الاثنين، 26 أغسطس 2013


               المُثقَّفُ الخطأ أم الخَطيئة
                                       مروان ياسين الدليمي

كل الاراء مُتاحة للطرح والنقاش،حتى لوكانت غير مقبولة وغير منطقية أو مخبولة،مادامت لاتدعوللقتلْ. فالاغبياء والمجانين والمعتوهين والشذاذ لهم الحق في أن يعبَّروا عن ارائهم،حالهم حال العباقرة،أو مَن يجدون في انفسهم عباقرة،ولاسلطة لأحدٍ في أنْ يُصادرَ أو يمنعَ رأي أحد ٍ ما،طالما الرأيُ لايهددُ الأمنَ والسّلمَ الاجتماعي،ولايدعو للقتل،فلماذا يخاف بعض المُثقفين العراقيين من الرأي الآخر المخالف لرأيهم خاصة فيماهو متعلق بالوطن أوالحاكم أوالسياسة أوالاحزاب أوالطائفة أوالقومية ... الخ،فتجد الشرار يتطاير من أعينهم قبل أرائهم !؟ . وغالبا ً مانجد أمثال هؤلاء ينتهزُ ايّة فرصة لتحريض الرأي العام وتجييشه ــ مداعباً أملا ً أثيرا ً لديه ــ ولايتردد في الافصاح عنه،بأنْ:يتِمَّ قمع واسكات الرأي الآخر. وخياراتُ القمعِ لدى أيّة سلطة سياسية غاشمة مفتوحة مصاريعها دوما ًعلى الترهيب والترغيب والنفي والتهجير والقمع والسَّجن،وآخرهاالقتل،إنْ لم يكن خيار القتل أولها.وغالبا ً مايروِّجُ هذا البعض لتلك النوايا السوداء مُتسترا ًبأغطيةٍ وذراعَ شتّى ــ هي أشبهُ بمن يضع السم في العسل ــ  وأكثر تلك الذرائع شيوعا ومدعاة للسخرية:الخوف على سلامة الشعب ! . وهذا عذرٌ أشدُّ قباحة من السبب،وفي ظاهره وباطنه مايدعو للرثاء بقدر ما يدعو للدهشة والغرابة،فهو يشيرالى حقيقة الضَّعف والهشاشة الداخلية التي يعاني منها هذا النموذج الفاقد للمناعة.وغالبا ًمايكون الظرف الذي يُهيءُّ بروزَ وشيوعَ مثل هذا المثقف الخَطيئة هو ظرفٌ شاذ بكل المقاييس،عادة ماتسوده الفوضى وتغيب عنه سلطة القانون،ويتفشّى الفساد في كل مفاصل الحياة،وتتماهى الخطوط والخنادق مابين البطولة والخيانة العظمى. ومَنْ تَندلقُ عليه مباهجُ هذا الظرف وهو فرحٌ بها،مِن دون أن يَشعرَ بوخزة الضميريصابُ دون أدنى شك بعمى الالوان،هذا إنْ لَم يُصب بعمى البصيرة،مُستَدرَجاً بضعف مناعته الثقافية ودون أن يدري إلى مملكة الوَهم،مُتربِّعاً على العرش،كتمثال من الشّمع خالٍ من الأحساس،وهو في حالةٍ من انعدام ِالوزن ِوالوعي والضمير،ليجدَ في نفسه كاتبا ً مُلهَما ًينعُمُ على الشعب بوصايتة،وفي عُمقِ تصوّره يرى الشعبُ قاصراً،مازال في طور الحضانة،لم يبلغ مرحلة الحِلم،وهوغير مؤهلٍ للوقوف على قدميه،وبمقتضى هذا الحال،وإلى أنْ يصلَ مرحلة البلوغ ِوالكمالْ ويكون فيها قادرا ً على الاختيار لابد أن يكون تحت وصايتة هو! .. ختاما اقول لهذا البعض: لعبتكم لن تطول،ستنتهي بعد حين،وحده الذباب سيعرفُ الطريقَ اليكم .   
 http://al-aalem.com/1515-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8F%D8%AB%D9%82%D9%8E%D9%91%D9%81%D9%8F%20%D8%A7%D9%84%D8%AE%D8%B7%D8%A3%20%D8%A3%D9%85%20%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%8E%D8%B7%D9%8A%D8%A6%D8%A9.html رابط المقال في صحيفة العالم الجديد يوم الاثنين 26 / 8/ 2013

الأربعاء، 21 أغسطس 2013

قراءتي النقدية لرواية (الفراشة الزرقاء ) للكاتب اللبناني ربيع جابر في صحيفةالزمان الطبعة الدولية- السنة السادسة عشرة-العدد4587 الثلاثاء 13 من شوال 1434 ه 20 من يوليو 2013م .

