السبت، 22 يونيو، 2013

في الزمان الطبعة الدولية -السنة السادسة عشرة -العدد 4536 -
السبت 12 من شعبان 1434 ه-22حزيران(يونيو)2013م .

رواية .. أنا،هي والاخريات
للكاتبة اللبنانية .. جنى فواز الحسن                
                                 تَعرية ُ الأنَا في ستراتيجية البوح 
                                                               
                                                                                                          مروان ياسين الدليمي
إصدار الدار العربية للعلوم ناشرون
الطبعة الثانية 2013  م
تم ترشيحها لجائزة البوكر العربية لعام 2013القائمة القصيرة.
                                                      
وضعت الروائية جنى فوازالحسن تقانة المنولوج أداة فاعلة ومهيمنة في نصِّهاالروائي(أنا،هي الأخريات)،معتمدة على الساردالذاتي بصيغة ضميرالمتكلم، لتُمكِّن (سحر)الشخصية الساردة،عبرهذه الآلية تمريرافكارهاومشاعرها،بأعتبارها أمرأة تعيش حالة انتظاردائم لذاتهاالتي كانت تهرب منها إلى البعيد:"لطالما وقفتُ على مسافة من حياتي وتركتُها تحدُث.لعبتُ دورالمتفرج فيها.انفصلتُ،بشكل أوآخرعن الواقع،كأنه لايعنيني،وكأن هذه الأنا التي تعيش فعلاً،تقابلها أنا أخرى تراقب الأحداث وتسجلها" .
إنَّ ضميرالمتكلم تولى سرد الحكاية بكل تشظياتها دون أن يكون هنالك ضميرآخر يقاسمه لعب هذا الدورالسردي،من هنا كان خياراللجوءالى هذه التقانة بهدف تحقيق قدرعال ٍ من التفاعل والتواصل بين القارىء والشخصية،دون أن يكون هنالك حواجزتمنع الوصول بهذا الهدف إلى ذروة ماكانت تصبو إليه جنى الحسن.
سحر :"أحببت ألأشياء التي أقامت فقط في داخلي.وكنتُ أشعربالأمان حين أنسج الوقائع في خيالي،وأحيا تفاصيلها حينا ً،ثم أنهيها وقتما أشاء. وبرغم أني لم أميّز متى أصبحتُ فعلا موجودة ومتى كنتُ غائبة،عرفتُ أنّها أنا التي تتحكم بزمام الامور. "
في كتابه المعنون(في نظرية الرواية ) يورد الدكتورعبد المللك مرتاض بهذا الصدد،عددا ًمن الخصائص التي ينفرد بها ضميرالمتكلم، منها :"إن ضمير المتكلم أكثر تحكُّما ًمن الضميرالغائب في مجاهل النفس،وغياهب الروح،إذ أن ضميرالسردالمُناجاتي يستطيع التوغل إلى أعماق النفس البشرية فيعرّيها بصدق،ويكشف عن نواياها بحق ويقدمهاإلى القارىء كما هي لاكما يجب أن تكون.".. ضمن هذا الإطار تأتي عتبة الاهداء التي استعارتها المؤلفة من أقوال المناضل الافريقي نيلسون منديلا :" إلى أمي .. إني أتجوّل بين عالمين،أحدهما ميت والآخرعاجزأن يولد،وليس هناك مكان حتى الآن أريح عليه رأسي ".
مدلولات هذه الجملة تفتح الباب أمام القارىء لكي يكون متهيأ ًفي استقبال نص سردي تتشظى فيه الشخصية الساردة إلى عالمين متقابلين ومتداخلين حدَّ التماهي،من غيرأن نغفل عتبة العنوان ألذي شحنَت فيه المؤلفة الاشكالية التي تعيشها سحر،ليعكس تركيب الجملة لغويا ً أنشطارها الواضح : أنا /هي والاخريات.
سلطةُ البَوح
البوح لدى السارد/ الشخصية المحورية لم يكن إلاّ رد فعل على الصمت المطبق الذي فرَض حضوره على كل شيء في المنزل الذي تربّت فيه طيلة حياتها ، :"سأواصل الحكي لأمرواحد لاغير،متعة القول،وربما متعة البوح أومتعة الكذب ."
تبدو ستراتيجية البوح لدى سحر أشبه "بمسدس مكتوم الصوت،به ضغط متواصل على الزناد.تنطلق منه الطلقات وتنغرس عميقا ً فينا، من دون أن تحدث أي ضجيج ". . ألوحدة التي فُرِضت على سحر منذ طفولتها كانت عاملا أساسيا ً دفعها للبحث عن وسيلة في ذاتها كي ترى ذاتها المقموعة،وذلك من خلال السعي للاتصال بذات الاخرين حتى لوكان ذلك عبر آلية التخييل :"عندما كنت طفلة . . كنت أطل من شباك غرفتي،المَحمي بشبكةحديدية،وأتأمل الطرقات والمارّة،وأبدأ بنسج حكاياهم،أو أحاول تخمين إتجاهاتهم ومشاغلهم.كان ألآخردوما ً لغزا ً مُحيرا ً بالنسبة إلي،عَالمَا ً يجب اختراقه ومعرفة مايدورفيه،ليس من باب الفضول وحده . كانت رغبة أحسبُها أبصَرَتْ النورقبلي وتلقتني عندما لفظتُ أوّل أنفاسي لتسكنها .عاشت الأنا التي كانت تخبرني الحكايا مع ذاك الآخر وبَقيتْ الأنا الأخرى حبيسة قفص تتفرج من خلف قضبانه على أحوال الدنيا ."
حضوركينونة المرأة المقهورة والمُستَلبة والمُغَيّبة،جاء طاغيا ومهيمنا ًفي البنية السردية،سَعَت من خلالها جنى الحسن لكشف الخيبات والاحزان التي تعصف بالمرأة العربية ممثلة بالنماذج التي طرحتها في نصها هذا (سحر،هالة،سامية،أم زينب،الأم) وهي تعيش في بيئة مشروطة بقيود وموروثات ثقيلة تتداخل فيها الخرافات مع القيم السماوية،وتتهشم تحت عبئها احلام وامنيات انسانية،لتصبح المرأة بالتالي كيانا ً هشا ً،ضائعا ً، تائها ً.
في كل الحالات المطروحة في هذا النص، تبدو النماذج النسوية كائنات مأزومات يخضعن للعبودية :(سحر) تقع تحت رحمة عنف واغتصاب دائم لها من قبل زوجها :"كان يرصد تحركاتي بتعجرف ويقترب لمضاجعتي،كأني ذاك الجسد الذي لامأوى له سواه،فأرضخ فاقدة أيّة لذة ،لأني أثناءها أكون ذاك الجسد،اللاشيء الذي يحوّلهُ هو عبر التواصل معه إلى صورة ربما،أو مجرد إطار." (سحر) مع بقية نساء الرواية كن َّ بحاجة إلى الآخر،حتى لوكان مجرد وهم ٍ أو شبح ٍ ليخفف عنهن وطأة الوحدة.فأستغرقنَ بأحلام ٍ مثالية عن الحب والعطاء لاوجود لها في حياتهن.
سحر:"أغرمتُ برجال مختلقين كلياً وتحركتُ في سريري في تنفس خفيف ومتباعد وأنا أراهم يعبرون في داخلي .كان من الممكن ألاّ يكون ذاك الآخر واقعا ً،ولكن لم يكن ممكنا ً ألاّ أوجده،فقد كان كغيمة ِدخان ٍ يتجسد أمامي في كل لحظة،ويكسو فضاء الغرفة،لإبدأ في مطاردته حتى يتبخر.والأن وأنا أسأل نفسي كم من الرجال عَرَف خيالي،عشرة أو أكثر؟لم أعد أدري ."
 تكتشف سحر في وقت متأخر،بعد سنوات من ارتباطها بسامي بأن الزواج ليس سوى تحوّل تام إلى كل ماكانت قد هربت منه،فصارت تتملكها رغبة صاخبة بالضحك أوربما بالبكاء.فأصبَحتْ نسخة من والدتها وبشكل اقسى، الى الحد الذي تحولت فيه الى أداة متعة لسامي بعد أن حولها الى جسدٍ رمادي يلتهمه بسرعة ويعوّدهُ على الاساءة.
نماذج النساء في هذا النص كنّ هاربات نحو الآخر/الرجل ليتدثرن به وليعثرنَ من خلاله على انفسهن وعلى حقهن المسلوب وبأنهن ذوات موجودات في مكان ما.
(ساميّة)عمّة سحر،هي الاخرى،تقع ضحية خيانةغيرمتوقعة،ألحقها بها عشيقها الذي عاندت الدنيا من أجل أن تكون له،لكنه ضعف في منتصف الطريق ولم يصمُد مثلها في رحلة تحدي الاهل والاقارب المعترضين على ارتباطهما فاختار بدلاً عنهاأمرأة أخرى. .(هالة) صديقة سحرالحميمة إختارت أن تكون سلعة بإرادتها،لكي يستمتع بها من تختارهم من الرجال العابرين بنفسها ليناموا معها،وقد جاء موقفها المتمرد هذا بعد خيبتها التي  تسبب بها حبيبها(أحمد)بعد أن كانت قد منحته روحها قبل جسدها لكنه غاب عنها فجأة دون سابق انذار ليتزوج بأمرأة مُحجّبة ! فوجدت حقّها في أن تخوض بذاتها كل يوم تجربة جديدة مع رجل جديد دفاعا ً عن ذاتها وحريتها .
سلطة المكان
لم يقتصر تأثير المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية (مدينة طرابلس في شمال لبنان) بكل قيمها المحافظة والافكارالدينية المُتطرفة التي باتت تهيمن عليها بعد العقد التاسع من القرن العشرين،على المرأة فقط،بل تعدى ذلك التأثيرليطول الرجل أيضا ً،فوالد سحر،المناضل اليساري،باتت تحكمه  مشاعرهزيمة ٍمُرَّة ٍلايُقرُّها بعد أن شهد سقوط الاتحاد السوفيتي،الذي كان يعدّه نموذجا ً يحتذى به لمجتمع ثوري مثالي،نجح في أقام العدالة الاجتماعية وأزال الفوارق بين الطبقات،فتسبب هذا السقوط في دخوله مرحلة من العجزالتام،فقد فيهاالقدرة على الاستمتاع بأي شيء،حتى مضاجعته لزوجته. فتحول قضيبه إلى عضو ٍمنسي وعَصيّ على الانتصاب،رافضا ولوجَ امرأةٍ،عداعن أرملته / الثورة.منزويا ًمع أوهامه الشيوعية وخيالاته الثورية بعيدا ًعن نبض الحياة،منفصلاعنها،مُكدِّسا ًخيباته المتواصلة التي أوقع اللوم فيها على الله " ذاك الذي لم يُشِرْ إليه في أيّة مناسبة ".مهزوما ًأمام فكر ٍ ديني متطرف،كانت الاشارة اليه واضحة عبر شخصية (إبراهيم) الذي انتهى به المطاف إلى أن يتوجّه للعراق من أجل القتال تحت راية الجهاد،ولتختفي أخباره هناك.
عنصرالمكان في هذالنص يشكل فضاء حاضنا للشخصيات،بموجبه تحددت العلاقات المُلتبسة التي إرتبطت بها حيوات الشخصيات مع بعضها البعض ومع المحيط بكل مفرداته وتفاصيله الانسانية والمادية،فكانت صلة المكان  وثيقة بالمكونات السردية،احداثاً وشخصيات.وضمن هذا الاطار يبرز (سامي) زوج (سحر)الذي لم يكن مواظبا على أداء الطقوس الدينية اليومية، لكنه بات حريصا على تأكيد انتمائه لهويته الاسلامية بعد أن شاعت الافكار الدينية المتطرفة في المدينة ليمنحه هذا الأنتماء إحساسا ًبالفوقية تجاه الطوائف الاخرى .
سحر:"اكثرماكان يضايقني ويثيرالنقمة في داخلي كان الزّيف الذي رأيته في كل مكان .وقد بدا لي أن جميع من حولي لايعيشون فعليا ً،إنما يتظاهرون بالعيش،وأنهم ولدوا في قوالب معدنية جاهزة،وفضلوا البقاء فيها متخاذلين ومتقاعسين عن الخروج من تلك العلب.وكنت أسأل نفسي هل لهم مثلي منازل في الخيال وحيوات أخرى،أم أن رغباتهم ميتة،وهل جميعنا ننساق إراديا ً تحت سطوة التقاليد والعيب والحلال والحرام،أم أن البعض مستفيد من نمط العيش المرتكزعلى الحياة - الموت،لأنه يعزز الخمول ويوجد مبررا ً له ؟ وهل الرضى والسكوت نعمة نعيش تحت ظلالها آمنين أم أنّه نقمة تقتل كل مافينا من شرارة وتشعرنا دوما ً أننا لانملك مايكفي لمواجهة الحياة ؟ "
كبرت الهوّة بين سحر وبين الحياة وتاهت منها نفسها،ولتمسخها علاقات مُلتبسة مع كل شيء،مذ كانت طفلة،وقد حسبتها حقيقة،ولم تدرك كونها مختلفة إلاّ في مرحلة متأخرة من عمرها،وأن ّلهذا الاختلاف ثمنا ًباهظا وضريبة مؤلمة تدعى الوحدة،سواء كانت طوعا ًأو قسرا ً،ولم تعد تذكرأين ترَكَت ذاتها،تلك التي كانت تهرب من اعماقها وتجول في الخارج،كان عجزها وفشلها شديدا حتى أنها لم تجروء على أن تعلن ثورتها بوجه والدتها ووالدها بعد أن فشلت محاولتها بالانتحار وتم أنقاذها فبقيت ثورتها أمنية مكبوتة في داخلها .
سحر:"ولمّا دخلوا ليطمئنوا عليّ،انتابتني نوبة مريرة من الذعر وأردت أن اصرخ،أنه يدعى أرنستو جيفارا ياأمي،ولقد إنهارالاتحاد السوفياتي ياأبي.ونحن لسنا عائلة سعيدة،ولامثالية.نحن بؤساء.وأنا أريد أن أحيا.لاأريد أن أحيا بأقل مايمكن،بل بأكثرمن كل ّذلك بكثير.أريد مشاعر حيّة.سئمت جدرانكم الباردة.ألاتدركون كم نحن تعساء ؟متى سمعتم الموسيقى؟أريد أن أشعر بالفرح.هل ماأطلب كثير؟ أريد بعضا ً من الطمأنينة والسكينة.أريدكم أن تخرجوا مني جميعكم .أريد أن أكون أنا .أريد أن أكون مُطلّقة.لاأريد أن يضربني رجل.أريد أن أفتح روحي لغدٍ متجدد بالامل والاشراق. "
 عجزت (سحر) عن التقاط ذاتها  في يوم من الايام،فاستسلمت لكل الخواء لاإراديا ً،بل تواطأت مع والدتها على ضرورة إخفاء أيّة علاقة لجسدها مع الحياة،فلم يكن مسموحا لها أن تخفف من سماكة حاجبيها أو أن تغيّرمن تسريحة شعرها عندما كانت تدرس في الجامعة،فقدضمن بذلك والديها أن تبقى في معزل عن الانوثة .
هذا السياق البنائي لمأزوميّة الشخصية الرئيسية تشابكت ظلاله مع بقية الشخصيات نساءً ورجالا ًوفرض حضوره حتى السطور الاخيرة من الرواية،عندما تخاطب سحرمسؤول الأمن في مطار بيروت بعد أن إقترب منها ليختم جواز سفرها وهي تهمُّ بالسفر: أرجوك لاتفعل ...لقد حصل التباس ياسيدي .أدعى هالة ولاأريد السفر،لدي أبنة تدعى فرح في انتظاري". .
ليست (سحر) في هذا النص سوى شهرزاد أخرى،لاعلاقة لها بشهرزاد الف ليلة وليلة،تلك التي استثمرت ذكاءها وقدراتها لمواجهة سلطة تسعى لتغييبها،وتمكنت من النفاذ بذاتها من سلطة الآخر.. بينما سحرفي هذا النص،لاتنتمي لنفسها،وآثرت الأنزواء خلف زمنها، فمضت بها حياة طويلة من دون أن تعرف إن كانت حيّة فعلا ً:"في مرات كثيرة،كنتُ أشعر برغبة فعلية في الغياب والاختفاءوالتحول إلى ذاك العدم الذي لم أعرف سواه منذ طفولتي ".

