تزال هناك احلام نتمنى ان نحققها لكن ليس بأي ثمن........... !


السبت، 24 نوفمبر، 2012








نشرت الدراسة في مجلة شرفات العدد الثاني تشرين الثاني نوفمبر 2012


السينما والمثقف العربي
أُطر ضيّقة

في محيط يتسم بمحدودية المساحة المتاحة امام المبدع في الاختلاف والاستقلال وهو ينجز مشروعه الفني أمست القراءة المتفاعلة مع الفن السينمائي مُتَّسِمَة بقصور ٍ واضح لفهم طبيعة الخطاب الجمالي الذي يحتشد داخل البناء الفني للفلم ، وقد بدت ملامح هذا  القصور مرافقة للفن السينمائي منذ دخوله الى المنطقة العربية في عشرينيات القرن الماضي وحتى الان .
بعد هذه الرحلة الطويلة التي عبرت حدود قرن كامل يبدو من اللافت للنظر  أن الفن السينمائي في العالم العربي مازال عاجزاً عن أن يكون جزءاً من منظومة المقترحات والتأسيسات  التي تطرحها الانساق  الثقافية التي تشكل بأسئلتها ومشاريعها فضاء الوعي في المجتمعات العربية والتي من خلالها يتم إعادة  تسمية الاشياء من جديد  وفقاً للمتغيرات التي يشهدها الواقع ، وبقي تأثير هذا الفن ضمن أطر ضيقة ومحدودة لاتتعدى هامش النخب العربية المثقفة .
التجربة الفنية بشكل عام سواء كانت شعراً او رواية او لوحة تشكيلية  أو فلم سينمائي تتحدد أهميتها وحضورها الفاعل والمؤثر من خلال ماتطرحه من تجديد واضافة ومقترحات في لغتها  إضافة الى ماتتطرحه التجربة من اسئلة تتقصى وتبحث في مناطق بِكر من خلال زوايا نظر جديدة  لم ينتبه لها أحد ، ايضاً ما تطرحه هذه اللغة من علاقات جديدة  تقوم على انقاض القديم مع الموجودات من أشياء وكائنات وشخوص وأمكنة وذكريات وطقوس .
الشريط السينمائي لايخرج في مقاصده عن هذا الاطارفيما يذهب اليه من إقتراح ِافق ٍوكتابة ٍجديدة لطبيعة العلاقات التي يحتويها ضمن حبكته المعمارية .بعد أن يقودنا الى منطقة من التفكير والتأمل ، ترتبك فيها مفاهيمنا وثوابتنا بعد أن كانت تعيش مرحلة الثبات والاستقرار في دواخلنا .
وهنا وضمن هذا المفهوم الذي نؤكد عليه يقول ادونيس : " أنا اعتقد ، تعقيباً ، أن النص الاكثر حداثة اليوم ، هو الفيلم السينمائي . حين أرى فيلماً لفلليني ، مثلاً، أو بازوليني ، فأنا أعتقد أن هذا الفيلم يمكن أن يحقق مفهوم النص بمعناه الحديث . ففيه الصورة ، الشعر ، نثر ، القصة ، فيه كل شيىء ، ولعلنا نطمح في أن نكتب نصاً ( بالكلام ) يشبه النص السينمائي بطريقة أو بأخرى " 1 .
هذاالفهم العالي لطبيعة الفن السينمائي من قبل شاعر ومثقف عربي استثنائي في تجربته الشعرية وفي رؤيته النقدية للثقافة العربية . وهذا الطرح فيما يعنيه ان الشريط السينمائي هو الاخر مثل بقية الفنون الابداعية الاخرى خاضع لقانون التطور الذي يقتضي تغيراً في الاشكال وليس من المنطقي الخضوع في القول تحت أردية الاخرين التي سبق ان ابتكروها للتعبير عن افكارهم هم لذا ينبغي التعامل مع  اية تجربة سينمائية تخرج في خطابها الجمالي عن المعجم الذي وضعنا فيه الارث السينمائي سواء العربي منه او الاجنبي على انها تجربة سينمائية ينبغي قراءاتها والتعامل معها معها على هذا الاساس مثلما حصل في العديد من دول العالم التي شهدت تجارب حاولت الخروج من القوالب الجاهزة  في المعالجات الفنية كما في فرنسا والبرازيل وكوبا وايطاليا . فليس من المنطقي ان يعبر جميع البشر عن مايريدون قوله بنفس الطريقة في القول وبنفس الصياغة التركيبية للكلام . فلكل منّا طريقته في القول تبعاَ للتركيبة التي تقوم عليها شخصيته وبالتالي سيكون لكل مخرج سينمائي فلمه الخاص الذي من خلاله يعكس طريقة بنائه للمفردات والجمل الصورية التي تتابع على الشاشة وفقاً لتجربته ورؤيته الشخصية التي تطرح قواعدها الخاصة في طريقة القول والطرح وايصال المضامين والافكار .اذ ليس من المنطقي ان نبقى نتحرك ضمن اطار دورة من القوانين والمفاهيم جاء بها ايزنشتاين وبودوفكين وغريفث الخ من الاسماء التي كانت قد اسست القيم الجمالية والبنائية لهذا الفن في بداياته ولو تعامل السينمائيون الذين جاءوا بعدهم وفق هذا المنظور لما شهدنا افلاماً لفلليني وكلود ليلوش ودي سيكا وكوبولا الخ من الاسماء التي كانت تكتب على الشاشة رؤيتها الخاصة في بناء وتركيب الجملة السينمائية بعيداً الاشتراطات المسبقة والجاهزة التي تآلف معها الجمهور وامست جزءاً من ثقافته ومدركاته الثابتة .


في مقابل  هذا النظرة التي عبر عنها ادونيس في حديثه الذي اشرنا اليه سابقاً نجد امامنا نظرة اخرى على النقيض منها ، مافتئت مهيمنة وبقوة لدى غالبية النخبة المثقفة مع عموم الناس حول الفن السينمائي لاتتعدى كونه : وسيلة للتسلية والمتعة ألآنيّة التي تتشابه مع أية لعبة أخرى وإن بدرجة أكثر تشويقاً .

إغتراب السينما
تكدست خلال قرن كامل على ظهور الانتاج السينمائي في المنطقة العربية وتحديدا مصر نمطاً من القيم الفنية  تتمحور ضمن اطار ثابت منغلق على نفسه بكل سطحيته القائمة على مفردات شكلية في السرد والمعالجات يتم تكرار انتاجها مع كل فلم مُنتَج ، بحيث تشكلت وفقاً لهذا السياق مشكلة لايمكن تجاوزها بسهولة من قبل المبدعين الذين يقصدون الابحار ضد هذا التيارسعياً منهم لتفتيت هذا المعجم من الجمل السينمائية الجاهزة من اجل طرح معالجات جديدة تقوم على البحث واكتشاف معجم سينمائي جديد وهم يطرحون افكارهم وتأملاتهم على الشاشة . ومازالت جهود هؤلاء السينمائيين تصطدم بهذا الجدار الذي تعاون على تشيده عامة الناس والنخب المثقفة على حد سواء في الخروج من معايير السينما التي يقتصر دورها على سرد الحكايات بطريقة تستجيب لمعايير سابقة متفق عليها في معجم يحفظ مفرداته عن ظهر قلب  المنتِجون والمتَلقون.
هذا الاغتراب أمسى سمة واضحة للفن السينمائي في العالم العربي على العكس من بقية الفنون التي وفدت هي الاخرى مع مطلع القرن العشرين من خارج المتن الثقافي المندرج في المؤسسات الثقافية العربية التقليدية مثل الفن المسرحي والتشكيلي والروائي والقصصي ، وأمست هذه الفنون الوفدة بتراكم النتاج الفني لكل منها   جزءاً اساسياً من هذا المتن  رغم  محاولات الكثير من الباحثين العرب لأن يثبتوا عبر بحوث اكاديمية  الوصول الى جذور وملامح واشكال أوليّة لهذه الفنون الابداعية في ماضي وتراث الثقافة العربية في محاولة منهم لاثبات شرعيتها .!
ولكن رغم وجود ملامح غائمة  في فترات من الماضي البعيد تلتقي الى حد ما ولو بخيط رفيع مع الاسس الفنية التي تقوم عليها تلك الفنون الوافدة إلاّ ان هذا لم يشكل عائقاً أو عقبة في تجذّرها ونموّها في خارطة الثقافة العربية المعاصرة ، على العكس مما هو قد حصل مع الفن السينمائي الذي بقي معزولا ومهمشاً من قبل النخب المثقفة  .
من الملاحظات التي تؤشر على طبيعة الفهم النقدي السائد سواء لدى النخبة او لدى عامة الناس عند مشاهدة اي شريط سينمائي هي هذه المقابلة القسرية للتجربة الابداعية  في الفلم السينمائي مع الواقع ،احداثاً وشخوصاً وتفاصيل ووقائع . وهم بذلك يريدون من الفلم ان يكون كما وثيقة تاريخية وهذا ابعد ما يهدف اليه المبدع في شريطه فهو في المحصلة النهائية لايسعى الى استمالة التاريخ ولا الى الوصول الى ابسط متلق بقدر ما يسعى الى فهم ذاته والعالم المحيط بها هذه هي محور العلاقة الجدلية التي تربط الفنان بالحياة من خلال الاعمال التي يقدمها .
هذا التصور القائم على  إزاحة الوظيفة الجمالية والمعرفية للفن السينمائي من قبل النخبة المثقفة والتي تنسجم مع بساطة الفهم  والتقييم لدى بقية طبقات المجتمع بقي ينطلق من تقييم لايتعدى حدود التسلية االقادمة من  الحكايات التي يتم سردها عبر الشريط السينمائي ، وتم اختصار الخطاب المركب لهذا الفن على أنه :  وسيلة جميلة لسرد الحكايات فقط وتم تجاهل مايحمله من امكانات ثرية في انتاج خطاب جمالي لرؤية للحياة بكل مستوياتها وتنوعها ، وبكل مايشغل الذات الانسانية وهي تتحرك في محيطها الاجتماعي .
هذا القصور في التقييم يعود بنا الى البدايات الاولى لدخول الفن السينمائي الى البيئة العربية ، ومعلوم لدينا طبيعة الروافد الماضوية التي تشكل ثقافة هذه البيئة وبالتالي مايترتب على ذلك من  محدودية الافق الذي تتتحرك به وحدود الحرية التي يمكن للوعي الانساني أن يخطوبها وهو ينظرالى حركة الحياة ماضياً وحاضرا ومستقبلا .

