الثلاثاء، 28 مايو، 2013

مقالتي في الزمان الطبعة الدولية السنة السادسة عشرة - العدد 4514- الاثنين 16 من رجب 1434ه 27 من ايار مايو 2013 م .

   الروائي  الأفغاني خالد حسيني

  مؤلف روايتي :عدّاء الطائرة الورقية *
                     والف شمس مشرقة

                                                  تدوين سيرذاتي بتقانات الرواية

                                                                                                         مروان ياسين الدليمي
بسبب الحروب التي عاشتها افغانستان تراكمت ظلال ثقيلة فوق الادب الافغاني المعاصر فانقطعت أخباره عن العالم الخارجي وبات في عزلة شبه تامة منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي،عندما اجتاح جيش الاتحاد السوفياتي السابق الأراضي الافغانية عام  1980 لمساندة النظام الشيوعي الحاكم بزعامة الرئيس بابراك كارمال حال شعوره بخطر السقوط بأيدي الجماعات الاسلامية المسلحة التي كانت تتلقى الدعم المادي والعسكري من الدول الغربية ومن بعض دول الخليج العربي وفي المقدمة منها المملكة العربية السعودية  .
سنوات الحرب الطويلة المهلكة بكل ضراوتها وبشاعتها وتقلباتها الدراماتيكية وما نتج عنها من دمار شامل عصف بكل جوانب الحياة، لم تترك أّيّة فرصة سانحة لمن يهتم بالشأن الثقافي، ألتفكير بقراءة عمل أدبي أفغاني جديد،خاصة بعد سيادة وهيمنة الاحزاب الاسلامية بكل تنوعاتها واختلافاتها التي لاتتعدى حدود التسميات والعناوين الشكلية ،والتي تعكس في واقع الحال طبيعة انتماءاتها القبلية والاثنية والطائفية، لكنها في مقابل ذلك ومن حيث الجوهر، تنطلق من أرضية فكرية واحدة أساسها القرآن والسنة المحمدية كما تدّعي وتسوّق في خطاباتها .
وسط زمن مُرِّ كهذا،مُلبَّد ٍ بدخّان الحروب، وسلطة أحزاب اسلامية متشددة ومتطرفة في تأويلاتها الفقهية والإجرائية غالبا ًما تأتي وفق هوى ورعونة زعمائها من أمراء الحرب،لايمكن أن يتوقع المرء نموَّ أدب ينصف حرية وكرامة الانسان وتتوفر فيه رؤى فنية متقدمة .
لكن،عندما تقرأ رواية ( عدّاء الطائرة الورقية  ) للكاتب الافغاني خالد حسيني التي صدرت بطبعت اولى مترجمة الى اللغة العربية عام 2010 وروايته الثانية(ألف شمس مشرقة ) التي صدرت هي الاخرى بطبعة اولى مترجمة الى اللغة العربية عام 2010 ايضا،لابد أن تكون أمام خيار وحيد يدعوك لأن تعيد النظر فيما تشكّل لديك من قناعات غير دقيقة حول الادب الافغاني الذي حَجَبَتْه عنّا لعلعة الرصاص وصورالمعارك الدموية التي إستمرت أكثر من ثلاثة عقود، شاءت فيها قوى دولية كبرى ـ في المقدمة منها أميركا ــ أن يستمرَّ الصراع الدموي بين الاخوة على هذه الصورة البشعة، تعبيراً وتحقيقا ًلمصالحها،حتى لوكان الثمن أن يُدفَنَ شعب كامل تحت الانقاض .
وماأن تتوفرفرصة قراءة هذين العملين لابد لك من أن تبدأ في البحث عن صوت الانسان الضائع بين ضجيج الاصوات النَّشاز،تبحث عنه  في الاعمال الفنية والادبية التي حاول المُبدعون فيها أن يجسِّدوا صرخته خارجة نقيّة مبحوحة من تحت أنقاض ِ ماتهدم من أحلام ٍوبيوت ٍوشوارع َومدارسَ وجامعات ٍومتاحف َوآثار يعود تاريخها الى ألاف السنين قبل الميلاد مثل تماثيل بوذا في مدينة باميان  التي هدمتها حركة طالبان بعد أن استولت على الحكم عام 1997.متجاهلة كل النداءات التي كانت قد  اطلقتها حكومات ومنظمات ومؤسسات دولية بعدم نسفها والحفاظ عليها لانها تشكل جزءا مهما من التراث الحضاري الانساني .
في حقبة مظلمة شديدة العتمة مثل التي عاشتها افغانستان طيلة ثلاثة عقود كيف يمكن للأدب أن ينمو ويزدهر طالما هو نشاط انساني يتحرك في فضاء الحرية الفكرية يكشف المبدع من خلاله عن المخبوء والمقموع في ذات الانسان، وهو يعمل ويفكر ويكافح من اجل غد أكثر آمانا ً وسعادة .؟
روايتا (عدّاء الطائرة الورقية والف شمس مشرقة) لخالد حسيني لاتخرجان عن إطار الاعمال الكبيرة الخالدة التي تبقى حاضرة ومؤثرة في الذاكرة الانسانية رغم تقادم الزمن عليها ذلك لانها تنصف الانسان وكرامته وهو يخوض بكل ضعفه وارادته وفطرته الانسانية صراعا مريرا ًغير متكافىء ضد قوى همجية عمياءلاتتردد أبدا ً في أن تقود البلاد والعباد الى مصير بائس لايليق بأدميّة الانسان وامنياته البسيطة في العيش بحرية وآمان.