الاثنين، 17 يونيو، 2013

الزمان -الطبعة الدولية -السنة السادسة عشرة.
 -العدد-4532-الاثنين7من شعبان 1432ه17من حزيران (يونيو)2013م

الأربعاء، 12 يونيو، 2013

ماكتبه الشاعر د. اياد العبار من قراءة نقدية والمنشورة في جريدة الحدباء الموصلية العدد (1450) السنة الثالثة والثلاثون / الثلاثاء 21 ايار 2013 .

                                             قراءة في الكمِّيَّاتِ المُتـَّجَهةّ!
قراءة نقدية للنص الشعري: مُنعطف الوقت للشاعر مروان ياسين الدليمي

إياد العبّار /تورينو / ايطاليا 

 
ساعةَ امسَكَتْ الخاتمة ُغفوتَنا/عَبَرنا بلاداً/ أستيقظت منازلها/على/ وشم العتاد ./أنَذَاك/ ثقبنا أجراسَ الهواء /مُلطّخاً/ بأحذية خلفها غُربَاء .
الزمان والمكان كميتان متجهتان وكل كمية متجهة هي ذات أبعاد ثلاث تتحدد بالكم والنوع والسببية وهي في نفس الوقت ذات مسار معين لا يتغير إلا َّ إذا عبر من حيز الى آخر. والإنعطاف "الإنكسار"لا يكون إلا َّ رَدَّة فعل لحدث سابق له، كأنَّ الكمية المتجهة تعبر من حالة الى أخرى أو من حيِّز ٍ ذي كثافة الى حيز ٍ ذي كثافة أخرى، مثلا إنكسار الضوء أو غيره عندما يمر من الهواء الى الماء. الوقت وهو كمية مُتـَّجهة يحتوي على كل تلك الصفات الآنفة الذكر والى جانبها فإنـَّه يتقلـَّدُ الفرح والمأساة، الحزن والسعادة، الألم والطوبى، الحَيْرى والطمأنينة. ومنعطف الوقت سيُؤدِّي حتما ً الى ما كنـّا لا نعرفه وكان مجهولا وربما لم يكن بالحسبان أو على الأقل لم يكن مُتـَوَقـَّعا ً. الوقت دائما له ثلاث حالات ملتصقة ببعضها ولا تفترق أبدا هذه الحالات هي الماضي والحاضر والمستقبل. الماضي والمستقبل هما حالتان متناقضتان، الأولى محددة وكانت قد بدأت وأنتهت فهي حالة مُعَرَّفـَة بـ"الـ" التعريف! وأمّا المستقبل فهو على العكس بالضبط: هو حالة تكمن في المجهول.
" وأَعْلـَمُ مَا فِي الْيَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَـهُ وَلكِنَّنِـي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَـمِ"
المستقبل له ما ليس لنا فهو دائما يسبق ملكيتنا وما نستطيع أن نتملـَّكُهُ ويتعداها، يفوق قوتنا ويقف لنا بالمرصاد، إنـَّه من مُلك "ﭙروميثيوس" "Prometeo" حسب عقائد المثولوجيا الأغريقية ـ اللاتينية! أمّا "اليوم" فهو ليس إلا َّ وليد المستقبل وميت الماضي وهو حالة من القلق وعدم الإستقرار! الحاضر هو تفاعل وانفعال، كسب وخسران، حرب وسلام، حب وكراهية، غبن وثقة، صداقة وخيانة، بحث وإكتشاف، نجاح وخيبة، صراع مستمر يطول لحظة واحدة! ولكن هذه اللحظة في أحيان يكون الأحساس بها دهرا بكامله، عمرا بطوله وعرضه، هذه اللحظة التي هي وليدة المستقبل وميِّتـَةُ الماضي هي ذاتها الوجود الحقيقي لكل مخلوق موَّاتٍ:"موجود لغيره" أو "ممكن الوجود"! "منعطف الوقت" كان في لحظة من عمرنا، من عمر الشاعر مروان الدليمي، وهاهي هذه اللحظة دائمة قائمة فيه وفينا ـ ما أقام عسيب ـ! هي ساعة الخاتمة التي طوَّقتـْنا وأمسكت بنا على حين غفلة، تلك الغفلة كانت مُقـَدَّرة من قبل ولم نكن لِنـُحِسَّها بسبب غفوتنا؟! هل هذا صحيح؟ هل كنـَّا نائمين؟! لا أعتقد ذلك! لقد كنـَّا وسُمُّ الموت في أجسادنا وأرواحنا والشاعر كي يُخـَفـِّفَ الوطـْأَة علينا وثقل الذنب قال: " ساعةَ امسَكَتْ الخاتمة ُغفوتَنا"! فالشاعر ـ أوَّابٌ مُنيب ـ يخاف أن يجرحنا أكثر ممّا جُرِحْنا، أن يقتلنا أكثر ممّا قـُتِلـْنا. "الخاتمة" يُمكنُ أن تكون بداية فمنعطف الوقت هو بداية للإستمرار في العيش في وقت آخر وهو بذاته ليس إلا َّ شكلا ً أخرَ "للممكن الوجود" هذا الشكل والمضمون لهذا الإنعطاف هو العبودية ـ الخسران ـ الحزن ـ والرؤيا الأخيرة التي ملؤها المأساة والألم: بلادٌ منازلها استيقضت على وشم العتاد!الوشم هو ذاك الذي سببه الرصاص والقنابل والقصف والخراب، إنه وشم معركة وحرب لا تزال قائمة على قدم وساق، حرب مُستعمِر ٍ أتي من من الخارج ومن بعيد، وحرب دائمة من الداخل، داخل الجسد الموشوم والموسوم بانفصال وتناقض أطرافه ومكوناته لما تحويها من سموم الماضي البعيد والقريب، بطائفية الحاضر التي تحوي كل جهل وغباء الماضي ومجهول المستقبل، تلك الطائفية التي تفشت كالسرطان في حاضر الوجود، الوجود كله عقلا وفكرا، جسدا وروحا ولم تـَعُدْ تـُحِسُّ بآثار أحذية الغرباء الذين داسوا على شرف وكرامة وجود الأنسان بذاته وفي ذاته!
كفَرنَا برائحة التراب /وكأناّ صدّقنا ثانية ً/بأنّا سنشربُ كؤوسَ المشهد ِ /مُعمَّداً بالغَسقْ ،/وأنّ المقاهي ستحل ُّ بعد قليل لغزَ/عُزلتِنا/ والحكماء سيقطنون عَنابرَمن تورّط بالحروبِ/ والرهاناتِ الخاسرةِ ،/وأننا بعد هذا :/لن نَتَلفَتَ بِرجولتِنا/ولن نرسم أمطارَنا/ وشهوتَنا للبحر / ورائحةَ النساءِ.
عندما تصل المعاناة حدَّا ً لا يُطاق والألم يزيد على مجرَّد "غمامة صيفٍ عَنْ قرِيبٍ تـَقـْشَعُ" والحزن يُمسي المأكل والمشرب والهندام والمأوى، عندما اليأس يرتدي جلباب الأمل والخيانة تتزوَّقُ وتتجمَّل لابسة ً قناع الثقة وتنقلب الأشياء على عكس ما هي عليه ويسقط الوجود كلـُّهُ في أقصى الحضيض فإنَّ ـ الرجل، الإنسان، الشاعر، الفنان، المفكرـ (يكفر)! كلُّ شيئٍ يكفر بكلِّ شيئ، وإذا "كفرنا برائحة التراب "فنحن في حالة من المستحيل أن تصفها الكلمات أو أن يـُطِيلـَها أي تعبير يُفـْصِحُ عنها. "التعميد" مفهوم يدلُّ على التطهير من الدنس والزيف والإثم، وإذا أصبح المشهد أمامنا معمددأ ً بالغسق ـ الدم فهو سيكون طاهرا وخالصا من كلِّ ما يشوب ذاته وشكله، ظاهره وباطنه. الخدعة هي ها هنا: أن تظهر الأشياء على غير حقيقتها وعلى الشاعر أن يكشف هذه الخدعة! كنـّا فيما مضى قد عَلـَّمونا بإنَّ الشاعر ـ الفنان هو أكذب الخلق! وهو الذي يرسم الواقع ـ الطبيعة بغير ماهي عليه وكلمـَّا كان كذبه أكبر كلما كانت قصيدته تزداد روعة وجمالا ً! أمّا اليوم فالشاعر يبدو أكثر صدقا من الواقع ذاته، بل هو مرآة صادقة في عكسها لصورة الواقع دون أن تستبدل يمنها بشمالها، دون أن تغير أو تزيد من ألوانها وشكلها، دون إضافة أو نقصان لأن الواقع قد ارتدى جلباب الرمز، الرومانسية والسريالية وها هو الشاعر يُعيدُ صورة الواقع الى حقيقته! أن يُصَدِّقَ من يرى كلَّ ما أمامه من زيف سيصبح حتما في حالة من الغثيان والشرود والسحر الذي يشلُّ إرادته ويعطـِّلها بحيث أنـَّه سَيُصَدِّق! بينما الشاعر يستخدم الكلمة، المفردة، وهي من أخوات "إنَّ" اللاتي لم يزلـْنَ على قيد الحياة :(كأنَّ) ! كأنَّ هذه هي للتشبيه لا غير، فالشاعر لم ينخدع بما أمامه من واقع مزيف: المقاهي التي سيكون بإمكانها أن تحلَّ اللغز[ بينما نلعب الطاولة والدمينو والنرد وغيرها ونحتسي الشاي الغامق الحمرة الشبيه بدمائنا بل كان قد اُسْتـُقـْطِرَ من دمائنا]، لغزالعزلة، وتعرف سبب نزول الحكماء وعيشهم في عنابر أولئك الذين تورطوا بالحرب والرهانات الخاسرة! وهذا ما سوف لن يحدث، فهل سيمكننا أن نلتفت برجولتنا ونرسم أمطارنا وشهوتنا للبحر ورائحة النساء؟!
رحيلنا ،/على تلك النوافذ ... حِدادْ/مُشتهانا بلادْ./ فوق كنيسةِ الساعة -1-/ كم أيقظَ نعاس الشمس/ رنين الناقوس./ كم أقتربنا من/رجولتنا/ وابتعدنا كثيراًعن طفولتِنا فأنكسرنا/ وانكسرنا/ وانكسرنا./ حفاةً نمضي/ يُظَلِلُنا الغبار.
الحداد أكثر ألما من الجرح ـ الموت، الحداد عندما يكون نافذة ستصبح كل الدنيا عبارة عن مأتم، كل ما نراه، نـُحِسُّهُ، نفكر به سيصبح مأتم؛ الوجود كله مأتم! وكل ما سنشتهيه هو بيت ـ بلاد تستر عورتنا وضعفنا وقلة حيلتنا! هناك حيث "كنيسة الساعة" حيث ربى الشاعر وربيت أنا أيضا، الكنيسة ونواقيسها التي كانت توقض نعاسنا ونعاس الشمس عندما كنـَّا نستغرق في نومنا على سطوح المنازل في ليلة تحفها النجوم والصيف يُهدهدُ هواءها العليل! تلك الكنيسة وتلك " نينوى"! نحن كلما رحلنا واقتربنا وأصبحنا تمائم في أحشاء رجولتنا كلما ابتعدنا عن طفولتنا وانكسرنا، تفتتنا، تبعثرنا وفقدنا قوة سفرنا وترحالنا إذ أصبحنا حفاة! يقول أحد أمثال شعب روما: "يكفينا حذاء جديد والقليل من الصحة كي ندور حول العالم كله"! ولكننا حفاة يظللنا الغبار ونحن نمضي عابرون الى القرارة!
عندما يُلـْبـِسُ الشاعر الواقعَ جلباب الرومانسية والرمزية والمثالية والسوريالية سنقول عنه كاذبا متغطرسا يتلاعب بالحقيقة والواقع! ولكن عندما ينزع الشاعر كل هؤلاء عن الحقيقة والواقع ويُرينا إياهم عاريين كما خلقهم الله فماذا سنسمي الشاعر الفنان حينها؟!
بكامل ِوعيِنا /شطَبنا الياسمينَ/ مِن وجوهِنا/ تعقَّبْنا أناقة/النُّعاس في رطوبةِ أزقَّتِنا/ علّقنا رائحة َالاوتارِعلى/ حيطان ِتوبتِنا، /كأنَّ رحيلنا
مُذ خَرَجنا من رعشة ِأُمهاتِنا/ يلفّقُ المنافي لنا/ أينما أتجهنا .
الوعي هو كل ما يملكه المخلوق من وجوده الحقيقي وإذا فقده فإن كل ما يمكن أن يكون من بعد ذلك فهو هرطقة لا وجود لها، أو أنها محض حالة، غيمة عن قريب تقشع! الصورة الشعرية هنا تفوق عمل صانع الفخار الذي يحاول أن يكسر ويحطم كل ما صنعه من قحوف وجرار وآنية كي يبيعها ويعيش بذلك الثمن الزهيد بقية حياته، ولكن ها هو يحطمها، يحطمها ويكسرها فقط لأنه قد جُنَّ بالعشق، إنه قد محى الياسمين من وجهه فهو لا يهمه أن يتزوَّق أو أن يتحلـَّى بالياسمين ورائحته العبقة، بل سيبقى ملطخا بالطين وعالقا به من رأسه وحتى قدميه، فرائحة الطين هي وجوده الحقيقي والذي سيودي به الى الفوز! ذلك كي يتعقب آثار عشيقته: أناقة النعاس في رطوبة الأزقة القديمة [ أزقة أحياء باب لكش، باب البيض، باب الطوب، الدواسة، النبي شيت، الساعة، السرجخانة وغيرها وغيرها...]، إنـَّه سيفوز مُعلـِّقا رائحة الأوتار، رائحة العزف على حيطان التوبة؛ كل هذا هو الظاهر من الأمر، أمّا الشاعر، وبالرغم من استعماله كلمة "كأنَّ"، فإنـَّهُ مُوقِنٌ بأنَّ ذلك ليس حقيقة، إنـَّه يعرف مسبقا ً بأنـَّه ومنذ لحظة خروجه من "رعشة إمه": لحظة الطـَّلـْقِ وآلامه، سوف يرافقه الرحيل وهذا الأخير بدوره سوف "يُلـَفـِّقُ" المنافي له، بل يجعله يعيشُها متوحِّدَةً بوجوده الغائص في رطوبة أزقته وأناقة نعاسها! إنه كغيره من مُشتهي بلاد " كنيسة الساعة" و"نينوى" سوف يكون منفيا ً أينما اتـَّجَه!
أودّ الانَ/ أن لاأستدلَّ على وجهي/ أن اشطُب سَمعي/ أن أطفىءَ بَصري ./ أنحدِرُ بالوصايا/ الى مُنعطفاتِ المراثي / أطيلُ انتظاري بعيدا ًعنها/ إلى أن يأتي نشيدُ العَدم .
بعد كل الذي حدث، بعد المجازر والدماء التي كان الغـَسَقُ قدِ اسْتدان منها اللون والطعم والرائحة، بعد القتل والتشريد والتعذيب والتهديد والأغتصاب والقهر، بعد الإحتلال والإنشقاق والذل والموت وبعد "كان ياما كان" يصل الرجل الى حالة قصوى لا يستطيع بها حتى الوجود كله بما فيه من قوة وعظمة أن يحتملها، هذه الحالة تفقده قوة الفعل والرد على على تلك بما يستطيع به الخلاص منها، فيصبح وجودا ضعيفا يحاول الهروب والتملص من مما يعتريه من خسران، هذه المحاولة هي ليست إلا َّ استمرار للحالة نفسها! الإستمرار بالتقهقر والإنحدار الى هاوية العدم. الرجل هو رجل كل زمان ومكان ولكنه هو ذاك، لا يستطيع أن يتخلض من سببيَّتِهِ. لا يستطيع أن يتعرى وينزع عنه هندامه القديم وإن كان قد تمزق وأصبح أوصالا لا تقيه من شيئ ولا تدل عن هويته أو أيِّ معنىً لوجوده؛ الشاعر يستمر في الإتجاه نفسه، المنحنى الذي تسير به حالته ليكملها وينهيها عن بكرة أبيها: هو لا يريد التعرف على وجهه حينما استدعته السلطات للتعرف على "ضحية العصر الكبرى"، أللا َّ يسمع، أللا َّ يرى، أن يرمي بالألوح ويكسِّرُها، يُفـَتـِّتـُها مُلـْقِيا ً بها على "منعطفات المراثي" وأن يقيم بعيدا عنها مطيلا إنتظاره حتى يأتي "نشيد" الموت.
هل أنا هُناك ؟/ أستيقظ ُخارج عُزلتي/ أُرَوِّضُ أعترافات أصابعي
أمدُّها من نافذتي/ لعلها في لحظة ٍ/ قَدْ تُمسِكُ غيمة ً هاربة ً/
من نينوى - 2 - .
