الأربعاء، 27 فبراير 2013






عرض كتاب ..

سينما الواقع ..دراسة تحليلية في السينما الوثائقية
للناقد كاظم مرشد السّلوم .

                                                     مروان ياسين الدليمي

السينما الوثائقية شكل تعبيري جاء حضوره مبكرا ً مع بداية الفن السينمائي عبّر من خلاله الرواد الاوائل عن رصدهم لجوانب وصور من الحياة اليومية، فكان هذا النمط الفني في مقولاته الجمالية متصدياً للواقع المعاش بكل صوره المرئية.وباتت الافلام الاولى التي تم انتاجها على يد عدد محدود جدا من المغامرين امثال فيرتوف وثائق تاريخية تضاف الى بقية اشكال الوثائق الاخرى كالصحيفة والكتاب والمخطوطة عادة  مايعود اليها الدارسون من اجل قراءة جوانب معينة لفترة زمنية محددة . وباتت تتعاظم اهمية الافلام الوثائقية يوما بعد آخر لدى عموم المتفرجين اضافة الى اهميتها لدى الدارسين..عن هذا الشكل السينمائي جاء الاصدار الجديد "سينما الواقع دراسة تحليلية في السينما الوثائقية "  للناقد السينمائي العراقي كاظم مرشد السّلوم، وقد صدر في نهاية العام 2012 عن دار ميزوبوتاميا بالاشتراك مع مكتبة عدنان للطباعة النشر والتوزيع ودارأفكار للدراسات والنشر. . تقديم  الكتاب جاء بكلمة تحت عنوان ( الفكرة لا الحبكة ) كتبها د. عقيل مهدي عميد كلية الفنون الجميلة جامعة بغداد ،يقول فيها :" بخلاف الحبكة الروائية،والعالم الموازي التخيلي،الذي يمكث فيه الفلم الروائي إزاء الواقع تنتظم عناصر الفلم الوثائقي بصورة موثقة للواقع الموضوعي المعاش نفسه بمنهجية علمية تنشد الجمال بطريقتها الخاصة في التعبير الفني من خلال الفلم بوصفه خطابا عن افكار المخرج المتفاعلة مع العصر وإعلاء اللحظة اليومية المعاشة الى مستوى تأريخي مستقبلي ببراعة صنعته التقنية،فالمخرج يوظف ثقافته الخاصة بإطارها الاجتماعي والحضاري والمادي بعدأن امتلك الحرفة السينمائية ولغتها المميزة ومادتها الواقعية في فلمه الوثائقي" . .
فهرس الكتاب تضمن اربعة فصول سبقها مقدمة قصيرة بأربعة صفحات  بقلم المؤلف قدم فيها فكرة موجزة عن طبيعة هذا الجنس السينمائي مع ماجاء من تعريفات مختلفة على لسان ابرز من قدم هذا النوع من الافلام مثل جريرسون رائد السينما الوثائقية الذي يقول عن الفلم الوثائقي بأنه   :"معالجة الاحداث الواقعية الجارية بأسلوب فيه خلق فني " . كما لايفوت المؤلف أن يذكر تعريفات اخرى وردت على لسان نقاد اخرين مثل هيلا كولمان ومنى الحديدي،ليصل بالنتيجة الى تثبيت فهمه الخاص للفيلم الوثائقي يؤطره في تعريف محدد :" شكل متميز من النتاج السينمائي يعتمد بشكل اساسي على العلاقة بين صانع الفيلم والواقع الحقيقي،من خلال رؤيته وتحليله للواقع باعتماده شكلا فنيا في تناوله لهذا الواقع ". ويتوقف السَّلوم امام التعريف اللغوي لكلمة الواقع المشتقة من الفعل (وقع ) الشيء، ومنه يقع وقعاً ووقوعاً.. الخ ليصل هو الى التعريف الاقرب كما يتصور في اطار موضوع الكتاب هو  :"المادة الاساس المتوافرة في المعطى الحياتي والذي يتم توظيفه بكيفيات وآليات متنوعة داخل بنية الفيلم الوثائقي ليصبح الواقع بمظاهره الفيزياوية انعكاسا فنيا ً وتمثلا لصوره الفيزيائية ".
الفصل الاول يبدأمن صفحة ( 15- 43  )وقد جاء تحت عنوان "فلسفة الحقيقة والواقع في الافلام الوثائقية". هذا الفصل يتناول مفهومي الحقيقة والواقع في اطار الفلسفة على اعتبار أن صانع الفلم هنا عندما يتناول الواقع يقصد اظهار أوالوصول الى الحقيقة وفقاً لقناعة فلسفية ينطلق من خلالها في رؤيته لهذا الواقع الذي هو "مرجع الحقيقة، فكل ماهو واقعي هو حقيقي " . ويشير السلوم في هذا الاطار إلى أن "السينما الوثائقية من حيث المبدأ هي وثيقة عن الحياة والواقع تتجسد مادتها عن طريق العكس أو التصوير المباشر لهما ". كان من المنطقي أن يمر مسارالسينما الوثائقية بتحولات مهمة في المفاهيم في مايتعلق بعلاقتها وتعاملها مع الواقع فيذكر المؤلف في هذا الفصل اتجاهان حكما هذا التطور في المفهوم :" الاتجاه الاول يرى أن "السينما التسجيلية مرآة تعكس الواقع من دون تدخل المخرج أو الممثل وعبّر عن هذا الاتجاه منظرون كبار مثل الالماني (زيغفريد كراكاور والفرنسي انريه بازان) والاتجاه الثاني ينظر الى الواقع لابوصفه هدفاً بل كطريق للوصول الى الهدف وهو التعبير الفني عن الواقع من قبل الفنان ولكن من خلال مادة الواقع نفسه التي تُستخدم كوسيلة وليس كغاية بحد ذاتها وابرز منظري هذا الاتجاه هو المخرج دزيغا فيرتوف ". وهنا يذكر المؤلف مثالا مهما عندما قامت احدى الشركات السينمائية بتكليف 11 مخرجا من 11 بلدا لعمل فيلم من 11 دقيقة عن حادثة الحادي عشر من سبتمبر كل بمفرده وبحسب رؤيته للحدث تاركة لهم حرية الاختيار وبحسب تجربة وحس وخلفية المخرج الثقافية والتاريخية والفنية".
الفصل الثاني من الكتاب جاء بعنوان "الانواع الفلمية للسينما الوثائقية وأشكال تناولها للواقع ".وفي هذا الموضوع يورد الكتاب تصنيفيا نوعيا متنوعاً ومتعددا ومختلفا لعدد من المخرجين الكبار في عالم الفلم الوثائقي، ولكن على الرغم من هذا التنوع في التصنيف لكن هنالك مشتركات واضحة كما حددها رائد السينما الوثائقية جون جيريرسون وهي :"المستوى الاول وهو مستوى ادنى ويشمل الجرائد والمجلات السينمائية والافلام التعليمية والعلمية وهي تفتقر الى البناء الدرامي وتعتمد على الوصف والعرض حيث تعتمد على الاستطراد . والمستوى الثاني وهو مستوى أعلى يُطلق عليه الافلام الوثائقية وتقدم خلقا فنيا يمكن أن يبلغ مراحل الفن العليا وابراز المغزى الذي ينطوي عليه خلق هذه الاشياء ". ويستعرض الكتاب في هذا الفصل الاسس التي يقوم عليها الفيلم الوثائقي في تناوله للواقع وهي : المقابلات الشخصية،الارشيف،استخدام الممثلين،الصورالفوتوغرافية ،الرسائل والمذكرات،استخدام برامجيات الحاسوب. .كما يتطرق ايضا في هذا الفصل الى عناصر تناول الواقع في الفيلم الوثائقي والتي هي: 1- السرد الفلمي ( موضوعي وذاتي ) وتكون آلة التصوير هي الاداة الرئيسية في السرد ". ويقول المؤلف هنا:"السرد في الفلم الوثائقي يعتمد على النقل المباشر ومتابعة الفعل في فضاء المكان وهذا مايجعله حريصا على اعتماد الحاضر في نقل الاحداث من دون الغور في ارتدادات ذاتية قد تمثل وجهة نظر صانع العمل أكثر من الشخصيات المشاركة في الفيلم " 2-التصوير 3- المونتاج 4- المكان 5- الزمان 6- الصوت (الموؤثرات الصوتية +الحوار واللقاءات +الموسيقى +الصمت )7- الشخصيات . . كما يستعرض هذا الفصل صورة أو شكل البطل في الفلم الوثائقي وهوبالضرورة " ليس شرطاً أن يكون شخصية بل من الممكن أن يكون المكان والدافع بكامل شخوصه ". وهنا يشير المؤلف الى النقاط الثلاثة التي حددها كارباج لاختيار البطل في الفيلم الوثائقي وهي :"1- وضوح الحالة إذيتوجب على صانع الفلم أن يتمكن من توضيح القضية وافهامها للبطل ليعرف من اين يبدأ ،  2- العلاقة الحميمة، فكلما كانت العلاقة اكثر حميمية مع البطل نتج عن ذلك بوح بخفايا الموضوع ،3-  الصّبر ،ويعني أن يمتلك صانع العمل الصبر في الاستماع والتوغل في عينة البحث .
ويتطرق هذا الفصل ايضا الى أتجاهات الفيلم الوثائقي وهي : الاتجاه الواقعي ، الرومانسي ،السمفوني ،أتجاه السينما عين . . . ويصل المؤلف في هذا الفصل الى التطرق لموضوعة الاشكال الاساسية التي يتم من خلالها تناول الواقع فنيا في بناء الفلم الوثائقي وهي : الشكل الاول :إعادة بناء الوثيقة (إعادة بناء الحدث ) الشكل الثاني : الملاحظة الطويلة في متابعة جميع مايحدث امام الكاميرا من دون انفقطاع . لمدة طويلة من الزمن . الشكل الثالث : المعايشة والتخطيط قبل الشروع في عملية التصوير. الشكل الرابع : السينما عين ،وقد ارتبط هذا الشكل الاخير بتجربة (دزيغا فيرتوف ) .
يأتي الفصل الرابع تحت عنوان (السمات الجمالية للأفلام الوثائقية ) ليشير الى حقيقة اساسية تؤكد" امتلاك السينما للتأثير الجمالي منذ لحظة ولادتها وقد ضمن لها هذا التوجه الجمالي القدرة على التأثير لأن النتاج الفني الخالي من التأثير الجمالي يبقى في حدود المنفعة المباشرة ". وبعد أن يستعرض الكتاب مفهوم الجمال فلسفيا ونفسيا يتطرق الى طبيعة ماجاء به المؤسسون الاوائل للفلم الوثائقي من مفاهيم جمالية حيث عدّالبعض منهم أن التعامل مع بعض عناصر اللغة السينمائية انما هو تدخل في الواقع الذي تشتغل الافلام الوثائقية عليه خاصة بعد التوصل الى مفاهيم ثورية في فن المونتاج الذي منح اللقطات معنى آخرعند ترابطها مع بعضهااضافة الى الافادة الكبرى من التطور الحاصل في الات ومعدات التصوير والذي اضاف كما يشير الكتاب الى الافلام الوثائقية الكثير من السمات الجمالية لذا لم تعد وظيفة الفلم الوثائقي نقل الواقع بقدر ما تعدى ذلك الى خلق عالم جديد انساني حقاً . ثم يتعرض الكتاب الى الفروقات الجمالية مابين الفلم الوثائقي المنتج للتلفزيون والفلم الوثائقي المنتج للسينما فمنها ماله صلة بالفرق بين حجم شاشة العرض ومنها مايتعلق بخصوصية العرض في صالات السينما عنه في البيت ومنها مايتعلق بأهتزازات الكاميرا في الفلم الوثائقي والتشوهات في الصورة والتي تعد سمات جمالية خاصة به تأتي من طبيعة الاثارة التي تحدثها لدى المتلقي بسبب من مصداقية مايجري امامه كما إن عدم الاهتمام بالموازنة داخل الفيلم يعد ايضا سمة جمالية وفارقا كبيرا بينه وبين الفلم الروائي كما أن المؤثرات الصوتية الطبيعية والحقيقية هي ايضا سمة وخاصية جمالية للفيلم الوثائقي،وهنا لايفوت المؤلف الاشارة الى الفلم الوثائقي الذي يستخدم الممثل ويطلق عليه ( الدوكودراما ) وبداية ظهور هذا النوع في فيلم ( المانيا تحت الرقابة ) للمخرج البريطاني روبرت بار،والذي يرى أن :"استخدام الممثل في السينما التسجيلية يمثل نوعاً من الاثراء للافلام التسجيلية".
أما الفصل الرابع من الكتاب فقد جاء تحت عنوان ( التطبيقات ) ويقول السّلوم هنا :"حاولنا في هذا الفصل اختيار عينات تمثل اشكال متنوعة من عملية تناول الواقع في الفيلم الوثائقي ....." وقد اختار السلوم اربعة افلام يراها نماذج معبرة ومتنوعة عن الفلم الوثائقي والافلام هي : (الارض) للمخرج الستر فوتريل وهو من انتاج ال بي بي سي . وفلم (القرار الاخير) للمخرج أنور الحمداني . والفلم الثالث هو (أبيكليبس ) أو الحرب العالمية الاولى وهو من انتاج ال بي بي سي والفلم الرابع والاخير ( عالم الطيور ) وهو سلسلة تقارير شاملة عن حياة الطيور وهو من انتاج مايك سيبليري .
ينتهي الكتاب بخاتمة استخلص فيها المؤلف اشكال واسباب التنوع في الفيلم الوثائقي والتي يجملها في اربعة نقاط  :"1- شكل المعايشة 2-شكل الملاحظة 3-شكل البناء المونتاجي 4-شكل اعادة بناء تمثل الواقع  .
عموما الكتاب اضافة مهمة للمكتبة السينمائية التي تفتقر الى دراسات تتسم بالجهد البحثي الذي تتوفر فيه الاشتراطات العلمية ،والسلوم ناقد سينمائي من مواليد بغداد يحمل شهادة ماجستير سينما من جامعة بغداد كلية الفنون الجميلة وعضو في اتحاد الادباء والكتاب العراقيين ونقابة الفنانين واتحاد السينمائيين ونقابة الصحفيين ورئيس ملتقى الخميس الابداعي في اتحاد الادباء والكتاب العراقيين ويكتب النقد السينمائي في العديد من الصحف والمجلات العراقية والعربية، وفي مسيرته الفنية ثلاثة افلام تولى اخراجها وهوالان يعمل معداً للبرامج الثقافية في القنوات الفضائية . 