ولكي لاتصل الحكاية الافغانية الى طريق مسدود كما أرادها ويريدها أبدا ً أُمراء الحرب ، تأتي رواية (الف شمس مشرقة ) وقبلها( عدَّاء الطائرة الورقية ) لتحديد وتقييم العلاقة مع الماضي قبل استعادته والذهاب به الى أبعد مايكون في اللحظة الموضوعانية للذاكرة حسب قول بول ريكور . فالاستعادة هنا للماضي ليس بهدف الاستذكار السلبي (انفعال ) انما هو تفكر واسترجاع في "مفترقات دلالية وتداولية ".
لم يختزل خالد حسيني الذاكرة في حدود الاستعادة للوقائع والاشياء الخارجية ولم يذهب بالخيال خارج المعرفة،أي بمعنى : لم يتم الفصل بينهما،بل تشابكا معا ً في تمثِّل الميراث والتَّصوّر لشيء غائب ومُغيَّب .
وفي إطار الاحداث التي تمفَصَل بها الفضاء السردي للروايتين إشتغل المؤلف على تقانة الذاكرة، في مواجهة حاضر ٍ يتأسطر بالموت والخراب ويغيّب الحياة عن قصد وتصميم.
في رواية (الف شمس مشرقة ) كانت الثنائيات مرتكزا ً سرديا إنسحب على أزمنة البناء المعماري للنص ( الحب / الكره ، الموت / الحياة ، الوطن / المنفى ، المرأة / الرجل ، الشباب / الشيخوخة  ). .ولعل ما يميزها ويكسبها هذا الحضور المؤثر :أنّ معظم شخصياتها الرئيسة هي شخصيات نسائية( مريم ، ليلى ، نانا ، جيتي ، حسينة ، مامي ، عزيزة )رغم أهميّة وعمق الشخصيات الرجالية التي صاغها المؤلف وشكّل بها تفاصيل ملحمته الفنية ( جليل ، طارق ، رشيد ، فايز الله ) .
بينما هيمنَت الشخصيات الرجالية بشكل كامل على  رواية (عدّاء الطائرة الورقية)(أمير ،حسان ، بابا ، علي ، آصف ،كمال ،جنرال تاهيري ) وتراجعت  الشخصيات النسائية الى خلفية الصورة .
ومن يقرأ روايتي خالد حسيني سيجد أن الكاتب قد شحنهما بعواطف ومشاعر انسانية لاتجدها إلاّ في الاعمال العظيمة التي تنداح فيها خليط من المشاعر الانسانية (الحب،البطولة،الخيانة،الحقد) في بيئة مغرقة بالمحلية وبتفاصيل دقيقة،وكأنما ذاكرة (المؤلف /السارد / الشخصية الرئيسة)تعمل بكل استدعاءاتها من اجل الحفاظ على مخزون الذاكرة الى يوم بعيد سيأتي،فكانت تجليات السرد الروائي في العملين المذكورين قائمة على ماتصبو إليه ذات المؤلف مفي بناء مساره السردي ضمن إطار (الذاكرة والمكان والذاكرة والشخصيات) مثلما هذا المقطع من (الف شمس مشرقة الذي يأتي على لسان الراوي والمتعلق بوصف جليل لأبنته مريم لدار السينما التي يملكها في المدينة:".... وصف لها السينما . لذلك فإنها تعلم أن واجهة السينما مصنوعة من قرميد أزرق وبرونزي،وهناك شرفات خاصة ،وعوارض خشبية مثبتة على السقف،أبواب تفتح من الجهتين تؤدي إلى صالة حيث إعلانات الافلام الهندية مغلفة بزجاج شفاف،وفي أيام الاثنين يحصل الاولاد على مثلجات بالمجان في جناح التنزيلات. "
قد تخرج القراءة الاولى لهذين العملين على أنهما يقعان ضمن إطار الاعمال السيرذاتية.مع أننا نتفق مع ماجاء به د. خليل هيّاس من رأي ٍ في دراسته القيّمة والمعنونة (سيرة جبرا إبراهيم جبرا الذاتية في البئر الأولى وشارع الاميرات) :"لاتختلف السيرة الذاتية بوصفها نصا ً حكائيا ًعن غيرها من الانواع الادبية في تعددية استعمال الضمائر في السرد فهي قد تروي بضمير المتكلم المفرد أو أن الراوي يتوجه بالخطاب إلى ضمير المخاطب المفرد أو أن يتحدث عن البطل بضمير الغائب المفرد ." كما في هذا النموذج من عدّاء الطائرة الورقية : " حسّان كان ممددا ًعلى صدره، موثوقا ً إلى الارض،أمسك كل من كمال ووالي بأحد ذراعيه ، ملويتان عند المرفق بحيث أصبحت يدا حسان ملتصقتان بظهره،كان آصف يقف فوقهما ،كعب حذائه الثلجي يسحق رقبة حسان، أباك لن يَعْلَمْ ، قال آصف ،وليس هناك شيء خاطىء في تعليم حمار وقح درسا ً في الاخلاق .
تمتم والي ،لاأدري .
كما تريد ،قال آصف ،والتفت إلى كمال ، ماذا عنك ؟
أنا ..حسنا ً .
إنه فقط هازارا ، قال آصف ،ولكن كمال بقي ينظر بعيدا ً ، حسنا ً ، قال آصف ، كل ماأريد أن تقوما به أيها الضعيفان أن تبقيا ثابتا ً ، هل تستطيعا القيام بذلك ؟
هز والي وكمال رأسيهما ،والراحة تبدو عليهما .
ركع آصف خلف حسّان ،وضع يديه على ورك حسان ،ورفع إليتيه العاريتين ،ثم ترك يدا ً على ظهر حسان وفكّ حزامه باليد الأخرى ،ثم أنزل سحابه ،وخلع لباسه الداخلي ،ثم توضَّع خلف حسّان ،لم يقاوم حسّان ،لم يصدر أي صوت حتى ، فقط حرك رأسه قليلاً ، فرأيت ُوجهه، رأيت الاستسلام به ، كانت نظرة لم أرها من قبل ، كانت نظرة النعجة . "