إنـَّهُ مأزقٌ لا محالة منه، مأزق الوجود المفعم بالغربة والحزن والألم المُعَرَّف بـ "ألِفِ" التعريف الكبيرة وبالرغم من هذا فهو ألم مبهم! ألم العزلة والفراق المبللل بدمع لم تره العين من قبل، لم يسبق وأن ذاق اللسان ملوحته ومرارته، إنها دموع خفية تودي الى اعترافات الأصابع الممتدَّة الى نافذة، هي بذاتها متواجدة بين
"... تلك النوافذ . . حِدادْ"، إعترافات هذه الأصابع هي الرغبة والشوق الى غيمة، سحابة تمر، ربما، هاربة هي الأخرى من "نينوى" حاملة بعض، بعض، بعض ما تشتاق إليه الروح ويتوق إليه القلب.
خلفَ أسيجة ٍتتعقبني/ أجتازُ إنتظاري ،/ أنا الغريبُ هناك/ كما هُنا .
الغربة في رحم الأم، الغربة خارج رحم الأم "كأنَّ رحيلنا مُذ خَرَجنا من رعشة ِأُمهاتِنا"، الغربة في أصقاع بعيدة، في كلِّ مكان وزمان الغربة قدر كل أولئك الذين كانت قد زُرِعَتْ فيهم نخلة من نخيل العراق وياسمينة من يَسَامِين ِ "نينوى"! سبب هذه الغربة ليس المكان ولا الزمان، سَبَبـِيَّتـَهَا تكمن في قلب ذلك الحدث : الخروج من رعشة الأم! أن تكون غريبا هذا ليس معناه أن تتحرر من قيودك وتتخلص من جذورك، بل على العكس، إنك تزيد منها وتجعلها أثقل وأكثر قوة وصلابة، فالغربة تتضاعف وتصبح غربتان وثلاث وأربع و...الى ما لانهاية، ما لانهاية الغربة هي تلك "الأسيجة " التي لاتفتأ تتعقب وتفتش وتطوق "المغلوب على أمره" بالرغم من إمكانه أن يجتاز أنتظاره فهو سيبقى :" أنا الغريبُ هناك/ كما هُنا ."!
السكونُ/ الرجلُ الطاعنُ في السِّنِ/ وسائقُ التاكسي/والعابرون من المنافي تحت قلعة ِأربيل -3 -/ كُلهم/ يفتحُ خزائنَ الرّيبة ِ/ ليستجوب سحنتي.
إذا كنتَ غريبا ً حتى وإن كنت في رحم أمِّكَ، فستبقى كذلك أينما كنت وحللت وفي أيِّ زمان! أنت موسوم بهذه الغربة وموشوم بنارها حتى النخاع وكل من سيراك سـ "يفتحُ خزائنَ الرّيبة ِ" والشَّكِّ، سَيُقـَلـِّبُ كلَّ مايجده ويبحث في تلك الصناديق المغلـَّفة بالغبار والتي كان الدهر قد أكل عليها وشرب! وسيحاور ذاته وأدواته في خزائنه عَلـَّه سيجد "خاتم نبينا سليمان"! ويتعلم كل لغات مخاليق الله، سيتعلم لغتك، لغة "السكون" ولغة " الرجلُ الطاعنُ في السِّنِ" ولغة " سائقُ التاكسي" وسيدعو كل " العابرين من المنافي تحت قلعة ِأربيل" كي يجد الطريق إليك وسيستجوب سحنتك، سيبحث في خزائنه مرَّةً أخرى وأخرى وأخرى...حتى يلهث ويفهق ويتصبب العرق من جبينه وتجف شفاهه ! سيبحث عن أيِّ شيئ يستطيع به أن يَحُلَّ "عُقـْدَةً في لِسَانِك" ويجعلك تنطق، تحكي، حتى إذا لم تكن تفهم لغته ، سيطلب منك أن تكلـِّمَهُ "رمزا" وإن كانت آيتك "أللا َّ تـُكلـِّمَ النـَّاسَ ثـَلاثَ ... ـ قرون ٍـ سَوِيـَّا"! ويسأل: مَنْ...؟! وسيتكرر السؤال ألف ألف مرة وستكون الإجابة نفسها ألف ألف مرة؛ وبعد الإعياء والتعب، بعد خيبة الأمل والتراجع والأسى والأسف والحزن هل ياترى ستكون الإجابة كالتالي:
أجاَرَتـُنـَا إنَّ المَزَارَ قـَريـــــــــبُ وإنـِّي مُقِيمٌ ما أقـَامَ عَسِيــــــــــبُ
أجَارتـُنـَا إنَّ الخـُطـُوبَ تـَنـُـــوبُ وَإنـَّي مُقِيمٌ مَا أقـَامَ عَسِيـــــــــــبُ
أجَارَتـُنـَا إنـَّـا غـَرِيبَانِ هَاهُنـَــــــا وَكُلُّ غـَرِيبٍ لِلـْغـَرِيبِ نـَسِيـــــــبُ
فـَإنْ تـَصِلِينـَا فـَالقـَرَابَةُ بـَيْنـَنـَــــا وَإنْ تـَصْرِمِينـَا فـَالغـَرِيُب غـَرِيـبُ
أجَارَتـُنـَا مَافـَاتَ لـَيْسَ يَـــــؤُوبُ وَمَاهُوَ آتٍ فِي الزَّمَانِ قـَرِيــــــــبُ
وَلـَيْسَ غـَريبا ً مَنْ تـَنـَاءَتْ دِيَارُهُ وَلكِنْ مَنْ وَارَى التـُّرَابُ،غـَرِيـــبُ ؟؟؟!!!
ولكن ما سبب الغربة وما علتها؟ ماهو ذلك الحدث الجسيم الذي بوقوعه تكون الغربة نتيجة له؟ لماذا يتخلـَّى المرء عن ذاته، عن "الأنا" التي هي مصدر وجوده الأول وهويته في حياته على هذا الكوكب المسكين؟! هل هذا السبب كما يقول الطغرائي: "
إنَّ العُـــــــــلا حَــــــدَّثـَتـْنِي وَهْيَ صـَـــــــــادِقـَةٌ فِيمَا تُحـَــــــــــــــــــــــــدِّثُ أنَّ العِزَّ فِي النـُّقـَلِ ،
أم أنَّ القضية تتعلق بما كان يقوله المثاليون الألمان مثل هيجل"Hegel " وغيره: ـ الأنا تغترب عن ذاتها، فتتحول من "أنا" منتهية ومحدودة الى "أنا" غير منتهية وغير محدودة، أي لا نهائية ومطلقة! فهي "أنا" الإغتراب عن الذات و"أنا" المعرفة! وهل المعرفة هي سبب الإغتراب؟إنَّ كل ما يجعل الإنسان لا يشابه عصره وزمانه ومكان عيشيه سيجعله حتما غريبا عنهم بصيغة أو بأخرى :" الأعور في عالم العميان إما أن يكون دخيلا غريبا أو أن يكون ملكا"؟! هذا الإختلاف أهو الغربة؟ وإذا كان كذلك أهو مصدر المعاناة والحزن والألم والمأساة؟
مضى العُمر/ وانا لاأتقنُ إلا ّ لغَتي/ في شوارعَ/ تهدّمت أُنوثةُ النهار فيها/ وتعثّر الكلام بتجاعيدها .
"هذا العمر قضى" هذا ما قاله ويقوله الكثيرون! أمّا أن المرء وبعد أن مضى أكثر عمره وهو لا يجيد ولا يتقن ،بعد كل هذا وذاك، إلا َّ لغته فإنَّ هذا هو الفوز العظيم! هذا هو الصدق بكل أشكاله وجوهره، ما من شك بأن لغة الشاعر في هذه القصيدة هي لغة سَلِسَة ٌ واضحة لا شائبة فيها ولا أخطاءً لغوية أو نحوية أو إملائية كما في الكثير من القصائد والمجموعات الشعرية التي تصلني بطريقة أو أخرى للكثير من الشعراء الكبار منهم والصغار! لا شك من أن مروان الديليمي يجيد لغته ولسانه هو "لسان العرب"! وها هو يعترف بذلك وكأن معرفة اللغة هي ذنب قد اقترفه في زمان من يجهلون لغتهم وأصلهم وشرفهم من العرب الباقية التي لا حق لها في الوجود وقد كان من الأوْلـَى بها أن تلحق بـ "العرب البائدة"! هذا العمر قد مضى، أين؟ في " في شوارعَ/ تهدّمت أُنوثةُ النهار فيها/ وتعثّر الكلام بتجاعيدها ."هل أنوثة النهار تعني أن في تلك الشوارع، شوارع العمر لا تسير فيها إلا َّ المحجبات والاتي لا يُرى منهنَّ إلا َّ "حجما" داكن اللون أسودَ، دائريا ً أو مربعا ًأو مستطيلا ً لا يُدرَكُ منه الوجه من العقب ولا الرأس من القدمين؟ أم أن أنوثة النهار هي ذلك الحب الكامن في القلب والحشا لتلك الشوارع التي تؤدِّي الى "كنيسة الساعة" وتلك الشوارع التي تـُزَوِّقُ وجه وجسد "نينوى"؟ الشوارع المهدَّمة، التي انهار وتكسر وانهدم العمر فيها ولم تعُدْ إلا َّ أطلالا ً هاوية وعروشا خاوية! لغة الشاعر وإنْ كانت لغة جميلة ورائعة ورصينة ها هي تتعثر كما الكلام يتعثر في في تجاعيد ذلك الوجه ـ الشوارع!
اليومَ ، رزمتُ أختلافي مع المُتمترسينَ عند ظلال الخوف ،/ وهم ينصتون بشغف ٍلمشقَّة البلاد .
رَزَمَ: فعل ماض مبني على الفتح والـ "ت": فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره!!! ـ هكذا علـَّمونا في المدارس! رزم بمعنى حزم ونقول في ما نقول من تعابيرنا في لغتنا الجميلة: حزم الرجل متاعه للرحيل، ورزم التلميذ دفاتره للذهاب الى المدرسة! ورزم رجل الجبل " في العراق وفي الشمال منه عادة هو رجل كردي عراقي"صفائح التبغ اليابسة ليأخذها الى السوق ويبيعها لمدمني التبغ مثلي! وإنْ كان معنى رزم هو حزم ولكن يبقى الإختلاف بينهما كبيرا والشاعر استخدم في تعبيره الفعل "رَزَمَ" وليس "حَزَمَ"! هذا لأنَّ الشاعر لا
"لايُتقنُ إلا ّ لغَته" فهو قد رزم في آخر الأمر اختلافه مع المتمرسين عند ظلال الخوف منهم وعليهم بينما هم شاردون يتنصتون بشغف الى الأخبار وما يحدث من معاناة ومشقة في البلاد؛ الشاعر رزم دفاتره كأي تلميذ مجتهد وجبان في نفس الوقت وذهب في طريقه ليجلس على "باب الله" وهو يقول: من منكم أفقر مني فأنا لا أملك إلا َّ لغتي هذه، فيرد أحد المارة عليه قائلا ً: أنت أغنى ناس عصرك!
نينوى رتَّبَت شكلَ التراب على وجهي/ مَشَت بي الى سماء ٍمُرتبِكة
فهل من بلادٍ مثلها؟/ الشمسُ فيها باتت منازل للطارئين/ الساعةُ الانَ لهم/ ونحن على طاولة ٍللتجاذب/ نحدِّقُ في ساعة ِموتِنا.
في "مدينة السينما" "Cinecitta "في روما، في إحدى الأيام الخوالي كنت أتجول هناك ودخلت بناية وفي إحدى ردهاتها وجدتني أما باب غرفة، دخلت، وجدت الكثير من الممثلين والعاملين وهم في شغل شاغل من أمرهم: المُزوِّقون والمُهّنْدِمُون يعملون بكل اجتهاد لتحضير أزياء الممثلين من ملبس وتزويق، كنت أرى أحد الممثلين وهو جالس على كرسي أما مِرآة وعلى منضدة أمامه الكثير من القناني والأصباغ وأدوات التجميل وكان أثنان من المُزَوِّقين يعملون بكل تركيز على تهيئة ذلك الممثل للمشهد الآتي الذي سيبدأ تصويره بعد قليل! وها هو شاعرنا "الممثل الأول" في "مسرح العبث" أو في السينما "الواقعية الجديدة الإيطالية"! ها هي "نينوى" تـُزَوِّقُ وجهه وتـُعِدُّ شكله وهندامه للوقوف أمام عدسة آلة التصوير، أمام المخرج "مروان ياسين الدليمي"! نينوى رتَّبَتْ شكل التراب على وجه الشاعر وأخذته نحو سماء مرتبكة! (الحقيقة هي أن الإرتباك كان ارتباك الممثل وليس ارتباك المخرج ـ السماء). فهل من بلادٍ ـ عشيقة مثلها؟، كان مروان الشاعر يتمتم ويوهوس ويوشوش في إذن نفسه قائلا ً: هل من بلادٍ ـ عشيقة مثلها؟! يا حسرتي! الشمسُ فيها باتت منازل للطارئين/ الساعةُ الانَ لهم/ ونحن على طاولة ٍللتجاذب/ نحدِّقُ في ساعة ِموتِنا.كانت هذه الكلمات الأخيرة التي سمعتها من ذلك الممثل قبل وقوفه أمام عدسة آلة التصوير!
مُنعطفُ الوقتِ/ لا أبتداء/ ولا انتهاء له./هل أطعنُ ما أقولْ/ أم لا أطعنُ ولا أٌقولْ؟
المنعطفات هي ذاتها في كل زمان ومكان، المهم ليس هذا وإنما سبب تلك المنعطفات وعن هذه الأسباب كلها يجيبنا صديقنا العزيز الذي كان قد عاش من قبلنا وانعطف في إحدى منعطفات "نسبيَتِهِ" ولم يعُدْ أبدا، كان إسمه على ما أذكر "ألبيرت أينشتاين"! لك الخيار أيها الشاعر المأخوذ لبا وروحا وجسدا بحب عشيقتك وعشيقتي "نينوى"، لك أن تختار في أن تطعن ما تقول ، أو لا تطعن ولا تقول وتنعطف، ففي الحالتين ستكون معطوفا على ما قبلك وأنت بدورك سيكون هناك من هو معطوف عليك، فـ " مُنعطفُ الوقتِ/ لا أبتداء/ ولا انتهاء له.".
ماعدتُّ أٌبصرُ أيَّ طريق ٍ يقودني(إلى الظلمة) للظلمة/ كأناّ تقوَّسْناعلى الأسى/ وأفرَغْنَا بريدَ نا على وجه ِالعَتَبات.
الطرق الظلماء كثيرة ولا تكلفنا شيئا ً ويمكننا المشي بها كيفما أردنا ولكن طريق النور واحدة! ( هذا ما قاله جدي عنما كان يأكل الكبَّة الموصلية ويشرب من ماء دجلة!) ومن ثم هو أيضا وكأنـَّهُ تقوس على الأسى وأفرغ بريده على وجه العتبات!
هَرَبْنا/ ثم أحرَقْنا، أسماءَنا خَلفَنا/ ومَحَونا الطريقَ / فهل أخطأنا لمّا شَطَبْنا أخطاءَنا؟/ وإن كنّا لمْ نَزَلْ/ نَقطنُ ما شَطبْنا .
ها هو الشاعر يعترف ولا نعلم هل أن اعترافه هذا: صادقٌ أم لا! ولكن نحن نعرف مثله أيضا من أنه بعد الهروب سيكون الحرق وأن الأسماء وإن بقيت فلا معنىً لها ولا قيمة مادية أم أخلاقية كانت، ومعالجة الخطأ بالخطأ ليس فضيلة وإفراغ كيس بريدنا على العتبات سوف لن يخلصنا من قدر محتوم من قبل كان قد صدر قانون العمل به إجباريا ً!
13/ 3/2013
الهوامش
1- من أقدم الكنائس في الموصل.
2- التسميه التأريخيه (الاشورية) لمدينة الموصل.
3- قلعة تاريخية في وسط مدينة اربيل ( اربأيلو) لازالت شاخصة حتى الان. يعود تاريخها الى عصر الآشوريين والى حوالي الألف الأول قبل الميلاد.
هذه القصيدة لا تزيد عن اعتراف كامل، هذا الإعتراف مظلل ومخطوط بواقعية سوداء وملساء مثل الحجر الأسود! والحجر وإن حكى ويحكي بلغة صافية وشفافة تبقى لغته التي يفهمها فقط من كان على علم بالكيمياء والسيمياء وعلوم الباطنية، لغة الرجل المسن وسائق التكسي والعابرين...، لم تعد السوريالية ولا الرمزية المثالية لتطيق هذه النصوص فهي أبعد منهما بكثير، إنها الواقع البائس المؤلم بحدوده الضيقة وأجوائه المتخمة بالغازات السامة المميتة ولكننا، نحن لسنا إلا َّ حشرات نتحول ونتبدل ونكتسب دائما خاصيات أخرى وقوى هائلة تجعلنا نواكب العيش في هذا الواقع المأساوي لنتخذ من سمومه ومأساته طعاما وشرابا يومي وبذلك نحمد ونستغفر ونسأل إدامة هذه النعمة!