الفراشة الزقاء.. 
رواية للكاتب اللبناني ربيع جابر 

                             قصديةُ الشّكلِ،وتحطيمُ العلاقةِ مابينَ المَرئي والمُتخيَّلْ
lمروان ياسين الدليمي
الطبعة الثانية 2013

عدد الصفحات 192
الناشر:التنوير/ للطباعة والنشر والتوزيع/لبنان

ماوراء القص
أيّ عمل إبداعي يصل الى مرحلة متقدمة من النضج الفني،هذا يعني أن: المؤلف قد تمكن خلال رسالته الفنية الامساك بالخيط الرفيع الذي يفصل مابين عالمين متناقضين ومتقاطعين ــ الواقع والخيال،المنطق واللامنطق،المرئي واللامرئي،الحقيقة والوهم ــ في لحظة جمالية يكون فيها مُستقبِلُ العمل مُوزعاً بين خليطٍ من مشاعر مختلفةٍ تتوزع مابين الدهشة والغموض والمتعة والتأمل والاستفزاز،متأرجحاًعند نقطةٍ تتقاطعُ وتتداخلُ فيها الوقائع والاوهام في آنٍ واحد.والنص الروائي(الفراشة الزرقاء)سار المؤلف فيه بهذاالاتجاه،وبدامُنسجماً مع ماجاءت به كتابات ماوراء القص التي تمظهرت في"اهتمامها بالعلاقة بين الواقع والتخييل.فالواقع لم يعد قابلا للفهم،والتاريخ ليس أكثر من رواية.كماأهتمت بقضية اللغة وعدتَّها نظاماً اعتباطياًاستبدادياً.وناقشت الحالة المفارقيةلسلطةالمؤلف،وجعلته بلاسلطة أحيانا.وأبرزت إلى الواجهة خيالية الروايةوالواقع على حد سواء". هذا ماوردفي كتاب الناقدة د.أماني ابو رحمة المعنون (ماوراء القص). من هنا لم يكن من السهل إستقبال مايُسرَدُ من تفاصيل داخل الحكاية الرئيسية التي بَنى عليها ربيع جابر عمله،وهذا يعود الى " رفضه للوسائط البنيوية التقليدية في سرد الحكاية ." كما يقول شانون وليامز ومايتبع ذلك من تغير جوهري في وظيفة السرد، ليذهب المؤلف في مخطوطته السردية الى انعطافات حادة ".
قصد المؤلف أن يضَعَنا أمام تجربة جمالية تكون فيها ذائقتنا أمام تحدٍ،وهذا يستوجب منّا تفكيك ماتكدّس لدينا من اتفاقيات فنية في السرد في منظومتنا النقدية،فلم يكن من السهل علينا ونحن نقرأ النّص التوصل بسهولة الى معرفة أسم السارد/المؤلف الروائي داخل النص،وهو بنفس الوقت شخصية الحفيد الذي أُطلق عليه نفس الاسم الذي كان يحمله جده الاسكافي انطون الذي وجد مقتولا في دكانه يوم الاثنين 12 تشرين الثاني عام 1877 في بيروت،بعد ثلاثة أيام على مقتله من قبل رجالٍ من أهالي الجبل،أخذاً بثارٍقديم عليه. " خَالةٌ من خالاتي،لاأعرف مَنْ بالضبط،إقترحت أن يسمّوني سليم.لكن أبي حسم الموقف،فأطلق عليّ إسم نورعلى سبيل الدعابة ". وبعد أن يكتشف صدفةً خبر مقتل جدِّه في أرشيف مكتبة الجامعة الاميركية التي يَدرُس فيها،يطلب من صديقه الذي يشاركه الغرفة في البناية المخصصة لطلبة الجامعة أن يناديه بأسم انطون. " ألأحساس الذي انتابني،عقب قراءة تلك الكلمات المرسومة على الشاشة الخاصة بآلة الميكروفيم،كان شديد الوطأة.فجأة بدا لي أن العالم كلّه مزيّف.كأن أنطون الصغيرالذي أسموهُ على أسم جدِّه المقتول في بيروت لم يولد قط.كأنّ بلدتنا بلدة خيالية.كأنّ غرفة الميكروفيلم ليست موجودة داخل حرم الجامعة بل فوق سطح القمر.كأنّ الجامعة ذاتها هي غير حقيقية.واستمرذلك الإحساس للحظات معدودة.فكأنّ كل شيء مزيَّف،ولا شيء حقيقي إلاّ هذا الاحساس للحظات معدودة الذي يستولي عليّ بسبب من هذه الكلمات المنشورة في صحيفة من القرن الماضي " .
تفكيك اتفاقيات القصة
