الجمعة، 26 أبريل، 2013


 الزمان الطبعة الدولية - السنة السادسة عشرة - العدد 4488-
 السبت 16من جمادي الاخرة 1434ه 27 من نيسان (ابريل ) 2013 م .                

ساق البامبو . .

رواية الكاتب الكويتي سعود السنعوسي *

                   البحث عن الوطن .. في غربة الانسان

                                                      مروان ياسين الدليمي

اصدار الدار العربية للعلوم ناشرون
الطبعة الاولى 1433 ه – 2012 م
  
لأنَّ للعادات والتقاليد الاجتماعية في المجتمع الخليجي سطوة وهيمنة ثقيلة على حياة الافراد والجماعات دون ان تترك لهم في غالب الاوقات فرصة أختيار مصائرهم ،يخضع راشد الطاروف لمشيئة والدته بالانفصال عن الخادمة الفلبينة جوزفين التي تعمل في بيتهم والتي كان قد تزوجها سرا ً حرصا ًمن والدته (غنيمة ) على مستقبل شقيقاته الثلاث اللواتي كن ينتظرن قسمتهن في الزواج،وكان من الطبيعي لهذه القسمة المنتظرة أن تذهب أدراج الرياح بعد أن تتلوث سمعة العائلة فيما لوافتضح أمر هذه العلاقة مابين راشد ــ الشاب المثقف الذي يحلم بكتابة روايته الاولى ــ سليل العائلة الكويتية العريقة والخادمة الفلبينية التي كانت مدمنة هي الاخرى على قراءة الروايات قبل أن يقودها مصيرها الى الكويت لتعمل خادمة متخلية بذلك عن دراستها من اجل مساعدة عائلتها وهربا كذلك من واقع بائس كان من الممكن لوالدها ان يُسقِطها فيه فتصبح عاهرة كما هو الحال مع شقيقتها الكبرى إيدا.
 وحده راشد الطاروف الشاب الوسيم في منزل السيدة الكبيرة المتسلطة (غنيمة ) كان لطيفا ً جدا ً في معاملة جوزفين على عكس جميع افراد عائلته،فكان الوحيد الذي يتحدث اليها في الادب والفن وشؤون بلاده السياسية،في حين لاأحد غيره من السادة يتحدث مع الخادمات بغير لغة الاوامر :"هاتي .. أغسلي .. أكنسي .. أمسحي .. جهزي .. أحضري ". في مقطع مستل من الرواية تسرد جوزفين لأبنها عيسى/هوزيه ذكرياتها عن طبيعة علاقتها بوالده :"كنت أغسل وأكنس وأمسح طوال اليوم،لأتفرغ في نهايته لأحاديث الليل،بعد نوم سيدات المنزل،مع ابيك في غرفة المكتب..كنت أحاول أن أجاريه في أحاديثه السياسية وأن أشد اهتمامه،وأستعرض معلوماتي الفقيرة في السياسة..أخبرته ذات يوم بحجم سعادتي لفوز كورازون آكينو في الانتخابات الرئاسية،لتصبح أول امرأة تصل الى سدة الحكم في الفلبين، ولتعيد بذلك الحياة الديموقراطية من جديد بعدأن قادت المعارضة التي اسقطت الديكتاتور فرديناند ماركوس ".
رسم السنعوسي شخصية راشد الطاروف على صورة الرجل المثالي كما كانت تراه جوزفين وكما كان الجميع يراه كذلك،هادئا،يقضي معظم وقته بين القراءة والكتابة في غرفة المكتب إلى جانب اهتمامه بالصيد والسمك بصحبة أعز اصدقائه وليد وغسان،وكانت والدته تعامله معاملة خاصة،فهو رجل البيت الوحيد، فهو آخر الرجال في العائلة بعد أن اختفى الذكور من أسلافه مع سفنهم الشراعية في البحر منذ زمن طويل، وبعضهم في ظروف أخرى،أما البقية فقد حصرت ذريتهم في الاناث .
تعود جوزفين الى الفلبين خائبة مجروحة مع وعد ٍمن زوجها بأن يتكفل برعايتها ورعاية عيسى ــ الذي لم يبلغ من العمرعاما واحدا ًــ طالما هوعلى قيد الحياة،إلاّ أن غزوالعراق للكويت يتسبب في انقطاع الرسائل التي كانت تصلها منه  .
يكبر الطفل عيسى في وسط عائلة جده (ميندوزا ) من جهة والدته والذي ُنسب عيسى إليه فيما بعد ليصبح(هوزيه ميندوزا)وكان هذا الجَد سببا رئيسيا في البؤس والفقرالذي كانت عليه العائلة بسبب إدمانه على المراهنة في لعبة صراع الديكة وضياع راتبه التقاعدي المخصص من الحكومة الاميركية باعتباره أحد الذين خدموا الى جانب الجيش الاميركي في فيتنام  ولم يكن هذا الراتب سوى مائة دولار كانت تذهب دائما ً كل شهر لشراء ديك يدخل به حلبة المراهنات ،هذا اضافة الى ماكانت تجنيه ابنته الكبرى إيدا من مهنتها كعاهرة والتي أجبرها هو على امتهانها فتسبب هذا في تدميرها وتحطيمها رغم ماكانت عليه في بداية شبابها من قوة شخصية جعلتها تعاني من الشعور بالقهر والقرف من هذه المهنة لتقف في لحظة من اللحظات في مواجهة ضد والدها رافضة المصير البائس الذي رسمه لها ولم تتردد في ضربه تعبيرا عن احتجاجها، ومع هذا جرت الاقدار في آخر الامر مثلما شاء والدها ميندوزا لتنحني شيئاً فشيئا ً صاغرة مكرهة لمصيرهاولتنتهي على صورة امرأة واهنة،ضعيفة ومدمنة على المخدرات.