الثلاثاء، 11 يونيو، 2013


 قراءة نقدية للشاعر والناقد د. اياد العبار لنصيّ الشعري (منعطف الوقت ) . والمنشور في جريدة الحدباء الموصلية . في شهر ايار 2013 . وسبق للنص ان تم نشره في جريدة الزمان اللندنية .


                      قراءة في الكمِّيَّاتِ المُتـَّجَهةّ!

                      مُنعطف الوقت                              

ساعةَ امسَكَتْ الخاتمة ُغفوتَنا/عَبَرنا بلاداً/ أستيقظت منازلها/على/ وشم العتاد ./أنَذَاك/ ثقبنا أجراسَ الهواء /مُلطّخاً/ بأحذية خلفها غُربَاء .
الزمان والمكان كميتان متجهتان وكل كمية متجهة هي ذات أبعاد ثلاث تتحدد  بالكم والنوع والسببية وهي في نفس الوقت ذات مسار معين لا يتغير إلا َّ إذا عبر من حيز الى آخر. والإنعطاف "الإنكسار"لا يكون إلا َّ رَدَّة فعل لحدث سابق له، كأنَّ الكمية المتجهة تعبر من حالة الى أخرى أو من حيِّز ٍ ذي كثافة الى حيز ٍ ذي كثافة أخرى، مثلا إنكسار الضوء أو غيره عندما يمر من الهواء الى الماء. الوقت وهو كمية مُتـَّجهة يحتوي على كل تلك الصفات الآنفة الذكر والى جانبها فإنـَّه يتقلـَّدُ الفرح والمأساة، الحزن والسعادة، الألم والطوبى، الحَيْرى والطمأنينة. ومنعطف الوقت سيُؤدِّي حتما ً الى ما كنـّا لا نعرفه وكان مجهولا وربما لم يكن بالحسبان أو على الأقل لم يكن مُتـَوَقـَّعا ً. الوقت دائما له ثلاث حالات ملتصقة ببعضها ولا تفترق أبدا هذه الحالات هي الماضي والحاضر والمستقبل. الماضي والمستقبل هما حالتان متناقضتان، الأولى محددة وكانت قد بدأت وأنتهت فهي حالة مُعَرَّفـَة بـ"الـ" التعريف! وأمّا المستقبل فهو على العكس بالضبط: هو حالة تكمن في المجهول.
         " وأَعْلـَمُ مَا فِي الْيَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَـهُ   وَلكِنَّنِـي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَـمِ"[1]
المستقبل له ما ليس لنا فهو دائما يسبق ملكيتنا وما نستطيع أن نتملـَّكُهُ ويتعداها، يفوق قوتنا ويقف لنا بالمرصاد، إنـَّه من مُلك "ﭙروميثيوس" "Prometeo"[2] حسب  عقائد المثولوجيا الأغريقية ـ اللاتينية! أمّا "اليوم" فهو ليس إلا َّ وليد المستقبل وميت الماضي وهو حالة من القلق وعدم الإستقرار! الحاضر هو تفاعل وانفعال، كسب وخسران، حرب وسلام، حب وكراهية، غبن وثقة، صداقة وخيانة، بحث وإكتشاف، نجاح وخيبة، صراع مستمر يطول لحظة واحدة! ولكن هذه اللحظة في أحيان يكون الأحساس بها دهرا بكامله، عمرا بطوله وعرضه، هذه اللحظة التي هي وليدة المستقبل وميِّتـَةُ الماضي هي ذاتها الوجود الحقيقي لكل مخلوق موَّاتٍ:"موجود لغيره" أو "ممكن الوجود"! "منعطف الوقت" كان في لحظة من عمرنا، من عمر الشاعر مروان الدليمي، وهاهي هذه اللحظة دائمة قائمة فيه وفينا ـ ما أقام عسيب ـ! هي ساعة الخاتمة التي  طوَّقتـْنا وأمسكت بنا على حين غفلة، تلك الغفلة كانت مُقـَدَّرة من قبل ولم نكن لِنـُحِسَّها بسبب غفوتنا؟! هل هذا صحيح؟ هل كنـَّا نائمين؟! لا أعتقد ذلك! لقد كنـَّا وسُمُّ الموت في أجسادنا وأرواحنا والشاعر كي يُخـَفـِّفَ الوطـْأَة علينا وثقل الذنب قال: " ساعةَ امسَكَتْ الخاتمة ُغفوتَنا"! فالشاعر ـ أوَّابٌ مُنيب ـ يخاف أن يجرحنا أكثر ممّا جُرِحْنا، أن يقتلنا أكثر ممّا قـُتِلـْنا. "الخاتمة" يُمكنُ أن تكون بداية فمنعطف الوقت هو بداية للإستمرار في العيش في وقت آخر وهو بذاته ليس إلا َّ شكلا ً أخرَ "للممكن الوجود" هذا الشكل والمضمون لهذا الإنعطاف هو العبودية ـ الخسران ـ الحزن ـ والرؤيا الأخيرة التي ملؤها المأساة والألم: بلادٌ منازلها استيقضت على وشم العتاد!الوشم هو ذاك الذي سببه الرصاص والقنابل والقصف والخراب، إنه وشم معركة وحرب لا تزال قائمة على قدم وساق، حرب مُستعمِر ٍ أتي من من الخارج ومن بعيد، وحرب دائمة من الداخل، داخل الجسد الموشوم والموسوم بانفصال وتناقض أطرافه ومكوناته لما تحويها من سموم الماضي البعيد والقريب، بطائفية الحاضر التي تحوي كل جهل وغباء الماضي ومجهول المستقبل، تلك الطائفية التي تفشت كالسرطان في حاضر الوجود، الوجود كله عقلا وفكرا، جسدا وروحا ولم تـَعُدْ تـُحِسُّ  بآثار أحذية الغرباء الذين داسوا على شرف وكرامة وجود الأنسان بذاته وفي ذاته!
كفَرنَا برائحة التراب /وكأناّ صدّقنا ثانية ً/بأنّا سنشربُ كؤوسَ المشهد ِ /مُعمَّداً بالغَسقْ ،/وأنّ المقاهي ستحل ُّ بعد قليل  لغزَ/عُزلتِنا/ والحكماء سيقطنون عَنابرَمن تورّط  بالحروبِ/ والرهاناتِ  الخاسرةِ  ،/وأننا بعد هذا :/لن  نَتَلفَتَ بِرجولتِنا/ولن نرسم أمطارَنا/ وشهوتَنا للبحر / ورائحةَ النساءِ.
عندما تصل المعاناة حدَّا ً لا يُطاق والألم يزيد على مجرَّد "غمامة صيفٍ عَنْ قرِيبٍ تـَقـْشَعُ" والحزن يُمسي المأكل والمشرب والهندام والمأوى، عندما اليأس يرتدي جلباب الأمل والخيانة تتزوَّقُ وتتجمَّل لابسة ً قناع الثقة وتنقلب الأشياء على عكس ما هي عليه ويسقط الوجود كلـُّهُ في أقصى الحضيض فإنَّ ـ الرجل، الإنسان، الشاعر، الفنان، المفكرـ (يكفر)! كلُّ شيئٍ يكفر بكلِّ شيئ، وإذا "كفرنا برائحة التراب "فنحن في حالة من المستحيل أن تصفها الكلمات أو أن يـُطِيلـَها أي تعبير يُفـْصِحُ عنها. "التعميد" مفهوم يدلُّ على التطهير من الدنس والزيف والإثم، وإذا أصبح المشهد أمامنا معمددأ ً بالغسق ـ الدم فهو سيكون طاهرا وخالصا من كلِّ ما يشوب ذاته وشكله، ظاهره وباطنه. الخدعة هي ها هنا: أن تظهر الأشياء على غير حقيقتها وعلى الشاعر أن يكشف هذه الخدعة! كنـّا فيما مضى قد عَلـَّمونا بإنَّ الشاعر ـ الفنان هو أكذب الخلق! وهو الذي يرسم الواقع ـ الطبيعة بغير ماهي عليه وكلمـَّا كان كذبه أكبر كلما كانت قصيدته تزداد روعة وجمالا ً! أمّا اليوم فالشاعر يبدو أكثر صدقا من الواقع ذاته، بل هو مرآة صادقة في عكسها لصورة الواقع دون أن تستبدل يمنها بشمالها، دون أن تغير أو تزيد من ألوانها وشكلها، دون إضافة أو نقصان لأن الواقع قد ارتدى جلباب الرمز، الرومانسية والسريالية وها هو الشاعر يُعيدُ صورة الواقع الى حقيقته! أن يُصَدِّقَ من يرى كلَّ ما أمامه من زيف سيصبح حتما في حالة من الغثيان والشرود والسحر الذي يشلُّ إرادته ويعطـِّلها بحيث أنـَّه سَيُصَدِّق! بينما الشاعر يستخدم الكلمة، المفردة، وهي من أخوات "إنَّ" اللاتي لم يزلـْنَ على قيد الحياة :(كأنَّ) ! كأنَّ هذه هي للتشبيه لا غير، فالشاعر لم ينخدع بما أمامه من واقع مزيف: المقاهي التي سيكون بإمكانها أن تحلَّ اللغز[ بينما نلعب الطاولة والدمينو والنرد وغيرها ونحتسي الشاي الغامق الحمرة الشبيه بدمائنا بل كان قد اُسْتـُقـْطِرَ من دمائنا]، لغزالعزلة، وتعرف سبب نزول الحكماء وعيشهم في عنابر أولئك الذين تورطوا بالحرب والرهانات الخاسرة! وهذا ما سوف لن يحدث، فهل سيمكننا أن نلتفت برجولتنا ونرسم أمطارنا وشهوتنا للبحر ورائحة النساء؟!
رحيلنا ،/على تلك النوافذ ... حِدادْ/مُشتهانا بلادْ./ فوق كنيسةِ الساعة -1-/ كم أيقظَ نعاس الشمس/ رنين الناقوس./ كم أقتربنا من/رجولتنا/ وابتعدنا كثيراًعن طفولتِنا فأنكسرنا/ وانكسرنا/ وانكسرنا./ حفاةً نمضي/ يُظَلِلُنا الغبار.
الحداد أكثر ألما من الجرح ـ الموت، الحداد عندما يكون نافذة ستصبح كل الدنيا عبارة عن مأتم، كل ما نراه، نـُحِسُّهُ، نفكر به سيصبح مأتم؛ الوجود كله مأتم! وكل ما سنشتهيه هو بيت ـ بلاد  تستر عورتنا وضعفنا وقلة حيلتنا! هناك حيث "كنيسة الساعة" حيث ربى الشاعر وربيت أنا أيضا، الكنيسة ونواقيسها التي كانت توقض نعاسنا ونعاس الشمس عندما كنـَّا نستغرق في نومنا على سطوح المنازل في ليلة تحفها النجوم والصيف يُهدهدُ هواءها العليل! تلك الكنيسة وتلك " نينوى"! نحن كلما رحلنا واقتربنا وأصبحنا تمائم في أحشاء رجولتنا كلما ابتعدنا عن طفولتنا وانكسرنا، تفتتنا، تبعثرنا وفقدنا قوة سفرنا وترحالنا إذ أصبحنا حفاة! يقول أحد أمثال شعب روما: "يكفينا حذاء جديد والقليل من الصحة كي ندور حول العالم كله"! ولكننا حفاة يظللنا الغبار ونحن نمضي عابرون الى القرارة!
عندما يُلـْبـِسُ الشاعر الواقعَ جلباب الرومانسية والرمزية والمثالية والسوريالية سنقول عنه كاذبا متغطرسا يتلاعب بالحقيقة والواقع! ولكن عندما ينزع الشاعر كل هؤلاء عن الحقيقة والواقع ويُرينا إياهم عاريين كما خلقهم الله فماذا سنسمي الشاعر الفنان حينها؟!
بكامل ِوعيِنا /شطَبنا الياسمينَ/ مِن وجوهِنا/ تعقَّبْنا أناقة/النُّعاس في رطوبةِ أزقَّتِنا/ علّقنا رائحة َالاوتارِعلى/ حيطان ِتوبتِنا، /كأنَّ رحيلنا
مُذ خَرَجنا من رعشة ِأُمهاتِنا/ يلفّقُ المنافي لنا/ أينما أتجهنا  .
الوعي هو كل ما يملكه المخلوق من وجوده الحقيقي وإذا فقده فإن كل ما يمكن أن يكون من بعد ذلك فهو هرطقة لا وجود لها، أو أنها محض حالة، غيمة عن قريب تقشع! الصورة الشعرية هنا تفوق عمل صانع الفخار الذي يحاول أن يكسر ويحطم كل ما صنعه من قحوف وجرار وآنية كي يبيعها ويعيش بذلك الثمن الزهيد بقية حياته، ولكن ها هو يحطمها، يحطمها ويكسرها فقط لأنه قد جُنَّ بالعشق، إنه قد محى الياسمين من وجهه فهو لا يهمه أن يتزوَّق أو أن يتحلـَّى بالياسمين ورائحته العبقة، بل سيبقى ملطخا بالطين وعالقا به من رأسه وحتى قدميه، فرائحة الطين هي وجوده الحقيقي والذي سيودي به الى الفوز! ذلك كي يتعقب آثار عشيقته: أناقة النعاس في رطوبة الأزقة القديمة [ أزقة  أحياء باب لكش، باب البيض، باب الطوب، الدواسة، النبي شيت، الساعة، السرجخانة وغيرها وغيرها...]، إنـَّه سيفوز مُعلـِّقا رائحة الأوتار، رائحة العزف على حيطان التوبة؛ كل هذا هو الظاهر من الأمر، أمّا الشاعر، وبالرغم من استعماله كلمة "كأنَّ"، فإنـَّهُ مُوقِنٌ بأنَّ ذلك ليس حقيقة، إنـَّه يعرف مسبقا ً بأنـَّه ومنذ لحظة خروجه من "رعشة إمه": لحظة الطـَّلـْقِ وآلامه، سوف يرافقه الرحيل وهذا الأخير بدوره سوف "يُلـَفـِّقُ" المنافي له، بل يجعله يعيشُها متوحِّدَةً بوجوده الغائص في رطوبة أزقته وأناقة نعاسها! إنه كغيره من مُشتهي بلاد " كنيسة الساعة" و"نينوى" سوف يكون منفيا ً أينما اتـَّجَه!
أودّ الانَ/ أن لاأستدلَّ على وجهي/ أن اشطُب سَمعي/ أن أطفىءَ بَصري ./ أنحدِرُ بالوصايا/ الى مُنعطفاتِ المراثي / أطيلُ انتظاري بعيدا ًعنها/ إلى أن  يأتي نشيدُ العَدم  .
بعد كل الذي حدث، بعد المجازر والدماء التي كان الغـَسَقُ قدِ اسْتدان منها اللون والطعم والرائحة، بعد القتل والتشريد والتعذيب والتهديد والأغتصاب والقهر، بعد الإحتلال والإنشقاق والذل والموت وبعد "كان ياما كان" يصل الرجل الى حالة قصوى لا يستطيع بها حتى الوجود كله بما فيه من قوة وعظمة أن يحتملها، هذه الحالة تفقده قوة الفعل  والرد على على تلك  بما يستطيع به الخلاص منها، فيصبح وجودا ضعيفا يحاول الهروب والتملص من مما يعتريه من خسران، هذه المحاولة هي ليست إلا َّ استمرار للحالة نفسها! الإستمرار بالتقهقر والإنحدار الى هاوية العدم. الرجل هو رجل كل زمان ومكان ولكنه هو ذاك، لا يستطيع أن يتخلض من سببيَّتِهِ. لا يستطيع أن يتعرى وينزع عنه هندامه القديم وإن كان قد تمزق وأصبح أوصالا لا تقيه من شيئ ولا تدل عن هويته أو أيِّ معنىً لوجوده؛ الشاعر يستمر في الإتجاه نفسه، المنحنى الذي تسير به حالته ليكملها وينهيها عن بكرة أبيها: هو لا يريد التعرف على وجهه حينما استدعته السلطات للتعرف على "ضحية العصر الكبرى"، أللا َّ يسمع، أللا َّ يرى، أن يرمي بالألوح ويكسِّرُها، يُفـَتـِّتـُها مُلـْقِيا ً بها على "منعطفات المراثي" وأن يقيم بعيدا عنها مطيلا إنتظاره حتى يأتي "نشيد" الموت.
