الأربعاء، 24 يوليو 2013


في الزمان طبعة العراق -السنة السادسة عشرة العدد 4564الاربعاء 15 من رمضان 1434 ه 24 من تموز (يوليو )2013 م. 

                          قراءة في الكمِّيَّاتِ المُتـَّجَهةّ!

قراءة نقدية للنص الشعري:مُنعطف الوقت،
للشاعر مروان ياسين الدليمي

                                                       كتابة نقدية : د. أياد آل عبـّـار
                                                                       تورينو- ايطاليا 

 
ساعةَ امسَكَتْ الخاتمة ُغفوتَنا/عَبَرنا بلاداً/ أستيقظت منازلها/على/ وشم العتاد ./أنَذَاك/ ثقبنا أجراسَ الهواء /مُلطّخاً/ بأحذية خلفها غُربَاء .
الزمان والمكان كميتان متجهتان وكل كمية متجهة هي ذات أبعاد ثلاث تتحدد بالكم والنوع والسببية وهي في نفس الوقت ذات مسار معين لا يتغير إلا َّ إذا عبر من حيز الى آخر. والإنعطاف "الإنكسار"لا يكون إلا َّ رَدَّة فعل لحدث سابق له، كأنَّ الكمية المتجهة تعبر من حالة الى أخرى أو من حيِّز ٍ ذي كثافة الى حيز ٍ ذي كثافة أخرى، مثلا إنكسار الضوء أو غيره عندما يمر من الهواء الى الماء. الوقت وهو كمية مُتـَّجهة يحتوي على كل تلك الصفات الآنفة الذكر والى جانبها فإنـَّه يتقلـَّدُ الفرح والمأساة، الحزن والسعادة، الألم والطوبى، الحَيْرى والطمأنينة. ومنعطف الوقت سيُؤدِّي حتما ً الى ما كنـّا لا نعرفه وكان مجهولا وربما لم يكن بالحسبان أو على الأقل لم يكن مُتـَوَقـَّعا ً. الوقت دائما له ثلاث حالات ملتصقة ببعضها ولا تفترق أبدا هذه الحالات هي الماضي والحاضر والمستقبل. الماضي والمستقبل هما حالتان متناقضتان، الأولى محددة وكانت قد بدأت وأنتهت فهي حالة مُعَرَّفـَة بـ"الـ" التعريف! وأمّا المستقبل فهو على العكس بالضبط: هو حالة تكمن في المجهول.
" وأَعْلـَمُ مَا فِي الْيَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَـهُ وَلكِنَّنِـي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَـمِ"
المستقبل له ما ليس لنا فهو دائما يسبق ملكيتنا وما نستطيع أن نتملـَّكُهُ ويتعداها، يفوق قوتنا ويقف لنا بالمرصاد، إنـَّه من مُلك "ﭙروميثيوس" "Prometeo" حسب عقائد المثولوجيا الأغريقية ـ اللاتينية! أمّا "اليوم" فهو ليس إلا َّ وليد المستقبل وميت الماضي وهو حالة من القلق وعدم الإستقرار! الحاضر هو تفاعل وانفعال، كسب وخسران، حرب وسلام، حب وكراهية، غبن وثقة، صداقة وخيانة، بحث وإكتشاف، نجاح وخيبة، صراع مستمر يطول لحظة واحدة! ولكن هذه اللحظة في أحيان يكون الأحساس بها دهرا بكامله، عمرا بطوله وعرضه، هذه اللحظة التي هي وليدة المستقبل وميِّتـَةُ الماضي هي ذاتها الوجود الحقيقي لكل مخلوق موَّاتٍ:"موجود لغيره" أو "ممكن الوجود"! "منعطف الوقت" كان في لحظة من عمرنا، من عمر الشاعر مروان الدليمي، وهاهي هذه اللحظة دائمة قائمة فيه وفينا ـ ما أقام عسيب ـ! هي ساعة الخاتمة التي طوَّقتـْنا وأمسكت بنا على حين غفلة، تلك الغفلة كانت مُقـَدَّرة من قبل ولم نكن لِنـُحِسَّها بسبب غفوتنا؟! هل هذا صحيح؟ هل كنـَّا نائمين؟! لا أعتقد ذلك! لقد كنـَّا وسُمُّ الموت في أجسادنا وأرواحنا والشاعر كي يُخـَفـِّفَ الوطـْأَة علينا وثقل الذنب قال: " ساعةَ امسَكَتْ الخاتمة ُغفوتَنا"! فالشاعر ـ أوَّابٌ مُنيب ـ يخاف أن يجرحنا أكثر ممّا جُرِحْنا، أن يقتلنا أكثر ممّا قـُتِلـْنا. "الخاتمة" يُمكنُ أن تكون بداية فمنعطف الوقت هو بداية للإستمرار في العيش في وقت آخر وهو بذاته ليس إلا َّ شكلا ً أخرَ "للممكن الوجود" هذا الشكل والمضمون لهذا الإنعطاف هو العبودية ـ الخسران ـ الحزن ـ والرؤيا الأخيرة التي ملؤها المأساة والألم: بلادٌ منازلها استيقضت على وشم العتاد!الوشم هو ذاك الذي سببه الرصاص والقنابل والقصف والخراب، إنه وشم معركة وحرب لا تزال قائمة على قدم وساق، حرب مُستعمِر ٍ أتي من من الخارج ومن بعيد، وحرب دائمة من الداخل، داخل الجسد الموشوم والموسوم بانفصال وتناقض أطرافه ومكوناته لما تحويها من سموم الماضي البعيد والقريب، بطائفية الحاضر التي تحوي كل جهل وغباء الماضي ومجهول المستقبل، تلك الطائفية التي تفشت كالسرطان في حاضر الوجود، الوجود كله عقلا وفكرا، جسدا وروحا ولم تـَعُدْ تـُحِسُّ بآثار أحذية الغرباء الذين داسوا على شرف وكرامة وجود الأنسان بذاته وفي ذاته!
كفَرنَا برائحة التراب /وكأناّ صدّقنا ثانية ً/بأنّا سنشربُ كؤوسَ المشهد ِ /مُعمَّداً بالغَسقْ ،/وأنّ المقاهي ستحل ُّ بعد قليل لغزَ/عُزلتِنا/ والحكماء سيقطنون عَنابرَمن تورّط بالحروبِ/ والرهاناتِ الخاسرةِ ،/وأننا بعد هذا :/لن نَتَلفَتَ بِرجولتِنا/ولن نرسم أمطارَنا/ وشهوتَنا للبحر / ورائحةَ النساءِ.
عندما تصل المعاناة حدَّا ً لا يُطاق والألم يزيد على مجرَّد "غمامة صيفٍ عَنْ قرِيبٍ تـَقـْشَعُ" والحزن يُمسي المأكل والمشرب والهندام والمأوى، عندما اليأس يرتدي جلباب الأمل والخيانة تتزوَّقُ وتتجمَّل لابسة ً قناع الثقة وتنقلب الأشياء على عكس ما هي عليه ويسقط الوجود كلـُّهُ في أقصى الحضيض فإنَّ ـ الرجل، الإنسان، الشاعر، الفنان، المفكرـ (يكفر)! كلُّ شيئٍ يكفر بكلِّ شيئ، وإذا "كفرنا برائحة التراب "فنحن في حالة من المستحيل أن تصفها الكلمات أو أن يـُطِيلـَها أي تعبير يُفـْصِحُ عنها. "التعميد" مفهوم يدلُّ على التطهير من الدنس والزيف والإثم، وإذا أصبح المشهد أمامنا معمددأ ً بالغسق ـ الدم فهو سيكون طاهرا وخالصا من كلِّ ما يشوب ذاته وشكله، ظاهره وباطنه. الخدعة هي ها هنا: أن تظهر الأشياء على غير حقيقتها وعلى الشاعر أن يكشف هذه الخدعة! كنـّا فيما مضى قد عَلـَّمونا بإنَّ الشاعر ـ الفنان هو أكذب الخلق! وهو الذي يرسم الواقع ـ الطبيعة بغير ماهي عليه وكلمـَّا كان كذبه أكبر كلما كانت قصيدته تزداد روعة وجمالا ً! أمّا اليوم فالشاعر يبدو أكثر صدقا من الواقع ذاته، بل هو مرآة صادقة في عكسها لصورة الواقع دون أن تستبدل يمنها بشمالها، دون أن تغير أو تزيد من ألوانها وشكلها، دون إضافة أو نقصان لأن الواقع قد ارتدى جلباب الرمز، الرومانسية والسريالية وها هو الشاعر يُعيدُ صورة الواقع الى حقيقته! أن يُصَدِّقَ من يرى كلَّ ما أمامه من زيف سيصبح حتما في حالة من الغثيان والشرود والسحر الذي يشلُّ إرادته ويعطـِّلها بحيث أنـَّه سَيُصَدِّق! بينما الشاعر يستخدم الكلمة، المفردة، وهي من أخوات "إنَّ" اللاتي لم يزلـْنَ على قيد الحياة :(كأنَّ) ! كأنَّ هذه هي للتشبيه لا غير، فالشاعر لم ينخدع بما أمامه من واقع مزيف: المقاهي التي سيكون بإمكانها أن تحلَّ اللغز[ بينما نلعب الطاولة والدمينو والنرد وغيرها ونحتسي الشاي الغامق الحمرة الشبيه بدمائنا بل كان قد اُسْتـُقـْطِرَ من دمائنا]، لغزالعزلة، وتعرف سبب نزول الحكماء وعيشهم في عنابر أولئك الذين تورطوا بالحرب والرهانات الخاسرة! وهذا ما سوف لن يحدث، فهل سيمكننا أن نلتفت برجولتنا ونرسم أمطارنا وشهوتنا للبحر ورائحة النساء؟!
رحيلنا ،/على تلك النوافذ ... حِدادْ/مُشتهانا بلادْ./ فوق كنيسةِ الساعة -1-/ كم أيقظَ نعاس الشمس/ رنين الناقوس./ كم أقتربنا من/رجولتنا/ وابتعدنا كثيراًعن طفولتِنا فأنكسرنا/ وانكسرنا/ وانكسرنا./ حفاةً نمضي/ يُظَلِلُنا الغبار.
الحداد أكثر ألما من الجرح ـ الموت، الحداد عندما يكون نافذة ستصبح كل الدنيا عبارة عن مأتم، كل ما نراه، نـُحِسُّهُ، نفكر به سيصبح مأتم؛ الوجود كله مأتم! وكل ما سنشتهيه هو بيت ـ بلاد تستر عورتنا وضعفنا وقلة حيلتنا! هناك حيث "كنيسة الساعة" حيث ربى الشاعر وربيت أنا أيضا، الكنيسة ونواقيسها التي كانت توقض نعاسنا ونعاس الشمس عندما كنـَّا نستغرق في نومنا على سطوح المنازل في ليلة تحفها النجوم والصيف يُهدهدُ هواءها العليل! تلك الكنيسة وتلك " نينوى"! نحن كلما رحلنا واقتربنا وأصبحنا تمائم في أحشاء رجولتنا كلما ابتعدنا عن طفولتنا وانكسرنا، تفتتنا، تبعثرنا وفقدنا قوة سفرنا وترحالنا إذ أصبحنا حفاة! يقول أحد أمثال شعب روما: "يكفينا حذاء جديد والقليل من الصحة كي ندور حول العالم كله"! ولكننا حفاة يظللنا الغبار ونحن نمضي عابرون الى القرارة!
عندما يُلـْبـِسُ الشاعر الواقعَ جلباب الرومانسية والرمزية والمثالية والسوريالية سنقول عنه كاذبا متغطرسا يتلاعب بالحقيقة والواقع! ولكن عندما ينزع الشاعر كل هؤلاء عن الحقيقة والواقع ويُرينا إياهم عاريين كما خلقهم الله فماذا سنسمي الشاعر الفنان حينها؟!
بكامل ِوعيِنا /شطَبنا الياسمينَ/ مِن وجوهِنا/ تعقَّبْنا أناقة/النُّعاس في رطوبةِ أزقَّتِنا/ علّقنا رائحة َالاوتارِعلى/ حيطان ِتوبتِنا، /كأنَّ رحيلنا
مُذ خَرَجنا من رعشة ِأُمهاتِنا/ يلفّقُ المنافي لنا/ أينما أتجهنا .
الوعي هو كل ما يملكه المخلوق من وجوده الحقيقي وإذا فقده فإن كل ما يمكن أن يكون من بعد ذلك فهو هرطقة لا وجود لها، أو أنها محض حالة، غيمة عن قريب تقشع! الصورة الشعرية هنا تفوق عمل صانع الفخار الذي يحاول أن يكسر ويحطم كل ما صنعه من قحوف وجرار وآنية كي يبيعها ويعيش بذلك الثمن الزهيد بقية حياته، ولكن ها هو يحطمها، يحطمها ويكسرها فقط لأنه قد جُنَّ بالعشق، إنه قد محى الياسمين من وجهه فهو لا يهمه أن يتزوَّق أو أن يتحلـَّى بالياسمين ورائحته العبقة، بل سيبقى ملطخا بالطين وعالقا به من رأسه وحتى قدميه، فرائحة الطين هي وجوده الحقيقي والذي سيودي به الى الفوز! ذلك كي يتعقب آثار عشيقته: أناقة النعاس في رطوبة الأزقة القديمة [ أزقة أحياء باب لكش، باب البيض، باب الطوب، الدواسة، النبي شيت، الساعة، السرجخانة وغيرها وغيرها...]، إنـَّه سيفوز مُعلـِّقا رائحة الأوتار، رائحة العزف على حيطان التوبة؛ كل هذا هو الظاهر من الأمر، أمّا الشاعر، وبالرغم من استعماله كلمة "كأنَّ"، فإنـَّهُ مُوقِنٌ بأنَّ ذلك ليس حقيقة، إنـَّه يعرف مسبقا ً بأنـَّه ومنذ لحظة خروجه من "رعشة إمه": لحظة الطـَّلـْقِ وآلامه، سوف يرافقه الرحيل وهذا الأخير بدوره سوف "يُلـَفـِّقُ" المنافي له، بل يجعله يعيشُها متوحِّدَةً بوجوده الغائص في رطوبة أزقته وأناقة نعاسها! إنه كغيره من مُشتهي بلاد " كنيسة الساعة" و"نينوى" سوف يكون منفيا ً أينما اتـَّجَه!
أودّ الانَ/ أن لاأستدلَّ على وجهي/ أن اشطُب سَمعي/ أن أطفىءَ بَصري ./ أنحدِرُ بالوصايا/ الى مُنعطفاتِ المراثي / أطيلُ انتظاري بعيدا ًعنها/ إلى أن يأتي نشيدُ العَدم .
بعد كل الذي حدث، بعد المجازر والدماء التي كان الغـَسَقُ قدِ اسْتدان منها اللون والطعم والرائحة، بعد القتل والتشريد والتعذيب والتهديد والأغتصاب والقهر، بعد الإحتلال والإنشقاق والذل والموت وبعد "كان ياما كان" يصل الرجل الى حالة قصوى لا يستطيع بها حتى الوجود كله بما فيه من قوة وعظمة أن يحتملها، هذه الحالة تفقده قوة الفعل والرد على على تلك بما يستطيع به الخلاص منها، فيصبح وجودا ضعيفا يحاول الهروب والتملص من مما يعتريه من خسران، هذه المحاولة هي ليست إلا َّ استمرار للحالة نفسها! الإستمرار بالتقهقر والإنحدار الى هاوية العدم. الرجل هو رجل كل زمان ومكان ولكنه هو ذاك، لا يستطيع أن يتخلض من سببيَّتِهِ. لا يستطيع أن يتعرى وينزع عنه هندامه القديم وإن كان قد تمزق وأصبح أوصالا لا تقيه من شيئ ولا تدل عن هويته أو أيِّ معنىً لوجوده؛ الشاعر يستمر في الإتجاه نفسه، المنحنى الذي تسير به حالته ليكملها وينهيها عن بكرة أبيها: هو لا يريد التعرف على وجهه حينما استدعته السلطات للتعرف على "ضحية العصر الكبرى"، أللا َّ يسمع، أللا َّ يرى، أن يرمي بالألوح ويكسِّرُها، يُفـَتـِّتـُها مُلـْقِيا ً بها على "منعطفات المراثي" وأن يقيم بعيدا عنها مطيلا إنتظاره حتى يأتي "نشيد" الموت.