الاثنين، 11 فبراير 2013










رابط المقال في موقع الحوار المتمدن الالكتروني  
 
رواية .. ألعَار ْ
            
للكاتبة البنغلاديشية تسليمة نصرين




                   التَطهُّر مِن جَحيم ِالعُنف



                                            مروان ياسين الدليمي

توطئة ..
اثارت هذه الرواية عندما صدرت عام 1992 رد فعل عنيف جدا تجاه الكاتبة تسليمة نصرين من قبل جميع الاوساط الدينية والاحزاب الاسلامية المتطرفة في بنغلادش،إلى الحد الذي خصص أحد الاثرياء مكافاة نقدية  ثمينة لمن يقتلها. وبناء على ذلك وجدت نفسها تقف أمام القضاء للمحاكمة ،لكن تداعيات القضية دفع العديد من المنظمات الدولية المعنية بحقوق الانسان وحرية الرأي والتعبيرللوقوف الى جانبها،ولتتمكن بعد ذلك من الهرب خارج البلاد واللجوء الى النرويج.واشكالية هذه الرواية تعود الى ماأقدمت عليه الكاتبة من نقد قاس ٍ للفكر والعنف الطائفي الذي باتت تشهده بنغلادش منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي من قِبل مجموعات اسلامية متشددة .وخصوصية هذا العمل وحساسيتة جاءت من أختيار الكاتبة  لعائلة هندوسية ـــ وليس عائلة مسلمة ــ تقع عليها تبعات العنف الطائفي، فبدا ذلك للجماعات الاسلامية المتطرفة إستفزازا ً وانحيازا ًصارخا ً للهندوس ضد المسلمين ــ خاصة وأن الكاتبة إمرأة مسلمة ــ ليصل الامر بهم الى أعتبار ذلك ارتدادا واضحا وصريحا من قبل الكاتبة عن الدين تستحق بموجبه القتل .