عيسى هو الاخر يصبح جزءاً من دوامة البؤس والفقرالذي يحيط بالعائلة كقدر محتوم ،وبعد أن يصبح شابا يافعا في العشرين من عمره يتنقل بين اكثر من مهنة على أمل كبير بأن يعود في يوم ما إلى الكويت كما وعد بذلك والده راشد الطاروف زوجته جوزفين وهي تغادر الكويت ،هذا ماكانت تقوله والدته عندما تسرد له الحكايات الجميلة عن طيبة وجمال والده وعن اصدقاءه المقربين منه،وليد وغسان،اللذان كانا قد شهداعلى زواجهما . ومع البحث عن لقمة العيش كان عيسى يبحث عن هويته الضائعة مابين الديانة البوذية التي كان عليها جده ميندوزا والمسيحية التي اختارتها له خالته ايدا والديانة الاسلامية التي كانت والدته دائما ًماتذكره بها على أعتبار انها الديانة التي يدين بها والده في الوطن الذي سيعود اليه في يوم ما والذي سيحظى فيه بعيشة رخية هانئة بعيدا عما يعانيه هنا من فقر. عيسى:"لكل منّا دينه الخاص،نأخذ من الاديان مانؤمن به،ونتجاهل ما لاتدركه عقولنا،أونتظاهر بالايمان،ونمارس طقوساً لانفهمها،خوفاً من خسارة شيء نحاول أن نؤمن به ".
ثم يأتي ذلك اليوم الموعود عندما يتصل غسان بوالدة عيسى عبرالهاتف ليخبرها بضرورة عودة عيسى الى الكويت بناء على رغبة والده راشد الطاروف قبل أن يختفي وتضيع أخباره بعد أن كان قد لعب دورا كبيراً في مقاومة الاحتلال العراقي لبلده الكويت قبل أن يتم العثور على رفاته مع اخرين في مقبرة جماعية قرب مدينة كربلاء العراقية بعد سقوط نظام صدام حسين بعدة أعوام.
يعود عيسى الى الكويت، الى المكان الذي شهد ولادته،وشهد العذاب الذي عانته والدته بعد أن اكتُشفت العلاقة التي كانت تربطها بوالده من قبل جدته غنيمة التي خيرته ساعتها بين أمرين،أما أن تعود جوزيفين الى الفلبين وينكرهو ألجنين الذي كانت تحمله بين أحشائها وكأن شيئا لم يكن،أويغادرالبيت مغضوباعليه نتيجة ما قد يحمله هذا الزواج من نتائج سيئةعلى سمعة وشرف العائلة،ومستقبل شقيقاته الثلاث اللواتي سيعزف الخُطَّاب عن طلب أيديهن بعد أن يعلم الناس في مجتمع الكويت الصغيربأمرهذا الزواج الفضيحة الذي لم ولن يتقبله بكل أعرافه الاجتماعية التي تحكمه وتسيَّره حتى وإن تقاطعت هذه الاعراف مع أحكام الدين الاسلامي التي تساوي بين البشر ولاتفاضل بينهم إلاّ بالتقوى .  
كانت عودته الى الكويت بداية التيه الذي أخذه في دروب الضياع والاسئلة التي تبحث عن إجابات وافية لكنها كانت من الصعوبة الى الحد الذي جعلته يتمنى أن يكون شبيها بأخيه الصغيرغيرالشقيق (أدريان) الذي اصيب بعطب في خلايا الدماغ عندما كان طفلا والذي أنجبته والدته بعد زواجها من جارها البرتو بعدسنتين من مغادرتها الكويت وعودتها الى الفلبين:"محظوظ أدريان .. لاتشكل له هذه الاسئلة أي قلق .. لاشك ولاأيمان ..لاحيرة ولاخوف ."
الجنة التي حلم بها عيسى في الكويت لم يجدها،وجد المال لكنه لم يجد العائلة التي كان يبحث عنها :" في بلاد أمي الفلبين كنت لاأملك شيئا سوى عائلة،في بلاد أبي أملك كل شيء سوى عائلة .. إنه قدري،أن أقضي عمري باحثا ًعن أسم ودين ووطن " .
اختار كاتب الرواية سعود السنعوسي أن يبدأ أحداث روايته من حيث أنتهت بعد أن فشلت كل المحاولات التي بذلها عيسى / هوزيه بمساندة أخته غير الشقيقة (خولة) وغسان صديق والده ليكون واحدا ًمن افراد عائلة الطاروف ، فكانت بداية أحداث الرواية عندما بدأ عيسى / هوزيه وهومايزال على أرض الكويت في كتابة سيرته الذاتية مُبتدأمن الفترة التي سبقت ولادته،آنذاك كانت جوزفين تعيش قبل زواجها في الفلبين مع عائلتها الكبيرة المكونة من الجدة  والاب والام والاخت ايدا وشقيقها بيدرو .
الناقد والاس مارتن في كتابه الموسوم نظريات السرد الحديثة الذي ترجمته الى العربية د.حياة جاسم والصادر عن المجلس الاعلى للثقافة في مصر يقول:" التقنيات الخاصة بالرواية تتضمن علاقة المؤلف بالسارد،وعلاقة السارد بالقصة،والطرق التي بواسطتها يوفران مدخلاً إلى عقول الشخصيات وأمورتخص وجهة النظر إذا افترضنا أن المؤلف يحاول أن يحقق تمثيلا ً موضوعيا ً وواقعياً ـ متحرراً من التعليق المتطفل والمعقول الذي يحيل الشخصيات إلى دمى عن طريق الحكم عليها حال تقديمهابفضل الوسائل التي بها تنفذ إلى العقول والاحداث ـ فإن تحليل وجهة النظر يغدو وسيلة لكي نفهم كيفية اندماج الشكل والمضمون في الرواية " . هنا في هذا العمل تمكن السنعوسي في تمثل هذا الفهم المتقدم لطبيعة البناء المعماري للرواية الحديثة وهي تتبنى آليات فنية في منظمومتها السردية من دون أن يستعرض مقترحاتها شكلياً بقصد الاستعراض والتمظهر، وقد نتسائل عن طبيعة الشكل الفني في البناء السردي للرواية وهو بالضرورة ليس الكيفية التي يتم بها سرد القصة على الرغم من أهمية هذا الاطار الذي يقود القارىء الى متابعة مايقرأه إلاّأنه يشمل "بنية الصورة والاستعارة،والرمز الذي ينبثق من الفعل ".