المؤلف جابرلايتردد في استفزازالقارىءعندما يأخذ بنية خطابه الروائي نحو منطقة يستثمر فيها تقنية الاسطورة ليصبح المنجز الفني بالتالي تجسيداً وتشخيصاً منطقياً لكل ماهو غير منطقي.هنا تكمن الحرفية العالية للمبدع في التعامل مع أزمنة متناثرة متباعدة بأحداثها ووقائعها وشخصياتها.فالكتابة الابداعية وهي تدخل مشغل السرد الروائي لاسبيل امامها للوصول الى جوهر الاشياء والدلالات إلاّ أن تنطلق فيها مخيلة المبدع من عتبة الحرية وهو يصبو إلى بناء عالمه السردي وفق منطق التصور والافتراض على اتساع مخيلته.وهنا يشير (شانون وليامز) في مقالته المعنونة(خصائص الرواية في مابعد الحداثة):"أدب مابعد الحداثة يطبِّق فوضى الوجود المعاصر على اشكاله ويسعى إلى تفكيك اتفاقيات القصة من أجل فضح زيف الاسطورة التي تروج لنظم عقائدية مستندة إلى الوهم " .
تخطى ربيع جابر أساليب السرد التي راكمتها الرواية العربية التقليدية عندما لجأ إلى آلية بناء المشغل السردي في كتابات ماوراء القص،وفيها يطل السارد بين فترة وأخرى ليعلن عن حضوره ." أقرأُ الجملة الاخيرة فلا أعرف ماذا سأكتب بعدها،وأحسُّ بألمٍ في صدري،وأفكِّر بأن عليَّ أن أرمي القلم من يدي وأن أمضي إلى السرير ". وفي مكان آخر من الرواية ."أراقب البُخار يتلوّن بضوء اللمبة الصفراءأفكِّر أني وصفت هذا المشهد في رواية سابقة ".. وبهذا الصدد تقول ليندا هتشيون:"رواية عن الرواية،أي الروايةالتي تتضمن تعليقاًعلى سردها وهويتهااللغوية ".
انطون/السارد/المؤلف الروائي داخل الرواية،إلى جانب كونه طالب ماجستيرفي الجامعة الاميركية في بيروت،هو كاتب روائي. " كتبتُ تسع روايات ونشرت ثلاثا ًمنها ". وهوعلى وشك البدء بكتابة روايةجديدة.فالذاكرة تختزن الكثيرمن الحكايات منذ ايام الطفولة. " هناك في البداية حكايات جدتي عن أخيها الصغير،وعن جوزف وجورجي بابازواغلي،وعن معمل تحرير الحرير من دودة القز وصاحبه الفرنساوي بروسبر بورتاليس.حكايات سكنتني منذ ايام الطفولة " . ولأنَّه لم يكن مستعداً للبدء بمشروع روايته الجديدة طالما لم يجد أنَّ ماتختزنه الذاكرة غيركافٍ لكي يصنع منها رواية إلاّ أنّ لحظة الشروع جاءت بعد فشل تجربة عاطفية عاشها مع س. "وبعد أن تركتني(س)ومضت بعيدا اكتشفت فجأة انني قد وصلت إلى البداية لتوّي.....سأكتب رواية،قُلتْ.وقلتُ إنني سأبدأها بجنازة جدتي " .
بنية الزمن
استثمر ربيع جابر مهنة الشخصية المحورية ــ بأعتباره يعمل مؤلفا روائياً ــ ليرسم مُخطَطَاً هندَسياً شيَّدَ على أساسه بنية النص،عبرمعمارفني إنشطرت فيه الحكايةالى شظايا،توزعت على أربعةأزمنة:الماضي،الحاضر،المُتخيَّل،الحُلم.هذه الازمنة تقاسمت الحضوربشكل متدفق وسريع قائم على استثمارالبناء المتوالي الذي تتيحه آلية المونتاج السينمائي في البناء السردي للحكاية بكل تشظياتها الزمنية والمكانية،لتتوالى حركة الازمنة(تقدماً ورجوعاً)في سرد الحكايات على لسان أبطالها أو على لسان(السارد/المؤلف الراوي داخل النص/الشخصية الرئيسة)،أو على لسان(السارد/المؤلف/الضمير الغائب).وتم تقطيع النص إلى حكايات كما لوأنها مُقاربة شكلية مع التقطيع الحاصل في المعالجة الادبية لبناء سيناريو الفلم السينمائي قبل مرحلة(السِّكْرِبْت) أي المخطوطةالتنفيذية:حكاية دخول جدتي في معمل بورتاليس /كيف تحولت جدتي من عاملة بسيطة الى/ جملة اعتراضية/حكاية الفراشة التي طارت/جدتي تداعبني / جوزف/ لكنه ليس انطون / الرؤية في الظلام /حياة وموت جوزف بابا زغوالي .
فالرواية حبكة فنية لمجموعة من الحكايات المرتبطة والمتشظية مِنْ مَتنٍ واحد:حكاية يوسف وابنه سهيل/حكاية سهيل وابراهيم البخعازي/حكاية الشقيقان جوزف وجورجي وصديقهما سليم/حكاية حب جوزيف لزهيّة/حكاية زواج زهيّة من سليم/حكاية زهيّة ودخولها معمل بروتاليس لتحرير الحرير/عودة جورج من الغربة بعد اربعين عاما .
الحكاية