هاتان الروايتان أخذتا تجنيسهما من التقانات (الروائية ) التي لجأ اليها المؤلف،لتلتقي بالتالي مع ما أشار إليه عبد السلام المسدّي بأنّ "السيرة الذاتية إنما هي حصيلة إمتزاج نوعين من الكتابة : التدوين التاريخي والحكاية الفنية " ونتفق هنا مع هذه الرؤية النقدية الى حد كبير إذ "لافرق بين الرواية بشكل عام ورواية السيرة الذاتية من حيث طرق الكتابة ."
 إلاّ أن قراءة نقدية للعملين المذكورين تجعلنا نصل الى أنهما لاينتميان من حيث التصنيف الاكاديمي الى أعمال السيرة الذاتية لعدم توفرالتطابق بين (المؤلف والسارد والشخصية المركزية ) ولكن يبقى الاشكال قائما ومرجحا ً فيهما لدى من يدقق مرة اخرى في المقاييس الفنية التي تشير الى التفريق والتصنيف بين الاجناس . 
الحكاية تبدأعندما اسقطت مريم طقم شاي صيني وكان عمرها انذاك خمسة أعوام فسمعت للمرة الاولى كلمة (إبنة حرام) من والدتها نانا، التي ثارت بوجهها وأمسكتها من الرسغين وسحبتها إليها،ومن خلال أسنان ٍتصرُّ قالت لها:"إنك ابنة حرام خرقاء صغيرة،هذا جزائي عن كل شيء تحملته،ابنة حرام خرقاء صغيرة بالوراثة . "
في ذلك الوقت لم تفهم مريم مامعنى هذه الكلمة( إبنة حرام) ولم تكن كبيرة كفاية لتدرك عدم العدالة في ذلك،ولترى أن مخترع هذه الكلمة هو أبن الحرام الذي يستحق اللوم،وليس أبن الحرام الذي كان ذنبه الوحيد أنه وُلِد. وقد عرفت فيما بعد أن ابن الحرام لن يحصل على الشرعية او الاشياء التي يحصل عليها الآخرون : كالحب ، الأسرة ، البيت ، القبول .
لكن والدها جليل الذي كان يزورهم كل خميس لم يقل لمريم هذا الاسم،قال عنها زهرته الصغيرة،كان مولعاً بأن يجلسها في حضنه ويقص لها الحكايات، كأحاديثه عن ولاية(هيرات) الواقعة في غرب افغانستان والتي ولدت فيها مريم عام 1959عندما كانت افغانستان تحت حكم الملك (زاهار شاه ) وكانت هيرات مهد الحضارة الفارسية ووطن الكتّاب والرسامين والمتصوفين: "لن تستطيعي أن تطئي موقع قدم دون أن تركلي شاعراً على قفاه". وقد سقطت هذه الولاية بيد حركة طالبان المتطرفة في أيلول عام 1995،وتعرضت مبانيها التاريخية الضخمة للتدمير الجزئي والكلي خلال الحروب..أخبرها والدها ايضاعن الملكة(كوهارشاد )التي رفعت المآذن المشهورة كعربون محبة لهيرات في القرن الخامس عشر. كما وصف لها حقول الحنطة الخضراء لهيرات والبساتين المجللة بالعنب المكتنز حيث المدن مكتظة والاسواق صاخبة .
لم تكن نانا سوى إحدى مدبرات منزل السيد جليل الذي يعد من أهم رجالات ولاية هيرات من ذوي النفوذ ،فبالأضافة الى دارالعرض السينمائي التي يمتلكها كان يملك أرضا في منطقة كاروك واخرى في فرح وثلاثة متاجر للسجاد ومحلا للالبسة وسيارة بويك سوداء حديثة موديل1956.
كانت نانا إحدى مدبرات منزله في منتصف خمسينات القرن الماضي الذي تعيش فيه زوجاته الثلاث واولاده وبناته التسعة حتى أنتفخ بطنها ،عندها طالبت الزوجات برميها خارجا ً.فما كان من والدها الذي كان يعمل في قطع الحجارة إلاّ أن يتبرأ منها واحتقرها،ومن ثم ليغادر بالباص إلى ايران ولم ير أو يُسمع عنه شيئا مرة اخرى . حتى أنها كانت تخاطب نفسها احيانا عندما كانت تطعم الدجاج خارج المنزل :"أحيانا أتمنى لو كان أبي لديه الجرأة ليشحذ سكاكينه،والقيام (بأشرف عمل)،ربما كان هذا أفضل لي ."
حتى جليل لم يمتلك الجرأة ايضا للقيام بعمل نبيل والوقوف في وجه عائلته وتحمل مسؤولية ما قام به . بل تم التعامل مع نانا وكأنها عشبة ضارة ينبغي ان تقتلع لترمى جانبا ً. فكان الاختيار أن تعيش في منطقة خالية وسط الحقول . حيث بنى جليل واثنان من ابنائه بيتا ً صغيرا ً من الآجر المجفف بأشعة الشمس وغطوه بالطين والقش .ولتختارهي فيما بعد نهاية لحياتها بعد أن تجد ابنتها مريم التي كانت قد تحملت كل المصاعب من اجلها تخرج عن وصيتها وتذهب لزيارة والدها في بيته .
 الرواية تتألف من أربعة اقسام ،الاول استحوذت عليه شخصية مريم والثاني ليلى المغرمة بأبن الجيران طارق والقسم الثالث تتقاسمها مريم وليلى والرابع يستحوذ عليه شخصية طارق .
* تم تحويلها من قبل إحدى شركات الانتاج السينمائية الاميركية  في هوليود الى فلم سينمائي .