إن حداثة التجربة الروائية للكاتب الكويتي الشاب سعود السنعوسي ــ هذا هو العمل الثاني له بعد عمله الروائي الاول سجين المرايا ــ لم تجعله يقع في فخ الانشغال عن وعي وقصد بالشكل الفني الذي غالبا مايتورط به الكُتَّاب الجدد لجاذبيته أكثر من أي شيء آخر،وذلك في محاولة منهم لأثبات الحضور والتفرد،لكنه في نهاية الامر لن يُغني العمل الروائي بما هو مهم ومفيد،بينما جاءعمل السنعوسي مميزا لاعتماده على تقديم محتوى انساني،وموضوعة حاول فيها أن يتمثلَ الحياة في تنوعها،مع أنه تحررالى حد كبير من الاشكال التقليدية في بناءه السردي للزمن فتلاعب الكاتب في الخيط الواهي الذي يفصل مابين الواقع والخيال وهما القوتان الرئيستان اللتان تشكلان السرد بمهارة تخييلة عالية وقد بدا ذلك واضحا في ابسط صورة عبرشخصية مترجم النص ابراهيم سلام  وشخصية خولة راشد ًمدققة ومراجِعة النص ،وهما بنفس الوقت يشكلان شخصيتان اساسيتان داخل احداث الرواية .
إن تبني الكاتب لحكاية حافلة بتفصيلات واحداث وازمنة واقعية مع تنوع في تقنيات الكتابة أنتج عملا جماليا تمثَّلَ تجربة انسانية أعتمدت بالاساس على أحداث وتواريخ موضوعية،والرواية هنا في هذا النموذج بمثابة "المنطقة التي يُقابِل فيها الوهم (في شكل معتقدات وايدلوجيات موروثة،غرور،تصلب،رغبة رومانتيكية،الرغبة بالتملك)الواقع (الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تكوّن الاساس لتلك القلاع في الهواء ) .  
هذا العمل الروائي يستحق القراءة والتأمل النقدي بما تحمله بنيته السردية من خطاب جمالي أشتغل فيه الكاتب على :تصويرالوعي الانساني بشكل عميق وهو يتصدى للحقائق الاجتماعية والموضوعية التي تزاحمت بين ازمنة تحركت بها أحداث الرواية مابين بيئتين جغرافيتين واجتماعيتين (الكويت والفلبين) بما تحملان من تناقضات واختلافات كبيرة عميقة،من هنا جاءت الكلمة التي تصدرت وسط الصفحة الاولى من الرواية والتي إستعارها السنعوسي من الروائي الكويتي الكبير إسماعيل فهد إسماعيل "علاقتك بالاشياء مرهونة بمدى فهمك لها " لتكون عتبة تمهيدية قبل الدخول الى تفاصيل الاحداث التي يستعيدها عيسى (هوزيه ميندوزا ) وهو يكتب سيرته في سعي منه لفهم قسوة العالم المحيط الذي مازال البشر فيه يقسّمون الى سادة وعبيد وفق قوانين واعراف اجتماعية ثقيلة مبتدأ ً بأسمه JOSE كما "يكتب وينطق به في الفلبين كما في الانكليزية وجوزيه في العربية كما في الاسبانية وفي البرتغالية بالحروف ذاتها يكتب ،ولكنه ينطق جوزيه .أما هنا ،في الكويت ،فلا شأن لكل تلك الاسماء بأسمي حيث هو .. عيسى !.. كيف ولماذا ؟ هو لايعرف لأنه لم يختر اسمه ليعرف السبب ،كل مايعرفه أن "العالم كله قد اتفق على أن يختلف عليه ! وهويتمنى ـ بعد هذا النكران الذي قوبلت به هويته الانسانية ــ  لو كان مثل شجرة البامبو،لاانتماء لها : "نقتطع جزءًا من ساقها .. نغرسه ،بلا جذور،في أي أرض ..لايلبث الساق طويلا ً حتى تنبت له جذورجديدة ..تنمومن جديد ..في أرض جديدة ..بلا ماض ..بلا ذاكرة .. لايلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته ..كاوايان في الفلبين ..خيزران في الكويت ..أو بامبو في أماكن أخرى ".
استعارالكاتب جملة  من خوسيه ريزال محررالفلبين من قبضةالاستعمارالاسباني في بداية القرن العشرين لتكون عتبة الدخول الى الجزءالاول من الرواية"لايوجد مستبدون حيث لايوجد عبيد "ولتتصدر فيما بعد بقية الاجزاء الخمسة جملا ًأخرى لهذا الثائرالذي كان أول من أنتفض على عبودية المستعمرالاسباني فكانت تلك الجمل علامات تشير الى المسار الوجداني الذي تنطلق منه رؤية الكاتب . .
بلا شك هذا العمل الروائي بما طرحه من افكار انسانية وسعي فني واضح للخروج من أطر الانماط الثابتة في البناء السردي يستحق أن يكون في قائمة الكتب التي ترشحت للفوز بجائز البوكر العربية للعام 2013 .