المقولة المعمارية للنص .
ظاهرية الزمن في البناء السردي للرواية إنزاح الى محاورة تتأرجح مابين ديمومة البناء الواقعي والتعديل بأتجاه كسرالمسارالكلاسيكي للبناء وذلك بالعودة الدائمة الى الماضي ،من خلال ذلك كانت نصرين تعبُر بالسارد الى تبادل المواقع مابين الحاضر والماضي ، ليصبح السرد هنا ميدانا لتشكيل بنية الحكاية الواقعية في مخيلة المتلقي ، خاصة أن النص الروائي قد ضُخت اليه تنصيصات تاريخية متعددة كان الهدف من أستحضارها وبثها ضمن المتن الحكائي:استجماع تحققات ٍحدَثية ٍبأرقامِها وتواريخها لتحييد التزييف والتلفيق في الخطاب الفكري الذي يبثه النص،فتم الكشف من خلالهاعن مفاصل واقعيةعمّقت أرضية العنف التي تستدير حولها احداث وشخوص الرواية،ومالم ترد تلك التفاصيل بارقامها وتواريخها ماكان بالامكان إحداث هذا الوخز المؤلم في الضمير لدى القارىء خاصة وان الهدف من ولوج عالم السرد الروائي بطاقته التخييلية لمعالجة هذه الموضوعة من قبل المؤلفة لم يكن الهدف الرئيسي منه الاستغراق في منطقة البناء الفني والانشغال الجمالي في تحقيق مقولات معمارية تتواجه مع نوايا التحديث والتجديد في اطار الخطاب الشكلي للبناء الروائي ، بقدر ما كان الهدف الذي ارتبطت به أحلام الكاتبة هو الوصول الى مخطوطة روائية تتقصد من خلالها ممارسة نوع من الضغط الصريح والادانة القاسية للعنف الطائفي ،عبر لغة فنية تستعيرمن بنية الخطاب الروائي منطوقا معاصرا ًلايخرج عن معمار الذاكرة الواقعية في سياقها العام  .