السبت، 18 مايو، 2013


قراءتي النقدية عن رواية يامريم للكاتب سنان انطون في صحيفة الزمان الطبعة الدولية
 - السنة السادسة عشرة العدد 4506 - السبت 7 رجب 1434 ه 8 أيار (مايو ) 2013 م .
رواية .. يامريم
للكاتب العراقي سنان انطون *
                      إنكِسارٌ في ذَاكِرة ٍخصبة        
رواية رشحت لجائزة البوكر العربية /القائمة القصيرة 2013.
منشورات دارالجمل /الطبعة الاولى 2012  
عتبة الذاكرة
التقط سنان انطون حدثا مهما وخطيرا عندما اقتحمت مجموعة ارهابية مسلحة كنيسة سيدة النجاة في منطقة الكرادة في العاصمة العراقية بغداد في تمام الساعة الخامسة وخمس عشرة دقيقة من عصريوم الاحد31/  من شهرتشرين الأول من العام 2010 اثناء قيام المصلين بأداء الشعائر الاخيرة من قداس داخل الكنيسة فقتلت تلك المجموعة عددا ً كبيرا ً من المصلين قبل أن تتدخل قوات عسكرية تابعة للحكومة وتقتحم المكان لتقتل ماتبقى من المسلحين وتحرر الاحياء من المصلين.
الروائي سنان أنطون إستثمر هذا الحدث ليصبح بؤرة أساسية أنطلق من خلاله في صياغة البنية السردية لروايته وشخصياتها من غير أن يشكل هذا الحدث ــ على الرغم من فجائعيته ــ  مساحة كبيرة ومهيمنة في أحداث الرواية التي توغلت في ماهو مخفي ومطمور من التفاصيل والحقائق في البنية الاجتماعية العراقية،وقد شكل المسيحيون فيها العنصر الانساني الابرز والاساس.
هذا إضافة الى أن تقديمهم في هذا العمل قد تم بعيدا ً عن الصورة النمطية والسطحية السائدة عنهم والتي كرستها العديد من الاعمال الادبية والفنية العراقية إلاّ أن سنان انطون قال في عمله هذا مالم تقله الكثير من نماذج الادب العراقي المعاصرعن هذا المكون وقد جاء ذلك بمعالجة فنية متقدمة حاول فيها أن يقدم عملا ً روائيا ً احداثه وشخوصه مستلهمة من الواقع من غير أن يكبح جماح خياله وهو يتصدى لواقع تاريخي مازالت حقائقه شاخصة وفاعلة .
تحرك المؤلف في فضاء السرد بحريّة دون أن يخضع لمركزية الجغرافية الزمنكانية التي شغلها حادث اقتحام  الكنيسة وإنساق وراء انثيالات الذاكرة الفردية للشخصيتين الرئيستين(يوسف كوركيس  ومها جورج حداد) ومن خلالهما عبرعن طبيعة الاشكالية التي تحكم العلاقة مابين الماضي والحاضر: يوسف بسنواته التي تجاوزت الثمانين،ومها التي كانت في العشرينات من عمرها.من هنا انطلق في المعالجة السردية،مُتكأ ًعلى آلية القص والاسترجاع والتحرك على مساحة زمنية طويلة تبدأ من الفترة التي جاء فيها كوركيس والد يوسف مع نهاية العقد الاول من القرن العشرين قادما ًمن تلكيف ليسكن بغداد،ولتستمرالاحداث الى مابعد ثلاثة أيام من الهجوم على الكنيسة.
وعبر ذاكرة خصبة ليوسف كوركيس اختار الكاتب أن يستعيد تفاصيل الماضي بمكنوناته الذاتية والعامة خلال يوم واحد،وذلك عندما يستقيظ في تمام الساعة السادسة والنصف صباح يوم الاحد 31 تشرين الاول من العام  2010 ولتستيقظ معه الذكريات الحميمة،من غير أن يكون بحاجة الى منبّه لكي يستقيظ في هذا الوقت المبكر بعد أن أمست عادة له منذ سنين طويلة ماأن أصبحت مثانته أفضل مُنبّه طبيعي يجبره على الاستيقاظ وزيارة الحمَّام أكثر من مرة، وسيكون تاريخ هذا اليوم هو نفس تاريخ اليوم الذي ماتت فيه شقيقته الكبرى حِنّة قبل سبع سنوات،وهاهي السنوات السبع قد مرت بسرعة منذ ذلك الصباح "سنوات كانت حِنّة ستتعجب منها لو كانت على قيد الحياة إذ فاقت كل ماسبقها، وفاقت حتى الشهور السبعة الاخيرة من حياتها بعد الحرب الاخيرة عام 2003 ".
لم يدندن يوسف أغنية من أغانيه المحببة كما كان يفعل عادة. .وقف أمام التقويم المُعلق على جدار المَمَر كما كان يفعل كل صباح وهي عادة قديمة لم يقلع عنها حتى بعدأن أُحيل على التقاعد وخلت أيامه من المواعيد وقلت مشاغله وواجباته.
لم يمت الماضي في ذاكرة يوسف بعد أن وصل الى العقد الثامن من عمره، "ولم يكن محبوسا ً في الصور المؤطرة المعلقة على جدران الذاكرة التي تمتد آلاف الأمتار وتلك المعلقة على جدران البيت والمحفوظة في الالبومات،بل مازال يتعايش مع الحاضرويحترب معه "ولم يتبقى له في اخريات أيامه سوى الذكريات والبيت الذي يعيش فيه وحيداً بعد أن تفرق الاهل في أصقاع الدنيا ومات البعض الآخر .
جميل شقيقه الاصغرغادرالعراق عام 1969هاربا الى لبنان موطن زوجته اللبنانية بعد أن أعدَمت السلطات العراقية صديقا له متهمة اياه بالارتباط بالماسونية. وسليمة شقيقته الصغرى التي أصرَّ والده على أن تحمل الاسم الاول للمطربة سليمة مراد أشهر مغنية في العراق في تلك الايام،وشقيقته حبيبة التي كانت من أول الفتيات اللواتي عمِلن في مهنة التمريض،وحِنَّة التي تحمَّلت مسؤولية رعاية العائلة بعد وفاة والدتهم نعيمة،وشقيقه غازي الذي كان يعمل في الآي بي سي في كركوك حتى العام 1961ومن ثم ليهاجر الى أميركا ويسكن ولاية ميشغان عام 1979،وشقيقه إلياس الذي درس الحقوق وتورّط بالسياسة ودخل السجن اكثر من مرة،وميخائيل أصغر أشقائه الذكورالذي عمل مترجما مع عدة شركات أجنبية بعد تخرجه من كلية بغداد قبل أن يستقر مترجما في السفارة الاسترالية عام 1977.