هل أنا هُناك ؟/ أستيقظ ُخارج عُزلتي/ أُرَوِّضُ أعترافات أصابعي
أمدُّها من نافذتي/ لعلها في لحظة ٍ/ قَدْ تُمسِكُ غيمة ً هاربة ً/
من نينوى - 2 - .
إنـَّهُ مأزقٌ لا محالة منه، مأزق الوجود المفعم بالغربة والحزن والألم المُعَرَّف بـ "ألِفِ" التعريف الكبيرة وبالرغم من هذا فهو ألم مبهم! ألم العزلة والفراق المبللل بدمع لم تره العين من قبل، لم يسبق وأن ذاق اللسان ملوحته ومرارته، إنها دموع خفية تودي الى اعترافات الأصابع الممتدَّة الى نافذة، هي بذاتها متواجدة بين
"... تلك النوافذ . . حِدادْ"، إعترافات هذه الأصابع هي الرغبة والشوق الى غيمة، سحابة تمر، ربما، هاربة هي الأخرى من "نينوى" حاملة بعض، بعض، بعض ما تشتاق إليه الروح ويتوق إليه القلب.
خلفَ أسيجة ٍتتعقبني/ أجتازُ إنتظاري ،/ أنا الغريبُ هناك/ كما هُنا .
الغربة في رحم الأم، الغربة خارج رحم الأم "كأنَّ رحيلنا مُذ خَرَجنا من رعشة ِأُمهاتِنا"، الغربة في أصقاع بعيدة، في كلِّ مكان وزمان الغربة قدر كل أولئك الذين كانت قد زُرِعَتْ فيهم نخلة من نخيل العراق وياسمينة من يَسَامِين ِ "نينوى"! سبب هذه الغربة ليس المكان ولا الزمان، سَبَبـِيَّتـَهَا تكمن في قلب ذلك الحدث : الخروج من رعشة الأم! أن تكون غريبا هذا ليس معناه أن تتحرر من قيودك وتتخلص من جذورك، بل على العكس، إنك تزيد منها وتجعلها أثقل وأكثر قوة وصلابة، فالغربة تتضاعف وتصبح غربتان وثلاث وأربع و...الى ما لانهاية، ما لانهاية الغربة هي تلك "الأسيجة " التي لاتفتأ تتعقب وتفتش وتطوق "المغلوب على أمره" بالرغم من إمكانه أن يجتاز أنتظاره فهو سيبقى :" أنا الغريبُ هناك/ كما هُنا ."!
السكونُ/ الرجلُ الطاعنُ في السِّنِ/ وسائقُ التاكسي/والعابرون من المنافي تحت قلعة ِأربيل -3 -/ كُلهم/ يفتحُ خزائنَ الرّيبة ِ/ ليستجوب سحنتي.
إذا كنتَ غريبا ً حتى وإن كنت في رحم أمِّكَ، فستبقى كذلك أينما كنت وحللت وفي أيِّ زمان! أنت موسوم بهذه الغربة وموشوم بنارها حتى النخاع وكل من سيراك سـ "يفتحُ خزائنَ الرّيبة ِ" والشَّكِّ، سَيُقـَلـِّبُ كلَّ مايجده ويبحث في تلك الصناديق المغلـَّفة بالغبار والتي كان الدهر قد أكل عليها وشرب! وسيحاور ذاته وأدواته في خزائنه عَلـَّه سيجد "خاتم نبينا سليمان"! ويتعلم كل لغات مخاليق الله، سيتعلم لغتك، لغة "السكون" ولغة " الرجلُ الطاعنُ في السِّنِ" ولغة " سائقُ التاكسي" وسيدعو كل " العابرين من المنافي تحت قلعة ِأربيل" كي يجد الطريق إليك وسيستجوب سحنتك، سيبحث في خزائنه مرَّةً أخرى وأخرى وأخرى...حتى يلهث ويفهق ويتصبب العرق من جبينه وتجف شفاهه ! سيبحث عن أيِّ شيئ يستطيع به أن يَحُلَّ "عُقـْدَةً في لِسَانِك" ويجعلك تنطق، تحكي، حتى إذا لم تكن تفهم لغته ، سيطلب منك أن تكلـِّمَهُ "رمزا" وإن كانت آيتك "أللا َّ تـُكلـِّمَ النـَّاسَ ثـَلاثَ ... ـ قرون ٍـ سَوِيـَّا"! ويسأل: مَنْ...؟! وسيتكرر السؤال ألف ألف مرة وستكون الإجابة نفسها ألف ألف مرة؛ وبعد الإعياء والتعب، بعد خيبة الأمل والتراجع والأسى والأسف والحزن هل ياترى ستكون الإجابة كالتالي:
أجاَرَتـُنـَا إنَّ المَزَارَ قـَريـــــــــبُ وإنـِّي مُقِيمٌ ما أقـَامَ عَسِيــــــــــبُ
أجَارتـُنـَا إنَّ الخـُطـُوبَ تـَنـُـــوبُ وَإنـَّي مُقِيمٌ مَا أقـَامَ عَسِيـــــــــــبُ
أجَارَتـُنـَا إنـَّـا غـَرِيبَانِ هَاهُنـَــــــا وَكُلُّ غـَرِيبٍ لِلـْغـَرِيبِ نـَسِيـــــــبُ
فـَإنْ تـَصِلِينـَا فـَالقـَرَابَةُ بـَيْنـَنـَــــا وَإنْ تـَصْرِمِينـَا فـَالغـَرِيُب غـَرِيـبُ
أجَارَتـُنـَا مَافـَاتَ لـَيْسَ يَـــــؤُوبُ وَمَاهُوَ آتٍ فِي الزَّمَانِ قـَرِيــــــــبُ
وَلـَيْسَ غـَريبا ً مَنْ تـَنـَاءَتْ دِيَارُهُ وَلكِنْ مَنْ وَارَى التـُّرَابُ،غـَرِيـــبُ ؟؟؟!!!
ولكن ما سبب الغربة وما علتها؟ ماهو ذلك الحدث الجسيم الذي بوقوعه تكون الغربة نتيجة له؟ لماذا يتخلـَّى المرء عن ذاته، عن "الأنا" التي هي مصدر وجوده الأول وهويته في حياته على هذا الكوكب المسكين؟! هل هذا السبب كما يقول الطغرائي: "
إنَّ العُـــــــــلا حَــــــدَّثـَتـْنِي وَهْيَ صـَـــــــــادِقـَةٌ فِيمَا تُحـَــــــــــــــــــــــــدِّثُ أنَّ العِزَّ فِي النـُّقـَلِ ،
أم أنَّ القضية تتعلق بما كان يقوله المثاليون الألمان مثل هيجل"Hegel " وغيره: ـ الأنا تغترب عن ذاتها، فتتحول من "أنا" منتهية ومحدودة الى "أنا" غير منتهية وغير محدودة، أي لا نهائية ومطلقة! فهي "أنا" الإغتراب عن الذات و"أنا" المعرفة! وهل المعرفة هي سبب الإغتراب؟إنَّ كل ما يجعل الإنسان لا يشابه عصره وزمانه ومكان عيشيه سيجعله حتما غريبا عنهم بصيغة أو بأخرى :" الأعور في عالم العميان إما أن يكون دخيلا غريبا أو أن يكون ملكا"؟! هذا الإختلاف أهو الغربة؟ وإذا كان كذلك أهو مصدر المعاناة والحزن والألم والمأساة؟
مضى العُمر/ وانا لاأتقنُ إلا ّ لغَتي/ في شوارعَ/ تهدّمت أُنوثةُ النهار فيها/ وتعثّر الكلام بتجاعيدها .
"هذا العمر قضى" هذا ما قاله ويقوله الكثيرون! أمّا أن المرء وبعد أن مضى أكثر عمره وهو لا يجيد ولا يتقن ،بعد كل هذا وذاك، إلا َّ لغته فإنَّ هذا هو الفوز العظيم! هذا هو الصدق بكل أشكاله وجوهره، ما من شك بأن لغة الشاعر في هذه القصيدة هي لغة سَلِسَة ٌ واضحة لا شائبة فيها ولا أخطاءً لغوية أو نحوية أو إملائية كما في الكثير من القصائد والمجموعات الشعرية التي تصلني بطريقة أو أخرى للكثير من الشعراء الكبار منهم والصغار! لا شك من أن مروان الديليمي يجيد لغته ولسانه هو "لسان العرب"! وها هو يعترف بذلك وكأن معرفة اللغة هي ذنب قد اقترفه في زمان من يجهلون لغتهم وأصلهم وشرفهم من العرب الباقية التي لا حق لها في الوجود وقد كان من الأوْلـَى بها أن تلحق بـ "العرب البائدة"! هذا العمر قد مضى، أين؟ في " في شوارعَ/ تهدّمت أُنوثةُ النهار فيها/ وتعثّر الكلام بتجاعيدها ."هل أنوثة النهار تعني أن في تلك الشوارع، شوارع العمر لا تسير فيها إلا َّ المحجبات والاتي لا يُرى منهنَّ إلا َّ "حجما" داكن اللون أسودَ، دائريا ً أو مربعا ًأو مستطيلا ً لا يُدرَكُ منه الوجه من العقب ولا الرأس من القدمين؟ أم أن أنوثة النهار هي ذلك الحب الكامن في القلب والحشا لتلك الشوارع التي تؤدِّي الى "كنيسة الساعة" وتلك الشوارع التي تـُزَوِّقُ وجه وجسد "نينوى"؟ الشوارع المهدَّمة، التي انهار وتكسر وانهدم العمر فيها ولم تعُدْ إلا َّ أطلالا ً هاوية وعروشا خاوية! لغة الشاعر وإنْ كانت لغة جميلة ورائعة ورصينة ها هي تتعثر كما الكلام يتعثر في في تجاعيد ذلك الوجه ـ الشوارع!
اليومَ ، رزمتُ أختلافي مع المُتمترسينَ عند ظلال الخوف ،/ وهم ينصتون بشغف ٍلمشقَّة البلاد .
رَزَمَ: فعل ماض مبني على الفتح والـ "ت": فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره!!! ـ هكذا علـَّمونا في المدارس! رزم بمعنى حزم ونقول في ما نقول من تعابيرنا في لغتنا الجميلة: حزم الرجل متاعه للرحيل، ورزم التلميذ دفاتره للذهاب الى المدرسة! ورزم رجل الجبل " في العراق وفي الشمال منه عادة هو رجل كردي عراقي"صفائح التبغ اليابسة ليأخذها الى السوق ويبيعها لمدمني التبغ مثلي! وإنْ كان معنى رزم هو حزم ولكن يبقى الإختلاف بينهما كبيرا والشاعر استخدم في تعبيره الفعل "رَزَمَ" وليس "حَزَمَ"! هذا لأنَّ الشاعر لا
"لايُتقنُ إلا ّ لغَته" فهو قد رزم في آخر الأمر اختلافه مع المتمرسين عند ظلال الخوف منهم وعليهم بينما هم شاردون يتنصتون بشغف الى الأخبار وما يحدث من معاناة ومشقة في البلاد؛ الشاعر رزم دفاتره كأي تلميذ مجتهد وجبان في نفس الوقت وذهب في طريقه ليجلس على "باب الله" وهو يقول: من منكم أفقر مني فأنا لا أملك إلا َّ لغتي هذه، فيرد أحد المارة عليه قائلا ً: أنت أغنى ناس عصرك!
نينوى رتَّبَت شكلَ التراب على وجهي/ مَشَت بي الى سماء ٍمُرتبِكة
فهل من بلادٍ مثلها؟/ الشمسُ فيها باتت منازل للطارئين/ الساعةُ الانَ لهم/ ونحن على طاولة ٍللتجاذب/ نحدِّقُ في ساعة ِموتِنا.
في "مدينة السينما" "Cinecitta "في روما، في إحدى الأيام الخوالي كنت أتجول هناك ودخلت بناية وفي إحدى ردهاتها وجدتني أما باب غرفة، دخلت، وجدت الكثير من الممثلين والعاملين وهم في شغل شاغل من أمرهم: المُزوِّقون والمُهّنْدِمُون يعملون بكل اجتهاد لتحضير أزياء الممثلين من ملبس وتزويق، كنت أرى أحد الممثلين وهو جالس على كرسي أما مِرآة وعلى منضدة أمامه الكثير من القناني والأصباغ وأدوات التجميل وكان أثنان من المُزَوِّقين يعملون بكل تركيز على تهيئة ذلك الممثل للمشهد الآتي الذي سيبدأ تصويره بعد قليل! وها هو شاعرنا "الممثل الأول" في "مسرح العبث" أو في السينما "الواقعية الجديدة الإيطالية"! ها هي "نينوى" تـُزَوِّقُ وجهه وتـُعِدُّ شكله وهندامه للوقوف أمام عدسة آلة التصوير، أمام المخرج "مروان ياسين الدليمي"! نينوى رتَّبَتْ شكل التراب على وجه الشاعر وأخذته نحو سماء مرتبكة! (الحقيقة هي أن الإرتباك كان ارتباك الممثل وليس ارتباك المخرج ـ السماء). فهل من بلادٍ ـ عشيقة مثلها؟، كان مروان الشاعر يتمتم ويوهوس ويوشوش في إذن نفسه قائلا ً: هل من بلادٍ ـ عشيقة مثلها؟! يا حسرتي! الشمسُ فيها باتت منازل للطارئين/ الساعةُ الانَ لهم/ ونحن على طاولة ٍللتجاذب/ نحدِّقُ في ساعة ِموتِنا.كانت هذه الكلمات الأخيرة التي سمعتها من ذلك الممثل قبل وقوفه أمام عدسة آلة التصوير!
مُنعطفُ الوقتِ/ لا أبتداء/ ولا انتهاء له./هل أطعنُ ما أقولْ/ أم لا أطعنُ ولا أٌقولْ؟
المنعطفات هي ذاتها في كل زمان ومكان، المهم ليس هذا وإنما سبب تلك المنعطفات وعن هذه الأسباب كلها يجيبنا صديقنا العزيز الذي كان قد عاش من قبلنا وانعطف في إحدى منعطفات "نسبيَتِهِ" ولم يعُدْ أبدا، كان إسمه على ما أذكر "ألبيرت أينشتاين"! لك الخيار أيها الشاعر المأخوذ لبا وروحا وجسدا بحب عشيقتك وعشيقتي "نينوى"، لك أن تختار في أن تطعن ما تقول ، أو لا تطعن ولا تقول وتنعطف، ففي الحالتين ستكون معطوفا على ما قبلك وأنت بدورك سيكون هناك من هو معطوف عليك، فـ " مُنعطفُ الوقتِ/ لا أبتداء/ ولا انتهاء له.".
ماعدتُّ أٌبصرُ أيَّ طريق ٍ يقودني(إلى الظلمة) للظلمة/ كأناّ تقوَّسْناعلى الأسى/ وأفرَغْنَا بريدَ نا على وجه ِالعَتَبات.
الطرق الظلماء كثيرة ولا تكلفنا شيئا ً ويمكننا المشي بها كيفما أردنا ولكن طريق النور واحدة! ( هذا ما قاله جدي عنما كان يأكل الكبَّة الموصلية ويشرب من ماء دجلة!) ومن ثم هو أيضا وكأنـَّهُ تقوس على الأسى وأفرغ بريده على وجه العتبات!
هَرَبْنا/ ثم أحرَقْنا، أسماءَنا خَلفَنا/ ومَحَونا الطريقَ / فهل أخطأنا لمّا شَطَبْنا أخطاءَنا؟/ وإن كنّا لمْ نَزَلْ/ نَقطنُ ما شَطبْنا .
ها هو الشاعر يعترف ولا نعلم هل أن اعترافه هذا: صادقٌ أم لا! ولكن نحن نعرف مثله أيضا من أنه بعد الهروب سيكون الحرق وأن الأسماء وإن بقيت فلا معنىً لها ولا قيمة مادية أم أخلاقية كانت، ومعالجة الخطأ بالخطأ ليس فضيلة وإفراغ كيس بريدنا على العتبات سوف لن يخلصنا من قدر محتوم من قبل كان قد صدر قانون العمل به إجباريا ً!
13/ 3/2013
الهوامش
1- من أقدم الكنائس في الموصل.
2- التسميه التأريخيه (الاشورية) لمدينة الموصل.
3- قلعة تاريخية في وسط مدينة اربيل ( اربأيلو) لازالت شاخصة حتى الان. يعود تاريخها الى عصر الآشوريين والى حوالي الألف الأول قبل الميلاد.