حدود الحرية
من الطبيعي أن يجد الفن السينمائي  والذي تشكل الصور المُستنتجة من الواقع قيمة اساسية من اسس بنائه الفني  صعوبة في تحقيق حضوره المهيمن في الثقافة العربية المعاصرة طالما بقي المنتج الثقافي بكل اشكاله وحقوله يخرج من اطار مؤسسات تقليدية تتحكم بمركزية واضحة في منظومة القيم الفكرية والجمالية التي ينتجها المجتمع اضافة الى حدود المساحة الضيقة التي ينبغي على المثقف ان يتحرك بموجبها وعلى اساسها ، ولن يكون بمستطاعه أن يتجاوز ماهو مسموحا له ضمن هذا الاطار الواضح والثابت ولو حاول أن يتجاوزه فإنه بلاشك سيكون في موضع حرج جداً وستترك معركته هذه والتي سيخوضها وحيداً أثاراً واضحة علىه وفي ابسط صورها سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار في تحقيق مايصبو اليه من مشاريع ، فهو لن يجد ساعتها وسط هذا الصراع الغير متكافىء من حيث العدة والعدد من سيغامر ليقف الى جانبه مستثمراً أمواله في مشروع سينمائي لن يأتي بثماره تجارياً .   
هذا السياق يتقاطع تماماً مع طبيعة الخطاب الذي يسعى اليه الفنان السينمائي ويشدد عليه وعلى حضوره في رؤيته ومعالجاته الفنية  خلف صورة واقعية تبدو بسيطة لكنها تملك من المستويات المركّبة والمتداخلة مايجعلها قادرة على خلق علاقة تبادلية في التجاذب والتحاور والتأمل مابينه وبين الجمهور الذي يتشكل عادة من فئات وطبقات اجتماعية متباينة في الفهم والتلقي .
في عتمة هذه الصورة التي تشكلها ثقافة مُغترِ ِبة عن متغيرات الحاضر والمستقبل يبدو هنا الانسان العاجز والمُستهلِك للثقافة السائدة انساناً مُتصالحاً مع ثقافة المؤسسات التي يرتكز عليه المجتمع وأعتاد على انتاجها واستمراها وحضورها في حياته قيماً واعرافاً وسلوكا وعلى العكس من ذلك يبدو الفنان السينمائي المطوّق بالحرية وكأنّه  ملتاث العقل لا لشيء إلاّ لانه يغرد خارج سرب  الثوابت الثقافية  التي طوّقت  المجتمع وتكامل بها عبر عشرات السنين .

غياب المشروع الثقافي  
في عشرينيات القرن الماضي إنتبه طلعت حرب رجل الاقتصاد المصري الى هذا الفن الجديد وبدأ في منح القروض المالية انطلاقاً من دوافع اقتصادية الى من كانوا يسعون للعمل في هذا الميدان ، وبدأت تتوالى المشاريع السينمائية في مصر نتيجة هذا الدعم ، لكنه ورغم ماقدمه من فرص كبيرة لانبات الفن السينمائي في البيئة المصرية إلاّ انه لم يتعامل معه باعتباره مشروعاً ثقافياً يسعى من وراء دعمه الى تشكيل وعي جديد في مواجهة وعي آخر يتسم بالخضوع لسلطة الماضي ، بل كان  منطلقه في ما ذهب اليه من مساندة وتشجيع لايخرج عن كونه مشروعاً اقتصادياً لاغير ، اي أن الفعالية الثقافية كانت غائبة عن هذا الاستثمار ، وهذا ماشار اليه الباحث السينمائي عدنان مدانات في كتابه المهم ( سينما تبحث عن ذاتها ) وهنا يقول مدّانات بهذا الصدد " ان ظروف التطور الاجتماعي والاقتصادي في مصر أعطت السينما المصرية الناشئة زخماً خاصاً عندما أستوعبت البرجوازية المصرية الصاعدة ظاهرة السينما باعتبارها ظاهرة صناعية عصرية ووسيلة استثمار هامة " . 2
بقي هذا المنطلق الاقتصادي البحت هو المحرك الاساس لاستمرار عجلة الانتاج ، وإن كان هذا الفهم الاقتصادي ناقصا في استيعابه لطبيعة ماينبغي ان يتوفر عليه من قاعدة مادية  لدعم هذا الاستثمار حتى يأتي بأرباح تتنامى عاما بعد اخر ، ومشروعاً بعد آخر ،  كما حصل في بداية السينما الاميركية ، التي انتبهت الى أهمية القيمة الاقتصادية والاستثمارية لهذا الفن الجديد الذي كانت اوربا هي الارض الذي تم اكتشافه فيها وشهدت فرنسا اول عرض سينمائي عام 1896 . لأن رجال الاعمال الاميركان بما يملكونه من شهوة وطموح كبير للمغامرة والمقامرة بدأوا منذ مطلع القرن العشرين في وضع الاسس المادية لقيام صناعة سينمائية قادرة على تمويل مشروعاتها بنفسها فتأسست بناءً على ذلك شركات الانتاج السينمائي وتبعها في خطوة مهمة جداً بناء العديد من دور العرض السينمائي الخاصة بكل شركة انتاج لضمان  استرجاع رأس المال وتحقيق الارباح عبر احتكار عرض الافلام  في دور العرض الخاصة بها ، وهذه هي الخطوة الاقتصادية  الاساسية التي  لم ينتبه لها صناع السينما في البلدان العربية  .
ولكي لانذهب بعيدا في الحديث عن السينما ضمن اطارها الاقتصادي الذي ليس هو مانهدف اليه نعود لنقول إن لحظة التحول في النظرة الى الفن السينمائي بأعتباره خطاباً ثقافياً وجماهيرياً يمكن ان يحقق الكثير مما تعجز عنه مؤسسات حكومية اخرى جاءت مع سقوط النظام الملكي في مصر عام 1952 ومجيء العسكر الى الحكم .

أدلجة الخطاب
هنا في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ المنطقة حدثت نقطة التحول الكبيرة في التعامل مع الفن السينمائي ، وبدا واضحا ان القيم القومية  التي جاء بها الزعماء الشباب العسكر تحت راية الضباط الاحرار كانت الدافع الاساس نحو انتاج ثقافة جديدة تستجيب لمقتضيات التحول الاجتماعي الذي اعلنه عبد الناصر ورفاقه ضد القوى الاجتماعية التقليدية في المجتع المصري القائم على بنية طبقية واضحة يشكل الفلاحون فيها  الطبقة الاكبر مقابل قوى الاقطاع والبرجوازية التجارية في الطرف المقابل . .
اخذت السينما في هذه المرحلة ــ بأعتبارها منتوجاً ثقافيا اضافة الى كونها نتاجا فنياً ــ بعداً ايدولوجياً واضحاً في معظم الافلام التي انتجتها الدولة من خلال القطاع العام الذي أوجده النظام السياسي الجديد في مصر بعد أن تم تأميم العديد من القطاعات الاقتصادية ومنها قطاع الانتاج السينمائي .  