مناظرة الواقع التاريخي
لاننا في إطار اهتمامنا ومتابعتنا للنتاج الروائي بقينا عند عتبة الادب الاوربي ومن ثم ادب اميركا اللاتينية بعد ذلك ولم ننعطف بأتجاه ماتنتجه المخيلة السردية الاسيوية( الصين ،اليابان ،شبه القارة الهندية ، الفلبين ، تايلند الخ ..) ،بقيت اجوبتنا ناقصة ولاتعكس في تجاذباتها الجدلية معنى وشكل المنظورالسردي بأوسع وأعمق صورة تقتضيها مقاييس الرؤية النقدية لمجمل الانتاج الروائي العالمي. مع أن التناظر السردي الاسيوي فيه الكثيرمن التفاوت والقص الذي ينبغي إستكشافه والاطلاع عليه ..
رواية العار للكاتبة البنغلاديشية تسليم نصرين هي نموذج للسرد الروائي الواقعي بسماته المرئية،ويتأمل في مزاعمه الفنية التي تأطر بها،واقعا معاصراً تعيشه بنغلادش بكل تفاصيله حتى هذه اللحظة،وقد أرتأت نصرين أن تطلق العديد من الارقام والاحداث والوقائع داخل النص باعتبارها وثائق تاريخية لتمكن القارىء من إعادة صياغة الاحداث حتى تصل الى ماكانت تخطط له من كشف ملابسات مؤلمة وفجائعية لتاريخ دموي يخضع لسلطة التخندق الديني بكل اشتباكات العلائق الاجتماعية داخل المجتمع البنغلاديشي الذي تأسس مع ظهور دولة بنغلادش عام 1971 "بعد نضال وطني وقومي طويل ،مُستقلة ٍ بذلك عن باكستان التي كانت بدورها قد حصلت على الانفصال عن الهند عام 1947 ."
ورغم ان دستورالدولة الجديدة يقوم على مبادىء علمانية ترفض التمييز أو التفريق بين المواطنين بسبب الدين أو الاعتقاد إلاّأن الواقع على الارض كان يكرِّس تصنيفا وعنفا طائفيا ، وفّر له الفقروالجهل والدكتاتورية مناخا ملائما للظهوروالشيوع، فلم يعد للعلمانية من وجود إلاّ في سطور الدستور.  .
رواية العار تبدأ من لحظة دراماتيكية معاصرة كانت قد عصفت بالبلاد في 6 ديسمبرعام 1992عندما هدم المتطرفون الهندوس في الهند مسجدا يعود تاريخ بنائه الى 400 عام . ليبدأ بعدها تاريخا وحشيا من العنف الطائفي المتبادل بين المسلمين والهندوس في القارة الهندية عموما  ولتنال  بنغلادش نصيبها كبيرا ً منه  .
الرواية تتمحور احداثها حول مصير عائلة هندوسية بنغلاديشية وما ينعكس عليها من احداث ووقائع مؤلمة نتيجة عجلة العنف الطائفي التي تدور رحاها في البلاد،وتتألف  شخوص العائلة من الاب سودهاموي والأم كيرونموي والابن سورنجان والابنة مايا،ورغم الهوية العلمانية والانتماء الايدولوجي الماركسي الذي تدين به هذه العائلة لكنها لم تستطع أن تتفادى هذا العنف .
سورنجاي الابن يخاطب والده سودهاموي :"مهما قلنا أننا ملحدون ،أو اننا إنسانيون،هؤلاء الذين في الخارج سيقولون أننا هندوس، سيقولون أننا أولاد حرام.كلما أحببناهذا البلد،كلما فكرنا أنه وطننا، كلما أجبرونا على الانحناء في الاركان .. كلما أحببنا أناس هذا البلد، كلما عزلونا .. لانستطيع أن نثق فيهم ياأبي . أنت عالجت الكثيرين منهم بدون مقابل ، ولكن كم منهم أتى ليقف بجانبك في محنتك ؟ عاجلا ً أو آجلا ً سوف نُدفَعُ جميعا تحت أحد الجسور لنموت . أبي ، دعنا نذهب ... دعنا نذهب .. "
ثم يأتي الحدث الاساس الذي تتمحور حوله الرواية عندما يتم  اختطاف الابنة مايا من داخل البيت وأمام مرأى الاب والام من قبل مجموعة اسلامية متطرفة تقتحم الدار وتبدأ بتحطيم كل الاثاث المنزلي قبل اختطاف البنت : " بجنون ووحشية واصَلَ الشبان تدمير ممتلكات آل دوتا . أفراد الأسرة العاجزة والصامتة راقبوا بيتهم وهو يتحول إلى خراب ..ثم إنفكَّ سحرالصمت عنهم عندما أمسك أحد المعتدين الابنة مايا .. صرخت أمها في رعب وتأوه وسودهاموي المريض . في محاولة يائسة للنجاة أمسكت مايا بيد السرير . جرت أمها وألقت بنفسها فوق أبنتها في محاولة مستميتة لحمايتها . ولكن المعتدين القساة جروا كيرونموي من فوق إبنتها وخلصوا قبضة مايا عن السرير ورحلوا بنفس السرعة التي جاءوا بها ، حاملين معهم الجائزة التي فازوا بها . إستعادت كيرنموي نفسها وجرت وراءهم تصرخ وتتوسل :- ارجوكم اتركوها ، ارجوكم اتركوا ابنتي ."  
بعد هذا الحدث تبدأ رحلة البحث اليائسة عن مايا  من قبل سورنجان( الابن) من خلال رحلة البحث هذه واثنائها التي يتوغل فيها بين الازقة والشواع والييوتات الخلفية التي اكتست بكل مظاهر العنف إبتدا ً من الاستيلاء على البيوت وتهجير السكان  الى حرق مصادر الرزق والاستيلاء على المزارع والحقول واغتصاب النساء وقتلهن يصل المطاف بسورنجاي الى لحظة درامية يتحول فيها هذا الشاب الثوري العلماني الذي ورث هذه الافكارعن والده الطبيب الى متطرف هندوسي هو الاخر يؤمن مرغما بالعنف كوسيلة وحيدة للرد والدفاع عن النفس وعن الانتماء الديني الذي لم يكن خاضعاً لمعرفيته التاريخية والايدلوجية ، سورنجاي :"كل هذا لغو وهراء . فريق يقتحم الميدان بالسكاكين والفؤوس بينما الفريق الآخر يرد بأصوات مرتفعة وأياد عزلاء . هذا لن يجدي .الفأس يجب أن يقاتل الفأس . من الحماقة أن نواجه سلاحا ً بأيدي عارية . "
هناتعمد الكاتبة إلى : صياغة لحظة مفارقة لشخصية الابن،وذلك من خلال مشهد يتم بناؤه بشكل مُعبّر إذ يجمع فيه سورنجاي كل ماتحويه مكتبته من كتب ومصادر معرفية كانت زاده في تأسيس مفاهيمه المعتدلة ويحرقها ، لتلتهم النار ماركس و طاغورو لينين وكل الاسماء التي صاغت فكره العلماني المترفع عن التخندق الديني والقومي الذي يؤرخن الواقع البنغلاديشي المعاصر بكل حساسية وتوتر .
ولكي ترسم نسرين تأويلها المتشائم بقصدية واضحة للواقع الذي إستندت الى أحداثه وشخصياته ورموزه السياسية الواقعية نجدها تأخذ شخصية الاب( الطبيب) المتقاعد سودهاموي الى لحظة ينهزم فيها جسده أمام رهان التفاؤل والاعتدال الذي ظل يؤمن به طيلة حياته كبرهان ٍوحل ٍلمعظلة التطرف الذي يتلبس وعي المجتمع البنغلاديش ، وليسقط جسده صريعا ، كمعادل فني لسقوط مفاهيم الاعتدال، أمام عنف الافكار المتطرفة ، ولم يعد قادرا ًعلى تحريك النصف الايمن من جسده ،وبذلك توسّع  نصرين  فصول المأسأة بكل اعتباراتها الانسانية طالما سقطت الفكرة التي ظلت تستجيب للوعي والمنطق عبر شخصية الطبيب التي لم تكن تتردد في مواجهة التباسات التطرف الديني باعمال انسانية يذهب فيها دون مراعاة للمخاطر الى أماكن الطرف الاخر لمعالجة المرضى من الفقراء دون مقابل من غير أن يتوقف أمام الانتماء الديني والعرقي،بل إنه كان سارحا بخياله واحلامه بعيدا عن عتمة الواقع : " كنت اقول أهدموا كل بيوت العبادة الى الاساس ، ولنبن مكانها حدائق ومدارس للاطفال. من اجل خدمة الانسان فلتتحول دور العبادة إلى مستشفيات وملاجىء للايتام ومدارس وجامعات ،إلى معاهد للعلوم والفنون والحرف اليدوية ،إلى حقول أرز خضراء تغمرها الشمس ، وأنهار زرقاء متدفقة وبحار صاخبة . فلتطلقوا أسما ً آخر على الدين وهو الانسانية "  
الطبيب سودوهامي الذي يمثل الطبقة الوسطى بكل حيويتها ووعيها الوطني كان مُصِرَّا ًعلى عدم مغادرة وطنه بنغلادش رغم فقدانه لكل ماكان يملكه من بيت فخم  واراض زارعية كان قد ورثها عن اجداده الذين ولدوا عاشوا في هذا المكان،ولم يشفع له اعتداله ولاعلمانيته في تفادي التهجيرمن منطقة سكناه التي ولد فيها .
ورغم ماكان قد تعرض له قَبل عشرين عاما من حادثة خطف وتعذيب على يد المتطرفين الاسلاميين مما تسبب له بعجز جنسي دائم إلاّ أنه ظل على إيمانه في أن هذا هو وطنه ولن يغادره ، لكنه في آخرالمطاف يرضخ لما ترسخ في قناعة الابن بضرورة مغادرة البلاد الى الهند خلاصا من هذا العذاب الذي اخذ منهم الابنة الجميلة مايا ،ابنة الاربعة عشرعاما والتي عثر عليها فيما بعد جثة هامدة تطفو فوق سطح مياه نهر براهما بوترا . يقول له الابن سورنجان في ختام العمل  :"مهما قلنا أننا ملحدون ،أو إنسانيون ،هؤلاء الذين في الخارج سيقولون أننا هندوس، سيقولون أننا أولاد حرام .كلما أحببنا أناس هذا البلد كلما عزلونا .لانستطيع أن نثق فيهم ياأبي . أنت عالجت الكثيرين منهم بدون مقابل ، ولكن كم منهم أتى ليقف بجانبك في محنتك ؟ عاجلا ً أو آجلاً سوف نُدفَعُ جميعا ً تحت أحد الجسور لنموت . أبي ، دعنا نذهب .. دعنا نذهب .."

الجمعة، 8 فبراير 2013







الفنانة العراقية د. عواطف نعيم لمجلة إنانا : -


حُلمي أنْ يكونَ لي مُحتَرَفْي الخَاص، حتى أُحَقِقُ فيه ِمَشروعيَ المَسرَحي .  