هذه القصيدة لا تزيد عن اعتراف كامل، هذا الإعتراف مظلل ومخطوط بواقعية سوداء وملساء مثل الحجر الأسود! والحجر وإن حكى ويحكي بلغة صافية وشفافة تبقى لغته التي يفهمها فقط من كان على علم بالكيمياء والسيمياء وعلوم الباطنية، لغة الرجل المسن وسائق التكسي والعابرين...، لم تعد السوريالية ولا الرمزية المثالية لتطيق هذه النصوص فهي أبعد منهما بكثير، إنها الواقع البائس المؤلم بحدوده الضيقة وأجوائه المتخمة بالغازات السامة المميتة ولكننا، نحن لسنا إلا َّ حشرات نتحول ونتبدل ونكتسب دائما خاصيات أخرى وقوى هائلة تجعلنا نواكب العيش في هذا الواقع المأساوي لنتخذ من سمومه ومأساته طعاما وشرابا يومي وبذلك نحمد ونستغفر ونسأل إدامة هذه النعمة!

الثلاثاء، 16 يوليو 2013


قراءتي النقدية لرواية(حقائب الذاكرة)للكاتب اللبناني شربل قطّان،في صحيفة الزمان الطبعة الدولية –السنة السادسة عشرة –العدد 4557-الثلاثاء 7 من رمضان 1434ه 16 من تموز (يوليو) 2013 م .

رواية .. حقائب الذاكرة
                                  البحث عن الذات
في رماد الحروب 
 
                                                                                               مروان ياسين الدليمي
المؤلف : شربل قطان *
الناشر : مؤسسة نوفل
الطبعة الاولى 2010
حقائب الذاكرة، مع أنها أول عمل للكاتب شربل قطان إلاّ أنها ترشحت لنيل جائزة البوكر للرواية العربية عام 2011، وكان ذلك،مفاجأة للأوساط الأدبية العربية آنذاك .
المنحى الذي تعامل به قطان مع التاريخ في هذا العمل تناغم مع وجهة نظر رولان بارت :" الرواية هي الجنس الادبي الذي يعبّر بشيء من الامتياز عن مجموعة مؤسسات اجتماعية ". أيضا بنفس الوقت هي ليست رواية تاريخية،فالكاتب هنا مدرك تماماً ماينبغي عليه أن يفعله عندما يتكىء العمل على التاريخ باعتباره خلفية يضىء من خلاله الزمن الحاضر، ويُحرِّك عناصر الفنية بين تفاصيله،وهو في ماذهب إليه في البنية الفنية للرواية لايخرج عن إطارالمشغل السردي للرواية الحديثة التي إستثمرت العديد من تقنيات الكتابة واشكال السرد التي تسرّبت اليها من مصادر متنوعة أثمرت بالتالي عن تحريرانماط الكتابة السردية من قوالبها وآليتها التي تقوقعت بها عبر مسيرتها. . وفي حقائب الذاكرة بدا ذلك واضحا في بناء الاحداث الذي تم بطريقة متراكبة تجاوزت تقليدية البناء السردي اضافة الى تجاوز القيود التي تفرضها الديباجة بما تحتمله من استطرادات .
"هنالك شيء اكيد : كل منّا يبحث عن شيء ما. والاكتمال في الحياة يأتي من معرفة هذا الشيء،ثم من تحديد الغاية من ايجاده" تتحدث الروايةعن شاب لبناني إسمه إيهاب يبحث عن والده أحمد علام الذي انقطعت اخباره في ظروف الحرب الاهلية اللبنانية :"في حالتي عرفت بسهولة،ومذ وعيت على الدنيا موضوع بحثي ،إني أبحث عن شخص.أمّا سبب بحثي عنه فالجواب ليس بالسهولة ذاتها ولا بالوضوح ذاته .. أنا أبحث عنه حتى أراه..كي أقول له..لأسأله..لأستشكشف معه أماكن..أريد الثروة به، أريد السعادة معه،أريد المعنى منه،خمسة عشرعاما وأنا أبحث،خمسة عشرعاما قضيتها في اروقة المطار ومكاتبه،مشاعري دوما في ظل مسيرتي،فأغمض عيني عن الحياة وعمّن أحاط بي،كل هذه السنين وأنا أسأل عنه أتحرى عن سفراته،أرسل بأسمه إلى أرشيفات مطارات العالم،علني أكتشف ماحل به ، مازلت مصرا ،بالرغم من انقطاع أخباره منذ سنين عديدة،. "
لم يكن ايهاب يعرف شيئا عن أمه ايضا والتي كانت قد تركته مرغمة بعد أن قرر والده الانفصال عنها مُرغما هو الاخر نتيجة الضغط الذي وقع عليه من قبل والدته واقاربه والسبب يعود لان زوجته من طائفة دينية غير طائفته وكان قد تزوجها دون رغبة اهله بعد أن وقع في حبها ، فتكفلت جدته بتربيته وكان كلما يسأل عنها تقول له :" إنها عند الله ". لم يكن إيهاب يملك حتى صورة لها ولاوجود لها في سجل قيد العائلة ولافي الملفات القانونية ولايعرف حتى اسمها وكأنها لم توجد اصلا ً.. سافر والده عدة مرات إلى المانيا والدول العربية،ويوم مقتل جدته كان والده في احدى رحلاته الطويلة الى المانيا،كان بحثه عنه قد قطع فيه شوطا طويلا من التحريات الخاصة عبر الاتصال بمدينة ميونخ الالمانيةالتي كانت آخر مدينة أقام فيهاعام 1975 لأنه كان يعمل في المكتب الرئيسي لشركة هرجز الالمانية في بيروت لصناعة مكائن الخياطة.أصيب إيهاب بالذهول عندما أكتشف ان والده قد سافر الى فرنسا عام 1978 لذا إشتد إصراره على معرفة ماحصل، فوظف مكاتب تحريين من أجل اقتباس معلومات عنه من مختلف البلدان وشركات السفر.
لم يكتب قطان رواية تاريخية،بل آثر أن يسرد مصائر افراد لعبت الحرب دورا حاسما في تقريرها فكان عمله مُنطلقا فنيا لرؤية الماضي ولم تكن تلك الرؤية في مسارها تقليدية ً، فهي لم تخضع للتسلسل الزمني الطبيعي في سرد الاحداث، بل ابتعدت عن هذا المنحى كثيرا لتستجيب لبنية فنية شاء الكاتب أن يعبث بهذا الترتيب التقليدي وأن لايكون تحت وطأته، فكانت تقنية الكتابة لجوءا ً الى آلية البحث والاستقصاء لأستدعاء الشخصيات والاحداث، وبهذه الآلية تمكن قطان من التوغل في مسارب المجتمع اللبناني الذي عصفت به الحرب الاهلية ومزقت نسيجه الاجتماعي الى كانتونات طائفية مغلفة بأيدولوجيات شتى حتى أن الكاتب نفسه إختار أن يعيش في جنوب افريقيا بعيدا عن وطنه لكنه ظل يسكن ذاكرته .
فالحرب الاهلية اللبنانية التي ابتدأت في النصف الاول من سبعينات القرن الماضي تشكل خلفية احداث العمل (حقائب الذاكرة) ،إذ يقول إيهاب عن الحرب التي يطلق عليه تسمية الوحش وهو يعلق على مصائر بقية الشخصيات التي عرفها في حياته :" " فاأنت ياوحش مَن أخذ جدتي، مَن حرمني مِن أبي ، ومَن جعل شادي يتيما يبكي في الليل،أذللتَ الكاتب، أدخلتَ الحرب الى بيت نبال، ظلمت البواب، وأضعت أبن أم رامي " ..
عندما بدأت الحرب الاهلية اللبنانية في منتصف سبعينات القرن الماضي كان إيهاب في السادسة من عمره فكانت محطته الاولى مع الظلمة. . كان ابن جيرانهم المسيحيين قد أمضى الليل إلى جانبه،حيث تركه أهله مع بعض الثياب وهربوا من منطقة الشيّاح الى شرقيّ بيروت..بدأت أصوات الشرشقات التي لم تنقطع طوال الليل تصبح اكثر وضوحاً وهدير المجنزرات غطى على كل الاصوات،اهتز البيت بعنف فسقط إبريق الشاي على الارض وتحطم زجاج الباب الامامي، خرج ايهاب وجدته وابن الجيران من البيت الذي تعرض للقصف ، وتمكنوا من الوصول الى السيارة لكنه غادرها عائدا الى البيت بعد ان تذكر انه قد نسي علبة معدنية يضع فيها اشياءه.لكنه وبعد أن التقط العلبة وعاد الى السيارة وجدها بمن فيها قد تفحمت وتحولت الى حطام. . ومن داخل سيارة الصليب الاحمر التي نقلته الى مستشفى اوتيل ديو ودّع آخر مشهد له لحي ّ ألشياح وللمنطقة التي اصبحت تعرف فيما بعد بيروت الغربية،وبعد ايام قليلة جاء رجل الدين المسيحي الاب نعمان بطلب من ادارة المستشفى ليأخذه الى دار للأيتام المسيحيين في منطقة كفر شيما والاب نعمان رجل دين مسيحي لم يعرف معنى الطائفية،وهو مُرشد من دون استبداد ، وقد حافظ على اسلامية إيهاب في زمن عنوانه التطرف .. في دار الايتام يتعرف ألطفل إيهاب على شادي الخجول والمنكسر،لأنه، يتبول على نفسه كل ليلة، مما يجعله عرضة للسخرية والاهانة النفسية والجسدية من قبل زميلهم في الميتم روني عبود الذي يكبرهم بعدد قليل من السنين .
تمضي الاعوام ويكبر مع ايهاب إصراره في العثورعلى والده وهذا مايدفعه الى أن يحصل على وظيفة ضابط أمن في مطار بيروت حتى يتمكن بموجب ذلك من الحصول على تصريح يخوله تناول معلومات الرحلات واسماء المسافرين ويدرجها في حاسوبه الخاص: "التحقتُ بأمن مطاربيروت حتى أحصل على تصريح يخولني تناول معلومات الرحلات واسماء المسافرين وأكتسب هيئة رسمية أتحرك عبرها .. لم أعمل من أجل ترقيات أو امتيازات وابتعدت قدر المستطاع عن كل ماحولي من احداث " . حرص إيهاب على البقاء في مركزه الوظيفي حتى لايبتعد عن ماحوله من احداث . . لم يكن معتمدا ً في معيشته على راتبه من هذه الوظيفة، لذا ، وجد من الضرورة أن يؤمِّن له دخل ثان، فتعمق في دراسة البورصة وعملها حتى برع فيها وجنى منها عبر السنين مبالغ أمّنت له استمرارية البحث عن والده الذي كان قد اختفت اخباره عنه مع بدء الحرب الاهلية .
لم يكن ولاءه سوى لنفسه، فتسبب هذا في كره المدير له واستدعائه اكثر من مرة وتوبيخه لأنه كان يتجاوز تعليمات المديربعدم تفتيش المسافرين بعد أن تمكن من القبض على عدد من مهربي المخدرات وهذا ماكان يثير غضب المدير عليه وبنفس الوقت يثير استغراب ايهاب ــ وسيظهر فيما بعد العلاقة الوثيقة التي تربطهم بمدير أمن المطارــ لذا كان لابد للمدير من اتخاذ قرار بنقله من شعبة المسافرين الى شعبة الكمارك على الرغم من أن إيهاب كان قد حصل على وظيفته هذه نتيجة قسمة التوزيع الطائفية التي تحكم لبنان.
وقبل أن يغادرمكتب وظيفته التي نقل منها تمكن من إدراج برنامج خاص في حاسوبه يتيح له أن يتلقى عبره يوميا سائر المعلومات عن حركة المسافرين. .وفي مستودع مكتب وظيفته الجديدة التي نقل اليها بقسم الكمارك لفت نظره خمس حقائب ضائعة أودعت فيه إلى ان يأتي اصحابها أو يتم الاتصال بهم أو أي شخص من أقربائهم .وسبب ضياعها يعود لحالات مختلفة وأوقات غير طبيعية،وبقيت هذه الحقائب منسية في مستودع الحجز سنين طويلة ولم يُعرف أصحابها كما لم يأت أي ّأحد يسأل عنها ،اقدم الحقائب يعود تاريخ حجزها الى عام 1975، فيما بعد ستصبح هذه الحقائب سببارئيسيا في تغيير مجرى حياته إلى الابد عندما بدأ رحلة البحث عن أصحابها واحدا ًبعد الاخر ونجح في الوصول اليهم،المفاجأة الكبرى كانت في الحقيبة الاخيرة،عندما فتحها ، فقد وجد من ضمن الاشياء التي كانت بداخلها ورقة صغيرة محشورة في لعبة أطفال على شكل حصان مكتوب عليها عدد من الاحرف والكلمات هي نفسها التي كانت مكتوبة في الفاكس الذي كان قد وصله منذ ايام من مكتب التحريات في المانيا والمحتوي على رقم سجل الاقامة الدائمة التي كان قد حصل عليها والده أحمد علام عمر عام 1975 وليكتشف أن الحصان هو نفسه الذي كان قد وعده به والده عندما كان طفلا صغيراً. من هنا تدخل رحلة البحث عن والده مرحلة الختام ،عندما يعثرعن طريق الصدفة أثناء بحثه في إحدى القرى على والدته وهي تعيش مع زوجها الثاني وإبنتها وحفيدها، ولتبدأ بكشف الاسرارالتي كانت تؤرق إبنها إيهاب لأكثر من ثلاثين عاما حول أسباب اختفائها واختفاء والده.