يقول الناقدالناقد السينمائي أمير العمري عن هذه الفترة من تاريخ الانتاج السينمائي في مصر " خلال الستينيات، شهدت السينما تطورات درامية، بعد أن اتجهت أنظار الدولة أيضا إلى ضرورة دعم الصناعة، وتشجيع إنتاج الأفلام التي لا يستطيع المال الخاص تمويلها، وهي فترة ظهر فيها الكثير من الأفلام الجيدة دون شك، لكن هذه السياسة أصبحت مثار جدل ربما حتى وقتنا هذا، ولم تمر دون مجازفات ومخاطر بل ومنزلقات. فلم يكن ممكنا أن تتيح الدولة حرية النقد في مراحل وصفت بأنها ' مصيرية، وعرفت مواجهات عسكرية مسلحة مع إسرائيل، وهو ما استدعى أن يكون هامش حرية التعبير محدودا للغاية، غير أن السينمائيين كانوا يستخدمون الهامش إلى أقصى مداه، ويلجأون إلى الرمز والاستعارة والتشبيه."3
وعلى الرغم من هيمنة الخطاب الفكري الذي روّج لافكار المرحلة الجديدة على حساب الرؤية الذاتية للفنان الذي يقف وراء بناء العمل الفني إلا أن هذه المرحلة كانت نقلة نوعية في مسار تقييم وفهم طبيعة الخطاب السينمائي ومدى التأثير الفكري الذي يمكن أن يحدثه في العقل الجمعي .
بقيت هذه العلاقة مع الفن السينمائي التي رسمتها  ثقافة السلطة الجديدة تشكل تحدياً واستفزازاً آخر أضيف الى ثالوث التحديات التقليدية ( السياسة  ، الدين ، الجنس ) تواجه الفنان السينمائي في المنطقة العربية خاصة بعد أن تم استساخ نمط هذه العلاقة في معظم الدول العربية التي عرفت  فيما بعد الانتاج السينمائي  .

على هامش الفكر
 وضمن هذا الاطار الدرامي الذي كان يتمحور فيه طبيعة الصراع القائم مابين المشروع السينمائي بمحمولاته الجمالية والمعرفية من جهة والبنية الثقافية للقوى المجتمعية التي تتخندق بولاءاتها القبلية والدينية من الجهة الاخرى كانت النخب المثقفة في المنطقة العربية من مفكرين وادباء وشعراء تقف في المحصلة النهائية في خندق القوى التي تعاملت مع الفن السينمائي انطلاقاً من نظرة هي  ليست سوى فريسة لفهم بسيط الى هذا الفن باعتباره أبعد من أن يكون في حاضنة الفنون الابداعية التي يمكن أن تحمل خطاباً ثقافياً ثريا بمحمولاته الجمالية والمعرفية التي تعكسها عادة حقولا إبداعية تقليدية كالشعر والرواية والقصة إضافة الى بقية الحقول التي يشتغل فيها الفكر من نقد وفلسفة ، ومازال هذا الفهم بكل الفجوات التي يحملها يشكل ظاهرة  قائمة في الثقافة العربية .
ومن مظاهر هذا الفهم الذي  يبدو وكأنه راسخاً في اذهان النخب المثقفة : -  اهمال النتاج السينمائي واستبعاده من دائرة اهتمام  المفكرين والمثقفين وعدم ادراجه في لائحة بحوثهم ودراساتهم الاكاديمية والبحثية  التي عادة ماينشغلون بها طيلة مسيرتهم الفكرية . هنا يشير الناقد السينمائي المغربي محمد نور الدين افاية في بحثه المعنون : " السينما – الكتابة والهوية إذ يقول " الفكر العربي المعاصر لم يعمل على مقاربة السينما كظاهرة ثقافية مركبة الابعاد " 4. ويقول أيضا في مكان آخر من البحث  " الفكر العربي المعاصر لم يدمج حقل السينما في اهتماماته كحقل للابداع الثقافي أو كمجال خصوصي للتذوق الجمالي ولانتاج الايدولوجيا ، فما زالت السينما على هامش التفكير العربي بالرغم من كونها تشكل إحدى الروافد الاساسية لتشكيل الحساسية العربية المعاصرة " 5
هذا الاستنتاج يشير بوضوح  الى أن هذه النخب تعيش وضعاً مُستلباً ومزدوجاً جاء نتيجة خضوعها امام ألخيارات الثقافية المطروحة امامها والتي تستطيع من خلالها ان تتستر باللغة لتتفادى المواجهة مع منظومة الثقافة المستأثرة بسلطة الواقع الاجتماعي مراهنة بذلك على ان لغة الادب والشعر لايملك العامة من الناس القدرة على التواصل معها وتفكيك رموزها باستثناء الذين يقرأون ويكتبون على عكس الفن السينمائي الذي يتفرد  بقدرة واسعة للوصول الى عموم الناس  ، لذا لن يشكل خطابها  خطورة مباشرة لها مع ثقافة المؤسسات التقليدية القائمة ولو الى حين ، ويمكنها بذلك ان تبقى بمنأى عن الاخطار والمواجهات التي قد يأتي بها الخطاب السينمائي مهما كان مُركباً وملغزا ً في بنيته الجمالية كما هو الحال مع  افلام يوسف شاهين على سبيل المثال ، الذي شكلت مسيرته الفنية خير نموذج لما ذهبنا اليه من صراع عنيف مع المؤسسات المجتمعية التقليدية . وهنا نستعيد  رأي الناقد السينمائي المصري  أمير العمري وهو يتحدث عن  سينما يوسف شاهين فيقول عنها " كانت فنا وثقافة إضافة إلى عنصري التسلية والامتاع. كما أن تجربة شاهين السينمائية سوف تثير شهية النقاد الجادين وتحفزهم على الكتابة النقدية الرصينة" 6