                                                 حاورها / مروان ياسين الدليمي

لكي تثمر جهود العاملين في ميدان المسرح، في خلق فضاء جيد يتأسس على أنقاض الموروث الفني ، لابد أن يكون في طليعة أدوات التغيير والتجديد ،إرادة شجاعة تمتلك القدرة والتصميم ، مع إصرار كبير، على الاستمرارفي العمل والتفكير الدائم لتطوير آليات الاشتغال الجمالي . وبطبيعة الحال لن تتوفر هذه المواصفات إلاّ في نمط ٍخاصٍ ومحدود ٍمن المبدعين عادة مايُكرِّسون أنفسهم وجُهدَهم لأجل أن يحققوا إضافة مهمة  الى ماجاء به من كان قد سبقهم في سِفر البحث والتجريب عن أزمنة جديدة للدهشة والحضور الانساني الفاعل . والفنانة العراقية عواطف نعيم تقف في مقدمة قافلة أولئك الباحثين عن منصّات جديدة لكي يرتقي فيها الخطاب الجمالي الى المستوى الذي ينصف الانسان  في سعيه الى  قيم الحرية والسعادة والجمال . مجلة إنانا إلتقت بها وحاورتها حول رحلة الفنانة العراقية وهي تخوض غمار الخلق والابتكار في عالم ٍكاد الرجال أن يحتكروه . ُ
* لو اردنا ان نتوقف لنعيد تقييم الدور الذي لعبته العناصر النسوية العراقية في تاسيس الظاهرة المسرحية العراقية ، كيف تجدين أهميته والمساحة التي يبدو فيها واضحا ً ؟ 
- كل ما في الحياة ينطلق من طبيعة المجتمعات البشرية والتي هي بالتأكيد مختلفة في تقاليدها وأعرافها وعاداتها والمرأة العراقية جزء من هذا النسيج الاجتماعي العراقي تزدهر حين يزدهر وتنهض حينما ينهض ، فما بالك والعراق مبتلى بالحروب والخسارات والمحن من حرب إلى حرب ومن فاجعة إلى فاجعة ، ومن نهوض إلى نكوص ، قل لي كيف للمرأة أن تعمل في جو من التخلف والظلامية والتراجع ، هناك نساء رائعات عملن في التأسيس للظاهرة المسرحية في العراق مع رجال مسرح متنورين لكنهن كن أولى ضحاياه وهي تضحية ليست بالهينة ، وهن من كان لهن الفضل في تعبيد الطريق وتحمل تبعات المواجهة والنبز واللمز ، لكي يأتي من بعدهن من يتواصل ويجبر المجتمع أن يحترم الفنانة ويُكن لها التقدير وأن يصبح الطريق مفتوحاً أمام أخريات ويجرأهن لكي يلجن هذا العالم الساحر المدهش والمتعب في ذات الوقت .. السيدة زينب ، السيدة زكية خليفة ، السيدة سليمة خضير ، السيدة ناهدة الرماح ، السيدة فاطمة الربيعي ، السيدة آزادوهي صموئيل ، السيدة ماجدة السعدي ، السيدة سعدية الزيدي ، السيدة هناء عبد القادر ، السيدة مي شوقي ، السيدة فوزية عارف ، السيدة فوزية الشندي ، السيدة سهام السبتي ، السيدة غزوه الخالدي ، هؤلاء سيدات مسرح لابد وأن ترفع لهن القبعات. لقد أسسن مع رجال مسرح متنورين حركة المسرح العراقي. هم أسسوا ونحن نتواصل معهم ، وليس الكم هو المهم بل تلك النوعية الفريدة من السيدات الصابرات الحالمات اللواتي لولاهن ما كان للمسرح العراقي إرثه وتأريخه وعلاماته الفارقة وهذا ليس إدعاءاً أو مبالغة ، بل حقيقة موثقة ، ومؤشرة في تأريخ المسرح العراقي وصولاً ليومنا هذا.
* على صعيد الاخراج والتاليف المسرحي لم نجد حتى الان حضورا مؤثرا ووواضحا للعنصر النسوي باستثناء التمثيل .. الى ماذا يعود ذلك ؟
-هناك أسماء عملت في مجال الإخراج والتمثيل معاً ، علماً أن ميدان الإخراج والكتابة والتمثيل ليست بالميادين البسيطة أو السهلة المنال ، فكل ميدان من هذه الميادين يحتاج إلى قدرة وغنى معرفي وجرأة في المغامرة والبحث ، ولقد كانت التجارب الإخراجية محدودة لدى بعض الفنانات لربما بفعل التخوف من الفشل أو العزوف عن المنافسة في مجال عُدَّ حكراً على الرجال ، ولكن هناك أسماء برزت وقدمت أعمالا مازالت ماثلة في خارطة المشهد المسرحي العراقي الفنانة منتهى محمد رحيم وتجاربها في مسرح الطفل ، الفنانة أحلام عرب وتجاربها في مسرح الطفل ومسرح الكبار ، الفنانة د. إقبال نعيم وتجاربها في مسرح الطفل والفنانة نغم فؤاد وتجاربها في مسرح الطفل ومسرح الكبار ، إذن هناك أسماء وهناك حركة على مستوى الإخراج أما على مستوى الكتابة للمسرح فنجد أيضاً أسماءا مثل السيدة لطيفة الدليمي والسيدة ودادالجوراني وكلتيهما كتبتا للمسرح وإن كان تواصلهما محدود بنص واحد لا أكثر لكل واحدة منهما أخذ طريقه إلى خشبة المسرح العراقي ، المهم والخلاصة أن هناك من حاول ولكن ليس بالطموح الذي نتمناه للمرأة في المسرح العراقي وهذا ليس عيباً فأنك لو لاحظت وتابعت وجود النسوة المخرجات والكاتبات في أرجاء الوطن العربي لرأيت أنهن لا يتعدين أصابع اليد الواحدة سواء في تونس أو المغرب أو الجزائر أو سوريا أو مصر أو لبنان أو الأردن وهي البلدان التي تنشط فيها حركة المسرح. فكيف بالعراق وإرثه الثقيل من الحروب والكوارث والتخلف والنظرة المتدنية لكل ما يمت الى الفن بصلة ولاسيما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق؟!
*انت الان تمارسين الكتابة للمسرح وتم تقديم عدد من نصوصك المسرحية  على الخشبة ، السؤال هنا: هل من قضية محددة تأخذ الحيز الاكبر والاهم وانت تتصدين لكتابة النص المسرحي كأن تكون قضية جمالية او اسلوبية او فكرية ؟
-كثيرة هي القضايا التي تشغلني حين أتصدى لتقديم عرض مسرحي ، فأنا أؤمن أن المسرح مدرسة مسائية للتعلم والتنوير والتحريض ولبث روح المتعة البريئة وهي وسيلة لتأشير مرحلة والإعلان عن توجه فكري جمالي وفني ، لذا يتركز اهتمامي بما يهم الناس ما يشكل أحلامهم ما يعينهم على تخطي واقع الخوف واليأس لديهم ، .المرأة بكل ما في روحها من  ألم وشجن وحلم واسع بالحرية وأن تكون  ..أحب الطفولة ، كيف تفكر لأي شيء تسعى ، كيف نحفظ لها براءتها وعذوبة أحلامها .. أنا أنطلق في الكتابة من ضمير الناس لأني أمثلهم وأتمثل حكاياتهم وأحولها إلى عروض مسرحية تمتلك بعداً إنسانياً وقدرة على مخاطبة الآخر البعيد والقريب من العراق ومن محنه ومآسيه ، أنطلق من عراقيتي أولاً ومما أكتويت به من خوف وإحباط وخيبة أمل وغياب رجاء .. كي يعلم العالم الذي أحلق فوق مسارحه بعرضي المسرحي إن رسالتي بقدر ما تملك من عمق مأساة فأنها تنفخ بروح الأمل وتحمل في طياتها ألق السلام والجمال الحاضر في عروضي المسرحية إذ أتعامل مع الحداثة والجديد والمبتكر في معالجتي الإخراجية لنصوصي المسرحية التي تُعد مشاكسة للواقع وساخرة منه في أحيان كثيرة. هناك أسلوب يمنحني بصمتي في العمل سواء نحو الكتابة أو عند الإخراج وهذا ما يلحظه من يتتبع نتاجاتي المسرحية.
*هناك رأي يقول بأن المسرح في العراق ماهو الا مسرح نخبة لاصلة له بالجمهور وهو الذي يقدم في المهرجانات وينال الجوائز والنوع الاخر ماهو الاّ مسرح سطحي هدفه الاضحاك فقط وهو يخلو من القيم الجمالية والفكرية . وبين هذا وذاك لاوجود لمسرح قريب ومؤثر في الناس ويعبر عن تطلعاتهم واحلامهم . بماذا تعلقين على هذا الرأي ؟
-المسرح في حقيقة أمره نخبوي منذ بدأ خاطب الآلهة وتعامل مع المقدس منذ عهد الأغريق والرومان والمنظرين والمفكرين في المسرح العالمي ، لكنه استطاع أن يكون لجميع الناس النخبة أو العامة لأنه امتلك القدرة على مخاطبتهم والتعبير عن ضمائرهم ، المسرح من خلال عدد من رجالاته ومصلحيه أصبح مفتوحاً وحاضرا ومحببا للناس ورغم أن المسرح في حقيقته وافد بالنسبة للوطن العربي إلا أنه تحول على أيدي بعض من الباحثين والمجتهدين والمولعين بهذا الفن في أرجاء الوطن العربي إلى مسرح عمدوا إلى تأصيله ومنحه الهوية العربية من خلال التراث والتأريخ والأسطورة والميثولوجيا بكل تجلياتها من خلال العروض المسرحية كتابة وإخراجاً. لذا نغبن المسرح العراقي عندما نحدده بمسرح نخبة ومسرح هابط وسطحي ، إذ أن هناك مسرح يقوده مسرحيون يقدمون من خلاله عروضاً فيها من الفكر والفن والمتعة ما يجعلهم يجمعون ما بين النخبة والعامة ، والمسرح العراقي قبل أن يذهب إلى خارج العراق ليختبر قدراته ويعلن عن منجزه الإبداعي يبشر عن ولادته داخل أرض الوطن ، يحصد الربح نجاحاً وإقبالاً جماهيرياً ومباركة نقدية ثم يغادر بعدها متخطياً حدود الوطن. هناك عاملون فاعلون في المسرح العراقي علينا أن لا نتجاهل جهدهم. فالمسرح ألوان وكل حر في أن يختار اللون الذي يناسبه ويشاهد العرض الذي يبتغيه لولا فاعلية هؤلاء لأندثر المسرح العراقي ومع الذين يعملون ويتواصلون بعناد منقطع النظير مع علمهم أن الدولة تغفلهم وأن وزارة الثقافة في شغل عنهم ، وأن البنى التحتية خربة وليس ثمة جديد ينبئ بفضاء مضاف أو محور أو منجز لأحلام المسرحيين وهي كثيرة لكنها مقيدة بما هو معطى وممكن ومتاح ومسموح به ، مع وجود كل هذه الثوابت الدينية والأمنية والاجتماعية الجديدة بفعل الاحتلال الأمريكي وتداعياته!!
*الاتجدين ان المسرحيين في العراق يتحملون مسؤولية كبيرة في هذا التباين القائم مابين العروض الضعيفة ــمن الناحية الجمالية ــ التي تقدم في المحافظات مقارنة بتلك العروض التي تقدم وتنتج في بغداد .. خاصة بعد مضي اكثر من مائة عام على تأسيس المسرح في العراق ؟
-العروض المسرحية العراقية التي تقدم في بغداد والتي تقدم في المحافظات تخضع إلى معايير جمالية وفنية وفكرية وهي بالتالي تعبير عن مخيلة الفنانين الذين يقودون تلك العروض سواء التي تقدم داخل بغداد أو في محافظات العراق ، ولكن المعطى في المحافظات هو بالتأكيد قليل ومحدود إزاء المعطى لفناني بغداد ، لكن هذا لا يمنع من وجود عروض مسرحية في المحافظات ولاسيما تلك التي فيها فنانون متميزون ، وميزة تلك العروض أنها مؤثرة وتدل على قدرة عالية ولاسيما على مستوى الأداء والإخراج كما هو الحال في محافظة البصرة والحلة والناصرية. المسرح لا يقاس بعدد سنواته بل بقدرات وتميز مبدعيه والمهتمين به والمفعلين لحركته وبالظروف المحيطة بالعمل ذاته.
*انا لم اجد في العراق حتى الان مايشير الى انه قد طرح المسرحيون فيه فكرا ونظريات مسرحية يمكن أن تخلق وعيا جديد يحمل أفكاراً ومناهج جديدة رغم أن هنالك العديد من الذين أصبحوا الان  يحملون شهادات عليا سواء ماجستير أو دكتوراه . فماجدوى هذه الشهادات إذا لم تأتي بشيء جديد كما هو يحصل في أماكن أخرى من العالم ؟
-يا سيدي المسرح في الوطن العربي وافد أصلاً ولكن هناك من اجتهد من المسرحيين العرب فحاول أن يؤصل المسرح ويمنحه هويته العربية ، هناك محاولات عبد الكريم برشيد والطيب الصديقي وقاسم محمد ، ما علاقة الشهادة العليا بنظريات المسرح؟؟ هناك وعي واشتغال وبحث في الظاهرة المسرحية ليس ملزم بها حامل الشهادة العليا بل الفنان المجتهد المنتمي للمسرح والفاعل في عروضه وإنجازاته ، علينا أولاً أن نجعل من المسرح ضرورة اجتماعية تؤمها العائلة العراقية سواء العروض التي تستمد متنها الحكائي من المسرح العالمي أو التي ينهض بها كتاب محليون ، علينا أن نعمل على تطوير الحركة المسرحية والاهتمام بألوان المسرح ثم بعد ذلك نبتكر نظريات مسرحية كما فعل ستانسلافسكي وبرخت ومايرخولد وكروتوفسكي وأرتو وباربا .. مازلنا حتى الآن نتعلم من المسرح ونتعرف على أسراره بعد مرور قرن على ابتكار ستانسلافسكي نظريته والتي هي حسب رأيي وقناعتي أهم وأبقى النظريات والأساسيات في المسرح العالمي والعربي .. دعنا نبني مسارح ونتفق في أهمية المسرح المدرسي وعمل النساء في المسرح ثم بعد ذلك نبتكر نظرية نحن لم نستطع أن نبتكر نظرية تعلمنا فن الحياة فنرفض كل هذا الفساد والسقم الذي يحيط بنا وتريدنا أن نبتكر نظرية للمسرح في هذا الجو الكارثي؟ أنت متفائل.
*لماذا غابت الفرق المسرحية الاهلية . خاصة وانني لاأعلق اهمية على ان غياب الدعم الحكومي هو السبب الرئيسي لذلك . ؟
-هذا السؤال لا يوجه لي بل يوجه إلى وزارة الثقافة أولاً وإلى أصحاب الفرق الأهلية ثانياً فهم أحق بالإجابة عني.
*من خلال المشاركات الواسعة  في المهرجانات، هل تجدين ان المسرح في المنطقة العربية بات يملك خصوصية ما يمكن الاشارة اليها بالمقارنة مع المسارح خارج المنطقة العربية ؟
-نعم هناك خصوصية يتميز بها المسرح العربي عن مسارح العالم إذ أنه اجتهد في الانطلاق من خصوصية طقسية وبيئية ، تعامل من خلالها مع عناصر المسرح ، فباتت جزءاً من آلية اشتغاله على المستوى الأدائي والاشتغال على الفضاء وعلى مستوى الكتابة النصية والمعالجة الإخراجية حتى للعروض التي تستمد متنها الحكائي من النصوص العالمية ولاسيما المسرح التونسي والعراقي واللبناني والمصري.
*هل الظاهرة المسرحية في العراق لها امتتداداتها الاجتماعية التي تجعلها حاضرة وبقوة في حياة المجتمع الى درجة لايمكنها الاستغناء عن حضورها في حياته ومصادر وعيه وثقافته ؟
-المسرح لم يستطع أن يؤسس وعياً فنياً لدى المجتمع العراقي يجعل العلاقة ما بين الاثنين متواصلة ودائمية .. بسبب ظروف العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تأثرت بالحروب الاستنزافية ومن ثم الاحتلال وهجمة الإرهاب والتطرف الديني ، هذا كلها عوامل تفت في عضد المجتمع العراقي وتمنع عنه حرية الاختيار وحرية التعبير والعيش الكريم الآمن ، فكيف يفكر في المسرح وهو يفكر في أمنه وأمن عائلته ولقمة عيشه ..!! ألا ترى أن السياسة الفاسده والسياسيين الفاسدين لعبا دوراً كبيراً في تخلف الحياة الاجتماعية والثقافيه العراقية؟!