*سعود السنعوسي ،كاتب وروائي كويتي
نشر عدة مقالات وقصص قصيرة في جريدة "القبس" الكويتي كاتب في مجلة "أبواب" الكويتية منذ 2005 وحتى توقف صدورها
عضو في رابطة الأدباء في الكويت
 عضو جمعية الصحافيين الكويتية 2009-2011
صدر له عن الدار العربية للعلوم:
-
سجين المرايا، رواية 2010
-
ساق البامبو، رواية 2012
حائز على جائزة الروائية ليلى العثمان لإبداع الشباب في القصة والرواية في دورتها الرابعة وذلك عن رواية سجين المرايا 2010
حائز على المركز الأول في مسابقة "قصص على الهواء" التي تنظمها مجلة "العربي" بالتعاون مع إذاعة بي بي سي العربية، عن قصة "البونساي والرجل العجوز"، وذلك في يوليو 2011
حصد جائزة الدولة التشجيعية في مجال الآداب وذلك عن رواية "ساق البامبو" عام 2012
اختيرت روايته "ساق البامبو" ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية "بوكر" عام 2013


  

الخميس، 25 أبريل، 2013


      
lمنعطف الوقت ..نص شعري ، في صحيفة الزمان - الطبعة الدولية
- السنة السادسة عشرة - العدد 4487-
 الخميس 14من جمادي الاخرة - 1434ه
25 من شهر نيسان / ابريل 2013 م 



 مُنعطف الوقت ..

                              مروان ياسين الدليمي

ساعةَ امسَكًتْ الخاتمة ُغفوتَنا
عَبَرنا بلاداً
أستيقظت منازلها على وشم العتاد .
أنَذَاك
ثقبنا أجراسَ الهواء
مُلطّخاً
بأحذية خلفها غُربَاء .

كفَرنَا برائحة التراب
وكأناّ صدّقنا ثانية ً
بأنّا سنشربُ كؤوسَ المشهد ِ
مُعمَّداً بالغَسقْ ،
وأنّ المقاهي ستحل ُّ بعد قليل  لغزَ عُزلتِا
والحكماء سيقطنون عَنابرَمن تورّط  بالحروبِ
والرهاناتِ  الخاسرةِ  ،
وأننا بعد هذا :
لن  نَتَلفَتَ بِرجولتِنا
ولن نرسم أمطارَنا
وشهوتَنا للبحر
ورائحةَ النساءِ .


رحيلنا ،
على تلك النوافذ . .  حِدادْ
مُشتهانا بلادْ  .

فوق كنيسةِ الساعة -1-
كم أيقظَ نعاس الشمس
رنين الناقوس .
كم أقتربنا من  رجولتنا 
وابتعدنا كثيراًعن طفولتِنا
فأنكسرنا
وانكسرنا
وانكسرنا .
حفاةً نمضي  
يُظَلِلُنا الغبار .

بكامل ِوعيِنا
شطَبنا الياسمينَ
مِن وجوهِنا
تعقَّبْنا أناقة النُّعاس في رطوبةِ أزقَّتِنا 
علّقنا رائحة َالاوتارِعلى حيطان ِتوبتِنا ،
كأنَّ رحيلنا
مُذ خَرَجنا من رعشة ِأُمهاتِنا
يلفّقُ المنافي لنا
أينما أتجهنا  .



أودّ الانَ
أن لاأستدلَّ على وجهي
أن اشطُب سَمعي
أن أطفىءَ بَصري .

أنحدِرُ بالوصايا
الى مُنعطفاتِ المراثي
أطيلُ انتظاري بعيدا ً عنها
إلى أن  يأتي نشيدُ العَدم  .

هل أنا هُناك ؟
أستيقظ ُخارج عُزلتي
أروُّض أعترافات أصابعي
أمدُّها من نافذتي
لعلها في لحظة ٍ
قَدْ  تُمسِكُ غيمة ً هاربة ً
من نينوى - 2 - .

خلفَ أسيجة ٍتتعقبني
أجتازُ إنتظاري ،
أنا الغريبُ هناك
كما هُنا .


السكونُ
والرجلُ الطاعنُ في السِّنِ
وسائقُ التاكسي

والعابرون من المنافي تحت قلعة ِأربيل -
3 -
كُلهم
يفتحُ خزائنَ الرّيبة ِ
ليستجوب سحنتي  .