مع منتصف القرن التاسع عشر وعلى اثر تداعيات انهيار الامبراطورية العثمانية شهدت مستعمراتها العربية ومنها بلاد الشام جوعا كبيراً إضافة الى أن هذه الفترة كانت بدايةً وصول علامات النهضة الحديثة إليها،جاء بها مبشرون ومستثمرون مغامرون غربيون سبقوا الجيوش الفرنسية والانكليزية في الدخول اليها.بنفس الوقت كانت هذه الفترة بداية الهجرة الاولى للعديد من ابناء الشام الطامحين الى الثروة والعمل الى أميركا وافريقيا،وكان من بينهم جبران خليل جبران،كذلك يعقوب صروف وفارس نمر اللذان اصدرا مجلتي (المقتطف والمقطّم)في مصر،إضافة الى جورجي زيدان الذي كان ينشر مقالاته في المجلتين المذكورتين،وزيدان يرد ذكره في النّص بأعتباره صديق الطفولة والشباب لسهيل بابازواغلي قبل أن يسرق الاسوارة من الصائغ الاعرج ويودع في السجن.أيامها كان زيدان يعمل مع والده في ادارة فندق في منطقة بتاتر،في لبنان ويحرص على قراءة الكتب التي يجلبها له سهيل بعد أن يسرقها من المكتبات،أي قبل أن يهاجرالى مصر ليصبح فيما بعد أحد اشهر الذين لعبوا دورا أساسياً في النهضة الفكرية التي شهدها العالم العربي مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في مختلف شؤون الفكر والمعرفة والادب مشاركةً مع آخرين من ابناء جلدته.
مُقدّمات أحداث الروايةــ التي تلعب الوِراثة والصُدَفُ دورا حاسماً في تقرير احداثها ومصائر شخصياتها ــ تعود بنا الى تلك الفترة العاصفة(منتصف القرن التاسع عشر)وفيها كان العالم يشهد قيام عالم جديد،تقوده قوى وآليات جديدة،على انقاض عالم آخر،كان قد وصل إلى مرحلة بدا فيها هَرِماً وماعاد قادرا على رؤية الحياة ومتغيراتها العلمية بوضوح،لذا لم يعد قادراً على المواجهة والبقاء.في تلك الفترة أراد يوسف بابازواغلي أن يصبح أبنه سهيل طبيباً أوموظفا حكوميا كبيراً مثله،لذا يرسله الى مدرسة الفرنسسيكان الداخلية.لكن الاقدارجَرت على غير ماكان يحلم.فبينما كان الأب يوسف يقضي وقته بين المعاملات الحكومية وقراءة آخر الكشوفات العلمية التي قام بها داروين وجد سهيل لنفسه طريقا ً آخرى ستفضي به إلى مستقبل غامض وخطر،عندما مدّ يده وسرق اسوارة ذهبية من دكان صائغ اعرج.فلحق به وتمكن من القبض عليه.فيتم إيداعه السجن فيتبرأ منه والده الى الابد.وليقضى ثلاث سنوات في السجن وهو يلعب الورق مع ابراهيم بخعازي المُصاب بالسّل والمحكوم لمدة عشر سنوات بتهمة قتل مراقب العمال طَعناً بالسكين اثناء عمله في أشغال جرِّ مياه نهر الكلب الى بيروت مع شركة تونان الفرنسية عام 1871. فكانت الاعوام تمر متشابهة على بخعازي لكنْ بمجيء سهيل تبدل كل شيء،فقد عرف في شخصية سهيل شاباً صادقاً.وإكراماً لطيبته معه،بعد أن كان معزولا من قبل جميع السجناء،ترك له بخعازي قطعة أرض صغيرة كتبها في وصيّة قبل أن يموت،واحتفظ بها سهيل في صندوق خشبي كَصَك ملكية في الكوخ الذي بناه على ارض الحقل بعد خروجه من السجن.وبعد عقود من السنين يموت سهيل بابازواغلي بشكل تراجيدي وهوفي حقل الحنطة وحيداً يدافع عن السنابل التي هاجمتها اسراب من الجراد بعد أن كان قد اتفق مع حفيديه على حصدها في اليوم التالي . ينتقل الصندوق الى عهدة حفيديه جوزيف وجورج اللذان يتشابهان بشكل كبيرالى الحد الذي لايمكن التفريق بينهما رغم أن جوزيف أكبرمن جورج بعام واحد.وكان جوزيف على وشك أن يتزوج من زهيّة التي أعجب بها بعد أن شاهدها تخرج من معمل بروسبر بورتاليس لتحريرالحريرالطبيعي من دودة القز،لكن الجَّراد الذي قضى على محصول الحنطة،ومن ثم القحط الذي مرعلى البلاد في تلك السنة واصابها بالمجاعة،دفع الاخوين ــ مثل كثير ٍمن ابناء الشام ـ لأن يتخذا قرارهما بالسفر الى مصروكان سفرهما قد تمَّ بعد نهاية الحرب العالمية الاولى مباشرة.