*بعد أن نلت شهادة الدكتوراه في الفن المسرحي . مالذي تغير من الاهداف والاحلام في مشوارك الفني ؟
-أحلامي هي أحلامي ومشاريعي هي مشاريعي في مسرح عراقي معافى فيه حرية الفعل والقول والمنجز مسرح يتوجه للطفل والمرأة ، مسرح يثقف ويعلم ويمتع .. مشاريعي متواصلة وهمومي لأجل المنجز المسرحي مازال موجوداً يحفزني للعمل والبحث والتجريب والمغامرة قبل أن أنال شهادة الدكتوراه وبعد أن أصبحت أحمل اللقب العلمي الذي زاد من مسؤوليتي وحفزني للعطاء أكثر ، الشهادة العلمية هي صقل وتطوير معرفي لا غنى عنه في زمن بات فيه العالم صغير لا تستطيع حتى أن تهمس فيه ، والمرأة ولاسيما الفنانة في المجتمع العراقي تحتاج إلى ما يجعلها في موضع الحماية والأمان وليس أفضل من الشهادة العلمية والغنى المعرفي والنضج الثقافي حماية ووسيلة دفاع عن المشروع الفني والذات الانسانيه .
*لماذا المراهنة على المسرح تحديدا من بين بقية الفنون والحقول الثقافية كانت لديك ِ ؟
-أؤمن بالمسرح وسيلة للمعرفة والتأثير والنوعية لذا أراهن عليه فيه وبواسطته نستطيع أن نخلق المجتمع الآمن العارف بحقوق أفراده وواجباته ، أنه المدرسة المسائية التي يتعلم فيها الكبار والصغار والنساء والرجال ، إنه المعلم الذي لا يستخدم العصا كي يعلم بل يستعين بالجمال والفكر والحكمة.
*من المؤكد ان نقاط التفاهم والتشابه فيما بينك وبين الفنان عزيز هي القاسم المشرك الذي جمعكما . لكن الى اي مدى كانت نقاط الاختلاف من العوامل المؤثرة ايجابيا ايضا في مشواركما ؟
-أنا والأستاذ الكبير عزيز خيون فنانان متناغمان نلتقي في حب الوطن والمسرح لا خلاف بيننا ولا اختلاف فيما نفكر ونحلم.
*كيف تجدين مستقبل الفن في العراق ،هل من خطورة تواجهه على مستوى الاعتراف به كرافد اساسي للمعرفة والفكر او على مستوى حرية التعبير عن الافكار ؟*
-أخاف على المسرح من الأميين والجهلة لاسيما حين يكونون في مناصب مسؤولة وقيادية ، لو لاحظت جيداً لوجدت أن لا وجود للفن في الدستور ولا في البرلمان وهو في آخر الأجندة لدى السياسيين. أخاف على المسرح لأنه يخيف الظلاميين ، لكني أثق كثيراً بمن يعملون في فضائه من المبدعين ولاسيما جيل الشباب الجديد بكل عنفوانه وجرأته ووطنيته.