مضى العُمر
وانا لاأتقنُ الا ّ لغَتي
في شوارعَ
تهدّمت أُنوثةُ النهار فيها
وتعثّر الكلام  بتجاعيدها .

اليومَ  ، رزمتُ أختلافي مع المُتمترسينَ عند ظلال الخوف ،
وهم  ينصتون بشغف ٍلمشقَّة البلاد . 

نينوى رتَّبَت شكلَ التراب على وجهي
مَشَت بي الى سماء ٍمُرتبِكة  
فهل من بلادٍ  مثلها  ؟
الشمسُ فيها باتت منازل للطارئين
الساعةُ الانَ لهم
ونحن على طاولة ٍللتجاذب
نحدِّقُ في ساعة ِموتِنا.

مُنعطفُ الوقتِ   
لا أبتداء
ولا انتهاء له .

هل أطعنُ ما أقولْ
أم لا أطعنُ ولا أٌقولْ  ؟ .

ماعدتُّ  أٌبصرُ
أيَّ طريق ٍ يقودني للظلمة   
كأناّ تقوَّسْناعلى الأسى
وأفرَغْنَا بريدَ نا على وجه ِالعَتَبات .

هَرَبْنا
ثم أحرَقْنا أسماءَنا خَلفَنا
ومَحَونا ألطريقَ
فهل أخطأنا لمّا شَطَبْنا أخطاءَنا ؟
وإن كنّا لمْ  نَزَلْ
نَقطنُ ما شَطبْنا .

                                                  

         13/ 3/2013
الهوامش
1-من أقدم الكنائس في الموصل
      2-التسميه التأريخيه (الاشورية) لمدينة الموصل
 3-قلعة تاريخية في مدينة اربيل لازالت شاخصة حتى الان




الأحد، 7 أبريل، 2013




نشر المقال في جريدة العالم العراقية الاحد 7 / نيسان  2013 العدد 791اال
العدد لأالالالسنة الرابعة / العدد أحد - 7 نيسان( ابريل ) 2013 - السنة الرابعة - العدد 791حد - 7 نيسان( ابريل ) 2013 - السنة االأحد - 7 نيسان( ابريالأحد - 7 نيسان( ابريل ) 2013 - السنة الرابعة - العدد 791ل ) 2013 - السنة الرابعالأحد - 7 نيسان( ابريل ) 2013 - السنة الرابعة - العدد 791ة - العدد 791لرابعة - العدد 791


يوميات غياب الندى .. للروائي أسعد الهلالي
كثافة اللحظة التاريخية في الذات الساردة
                                                مروان ياسين الدليمي