عاش يوسف أزمنة الخير كما يقول هوعنها ومازال يتذكرها. ولكي يُبدد هذه الوحدة القاتلة دعا عائلة مسيحية صغيرة من معارفه تتألف من المهندس الشاب لؤي وزوجته مها التي تدرب الطب في جامعة بغداد  ليسكنا في الطابق الثاني من البيت. كانت مها سعيدة بأنتقالها الى هذالمكان الذي وجدت فيه الهدوء الذي افتقدته في بيت أهلها الكائن في منطقة الدورة والذي كانت قد سكنته مع زوجها لفترة قصيرة،بعد أن كان أهلها قد هجروه قبل أكثر من عام متجهين الى ناحية عنكاوا في كوردستان العراق هربا من العنف الذي بات يستهدف المسيحيين. وعلى اثر انفجار سيارة مفخخة أمام البيت تسببت في فقدانها لجنينها قررت مغادرته مع زوجها وقبول العيش في مكان بعيد عن بيت أهلها لايُذَكِرُها بما كانت قد فقدته .وليضفي وجود مها ولؤي حيوية وروحا نديّة على حياة يوسف وعلى البيت الكبير الذي تيبست ضلوعه بعد أن تشرد معظم افراده في اصقاع الدنيا وماعاد هنالك من أمل بعودتهم بعدأن دخلت البلاد في منعطف خطير من العنف بين ابنائه فدفع المسيحيون جراءه ثمنا كبيرا ً،حتى أن البلاد باتت تفرغ منهم  .
شخصية يوسف كما رسمها المؤلف تتسم بانتماء إنساني واجتماعي قوي وعميق الى بغداد وهذا ماجعله غير قادرعلى تقبل فكرة السفر ومغادرة العراق رغم الحاح الاخوة والاخوات،إضافة الى إعتدال افكاره وتفاؤله ،فهوعلى يقين كبير بأن الاوضاع في البلاد لابد أن تعود الى طبيعتها،فكان هذا التفاؤل سببا ً في احتدام النقاش أكثر من مرة بينه وبين مها التي كانت تصب جام غضبها على الاكثرية المسلمة وتتهمها بالعنصرية والعنف والتفرقة.كما أتهمته هو ايضا في الليلة التي سبقت مذبحة الكنيسة بأنه "يعيش في الماضي".  
مَها     :" عيني .. قَيِعدمونَا بكِل  مكان بلا محكمة ،ومحَّد يحكي .الكنايس قتنحرق والناس قتتهجر وقيذبحون بينا يمنه ويسره ."
يوسف:" موبس كنايس قتنحرق بنتي .الجوامع اللي انحرقت أكثر بكثير ،والاسلام اللي انقتلو عشرات الالاف ."
مها   :" خللّي يروحون يقتلون بعضهم بعض، ويخلونا بحالنا .إحنا أشعلينا ؟"
يوسف :" موقصة علينا وما علينا، بس دولة ماكو ، والاقليات محّد يحميها غير الدولة القويّة . إحنا لاعدنا حزب، ولاميلشيا ، ولابطيخ ."
استدعى الكاتب انطون عبر ذاكرة الشخصية الرئيسية يوسف كوركيس  أحداثا ً ومنعطفات عامة،منها :احتلال العراق للكويت عام 1990 وماأعقبه من تداعيات خطيرة على المجتمع العراقي تركت اثرها العميق في اجزاء مهمة من جنوب وشمال البلاد التي شهدت انتفاضة شعبية تم قمعها بقسوة ووحشية ،ثم تلى ذلك حصارا دوليا ظالما فتتَ نسيج المجتمع العراقي بسبب الجوع والامراض التي فتكت به. فكان هذا الاستدعاء لأزمنة من الماضي القريب ماهو إلاّ إلتماساً لجأ إليه المؤلف "بحثا ً عن إجابات آتية من الماضي لكن الزمن هنا مضاعفا : زمن الكتابة وزمن الذاكرة ." كما يقول رولان بارت في كتابه النقد البنيوي للحكاية .
يوسف :" وعندما عاد التيار الكهربائي أول مرة في نيسان كان ذلك قبل يوم من عيد ميلاد صدام . ظهر في اليوم التالي يحتفل به ببدلة بيضاء ويقطع كعكته أمام أطفال يرقصون ويغنون له كأن شيئا لم يكن ."
حنّه:" يعني مايستحي هذا !، هاكذ يسوّي بعد اللي صار بينا ؟ موعيب ؟ الناس ماتت والبلد انخرب وهو يسوّي هابي بيرثدي مثل الزعاطيط ؟ أخلاق سز ."
عتبة الفوتوغراف
الصور الفوتوغرافية التي تركها أفرادعائلة يوسف كانت عتبة اساسية انطلقت بها مسوغات المؤلف في تركيب  بنيته السردية لأجل لملمة الحكايات المتناثرة بين طيّات الزمن المتشظي"توزعت الصّور فوق التلفزيون وعلى بعض جدران البيت، وهناك غيرها مئات من الصور في الالبومات وفي مظاريف وأكياس في غرفة النوم الثالثة في الطابق الارضي " إلاّ أن صورة واحدة كان يحتفظ بها يوسف في ظرف صغير في دولاب في غرفته لم يخرجها منه منذ سنين لكنه يحتفظ بنسخ معلقة في كل مكان على جدران قلبه وروحه ،صورة امرأة قلبت عالمه رأسا ً على عقب لكن قصته مع المُهندسة المُسلمة (دلال )انتهت كما تنتهي شبيهاتها من قصص الحب المحرم وفق قوانين بيئة اجتماعية لاتتسامح مطلقا بمثل هذه العلاقات.
الكثير من تلك الصورالمعلقة على جدران غرفة شقيقته حِنّه لم يكن يوسف يتذكر تاريخ التقاطها بالضبط،منها مالتقطته عدسة المصورالارمني الذي كان يمرعلى الشارع بيتاً بيتا يحاول إغراء العوائل بأن تلتقط صورة جماعية.فيختار المصّور زاوية مناسبة في باحة البيت لتقف العائلة أمامها كي تلتقط الصورة. . في واحدة من تلك الصورالتي يقف يوسف أمامها يتأملها قبل أن يغادرالبيت يبدو كوركيس والده جالسا بوقار في قلب الصورة يرتدي الصّاية واليشماغ ملفوف حول رأسه على طريقة القادمين حديثاً من قرى الشمال رغم أنه قد هجر تلكيف وجاء الى بغداد قبل أكثر من ثلاثة عقود إلاّ أنه رفض أن يغير ملابسه ويلبس "أفندي " مهما ألح ّ عليه الاخرون، وظل يرتدي هذا الزي حتى موته عام 1957 .
الصور الفوتوغرافية التي أعتمدها سنان انطوان في تأثيث المشهد السردي للرواية يمضي بها في تواتر مترابط ليقوم بمهمة إعادة بناء التفاصيل واخراجها من سكونيتها مستحضرا ًحساسية الانفعالات والعواطف الانسانية بأحتمالاتها المبهجة والمحزنة وهوفي كل هذا التأسيس والتشكيل يمهَّد بهدؤ وايقاع بطيء ـــ يتناسب مع بطىء حركة يوسف منذ إحالته على التقاعد من وظيفته في مؤسسة التمر العراقيةـــ لكي يتم ألانتقال المفاجىء الى حدث اقتحام الكنيسة الذي تأجّلت الاشارة اليه حتى الصفحة 144من مجموع صفحات الرواية البالغة 156صفحة، فكان ذلك تمهيدا ًهادئا ً إتَّسم ببطىء واضح ومقصود .