عند ذاك أصبح الطريق سالكا أمام صديقهما سليم لكي يتزوج من زهيّة التي كان هو الآخر يحبها بصمت دون أن يكشف ذلك لجورجي وجوزيف،لذا كان رحيلهما عن البلاد فرصة سانحة له لكي يرتبط بمن يحبُ. وبعد اربعين عاما من الغياب يعود أحد الاخوين الى القرية ويلتقي بصديقه سليم مرة اخرى الذي لم يكن متأكدا إن كان العائد هو جوزيف أم جورجي،فالشبه الكبير بينهما أدخل سليم في حالة من الحيرة والقلق رغم ادعاء العائد بأنه جورج وأن شقيقه جوزيف قد توفي قبل عدة اعوام في المانيا على اثر اصابته بمرض السّل. "منذ اللحظة التي بدأ فيها جورجي حكايته عن حياة وموت جوزف بابازواغلي إستدارت سوسةٌ صغيرة تحت اضلاع جدي،وأخذت تنخرصدره من رأس معدته حتى حنجرته،ففقد الأمان الذي كان يملؤه،وأستعاد أرق تلك الليالي التي سبقت زواجه من جدتي". وبعد أن ينتهي جورجي بفترة قياسية لاتتجاوز الشهرين من بناء نزل واسع بغرف متعددة على نفس الارض التي كان عليها كوخ جده سهيل بابا زواغلي وبنفس معمار النزل الذي كان محبوسا فيه لمدة ثلاثة اعوام في بيروت،يغادر سليم القرية فجأة بعد أيام على افتتاح النزل وامتلائه بحياة صاخبة دون أن يخبر أحدا عن وجهته،حتى زوجته لم يخبرها بذلك لكنها كانت قد لاحظت تحولا مفاجئا طرأ على شخصيته قبل اختفائه،فلم يعد رقيقاً معها ولامع بناته،وبات يغضب لأقل كلمة،ويفضل دائما أن يتناول طعامه وحيداً.وبعد ثلاث سنوات تعلم زهيّة بخبر غرق سليم في مياه البحر مع ستين راكبا،كانوا جميعاًيستقلون باخرة قادمة من اوربا إلى مرفأ بيروت وكان هو عائداً من رحلته،بعد أن إستلم مكافأة نهاية الخدمة من الجيش الفرنسي الذي عمل معه إسكافياً لأكثر من 25 عاماً. بعدها اقفل جورجي النزل نهائيا،وجلس أمام المرآة وبدأ يتكلم مع صورته: " هاأنا وحدي ياجوزيف،وأنتَ وسليم هناك.هل تفكران بي كما أفكربكما؟ ". وفي المرآة كان جورجي يرى وجهاً أصفر.ويتسائل مع نفسه. "هل هو وجهه أم وجه جوزيف ؟ ". ليُدخلنا النّص مرة اخرى في لعبة الشك والتأويل التي تنساق إليها كتابات ماوراء القص،والتي انعكس حضورها الواضح في تركيبة الحبكة التي اتقن نَسْجَها المؤلف جابر وماشَحَنَ به نصَّهُ من تعليقات،إضافة الى القصدية الواضحة في تصدير الشكل وتحطيمٍ واضحٍ للعلاقة الفاصلة مابين المرئي والمتخيل.لم يعش جورجي أكثر من عام بعد خبر وفاة سليم فمات هو الآخر وحيداً في نزله المهجور.وترك وصيّة تنازل فيها لزهيّة عن النَّزل،وبعد موتها هي الاخرى يصبح النزل ملكا لحفيدها انطون مؤلف الروايات الذي يرفض هو الآخر بيعه مثلما كان عليه موقف جدته رغم الحاح بناتها واحفادها لأنهم كانوا يفكرون بالفائدة المادية التي ستعود عليهم فيما لو تم البيع . "النَّزل يجب أن يبقى كي لاتموت الحكاية.أمّاالآن وقد كَتَبتُها،فما الضرورة من بقاء النزل ؟ "
الجنوح الى اللعب
يبقى أن نشير إلى أن الرواية عندما صدرت عام 1996 في طبعتها الأولى كانت تحمل اسم المؤلف "نور خاطر"وليس ربيع جابر!؟ وهذا بتصورنا كان جزءاً اساسياً يدخل في منظومة كتابات ماوراء القص التي انخرط فيها المؤلف بذكاء وحرفية عالية أطّرَ سرديته فيها،بالشكل الذي أباح له ابتكارعوالم داخل عالم النص،لأَجل توريط القارىء في لعبة الوهم، مما يجعله غير قادر على التَّوقع والتمييز مابين الحياة الحقيقية والحياة المُتخيّلة داخل الرواية،طالما قد جنح المؤلف الى تجاوز الحدود التي يفرضها البناء الفني الكلاسيكي المتماسك.وهذه الآلية الشكلية التي تثير البلبلة والشك سترتقي بالتالي بمستوى المهارات القرائية التي ينبغي أن يكون عليها القارىء،وتضعه هو الآخر إلى جانب المؤلف في مسؤولية المشاركة الواعية والفاعلة في تفكيك المعنى وصناعته .