*شربل قطان (من مواليد بلدة مغدوشة ، لبنان الجنوبي ، 1970 ، انتقل الى جمهورية جنوب افريقيا عام 1990 ، حيث تابع دراسته العليا في جامعتها وحاز إجازة في المعلوماتية ، يقيم ويعمل حاليا في مدينة جوهنسبرغ ، متأهل وله ولدان ، حقائب الذاكرة هي روايته الاولى .

.

الخميس، 11 يوليو 2013

الحوار مع المخرج المسرحي فاضل سوداني في صحيفة الزمان الطبعة الدولية -السنة السادسة عشرة -العدد 4553- الخميس 2 رمضان 1434ه 11 تموز (يوليو)2013م .(الجزء الاول)

المخرج المسرحي د.فاضل سوداني :
-النصُّ الأدبيُّ المُغَلق، ُيعمّقُ اغترابَ َنص ِّ العَرض المسرحي

                                                                                                    

                                                                                                 حاوره : مروان ياسين الدليمي

"انا فنان وكاتب حالم ،أفهم العالم من خلال الحلم، والحياة بالنسبة لي بالرغم من قسوتها تعني لعبة حلمية،ولهذا فإن اللعب الفني هو طقس مسرحي يجب أن نعرف من خلاله كيف نحلم وكيف نحتفل به مع الجمهور ." بهذا التأطير يُفلسفُ فاضل سوداني طبيعة الحضور الذي يسعى لأن يكون عليه فعلهُ ومنجزهُ الفني والانساني، بعد رحلة طويلة من الترحال والسفر بين التجارب، توزعتها خارطة ُأمكنة ٍتفصل فيما بينها ثقافات وحضارات شاء هو أن يخوض غموضها متسلحا بأحاسيس من الدهشة والتساؤل . .مدينة العمارة العراقيةهي بداية ُمنعطف ٍفي تأمل الذات والاشياء ، وبداية ُسفر ٍطويل ٍفي طقوس ِالجسد ِوالصمتِ على رقعة الخشبة،فكانت بغداد وبيروت ودمشق وكوبنهاكن توغلا ً في متاهة البحث عن قيم الجمال التي يمكن لفضاء الدراما المسرحية ان
ينثرهاعلى انقاض ماض ثقيل بثرثرته المتأكلة. . والسوداني أستاذ جامعي ومخرج وباحث أكاديمي في الفن المسرحي ، يحمل شهادة دكتوراه في الاخراج والعلوم المسرحية ،عمل مخرجا وممثلا لسنوات طويلة في العديد من المسرحيات العالمية في مختلف البلدان ،ساهم في إلقاء محاضرات ودراسات في مختلف المهرجانات المسرحية وأنتدب للمساهمة في الجامعات والمختبرات المسرحية،كتب الدراسات المسرحية في الصحف والمجلات العربية، صمم الديكور للعديد من المسرحيات،وهو يدعوالمؤلف المسرحي العربي الى كتابة النص البصري في المسرح، ويعمل على تحقيق ذلك ضمن أمكانيات مايدعوه بالبعد الرابع لفضاء العرض المسرحي، وكذلك تحقيق المسرح البصري وتطويرعمل الممثل من خلال تدريبه عن طريق الذاكرة البصرية المُطلقة لجسد الممثل وعلاقتها بالأشياء والفضاء المسرحي ، وتحقيق ذلك مع طلبة المعاهد المسرحية والممثلين عموما من خلال اقامة
العديد من المختبرات work Shop لتدريب الممثل ، اخرج وكتب العديد من
المسرحيات ، يعيش في الدنمارك منذ العام 1992 ،يعمل الان استاذا جامعيا في جامعة دهوك في اقليم كوردستان . الزمان التقت به وحاورته حول رحلته وتجربته وتساؤلاته المسرحية .
*ماهو شكل العلاقة بينك و العالم ،هل تجدها علاقة تتسم بالواقعية مع هذا الكم من الحلم الذي تغرق فيه ؟
-من الضروري أن نفهم العالم وهو في كينونته الإبداعية يعني في كينونة المخيال والحلم ، و بالقدر الذي تكون فيه هذه العلاقة حُلمية -تكون في ذات الوقت علاقة واقعية فيها الكثير من عدم التوازن ـ فالغرباء عن العالم او غير المنسجمين معه والذين لا يفهمون تعقيداته يعيشون في غربة ذاتية خالصة،وفي المقابل أن تحلم يعني أن تبدع، وبمعنى اكثر وضوحا يعني أن تكون غريبا وفي علاقة متوترةومتشنجة مع هذا الشئ الغريب الذي أسمه بالعالم ، الحلم هو أسلبة العالم المحيط الى جوهره أو تكثيف لب معناه ، أي افراغه من سطوته واختزاله بتلك المشكلة التي تهمك والتي تكون فيها ذاتا ً متجوهرة ومتجسدة في أشكال مشخصه ،والحلم يعني أيضا أسلبة للواقع ، أي ان تؤكد علاقتك مع العالم من خلال الجوهر أو لب العالم ، وأن تعرف كيف تختزله بوضوح تام من خلال الإبداع الذاتي الصرف ، وتعرف أيضا أدواتك في أن تحوله الى لوحة أو عرض مسرحي أو قصيدة ضمن شروط العملية الفنية وليس شروط الواقع ، أي حسب زمن البعد الفني وليس الزمن الواقعي ، لهذا فان العمل الفني يتحول الى واقع افتراضي بديل فنياً و في لحظة الإبداع ، أي (الآن وهنا ) ولكون الواقع هو دائما غير مقبول نتيجة لشروطه الواقعية القاسية ، لذا يحتاج الأمر الى كم هائل من الحلم من اجل تحّمل وقبول هذا الواقع ، أن تحلم هذا يعني ، ان تعيش الحياة الحقيقية مادام الواقع هو ثرثرة وليس غنى ديناميكي ،إذن الحلم هو الحياة في ديناميكيتها المستعادة ،وهناك شئ آخر وهو: لا يمكن أن يكون للحياة أي معنى إذا لم نعرف كيف نحلم وكيف نتذوقها ؟ وإذا لا نعرف كيف نعيش الحياة وهي قصيرة ،وكيف نحقق مشروعنا الحياتي ؟ فإننا سنعيش بسكون تام ،لذا، وحتى نعيش الحياة لا بد أن نتعلم كيف نحلم ، وكيف نتذوق هذا الحلم الذي يحدد العلاقة بيني وبين العالم .
الفنان المثقف
*من الطبيعي ان يشكل الفن خطورة على الانظمة القمعية لكن هل يمكن ان يشكل الفن خطورة على المجتمع في لحظة ما،أو في عمل ما ؟
-عندما يفقد الفنان حريته في معالجة مشكلاته الذاتية والمشكلات الاجتماعية بوجود النظام اللاديمقراطي يتحول الى فنان غير متفاعل أي انه يتكيف مع حاجات العنف والإستثناء ويستخدم كل طاقاته الفنية والإبداعية في التكيف لمصلحة هذا الاستثناء في الحياة ، وأيضاً يعمل على تكيف المجتمع من خلال جعل الفن والثقافة طريق غامض لفهم الحياة أو يعمد الى وضع الأسئلة المزيفه والأجوبة الجاهزة التي لا تعني أي شئ لكنها تفرض الأستثناء الطائفي أو العنفي أو لخدمة الدكتاتورية مثل هذا الوضع يهيئ الفنان غير المتفاعل الى أن يصبح داعية لبرنامج النظام الدكتاتوري أوالشمولي ( الذي يهيئ المجتمع الى حروب لا مجدية ) وتفرض على الفن والفنان أو المثقف من قبل النظام الإستثنائي ،إضافة الى ما ذكر، حالة من استغلال ثقافته وفنه لتنمية غرائزالعنف المتوحشة في روح الإنسان في مجتمع فقد قدرته على التفاعل الإنساني والتاريخي لأنه يغرق في الخرافة لدرجة تحتل الأولوية في سلوكه ، فتتحول الى ظاهرة طبيعية في مجتمعات الأنظمة الشمولية والدكتاتورية والطائفية ،ويسبغ هذا المثقف على مثاله السياسي ( الدكتاتور ، الطاغية ،القائد ، الأب الروحي ، وشيخ الخرافة ... الخ ) صفات الرسل والقديسين ، من هذا المنطلق فان المثقف أو الفنان غير المتفاعل يبني ذاته هامشيا ، انه توريط الذات ـالمثقفة والذات الجماعية المتكيفة ـ في الالتزام بالوعي المشوه والخرافة من خلال فنه ، مثل هذا المثقف ـ الفنان هو جزء لا ينفصل عن النظام الدكتاتوري الشمولي أو النظام الطائفي المتسلط مما يجعله هذا مساهما دائما في تزييف حقائق الواقع المعاصر والحقائق التاريخية ، فيصل الى مرحلة الإتكالية الفكرية ، ويصبح المثقف الابن المدلل ، يمنحه الدكتاتور المكرمات والهبات ويمنحه شيخ الخرافة البركات ، ولكن في ذات الوقت يحرمانه الحق في التفكير واتخاذ القرارات الفكرية الخاصة لان القائد ـ الدكتاتور او القائد الطائفي هو الذي يفكر ويخطط بدلا عنه وعن المجتمع والأمة ،فيتحول الفنان غير المتفاعل إلى منفذ فقط ،وبما أن الدكتاتورية أو النظام الإستثنائي او النظام الشمولي بحالة دائمة من التطور السلبي تحتاج هذه الانظمة الى ذلك المثقف الذي يغذي ويشيع هيكلة وأساليب الفاشية التي سيتبناها النظام ، فليس كافيا أن يكون مثقفا متكيفا مع برامجه الثقافية فقط ، وإنما يطالبه النظام ان يساهم في المتغيرات المنهجية الجديدة في سياسته وان يكون محركها الفكري ، وهذا يفرض على المثقف ان يلتزم المفهوم الفاشي في الثقافة روحا وممارسة تخدعه حجج مختلفة مغلفة بدوافع ديمقراطية زائفة ، فيتم التمسك بها كأسلوب للتدجين ، سيباركه النظام الاستثنائي وسيبرره المثقف المتكيف إعلاميا،ومن هنا يشكل العمل الفني أو الأبداعي خطورة على الفنان أو المثقف وعلى المجتمع عموماً .
*"الحرية هذه الكلمة الحلوة ". جاءت هذه العبارة عنوانا لأحد الافلام الاسبانية في يوم ما من سبعينيات القرن الماضي. هل تذوقت طعم الحرية ؟ واين تجدها حاضرة معك بقوة ووضوح ؟
-ليس هنلك حرية بالمعنى الحقيقي ، لكن عندما أتأمل أو أكتب نصا شعريا او مسرحياً، اشعر بانني أحلم بحرية شبه متكاملة، لأنني أنا الذي أقرر وارسم وأبدع العالم الذي أريد أن أقدمه أمام الآخر ولكن كابوس المحضورات هو الذي يفقد الكائن تكامله الإنساني وبالتالي يفقد معنى الحرية كوجود مكثف للكائن ، نعم الحرية هي وجود مكثف للاشياء المهملة والملغاة أيضا والضرورية للإنسان والتي يطمح في الحصول عليها لكنها في النأي الحلمي ، فالحرمان من ممارسة الوجود الحقيقي للذات هو إلغاء للحرية ، الكتابة الإبداعية البصرية هي الحلم وفيها تصل الحرية الى أقصى درجاتها ، حيث عندما تقرأ رؤيتك في كتاب او عندما ترى أفكارك في فضاء المسرح او عندما تواجه الجمهور وأنت تمثل وسط فضاء المسرح الحلمي بألتاكيد ستكون حرا ، ففي اللحظة التي تعرف فيها كيف تتذوق الحياة عندها فقط تعرف كيف تتذوق الحرية ، ولهذا فان تذوق الحرية الإبداعية يبدأ في لحظة تطور مراحل انجاز القصيدة او النص او الرؤيا الإخراجية وعندما يكتمل هذا الإبداع تشعر بأنك حراً، الحرية المزيفة في عالمنا عموما هي رؤيا غير مكتملة وتصورٌ خطر ، وعلى المبدع أ ن يجعلها تتكامل من خلال الإبداع، فيها فقط يصبح الإنسان حرا وعليه ان يحتضنها كجمرة تشتعل في الروح والقلب حتى يمارس حريته تماما ً، بدونها لا يتكامل الإنسان ، وبدون الإبداع الحقيقي لا تتكامل الحرية أبدا،وهذاهو حقيقة التكامل بين الحرية والإبداع ،الحرية هي لحظة الشعور بالديمومة والانتصار الأبدي على الظلم والحيف والتهميش والعدم وحتى عبث الموت، قد يبدو كلامي فيه الكثير من القسوة لكن واقع الحال في عالمنا عموما يؤكد بان الإنسان لم يصل الى الحرية الحقيقية ، ففي العالم المتطور بالرغم من أنه يمارس الحرية إلا أنها حرية يتحكم فيها الرأسمال العالمي والبزنس، أما في مجتمعاتنا المتخلفة فإن الذي يتحكم فيها هو الخرافة والأمراض الأجتماعية والفكرية الأخرى ، تصوَّر كنتُ فرِحا جدا وشعرت بطعم الحرية عندما خرجت في الدنمارك لآول مرة في حياتي بتظاهرة مع ابنتي التي كانت بعمر 9 سنوات للمطالبة بحقوق ترفيهية إضافية لطلبة المدارس، حزنت لأنني كنت اريد أن يكون هذا في العراق ، ولكن هل هذا شعور ساذج بالحرية أم أنه إمتلاء حر ؟