تحديث السينما
لو عدنا قليلا الى الوراء لاكتشاف الاسباب والعوامل التي احدثت تحولا ونضجاً كبيراً في طبيعة الفن السينمائي واخذت به بعيداً جداً نحو فضاء اكثر سعة وثراء من حيث المحولات الفكرية والجمالية التي يمكن ان يستوعبها ويرسلها بالتالي الى المتلقي لوجدنا ان من وقف وراء تلك التحولات اناساً جاؤا من حقول فكرية وادبية بعيدة عن الفن السينمائي ، تنوعت مابين الفلسفة والسيميائية هذا مانجده في خمسينات وستينات القرن الماضي عندما دخل الى حقل الفن السينمائي في ايطاليا وفرنسا مجموعة من الاسماء التي جاءت من تلك الميادين الفكرية وبدأت في طرح تنظيراتها وافكارها حول طبيعة ومفهموم الفن السينمائي محاولة تفتيت الرؤية القديمة التي قام عليها هذا الفن والتي كانت تختصره بسرد الحكايات على الشاشة .
وادخلت ماكانت قد توصلت اليه البحوث والدراسات في اطار اللغة والسيميائية وعلم الجمال ، كان الهدف من ذلك الارتقاء باللغة السينمائية وطبيعة الافاق الذي يمكن ان تذهب فيه محمولات الخطاب السينمائي بعيداً عن بساطة الموضوعات والطروحات والمعالجات الاسلوبية للارث  السينمائي المتراكم منذ بدايات الفن السينمائي .
ونتيجة لدخول تلك الاسماء الى الحقل الكتابي والتنظيري السينمائي  والتي جاءت من ميادين بعيدة عن المشغل السينمائي وقريبة جداً من مشغل الفكر والفلسفة واللغة والادب حدث التحول الكبير في تاريخ الفن السينمائي على مستوى الفهم والاسلوب والمعالجة والموضوعات ، وذلك عندما ظهرت السينما الواقعية في ايطاليا  والسينما الجديدة في فرنسا . وكان ذلك ايذاناً ببدء مرحلة جديدة ومهمة من تاريخ الفن السينمائي مازالت اثارها ونتائجها واضحة وسارية حتى الان ، ولولاها لما شهدنا هذا النضج والنمو في البنية الجمالية للخطاب السينمائي بعيداً عن النمط التقليدي للفلم السينمائي  الذي تنتجه السينما الاميركية والذي تتحكم بقيمه الفنية الثابتة قواعد ومنظومة السوق الاقتصادية .
لم يكن المخرج الايطالي بازولويني عندما جاء الى الفن السينمائي بعد الحرب العالمية الاولى سوى شاعر متمرد على سكونية اللغة ومحدودية مدلولالتها فنقل ثورته تلك الى الفن السينمائي ليبدأمعه رحلة التغيير والرؤيا الجديدة لما يحتمله هذا الفن من فضاء واسع وشاعري في آن واحد وهكذا الحال مع انطونيوني ، وكودار وجان كوكتو الفرنسيان ، ولويس بونويل الاسباني واخرين لامجال لذكرهم .
إذن معظم الذين جاءوا بالوعي الجديد في فهم الفن السينمائي كانوا كتاباً وشعراء ونقاداً ، ارادوا من خلال كتاباتهم التي كانت تتحرك في محيط ثقافي ينطلق من فكرة التجديد في بنية ولغة الخطاب الثقافي بكل تجلياته الابداعية والفكرية وبقية الانشغالات الادبية التي كانوا قد  انطلقوا منها في بداية مشوارهم لتحقيق ذاتهم ومشروعهم الذي كانوا يدعون اليه ، ولولا هؤلاء لما حدثت هذه النقلة النوعية والقاطعة والمفارقة في تاريخ وجمالية الخطاب السينمائي .
في منطقتنا العربية لو نظرنا الى العاملين في حقل الفن السينمائي خاصة في المواقع الاساسية منها : الكتابة والاخراج  ، لوجدنا ان هنالك عدد محدود جداً قد جاءوا من حقول الادب أو الفكر ليعملوا في الفن السينمائي باعتباره خطاباً ابداعياً فيه من المساحة الواسعة التي تنتج زمنا ً مركباً يمنح الاستعارة والرمز والدلالة طاقة من الازاحة تزاحم  إختزال البلاغة التي يتيحها الادب والشعر .
وهنا ينبغي ان لاننسى تلك التجارب السينمائية التي كانت تحمل في ثناياها ملامح منطوق جديد غير مكتوب في تاريخ السينما العربية ولم يكن منسجماً مع المخيلة التقليدية التي صاغت معظم الارث السينمائي العربي والتي ابتدأت مع مطلع سبعينات القرن الماضي ، نذكر البعض منها على سبيل المثال لا الحصر انطلاقاً من أهميتها وتأثيرها الذي تعدى الفترة التي جاءت فيها ويمكن أن نذكر تجارب عدد من المخرجين السوريين الذين كانوا قد مارسوا انشطة كتابية في النقد والادب أضافة الى ألعمل في السينما وهو مايمثل القاعدة المفقودة التي نبحث عنها هنا لانتاج سينمائي يستوعب منطق ومخيلة الابتكار لانه يستند الى حبكة معرفية ينطلق منها العاملون المبدعون في الفن السينمائي منهم على سبيل المثال محمد ملص وقيس الزبيدي (العراقي الاصل)  كذلك في مصر جماعة السينما الجديدة الذين انبثقت في حركتهم  دينامية جديدة على سطح الحياة السينمائية ،وذلك عندما اصدروا عام 1968 أول بيان سينمائي نظري قصدوا من خلاله سنَّ قيم جديدة لسينما يطمحون الى تحقيقها جاء فيه : " إن الذي نريده سينما مصرية ، أي سينما تتعمق في حركة المجتمع المصري وتحلل علاقاته الجديدة وتكشف عن معنى حياة الفرد وسط هذه العلاقات ،ولكي تكون لدينا سينما معاصرة لابد أن نمتص خبرات السينما الجديدة على مستوى العالم كله، وعندما تكون السينما واقعية محلية الموضوع عالمية التكنيك واضحة المضمون بفضل تعمق السينمائيين بواقعنا فسوف تستعيد جمهورها كما تحقق انتشاراً عالمياً " 7
وفي وسط هذه الاجواء التي جاءت نتيجة هزيمة العرب عام 67 امام اسرائيل بدأ يسود بين اوساط  السينمائيين الشباب في مصرتيار من الافكار تدعو الى سينما أخرى بديلة، فتشكلت مجموعة سينمائية شابة تضم نقاداً ومخرجين سينمائيين كان قد بادرالى تأسيسها الناقد مصطفى درويش واطلقوا عليها تجمُّع  (السينما الثالثة ) وتوصلت هذه المجموعة في قراءاتها النقدية الى أن هناك ثلاث سينمات في العالم: الاولى هي (السينما الاميركية) بكل نمطيتها وآليتها الانتاجية الكبيرة ، وهذه السينما بما يقف خلفها من شركات انتاج عملاقة وبرؤوس اموال هائلة تسعى أولا وآخراً الى تحقيق الارباح الطائلة ، لاتعطي أيّة مساحة من الحرية للمخرج وافكاره، بقدر ماتنظر الى  اليه على أنّه ليس سوى منفذ لما تريده الشركة من اهداف. والثانية هي (السينما الاوربية )وفيها  يُشكل المخرج العقل المفكروالخالق الوحد للشريط السينمائي، ولايزاحم موقعه هذا أي عنصر انتاجي آخر، وأخيراً ( السينما الثالثة ) وهي التسمية التي كانت عنوانا للتجمع وكانت تهدف في منطلقاتها الى بناء قطيعة جمالية وانتاجية مع النموذجين السابقين ،وذلك بطرح نموذج جديد  يؤكد على أهمية الدور الذي يلعبه الفن السينمائي في الوعي الجمعي ، لذا جاءت هذه السينما لأن تكون أداة للتثوير والتحريض على  كشف الواقع، والانقلاب عليه ،هذاالطرح جاء احتفاءً وتقليداً لنمط الانتاج السينمائي الذي قدمته عدد من دول  اميركا اللاتينية.
ولكن رغم هذه الطموحات والاحلام في تغييربنية الخطاب السينمائي جمالياً وفكرياً والتي تمت على مستوى النقد، لكنها لم تصل الى تحقيق نتيجة عملية واضحة ومؤثرة في واقع الصناعة السينمائية ذلك لانها لم تحظى بالدعم المادي من قبل الشركات المنتجة كذلك لم تلقى المساندة التي ينبغي أن تكون من قبل المثقفين . وبالتالي شهدت الانتاج السينمائي  منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي وكنتيجة لسياسة الانفتاح وخصصة القطاع العام  تراجعاً كبيراً جدا في المستوى الفني للانتاج السينمائي، وظهرعلى السطح مايُعرف بسينما( المقاولات ) التي يقودها طبقة من الاثرياء الجدد الذين افرزتهم المرحلة الجديدة وفي هذه السينما يتم إنجاز أي فلم خلال مدة قياسية لاتتجاوز الاسبوعين ! .  وعليه تراجعت المتابعات النقدية للانتاج السينمائي وبات مايكتب في الصحف الفنية لايخرج عن اخبار نجوم السينما وحياتهم وخصوصياتهم الى غير ذلك من المعلومات التي لاصلة لها بالفن ولابالعملية النقدية . " ويطرح موضوع غياب النقد ووقوع الكتابة النقدية في مُنْزَلقَي المدح والهجاء ، وتحوّل الفعل الثقافي إلى قوة تخدم ماعداه ، بما يجعل الابداع والفكر تابعين للسياسة " 8
ايضاً شهد المغرب العربي منذ مطلع سبعينات القرن الماضي  سواء في الجزائر أو المغرب  ظهور عدد من الاسماء والتجارب كانت تسعى الى تحطيم الجُمل السينمائية التقليدية التي تجذرت في الذائقة الجمعية العربية بفعل محاكاة مُستنسخة ومشوهة للنموذج الاميركي .
 لكن تلك التجارب لم تصل مبادراتها ومشاريعها الفنية الى المرحلة التي توقِفُ زحف المنطوق الفني ألقديم بكل إستعاراته وترميزاته المباشرة والسطحية ، وبقيت هذه التجارب الجديدة تكافح من أجل البقاء والحفاظ على استقلالية بنيتها الجمالية في بيئة أبعد مايكون من أن تكون متهيئة لاستيعابها والقبول بها . ومما ساهم في ذلك ايضاً هو: غياب العلاقة التفاعلية بينها وبين  النخب المثقفة خاصة من المبدعين ،كتاباً وقصاصين وشعراء   فقد أعرض أغلبهم عن الانخراط في بناء الخطاب السينمائي والمساهمة في تجديده  .
قبل ان نختتم طرحناهذا نختتم المقال بجملة بليغة لمؤرخ الفنون والاستاذ بجامعة برنستون الاميركية "إروين بانوفسكي " إذ يقول : "إن السينما ، سواء أحببنا أم لم نحب، هي القوة التي تصوغ – أكثر مما تصوغ أيّة قوة أخرى – الاراء ،والاذواق ، واللغة ، والزّي  ، والسلوك ، بل حتى المظهر البدني لجمهور يضم أكثر من ستين في المائة من سكان الارض ". 9

هوامش :
1- جريدة "الاضواء"  البحرينية 11/ 4/ 1987 ، حوار بين ادونيس وعدد من ادباء البحرين .
2- "السينما تبحث عن ذاتها "– عدنان مدّانات- منشورات وزارة الثقافة – المؤسسة العامة للسينما – الجمهورية العربية السورية – دمشق 2005

3- "شخصيات وافلام من عصر السينما "ـ أمير العمري ـ مكتبة مدبولي

4- "السينما .. الكتاب والهوية" : المؤلف – محمد افاية ، مجلة " الوحدة " العدد 37م 38 تشرين الاول – اكتوبر / تشرين الثاني – نوفمبر ، عام 1987 . )
5- نفس المصدر السابق
6- "شخصيات وافلام من عصر السينما "ـ أمير العمري ـ مكتبة مدبولي
7- "السينما تبحث عن ذاتها "– عدنان مدّانات- منشورات وزارة الثقافة – المؤسسة العامة للسينما – الجمهورية العربية السورية – دمشق 2005
8- "الدليل إلى الاعلام الثقافي والفني – تقنيات الكتابة النقدية "د. جورج كَلاّس – منشورات الجامعة اللبنانية – قسم الدراسات الاعلامية .
9- "السينما آلة وفن – تطور فن السينما منذ عهد الافلام الصامتة الى عصر التلفزيون " البرت فولتون – ترجمة صلاح عزالدين وفؤاد كامل – مراجعة وتقديم عبد الحليم البشلاوي .