الجمعة، 16 أغسطس 2013

http://al-aalem.com/1285-%D9%86%D8%B5%D9%8F%D9%91%20%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8F%D8%B3%D9%8E%D8%B1%D8%AF%D9%8E%D9%86%D9%92%20%D9%88%D8%AD%D8%B6%D9%88%D8%B1%D9%87%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%8E%D9%91%D8%B5%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8E%D9%91%D8%B1%D8%AF%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8F%D8%AA%D8%AE%D9%8A%D9%8E%D9%91%D9%84%20-%20%D9%85%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86%20%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%8A.html

رابط المقال عن رواية (ترمي بشرر ) للكاتب السعودي عبده خال في صحيفة العالم الجديد العراقية في 15 اب 2013




تَرمي بِشرر ٍ .. *
رواية للكاتب السعودي.. عبده خال


نصُّ الواقع ألمُسَردَنْ،وحضوره في النَّص السَّردي المُتخيَّل .


                                            مروان ياسين الدليمي



     الطبعة الخامسة/منشورات الجمل بيروت / بغداد 2011
*  سبق أن فازت الرواية بجائزة البوكر العربية عام 2010

عالمان متوازيان
في روايته(ترمي بشررٍ)يذهب الكاتب السعودي عبده خال عميقاً في البيئة الاجتماعية لمدينة جدة ليكشف في خبايا أعماقها وجهاً آخر لمجتمعٍ تم تغييبهُ.وتتجلت في هذا الوجه سمات  ُبؤس وفقر وانحطاط تمتَد ُّفي مساحات مهمّشة.سعى ًالكاتب من وراء هذا التوغّل تحطيم أحادية ِصورة ٍمُسوَّقةٍ بسطحيةٍ برّاقةٍ عن مجتمع محافظ، محاط بأرث اجتماعي وديني ثقيل،ليضعه عبر مخطوطته السردية في مواجهة فنية .
بهذا الكشف السردي  الصادم لبيئة وطبقة اجتماعية مَقصيّة تكتمل أمامنا ظلال من عناصر فنية لمشهد روائي بطبعته الموبسانية ــ نسبة الى موبسان ــ  تبدو مشغولة بفرشاة إنطباعية تتجلى من بين ضرباتها اللونية صورة حياة ٍيصنعها معتوهون ومرتشون ولصوص وقوادون وزناة ولوطيون وطالبو سُلطة وحائكو مؤامرات، مثلما يساهم في صنعها مُصلحون .
المكان هنا بحضوره وسلطته المعمارية التي تشيء بحيواته التي تعكس دلالاته ينشطر الى عالمين متوازيين (قصر/ حارة،علوي/سفلي، بحري/صحراوي، ثري/ فقير) ومابين هذين العالمين لاقاسم مشترك سوى انحطاط ٍخُلقي يجمع حيواتهما.
الكاتب عبده خال يُبقي إطار سرديته ِداخل نص الواقع،ولايخرج عنه،بل يذهب بعيداً في واقعيته الى الحد الذي يُرفِقُ بعد نهاية النص المتخيل عددا من الصور الفوتوغرافية مرفقة بسير ذاتية تخص مجموعة من شخصيات واقعية مُستلةٍ من الاخبار المبثوثة بين الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية،هذا َإضافة إلى هوامش سجَّلها في أسفل عدد من الصفحات داخل الرواية،فكانت آلياته هذه بمثابة أدوات واقعية لجأ إليها لكتابة نص روائي متخيل،وكأنه بهذا الاسلوب الصحفي/الأستقصائي ــ والذي يتماهى مع آليّة السجلات الجنائية ــ يسعى لأن يعمَّق لدينا إحساساً قوياً بـ ( نص الواقع) وحضوره في تركيبة(النص السردي المُتَّخيل)ولكن إحالة الشخصيات الى الواقع بهذاالشكل الذي ذهب اليه المؤلف لاينتمي الى الطبيعة التاريخية التي كانت تحرص الرواية التقليدية الالتزام بها،بل تم تقديم الشخصيات على أنها كائنات مُتخيَّلة على الورق مثلما هي اللغة التي يبتكرها المؤلف في بناء سرديته.ويبدو لنا أن أختيار ضمير المتكلم / سارداً للاحداث كان قد لجأ إليه المؤلف من أجل أن تتحكم  الشخصية المحورية / الساردة بشكل محكم في سرد الاحداث.وإن كان أختيار ضمير المتكلم يبدو مألوفا في السرد السيرذاتي ويمنحه فعالية تتحرك مابين القارىء والحدث المسرود،ويكون  مُحددا للأفق فيما عداه من الانواع السردية الاخرى.بنفس الوقت يوهمنا الكاتب في ملخص السجلات السيريةالتي أضافها  في الملحق الذي عَنَونهُ بــ (البرزخ) بعد انتهاء صفحات الرواية،أن َّ شخصياته هي إجتماعية وليست إجتماعية،واقعية وليست واقعية،بهذه الآلية يتقصد الكاتب عبده خال إشراكنا في تفكيك السردية القائمة والمتداخلة مابين النّصين :نَصُّ الواقع والنَّص المُتخيَّل .