حرية اللعب
*اللعبة المسرحية حاضرة بوضوح تام في طقسك المسرحي الذي تكتبه وتنشئه ، لماذا هذا الاصرار على استثمار هذه الآلية في بناء عرضك المسرحي ؟
-من خلال اللعب أوالإيهام يمكن للإنسان أن يرجع الى مرحلة الطفوله حيث الحرية والحلم وقد يبدو العالم لعبة في متناول يد الطفولة ـ أنْ تحلم بخيال طفولي يعني أن تبدع بحرية بدون قيود ، وهذا يعني أن تضع العالم على راحة اليد وتسير مفتوناً به الى أقصى درجات اللعب والحلم ـ وليس هنالك أي فارق كبير بين مكونات الإبداع الثلاث اللعب الحلم والعرض (عرض الحلم سواء على شكل مسرح او لوحة تشكيلية او موسيقى أو قصيدة أو رواية أو أي وسيلة إبداعية أخرى ) وهذا هو نوع من تكامل وجودي ـ إبداعي فيبدوالعالم بكامله لعبة حلم موسيقي أو شعري ، مسرحي أو تشكيلي ،أن تلعب يعني أن تشعر بأنك حر ،وعندما أستخِدم ُ وسيلة اللعب وآلية الحلم في نصيِّ المسرحي أو رؤيتي الإخراجية يحدث نوع من ممارستي لأقصى درجات الحرية مما يدفعني الى أن أجعل من الجمهور قريبا من العرض وفضاء اللعب ، وبالتالي أخلق شئ من ديناميكية العلاقة بين فضاء العرض وصالة المتفاعلين (المشاهدين) ،انا فنان وكاتب حالم وافهم العالم من خلال هذا الحلم ، والحياة بالنسبة لي بالرغم من قسوتها تعني لعبة حلمية ولهذا فان اللعب الفني هو طقس مسرحي يجب أن نعرف من خلاله كيف نحلم وكيف نحتفل به مع الجمهور .
*الصمت يشكل ثيمة وقيمة فنية في العمل الدرامي ،انت من خلال الاندفاع التام نحو العمل المسرحي هل تهرب من الصمت أم تسعى لاكتشاف ماتخبئه لغة الصمت من جُملٍ لايرقى اليها الصوت والضجيج والفوضى في التعبير ؟
-ليس هنالك صمت بالمعنى الواقعي داخل الفنان وانما هو موسيقى ديناميكية تضج في روح المبدع وتعبر عن جوهر العلاقة بين الذات و العالم، فعندما تكتشف هذا الجوهر تستطيع ان تسمع الصمت أو تراه وهو لغة خاصة لها إيقاعها، فالصمت هو موسيقى الأكوان الأخرى التي لا تسمع إلا في الرؤيا الإبداعية ، الصمت هو الديناميكية وهو اشتعال الرؤيا بحركتها الداخلية فبالصمت الديناميكي نفهم ونشعر بان العالم والأشياء في ديمومتها الحركية الأبدية ، ولهذا فان الأشياء تبدو صامتة ولكن حركتها الداخلية تضج بديناميكية الترددات الإيقاعية والمعاني التي تحتاج الى استخراجها وكشفها بوضوح ،في رؤيا العمل الفني يجب اقتناص الصمت المبدع وهذا يعني إظهار الأبعاد الداخلية ــ الخفية للأشياء والكائن والعالم ،الصمت المبدع أو البصري هو تأكيد إنسانية الإنسان والأشياء ، وهو عكس فوضى العالم التي تحول القيمة الإنسانية الى ضجيج ، وما الصمت إلا إعادة هذه القيمة الإنسانية للكائن والعالم من جديد ، ومن هنا فان الصمت هو قيمة ولغة فكرية وبصرية في آن واحد ، والتزام الصمت الديناميكي المبدع هو استجلاء اللغة البصرية للتعبير عنه من خلال العمل الفني ،ومن هنا فان الصمت ليس فقط يُسمع وانما يُرى وهنا تكمن قيمة العمل الفني فكرياً وابداعياً وبصرياً ، أن تصمت في لحظة الإبداع هذا يعني أن تخلق لغة بصرية إبداعية ، أنها لغة أخرى للتعبيرعن الحياة ، ومن هنا جاءت أهمية المفردة الشكسبيرية في تأويل الصمت فآخر كلمة يقولها هاملت هي : ما تبقى هو الصمت (ثم يموت ). وبالتاكيد فان الصمت المتبقي يعني الموت بالنسبة الى هاملت لكنه يعني الحياة المتبقية أيضا ،فإذا كان الصمت يعني الحياة ، إذن يجب ان نفهم هذه الحياة من خلال قيمة الصمت وليس من خلال الضجيج ،إن اكتشاف الصمت يعني اكتشاف جوهر الحياة لهذا فان الإنسان يعتبر الصمت شئ شاق لأنه يفرض عليه التأمل والتفكير ولهذا فهو يفضل الضجيج الذي يدخله بسهولة في ضجيج العالم والثرثرة الوجودية ، ليس هناك صمت أبداً وإنما هناك حركة ودبيب متأمل تدفع جميع الأشياء أن تكون في حركة ديناميكية دائمة وأن تسمع وأن تُرى ،وكمثال سأستجلي مثل هذا الصمت في لوحة سلفادور دالي (الذاكرة ) ، في هذه اللوحة نسمع ونرى صمتاً بصريا ًحركيا ًمطلقا ً من خلال وجود ثلا ث ساعات واحدة منها يتآكلها الدود أي أنَّ الزمن مأكولا من حشرات الوجود ،وجود ثلاث ساعات هذا يعني وجوداً مكثفا ً للزمن ، ولكن هل الزمن صمت أم ضجيج ، بالتأكيد انه صمت الصمت أوجوهرالصمت مادام الأمر يتعلق بالزمن، إنه صمت متأمل ومحسوس به ، لكن الصمت هنا يتحول الى ضجيج عندما لا يشعر الكائن بالزمن مثلا هل يتحول الزمن الى ثرثرة وجودية ؟ أنا لا أعرف هذا ، هنا يتشكل وجود الزمن أما من الصمت المبدع أومن الضجيج وإيقاعه القاسي حسب التأويل، بالتأكيدأن الإيقاع هنا هو زمن صامت لكنه مرئي أي إن الصمت في العمل الإبداعي يُرى كما هو الحال مع الزمن الذي نراه وقد تحول الى إيقاع مرئي في الموسيقى، ولهذا فإننا نكتشف الصمت المبدع والديناميكي من خلال اكتشافنا للزمن والإيقاع ، لأن الصمت المبدع في العمل الفني هو موت للضجيج والفوضى ويشكل قيمة فنية عليا في العمل الإبداعي، وعندما أكتشفه ُ وأركزُعليه في العمل الإبداعي فإنني أكتشف ذاتي الإبداعية وهي في ديمومتها الوجودية المبدعة ، الصامتة المتأملة الضاجة بالإبداع .
الرؤيا البصرية للعرض
*تشكل الصورة الأساس الذي يقوم عليه معمارك المسرحي ، هل تجد ان في ذلك تعميق للمناخ الدرامي الخاص بالتجرب المسرحية وازاحة كل ماله صلة بالادب ؟
-ان الثرثرة في مؤلف النص الأدبي المغلق في المسرح تعمق اغتراب نص العرض والفضاء الإبداعي ومهمات المسرح عموما أمام المتفرج المتفاعل، لذلك فمثل النص الأدبي هو اغتراب لآنية العرض البصري وللفرجة في ذات الوقت لأنه كُتب ضمن انشغالات تهدف إلى تحديد وتركيز وهيمنة الأطر الأدبية على فضاء العرض وإهمال الوسائل البصرية وجعلها ثانوية، أو جعلها تخدم البعد التفسيري للصياغات الأدبية وثرثرة المضامين الواقعية والنفسية المقيتة، وبهذا فإن النص الأدبي المغلق هنا لا يسمح بالإمكانيات البصرية للمخرج والممثل بل يحدد أفق خيالهما،وخاصة القدرات التعبيرية للممثل التي تعتمد على إطلاق الأسرار الإبداعية لذاكرته الجسدية المطلقة (وليس لذاكرة الممثل ) والتي لا يتكامل إبداعها إلا في فضاء ديناميكية العرض البصري ، و من جانب آخر فان النص الأدبي والعرض التقليدي غير البصري يخلقان الاغتراب أيضا في وعي وروح المتفرج ولا ينسجمان مع طبيعة الحوارالذي يتم بين العرض البصري والمتفرج المتفاعل وبذلك يفقدان الاتصال فيما بينهما، إن تداعي الرؤيا البصرية للمخرج لإبراز إمكانات الأنساق التي تكّون فضاء العرض يشكل لغة تجسيدية ودلالية وتأويلية لخلق التأثير والاتصال بين خيالين، خيال المتفرج من جانب وخيال الممثل ـ وذاكرة الأشياء التي في فضاء العرض ـ والمخرج من جانب آخر. لذلك فان المعادلة في النص و العرض البصري المعاصر، تفرض أدوات ووسائل ومفردات لغة بصرية جديدة، فتختلف جوهريا عما كانت عليه في النص المسرحي الأدبي المغلق ،فالمخرج وتداعياته البصرية (مؤلف وخالق الفضاء البصري للعرض ) يأخذ دوره محل المؤلف (مبدع النص البصري الذي أوحي بالعرض البصري المستقبلي ) فتنشأ رؤيا اخراجية جديدة تعتمد على جنينة النص ولهذا يتأسس ما ندعو له أي البعد الرابع في الفضاء والزمن في العرض المسرحي، ويكشف النص والعرض البصري تلك الأحلام والكوابيس والنبوءآت وأسرار الحوارات واللغة المستترة وغياهب الجسد والصورالمشعة والمثيرة ببراءتها والأصيلة لتبهرنا وكأنها تنبثق من السديم النائي في البرزخ الكوني، ولذلك فا ن التداعي البصري للأنساق الذي يمنحه خيال الفنان البصري (صاحب الرؤيا البصرية وليس الأدبية)هو زمن يؤثربصريا على المتفرج ويؤدي به إلى امتلاك لذة الخيال والتصور والتفكير في جوهر زمني ـ بصري إبداعي جديد (العرض البصري الإبداعي ) أي يضعه في زمن الإبداع والحلم وميتافيزيقيا الخيال ، ومن هذا نستنتج بان المؤلف والمخرج صاحبا الرؤيا البصرية يستطيعان أن يخّلصا النص والعرض من الاغتراب من خلال التأليف بالبصريات سواء كان نصا أو عرضا، ويتم تجاوزالاغتراب بتكييف النص البصري أو العرض البصري لمعاصرة المتفرج وجوهر مشكلته ،لذلك فان النص والعرض البصري يمتلكان إمكانية تهيئة ظروف استيقاظ الفنان والمتفرج المتفاعل معا عند عتبة الوجود البصري الإبداعي فقط ،ولا تعني دعوتي لكتابة النص البصري إلى إلغاء الكلمة أو الوسائل اللغوية الأخرى عموما، وإنما على العكس فإن الكلمة تصبح إحدى الوسائل البصرية المهمة لتحقيق النص البصري إذا أحسن انتقائها، وإذا استطاع المؤلف أن يحولها من كلمة أدبية إلى بصرية تصبح جزءا من تحقيق المشهدية البصرية في العرض،وهذا كله يفرض أسس كتابة النص البصري في زمن ما بعد الحداثة ويوحي بل يفرض أيضا بعدا رابعا للزمن والفضاء البصري في العرض المسرحي.