هل أنا هُناك ؟/ أستيقظ ُخارج عُزلتي/ أُرَوِّضُ أعترافات أصابعي
أمدُّها من نافذتي/ لعلها في لحظة ٍ/ قَدْ  تُمسِكُ غيمة ً هاربة ً/
من نينوى - 2 - .
إنـَّهُ مأزقٌ لا محالة منه، مأزق الوجود المفعم بالغربة والحزن والألم المُعَرَّف بـ "ألِفِ" التعريف الكبيرة وبالرغم من هذا فهو ألم مبهم! ألم العزلة والفراق المبللل بدمع لم تره العين من قبل، لم يسبق وأن ذاق اللسان ملوحته ومرارته، إنها دموع خفية تودي الى اعترافات الأصابع الممتدَّة الى نافذة، هي بذاتها متواجدة بين
"... تلك النوافذ . . حِدادْ"، إعترافات هذه الأصابع هي الرغبة والشوق الى غيمة، سحابة تمر، ربما، هاربة هي الأخرى من "نينوى" حاملة بعض، بعض، بعض ما تشتاق إليه الروح ويتوق إليه القلب.
خلفَ أسيجة ٍتتعقبني/ أجتازُ إنتظاري ،/ أنا الغريبُ هناك/ كما هُنا .
الغربة في رحم الأم، الغربة خارج رحم الأم "كأنَّ رحيلنا مُذ خَرَجنا من رعشة ِأُمهاتِنا"، الغربة في أصقاع بعيدة، في كلِّ مكان وزمان الغربة قدر كل أولئك الذين كانت قد زُرِعَتْ فيهم نخلة من نخيل العراق وياسمينة من يَسَامِين ِ "نينوى"! سبب هذه الغربة ليس المكان ولا الزمان، سَبَبـِيَّتـَهَا تكمن في قلب ذلك الحدث : الخروج من رعشة الأم! أن تكون غريبا هذا ليس معناه أن تتحرر من قيودك وتتخلص من جذورك، بل على العكس، إنك تزيد منها وتجعلها أثقل وأكثر قوة وصلابة، فالغربة تتضاعف وتصبح غربتان وثلاث وأربع و...الى ما لانهاية، ما لانهاية الغربة هي تلك "الأسيجة " التي لاتفتأ تتعقب وتفتش وتطوق "المغلوب على أمره" بالرغم من إمكانه أن يجتاز أنتظاره فهو سيبقى :" أنا الغريبُ هناك/ كما هُنا ."!
السكونُ/ الرجلُ الطاعنُ في السِّنِ/ وسائقُ التاكسي/والعابرون من المنافي تحت قلعة ِأربيل -3 -/ كُلهم/ يفتحُ خزائنَ الرّيبة ِ/ ليستجوب سحنتي.
إذا كنتَ غريبا ً حتى وإن كنت في رحم أمِّكَ، فستبقى كذلك أينما كنت وحللت وفي أيِّ زمان! أنت موسوم بهذه الغربة وموشوم بنارها حتى النخاع وكل من سيراك سـ "يفتحُ خزائنَ الرّيبة ِ" والشَّكِّ، سَيُقـَلـِّبُ كلَّ مايجده ويبحث في تلك الصناديق المغلـَّفة بالغبار والتي كان الدهر قد أكل عليها وشرب! وسيحاور ذاته وأدواته في خزائنه عَلـَّه سيجد "خاتم نبينا سليمان"! ويتعلم كل لغات مخاليق الله، سيتعلم لغتك، لغة "السكون" ولغة " الرجلُ الطاعنُ في السِّنِ" ولغة " سائقُ التاكسي" وسيدعو كل " العابرين من المنافي تحت قلعة ِأربيل" كي يجد الطريق إليك وسيستجوب سحنتك، سيبحث في خزائنه مرَّةً أخرى وأخرى وأخرى...حتى يلهث ويفهق ويتصبب العرق من جبينه وتجف شفاهه ! سيبحث عن أيِّ شيئ يستطيع به أن يَحُلَّ "عُقـْدَةً في لِسَانِك" ويجعلك تنطق، تحكي، حتى إذا لم تكن تفهم لغته ، سيطلب منك  أن تكلـِّمَهُ "رمزا" وإن كانت آيتك "أللا َّ تـُكلـِّمَ النـَّاسَ ثـَلاثَ ... ـ قرون ٍـ  سَوِيـَّا"! ويسأل: مَنْ...؟!  وسيتكرر السؤال ألف ألف مرة وستكون الإجابة نفسها ألف ألف مرة؛ وبعد الإعياء والتعب، بعد خيبة الأمل والتراجع والأسى والأسف والحزن هل ياترى ستكون الإجابة كالتالي:
             أجاَرَتـُنـَا إنَّ المَزَارَ قـَريـــــــــبُ       وإنـِّي مُقِيمٌ ما أقـَامَ عَسِيــــــــــبُ
             أجَارتـُنـَا إنَّ الخـُطـُوبَ تـَنـُـــوبُ       وَإنـَّي مُقِيمٌ مَا أقـَامَ عَسِيـــــــــــبُ
             أجَارَتـُنـَا إنـَّـا غـَرِيبَانِ هَاهُنـَــــــا       وَكُلُّ غـَرِيبٍ لِلـْغـَرِيبِ نـَسِيـــــــبُ
             فـَإنْ تـَصِلِينـَا فـَالقـَرَابَةُ بـَيْنـَنـَــــا       وَإنْ تـَصْرِمِينـَا فـَالغـَرِيُب غـَرِيـبُ
             أجَارَتـُنـَا مَافـَاتَ لـَيْسَ يَـــــؤُوبُ       وَمَاهُوَ آتٍ فِي الزَّمَانِ قـَرِيــــــــبُ
             وَلـَيْسَ غـَريبا ً مَنْ تـَنـَاءَتْ دِيَارُهُ      وَلكِنْ مَنْ وَارَى التـُّرَابُ،غـَرِيـــبُ[3] ؟؟؟!!!
ولكن ما سبب الغربة وما علتها؟ ماهو ذلك الحدث الجسيم الذي بوقوعه تكون الغربة نتيجة له؟ لماذا يتخلـَّى المرء عن ذاته، عن "الأنا" التي هي مصدر وجوده الأول وهويته في حياته على هذا الكوكب المسكين؟! هل هذا السبب كما يقول الطغرائي: "
إنَّ العُـــــــــلا حَــــــدَّثـَتـْنِي وَهْيَ صـَـــــــــادِقـَةٌ        فِيمَا تُحـَــــــــــــــــــــــــدِّثُ أنَّ العِزَّ فِي النـُّقـَلِ[4]،
 أم أنَّ القضية تتعلق بما كان يقوله المثاليون الألمان مثل هيجل"Hegel  "[5] وغيره: ـ الأنا تغترب عن ذاتها، فتتحول من "أنا" منتهية ومحدودة الى "أنا" غير منتهية وغير محدودة، أي لا نهائية ومطلقة! فهي "أنا" الإغتراب عن الذات و"أنا" المعرفة!  وهل المعرفة هي سبب الإغتراب؟إنَّ كل ما يجعل الإنسان لا يشابه عصره وزمانه ومكان عيشيه سيجعله حتما غريبا عنهم بصيغة أو بأخرى :" الأعور في عالم العميان إما أن يكون دخيلا غريبا أو أن يكون ملكا"؟! هذا الإختلاف أهو الغربة؟ وإذا كان كذلك أهو مصدر المعاناة والحزن والألم والمأساة؟
مضى العُمر/ وانا لاأتقنُ إلا ّ لغَتي/ في شوارعَ/ تهدّمت أُنوثةُ النهار فيها/ وتعثّر الكلام  بتجاعيدها .
"هذا العمر قضى" هذا ما قاله ويقوله الكثيرون! أمّا أن المرء وبعد أن مضى أكثر عمره وهو لا يجيد ولا يتقن ،بعد كل هذا وذاك، إلا َّ لغته فإنَّ هذا هو الفوز العظيم! هذا هو الصدق بكل أشكاله وجوهره، ما من شك بأن لغة الشاعر في هذه القصيدة هي لغة سَلِسَة ٌ واضحة لا شائبة فيها ولا أخطاءً لغوية أو نحوية أو إملائية كما في الكثير من القصائد والمجموعات الشعرية التي تصلني بطريقة أو أخرى للكثير من الشعراء الكبار منهم والصغار! لا شك من أن مروان الديليمي يجيد لغته ولسانه هو "لسان العرب"! وها هو يعترف بذلك وكأن معرفة اللغة هي ذنب قد اقترفه في زمان من يجهلون لغتهم وأصلهم وشرفهم من العرب الباقية التي لا حق لها في الوجود وقد كان من الأوْلـَى بها أن تلحق بـ "العرب البائدة"! هذا العمر قد مضى، أين؟ في " في شوارعَ/ تهدّمت أُنوثةُ النهار فيها/ وتعثّر الكلام  بتجاعيدها ."هل أنوثة النهار تعني أن في تلك الشوارع، شوارع العمر لا تسير فيها إلا َّ المحجبات والاتي لا يُرى منهنَّ إلا َّ  "حجما" داكن اللون أسودَ، دائريا ً أو مربعا ًأو مستطيلا ً لا يُدرَكُ منه الوجه من العقب ولا الرأس من القدمين؟ أم أن أنوثة النهار هي ذلك الحب الكامن في القلب والحشا لتلك الشوارع التي تؤدِّي الى "كنيسة الساعة" وتلك الشوارع التي تـُزَوِّقُ وجه وجسد "نينوى"؟ الشوارع المهدَّمة، التي انهار وتكسر وانهدم العمر فيها ولم تعُدْ إلا َّ أطلالا ً هاوية وعروشا خاوية! لغة الشاعر وإنْ كانت لغة جميلة ورائعة ورصينة ها هي تتعثر كما الكلام يتعثر في في تجاعيد ذلك الوجه ـ الشوارع!
اليومَ  ، رزمتُ أختلافي مع المُتمترسينَ عند ظلال الخوف ،/ وهم  ينصتون بشغف ٍلمشقَّة البلاد . 
رَزَمَ: فعل ماض مبني على الفتح والـ "ت": فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره!!! ـ هكذا علـَّمونا في المدارس! رزم بمعنى حزم ونقول في ما نقول من تعابيرنا في لغتنا الجميلة: حزم الرجل متاعه للرحيل، ورزم التلميذ دفاتره للذهاب الى المدرسة! ورزم رجل الجبل " في العراق وفي الشمال منه عادة هو رجل كردي عراقي"صفائح التبغ اليابسة ليأخذها الى السوق ويبيعها لمدمني التبغ مثلي! وإنْ كان معنى رزم هو حزم ولكن يبقى الإختلاف بينهما كبيرا والشاعر استخدم في تعبيره الفعل "رَزَمَ" وليس "حَزَمَ"! هذا لأنَّ الشاعر لا
"لايُتقنُ إلا ّ لغَته" فهو قد رزم في آخر الأمر اختلافه مع المتمرسين عند ظلال الخوف منهم وعليهم بينما هم شاردون يتنصتون بشغف الى الأخبار وما يحدث من معاناة ومشقة في البلاد؛ الشاعر رزم دفاتره كأي تلميذ مجتهد وجبان في نفس الوقت وذهب في طريقه ليجلس على "باب الله" وهو يقول: من منكم أفقر مني فأنا لا أملك إلا َّ لغتي هذه، فيرد أحد المارة عليه قائلا ً: أنت أغنى ناس عصرك!
نينوى رتَّبَت شكلَ التراب على وجهي/ مَشَت بي الى سماء ٍمُرتبِكة   
فهل من بلادٍ  مثلها؟/ الشمسُ فيها باتت منازل للطارئين/ الساعةُ الانَ لهم/ ونحن على طاولة ٍللتجاذب/ نحدِّقُ في ساعة ِموتِنا.
في "مدينة السينما" "Cinecitta "في روما، في إحدى الأيام الخوالي كنت أتجول هناك ودخلت بناية وفي إحدى ردهاتها وجدتني أما باب غرفة، دخلت، وجدت الكثير من الممثلين والعاملين وهم في شغل شاغل من أمرهم: المُزوِّقون والمُهّنْدِمُون يعملون بكل اجتهاد لتحضير أزياء الممثلين من ملبس وتزويق، كنت أرى أحد الممثلين وهو جالس على كرسي أما مِرآة  وعلى منضدة أمامه الكثير من القناني والأصباغ وأدوات التجميل وكان أثنان من المُزَوِّقين يعملون بكل تركيز على تهيئة ذلك الممثل للمشهد الآتي الذي سيبدأ تصويره بعد قليل! وها هو شاعرنا "الممثل الأول" في "مسرح العبث" أو في السينما "الواقعية الجديدة الإيطالية"! ها هي "نينوى" تـُزَوِّقُ وجهه وتـُعِدُّ شكله وهندامه للوقوف أمام عدسة آلة التصوير، أمام المخرج "مروان ياسين الدليمي"!  نينوى رتَّبَتْ شكل التراب على وجه الشاعر وأخذته نحو سماء مرتبكة! (الحقيقة هي أن الإرتباك كان ارتباك الممثل وليس ارتباك المخرج ـ السماء). فهل من بلادٍ ـ عشيقة مثلها؟، كان مروان الشاعر يتمتم ويوهوس ويوشوش في إذن نفسه قائلا ً: هل من بلادٍ ـ عشيقة مثلها؟! يا حسرتي! الشمسُ فيها باتت منازل للطارئين/ الساعةُ الانَ لهم/ ونحن على طاولة ٍللتجاذب/ نحدِّقُ في ساعة ِموتِنا.كانت هذه الكلمات الأخيرة التي سمعتها من ذلك الممثل قبل وقوفه أمام عدسة آلة التصوير!
مُنعطفُ الوقتِ/ لا أبتداء/ ولا انتهاء له./هل أطعنُ ما أقولْ/ أم لا أطعنُ ولا أٌقولْ؟
المنعطفات هي ذاتها في كل زمان ومكان، المهم ليس هذا وإنما سبب تلك المنعطفات وعن هذه الأسباب كلها يجيبنا صديقنا العزيز الذي كان قد عاش من قبلنا وانعطف في إحدى منعطفات "نسبيَتِهِ" ولم يعُدْ أبدا، كان إسمه على ما أذكر "ألبيرت أينشتاين"! لك الخيار أيها الشاعر المأخوذ لبا وروحا وجسدا بحب عشيقتك وعشيقتي "نينوى"، لك أن تختار في أن تطعن ما تقول ، أو لا تطعن ولا تقول وتنعطف، ففي الحالتين ستكون معطوفا على ما قبلك وأنت بدورك سيكون هناك من هو معطوف عليك، فـ " مُنعطفُ الوقتِ/ لا أبتداء/ ولا انتهاء له.".
ماعدتُّ  أٌبصرُ أيَّ طريق ٍ يقودني(إلى الظلمة) للظلمة/ كأناّ تقوَّسْناعلى الأسى/ وأفرَغْنَا بريدَ نا على وجه ِالعَتَبات.
الطرق الظلماء كثيرة ولا تكلفنا شيئا ً ويمكننا المشي بها كيفما أردنا ولكن طريق النور واحدة! ( هذا ما قاله جدي عنما كان يأكل الكبَّة الموصلية ويشرب من ماء دجلة!) ومن ثم هو أيضا وكأنـَّهُ تقوس على الأسى وأفرغ بريده على وجه العتبات!
هَرَبْنا/ ثم أحرَقْنا، أسماءَنا خَلفَنا/ ومَحَونا الطريقَ / فهل أخطأنا لمّا شَطَبْنا أخطاءَنا؟/ وإن كنّا لمْ  نَزَلْ/ نَقطنُ ما شَطبْنا .
ها هو الشاعر يعترف ولا نعلم هل أن اعترافه هذا: صادقٌ أم لا! ولكن نحن نعرف مثله أيضا من أنه بعد الهروب سيكون الحرق وأن الأسماء وإن بقيت فلا معنىً لها ولا قيمة مادية أم أخلاقية كانت، ومعالجة الخطأ بالخطأ ليس فضيلة وإفراغ كيس بريدنا على العتبات سوف لن يخلصنا من قدر محتوم من قبل كان قد صدر قانون العمل به إجباريا ً!
13/ 3/2013
الهوامش
1- من أقدم الكنائس في الموصل.
2- التسميه التأريخيه (الاشورية) لمدينة الموصل.
3- قلعة تاريخية في وسط مدينة اربيل ( اربأيلو) لازالت شاخصة حتى الان. يعود تاريخها الى عصر الآشوريين والى حوالي الألف الأول قبل الميلاد.