إن َّخطاب الرواية السردي في مكوناته(الزمن - السرد- التبئير ) ينتمي إلى الرواية العربية الجديدة، وقد وصف الناقد سعيد يقطين مايسعى اليه خطابها في مقالته المعنونة (تحليل الخطاب الروائي)المنشورة في مجلة الطليعة الادبية عام 1990العدد5- 6: "تقديم خطاب جديد يقوم على تقنية جديدة في الكتابة ليست على وفاق مع الكتابة الروائية العربية قبل العام  1967 وإنهاتسعى لتقديم وعي جديد تجاه الواقع الذي أدّى إلى الهزيمة.وأن الرواية كانت أكثر تقدما في كتابتها عن واقع الهزيمة من باقي الخطابات التي انتجها العربي بعد ذلك الحدث التاريخي ". وبناء على هذا التصور الذي تشكَّل لدينا،يتمحور النص السردي(ترمي بشرر) ضمن مسار الرواية العربية الجديدة التي تنتظم معماريتها في فضاء تثوير اللغة والاشكال والمضامين.رغم حضور تقنية(الرؤية من الخلف)التي كانت سمة ملاصقة للرواية التقليدية والتي تتيح للسارد أن يتقمص شخصياته ليبدوعارفا بكل مايخص ماضيهم.إلاّأن هذه التقنية تم إزاحة وظيفتها التقليدية وإحالتها الى منطقة اخرى في بنية السرد فارتكزت في إنزياحها على محورية الشخصية الرئيسة الساردة للاحداث بعد أن تلجأ الى البوح ابتدأ من الاهداء الذي كتبه طارق فاضل الشخصية المحوريةالساردة للاحداث والذي جاء في مقدمة الرواية:"التلويحة شارة للبعد،للغياب.و(هنَّو) لم ترفع يدها أبداً..فأي خيانة إقترفَتها حينما لم تلوّح من بعد !؟ لها،ولبقيّة من عَصفتُ بهم في طريقي،ينداحُ هذا البوح القذر" .
المكان المزدوج  
 سكان الحي الفقيرحارة )الحفرة/جهنَّم(،ليسوا سوى أمواتاً يقضون أعمارهم فيه،مغمورين بقاذوراته،وتنافر حكايات قاطنيه القادمين من جهات الارض،لاشيء يحفزهم للنظر من نافذة الغد البتة،تفرّغت آذانهم لالتقاط أي صوت ليحيكوا منه حكاية جديدة يعبرون به ليلهم الكسيح،وظل الحي متمسكاً بساكنيه الأصليين في جهة واحدة بينما ترك أجزاء منه للقادمين إليه،لفيف من جنوب المملكة،هم خليط:من الغمد،والزهارين،والقحطانيين ،والشهرانيين،والعسيريين،والياميين،والجازانيين،وخليط آخر من بدو قدموا من أطراف الصحارى المترامية،وجاليات من يمنيين،وشوام ،ومصريين،وسودانيين،وصوماليين،واريتريين،وهنود،وأفغان،وجاويين ،وتشاديين،وصينيين،وأكراد،وبخاريين،وتركستانيين،وقوقازيين فروا من محرقة الحرب.فئات مقهورة ومسلوبة ترضى أن تعيش داخل إسطبل تعلف مايقدم لها من غير إشتراطات مسبقة .
في مواجهة حي (الحفرة/ جهنَّم)وعلى ضفاف البحر،يَبني الشيخ نادر قصرا فخما تبلع أروقته ومساحاته الشاسعة شواطىء يعتاش عليها الصيادون الفقراء:" من أي جهة تدخل إلى المدينة يظهر القصر،ويستطيع أي شخص أن يراه من بعيد إلاّأنَّ رؤية صاحب القصر يحظى بها قلة قليلة من البشر،ويعدون من المحظوظين لنيلهم هذا الشرف". ورغم أن سيارته تعبر الحي يومياً إلاّ أنهم لم يتمكنوا من اصطياد ملامحه،ولولا أن أصطدمت السيارة بجسد جمال المجنون وسفحت دمه لما تسنّى لأهل الحي من رؤية ملامح الشيخ نادر:" وحين تبتعد عربته البيضاء عن تجمعاتنا نلاحقها بالابصار الكليلة،ونلمح قطعة الصابون تلك،وهي تغوص في زبد،وتتلاشى داخل الفردوس بإيصاد بوابات القصر العملاقة بإحكام وتترجل أسوارالقصر برسوخ،وثبات في مواجهة نبل عيوننا المتلاحقة ".
القصر تمَّ تأثيثه من كل بقاع العالم وزُيَّنت حدائقه بالازهار والثمار والحيوانات والطيور والخيول وكلما ضاقت مساحاته رُدِمت مياه البحر وبُسِطت لاستقبال أفخر منتجات المصانع من سيارات ويخوت ودراجات مائية وألعاب،ومجسّمات فنية. قصر منيف يبهر الناظر ومن يراهُ لايشك بتاتا من كونه هِبَة نزلت من السماء كما لو كان قطرة من ماء تجمّدت قبل أن تستقر على الارض فغدا معلقاً بين ماءين لتتعلق به العيون والافئدة . لكن: "الحياة داخل أسوار القصور العالية لها مذاق مختلف.هناك لاتوجد حدود للمفاهيم،والقيم.في كل حين ترتدي قيمة تتناسب مع اللحظة التي يمتلكها السيد،فكيفما يكون مزاجه تكون القيمة والمبدأ" .
حيّز المحتوى في الحكاية
القصر يعيش زمنا خاصا يتواجد فيه فاسدو الذمة والشهوة المدنسون بقذاراتهم والملطخون بها من غيرغطاء أو تورية :"مَلل اتيان الفواحش خرج من أنفاس سيد القصر حتى أنه خصص جائزة لمن يأتي بسلوى جديدة لقلبه.إقترف كل المتع وكلما عبر إحداها وجد أن الحياة تضيق به " . حتى وصل به الحال بعد أن استنفذ كل المتع أنْ بدأت تظهر عليه مظاهر التخنث فبدأيخضع وجهه وعينيه (للميك آب) الخفيف ويخضع أعضاؤه الداخلية لاستقبال مرطبات مختلفة لتلينها وتطرية تصلباتها وجفافها،واختار الملابس الحريرية الضيقة،واستعار شعراً طويلاً متموجاً لفروة رأسه يميل الى اللون الكستنائي.والسيد نادر له مندوبون متعددون للقيام بدور القوادين ومنهم أسامة،ولهذا الغرض انتشرت فرق في ارجاء المدينة،كل فريق يتزعمه شاب طاغي الوسامة يستخدم وسامته لاصطياد الفتيات اليافعات ويغزل لهن شركاً بكلمات عشق يتدربون عليها من قِبل عاهرة هي عشيقة السيد عندما كان في بداية شبابه،فملَّ من جسدها وروحها معا،فاستحلفته بالايام الخوالي أن لايبعدها عنه،وتعهَّدت بجلب الفتيات لتنشيط مَلَلَهُ إنْ هو أبقاها بِقُربِه ِ.ولكنْ لمّا جاءت مَرَام الى القصر لم يكن يظن أن جمالها سيصعقه فاصطفاها لنفسه وأطلق عليها لقب المذهلة،جاءت مَرام الى حياة السيد بعد عشرات النساء وغدَت أنفاسه التي تمده بالحياة .