عتبة الثوثيق الفلمي
وفي سعي واضح من مؤلف الرواية على أن يعضِّد افتراضاته التخييلة  التزمَ مَساراً واقعيا وثائقيا ً واضحا ليمسك بشظايا الحدث داخل الكنيسة وفق رؤيتين تتعاضدان ولاتتقاطعان،الاولى رؤية ذاتية وذلك من خلال شخصية(مها جورج حداد ) التي تولت سرد ماجرى في الكنيسة بدقة وتفصيل أمام عدسة مراسل قناة عشتار الفضائية بعد نجاتها من المذبحة، والثانية كانت رؤية موضوعية جاءت من خلال عدسة الكامرة المثبتة في خوذة أحد الجنود الذين اقتحموا الكنيسة وطهروها من القتلة .
"ظل جسد يوسف مسجى على أرض الكنيسة لأكثر من أربع ساعات قبل أن يحمل إلى الخارج بعد تخليص الرهائن وإخلاء الجرحى . كان محاطاً بأشلاء بشرية وبقطع من الزجاج المكسور والغبار والجص وببركة صغيرة من الدم الذي ظل ينزفه . داس أحد أفراد قوة مكافحة الارهاب الذين دخلوا الكنيسة على اصابع يده اليسرى بالخطأ فهشم عظام ثلاثاً من اصابعه.كان يحمل كاميرة صغيرة معه ويصور العملية وظل يطلب من الرهائن المحررين أن ينظروا إلى الكامرةوأن يقولوا "كولوا الله " .حُمِّل الفيلم بعد أيام على اليوتوب مع معلومات عن قائد العملية وأغنية حماسية للترويج للفرقة الذهبية التي انقذت الرهائن ."
عتبة اللهجة المحلية
ربما يكون اختيار اللهجة المحلية الموصلية عائقا الى حد ما في عملية الفهم والتواصل مع مفردات ودلالات الحوار داخل الرواية وذلك لخصوصية هذه اللهجة وعدم شيوعها كثيرا خاصة لدى شعوب المنطقة العربية وهذا مايضع القارىء في مواجهة صعبة لفكِّ طلاسمها على الرغم من أهميتها وخصوصيتها هنا في التعبير عن وجدان وذاكرة الشخصيات ، ولاشك أن المؤلف كان مُدركا تمام الادراك لهذه القضية لكنه وكما يبدو لنا كان حريصا على توظيف ماتمتلكه هذه اللهجة من طاقة تعبيرية تعكس مدنية وتحضّر من يتحدثون بها وليكون بالتالي استثمارها قد جاء انطلاقا من غاية توظيفية شحنت الحوار بمرجعية محلية تُتختزن فيها ذاكرة دينية واجتماعية تتشظى بلمفوظاتها دلالات تراثية وتاريخية لشخصيات الرواية .
خلاصة القول ان سنان انطون يكشف للقارىء في هذا العمل كفاءته وقدرته على الامساك بعناصرالتشكيل الروائي،واضاف للمكتبة الروائية العربية عملاً يستحق القراءة .