*اذا اردنا ان نضع نقاط على حروف الواقع المسرحي في العراقي وصولا الى رسم خطة عمل طويلة الامد هدفها ان يكون الفن المسرحي جزا ً اساسيا من المكونات المؤثرة والحيوية للثقافة العراقية فما يمكن ان تقول عواطف نعيم بهذا الصدد . ؟
-واقع المسرح العراقي اليوم مخيف فالمسرح يحتاج ليس فقط إلى دعم الدولة بكل ثقلها ، أنه يحتاج إلى منهاج للعمل للنهوض بهذا الواقع. ليكون هذا المكون عنصراً أساسياً وفاعلاً في الحياة الثقافية العراقية ، إنه يحتاج من المسرحيين أن يجمعوا أنفسهم ويحددوا أهدافهم ويكونوا مجلسا أعلى للثقافة مهمته دعم وتنشيط المؤسسات الفنية والثقافية وإحياء الفرق الأهلية وإقامة الورش والملتقيات التي تعنى بالظاهرة المسرحية والعمل على إقامة جسور تعاون وتبادل فني مع البلدان الناشطة في مجال العمل المسرحي (ألمانيا ، فرنسا ، بولونيا ، بريطانيا ، أميركا) العناية بالبنى التحتية وتفعيل المسرح المدرسي في بغداد والمحافظات ، هي خطة عمل ومنهاج تنظيم لتحقيق إنجازات إبداعية تصبح تقليداً في نسيج الحياة الثقافية العراقية.
*اخيرا ، ماهي الامنيات والمشاريع التي تنتظر في جعبة الفنانة نعيم ؟
-هناك مشاريع وأحلام أولها أن أطبع نصوصي المسرحية الخاصة بمسرح الطفل والنصوص المسرحية الخاصة بمسرح الكبار ، أن أجمع مقالاتي وأبحاثي النقدية والنظرية في كتاب ، وأن يكون لي محترفي الذي إنجز من خلاله مشروعي المسرحي ، بيت صغير فيه مكان لإنشاء خشبة صغيرة وإقامة مسرح يشبه مسرح الستين كرسي أقدم فيه تجاربي وأجمع فيه محبي المسرح في ملتقيات وورش مسرحية ، هو حلم لمشروع جميل أتمنى تحقيقه وهو ليس بالصعب أن كانت هناك عقول تحلم بعراق آمن!!!
 نشر الحوار في مجلة إنانا العدد الرابع 



الاسلام السياسي والسلطة .