نشرت الدراسة في العدد الثاني من مجلة شرفات تشرين الثاني نوفمبر 2012

  

السينما والمثقف العربي
             
أُطر ضيّقة

في محيط يتسم بمحدودية المساحة المتاحة امام المبدع في الاختلاف والاستقلال وهو ينجز مشروعه الفني أمست القراءة المتفاعلة مع الفن السينمائي مُتَّسِمَة بقصور ٍ واضح لفهم طبيعة الخطاب الجمالي الذي يحتشد داخل البناء الفني للفلم ، وقد بدت ملامح هذا  القصور مرافقة للفن السينمائي منذ دخوله الى المنطقة العربية في عشرينيات القرن الماضي وحتى الان .
بعد هذه الرحلة الطويلة التي عبرت حدود قرن كامل يبدو من اللافت للنظر  أن الفن السينمائي في العالم العربي مازال عاجزاً عن أن يكون جزءاً من منظومة المقترحات والتأسيسات  التي تطرحها الانساق  الثقافية التي تشكل بأسئلتها ومشاريعها فضاء الوعي في المجتمعات العربية والتي من خلالها يتم إعادة  تسمية الاشياء من جديد  وفقاً للمتغيرات التي يشهدها الواقع ، وبقي تأثير هذا الفن ضمن أطر ضيقة ومحدودة لاتتعدى هامش النخب العربية المثقفة .
التجربة الفنية بشكل عام سواء كانت شعراً او رواية او لوحة تشكيلية  أو فلم سينمائي تتحدد أهميتها وحضورها الفاعل والمؤثر من خلال ماتطرحه من تجديد واضافة ومقترحات في لغتها  إضافة الى ماتتطرحه التجربة من اسئلة تتقصى وتبحث في مناطق بِكر من خلال زوايا نظر جديدة  لم ينتبه لها أحد ، ايضاً ما تطرحه هذه اللغة من علاقات جديدة  تقوم على انقاض القديم مع الموجودات من أشياء وكائنات وشخوص وأمكنة وذكريات وطقوس .
الشريط السينمائي لايخرج في مقاصده عن هذا الاطارفيما يذهب اليه من إقتراح ِافق ٍوكتابة ٍجديدة لطبيعة العلاقات التي يحتويها ضمن حبكته المعمارية .بعد أن يقودنا الى منطقة من التفكير والتأمل ، ترتبك فيها مفاهيمنا وثوابتنا بعد أن كانت تعيش مرحلة الثبات والاستقرار في دواخلنا .
وهنا وضمن هذا المفهوم الذي نؤكد عليه يقول ادونيس : " أنا اعتقد ، تعقيباً ، أن النص الاكثر حداثة اليوم ، هو الفيلم السينمائي . حين أرى فيلماً لفلليني ، مثلاً، أو بازوليني ، فأنا أعتقد أن هذا الفيلم يمكن أن يحقق مفهوم النص بمعناه الحديث . ففيه الصورة ، الشعر ، نثر ، القصة ، فيه كل شيىء ، ولعلنا نطمح في أن نكتب نصاً ( بالكلام ) يشبه النص السينمائي بطريقة أو بأخرى " 1 .
هذاالفهم العالي لطبيعة الفن السينمائي من قبل شاعر ومثقف عربي استثنائي في تجربته الشعرية وفي رؤيته النقدية للثقافة العربية . وهذا الطرح فيما يعنيه ان الشريط السينمائي هو الاخر مثل بقية الفنون الابداعية الاخرى خاضع لقانون التطور الذي يقتضي تغيراً في الاشكال وليس من المنطقي الخضوع في القول تحت أردية الاخرين التي سبق ان ابتكروها للتعبير عن افكارهم هم لذا ينبغي التعامل مع  اية تجربة سينمائية تخرج في خطابها الجمالي عن المعجم الذي وضعنا فيه الارث السينمائي سواء العربي منه او الاجنبي على انها تجربة سينمائية ينبغي قراءاتها والتعامل معها معها على هذا الاساس مثلما حصل في العديد من دول العالم التي شهدت تجارب حاولت الخروج من القوالب الجاهزة  في المعالجات الفنية كما في فرنسا والبرازيل وكوبا وايطاليا . فليس من المنطقي ان يعبر جميع البشر عن مايريدون قوله بنفس الطريقة في القول وبنفس الصياغة التركيبية للكلام . فلكل منّا طريقته في القول تبعاَ للتركيبة التي تقوم عليها شخصيته وبالتالي سيكون لكل مخرج سينمائي فلمه الخاص الذي من خلاله يعكس طريقة بنائه للمفردات والجمل الصورية التي تتابع على الشاشة وفقاً لتجربته ورؤيته الشخصية التي تطرح قواعدها الخاصة في طريقة القول والطرح وايصال المضامين والافكار .اذ ليس من المنطقي ان نبقى نتحرك ضمن اطار دورة من القوانين والمفاهيم جاء بها ايزنشتاين وبودوفكين وغريفث الخ من الاسماء التي كانت قد اسست القيم الجمالية والبنائية لهذا الفن في بداياته ولو تعامل السينمائيون الذين جاءوا بعدهم وفق هذا المنظور لما شهدنا افلاماً لفلليني وكلود ليلوش ودي سيكا وكوبولا الخ من الاسماء التي كانت تكتب على الشاشة رؤيتها الخاصة في بناء وتركيب الجملة السينمائية بعيداً الاشتراطات المسبقة والجاهزة التي تآلف معها الجمهور وامست جزءاً من ثقافته ومدركاته الثابتة .


في مقابل  هذا النظرة التي عبر عنها ادونيس في حديثه الذي اشرنا اليه سابقاً نجد امامنا نظرة اخرى على النقيض منها ، مافتئت مهيمنة وبقوة لدى غالبية النخبة المثقفة مع عموم الناس حول الفن السينمائي لاتتعدى كونه : وسيلة للتسلية والمتعة ألآنيّة التي تتشابه مع أية لعبة أخرى وإن بدرجة أكثر تشويقاً .

إغتراب السينما
تكدست خلال قرن كامل على ظهور الانتاج السينمائي في المنطقة العربية وتحديدا مصر نمطاً من القيم الفنية  تتمحور ضمن اطار ثابت منغلق على نفسه بكل سطحيته القائمة على مفردات شكلية في السرد والمعالجات يتم تكرار انتاجها مع كل فلم مُنتَج ، بحيث تشكلت وفقاً لهذا السياق مشكلة لايمكن تجاوزها بسهولة من قبل المبدعين الذين يقصدون الابحار ضد هذا التيارسعياً منهم لتفتيت هذا المعجم من الجمل السينمائية الجاهزة من اجل طرح معالجات جديدة تقوم على البحث واكتشاف معجم سينمائي جديد وهم يطرحون افكارهم وتأملاتهم على الشاشة . ومازالت جهود هؤلاء السينمائيين تصطدم بهذا الجدار الذي تعاون على تشيده عامة الناس والنخب المثقفة على حد سواء في الخروج من معايير السينما التي يقتصر دورها على سرد الحكايات بطريقة تستجيب لمعايير سابقة متفق عليها في معجم يحفظ مفرداته عن ظهر قلب  المنتِجون والمتَلقون.
هذا الاغتراب أمسى سمة واضحة للفن السينمائي في العالم العربي على العكس من بقية الفنون التي وفدت هي الاخرى مع مطلع القرن العشرين من خارج المتن الثقافي المندرج في المؤسسات الثقافية العربية التقليدية مثل الفن المسرحي والتشكيلي والروائي والقصصي ، وأمست هذه الفنون الوفدة بتراكم النتاج الفني لكل منها   جزءاً اساسياً من هذا المتن  رغم  محاولات الكثير من الباحثين العرب لأن يثبتوا عبر بحوث اكاديمية  الوصول الى جذور وملامح واشكال أوليّة لهذه الفنون الابداعية في ماضي وتراث الثقافة العربية في محاولة منهم لاثبات شرعيتها .!
ولكن رغم وجود ملامح غائمة  في فترات من الماضي البعيد تلتقي الى حد ما ولو بخيط رفيع مع الاسس الفنية التي تقوم عليها تلك الفنون الوافدة إلاّ ان هذا لم يشكل عائقاً أو عقبة في تجذّرها ونموّها في خارطة الثقافة العربية المعاصرة ، على العكس مما هو قد حصل مع الفن السينمائي الذي بقي معزولا ومهمشاً من قبل النخب المثقفة  .
من الملاحظات التي تؤشر على طبيعة الفهم النقدي السائد سواء لدى النخبة او لدى عامة الناس عند مشاهدة اي شريط سينمائي هي هذه المقابلة القسرية للتجربة الابداعية  في الفلم السينمائي مع الواقع ،احداثاً وشخوصاً وتفاصيل ووقائع . وهم بذلك يريدون من الفلم ان يكون كما وثيقة تاريخية وهذا ابعد ما يهدف اليه المبدع في شريطه فهو في المحصلة النهائية لايسعى الى استمالة التاريخ ولا الى الوصول الى ابسط متلق بقدر ما يسعى الى فهم ذاته والعالم المحيط بها هذه هي محور العلاقة الجدلية التي تربط الفنان بالحياة من خلال الاعمال التي يقدمها .
هذا التصور القائم على  إزاحة الوظيفة الجمالية والمعرفية للفن السينمائي من قبل النخبة المثقفة والتي تنسجم مع بساطة الفهم  والتقييم لدى بقية طبقات المجتمع بقي ينطلق من تقييم لايتعدى حدود التسلية االقادمة من  الحكايات التي يتم سردها عبر الشريط السينمائي ، وتم اختصار الخطاب المركب لهذا الفن على أنه :  وسيلة جميلة لسرد الحكايات فقط وتم تجاهل مايحمله من امكانات ثرية في انتاج خطاب جمالي لرؤية للحياة بكل مستوياتها وتنوعها ، وبكل مايشغل الذات الانسانية وهي تتحرك في محيطها الاجتماعي .
هذا القصور في التقييم يعود بنا الى البدايات الاولى لدخول الفن السينمائي الى البيئة العربية ، ومعلوم لدينا طبيعة الروافد الماضوية التي تشكل ثقافة هذه البيئة وبالتالي مايترتب على ذلك من  محدودية الافق الذي تتتحرك به وحدود الحرية التي يمكن للوعي الانساني أن يخطوبها وهو ينظرالى حركة الحياة ماضياً وحاضرا ومستقبلا .