*سنان أنطون:شاعروروائي ومترجم ولد في بغداد عام 1967. له روايتان "إعجام " و"وحدها شجرة الرمان " وديوان شعر بعنوان "ليل واحد في كل المدن "والعديد من المقالات بالعربية والانكليزية.تُرجمت كتاباته إلى الانكليزية والالمانية والايطالية والنرويجية والبرتغالية .عاد إلى العراق عام 2003 ليشارك في اخراج فيلم وثائقي بعنوان "حول بغداد "عام 2004 عن العراق بعد الدكتاتورية والاحتلال .ترجم أشعار محمود درويش وسركون بولص وسعدي يوسف وغيرهم إلى الانكليزية.نشرت ترجمته لكتاب "في حضرة الغياب "لمحمود درويش باللغة الانكليزية عام 2011 عن دار آرشيبيلاغو. يعمل أستاذا ً للادب العربي في جامعة نييورك منذ عام 2005.


الثلاثاء، 7 مايو، 2013

 
الاعلامية القديرة فرقد ملكو لمجلة إنانا :

صفة الاعلامي تطلق الأن على المئات ممن لاعلاقة لهم بالاعلام

                                        حاورها : مروان ياسين الدليمي
فرقد ملكو .. إسم له حضور مبهج وجميل لدى المتلقي العراقي منذ أن ظهرت على الشاشة الصغيرة في تلفزيون مدينة الموصل مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي فباتت أيقونة للاعلامي المثابر والناجح الذي يَعرِف بمهنية ٍوحرفية ٍعالية ٍكيف يكسب ثقة المتلقي ويؤثر فيه من غير أن يلجأ الى التكلف والتصنّع،وأهم ما تتسم به ملكو من بين عديد الصفات المميزة التي جعلتها قريبة الى جمهورها قبل زملائها هي : الجديّة والمثابرة في العمل،فهي لن ترضى أبدا ًبأنصاف الحلول وأسهلها، بل تسعى بما تملك من ذكاء وخبرة وإرادة على تقديم الافضل متجاوزة كل الصعاب التي قد تقف أمامها  بل تعتبر ذلك مصدر إلهام ومتعة لهالإعمال الفكر وتنشيطه لأبتكار حلول جديدة ، لانها تدرك جيدا ً بفعل خبرتها المتراكمة أن الجمهور من الذكاء العميق مايمكنه  ألتمييز بكل سهولة مابين العمل الضعيف والعمل المتكامل. . . مجلة إينانا التقت بها وحاورتها حول مشوارها وتجربتها ورؤيتها للعديد من الموضوعات التي تتعلق بالعمل ألاعلامي،فكانت أجاباتها واضحة وصريحة كعادتها .   
*في بدء هذا الحوار لابد من المرور على بداية الاهتمام بالعمل في ميدان التلفزيون. .  كيف تولد هذا الاهتمام ؟. وماذا كنت تهدفين من وراءه ؟
- بدايتى فى التلفزيون كانت عندما تم تعيينى فى تلفزيون نينوى فى القسم الفنى كموظفة اعتيادية فى احد الاقسام الفنية ، في حينها  تدربت بشكل عملي وتطبيقي على كل التفاصيل فى كل الاقسام الفنية أسوة بزملائى وزميلاتى ،حتى أنني التحقت باكثر من دورة تدريبية فى المعهد الاذاعى والتلفزيونى فى بغداد لتطوير امكانتي وأدواتي الفنية ،وبعد عملى فى كل الاقسام الفنية إستهوانى العمل فى هندسة الصوت، ليصبح بالتالي كل مملكتى وقد نفذت الكثير من التمثيليات والمسلسلات التلفزيونية العراقية والعربية ولشركات انتاج اردنية ومصرية وتعاملت مع الكثير من الفنانين العرب الكبار كممثلين او مخرجين ..كما نفذت الصوت للكثير من الاغانى والاوبريتات ..بعد ذلك وفى منتصف الثمانينيات رشحني زملائى فى التلفزيون لتقديم برنامج وفعلا بدات فى منتصف الثمانينيات بتقديم برنامج تلفزيونى ميدانى فكانت كل حلقة تتناول محافظة من المحافظات العراقية عنوانه كان (نسمات من بلادى ) يتجول البرنامج فى كل محافظة متناولا ً جوانبها التاريخية والتراثية والثقافية والفنية والعمرانية وجولات فى اقضية ونواحى كل محافظة . وهو برنامج شهري يعرض ظهيرة كل  جمعة لمدة ساعة كاملة ،استمر البرنامج اكثر من 6 سنوات وتوقف مع احداث عام 1991 ..بعدها عام 1992 بدات فى تقديم جريدة ام الربيعين التلفزيونية الاسبوعية كنافذه ثقافية فنية اجتماعية تاريخية اسبوعية، وكانت تعرض ايضا ظهيرة يوم الجمعة وتوقفت مع احتلال العراق عام 2003 اى استمرت اكثر من 11 عام  وبشكل متواصل وبدون اى انقطاع مطلقا، واستطعت ان احقق نجاحى فى البرنامجين واصبحت لى جماهيرية كبيرة لان اغلب  العراقيين كانوا يتابعون (جريدة ام الربيعين )، بعد انطلاق قناة العراق الفضائية عام 1998 اصبحت ام الربيعين تعرض من خلال برامج القناة  ليشاهدها بالتالي  من كان  خارج العراق . وبجانب ام الربيعين بدات بتقديم سهرات موصلية من خلال قناة العراق الفضائية بشكل نصف شهرى وعلى الهواء مباشرة لمدة ساعتين حتى عام 2001 .. الى جانب هذه البرامج وفى نفس الوقت كنت اقدم برنامج (العراق تراث وحضارة) باللغة السريانية وكان يبث ضمن برامج قناة محافظة كركوك ..كذلك قدمت برنامج (تراثيات معاصرة ) عن الحناء والسوس وغيرها ..وحلقة السوس عرضت ضمن مهرجان تونس فى وقتها .. وكان هدفى من تقديم هذه النوعية من البرامج هو تعريف المشاهدين فى الداخل والخارج بتاريخنا المشرق وتراثنا وثقافاتنا وحضارتنا ..
*هنالك الكثير من المتغيرات الحرفية  التي حصلت في ميدان عمل تقديم البرامج بعد ظهور البث الفضائي .. كيف تجدين الاستجابة لهذا المتغير في العراق ؟
-المتغيرات الحرفية التى حصلت فى ميدان تقديم البرامج بعد ظهور الفضائيات لازالت الاستجابة لها فى العراق  بسيطة جدا وانا اذهب بالاسباب الى عدم تدريب وتطوير الكوادر خارج العراق وخاصة الكوادر الفنية من مصورين ومخرجين وطبعا المذيعين والمقدمين كذلك عدم إقامة دورات تطويرية فى معاهد تدريبية حكومية مثلما كانت الدورات فى معهد التدريب الاذاعى والتلفزيونى بشكل متواصل طول ايام السنة، فكان دائما يتم استدعاء الموظفين من محطات التلفزيون في المحافظات للمشاركة،كما إن وعدم ارسال الكوادر الى مراكز دولية متخصصة للمشاهدة والاطلاع سبب اساسي في عدم حصول التطور . فالبرنامج التلفزيونى حتى يكون ناجح المفروض ينبغي أن  يكون متكاملافى الاعداد والتقديم والتصوير والاخراج واى مفصل من هذه المفاصل اذا اختل يؤثرعلى البرنامج باكمله،ولكى نصل الى نخبة من مقدمى البرامج بمستوى احترافى يجب اولا الاختيار الصحيح للمذيع من ناحية المواصفات كالحضور والثقافة والشكل،ولانختار المقدم حسب العلاقات والواسطة لان العمل التلفزيونى لاتنفع معه الواسطة والمحسوبية والمنسوبية،لانه عمل مرئى ليس ككل الوظائف الادارية والحسابية وغيرها ..انه عمل فنى والخطا فيه مكشوف امام الناس جميعا ً واذا كان المقدم يمتلك هذه المواصفات الاولية تبقى الدورات التطويرية التى تحدثنا عنها حتى تنصقل موهبته ويرتقى بالتقديم ..اذا على الفضائيات ان يكون اختيارها صحيح لمقدم البرامج وحسب المواصفات المطلوبة الناجحة لا حسب الاهواء والمزاجيات وبدون دراية وخبرة فى الاختيار