                                         مروان ياسين الدليمي

وانت تتأمل صورة المجتمعات العربية بعد سقوط عدد من رموز أنظمتها السياسية خلال العامين الاخيرين (2011 و2012)تجدها في مجمل تفاصيلها تبعث على القلق والتشاؤم بقدر ماتبعث على التفاؤل ،خاصة بعد أن صعدت على مسرح الاحداث قوى دينية سلفية باتت تمسك السلطة على أنقاض سلطة كانت تحمل صبغة علمانية بشكل أو بآخر .
مالذي جعل المجتمع يدفع بهذه القوى الى واجهة المشهد السياسي بعد أن كانت الى حدما غير معنية بعملية التغيير الثوري للانظمة انطلاقا من ثوابت عقائدية تؤمن بها إيمانا ً راسخا ً تمنعها من الخروج على الحاكم، بأعتباره ولي أمر المسلمين وهذا يستوجب الالتزام بالحكمة والموعظة الحسنة في مخاطبتة عند إرتكابه معصية تجعله يخرج عن جادة الحق والصواب؟ فالحاكم في إطارهذا المنهج ماهو إلا ّ ظل الله على الارض. وتجربة الاخوان المسلمين في مصر خير دليل على ذلك، فهم حتى يوم 25 كانون الثاني /يناير عام 2011 كانوا يرفضون الخروج مع المتظاهرين احتجاجا على النظام القائم بل أصدروا بياناتَ رفض ٍ واضحة تشجب وتدين هذا التحرك، لكنهم بعد أن تيقنوا من سقوط النظام ،خرجوا إلى الشوارع وانظمّوا الى الجموع المتظاهرة .
 هل يعد هذا التحرك جزءاً من ستراتيجية انتهازية يتم اللجوء إليها تجنبا ً لأي احتكاك واصطدام بالنظام القائم ؟ ولكي تتلافى بناء على ذلك عمليات الملاحقة التي قد تتعرض لها ؟ أم أن خروجها جاء نتيجة إدراكها بأنْ :  تعمل وبسرعة لأجل أنْ تسحب البساط من تحت اقدام القوى الجديدة التي تغلب عليها الافكار العلمانية وإنْ كانت معظمها ليست بتيارات مُلحِدة ٍ،بنفس الوقت  خطابها لايحمل هويّة دينية ؟ يبدو أن كلا الاحتمالين وارد ٌ في ماشهدناه من وقائع واحداث .
التحول نحو أسلمَة المشهد السياسي يطرح تساؤلات هامة تنبع من خطورة مايفرضه هذا المتغير خاصة وأن جُل احزاب وحركات الاسلام السياسي  تحمل منهجا ً يغلب عليه صفة التشدد،وهذا يعني أنَّ : قضية الحرية الفردية باتت في خطر،ودخلت في مرحلة الصراع لأثبات وجودها وشرعيتهاأمام ماتطرحه القوى الدينية من حزمة أفكار ٍكلها ترفض وبشكل قاطع ومطلق قضية الحرية .
مجريات الاحداث في المنطقة العربية تشير إلى أننا سنشهد يوما بعد آخر معارك سياسية ساخنة يغلب عليها التشنج والصراخ والتخوين والتكفير مابين الاحزاب الدينية وبقية قوى المجتمع المدني من أحزاب وجمعيات ومنظمات، وبلا شك سيفتقد هذا الصراع ــ وتحديدا من جانب القوى الدينيةــ الى ابسط القواعد ألا وهي :أحترام الرأي الأخرباعتباره السبيل الوحيد للوصول الى خارطة تفاهمات مشتركة لحل الخلافات والازمات التي تواجه المجتمع،وهذه إشكالية طالما لدى القوى الاسلاموية قناعة جوهرية ثابتة لايمكن أن تتزحزح من أنَّ :النص الديني مُقدَّس   ،وهوالمرجعية الوحيدة في التعامل مع الواقع ،ومن خلاله تتم الاجابة على كل الأسئلة التي يطرحها هذا الواقع مهما تقادم الزمن وجرى ماجرى من متغيرات.ذلك لأن النص ليس زمنيا ً،فهو قبل وبعد وفوق الزمن ، لذلك هو لم يأتي إستجابة وإجابة لحالة معينة بذاتها بقدر ماهو شمولي بجوهره ويتعالى عمّا هو آني وزمني .
من هنا، لاجدوى ولامعنى في قبول أيّة طروحات أخرى تأتي من خارج هذا النص وسيصبح الحوارعقيما ً قبل بدءه طالما أن أحد الطرفين المتحاورين لايؤمن أصلا من حيث المبدأ بفكرة السؤال والبحث عن أجوبة جديدة .
إذن : الاحتقان سيبقى قائما بين الطرفين ،بل سيزداد شدّة وخطورة بينهما وسيدفع بالتالي الى ظهور عوامل أخرى جديدة يغلبُ عليها عامل العنف والعنف المضاد.
ضمن هذه الاشكالية المعقَّدة التي تطرحها البنية الثقافية للمجتمعات العربية المسلمة يصبح عقل الفرد مُعطلا ، كذلك مدركاته مغيّبة وغائبة عن تسجيل الملاحظات التي يكون الشَّك مبعثها منذ بداية وعيه بذاته وبالحياة طالما هو يولد في بيئة كهذه تؤمن إيمانا جازما ًبأن خطابهاالفكري مُكتمِلٌّ ، وبناءً على ذلك يرفض رفضا قاطعاً أي جهد يشمُّ فيه رائحة بحث واستكشاف في ثوابته وملفوظاته، وستلحق بها بالتالي صفة التحريم ،لأن الأجاباتَ والأسئلة َحاضرةٌ وشاخصة ٌوقائمة ٌفي نص أزلي لايقبل الجَدل والنقاش ،خاصة بعد أن كان قد أكتمل التفسير والتأويل على يد مجموعة محدودة من الأئمة المَراجِع في الفترة المحصورة مابين نهاية القرن الاول والقرن الثالث الهجري،لم يتجاوزعددهم أصابع اليد،وكانت خاصية جهودهم تكمن في أنهم : لم يسعوا في تفسيراتهم للأتيان بأي شيء جديد يخرج ويتقاطع مع النص .
من هنا لم يعد من الجائز أمام الفرد المسلم ــ من بعد أولئك المراجع ــ أن يعيد النظر أويتأمل مابين يديه من تفسيرات للنص الديني حتى لو كانت قد جاءته قبل مئات السنين على يد أشخاص عاشوا في ظروف وازمنة أخرى غير التي يعيشها هو ومجتمعه .  
هذا الوضع أوجد قطيعة وافتراقا بيّنَا ً مابين الواقع بكل متغيراته وبين تلك التفسيرات والتأويلات البشرية التي أكتسبت صفة القداسة هي الاخرى بمرورالزمن لدى عموم طبقات وفئات المجتمع العربي المسلم وفي المقدمة منها الحركات والتيارات الاسلاموية.
القطيعة هذه باتت تفرض حضوراً ثقيلا على المجتمعات العربية المسلمة  التي تعيش على الكرة الارضية وليس في كوكب آخر، وهي بذلك جزء من المجتمع البشري، ولاتعيش بمعزل عنه،ولن تستطيع أن تكون بمنأى عنه حتى لو أرادت هي ذلك .
إن رياح التغيير المتبادلة مابين المجتمعات البشرية قائمة منذ أن وجدت رغم ماتفرضه عليها الانظمة السياسية من عزل ٍوابعادٍ بقصد إحكام السيطرة،ولاشك في أنَّ عوامل التأثيرالمتبادل بين الشعوب باتت الان أكثرعمقاً واتساعاً مما كانت عليه قبل مطلع تسعينيات القرن الماضي بعد أن بدأ البث الفضائي انطلاقته ومن ثم الشبكة العنكبوتيةعلى سطح المشهد الكوني وماتبع ذلك من ثورة هائلة في وسائل الاتصال وتبادل المعلومات والخبرات بين عموم المجتمعات البشرية .
التيارات الدينية السلفية أدركت خطورة مايحصل من تطورات سريعة جدا في عالم الاتصالات والمعلوماتية بعد أن أصبحت تفاصيلها وآلياتها حاضرة في مجتمعاتها،فكان عليها أن تفعل شيئا ما من أجل درء هذا الخطرالذي بات يهدد وجودها وفاعليتها في الحياة مع يقينها الثابت بأن ماتؤمن به كمعرفة لايمكن أن يبقى حاضراً ومؤثراً إلاّ إذا أمسكت بيدها عصا السلطة، فلاسيادة َولاحضورَ ولاهيمنة َلهذه المعرفة إلاّ إذا أمتلكت السلطة.
هذا الاستنتاج توصَلتْ اليه من خلال فهمها لصفحات بعيدة من التاريخ العربي الاسلامي، فلقد سادت افكارالمعتزلة عندما تولى المأمون السلطة ثم سادت أفكار أبن حنبل أيام المتوكل وهكذا كانت السلطة هي التي تحدد تفرض نمط ومحتوى الافكار والعقائد في عقول الناس.
من خلال هذه الرؤية يمكننا التوصل الى فهم مايجري من سعي حثيث ومحموم من قبل القوى الاسلامية في المنطقة العربية للوصول الى كرسي السلطة،من غيرأن نستبعد العوامل الدولية التي تأخذ هي الاخرى أهميتها إذا مانظرنا إلى مايجري تحت الطاولة من تحركات واتفاقات سرية تعقد  مابينها وبين القوى الغربية الكبرى وفي مقدمتها أميركا ،القصد منها : ضمان استمرار المصالح الاقتصادية الغربية في المنطقة العربية مقابل التغاضي عن صعود الاسلام السياسي الى سدة الحكم وعدم الاصطدام به .
إذن نحن الان أمام واقع جديد باتت فيه قوى الاسلام السياسي لاعباً أساسيا ًفي معادلة الصراع العلني على السلطة بعد أن غادرت نهائيا ًالمخابىء والجحورالتي كانت تختبىء فيها لعقود طويلة منذ تأسيها في الربع الاول من القرن العشرين ،هذا المتغير بكل مايحمله من خطورة على الامن الاجتماعي والسياسي، يستدعي العمل حثيثا ً من قبل التنظيمات والقوى المدنية التي تكرس في برامجها تقديس حرية الفرد والمجتمع أنْ : تعمل بكل الطرق السلمية لمواجهة مَدَّ الاسلام السياسي المتشدد منه خاصةً، لوضع حدٍ لطموحاته التي كشف عنها صراحة وعلانية في إقامة نظام سياسي إسلامي مستنسَخ ٍمن الماضي البعيد يُحاكي نظام الخلافة الاسلامية الراشدية التي جاءت بعد وفاة النبي محمد(ص).
إن الاصرار على قيام مثل هذا النظام يعني القفزعاليا وبعيداً عن الواقع بكل مشكلاته وأزماته المعقَّدة والتي تبدأ بحريّة الفرد وتنتهي بحريّة المجتمع مارة ًبمناهج التربية والتعليم والثقافة والفنون والسكن والصحة والزواج والطلاق وحقوق المرأة وووووو الخ .. ونموذج الحكم هذا لايستطيع أن يحتوي هذه القضايا ويضع الحلول المناسبة لها .       

نشر المقال في موقع الحوار المتمدن بتاريخ : 4/   2 /  2013 
رابط المقال في موقع الحوار المتمدن : 
http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=344090

https://www.alquds.co.uk/%D9%82%D8%A7%D9%84-%D8%A5%D9%86-%D9%85%D8%AB%D9%82%D9%81%D9%86%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%88%...