حدود الحرية
من الطبيعي أن يجد الفن السينمائي  والذي تشكل الصور المُستنتجة من الواقع قيمة اساسية من اسس بنائه الفني  صعوبة في تحقيق حضوره المهيمن في الثقافة العربية المعاصرة طالما بقي المنتج الثقافي بكل اشكاله وحقوله يخرج من اطار مؤسسات تقليدية تتحكم بمركزية واضحة في منظومة القيم الفكرية والجمالية التي ينتجها المجتمع اضافة الى حدود المساحة الضيقة التي ينبغي على المثقف ان يتحرك بموجبها وعلى اساسها ، ولن يكون بمستطاعه أن يتجاوز ماهو مسموحا له ضمن هذا الاطار الواضح والثابت ولو حاول أن يتجاوزه فإنه بلاشك سيكون في موضع حرج جداً وستترك معركته هذه والتي سيخوضها وحيداً أثاراً واضحة علىه وفي ابسط صورها سيجد نفسه غير قادر على الاستمرار في تحقيق مايصبو اليه من مشاريع ، فهو لن يجد ساعتها وسط هذا الصراع الغير متكافىء من حيث العدة والعدد من سيغامر ليقف الى جانبه مستثمراً أمواله في مشروع سينمائي لن يأتي بثماره تجارياً .   
هذا السياق يتقاطع تماماً مع طبيعة الخطاب الذي يسعى اليه الفنان السينمائي ويشدد عليه وعلى حضوره في رؤيته ومعالجاته الفنية  خلف صورة واقعية تبدو بسيطة لكنها تملك من المستويات المركّبة والمتداخلة مايجعلها قادرة على خلق علاقة تبادلية في التجاذب والتحاور والتأمل مابينه وبين الجمهور الذي يتشكل عادة من فئات وطبقات اجتماعية متباينة في الفهم والتلقي .
في عتمة هذه الصورة التي تشكلها ثقافة مُغترِ ِبة عن متغيرات الحاضر والمستقبل يبدو هنا الانسان العاجز والمُستهلِك للثقافة السائدة انساناً مُتصالحاً مع ثقافة المؤسسات التي يرتكز عليه المجتمع وأعتاد على انتاجها واستمراها وحضورها في حياته قيماً واعرافاً وسلوكا وعلى العكس من ذلك يبدو الفنان السينمائي المطوّق بالحرية وكأنّه  ملتاث العقل لا لشيء إلاّ لانه يغرد خارج سرب  الثوابت الثقافية  التي طوّقت  المجتمع وتكامل بها عبر عشرات السنين .

غياب المشروع الثقافي  
في عشرينيات القرن الماضي إنتبه طلعت حرب رجل الاقتصاد المصري الى هذا الفن الجديد وبدأ في منح القروض المالية انطلاقاً من دوافع اقتصادية الى من كانوا يسعون للعمل في هذا الميدان ، وبدأت تتوالى المشاريع السينمائية في مصر نتيجة هذا الدعم ، لكنه ورغم ماقدمه من فرص كبيرة لانبات الفن السينمائي في البيئة المصرية إلاّ انه لم يتعامل معه باعتباره مشروعاً ثقافياً يسعى من وراء دعمه الى تشكيل وعي جديد في مواجهة وعي آخر يتسم بالخضوع لسلطة الماضي ، بل كان  منطلقه في ما ذهب اليه من مساندة وتشجيع لايخرج عن كونه مشروعاً اقتصادياً لاغير ، اي أن الفعالية الثقافية كانت غائبة عن هذا الاستثمار ، وهذا ماشار اليه الباحث السينمائي عدنان مدانات في كتابه المهم ( سينما تبحث عن ذاتها ) وهنا يقول مدّانات بهذا الصدد " ان ظروف التطور الاجتماعي والاقتصادي في مصر أعطت السينما المصرية الناشئة زخماً خاصاً عندما أستوعبت البرجوازية المصرية الصاعدة ظاهرة السينما باعتبارها ظاهرة صناعية عصرية ووسيلة استثمار هامة " . 2
بقي هذا المنطلق الاقتصادي البحت هو المحرك الاساس لاستمرار عجلة الانتاج ، وإن كان هذا الفهم الاقتصادي ناقصا في استيعابه لطبيعة ماينبغي ان يتوفر عليه من قاعدة مادية  لدعم هذا الاستثمار حتى يأتي بأرباح تتنامى عاما بعد اخر ، ومشروعاً بعد آخر ،  كما حصل في بداية السينما الاميركية ، التي انتبهت الى أهمية القيمة الاقتصادية والاستثمارية لهذا الفن الجديد الذي كانت اوربا هي الارض الذي تم اكتشافه فيها وشهدت فرنسا اول عرض سينمائي عام 1896 . لأن رجال الاعمال الاميركان بما يملكونه من شهوة وطموح كبير للمغامرة والمقامرة بدأوا منذ مطلع القرن العشرين في وضع الاسس المادية لقيام صناعة سينمائية قادرة على تمويل مشروعاتها بنفسها فتأسست بناءً على ذلك شركات الانتاج السينمائي وتبعها في خطوة مهمة جداً بناء العديد من دور العرض السينمائي الخاصة بكل شركة انتاج لضمان  استرجاع رأس المال وتحقيق الارباح عبر احتكار عرض الافلام  في دور العرض الخاصة بها ، وهذه هي الخطوة الاقتصادية  الاساسية التي  لم ينتبه لها صناع السينما في البلدان العربية  .
ولكي لانذهب بعيدا في الحديث عن السينما ضمن اطارها الاقتصادي الذي ليس هو مانهدف اليه نعود لنقول إن لحظة التحول في النظرة الى الفن السينمائي بأعتباره خطاباً ثقافياً وجماهيرياً يمكن ان يحقق الكثير مما تعجز عنه مؤسسات حكومية اخرى جاءت مع سقوط النظام الملكي في مصر عام 1952 ومجيء العسكر الى الحكم .

أدلجة الخطاب
هنا في هذه اللحظة الفاصلة من تاريخ المنطقة حدثت نقطة التحول الكبيرة في التعامل مع الفن السينمائي ، وبدا واضحا ان القيم القومية  التي جاء بها الزعماء الشباب العسكر تحت راية الضباط الاحرار كانت الدافع الاساس نحو انتاج ثقافة جديدة تستجيب لمقتضيات التحول الاجتماعي الذي اعلنه عبد الناصر ورفاقه ضد القوى الاجتماعية التقليدية في المجتع المصري القائم على بنية طبقية واضحة يشكل الفلاحون فيها  الطبقة الاكبر مقابل قوى الاقطاع والبرجوازية التجارية في الطرف المقابل . .
اخذت السينما في هذه المرحلة ــ بأعتبارها منتوجاً ثقافيا اضافة الى كونها نتاجا فنياً ــ بعداً ايدولوجياً واضحاً في معظم الافلام التي انتجتها الدولة من خلال القطاع العام الذي أوجده النظام السياسي الجديد في مصر بعد أن تم تأميم العديد من القطاعات الاقتصادية ومنها قطاع الانتاج السينمائي .  