الذاكرة هي مرتكز محوري إنطلق منه الروائي أسعد الهلالي في بناء مسارب روايته (يوميات غياب الندى) شكلا ً ومضمونا ً،والذاكرة هنا ذاتية /موضوعية ، يتداخل فيها ماهو شخصي مع العام، وليس هنالك من حد ٍفاصل يمكن من خلاله فك الارتباط والتفريق مابين هذين العالمين،اللذان تتداخلت فيهمااحداث الرواية وهي تمتد على مساحة زمنية واسعة بدايتها  كانت في مطلع ستينيات القرن الماضي ثم الحرب العراقية الايرانية في العقد الثامن منه ثم فترة الحصار الدولي على العراق على أثر غزوه للكويت  .
في كل هذه الازمنة يتداخل الخاص مع العام في بنية واحدة متشابكة ومتلاحمة، حتى بات أحدهما يعكس وجه الآخر، ومن خلال هذه الوحدة وهذا التشابك، عكس الكاتب رؤيته الشخصية المتعلقة بتاريخ طويل من عمر العراق المعاصر، يبدأ من منتصف القرن العشرين وصولاًالى ماقبل العام 2003.
تأتي أهمية هذه الرواية في معمارها الفنيّ، عندماالتجأ الهلالي للامساك بمساحة واسعة وفضفاضة من التاريخ العام ليكونَ جزءاً مُندمِجاً ومُتماهياً مع التاريخ الخاص للشخصيات في نص روائي تشكلت عناصره السردية من عتبتي الزمن والذاكرة،بنفس الوقت، نقل الهلالي هذا التاريخ العام، مرة أخرى عبر الخاص،الى العام،بعد أن أدخله في مشغل رؤيتة الابداعية ،معيداً ،من خلالها، تركيبه وتفسيره، وفقاً لمنظومة فلسفية ينطلق منهافي رؤيته للتاريخ العام الذي عصف ببلاده خلال خلال اكثر من نصف قرن من الزمان، كانت قد ارتكبت فيها سياسات الانظمة الحاكمة اخطاءً جسيمة اساءت كثيراً الى حرية وكرامة الفرد، فكان أحمد العراقي نموذجا لشخصية الفنان المثقف الذي وقع ضحية اساليب وحشية اعتادت على ممارستها اجهزة امنية قمعية لاتحترم أدمية الانسان، وهذا مايضطره بالتالي الى الهروب خارج البلاد نحو اليمن في مطلع العقد التاسع من القرن العشرين بعد أن فشلت الانتفاضة الشعبية عام 1991والتي كانت قد عمّت أغلب مدن العراق على اثر النتائج الكارثية التي تمخضت عن قرار غزو العراق لدولة الكويت،وما تلا تلك الانتفاضة من اعمال انتقامية ارتكبتها اجهزة السلطة الأمنيّة ضد المنتفضين والمواطنين على حد سواء .وفي صنعاء عاصمة اليمن تطول مدة لجوئه فيها إلى عشرة اعوام، يعيش فيها غربة قاسية لاتبددها سوها علاقة حب عميقة أرتبط بها مع ندى وهي شابة عراقية كانت قد إلتجأت مع عائلتها الى اليمن مثل عشرات غيرها بعد أن فتكت الحروب ببلدهم العراق،ولكن القرار الهجرة بعيدا عن اليمن الذي إتخذته ندى يضعه في غربة أخرى داخل غربته،لتستيقظ الذاكرة في سردية شعرية مُستعيدة ذاته الاخرى(كما يقول بول ريكور )التي أرختها شوارع اليمن في أدق تفاصيل العلاقة الشخصية الحميمة مع الحبيبة ندى .
جاء المكان في البناء السردي لهذا العمل من غير أن يشكِّل أية اهمية واضحةفي تفاصيله وملامحه التي كرستها تقاليد الرواية الكلاسيكية والواقعية،بينما أكتسب الحدث حضوراً واضحاً،فمركزيةالمكان هنا لاأهمية ولاحضور لها، ولاتشكل للمؤلف عتبة اساسية وجوهرية ينطلق منها في سرد بنيته الروائية،وهذا يعود إلى أن الماضي بكل ثقله لم يرتبط بمكان محدد طالما كانت الشخصيات في حالة هروب دائم ولم تستقر في مكان بعينه .
إذن الحضورهنا يهمين عليه ألحدث،وليس بنية ألمكان التقليدية كما شكَّلتها منظومة الرواية العربية خلال اكثر من نصف قرن،وهذا يعود كما أشرنا ألى أن معظم شخصيات الرواية كانت مطاردة ولم تستقر في المكان الذي ولدت فيه واكتسبت منه طبيعتها الاجتماعية، إنما لجأت مُضطرة ومقهورة الى آمكنة أخرى بعيدة وغريبة عنها.
تبدأ احداث الرواية في مطار العاصمة اليمنية صنعاء عندما يودع (أحمد العراقي) الشخصية الرئيسية حبيبته (ندى)،ألتي ستغادر صنعاء الى مكان آخربعيد،ومجهول،لم يحدده المؤلف،وهي إشارة واضحة الى المصيرالمجهول الذي عصف بالعراقيين خلال الفترة التي تناولتها احداث الرواية :" هدرت محركات الطائرة الفضية .. إبتلع الممر الضيق المؤدي إلى صالة المغادرة آخر الاقدام المسرعة ، مجلللاً بعضها بالدموع والآخر بخفقات قلوب إستلقى فيها فرح غامر أرهقه التقافز حتى أوشك على الانهيار ... " .
وبماأن جلّ الشخصيات قد تعرضت الى الابتعاد القسري عن المكان الذي تنتمي له،لذا كان من المنطقي أن يغيَّب المؤلف الطبيعة الطوبوغرافيةللمكان على حساب حضور الحدث واللحظة الانسانية التي تعيشها الشخصيات وهي تواجه فعل المطاردة من قبل اجهزة السلطة الامنية . 
لم تكن الشخصيات في حالة إطمئنان حقيقي حتى عندما تكون بعيدة تماما عن الامكنة التي هربت منها جغرافياً،لأن الذاكرة الشخصية بما تمتلكه من رصيد كبير اختزنته في داخلها لاتجعلها تحيا بهدوء واطمئنان حتى بعد أن أمست في منأى عن الخطر الذي كان يطاردها،فهي مازالت تننفس وتتنازع مع ماضيها المسكون بالملاحقة والخوف،:"تعلمين أني غادرت جحيمي بقدمين متهرئتين ..وأحتاج إلى الكثير من الوقت كي تتماثل قدماي للشفاء ."