السبت، 6 يوليو 2013


الزمان الطبعة الدولية –السنة السادسة عشرة –العدد 4541-الخميس 17من شعبان 1434ه27من حزيران (يونيو)2013م

المخرج والممثل السينمائي جمال أمين للزمان :
            في العراق لانملك سينما
                              حاوره :مروان ياسين الدليمي
أكثر من ستة عقود مضت على قيام أول انتاج سينمائي عراقي إلاّأنَّ العاملين في هذا الحقل الابداعي ومنهم المخرج والممثل السينمائي جمال أمين يُقرُّ بعدم وجود سينما عراقية،رغم وجود طاقات بشرية مؤهَّلة ٍتمتلك الوعي والخبرة،هذاإضافة الى القدرات المادية الكبيرة المتوفرة في العراق والتي يمكن من خلالها قيام ونهوض هذا الفن.. في مقابل ذلك نجد بلدانا اخرى لاتملك تاريخا يذكر في صناعة الفن السينمائي بدأت تفرض حضورها أمام العالم عبر أكثر من نشاط وفعالية.. من هنا جاء حوارنا مع فنان مجتهد يحمل عشقا ً خاصا للسينما،فعلى الرغم من أن بدايته كانت عام 79 لكنه لايزال يحمل نفس الإندفاع الذي إبتدأ به قبل أكثر من ربع قرن عندما وقف أول مرة ٍامام عدسة الكامرة السينمائية وكأنَّ العقبات والتحديات لم تفلح في ثنيه عن الحلم،بل زادته هياما ًواصرارا ًعلى العمل.. حديثنا معه ذهب بعيداً،ليرصد احلام ومواجع باتت مُزمنة في مسارالعاملين بهذا الحقل الجمالي،أفرادا ًوشركات ومؤسسات، سعيا ً منّا للوصول الى تفكيك اشكالية الانتاج السينمائي في العراق، والتي كانت سببا ًهشاشتهِ وعدم قدرته في أن يكو ن حاضراً وفاعلاً في الحياة الثقافية.
هيكلة الانتاج السينمائي
*السينما في العالم حصل فيها الكثير من التحولات الانتاجية والفنية .هل إن العاملين في حقل السينما في العراق يمتلكون القدرة على التجاور مع ماحصل في العالم ؟
-هذه مسالة نسبية ولها علاقة بشخص العامل نفسه ودأبه على المعرفة والمتابعه لكن من الناحية العملية هنالك القليل ممن عملو مع بعض المجاميع الاجنبية واكتسبوا معارف جديدة ومهمة في العمل السينمائي،ايضا ينبغي علينا  أن لاننسى بأن لدينا عدد لابأس به من الفنانين العراقيين الذين عاشوا فترة طويلة في اوربا واميركا  واستطاعو خلال تواجدهم هناك ان يستفيدوا إلى حدٍ ما من الخبرة الاجنبية،وعلى اقل تقدير يمكننا القول بأنهم قد إكتسبوا بشكل مباشر وعبر الاحتكاك الكثير من تقاليد وأصول العمل في الانتاج السينمائي والتي نفتقدها عادة في العراق،وبشكل عام أستطيع أن أؤكد دون أن أكون مبالغا ًبأن جيل الشباب من المخرجين والفنيين هم الاقدرعلى تقديم الافضل،لكونهم على تواصل تام مع مايحصل من تطورات تقنية في العالم المتقدم خاصة في عالم الديجتال،والبعض منهم قد أتقن الجانب الحِرفي بدقة عالية، يتساوى فيها مع المحترفين في الغرب. ومع ذلك مازلت أجد بأن اوضاع الانتاج السينمائي في العراق فيها ضعف ونقص كبير يتعلق بماهو حديث ومتطور، مما يستوجب جملة من الخطوات ينبغي على من يمسك بزمام أمور الانتاج السينمائي القيام بها لإعادة هيكلة منظومة الانتاج السينمائي،وأولى الخطوات بهذا الإطار اقامة العديد من  الورش السينمائية، والتي من خلالها سنتمكن من تأهيل العاملين بالحقل السينمائي.
غياب المنتج
*ماهو جوهر المشكلة التي كانت سببا في عدم نمو الفن السينمائي في العراق وبقائه هشّا وبلاحضور في المشهد الابداعي العراقي؟
-هنالك اسباب عديدة أهمها: غياب عجلة الأنتاج بشكل دائم ومتواصل،سواء من قبل القطاع الخاص أوالقطاع العام،وفيما يتعلق بالقطاع الخاص فلايمكن حتى الأن المراهنة عليه،فهو مايزال رهين المزاج أوالصدف التي قد تتوفر بموجبها فرصة يتيمة تضيع  بين عشرات السنين لأنتاج فلم سينمائي،أما القطاع العام فهوالآخريخضع للقانون الموسمي ايضا ويضاف إليه (المناسباتي) مثلما نشهده هذه الايام بعد أختيار بغداد عاصمة للثقافه العربية فهذا الاختيار فرض على الجهات الحكومية أن تولي الانتاج السينمائي اهتماما ملحوظا ورصدت له ميزانيات مالية كبيرة وهذا الاهتمام بطبيعة الحال ليس مرتبطا بأهمية السينما لدى الجهات الحكومية بقدر ماله علاقه بمناسبة اختيار بغداد عاصمة للثقافة العربية والذي يفرض عليها في الاطار الثقافي والفني التزامات كبيرة ومتنوعة،ينبغي على الدولة أن تؤديها،وكلنا نعلم أن هذا الاهتمام سينتهي مع انتهاء هذه المناسبة بنهاية العام 2013 . مثل هذا الوضع سبق أن شهدناه ايام النظام السابق عندما  نشط الانتاج السينمائي أيام الحرب مع ايران، ثم جاءت سنوات الحصار التي شهدت موت الانتاج السينمائي نهائيا ً.وهنا ينبغي لي أن أؤكد حقيقة مهمة وأساسية لها ارتباط وثيق بنموالانتاج السينمائي وقد تم تجاهلها لدينا الى حد كبير،إذ أننا تغافلنا ــ سواء كان ذلك عن عمد أو جهل ــ  بأن نمو ونشوء انتاج سينمائي متميز مرتبط بشكل وثيق مع منظومة (الانتاج والتوزيع والايرادات) فالفيلم العراقي خلال أكثر من  60 عام  على ظهوره،لم يتمكن من تحقيق أيّة ارباح مالية ! وهذا سبب كافٍ لكي يجعل أي منتج يعزف تماما ً عن استثمار امواله في الانتاج السينمائي،ولاننسى أن القاعدة الاقتصادية تقول :"ان راس المال جبان". هنالك ايضا عامل آخر لايقل اهمية عمّا ذكرناه،فنحن مازلنا نفتقد الى المنتج الذي يدرك أهمية الفن السينمائي وبنفس الوقت يملك  ذكاء وخبرة تمكنانه من اعتلاء صهوة المغامرة وأقتحام عالم الانتاج،أضف إلى ذلك أن معظم  الافلام التي انتجت سابقا لم تكن مرتبطة موضوعاتها  بهموم الفرد العرقي .
*لواعدنا قراءة الانتاج السينمائي في العراق منذ البدايات الاولى قبل اكثر من خمسين عاما،هل نجد فيه مايستحق المشاهدة مرة ثانية،ويكون مدعاة للتأمل الجمالي وتتوفر فيه عناصر فنية وجمالية تضعه في خانة الفن السينمائي ؟
-هذا سؤال صعب وقاس ٍ جداً، بنفس الوقت ينم عن ذكاء السائل، لانني أمام سؤال ليس من السهولة ألأجابة عليه، لكن يمكن القول أن هنالك بعض التجارب،التي يمكن ان نذكرها ونشيدُ بها على سبيل المثال:( من المسؤول، الجابي،والظامئون، بيوت في ذلك الزقاق.) وهذا بطبيعة الحال تقييم شخصي،قد يكون فيه إجحاف بعض الشيء بحق آخرين.ومع ذلك لابد من القول بأن التجارب التي تستحق المشاهدة من كلاسيكيات الفيلم العراقي قليلة جدا ًويمكن عدّها على اصابع اليد الواحدة.في مقابل ذلك نجد عددا من الافلام الجيدة تم انتاجها بعد الاحتلال الامريكي للعراق من قبل مخرجين شباب مثل : محمد توفيق وهادي ماهود وسمير زيدان.وقتيبة الجنابي وقيس الزبيدي ومحمد الدراجي وجمال امين وميسون الباججي وفاضل عباس وطارق هاشم وغيرهم. وهذا إن دلَّ على شيءإنما يدل على أن الفيلم العراقي بدأ ياخذ شكلاً آخر أكثر نضجا وتطورا ً، في محاولة جادة من الجيل الجديد مواكبة مايحصل من متغيرات في العالم وهو حريص على أن لايتخلف عنها،من هنا أستطيع القول أن الفيلم العراقي الآن أقرب الى الفن السينمائي وإلى الجمهور والواقع.
سُبُل النّهوض
*لو توفرت الفرصة وتسلمت أنت شخصيا ً مسؤولية تأهيل الانتاج السينمائي في العراق.مالذي ستتخذه من خطوات ؟
-اولا: اقالة جميع العاملين في مديرية السينما من مخرجين ومصورين ومدراء انتاج،لأنهم عاطلون عن العمل،أونقلهم الى مؤسسات تلفزيونية حكومية تابعه الى وزارة الثقافه.ثانيا ً:المباشرة بالعمل وفق نظام العقود مع من يستحق أن تعطى له الفرصة وفقا ً لكفاءته. ثالثاً :البدء بالتحرك نحو البنوك العراقية،خاصة البنك الصناعي،والتفاوض معه جديا ًلأجل أقناعه بضرورة الأقتناع والتعامل مع عملية الانتاج السينمائي بأعتبارها مشروعا ً استثماريا ً تتشابه وتتساوى مع أي مشروع أقتصادي آخر يمكن الاستثمار فيه وجني الارباح منه. رابعاً: السعي الجاد من أجل أن تكون دائرة السينما منتجه للافلام من خلال ماتقدمه من دعم ومشاركة في الانتاج مع جهات أخرى وليس كمنتج رئيسي .خامسا ً:العمل مع الغُرف التجارية لتثقيف التاجر العراقي وتشجيعه على خوض تجربة الانتاج الفني بكل انواعه. سادسا ً:العمل على أستقطاع مبلغ من المال بقيمة الف دينارعراقي من كل فاتورة كهرباء لأجل دعم الانتاج السينمائي،بطبيعة الحال هذا المبلغ البسيط له قيمة ودلالة اكبر واعمق من قيمته النقدية تتعلق بقضية لفت انتباه الناس الى أهمية الفن السينمائي. سابعاً :السعي لتأسيس شركة لدور العرض السينمائي تكون مهمتها  المساهمة أيضا في انتاج الافلام،عبرتخصيص مبلغ من المال من عائد العروض السينمائية،كما يمكن أن يتم ادخال الاكاديميات والمعاهد كمساهم بانتاج الافلام . ثامنا ً: العمل على تنشيط المهرجانات السينمائية وإقامة نوادي للسينما.تاسعا ً : فصل مديرية السينما عن دائرة السينما والمسرح وأن تكون  ضمن دائرة واحدة متخصصة عنوانها (دائرة السينما) ولها إدارتها وكيانها وميزانيتها الخاصة. عاشرا ً: ضرورة أن يدخل العراق كمشارك فعال بانتاج افلام عربية واجنبية بقصد استقطاب الخبرات المهمة اليه ونقل معارفها الى العاملين العراقيين وقد يكون تحقيق هذه النقطة في المستقبل، نظرا ً لما يعيشه العراق من ظرف أمني مضطرب. حادي عشر: العمل على إقامة ورش سينمائية في كافة الاختصاصات،والاستعانة بمخرجين ومصورين ومدراء تصوير الخ من مختلف دول العالم المتقدم .ثاني عشر :علينا ان نوصي وزارة التربية بأن يكون ضمن برامجها التربوية عرض فيلم سينمائي في المدارس ولجميع المراحل لكي يصبح الفن السينمائي  جزءً اساسيا ً ضمن الادوات الفعالة للقضاء على عوامل الجهل في العراق والارتقاء بذائقة الجمهور العراقي. .في الحقيقة ياسيدي هنالك الكثير من الافكار التي نستطيع من خلالها أن ننهض بواقع الانتاج السينمائي،وارجو ان تكون هذه الاقتراحات مسجلة باسمي لغرض العمل بها في حال ان تتبنى الدولة هكذا مشروع.
الكليات والمعاهد الفنية
*قسم السينما في كلية ومعهد الفنون في بغداد هل تجده مؤهلا لتقديم عناصر بشرية مؤهّلة من الناحية الحرفية والفنية للعمل في الانتاج السينمائي ؟
- حاليا لااعتقد ذلك ولعدة اسباب،اهمها: عدم وجود الطاقم التدريسي الذي يواكب المناهج  وطرق التدريس الجديدة في العالم، وهذا يعود إلى أن اغلب الاساتذه لايتقنون لغة أجنبية أخرى غير العربية التي يتكلمون بها ،لذا تجدهم غير قادرين على ملاحقة مايستجد من تطورات في العالم ، كما ان الاجهزة والمعدات الموجودة في هذه المؤسسات التعليمية ماهي إلاّ اجهزة خاصة بالانتاج التلفزيوني ولاعلاقة لها بالعمل السينمائي،ايضا لاتوجد ستوديوهات مخصصة للطلبة،ولاتوجد تخصيصات مالية لانتاج اطاريح الطلبة،بلاشك كل هذه العوامل ماهي إلاَّمعوقات تؤثر بشكل كبير على مستويات الطلبة، وعليه  نجد أن العديد من الطلبة قد اعتمدوا على أنفسهم في تطوير معارفهم العلمية والفنية،ووصل قسم منهم الى نتائج ممتازة، وأحب أن اضيف إلى ماذكرت ايضا ً:أنَّ السينما، ليس الاخراج والتصوير فقط،لذلك اتمنى أن تفتتح المعاهد والاكاديميات فروعا ً اخرى مثل قسم الصوت والانتاج  والمونتاج والتمثيل والمكياج وهي اقسام فنية لاتقل أهمية عن الاخراج والتصوير، فنحن الان يتوفر لدينا مئات المخرجين لكننا لازلنا نستورد مهندسي الصوت من خارج العراق،ومع هذا نجد ان اغلب الافلام العراقية تعاني من مشكلة الصوت .