هذه القصيدة لا تزيد عن اعتراف كامل، هذا الإعتراف مظلل ومخطوط بواقعية سوداء وملساء مثل الحجر الأسود! والحجر وإن حكى ويحكي بلغة صافية وشفافة تبقى لغته التي يفهمها فقط من كان على علم بالكيمياء والسيمياء وعلوم الباطنية، لغة الرجل المسن وسائق التكسي والعابرين...، لم تعد السوريالية ولا الرمزية المثالية لتطيق هذه النصوص فهي أبعد منهما بكثير، إنها الواقع البائس المؤلم بحدوده الضيقة وأجوائه المتخمة بالغازات السامة المميتة ولكننا، نحن لسنا إلا َّ حشرات نتحول ونتبدل ونكتسب دائما خاصيات أخرى وقوى هائلة تجعلنا نواكب العيش في هذا الواقع المأساوي لنتخذ من سمومه ومأساته طعاما وشرابا يومي وبذلك نحمد ونستغفر ونسأل إدامة هذه النعمة!



                                                                                                 أياد آل عبـّـار
                                                                          تورينو ـ إيطاليا
                                                                            17/5/2013
                                                  

    


[1] ـ ديوان زهير بن أبي سلمىى ـ معلقة زهير بن أبي سلمة: أمِن أمَّ أوفى ...
[2] ـ من الألهة العملاقة ـ Titans ـ هو من سرق النار من الشمس وأعطاها للإنسان ، وهو يعرف المستقبل، حكم عليه "زيوس" أبو الآلهة بالسجن فوق قمة جبل القوقاز ، على أن يأكل النسر كل يوم كبده ومن ثم يُخلق له كبد آخر الى أن يتم تحريره من قبل هرقل. ـ DIZIONARIO MITOLOGICO ـ MITOLOGIA GRECO _ ROMANA _ TASCABILI SONZOGNO _  Fabbri ed. _ 1989 _ Milano _ Italia P. 249
[3] ديوان أمرء القيس ـ دار صادر ـ بيروت ـ لبنان ـ 1979ـ ص. 79.
[4] ديوان الطغرائي ـ  مطبعة الجوائب ـ قسطنطينيةـ 1300 هـ ؟ ـ البيت : إنَّ العلى ... هو من لامية العجم.
[5] Nicola ABBANIANO – STORIA DELLA FILOSOFIA – vol. 3 -  1979 – Torino – ITALIA – p. 97






 قراءتي النقدية لرواية حقائب الذاكرة للكاتب اللبناني شربل قطان في جريدة ثقافات التي تصدر في الموصل عدد شهر حزيران 2013 