الذات الساردة هنا شديدة الحساسية في فهمها وتفسيراتها لأبسط اللحظات والتفاصيل وهذا يعود لكونها ذاتُ فنانٍ شاب درس الاخراج السينمائي في كلية الفنون الجميلة ببغداد في ثمانينات القرن العشرين قادما من مدينة كربلاء ذات الصبغة الدينية الواضحة جداً، فتقاطع هذا المسار مع ماكان يريده له والده في أن يكون ضابطا في الجيش العراقي،كما تقاطعت أيضاًافكاره اليسارية مع افكار والده القومية، وعلى الرغم من فشلها في حكم البلاد بشكل سليم مرتين ،عام 63 و68 وتسببها بالكثير من الاحداث المؤلمة التي تحملها المجتمع إلاّ أن والده بقي على موقفه المدافع عن تلك الافكار ومبرراً كل اخطائها التي انعكس تأثيرها على مستقبل البلاد فيما بعد .
تبدوالشخصية الرئيسية في هذا العمل(أحمد العراقي ) وكأنها في حالة من الترنّح منذ اللحظة الاولى التي يلتقي بها القارىء ، فهي تبدو شخصية فاقدة للطمأنينة التي كانت قد تبخرت في الحرب العراقية الايرانية:-" مع أول عروس شهدتُ زفافها بملابسها البيضاء المبرقشة باللؤلؤ الصناعي ..وباقة الورد التي بعثَرَتها على عريسها المضطجع بأستسلام في نعشه وفي جبهته رصاصة بدت لعيني عروسه قبل تكفينه كقبلة حلمت ذات يوم بعيد أن تطبعها على جبينه الضاج بالرجولة والكبرياء ،عشقته فتى وشاباً ولاتملك إلاّ أن تنثر الزهور على سكونه وقد أرسلته إليها الحرب في يوم زفافه غارسة في جبهته قبلتها البارودية "
كانت الاعوام العشرة التي قضاها في الغربة بعيدا عن وطنه العراق كافية لأن يستحضر فيها السنين التي مضت لتأتي متدحرجة بعدأن خاض فيها تجربة مُرّة لايمكن أن تشطبها الذاكرة :" اضطررتُ إلى دفن سنواتي في مقابر من كانت الحرب تبعث إلينا بأشلائهم من أصدقاء ندفنهم دونما نظرة أخيرة ودونما وداع أخير .. وغالباً ما نستعجل دفنهم مع بقايا رائحة زنخة اختلط فيها التفسخ بأكداس البارود والغازات الكيمياوية السامة أحيانا .. غالباً ما كان النعش مسمراً وخطوط حمراء تنصّ على أن يدفن القتيل بنعشه وحين أصرت إحدى الأمهات على فتح تابوت ابنها معاندة بنادق الحراس عثرت على أشلاء لها ثلاثة أقدام وذراع واحدة ودونما رأس .. كفت المرأة عن البكاء .. كانت موقنة أن ابنها لم يمتلك قدماً ثالثة طوال حياته.. غادرت القبر فوراً ولم تعد لزيارته .. أعلنت أنها ستنتظر عودة وليدها.. بعد عشرة أعوام من انتظار سقيم أخبرت جارتها أنها ستبحث عن ابنها في دار الله المطلة على الأرض جميعاً.. كانت موقنة من أنها ستعثر عليه .. قرؤوا ذلك في عينيها المشرعتين حين أغمضوهما الإغماضة الأخيرة في اليوم التالي .. ودفنوها في قبر بارد مجاور لأشلاء من ظنوه ولدها الذي جلبت أشلائه الحرب قبل عشر سنين.. زارت جارتها القبر في الخميس التالي فوجدته حفرة غائرة لا تحوي سوى قطعة من الحجر هشم بها أحدهم أو إحداهن.. لا أحد يدري .. شاهدة قبر قتيل الحرب" .
الزمن التاريخي الذي شهد الوقائع والتفاصيل كان منصّة سُجلت عليها الاحداث.. هذا الزمن عادة ما يمتلكه الكاتب ليحيله في بنيته السردية الى بنية جمالية يمرر فيها أحاسيسه التي شكلت ذاته  في تحولاتها، فكانت تجربة الجنس المبكرة لأحمد العراقي مع جارتهم أميرة زوجة الشهيد سالم عبيد الذي سقط في حرب أكتوبر /تشرين عام 1973 التي جرت مابين العرب ودولة اسرائيل، فكانت تلك أولى تجاربه الحسية وهو لم يزل مراهقا، لتقرَّ حتمية زمنية جاءت في سياقٍ خارج ماكانت  الذات مهيئة له  :" تشبثت كفي بالراديو حين حاولت أميره جذبه .. ظننتُ أنها تود سرقته .. وفوجئت تماماً حين رمته جانباً بإهمال .. تعاظمت مفاجئتي حين جذبَتْ بيجامتي لأبدو كدجاجة قرعاء وأنا منكفئ على جسدي الذي لم يحتم ِسوى بسروالي الداخلي الذي لم يصمد على جسدي طويلاً إذ جذبته أميرة سريعاً فغطيتُ ما ظهر مما لا يجب أن يظهر بكفي.. فحّ صوتها ..
ـ لا أظنك تعرف شيئاً ؟
أجبتها ..
ـ ما الذي يجب أن أعرفه ؟ ..
رددتْ ..
ـ سأعلمك .. سأعلمك ..
أسرعت بخلع جلبابها الأسود فبان عريها لامعاً كالمرآة .. أشارت لنهديها ..
ـ ما هذان ؟
ـ ثديان ..
ـ لماذا غرزا في صدري لا صدرك ؟
ـ لأنك تُرضعين بهما ..
ـ حسنٌ .. ارضع قليلاً ..
ـ لكني فطمتُ منذ سنين بعيدة ..
ـ ألا تعلم أن ثدي المرأة وجد ليرضعه الطفل والرجل ..
ـ لا أعلم .. سأسأل أمي ..
ـ لن تسأل أمك أسئلة كهذه .. ما ترضعه كبيراً ليس ثدي أمك بل ثدي آخر .. ثديي مثلاً .. تعال ..
اقتربت مني .. رمقتني بنظراتها المضطربة فأخافتني .. اقترب فمي مرتبكاً من حلمتها .. رضعت وجلاً أول الأمر ثم انتابتني بعض اللذاذة .. بعد قليل كان كفاي يعتصران نهدها النافر كقبة وشفتاي ترتشفان لعابي الممتزج بعسل نهديها ".