العشوائية في العمل
*مالمطلوب من العاملين في الانتاج السينمائي العراقي التوقف عنده سواء على مستوى الموضوعات او على مستوى الاساليب من اجل خلق اجواء جديدة في جسد السينما العراقية ؟
-للاسف لازال هنالك الرقيب أو الفاحص للنص في دائرة السينما والمسرح وهذا الامر يعيق عملية الانطلاق في مواضيع واساليب جديدة للفيلم العراقي، وفي اعتقادي ان الموضوع هو اهم مفصل من مفاصل نجاح الفيلم وهذا يتم كلما اقتربنا من الواقع العراقي وبشكل شفاف وعميق دون الرجوع الى لجان الرقابة. كما إن َّالعمل تحت سقف أضواءالسينما بلاشك سيطرد الزوايا المظلمة التي يتركها الجهل في المجتمع، بذلك سنستطيع الخروج بالفيلم العراقي من عنق الزجاجة، وبصراحة تامة اقول إن الفيلم العراقي لايزال يتأرجح بين تقليد الفيلم الهوليودي والبوليودي والى حد ٍما السينما المصرية، واقولها بملء الفم : نحن في العراق لانملك سينما بالمعنى الحقيقي للسينما،وهنا أعني فلسفة السينما واسلوب السينما ومزاج السينما،لازلنا نعمل بشكل عشوائي وفوضوي،ولاتوجد لدينا حتى الآن مدرسة عراقية خالصة في الفن السينمائي كما هو الحال في ايران وكوريا، ولازلنا لانملك الاب الروحي للسينما،اغلب الافلام التي انتجت سابقا هي ذات نبرة انفعالية آنية،وغالبا ًماكانت إنعكاسا ً لموضوع سياسي،واغلب ماأنتج من افلام كان باهتا ًخاصة افلام ثمانينات القرن الماضي،تبدو عندما نشاهدها الآن وكانها تقاريرحربية،نحن بحاجة حقيقية الى ان نتعمّق في مانتناوله من موضوعات،ياسيدي..العراق بلد فيه العشرات من المواضيع والافكارالتي فيما لوتناولتها عدسة السينما لتقدمنا خطوات نحو جائزة الاوسكار،لكننا ومع الاسف الشديد مازلنا  نعاني من ضعف شديد يصل حد الهزال في تناول الافكار التي نطرحها،في اختيار مواضوعاتنا. ومازلنا في مرحلة التقليد الاعمى للأخرين، لذالك أنا دائما اؤكد على عدم وجود سينماعراقية، بل هنالك افلام عراقية تنتج في العراق، بلاشك لدينا  شعراء وكتاب رواية وفنانون تشكيليون لكن لايوجد لدينا كتاب سيناريو متمكنين وهذا يعود في واحد من اسبابه الى ابتعاد وعزوف معظم أدباءنا عن الخوض في مجال كتابة السيناريو، لذا نجد المخرج العراقي بات اشبه بالسوبرمان، فهو كاتب السيناريو وهو المخرج وهوالمونتيروفي بعض الاحيان هو البطل،إضافة الى ذلك هنالك ازمة كبيرة تتجسد في غياب الحب والمودة بين الفنانين والمثقفين فيما بينهم،من هنا لانستطيع ان نعمل بمنظومة المجموعة،وهذا أمرٌ مهم جدا في انتاج افلام سينمائية متقدمة، يتوفر فيها اسلوب متميز قادرعلى أن يحقق حضوراً وتأثيرا ً في المهرجانات العالمية، و في الجمهورالعراقي قبل ذلك .
*هل من افلام معينة عراقية تم انتاجها بعد العام 2003  تجدها تستحق الاهتمام على المستوى الفني ؟ وفيما لو وجدت أين تكمن اهميتها وقيمتها ؟
- نعم هنالك افلام كثيرة، سواء كانت  افلام وثائقية أوروائية قصيرة، وهنا اعني الأفلام التي تم انتاجها في داخل العراق،والكثير من هذه الافلام  شارك في مهرجانات عربية وعالمية مهمة سواء من مخرجي الداخل او مخرجي الخارج و حصد البعض منها جوائز، وهنالك اسماء شابة مهمة في هذا المجال لكن اعذرني من ذكر الاسماء لاسباب لها علاقة وثيقة بالمزاج الصعب لشخصية المثقف العراقي،لكن لابأس من ذكر فيلم ابن بابل للمخرج محمد الدراجي وفيلم كاسيت للمخرج ملاك عبد علي وهنالك ايضا  لؤي فاضل ورانيا توفيق و هاشم العيفاري وخالد البياتي .
ضغوطات الواسطة
*كيف تنظر الى خطط وزارة الثقافة فيما يتعلق بالانتاج السينمائي وخاصة الافلام التي تم اقرارها وانتاجها  والتي ارتبط انتاجها احتفاءً بأختيار  بغداد عاصمة للثقافة العربية.هل كان اختيار الافلام قائما ً على اسس سليمة. هل سيكون لها تأثير مهم على مستقبل الانتاج السينمائي في العراق. هل ستحقق تلك الافلام شيئا مهما على المستوى الفني في المهرجانات فيما لوشاركت خارج العراق ؟
-انها خطوة كبيرة وجبارة ان تقوم وزارة الثقافة بانتاج هذا الكم من الافلام الروائية والوثائقية الطويلة والقصيرة ولكن هذه الافلام لاأعتقد ستفرز نوعا جيداً من الافلام،وهذا يعود إلى الواسطة والمحسوبية والمنسوبية والمحاصصة، وللأسف عندما نجد أن الفرص الكبيرة والمهة قد منحت لأسماء معينة بذاتها سبق أن اخذت العديد من الفرص خلال تاريخها ولم تقدم شيئا والطامة كبرى عندما يكون وكيل وزارة الثقافه هو المسؤول عن انتاج الافلام وهوشخص لاعلم له بآليات انتاج الفيلم ولاعلم له بمن يستحق أن تعطى له الفرصة بالعمل ومن هو لايستحق،أنا شخصيا تكلمت مع الكثير من المسؤولين ممن هم ادنى من درجة وكيل وزيرحول امكانية انتاج فيلم من اخراجي،علما ً بأنني كنت قد قدمته عام  2011 أي قبل الكثير من الاسماء التي اعطيت لها الفرصة، وكل الذين تحدثت معهم من هؤلاء المسؤولين قالوا لي : اذهب الى الوكيل الاقدم اواذهب الى الوزير كما فعل فلان وفلان وفلان. . ومن خلال هذا الكلام نستطيع أن نفهم بكل بساطة بأن اغلب من منحوا فرصة العمل قد وصلتهم عبرالواسطة  سواء من الوزير او الوكيل وقد تمت بضغوطات كبيرة على السيد الوزير والسيد الوكيل، ياسيدي هنالك افلام ميزانياتها كانت عالية جدا بل خرافية، بينما افلام اخرى عانى العاملون فيها من  بؤس وشقاء وتعب وسبب كل ذلك يعود الى  عدم كفائة القائمين على ادارة العمل السينمائي، وعدم كفاءة من يقرر ادارة انتاج الافلام السينمائية، نحن الان تحت رحمة إدارات يقودها ديناصورات عفى عليهم الزمن،وهم تجار ومليونيرية، وتمكنوا من سرقة الفرص من الشباب،ومنّا ايضانحن المهمشون،وهنا لدي سؤال: من هو القادرعلى ان يقول إن فلان مخرج وفلان غير مخرج حتى نستطيع أن نمنح فلان فرصة ونؤجلها عن الاخر الى المستقبل؟،بالطبع لايوجد لدينا لجنة خبراء، بل لدينا لجنة انتهازيين،ومع هذاورغم هذه الصورة القاتمة اشعر بأن بوادر تغيير تبدو واضحة في الصورة نحو الاحسن فقد  تم تشكيل لجان جديدة ورؤية جدية للانتاج السينمائي،واتمنى ان تمنح الفرص لمن يستحقها، كماانني اشك بان عجلة انتاج الافلام ستستمر ضمن خطط وزارة الثقافه في المستقبل القريب،لاني أعتقد بأن مانشهده من حركة في الانتاج ماهو إلاّ أمر موسمي ،وهذا مرتبط بأختياربغداد عاصمة الثقافه العربية،لذا اتمنى على الوزارة ان تضع خطة واضحة لانتاج افلام ضمن خطط خمسية وأن تمنح  الفرص لمن يستحقها وأن يكون الاشراف بإدارة لجنة من الخبراء.
 الجيل الجديد
*على من تراهن في اعادة الروح الى جسد السينما في العراق ؟
-انا اراهن فقط على الشباب الجدد ولاغير الشباب،فنحن لدينا الآن مجموعه من الشباب السينمائي المليء بالحماس والوعي ويمتلك رؤية جديدة لمعالجة الواقع،وقد اثبت هؤلاء على الصعيد المحلي والعربي على انهم بالفعل شيء مهم وكبير.ويمكن ايضا ان نراهن على البعض من المخرجين ممن عاشوا في الغرب،لأهمية تجاربهم وضرورة الاستفادة منها  كي ننهض بواقع الفيلم العراقي، سيدي الكريم  عن طريق السينما يمكن ان تحل الكثيرمن معضلات العراق الاجتماعية،ان السينما هي مركز النور وقد كانت ولم تزل يدُ امريكا الضاربة في العالم كما كانت ايضا كذلك ايام الاتحاد السوفيتي السابق،وهكذا،فالعراق بدون سينما ينقصه شعاع من نور باهر .
الجوائز والمهرجانات
*السينمائيون العراقيون المغتربون لماذا لم نجدهم قد حققوا شيئا مهما خارج العراق،ونحن نعلم أن كل مانسمعه من جوائز حصلوا عليها هنا وهناك،هي في الحقيقة لاقيمة لها لانها جاءت من مهرجانات لاوجود لها في خارطة المهرجانات الدولية المعترف بها أين تكمن الاسباب. هل في عدم وجود الدعم لمشاريعهم في تلك البلدان مثلا ؟
-اولا نحن هاجرنا ونفينا الى بلدان ممتلئه وممتلئه جدا وهذه الدول هي الصانع الاساسي للثقافة العالمية وهي المصدر لها. ثانيا ان اغلب المثقفين العراقيين متقاطعين بعلاقاتهم ولاسباب عديدة اهمها الطاوسية التي يتمتع بها المثقف العراقي،كذالك المثقفين العراقيين يقولون مالايفعلون فتحركهم احزابهم ولا يؤمنون بالفكر الاخر. بالاضافة الى كل هذه الظروف ليس من السهولة ان تحصل على دعم لانتاج فيلم سينمائي لكن هل هذا يشمل الكل؟ بالطبع لا. فلقد حصل الكثير من المخرجين على تمويل افلامهم وبكافة انواعها من قبل منتجين اوروبيين، وانا واحد من هؤلاء، لكن لو كنا نعمل نحن المغتربين بشكل جماعي وبدون تقاطعات،لتمكنّا من الحصول على دعم كثير،لكن المشكلة اننا مختلفون فيما بيننا جدا جدا جدا. لهذا ترى نتاجاتنا قليلة ومتباعده ولها علاقه بظروف آنية سواء في الغرب او في العراق،من هنا تجد ان بعض شركات الانتاج قد انتجت افلام لبعض المخرجين العراقين وبعد ذلك قررت عدم تكرار التجربة وأعلنت إداراتها التوبة. وعلى ذلك تجد لدينا اكثر من مخرج لديهم فلم واحد فقط ! ليبقى يعيش على ذكرى هذه التجربةلمدة  30 عام،وما اكثرهؤلاء. امّا مايخص الجوائز والمهرجانات فنحن نشطون في هذا المجال ونذهب سنويا الى عدة مهرجانات سواء كانت مهمة اوغير مهم، ولااعتقد يوجد مهرجان غير مهم فكل مهرجان ماهو إلاّخطوة للامام، والجوائز في حقيقة الامر لاتعني شيء مطلقا ً لان معظمها وهذه القناعة جاءت من خلال تجربتي غالبا ماتمنح لأسباب لاعلاقة لها بجودة الفلم،فالمسألة لها حسابات أخرى، وعندما يجد اي مهرجان انّ حساباته تتلائم مع فيلم عراقي سوف نحصل على جوائز، وبالنهاية هذه قضية نسبية،لأن المهم هو ان تشارك وليس المهم الجائزة .
*اخيرا نسألك لماذا هذه العلاقة الحميمة مع الفن السينمائي ؟
-لان طفولتي كانت بالقرب من دور عرض السينما ،منها سينما الرشيد وسينما الوطني وسينما علاء الدين وسينما الشعب بسبب تواجدي الدائم مع ابي واخوتي حيث محلاتهم كانت هناك فكنت يوميا ارى فيلمين، فجذبني ذلك الصوت الجميل لماكينة العرض كذلك الضوء المنبعث من غرفة العرض والدخان المتطاير الى الاعلى حيث كنت احلم دائما بان اكون انا البطل بدلا من ابطال الافلام التي كنت اشاهدها وانا طفل، ولازلت  حتى الآن اسيرّ هذه الاجواء،الظلمة والضوء والدخان المتطاير الى الاعلى، ودائما ما كنت انام في داخل صالات العرض لاني كنت ارافق اخوتي وابي بالعمل، واود ان اقول لك شيء مهم جدا ً، انا وحتى  هذه اللحظة، عندما اتكلم وامشي وامارس حياتي دائما ماأفكر أين أضع الكاميرا، قد يكون هذا الأمرغريبا بعض الشيء،لكني بصدق اعيش اللقطه والزاوية والفن بكل لحظة، انا عاشق لضوء السينما، انا حياتي كلها عبارة عن زاوية ولقطه وفيلم، كذالك انا كنت محظوظا جدا ً عندما منحني الاستاذ قاسم حول فرصة بطولة فيلم روائي طويل وانا بعمر 17 سنة وبعدها عملت في اربعة افلام سينمائية وفي حينها كان عمري 18 سنة،كانت صوري تملاء فاترينات سينما بابل مع كبار الممثلين في ذلك الوقت،وكنت اتباهي باسمي وبموهبتي، لقد منحتني السينما كل هذا العلاقة الجميلة بالحياة،انا حياتي كلها سينما.  