*بينالامس واليوم ماهي اوجه الاختلاف والتشابه في ميدان الاعلام المرئي ؟
-الاعلام سابقا كان فيه الكثير من الالتزام والاحترام والتقييم لهذا العمل وممتهنيه،هذا الاحترام والالتزام تعلمنا منه الكثير،على سبيل المثال : الحرص والمتابعة فى كل شئ ،سابقا كان الشخص فى هذا المجال كلما يتطور يبقى في حالة تواصل ولايتوقف لانه يريد أن يكون افضل، اما الان ومع الاسف ومن اول ظهورله على الشاشة يشعر انه قد أصبح  نجما وينتابه الغرور والغرور فى اى مجال يدمر الانسان  ولهذا مع الاسف الشديد اصبح الاعلام اليوم مهنة يستسهلها الكثير ليدخلوا  فيها واصبحنا الان نسمع صفة الاعلامي تطلق على  المئات  من الاسماء : الاعلامى الفلانى والاعلامية الفلانية والصحفى الفلانى والصحفية الفلانية وهم في الحقيقة لاعلاقة لهم بهذا العمل،سابقا كانت مقدمة البرامج تمر بمراحل صعبة جدا من العمل والمثابرة والجد والنشاط لتظهر على الشاشة وتسمى نفسها الاعلامية او المذيعة او المقدمة ..
*هل ساهم الاعلام المرئي في تحريك وعي المجتمعات أم لعب دورا تظليليلاً في تزييف الحقائق ؟. اي بمعنى هل كان الاعلام في العراق على قدر المسؤولية الوطنية ؟
-على الاغلب الاعلام المرئى في العراق لم يساهم فى تحريك وعى المجتمع الا بنسب قليلة جدا لانه غالبا لايطرح الحقائق بل يحاول ان يجمل الصورة ليوصلها للمشاهد بشكل مزيف، فاليوم نجد القنوات العراقية عديدة وكل قناة تتحدث حسب توجهها وسياستها ومايفيد نهجها في محاولة منها لأقناع مشاهديها بما تطرحه،كما إنها تشغل مشاهديها ببرامج المسابقات والارباح المادية ولاتهتم بالبرامج الثقافية والاجتماعية وهذا يؤثر بطبيعة الحال على وعى المجتمع ويجعله بعيدا عن الواقع  ..صحيح بأن الفضائيات العراقية في الوقت الحاضركثيرة لكن النوعية الجيدة فى ماتقدمه من برامج قليل جدا،ولهذا لايزال الاعلام المرئى العراقى لايتسم بالموضوعية والمهنية ولازالت الاخبار والاحداث تطرح بشكل مظلل وغير واضحة للمواطن العراقى الذى اتعبته ظروف البلد بحيث اصبح المشاهد لايثق بالاخبار التى تقدمها قنواتنا بل يتجه لقنوات عربية واجنبية معروفة .
*الى أي حد ٍ يشكل الاعلام خطورة على الرأي العام ؟ وهل يمكن أن يتحكم وبقوة في تغيير القناعات الراسخة لدى الناس ؟
-جهاز الاعلام يشكل خطورة على الراى العام،عن طريقه من الممكن ان تسقط دولة أو تساهم في بناء دولة،مثلا،قبل بدء الحرب على العراق عام 2003عندما كنا نسمع الاذاعات الاجنية وصوت اميركا تحديدا ً كنا نتأكد يوماً بعد آخربسقوط النظام قبل زحف جيوش الاحتلال،وصارت لدينا قناعة راسخة بذلك قبل حدوثه.. هذا يعنى ان قوة وسائل الاعلام اقنعتنا بان الاحتلال سيحدث، وبدانا نرى ونعيش المشهد من خلال اذاعاتهم قبل حدوثه وفعلا حدث كل ماروجته وسائل الاعلام ، لكننا نجد اليوم أن قنواتنا العراقية لاتستطيع أن تتحكم بقناعاتنا لانها لاتطرح الحقائق ..
*قناة عشتار هي القناة العراقية المسيحية الوحيدة في العراق حاليا ، اين تضعينها بين بقية القنوات العراقية ؟ وماهي طبيعة المساحة التي تحتلها لدى المتلقي العراقي عموما ومن ثم المسيحي ؟ ومالذي ينقصها  لكي تظهر بشكل افضل مما هو عليه ؟
- قناة عشتار الفضائية هى القناة المسيحية العراقية الوحيدة حاليا ومهمتها الاولى والاساسية أن  تسلط الضوء على شعبنا الكلدانى السريانى الاشورى وكل مايمتلكه من تاريخ وحضارة وثقافة وتراث ولهذا لها الكثير من المشاهدين الذين يتابعون برامجها , وحتى في برامجنا المباشرة والتى تكون باللغة السريانية تصلنا ايضا اتصالات هاتفية وايميلات من مشاهدين مسلمين عراقيين وغيرعراقيين وهذا دليل على  ان للقناة قد حققت متابعة عراقية جيدة  اضافة لمتابعتها من قبل شعبنا بشكل كبير من داخل العراق وخارجه .. وانا قدمت العديد من البرامج المختلفة في عشتار منذ 8 أعوام منها : برنامج سهرة عراقية وبرنامج أبيتنا وبرنامج للناس حكايات وبرنامج كلام الناس وبرنامج ياسمين الاهل ، ومنذ انطلاقة القناة ولحد الان انا متواصلة مع برنامج (طبيبك على الهواء )..تاكد بأن الاتصالات والايميلات تصلنى من داخل  العراق وخارجه ومن المسيحى والمسلم والعربى والكردى ووو..هذا دليل ان عشتار مساحتها واسعة للعراقيين بشكل عام ،ولكى تظهر بشكل افضل علينا بزيادة الكوادر المتخصصة لا العشوائية وادخال تقنيات احدث للتصوير والاخراج والاضاءة وغيرها ..ونتمنى ان تتحقق حتى تتواصل عشتار بجمالها ورونقها التاريخى وقيمة اسم عشتار ليمتد مستقبلا لاجيالنا انشاءلله
*لو عدت الى نقطة البداية ،هل ستمضين بنفس المسار الذي كنت عليه أم أن هنالك محطات اخرى ستمرّين عليها كانت قد فاتتك في الفرصة الاولى ؟
-انا لو عدت الى نقطة البداية صدقنى ساتوجه الى تلفزيون العراق لأعمل مقدمة برامج ولكن كنت ساختار الدراسة فى مجال الاخراج التلفزيونى لجانب عملى كمذيعة ومقدمة برامج لانني احب مجال الاخراج ايضا إلى  جانب عملى،  ودائما مااتابع البرامج اعدادا وتقديما واخراجا .
*مالذي يشغلك الان ؟ ماهي الاحلام ؟ ماهي المشاريع التي تنوين تحقيقها؟
-انا دائما يشغلنى إيجاد الافكار لخلق برامج جديدة، والمعروف عنى من قبل زملائي  أنني احب البرامج التى من  الممكن ان تتواصل وتطول لسنوات يعنى البرامج (المعمرة ) كل برامجى تتواصل سنوات لانى انا شخصيا اتبناها واسقيها حتى تورق وتثمر وتنجح .. بصراحة امنيتى وحلمى ان اعمل برنامج كبير لابناء شعبنا الكلدانى السريانى الاشورى واكون معهم فى كل يومياتهم ، اصل اليهم بالطائرة اينما كانوا ومعى الكاميرا التلفزيونية وانقل للعالم اجمع مدى وقوة وتاريخ هذا الشعب العظيم




222 رواق

رواق 222 اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي 2/ 11 / 2017 - المحكمة العسكرية تقرر اعدام مهدي الغرواي قائد عمليات نينوى الاسبق . - سيارات موني...