يقول الناقدالناقد السينمائي أمير العمري عن هذه الفترة من تاريخ الانتاج السينمائي في مصر " خلال الستينيات، شهدت السينما تطورات درامية، بعد أن اتجهت أنظار الدولة أيضا إلى ضرورة دعم الصناعة، وتشجيع إنتاج الأفلام التي لا يستطيع المال الخاص تمويلها، وهي فترة ظهر فيها الكثير من الأفلام الجيدة دون شك، لكن هذه السياسة أصبحت مثار جدل ربما حتى وقتنا هذا، ولم تمر دون مجازفات ومخاطر بل ومنزلقات. فلم يكن ممكنا أن تتيح الدولة حرية النقد في مراحل وصفت بأنها ' مصيرية، وعرفت مواجهات عسكرية مسلحة مع إسرائيل، وهو ما استدعى أن يكون هامش حرية التعبير محدودا للغاية، غير أن السينمائيين كانوا يستخدمون الهامش إلى أقصى مداه، ويلجأون إلى الرمز والاستعارة والتشبيه."3
وعلى الرغم من هيمنة الخطاب الفكري الذي روّج لافكار المرحلة الجديدة على حساب الرؤية الذاتية للفنان الذي يقف وراء بناء العمل الفني إلا أن هذه المرحلة كانت نقلة نوعية في مسار تقييم وفهم طبيعة الخطاب السينمائي ومدى التأثير الفكري الذي يمكن أن يحدثه في العقل الجمعي .
بقيت هذه العلاقة مع الفن السينمائي التي رسمتها  ثقافة السلطة الجديدة تشكل تحدياً واستفزازاً آخر أضيف الى ثالوث التحديات التقليدية ( السياسة  ، الدين ، الجنس ) تواجه الفنان السينمائي في المنطقة العربية خاصة بعد أن تم استساخ نمط هذه العلاقة في معظم الدول العربية التي عرفت  فيما بعد الانتاج السينمائي  .

على هامش الفكر
 وضمن هذا الاطار الدرامي الذي كان يتمحور فيه طبيعة الصراع القائم مابين المشروع السينمائي بمحمولاته الجمالية والمعرفية من جهة والبنية الثقافية للقوى المجتمعية التي تتخندق بولاءاتها القبلية والدينية من الجهة الاخرى كانت النخب المثقفة في المنطقة العربية من مفكرين وادباء وشعراء تقف في المحصلة النهائية في خندق القوى التي تعاملت مع الفن السينمائي انطلاقاً من نظرة هي  ليست سوى فريسة لفهم بسيط الى هذا الفن باعتباره أبعد من أن يكون في حاضنة الفنون الابداعية التي يمكن أن تحمل خطاباً ثقافياً ثريا بمحمولاته الجمالية والمعرفية التي تعكسها عادة حقولا إبداعية تقليدية كالشعر والرواية والقصة إضافة الى بقية الحقول التي يشتغل فيها الفكر من نقد وفلسفة ، ومازال هذا الفهم بكل الفجوات التي يحملها يشكل ظاهرة  قائمة في الثقافة العربية .
ومن مظاهر هذا الفهم الذي  يبدو وكأنه راسخاً في اذهان النخب المثقفة : -  اهمال النتاج السينمائي واستبعاده من دائرة اهتمام  المفكرين والمثقفين وعدم ادراجه في لائحة بحوثهم ودراساتهم الاكاديمية والبحثية  التي عادة ماينشغلون بها طيلة مسيرتهم الفكرية . هنا يشير الناقد السينمائي المغربي محمد نور الدين افاية في بحثه المعنون : " السينما – الكتابة والهوية إذ يقول " الفكر العربي المعاصر لم يعمل على مقاربة السينما كظاهرة ثقافية مركبة الابعاد " 4. ويقول أيضا في مكان آخر من البحث  " الفكر العربي المعاصر لم يدمج حقل السينما في اهتماماته كحقل للابداع الثقافي أو كمجال خصوصي للتذوق الجمالي ولانتاج الايدولوجيا ، فما زالت السينما على هامش التفكير العربي بالرغم من كونها تشكل إحدى الروافد الاساسية لتشكيل الحساسية العربية المعاصرة " 5
هذا الاستنتاج يشير بوضوح  الى أن هذه النخب تعيش وضعاً مُستلباً ومزدوجاً جاء نتيجة خضوعها امام ألخيارات الثقافية المطروحة امامها والتي تستطيع من خلالها ان تتستر باللغة لتتفادى المواجهة مع منظومة الثقافة المستأثرة بسلطة الواقع الاجتماعي مراهنة بذلك على ان لغة الادب والشعر لايملك العامة من الناس القدرة على التواصل معها وتفكيك رموزها باستثناء الذين يقرأون ويكتبون على عكس الفن السينمائي الذي يتفرد  بقدرة واسعة للوصول الى عموم الناس  ، لذا لن يشكل خطابها  خطورة مباشرة لها مع ثقافة المؤسسات التقليدية القائمة ولو الى حين ، ويمكنها بذلك ان تبقى بمنأى عن الاخطار والمواجهات التي قد يأتي بها الخطاب السينمائي مهما كان مُركباً وملغزا ً في بنيته الجمالية كما هو الحال مع  افلام يوسف شاهين على سبيل المثال ، الذي شكلت مسيرته الفنية خير نموذج لما ذهبنا اليه من صراع عنيف مع المؤسسات المجتمعية التقليدية . وهنا نستعيد  رأي الناقد السينمائي المصري  أمير العمري وهو يتحدث عن  سينما يوسف شاهين فيقول عنها " كانت فنا وثقافة إضافة إلى عنصري التسلية والامتاع. كما أن تجربة شاهين السينمائية سوف تثير شهية النقاد الجادين وتحفزهم على الكتابة النقدية الرصينة" 6