الجمعة، 5 يوليو 2013


قراءتي النقدية لرواية (القندس) في صحيفة الزمان الطبعة الدولية-السنة السادسة عشرة--العدد4548-السبت26 من شعبان1434 ه-6من تموز(يوليو)2013م

القندس ..رواية للكاتب السعودي محمد حسن علوان
تَناصٌ الخِطابُ الرِّوائي وانفِتَاحُ الدِلالة
                                                                                                        مروان ياسين الدليمي
اصدار دار الساقي /الطبعة الاولى 2011
رشحت لجائزة البوكر العربية/ القائمة القصيرة لعام 2013

إشكالية الخطاب
غالب،الشخصية المركزيةالساردةلأحداث رواية(القندس)كما رسمهاالمؤلف محمد حسن علوان:شخصية إغترابية في انتمائها للزمن الذي وجدت نفسها فيه،ولاتملك هاجساً قويا ًيدفعها لأن تخلق تواصلا ًحميما ًمع المحيط والاخرين.ولم يكن سفره بين فترة وأخرى خلال عشرين عاما الى مدن أجنبية لأجلِ أن يلتقي بعشيقته غادة إلاّ علامة َفشل ٍوعجز ٍتام في التفاعل مع الزمن،بموجوداته،وهروبا ًمُركبا ًمن ذاته ومن عالم ٍيُشعرهُ بأنَّ قدره قد أسقطه فيه،لذا ليس هنالك من صلة انتماء إليه،سواء كان مقيما ًفي مدينة الرياض أوعلى ضفّة نهرِ ويلامت في مدينة بورتلاند الاميركية. "وقفتُ لعلّي أرى صفحة الماء بوضوح .كانت مجموعات عِدَّة من البَط تسبح بشكل دائري وأنا أحاول تجاهل هذه الطيور الكريهة " . . تعاني هذه الشخصية من إحساس عميق بالقلق إزاءمايحيطها من اشياء وعلائق اجتماعية "محاولاتي الدائبة للانفصال لايفهمها أحَد،حتى أنا.لطالما فسَّرُتهاعلى أنّها فشل ذريع،بينما لم تكن إلاّتمرينا ًغيرمكتمل على إنفصال موعود،ولتوّهِ إكتمل بصعوبة بالغةٍ وأنا في الاربعين." .. يبدو هنا،وكأن المؤلف وهويرسم الملامح الداخلية للشخصية،يعيدُ وفق فكرة التَّناص إنتاج َنمط الفرداللامنتمي الذي سبق للأدب الروائي أن طرحه في ستينيات القرن الماضي،بمايحمله مِن قلق ٍواغتراب ٍازاء الوجود والمحيط الأجتماعي "وحده القلق الذي أبقى بينناالعهد وجَعَل كل مابيننا كعائلة مجرد عهد ".. هنا أجد تساؤلات معينة تفرض نفسهاونحن نتأمل الصورة التي بُنيت عليها هذه الشخصية المركزية :-هل يمكن بعد كل المتغيرات العميقةالتي حصلت في العالم من حيث الافكارالفلسفية والمفاهيم والايدولوجيات،والتي شملت شتى أوجه الحياة الانسانية مع مطلع العقد التاسع من القرن العشرين وماجاء فيه من احداث دراماتيكية احالت عالما ًبأكمله إلى انقاضٍ،ليبدأ عصرٌآخرلاصلة له بما سبقه من ايدلوجيات،هل يُمكن بعد هذا أنْ نقرأعملاً روائيا جديداً،يعيد لناإنتاج ماسبق أن تم طرحه ــ مِنْ افكارونماذج انسانية ــ قبل نصف قَرنٍ في عدد من الاعمال الروائية!؟ لذا نجد أنْ ليس هنالك من ضرورة مُلِحّة تستدعي طرحها مرة أخرى في سياق رؤية فنية تبدو لنا وكأنها صدى لتلك الاعمال التي عكست في حينها جانبا أساسيا وحيويا ًمن ثقافة العصرآنذاك عندما طُرحت قبل نصف قرن، بظرفه ومعطياته!؟ هذا السؤال يقودنا إلى طرح سؤال آخر:هل إنَّ انغلاق المجتمع السعودي على نفسه وهو يَتحصَّنُ خلف قشرة سميكة ٍمِنْ قيم ٍ يُهيمنُ فيها العامل الديني والقيم البدوية والاعراف الاجتماعية مقابل مايشهده من تحولات عمرانية هائلة،هوالسبب الذي أحدث تصدُّعات إشكالية عميقة في بنية الفرد ــ سبَق للمجتمع الانساني المُتقدم أنْ مرَّ بها وواجههاــ وأمسى المجتمع السعودي اليوم في مواجهة مُتأخرة معهاولاسبيل أمام المبدع لأنْ يتجاوزها ويقفزعليها ؟ إلاّ أنَّ التفاعل مع هذه المسالة الجوهرية بأسئلتها وتحديّاتها فيما لو كانت أمراً واقعا ً فعلاً واقتضى التوقف عندهاوتناولها إبداعيا تبقى رَهن الرؤية الفنية للمبدع وخصوصيةتجربتة الذاتية،ويقتضي ذلك منه أنْ لاينشىء عمله مُنساقاً مع فكرة التّناص مع أعمال أخرى سبقته، خاصةً في إطارالمعالجة الفنية، فالتناص كما جاء في كتاب(نقاد الحداثة وموت القارىء)للدكتورعبد الحميد ابراهيم . "حوار مع أرواح سابقة تفضي إلى النَّص الحالي بالسّر .". وهنا بهذا الصدد نُذكِّر على سبيل المثال بعدد من أعمال البير كامو وسارتر وكولن ولسن وآخرين.
قناع العنوان
"عندما رأيت القندس أول مرة شعرت بالألفة.ولابد أنّه شعر بذلك أيضا وإلاّماتسلّق الضفة الحجرية وراح يعبث في سلّتي وبساطي ...." جاء اختيارعنوان الرواية بمثابة قناع إستعارهُ ألمؤلف وألبسَهُ ألشخصية المركزية/الساردة،ليفصح من خلاله عمّا يختزنهُ من مشاعروافكار تجاه مايحيطه من موجودات وحيوات ومايحمُله من تصوّر موضوعي أسقَطَهُ على معظم افراد الأسرة الكبيرة التي ينتمي لها في مدينته الرياض(الأب والأم المُطلّقة وشيخة زوجة الأب والأخت الشقيقة بدريّة والأخوة والاخوات غيرالاشقاء سلمان ونورة ومنى)،بهذا التصوّر بَنى (غالب) في ذهنه مُعادلا صوريا/اجتماعيا لسلوك الحيوان الدفاعي،عندما يبني سدودا ً خشبية وسط ماء النهر كُلما وجَد بقعة يابسة يركن فيها مع افرادعائلته، ليجعلوا من قلب النهر مكانا ًدافئا للعيش "سيلاحظ القندس أيضا ًأن عائلتي بَكماء في مابينها،ثرثارة في محافل الآخرين.نخترع فضائحنا بكتمان رهيب حتى لايعرف أحدنا ماذا يُحاك في الغرفة المجاورة.نحن فعلنا ذلك أيضا ًلنجعل من الرياض أقل وطأة وإن لم نقض على وطأتها تماماً،ولنجعلهاأكثر وضوحا ًوإنْ لم نفتح كل الادراج.عندما نرش الماء على دائرة من العشب الضئيل نعلم أنه لن يقتل الغبار والظمأ".
الصوت الواحد
من أول ِ جُملةٍ وحتى نهاية الرواية إنفرد ضميرالمتكلم ــ وهو بنفس الوقت الشخصية المركزية ــ في سرد الاحداث،فبقي لوحده صوتا ًمنفرداً إضطلع بمهمة لملمة الذاكرة وهي تستعيد المشاعروالتفاصيل . بهذه الآلية إستند علوان بناء نصّه الروائي،مُخضِعَا ًبنيته الفنية إلى سِماتٍ إستعارها من خاصيّة ٍتتوفر في معمارية النص السير ذاتي،فالتطابق التام مابين السارد والشخصية المركزية كان قائماً،وغابت عنه المسافة التي تفصل مابين الاثنين،وإنفتحت ذات السارد/الشخصية المركزية في تشكيل بنية الحكاية وهي تتحرك وفق آلية الوصف،بهدف ألقبض على متغيرات المحيط الخارجي،لتعكس من خلالها،داخل وخارج الشخصية . " وقفتُ، لعلّي أرى صفحة النهربوضوح. كانت مجموعات عدّة من البَط تسبح بشكل دائري،وأنا أحاول تجاهل هذه الطيورالكريهة.التي تذكرني دائما بغادة لأنها تعشق هذاالمنظرالساذج وتجرّني دائما إلى أماكن لاأجد فيها سوى خدعة سياحية بسيطة تمارسها مدن اوربا المتغضّنة " .
قصدية الخطاب
أتساقا مع الفكرة التي تؤكد على أنّ :"الادب في جوهره كشفاً للانسان والعالم "كما يقول د. صلاح فضل في مقدمة كتابه المعنون(انتاج الدلالة الادبية) يأتي هذا النص بأدوات سردية ٍمحدودةٍ.وهو لم يخرج في قصديّة خطابه شكلا ًومضمونا ًعن ثيمة أساسية لاتخرج عن:- تفكيك السياق العام لمنظومة البنيةالاجتماعية التي تفرض ثقلها وسلطتها القامعة على الشخوص والجغرافيه الاجتماعية المتزحزحة من مزاج المدن الصحراوية الصغيرة ـ مدينة الناصريةـ بإيقاعها البطيء،بإتجاه تمددات المدن الكونكريتية الحديثة ــ مدينة الفاخرية ــ التي ولدت بشكل سريع من بعد أكتشاف النفط .
ازدواجية الصراع
ومع أن موضوعة الصراع الاجتماعي بشكله المزدوج ــ الطبقي والعنصري ــ لم تشكِّل السياق الرئيس الذي بُنيت عليه تركيبة الاحداث والشخصيات إلاّ أن المؤلف أشار إليه بشكل عابرمن غيرأن يتوقف عنده طويلا،وذلك عندما تطرق إلى حقيقة العلاقة التي تربط غالب بشخصية خاله (داؤود) ببشرته السوداء التي ميّزته عن غالب وشقيقته بدريّة ووالدتهما التي كانت قد رضعت في صغرها من والدة داؤود ــ ذات البشرة السوداءــ وبذلك أصبح داؤود الذي يصغر والدة غالب بعدة أعوام ــ وحسب ماتفرضه الشريعة الاسلامية ــ شقيقها بالرضاعة.والاشارة الى اللون هنا،جاءت صريحة في محتواهاالنقدي لطبيعة التمييزالعنصري والطبقي الذي مازال يحكم المفاهيم الاجتماعية. " كان داؤود يكبرني ببضع سنوات وتكبرهُ أمي بضعفها تقريبا .جاء الى الرياض فعلّمتُه كيف يعيش فيها بين الهدى والضلال..جبتُ به شوارعها واسواقها آلاف المرات دون أن يفهم المسكين أني كنتُ أستخدم بشرته السوداء وهو يمشي إلى جواري لأبدو رجلاًعاليا ًيجذب اهتمام نساء عاليات.ولم أتوقف عن ذلك حتى شتمتنا أمرأة سليطة اللسان في مركز تجاري كبير بعد أن تبعناها كظِلها:أنتَ الحين مشخص بهالعبد اللي مَعَك ؟"
الخارج وجه الداخل
غالب كان قد إجتازالعقد الرابع من العُمر،محروماً من حنان الأم مُذ كان عُمرهُ سنتان.في ذلك الوقت غادَرَت والدته الى بيت خاله،وهي مصممة على طلب الطلاق من والده،لتتزوج بعد انتهاء العدّة الشرعية مباشرة من موظف حكومي،عَرفَت معهُ استقرارا ًعائليا ًلم تحظى به عندما كانت على ذمّة والده تاجرالسجاد،الذي تزوج هوالآخر إمرأة أخرى أنجبت له سلمان ونورة ومنى. والاخوة المُنفرطين من رحمين مختلفين ليس هنالك من شيء يجمعهم . "عندما شَعرأبي بذلك،قررأن يَطلينا بالصمغ ويلصق بعضنا ببعض كيفمااتفق حتى نبقى معا ًولو كانت قلوبنا شتى. " فقد فشلت سياسة الأب في أن يكونواعائلة كبيرة،ولم تفلح السيارات ولا الشارع الذي حمل اسم الأب ولاالمسجد الذي بناه في الحي.وبقيت عائلة بكماء في ما بينها ثرثارة في محافل الاخرين.يخترعون فضائحهم بكتمان رهيب حتى لايعرف أحدهم ماذا يحاك في الغرفة المجاورة. سلمان الأخ غيرالشقيق الذي يسرق من الأب بمبررات شرعية،مُنى الأخت الصغرى التي تحرق الرجال وكأنهم فراشات ضالة،العمَّة فاطمة التي تقتات من قلبها مثلما يقتات الجمل من سنامه.مُشكلة غالب الدفينة،التي لم يكن يفصح عنها تكمن في كونه يعاني من اضطراب وتشوّه داخلي عميق،عَكَسَهُ المؤلف بشكل واضح في وجهه،بعدأن جَعلهُ يتعرَّض الى حادث سير ٍوهو يقود سيارته لِتنقلبَ به. " جَمَع حادث السيارة كل تلك الملامح المبعثرة أصلا ًوبعثرها مرَّة أخرى بمعرفته " التشوّه الخارجي الذي كان يبدو واضحا ًعلى الوجه،عمَّق التشوّه الذي كان يحمله في داخله،لذا عَمَد إلى نسيان وجهه وتجاهله . " آخر مرّة رأيت فيها وجهي كاملاً كانت وأنا أراجع بيانات تأشيرة السفرالاميركية قبل شهرين في الرياض،وبعد ذلك لم أعد أراهُ سوى لِماماً في غرف الفنادق وردهات المطارات وزجاج السيارات وربما لهذا أنا أتأمل بقيّة جسدي دون وجهي،لئلا أنسى من أكون. " حتى العلاقة العاطفية الحميمة التي ارتبط بها مع غادة زوجة السفيرالسعودي في لندن والتي شَغَلت مساحة واسعة من حكاية النص،هي الاخرى أرادها المؤلف أن تكون كشفا صريحا لعلاقة مشوَّهة تبادل فيها الطرفان مُعاشرة جنسية مُحرّمة أحتوتها غرف فنادق ٍتوزعت على أكثر مِن بلد أوربي.ولم يكتشف غالب إلا بعد عشرين عاما حقيقة هذه العلاقة الزائفة الذي ذهبت به بعيدا ًفي وهم ٍ كبير بَدَدَ فيه عمرهُ وهو يركض خلفه،عابرا ًبِحارا ً ومحيطات حتى يحتويه بين ذراعيه على أمل ٍــ قد يأتي في يوم ماــ ليصبح مُلكَهُ ولوحدِهِ. ومِما زاد في إحساسه بهذا التشوّه،طبيعة العلاقة مع والده التي كانت تشعِره بأن والده يتسرّب الى دَمِهِ مثل مرض ٍوراثي عنيد . "يَخرُجُ أبي من فناجين القهوة أحيانا مثل مارد ٍمن البُن ويداهُمني ليلا ًونهارا ً. " وبعد أن يفشل غالب في دراسته الجامعية يرسله والده الى اميركا للدراسة في جامعاتها ولم يفلح ايضا ليبقى هناك مُشتتا، ضائعا ً، بلا أهداف ولاطموحات يسعى اليها، كما كان حاله في مدينة الرياض،التي أدمَنَ على أنْ يُلقي عليها عَجْزَهُ وفشله،حتى أَّنّهُ وطيلة بقائه في مدينة بورتلاند الاميركية التي وجد فيها خلاصه الهَش من مدينة الرياض الراكدة،لمْ يلقِ التحية عليه سوى النُّدلَ والباعة،وكاد الصمتُ أن يلصق أسنانه ببعضها عندما لم يجد فرصة ًلائقة ًللحديث والثرثرة مع أحدهم .
الخروج من الآخر
يتجاوز غالب الاربعين من العمر بسلسلة من الاخفاقات المتوالية،بَدأتْ مع غادة،عندما حَسَمَتْ خلافاها مع زوجها السفير السعودي في لندن وعادت اليه.ثم جاءته الصَدْمة الثانية بعد وفاة والده،عندماإتَّضحَ له بأنَه لايملكُ ماكان يظنُّهُ يَملكْ . "كان هذا يعني أنَّ أبي لايملك مترا ًواحدا ًمن تلك الاراضي الشاسعة الممتدة شمال الرياض بامتداد أحلام سلمان،ولاتلك الاسهم الرابحة التي خصّها أبي بحساب ٍبنكي خاص دون بقية الأسهم الرديئة،ولاالأرض المواجهة للبحرفي جَدّة التي كثيراً ماألحَّ عليه سلمان بأنْ يبنيها ناطحة سحاب تخدش السماء،حتى بيت الفاخرية إكتشفنا أن شيخة تملكهُ وحدها منذ عشر سنوات،كل هذه الأملاك،رغم أنها مسجلة باسمه حتى اليوم في الأوراق الرسمية،كان قد تنازل عنها جميعاً بخط يده لأكثر من ستة مسؤولين كبار كان أبي يسجِّل أملاكَهم بأسمه مقابل عمولات صغيرة " .
يصل غالب متأخراً الى لحظة وعي ٍبما كان قدأقترفه من حماقات لم تترك له سوى كآبة وإحساس بالنّبذ، فما كان مِنهُ إلاّأن يَختارأقصَرالطرق للدفاع عن نفسه في أنْ يخلع قناع القندس،وأن ينكر كونهُ قندسا ً،بعدأن تراكمت عليه التُهم . "أخلعُ عن جلدي الفروالذي ليس لي وأنزع الأسنان التي لم تقضم شيئا ًنافعاً.هذا مااستعنتُ ببورتلاندعليه منذ البداية.تملّصتُ بصعوبة من جذوري ولاأظن أحدا ًمن عائلتي فعل مثل هذا.مازالوا يجمعون الجذوع اليابسة جميعا ًمنذ عرفتهم وحتى تركتهم ولن يتوقفواعن ذلك أبدا ً،قررتُ أن أفِرَّ عن المشاريع المغلقة التي تورِّطُنا فيها الحياة وتجعلُنا قنادسَ هذا السَّد،هاجس الحماية الأزلي،مشروع مغلق لايمكن أن ينفتح على اتجاه جديد مهما تغيرت الأجيال."
بَقيَ خطاب النص في سياقه العام مفتوحا ً شكلا ًومعنى ومُبتعدا بذلك عن افتراضات التأويل التي فيما لو توفرت فيه لمنحته بنية مركَّبة في طبقات مدلولالتها القراءية،لتأخذ القارىء، نتيجة ذلك،نحو مستويات أكثر كثافة ًتترشح من خلف دلالات ألجمل والتراكيب اللغوية التي يصدُّرها النص.كما لم يتحرر من التجاور والتوازي مع ماسبق انتاجه من نصوص عالمية في إطار ماأراد تصديره على مستوى الشكل والمحتوى. ولأنَّه لم يكن مُغلقاً فنيا ًعلى ماأراد طرحَه من خطاب، ظَل المستوى الدلالي عائما ًفي تمظهرات ٍواضحة المدلولات،لم تضع القارىء في متعة البحث والتقصي العميق.إلاّ أن ذلك لم ينل من أهميّتة الفنية في الكشف عن عوالم انسانية متصارعة مع ذاتها ومحيطها في لحظات ٍتفصل بين عوالمَ متقاطعة ومتناقضة،هذا إضافة إلى تماسك حبكته في سرد المتخيل السردي،وبذلك هذا العمل يدعونا بلا أدنى شك لقراءته مرة أخرى والاحتفاء به.
وبعيدا عن كونه يأتي من بيئة ليس لها تاريخ طويل يُذكر في الادب الروائي مقارنة مع بلدان عربية أخرى ولم يكن متوقعا ًمن هذه البيئة المُترَفَة أن تضيف شيئا ًمهما ً للرواية العربية،لكن الأمانة تقتضينا أن نُقرَّ ونعترف بحقيقة مهمة باتت تفرض حضورها في المشهد الروائي العربي،بأنَّ ماتم طرحه من نصوص روائية كتبها عدد من الروائيين الخليجيين خلال العشرين عاما الماضية قد أزاح عن قناعاتنا،غشاء َوهم ٍ كبيرٍ،كنّا نُغلّفُ أنفسنا بهِ،مفاده ُأنَّ الخليج العربي ليس مكانا ًخصبا ًولامُهيَّئا ًلأنْ يُقدم لنا أدبا ًمهما ًتتوفر فيه عناصر فنية متقدمة تعكس مايملكه كاتب مُتَرف ليس لديه معاناة ولاتحدِّيات يُمكنُ أن تصلح مادة مهمة للكتابة الروائية ولاأنْ تثير أهتمام القراء. لكننا وجدنا أنفسنا أمام موعد ٍجديد وضَعَنا فيه مجموعة من الكُتّاب الشباب، سيكون له تأثير واضح جدا في مستقبل الرواية العربية .

«عام السرطان» للعراقية سالمة صالح: دلالة الاتكاء على استراتيجية السَّرد السير ذاتي مروان ياسين الدليمي http://www.alqu...