رواية .. حقائب الذاكرة

                      البحث عن الذات في رماد الحروب

                                                                مروان ياسين الدليمي

المؤلف : شربل قطان *
الناشر : مؤسسة نوفل
الطبعة الاولى 2010
  
 حقائب الذاكرة مع أنها أول عمل للكاتب شربل قطان إلاّ أنها ترشحت لنيل جائزة البوكر للرواية العربية عام 2011، وكان ذلك،مفاجأة للأوساط الأدبية العربية آنذاك .
المنحى الذي تعامل به قطان مع التاريخ في هذا العمل تناغم مع وجهة نظر رولان بارت :" الرواية هي الجنس الادبي الذي يعبّر بشيء من الامتياز عن مجموعة مؤسسات اجتماعية ". أيضا بنفس الوقت هي ليست رواية تاريخية،فالكاتب هنا مدرك تماماً ماينبغي عليه أن يفعله عندما يتكىء العمل على التاريخ باعتباره خلفية يضىء من خلاله الزمن الحاضر، ويُحرِّك عناصر الفنية بين تفاصيله،وهو في ماذهب إليه في البنية الفنية للرواية لايخرج عن إطارالمشغل السردي للرواية الحديثة التي إستثمرت العديد من تقنيات الكتابة واشكال السرد التي تسرّبت اليها من مصادر متنوعة أثمرت بالتالي عن تحريرانماط الكتابة السردية من قوالبها وآليتها التي تقوقعت بها عبر مسيرتها. . وفي حقائب الذاكرة بدا ذلك واضحا في بناء الاحداث الذي تم بطريقة متراكبة تجاوزت تقليدية البناء السردي اضافة الى تجاوز القيود التي تفرضها الديباجة بما تحتمله من استطرادات .
"هنالك شيء اكيد : كل منّا يبحث عن شيء ما. والاكتمال في الحياة يأتي من معرفة هذا الشيء،ثم من تحديد الغاية من ايجاده" تتحدث الروايةعن شاب لبناني إسمه إيهاب يبحث عن والده أحمد علام الذي انقطعت اخباره في ظروف الحرب الاهلية اللبنانية :"في حالتي عرفت بسهولة،ومذ وعيت على الدنيا موضوع بحثي ،إني أبحث عن شخص.أمّا سبب بحثي عنه فالجواب ليس بالسهولة ذاتها ولا بالوضوح ذاته .. أنا أبحث عنه حتى أراه..كي أقول له..لأسأله..لأستشكشف معه أماكن..أريد الثروة به، أريد السعادة معه،أريد المعنى منه،خمسة عشرعاما وأنا أبحث،خمسة عشرعاما قضيتها في اروقة المطار ومكاتبه،مشاعري دوما في ظل مسيرتي،فأغمض عيني عن الحياة وعمّن أحاط بي،كل هذه السنين وأنا أسأل عنه أتحرى عن سفراته،أرسل بأسمه إلى أرشيفات مطارات العالم،علني أكتشف ماحل به ، مازلت مصرا ،بالرغم من انقطاع أخباره منذ سنين عديدة،. "
لم يكن ايهاب يعرف شيئا عن أمه ايضا والتي كانت قد تركته مرغمة بعد أن قرر والده الانفصال عنها مُرغما هو الاخر نتيجة الضغط الذي وقع عليه من قبل والدته واقاربه والسبب يعود لان زوجته من طائفة دينية غير طائفته وكان قد تزوجها دون رغبة اهله بعد أن وقع في حبها ، فتكفلت جدته بتربيته وكان كلما يسأل عنها تقول له :" إنها عند الله ". لم يكن إيهاب يملك حتى صورة لها ولاوجود لها في سجل قيد العائلة ولافي الملفات القانونية ولايعرف حتى اسمها وكأنها لم توجد اصلا ً.. سافر والده عدة مرات إلى المانيا والدول العربية،ويوم مقتل جدته كان والده في احدى رحلاته الطويلة الى المانيا،كان بحثه عنه قد قطع فيه شوطا طويلا من التحريات الخاصة عبر الاتصال بمدينة ميونخ الالمانيةالتي كانت آخر مدينة أقام فيهاعام 1975 لأنه كان يعمل في المكتب الرئيسي  لشركة هرجز الالمانية في بيروت لصناعة مكائن الخياطة.أصيب إيهاب بالذهول عندما أكتشف ان والده قد سافر الى فرنسا عام 1978 لذا إشتد إصراره على معرفة ماحصل، فوظف مكاتب تحريين من أجل اقتباس معلومات عنه من مختلف البلدان وشركات السفر.
لم يكتب قطان رواية تاريخية،بل آثر أن يسرد مصائر افراد لعبت الحرب دورا حاسما في تقريرها فكان عمله مُنطلقا فنيا لرؤية الماضي ولم تكن تلك الرؤية في مسارها تقليدية ً، فهي لم تخضع للتسلسل الزمني الطبيعي في سرد الاحداث، بل ابتعدت عن هذا المنحى  كثيرا لتستجيب لبنية فنية شاء الكاتب أن يعبث بهذا الترتيب التقليدي وأن لايكون تحت وطأته، فكانت تقنية الكتابة لجوءا ً الى آلية البحث والاستقصاء لأستدعاء الشخصيات والاحداث، وبهذه الآلية تمكن قطان من التوغل في مسارب المجتمع اللبناني الذي عصفت به الحرب الاهلية ومزقت نسيجه الاجتماعي الى كانتونات طائفية مغلفة بأيدولوجيات شتى حتى أن الكاتب نفسه إختار أن  يعيش في جنوب افريقيا بعيدا عن وطنه لكنه ظل يسكن ذاكرته .
فالحرب الاهلية اللبنانية التي ابتدأت في النصف الاول من سبعينات القرن الماضي تشكل خلفية احداث العمل (حقائب الذاكرة) ،إذ يقول إيهاب عن الحرب التي يطلق عليه تسمية الوحش وهو يعلق على مصائر بقية الشخصيات التي عرفها في حياته :" " فاأنت ياوحش مَن أخذ جدتي، مَن حرمني مِن أبي ، ومَن جعل شادي يتيما يبكي في الليل،أذللتَ الكاتب، أدخلتَ الحرب الى بيت نبال، ظلمت البواب، وأضعت أبن أم رامي " ..
عندما بدأت الحرب الاهلية اللبنانية في منتصف سبعينات القرن الماضي كان إيهاب في السادسة من عمره فكانت محطته الاولى مع الظلمة. . كان ابن جيرانهم المسيحيين قد أمضى الليل إلى جانبه،حيث تركه أهله مع بعض الثياب وهربوا من منطقة الشيّاح الى شرقيّ بيروت..بدأت أصوات الشرشقات التي لم تنقطع  طوال الليل تصبح اكثر وضوحاً وهدير المجنزرات غطى على كل الاصوات،اهتز البيت بعنف فسقط إبريق الشاي على الارض وتحطم زجاج الباب الامامي، خرج ايهاب وجدته وابن الجيران من البيت الذي تعرض للقصف ، وتمكنوا من الوصول الى السيارة لكنه غادرها عائدا الى البيت بعد ان تذكر انه قد نسي علبة معدنية يضع فيها اشياءه.لكنه وبعد أن التقط العلبة وعاد الى السيارة وجدها بمن فيها قد تفحمت وتحولت الى حطام. . ومن داخل سيارة الصليب الاحمر التي نقلته الى مستشفى اوتيل ديو ودّع آخر مشهد له لحي ّ ألشياح وللمنطقة التي اصبحت تعرف فيما بعد بيروت الغربية،وبعد ايام قليلة جاء رجل الدين المسيحي الاب نعمان بطلب من ادارة المستشفى ليأخذه الى دار للأيتام المسيحيين في منطقة كفر شيما والاب نعمان رجل دين مسيحي لم يعرف معنى الطائفية،وهو مُرشد من دون استبداد ، وقد حافظ على اسلامية إيهاب في زمن عنوانه التطرف .. في دار الايتام يتعرف ألطفل إيهاب على شادي الخجول والمنكسر،لأنه، يتبول على نفسه كل ليلة، مما يجعله عرضة للسخرية والاهانة النفسية والجسدية من قبل زميلهم في الميتم روني عبود الذي يكبرهم بعدد قليل  من السنين .
تمضي الاعوام ويكبر مع ايهاب إصراره في العثورعلى والده وهذا  مايدفعه الى أن يحصل على وظيفة ضابط أمن  في مطار بيروت حتى يتمكن بموجب ذلك من الحصول على تصريح يخوله تناول معلومات الرحلات واسماء المسافرين ويدرجها في حاسوبه الخاص: "التحقتُ بأمن مطاربيروت حتى أحصل على تصريح يخولني تناول معلومات الرحلات واسماء المسافرين وأكتسب هيئة رسمية أتحرك عبرها .. لم أعمل من أجل ترقيات أو امتيازات وابتعدت قدر المستطاع عن كل ماحولي من احداث " . حرص إيهاب على البقاء في مركزه الوظيفي حتى لايبتعد عن ماحوله من احداث . . لم يكن معتمدا ً في معيشته على راتبه من هذه الوظيفة، لذا ، وجد من الضرورة أن يؤمِّن له دخل ثان، فتعمق في دراسة البورصة وعملها حتى برع فيها وجنى منها عبر السنين مبالغ أمّنت له استمرارية البحث عن والده الذي كان قد اختفت اخباره عنه مع بدء الحرب الاهلية .
لم يكن ولاءه سوى لنفسه، فتسبب هذا في كره المدير له واستدعائه اكثر من مرة وتوبيخه لأنه كان يتجاوز تعليمات المديربعدم تفتيش المسافرين بعد أن  تمكن من القبض على عدد من مهربي المخدرات وهذا ماكان يثير غضب المدير عليه وبنفس الوقت يثير استغراب ايهاب ــ وسيظهر فيما بعد العلاقة الوثيقة التي تربطهم بمدير أمن المطارــ  لذا كان لابد للمدير من اتخاذ قرار بنقله من شعبة المسافرين الى شعبة الكمارك على الرغم من أن إيهاب كان قد حصل على وظيفته هذه نتيجة قسمة التوزيع الطائفية التي تحكم لبنان.
وقبل أن يغادرمكتب وظيفته التي نقل منها تمكن من إدراج برنامج خاص في حاسوبه يتيح له أن يتلقى عبره يوميا سائر المعلومات عن حركة المسافرين. .وفي مستودع مكتب وظيفته الجديدة التي نقل اليها بقسم الكمارك لفت نظره خمس حقائب ضائعة أودعت فيه إلى ان يأتي اصحابها أو يتم الاتصال بهم أو أي شخص من أقربائهم .وسبب ضياعها يعود لحالات مختلفة وأوقات غير طبيعية،وبقيت هذه الحقائب منسية في مستودع الحجز سنين طويلة ولم يُعرف أصحابها كما لم يأت أي ّأحد يسأل عنها ،اقدم الحقائب يعود تاريخ حجزها الى عام 1975، فيما بعد ستصبح هذه الحقائب سببارئيسيا في تغيير مجرى حياته إلى الابد عندما بدأ رحلة البحث عن أصحابها واحدا ًبعد الاخر ونجح في الوصول اليهم،المفاجأة الكبرى كانت في الحقيبة الاخيرة،عندما فتحها ، فقد وجد من ضمن الاشياء التي كانت بداخلها ورقة صغيرة محشورة في لعبة أطفال على شكل حصان مكتوب عليها عدد من الاحرف والكلمات هي نفسها التي كانت مكتوبة في الفاكس الذي كان قد وصله منذ ايام من مكتب التحريات في المانيا والمحتوي على رقم سجل الاقامة الدائمة التي كان قد حصل عليها والده أحمد علام عمر عام 1975 وليكتشف أن الحصان هو نفسه الذي كان قد وعده به والده عندما كان طفلا صغيراً. من هنا تدخل رحلة البحث عن والده مرحلة الختام ،عندما يعثرعن طريق الصدفة أثناء بحثه في إحدى القرى على والدته وهي تعيش مع زوجها الثاني وإبنتها وحفيدها، ولتبدأ بكشف الاسرارالتي كانت تؤرق إبنها إيهاب لأكثر من ثلاثين عاما حول أسباب اختفائها واختفاء والده.

*شربل قطان (من مواليد بلدة مغدوشة ، لبنان الجنوبي ، 1970 ، انتقل الى جمهورية جنوب افريقيا عام 1990 ، حيث تابع دراسته العليا في جامعتها وحاز إجازة في المعلوماتية ، يقيم ويعمل حاليا في مدينة جوهنسبرغ ، متأهل وله ولدان ، حقائب الذاكرة هي روايته الاولى .

.


الاثنين، 10 يونيو، 2013

مقالتي في صحيفة الزمان عن رواية (مولانا) للكاتب المصري ابراهيم عيسى ..
العدد 4526-الاثنين 30من رجب 1434 ه 10 من حزيران (يونيو)2013 م -الطبعة الدولية . .
رواية .. مولانا *
تَعَالق السُّخرية في بِنيَة السّرد
المؤلف :ابراهيم عيسى
اصدار دار بلو مزبري - مؤسسة قطر للنشر
الطبعة الثانية
مروان ياسين الدليمي
ستراتيجية النص
لم يذهب ابراهيم عيسى في بناء سرديته الروائية(مولانا )الى حدود التجريب بل انطلق من ثوابت نسقية سائدة في فضاءات الكتابة الروائية ولم يبتعدعنها،ودفع بنصه في حدود التماسك والنمو العضوي ضمن جماليات الايهام الواقعي، دون أن يقترب من سلطة وأمكانات التحطيم والتفتيت الفني التي أطلقتها تجارب روائية جاءت بها الحداثة ومابعد الحداثة،وهذا يعود الى ميل الكاتب نحو بناء عمل روائي يستجيب أولا وآخراً الى الإجابة ــ عبر السرد الروائي ــ على الكثير من الاسئلة التي بات يطرحها جدل الواقع في المنطقة العربية والاسلامية،بعد أن بدأت تتأكل المظاهرالمَدنيّة أمام غزو الافكار الدينية المتطرفة،لذا حاول أن يضبط بناءه الفني وفق إجراءات واقعية،مَركزُها،تعالق الخطاب السردي مع مقولات الجدل،بقصد مُحاججة وكشف هشاشة المنطق القائم على تقديس الماضي بكل التباساته،حتى لو جاءعمله الروائي على حساب تراجع ٍفي تركيبة الملفوظ السردي ومغادرته ِعتبة التعقيد والتفرُّد نحو بنية فنية مكشوفة لاتحتاج الى جهد تأملي في تفكيك شفراتها،إلى جانب ذلك تعامل عيسى مع الزمن حكائيا ً وسرديا ً( إستباقيا ً واسترجاعيا ً)وفق مايقتضيه البناء السردي في إدارة مسار الاحداث والتحكم بايقاع اندفاعاتها ونموها بالشكل الذي يعطي مساحة كافية ومريحة لنمو العلاقات الانسانية وتطورها بين الشخصيات،على اعتبارأن الزمن هو الاطارالذي تتحرك وفق مؤشراته وتواريخه،الاحداث والشخصيات،في بنية محسوبة علاماتها،لايمكن تجاوزها،خاصة عندما يكون العمل السردي قائما على مجريات واقعية كما هو الحال في رواية مولانا .