تحديث السينما
لو عدنا قليلا الى الوراء لاكتشاف الاسباب والعوامل التي احدثت تحولا ونضجاً كبيراً في طبيعة الفن السينمائي واخذت به بعيداً جداً نحو فضاء اكثر سعة وثراء من حيث المحولات الفكرية والجمالية التي يمكن ان يستوعبها ويرسلها بالتالي الى المتلقي لوجدنا ان من وقف وراء تلك التحولات اناساً جاؤا من حقول فكرية وادبية بعيدة عن الفن السينمائي ، تنوعت مابين الفلسفة والسيميائية هذا مانجده في خمسينات وستينات القرن الماضي عندما دخل الى حقل الفن السينمائي في ايطاليا وفرنسا مجموعة من الاسماء التي جاءت من تلك الميادين الفكرية وبدأت في طرح تنظيراتها وافكارها حول طبيعة ومفهموم الفن السينمائي محاولة تفتيت الرؤية القديمة التي قام عليها هذا الفن والتي كانت تختصره بسرد الحكايات على الشاشة .
وادخلت ماكانت قد توصلت اليه البحوث والدراسات في اطار اللغة والسيميائية وعلم الجمال ، كان الهدف من ذلك الارتقاء باللغة السينمائية وطبيعة الافاق الذي يمكن ان تذهب فيه محمولات الخطاب السينمائي بعيداً عن بساطة الموضوعات والطروحات والمعالجات الاسلوبية للارث  السينمائي المتراكم منذ بدايات الفن السينمائي .
ونتيجة لدخول تلك الاسماء الى الحقل الكتابي والتنظيري السينمائي  والتي جاءت من ميادين بعيدة عن المشغل السينمائي وقريبة جداً من مشغل الفكر والفلسفة واللغة والادب حدث التحول الكبير في تاريخ الفن السينمائي على مستوى الفهم والاسلوب والمعالجة والموضوعات ، وذلك عندما ظهرت السينما الواقعية في ايطاليا  والسينما الجديدة في فرنسا . وكان ذلك ايذاناً ببدء مرحلة جديدة ومهمة من تاريخ الفن السينمائي مازالت اثارها ونتائجها واضحة وسارية حتى الان ، ولولاها لما شهدنا هذا النضج والنمو في البنية الجمالية للخطاب السينمائي بعيداً عن النمط التقليدي للفلم السينمائي  الذي تنتجه السينما الاميركية والذي تتحكم بقيمه الفنية الثابتة قواعد ومنظومة السوق الاقتصادية .
لم يكن المخرج الايطالي بازولويني عندما جاء الى الفن السينمائي بعد الحرب العالمية الاولى سوى شاعر متمرد على سكونية اللغة ومحدودية مدلولالتها فنقل ثورته تلك الى الفن السينمائي ليبدأمعه رحلة التغيير والرؤيا الجديدة لما يحتمله هذا الفن من فضاء واسع وشاعري في آن واحد وهكذا الحال مع انطونيوني ، وكودار وجان كوكتو الفرنسيان ، ولويس بونويل الاسباني واخرين لامجال لذكرهم .
إذن معظم الذين جاءوا بالوعي الجديد في فهم الفن السينمائي كانوا كتاباً وشعراء ونقاداً ، ارادوا من خلال كتاباتهم التي كانت تتحرك في محيط ثقافي ينطلق من فكرة التجديد في بنية ولغة الخطاب الثقافي بكل تجلياته الابداعية والفكرية وبقية الانشغالات الادبية التي كانوا قد  انطلقوا منها في بداية مشوارهم لتحقيق ذاتهم ومشروعهم الذي كانوا يدعون اليه ، ولولا هؤلاء لما حدثت هذه النقلة النوعية والقاطعة والمفارقة في تاريخ وجمالية الخطاب السينمائي .
في منطقتنا العربية لو نظرنا الى العاملين في حقل الفن السينمائي خاصة في المواقع الاساسية منها : الكتابة والاخراج  ، لوجدنا ان هنالك عدد محدود جداً قد جاءوا من حقول الادب أو الفكر ليعملوا في الفن السينمائي باعتباره خطاباً ابداعياً فيه من المساحة الواسعة التي تنتج زمنا ً مركباً يمنح الاستعارة والرمز والدلالة طاقة من الازاحة تزاحم  إختزال البلاغة التي يتيحها الادب والشعر .
وهنا ينبغي ان لاننسى تلك التجارب السينمائية التي كانت تحمل في ثناياها ملامح منطوق جديد غير مكتوب في تاريخ السينما العربية ولم يكن منسجماً مع المخيلة التقليدية التي صاغت معظم الارث السينمائي العربي والتي ابتدأت مع مطلع سبعينات القرن الماضي ، نذكر البعض منها على سبيل المثال لا الحصر انطلاقاً من أهميتها وتأثيرها الذي تعدى الفترة التي جاءت فيها ويمكن أن نذكر تجارب عدد من المخرجين السوريين الذين كانوا قد مارسوا انشطة كتابية في النقد والادب أضافة الى ألعمل في السينما وهو مايمثل القاعدة المفقودة التي نبحث عنها هنا لانتاج سينمائي يستوعب منطق ومخيلة الابتكار لانه يستند الى حبكة معرفية ينطلق منها العاملون المبدعون في الفن السينمائي منهم على سبيل المثال محمد ملص وقيس الزبيدي (العراقي الاصل)  كذلك في مصر جماعة السينما الجديدة الذين انبثقت في حركتهم  دينامية جديدة على سطح الحياة السينمائية ،وذلك عندما اصدروا عام 1968 أول بيان سينمائي نظري قصدوا من خلاله سنَّ قيم جديدة لسينما يطمحون الى تحقيقها جاء فيه : " إن الذي نريده سينما مصرية ، أي سينما تتعمق في حركة المجتمع المصري وتحلل علاقاته الجديدة وتكشف عن معنى حياة الفرد وسط هذه العلاقات ،ولكي تكون لدينا سينما معاصرة لابد أن نمتص خبرات السينما الجديدة على مستوى العالم كله، وعندما تكون السينما واقعية محلية الموضوع عالمية التكنيك واضحة المضمون بفضل تعمق السينمائيين بواقعنا فسوف تستعيد جمهورها كما تحقق انتشاراً عالمياً " 7
وفي وسط هذه الاجواء التي جاءت نتيجة هزيمة العرب عام 67 امام اسرائيل بدأ يسود بين اوساط  السينمائيين الشباب في مصرتيار من الافكار تدعو الى سينما أخرى بديلة، فتشكلت مجموعة سينمائية شابة تضم نقاداً ومخرجين سينمائيين كان قد بادرالى تأسيسها الناقد مصطفى درويش واطلقوا عليها تجمُّع  (السينما الثالثة ) وتوصلت هذه المجموعة في قراءاتها النقدية الى أن هناك ثلاث سينمات في العالم: الاولى هي (السينما الاميركية) بكل نمطيتها وآليتها الانتاجية الكبيرة ، وهذه السينما بما يقف خلفها من شركات انتاج عملاقة وبرؤوس اموال هائلة تسعى أولا وآخراً الى تحقيق الارباح الطائلة ، لاتعطي أيّة مساحة من الحرية للمخرج وافكاره، بقدر ماتنظر الى  اليه على أنّه ليس سوى منفذ لما تريده الشركة من اهداف. والثانية هي (السينما الاوربية )وفيها  يُشكل المخرج العقل المفكروالخالق الوحد للشريط السينمائي، ولايزاحم موقعه هذا أي عنصر انتاجي آخر، وأخيراً ( السينما الثالثة ) وهي التسمية التي كانت عنوانا للتجمع وكانت تهدف في منطلقاتها الى بناء قطيعة جمالية وانتاجية مع النموذجين السابقين ،وذلك بطرح نموذج جديد  يؤكد على أهمية الدور الذي يلعبه الفن السينمائي في الوعي الجمعي ، لذا جاءت هذه السينما لأن تكون أداة للتثوير والتحريض على  كشف الواقع، والانقلاب عليه ،هذاالطرح جاء احتفاءً وتقليداً لنمط الانتاج السينمائي الذي قدمته عدد من دول  اميركا اللاتينية.
ولكن رغم هذه الطموحات والاحلام في تغييربنية الخطاب السينمائي جمالياً وفكرياً والتي تمت على مستوى النقد، لكنها لم تصل الى تحقيق نتيجة عملية واضحة ومؤثرة في واقع الصناعة السينمائية ذلك لانها لم تحظى بالدعم المادي من قبل الشركات المنتجة كذلك لم تلقى المساندة التي ينبغي أن تكون من قبل المثقفين . وبالتالي شهدت الانتاج السينمائي  منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي وكنتيجة لسياسة الانفتاح وخصصة القطاع العام  تراجعاً كبيراً جدا في المستوى الفني للانتاج السينمائي، وظهرعلى السطح مايُعرف بسينما( المقاولات ) التي يقودها طبقة من الاثرياء الجدد الذين افرزتهم المرحلة الجديدة وفي هذه السينما يتم إنجاز أي فلم خلال مدة قياسية لاتتجاوز الاسبوعين ! .  وعليه تراجعت المتابعات النقدية للانتاج السينمائي وبات مايكتب في الصحف الفنية لايخرج عن اخبار نجوم السينما وحياتهم وخصوصياتهم الى غير ذلك من المعلومات التي لاصلة لها بالفن ولابالعملية النقدية . " ويطرح موضوع غياب النقد ووقوع الكتابة النقدية في مُنْزَلقَي المدح والهجاء ، وتحوّل الفعل الثقافي إلى قوة تخدم ماعداه ، بما يجعل الابداع والفكر تابعين للسياسة " 8
ايضاً شهد المغرب العربي منذ مطلع سبعينات القرن الماضي  سواء في الجزائر أو المغرب  ظهور عدد من الاسماء والتجارب كانت تسعى الى تحطيم الجُمل السينمائية التقليدية التي تجذرت في الذائقة الجمعية العربية بفعل محاكاة مُستنسخة ومشوهة للنموذج الاميركي .
 لكن تلك التجارب لم تصل مبادراتها ومشاريعها الفنية الى المرحلة التي توقِفُ زحف المنطوق الفني ألقديم بكل إستعاراته وترميزاته المباشرة والسطحية ، وبقيت هذه التجارب الجديدة تكافح من أجل البقاء والحفاظ على استقلالية بنيتها الجمالية في بيئة أبعد مايكون من أن تكون متهيئة لاستيعابها والقبول بها . ومما ساهم في ذلك ايضاً هو: غياب العلاقة التفاعلية بينها وبين  النخب المثقفة خاصة من المبدعين ،كتاباً وقصاصين وشعراء   فقد أعرض أغلبهم عن الانخراط في بناء الخطاب السينمائي والمساهمة في تجديده  .
قبل ان نختتم طرحناهذا نختتم المقال بجملة بليغة لمؤرخ الفنون والاستاذ بجامعة برنستون الاميركية "إروين بانوفسكي " إذ يقول : "إن السينما ، سواء أحببنا أم لم نحب، هي القوة التي تصوغ – أكثر مما تصوغ أيّة قوة أخرى – الاراء ،والاذواق ، واللغة ، والزّي  ، والسلوك ، بل حتى المظهر البدني لجمهور يضم أكثر من ستين في المائة من سكان الارض ". 9

هوامش :
1- جريدة "الاضواء"  البحرينية 11/ 4/ 1987 ، حوار بين ادونيس وعدد من ادباء البحرين .
2- "السينما تبحث عن ذاتها "– عدنان مدّانات- منشورات وزارة الثقافة – المؤسسة العامة للسينما – الجمهورية العربية السورية – دمشق 2005

3- "شخصيات وافلام من عصر السينما "ـ أمير العمري ـ مكتبة مدبولي

4- "السينما .. الكتاب والهوية" : المؤلف – محمد افاية ، مجلة " الوحدة " العدد 37م 38 تشرين الاول – اكتوبر / تشرين الثاني – نوفمبر ، عام 1987 . )
5- نفس المصدر السابق
6- "شخصيات وافلام من عصر السينما "ـ أمير العمري ـ مكتبة مدبولي
7- "السينما تبحث عن ذاتها "– عدنان مدّانات- منشورات وزارة الثقافة – المؤسسة العامة للسينما – الجمهورية العربية السورية – دمشق 2005
8- "الدليل إلى الاعلام الثقافي والفني – تقنيات الكتابة النقدية "د. جورج كَلاّس – منشورات الجامعة اللبنانية – قسم الدراسات الاعلامية .
9- "السينما آلة وفن – تطور فن السينما منذ عهد الافلام الصامتة الى عصر التلفزيون " البرت فولتون – ترجمة صلاح عزالدين وفؤاد كامل – مراجعة وتقديم عبد الحليم البشلاوي .













هل ستختفي الموصل القديمة https://al-aalem.com/article/46615-%D9%87%D9%84-%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AA%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D...