كانت تلك التجربة اكتشافا مدهشا منحته الخبرة التي إستعان بها فيما بعد في تفجير روح العبث المتجاور مع عواطفه المتفجرة بين اروقة كلية الفنون الجميلة .
شخصية  أحمد العراقي تبدو وكأنها مازالت في حالة من فقدان القدرة على التركيز والاستقرار رغم مرور عشرة أعوام على العيش بعيدا عن وطنه الذي طالما الموت طارده فيه :-" أيّة طمأنينة ستمكث وكل بيان بهجوم يعني سربا لامتناه من النعوش واليافطات السوداء التي تكحل عيون الازقة ؟ " ..
تعيش هذه الشخصية حالة من الفوضى الدائمة،بين أوراق وصورتعود للحبيبة ندى التي غادرت الى غربة آخرى،لتتبعثر الذكريات من حوله،فتحيط به،هنا وهناك :"صور ..صور .. بعثرتها لأهمي بعيني الناثة رحيقها،مرتشفاً جبهتها الوديعة وأنفها الغائص في الذهول وشفتيها المبتسمتين في شفتيّ برقة لاموطن لها إلاّ ندى " .
يتّخذ المؤلف من صيغة المذكرات اليوميةوسيلة سردية في إدارات دفة احداثٍ بعيدة وقريبة إكتظت في ذاكرة متعبة وخائفة وحزينة عبَّر عنها المؤلف بصيغة ضمير المتكلم،يبدأها بتاريخ محدد 7/ 8 / 2001 ثم 8/ 8 / 2001 وهكذا تتوالى التواريخ اليومية متتابعة لتنتهي بالتالي بنهاية مفتوحة بهذه الجملة :"صنعاء  2001 " .
عمل المؤلف بآلية السرد هذه على استحضار الماضي من الماضي نفسه،
يوماً بيوم،وأعاد تركيب ماجرى فيه من أحداث من خلال رؤية المخرج
 السينمائي أحمد العراقي، وهي رؤية لاتخرج في شكلانيتهاعن إطارتيارالوعي في الرواية الحديثة ،أيضاً جاء بناء كل مشهد فيها وفق التركيبة السينوغرافية للمشهد السينمائي،كما لم يخرج في رؤيته هذه عن الاطار الواقعي، رغم الطاقة الشعرية التي عبّأ بها لغته وهو يشتغل عليها في إعادة تركيب الحدث من جديد :"بدت الكتل المبتلة بمطر الليلة الفائتة منتصبة على جانبي الطريق..يتكئ بعضها على بعض،هامسة بوحها الساخر لما اكتنزته ذاكراتها بما اختبأ خلف جدرانها المستسلمة لدفء الأنفاس اللاهثة،جدران تركن للصمت والسكون مشرعة مسامات التلصص الملتذة على جسدين إحتويا عريهما بين الجدران، هاربين من سياط الآخرين اللاسعة،يخبئان توقهما أول الأمر عن فضول مسامات الجدران .. يتبادلان نظرات يطفر إلى مآقيها الوله.. ينساب دخاناً لا مرئياً يلفح الوجه الآخر.. يمتزج الدخان .. تجذبه المآقي فيجذب إلى مركزه الوجهين الموشكين على الذوبان .. تبتلع المآقي دخان الوله ليغدو لعاباً سكرياً عاتي اللذة يكسو الشفاه المتلاصقة .. يمتزج .. تذوب الشفاه في اعتصار يرتج لعنفه قلبان يطفح دفئهما فيطرد ما علق بالجسدين من خِرَق .. تشرع الجدران مساماتها مرتشفة الالتصاق الأفعواني العابث للجسدين المهتاجين .. وتسرع عند بزوغ الفجر لبعثرة ذاكرة الليلة الفائتة في آذان الجدران الأخرى .. تقهقه جدران صنعاء ساخرة من انكسار قلبي فوق رصيف فندق الشلال باحثاً بعينين نهمتين عن بقايا خطواتنا المرتبكة.."
بعد أن يودع أحمد العراقي حبيته ندى التي عشقها بجنون كما عشق من قبل وفاء ونهال في كلية الفنون الجميلة :" أ أخبرتك يوما بأني لم أشعر بالطمأنينة حتى التقيتك؟ " . . يعود أدراجه الى شوارع العاصمة صنعاء مجتراً ذكرياته التي اكتنزت انفاسهما اللاهثة خلف جدرانها. :" تستقبلني جدران منزلي ..أطرق رأسي خجلاً ..سألتني صورة الفراشة الحائمة حول الشمعة المتلألئة عن ندى .. إزداد رأسي إطراقا .. تمتمتُ .
ـ غادَرتْ ..
أسرعت الفراشة بالطيران صوب لهب الشمعة فضجت الصورة برائحة شيّها .. قفزت من عيني دمعتان لابدتان في زاويتيهما المحمرتين لفرط العواء .. درتُ حول الجدران مرتشفاً رائحة ندى الفائحة من مسامات الجدران وزوايا اللوحات المعلقة وبين أضلاع التمثالين البرونزيين الصغيرين.. كانت ندى ماثلة في زوايا المنزل.. بقايا ضحكة مكركرة في حجرة النوم لم تجذبها معها ساعة مغادرتها ".
ختاما نقول إن رواية يوميات غياب الندى تستدعي قراءتها أكثرة من مرة بعد أن توفرت فيها لغة سردٍ ثرية ومكثفة عمل فيها الهلالي على انجاز بنية فنية تحمل مفرداتها حساسية شعرية عالية أضافت نسقا متعالقاً مع تركيبة الاحداث والشخصيات .


هل ستختفي الموصل القديمة https://al-aalem.com/article/46615-%D9%87%D9%84-%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AA%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D...