ازدواجية الشخصية
شخصية حاتم الشناوي كما رسمها عيسى في روايته (مولانا) نموذج لداعية إسلامي،صورتُه هي الأقرب شبها بنجوم التلفزيون والسينما وكرة القدم من رجل الدين،فهو:"عالمٌ وتاجرُعِلمٍ،مُجتهدٌ ومُقلد،ولم يَسمح لأحدهما بالفوزعلى الثاني خوفاً على الرزق وارتزاقاً من هذا الخوف،إنَّه فعلا ًمولانا،فالمولى يصح أن يكون الولي الإمام،وقد يكون كذلك مولى لأحدهم تحت رعايته وفي كنفه."
وبفعل الشهرة التي حظي بهاهؤلاء المشايخ والدعاة من خلال البرامج التلفزيونية التي يظهرون فيها في العديد من محطات البث الفضائي باتت برامجهم تدرُّ أرباحاً هائلة للمحطات التلفزيونية بسبب كم الاعلانات التي تعرض أثناء فترة بثها لذلك إرتفعت اجورهم لتصل الى ملايين الجنيهات المصرية.
الشناوي :"أنا شخصيا كِسِبتْ من الدِّين فلوس أكثر من الذي كسبها الخلفاء الراشدون والبخاري ومسلم وابن كثير وابن الأثير والقرطبي والزمخشري . "
والشناوي كما رسمه عيسى شخصية إشكالية تعيش صراعا داخليا عميقا ًمبعثه الأيمان العميق بفكرالمعتزلة الذين كانوا قد أعلوا من سلطة العقل أمام سلطةالنص المقدس دون أن يتجرَّأ على البوح بإيمانه هذا أمام جمهوره الواسع الذي إعتاد أن يخاطبه، بمنطق آخر،يتعارض تماما مع مايؤمن به في داخله،وهذا يعكس طبيعة الخوف والارهاب الذي أمسى يتلبَّس المجتمع العربي والاسلامي،نتيجة عهود طويلة من التخلف والقمع ومصادرة الحريات،أفرزتهاأنظمة دكتاتورية بوليسية،حتى وصل الحال إلى أن المجتمع نفسه بات يفرض الخوف على نفسه بنفسه،وبنفس الوقت يفرضه أيضا ًعلى رجال الدين ممن يشمُّ فيهم رائحة ترجيح ٍلسلطة العقل على سلطة النص . إضافة الى ذلك فالشناوي كان يعاني من إحساس جارح عميق اضطرم في داخله لمّا فقد ولده الوحيد عُمَر ذاكرته بعد أن تعرَّض للغَرَق أثناء ممارسته للسباحة،فغادر البيت والبرامج التلفزيونية لمدة 22 يوما " مُتَّجِها |إلى مَسجد الحسين والسيدة زينب والرفاعي والسلطان حسن ومساجد أخرى، ينظف المراحيض ويمسحها ويزيل القذارة الناشفة في أركان الحمامات ويجلس على الارض المبلولة ويرفع الجرادل ويحمل المكانس والمسَّاحات وقطع الخيش على كتفيه متنقلا من مراحيض الى اخرى،أشعث، أغبر،مطلق اللحية،سائب الشعر،ممزق الثياب،حافي القدمين،مُحمَرالعينين،مرهق البدن"، وقد فعل كل هذا من أجل أن يكسرغروره ويضرب غضبه ويلجم ألمَه ويعاقب ضعفه. ثم تجيئه الطعنة الاعمق على غير مايتوقع،عندما تعترف له زوجته الحَاجَّة أُميمة بأقامتها لعلاقة جنسية مع الدكتورعادل الذي كان يعالج ابنهما عُمر،معللة ذلك الانحراف،نتيجة ماكان قد أصابها من شعور بالضعف والاهمال :" كنتُ ضعيفة وهشة ومفتقدة راجلي .. الدكتورعادل أستاذ المخ والاعصاب الذي كان يعالج عمر ويتابعه كان ودوداً معي وتقرّب مني،رجل في الخمسينات ومتزوج لكن حسَّسني أن هناك شخصاً مهتما ًبي، في يوم،في عيادته ،أخذني في حضنه واستسلمت،بعدها كرهت نفسي، وانهرت وحسِّيت أن ربنا سيعاقبني ويأخذ مني أبني ".
بلاشك أن بناء هذه اللوحة الانسانية بتركيبتها ومستوياتها المعقدة في بعدها الاجتماعي والديني الشاخص عبر شخصية الشناوي جاء وفق رؤية أرادها عيسى ــ وعلى أساسها بنى مخطوطته السردية ــ لتحمل في مقصدها وبعدها الفكري تهشيم الصورة المثالية (لنموذج ) يكتسب حضوره الصَّنمي الثقيل والمهيمن في الواقع الاجتماعي .
والمفارقة هنا،أنَّ جمهورهؤلاءالدعاة يُتابعهم ويتبعهم "دونما تفكير وتحليل وتصويب،فمعظم هذا الجمهورلايفقه الكثير مما يسمعه من أمور الدين،وتراهم يحفظونها كمن يحفظ كتالوج الثلاجة أوالتلفزيون بكل ارشاداته وتعليماته وخطوات التشغيل وطرق الصيانة والمشاكل الفنية والعيوب المحتملة " .
خيوط الحكاية
الحضورالمؤثر للرواية يبدأ بالتشكّل في اللحظة التي يتم فيها دعوة الشيخ حاتم الشناوي من قبل نجل رئيس الجمهورية وزوجته الشابة مُستنجدين به لمساعدتهم في الخروج من مصيبة بدأوا يستشعرون بها وهي تحيط بهم بعد أن بدأت تظهر علامات تحوّل ٍنحو الديانة المسيحية على(حسن) الشاب المتخرج من الجامعة الاميركية،شقيق زوجة أبن الرئيس،فكانت مهمة الشناوي أن يعيد حَسن الى جادة الصواب قبل أن يفتضح الامر في البلد فكانت هذه المهمة السرية من أشقِّ المهمات التي واجهت الشيخ الشناوي رغم مايمتلكه من عِلم وذكاء وسرعة بديهة،فأدرك الشناوي خطورة المسؤولية التي وضع فيها،ومن الممكن أن تطيح به وبسمعته ومكانته من قبل السُلطة بكل سهولة ٍفيما لو فشل فيها،ولن تشفع له حينذاك مكانته الدينية ولانجوميته التي حولته إلى رمز لجيل ٍ من الدعاة النجوم .
(حَسَن )وجد نفسه "بين تمرد ٍعلى أهله،بما يمثلونه من جبروت ونفوذ،وعلى دينه،الذي لايعرفهُ ويحمِّله مشكلة فراغه وأكتئابه وفساد قومه " وهذا مادفعه إلى أن يسقط في أحضان جماعة اسلامية متطرفة تمكنت من تجنيده بعد أن دخل وتفاعل مع عدد من المواقع الالكترونية الاسلامية التي تتخذ من الانترنت وسيلة لكسب الشباب الصغار الى جانبها فيما تدعو إليه من أفكار تهدف لأسلمة المجتمع مُتّخِذة العنف وسيلة أساسية لتحقيق ماتصبواليه من اهداف،وتمكنت تلك الجماعة من أن تُجنَّد حسن لمصلحتها ،ليكون بالتالي عنصراً انتحاريا جاهزا ًلتنفيذ مايطلب منه بعد أن نجح في إيهام عائلته بأنه جاد فعلا ً في سعيه للتحول الى الديانة المسيحية،وليتمكن في نهاية المطاف من تفجير كنيسة مصرية يحتشد فيها المصلون .
يستثمرعيسى شخصية الشناوي ليكشف من خلالها عددا ًمن القضايا التي تحتقن داخل المجتمع المصري،منها مايتعلق بالاساليب المهينة التي تلجأ إليها السلطة ــ مُمَثلة ًبأجهزتها الأمنية ــ لتحطيم كرامة المواطن حتى لوكان شخصيةعامة،سعيا ًمنها لخنق أيّ صوت يعلو مناديا ً بحرية التفكير والقول كما حصل مع الشناوي نفسه الذي يتم أحتجازه لعدة ساعات منفرداً في غرفة داخل دائرة الأمن،من غيرأن يقابله أي مسؤول أمني كبير من الذين يعرفهم جيدا ويحظى بأهتمامهم وتقديرهم،ومن غيرأن يتم التحقيق معه أو أن توجَّهَ له ايّة اتهامات،ليبقى طيلة ساعات الليل وحتى طلوع الفجرشاعرا ً بالمهانة والأذلال،تتقلبه الافكار والهواجس بحثا ًعن سبب احتجازه بهذه الطريقة المُذلة ! ولأنَّ المؤلف إبراهيم عيسى يتَّسمُ بقدرة عالية على السخرية اللاذعة من الاوضاع العامة عُرف بها في مجمل كتاباته وبرامجه التلفزيونية نجده يدفع بالشناوي إلى أن يبدأ بالتبوّل " وأطلق بَولهُ على الجدران وعلى المكتب والستائر والسجاد البالي وعلى ظهر الباب،كان بَولهُ ينافس غضبه ويسابق حريته،وكان مستعدا ًالآنَ لأيّ استجواب حين يفتحون الباب،وهوعلى يقين أنهم يرونه الآن عبر كاميرات مزروعة في الغرفة وهو يتبول عليهم جميعا ً !" هذا المشهد هو من أبلغ المشاهد التي حملت رسالة قاسية برمزيتها،وعبّأها عيسى بشحنة عالية من السخرية والتمرد وهي أشبه بصرخة قويّة ضد ضحالة الاساليب التي تنهجهاالاجهزة الامنية مع المواطن،كما أن كثافة العلامات التي حملها هذا المشهد تأتي أهميتها من أنَّ: هذا الفعل قد تم تمريره من قبل المؤلف عبر شخصية الشيخ والداعية الاسلامي الشناوي . كما أن عيسى لم يغفل في نسيج الرواية التطرق للصراع القائم بين دعاة التطرف من المسلمين والمسيحيين على حد ٍ سواء،إضافة إلى الفتاوى الدينية الغريبة والصادمة التي أمسى المجتمع الاسلامي يتلقاها من قبل خليط عجيب من الدعاة والشيوخ بعد صعود المد الاسلامي المتطرف الذي جاءت به العديد من حركات الاسلام السياسي التي كانت قد ظهرت خلال الربع الاخيرمن القرن العشرين،ومالهذه الفتاوى من آثار سلبية على عموم المجتمع الى جانب رجال الدين أنفسهم الذين توزعوا مابين معارض لها وموافق عليها.
ذاكرة الميديا
على مستوى البناء الفني أخذت المجادلات حيزا ً واسعا ًمن زمن الرواية وهذا ماأربك البناء العام إلى حدٍ ما وأثقله بمجريات حوارية مطوّلة كان تأثيرها واضحا على البناء السردي للأحداث وتطورها،ليجد القارىء نفسه وكأنه أمام مناظرة تلفزيونية أبطالها مجموعة من الشيوخ والدعاة كلُّ يسعى لإثبات صحة ماستند إليه من أحاديث ومراجع فقهية،لكن المؤلف وبما يتسم به من ذكاء عُرفَ به،أستطاع أن يمسك بمقود الحوارات وأخضعها تحت خبرته الطويلة التي اكتسبها عبر برامجه التي يقدمها من على شاشة التلفزيون.
كما تمكن عيسى من تمرير رسالته الناقدة والساخرة من الأوضاع العامة التي تعصف بالمجتمع المصري عبر شخصية الشناوي التي أكسبها كثيرا ً من سماته الشخصية،مضيفا ً إليها ملامح بارزة ومعروفة من طباع وسلوكيات إستلها من دعاة مشهورين ومعروفين لدى جمهور واسع جدا ًفي العالم العربي والاسلامي،ويمكن لذاكرة القارىء أن تستدعي صورهم بكل سهولة،حال قراءة الرواية،ليجد الكثيرمن التشابه بينهم وبين شخصية الشناوي.
اضافة الى ذلك يرسم إبراهيم عيسى صورة واقعية لطبيعة العلاقات الوثيقة التي ترتبط بها اجهزة الأمن التابعة للسلطة مع نخبة من رجال الاعمال والفنانين والاعلاميين ورجال الدين.وفي هذا الاطار يتوقف أمام شخصية (أنور) مقدم البرامج الشهيرالذي يسيرفي برامجه التي يستضيف فيها الدُّعاة وفق خطة مرسومة ومُحكَمَة ٍ من قبل اجهزة الامن،في محاولة منها للامساك بزمام الامور، في إشارة واضحة من المؤلف على أنها لن تتردد في استخدام أقذر الاساليب اللاخلاقية لتوريط الشخصيات العامة ــ بما فيهم الدُّعاةــ في علاقات مشبوهةلأجل إيقاعهم في شرِّ أعمالهم،ليتمكنوا بذلك من الضغط عليهم وإسكاتهم ساعة تجدهم قد أصبحوا يشكلون خطرا ًعلى النظام السياسي القائم،مثلما هي العلاقة العاطفية التي تم التخطيط لها بكل دقةٍ لتنشأ مابين الشيخ الشناوي ونشوى الفتاة المحجبة،ولم تكن نشوى سوى ممثلة شابة ليس في رصيدها الفني سوى عدد من الادوار المتواضعةالتي لم تسعفها في ألوصول الى الشهرة والنجومية،فدفعت بها أجهزة الأمن لتكون من بين مجموعة من الشباب والشابات المشاركين في إحدى حلقات برنامج الشيخ الشناوي،لتؤدي دورا ً تمثيليا ً أتقنت أداءهُ، بعد أن تم تدريبها وتلقينها بشكل يهدف إلى أن تلفت نَظَرَ وانتباه الشيخ الشناوي عبر أسئلة جريئة تطرحها عليه إضافة الى ماتتمتع به من رقة وجمال،فتنجح في تنفيذ ما تم رسمه لها،ويسقط الشيخ فريسة سهلة في حضنها.
آليات الكتابة
بنية الزمن المرسلة والمنطوية في تركيبة هذا النص الروائي لم تتحرك وفق علاقة متشظية في اطار مقاربة قراءتية للمنجز الروائي الحديث بكل انشغالاته وانشطارته بل بقيت مشحونة بآليات الكتابة السردية التقليدية التي يسهم السرد الحكواتي في بناء مسارها،وهذا يعود بتقديرنا الى أن المؤلف لم يغادر وظيفته ورسالته الاعلامية،باعتباره مُقدِما ناجحا ً لبرامج (التوك شو)على شاشة الفضائيات،فأستثمرهذه الخاصيّة كثيراً في البناء السردي لروايته التي احتشدت فيها تفاصيل دقيقة تتعلق بمايجري وراء كواليس البرامج التلفزيونية الدينية،التي يقدمها الدعاة المشهورون والكيفية التي يتم بها إنتاجها،ومَنْ يتولى تمويلها من تجار وشركات ورجال أعمال عبر ضخ اعلاناتهم فيها،وطبيعة الصفقات التي تتم فيمابينهم وبين المحطات الفضائية.
شخصنة الخِطاب
أهمية الموضوع المطروع في هذا العمل الروائي تأتي من كونه يتعرض لقضية حساسة باتت تهيمن على الواقع في البلدان العربية والاسلامية،وأمست تشكل ظاهرة ملفتة للاهتمام بعد أن استحوذت على مساحة كبيرة من الاعلام المرئي ( الميديا ) ومايشكله من تأثير كبيرفي توجيه الرأي العام،ألاوهي :ظاهرة نجوم الفضائيات، من دعاة ومشايخ،الذين باتوا يلعبون دورا ًمؤثرا ًوخطيرا ًفي مجريات الحياة الاجتماعية،عبر حضورهم الدائم والطاغي خلال فترات طويلة من البث ،ومانتج عن ذلك بفعل فتاواهم وأحاديثم التي تغيّبُ سُلطة العقل من تداعيات خطيرة أسقطت قطاعات واسعة ومتنوعة من المجتمع في بركة التطرف الديني والمذهبي،إضافة الى شيوع الفكر الغيبي والخرافات التي باتت اشبه بالمقدسات،ت ومسؤولية ذلك تحمله الانظمة السياسية الحاكمة،لأنها قد وفَّرت بيئة متخلفة ملائمة لشيوع هذه الظاهرة،مِنْ بَعد أن غيَّبتْ عن برامجها،الخطط والسياسات التنموية التي يمكن من خلالها أن يرتقي مستوى الوعي والعيش الكريم لمواطنيها.
أخيرا ً نقول: إن الرواية قد توفرت فيها ممكنات فنية في بنيتها التركيبية ماجعلها نصا ً سرديا ً متماسكا ً وممتعا ً،نجح المؤلف من خلاله في أن يفتح أمامنا فضاءً فنيا واسعا،تم تأثيثه بتفاصيل دقيقة لعوالم يحيا فيها النخبة من رجال السلطة والدين والأعمال والفن والإعلام،كما نجح إلى حد كبير في أن يقدم لنا كشفاً جرئيا ًوواقعيا ً مُستندا ًعلى أسلوب ٍ قوامه السخرية والنقد اللاذع لنماذج انسانية،مانفكّت تلعب دورا كبيرا ومؤثرا ً في رسم معتقداتنا وافكارنا وممارساتنا .
يذكر أن للمؤلف ابراهيم عيسى إصدارات أخرى، منها :

- مريم التجلى الأخير - صار بعيدا -أفكار مهددة بالقتل
- العراة - مقتل الرجل الكبير - مقتل الحسين
- كتابي عن مبارك وعصره ومصره - رجال بعد الرسول - أشباح وطنية
- لدى أقوال أخرى - الإسلام الديموقراطي - إذهب إلى فرعون
- دم على نهد - تاريخ المستقبل - المقالات الغزاوية -
- قصة حبهم - عندما كنا نحب - في وصف من يمكن تسميتها الحبيبة

*الرواية كانت مرشحة ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام 2013

ملاحظة : اخطأ مصمم الصفحة في وضع صورة صديقنا الشاعر امير بولص بدلا ً من صورة الروائي ابراهيم عيسى .

222 رواق

رواق 222 اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي 2/ 11 / 2017 - المحكمة العسكرية تقرر اعدام مهدي الغرواي قائد عمليات نينوى الاسبق . - سيارات موني...