من رأى القصر من الخارج تغدو أمنيتة أن يَراهُ من الداخل.وكل سكان الحي كانوا يحلمون بالدخول إليه فكان عيسى الرديني الذي هرب من حي (الحفرة / جهنّم) هو أول من يدخل (الجنة / القصر) من سكان الحي ليعمل فيه،تثمينا لجهده من قبل الشيخ نادر بعد أن تطوّع لأنقاذ إبنه البكرمن الغرق.ولأن طارق وأسامه اقرب أصدقائه حرص على أن يُهرّبهم من حي (الحفرة / النار) لكي يعملوا في (القصر/ الجنة ) .
طارق:"جئت إلى هنا كي أقوم بمهمة واحدة،فإذا بي أقوم بكل المهام الوضيعة.جئت ليلاً،وغدوت ليلاً.أعلم أني غدوت دنساً،وليس ثمة طهارة تنجيني مما أجد ".  لم يكن تواجد طارق الشخصية الرئيسة / الساردة للاحداث في (القصر/الجنّة)إلاّ لكي يُنجز عملا مشينا ً أفنى عمره في ممارسته حتى خسئت روحه: "فالبرك المهجورة تربي البعوض والطحالب ويغدو ماؤها الآسن لايقيم طهارة،ولايدخل في الجوف،هذا ماأُحِسُّ به الآن،هذا الاحساس لم يكُن حاضراً مع بدايات مراهقتي،ونزقي.كانت أفعالي محل نشوة وزهو أسير بهما بين اقراني كما لو كنت ديكا جُلب لعقر جميع الديوك المنتشية بنفش ريشها،والمباهية بعرفها الداكن " . كانت مهمته في القصر أن يخضع لمشيئة الشيخ بأغتصاب أي شخص من ندمائه وحاشيته وبطانته ماأنْ يكتشف منافسته له في اي أمر ما تجاري أو عاطفي أوجنسي .وعملية الاغتصاب يتم تصويرها بحضور الشيخ (فوتوغراف وفديو) لتكون مستمسك إدانة وتسقيط يتم استعماله من قبل الشيخ  للضغط على خَصمِهِ المُغتَصَب فيما لو حاول مرة اخرى أن ينافسه على محظية أو عمل تجاري:"وأنا اقف أمامه في أول لقاءٍ لم أتصوَّر أنه يحمل سفالة تفوق سفالة وبذاءة قوادين ومحترفين . وقوفي وارتباكي أمام أفعاله التي يحدثها،جعلاني متخشباً،متلعثماً لا أعرف ماهي الخطوة التي يجب علي إتقانها معه وعندما وجدني متخشبا جاء صوته آمرا بخلع ملابسي الداخلية " . سنوات طويلة قضاها طارق فاضل مؤدِّباً لخصومه،لاتظهر قيمته لدى سيد القصر إلاّ عندما يحضر لمشاهدة أحد ضحاياه.وحاول قدر مايستطيع أن يستقل بسكن خاص به بعيدا عن القصر مُتّخذا من رعايته لعمته العجوز حجة بكونها أمست وحيدة في البيت بعد وفاة والده ومن ثم مغادرة والدته سنيّة الدار بعد زواجها من أبن خالتها الذي كان عشيقها ايام كانت مراهِقة قبل أن تتزوج من والد طارق .لكنه لم يستطع أن يتحاشى مراقبة سيد القصر له.فكان يعرف عنه كل صغيرة وكبيرة،عبر كامرات مراقبة زرعهاخفية في زوايا وأرجاء بيته الذي اشتراه بعيدا عن قصر السيد.ورغم أن طارق كان لوطيا شهيرا في الحي مذ كان صبيا ًحتى أنّه سمي بالماطور لما يتمتع به من قدرات جنسية إلاّأنه أكتشف قذارته متأخراً داخل القصر،فالحياة خلف اسواره لها مذاق آخر مختلف،خاصة أن كُلَّ المتع: "لاتعود ذات قيمة حين تفقد إرادتك في اختيارها" . فكان جسده سببا ً في الدخول والخروج من وإلى تجربة عصيّة . فعاش مرارة البقاء أو الخروج من دناسة الجسد،غاصا ً في حياة مستقذرة،وجد نفسه مغموراً في دنسها،فحاول الخروج قبل أن يكون هو الضحية الأخرى، مثلما انتهى اليه صديقه عيسى بعد أن اكتشف السيد نادر ــ عبر وشاية جاءته مِن خليلته مرام ــ حقيقة علاقته بأبنته مُوضي وزواجه منها سرا ً بعد وفاة زوجها الذي كانت قد ارغمت على الزواج منه. ولأنّ الشيخ يفرض على مخدوميه أن لايخرجوا على قواعده وأن يتحولوا دائما ً إلى خرس،ومن يتجرأ على الخروج يكون قد كتب على نفسه الخَرَس الفعلي: " فَقَد ثلاثة من مخدوميه ألسنتهم في حوادث مختلفة قادهم لهذا الخَرس الاجباري خروج حكايات من داخل القصرلم يكن يعرفها إلاّ هُم ". والشيخ نادر له القدرة ايضاعلى التحكم بسوق الاسهم نتيجة علاقته الوثيقة بالشخصيات المؤثرة فيه،وسوق الاسهم :"المطحنة التي اختارها السيد لسحق عظام واعصاب عيسى،فأوكل لعدنان حسون مهمة تمرير الطعم لجوف عيسى،وأخذ يرقبه،وهو يندفع لداخل المصيدة بصبر وتؤدة". فكانت الخطة محكمة بالتعاون مع مدير البنك عدنان حسون الذي يودع عيسى أمواله فيه التي جمعها من عمله بالمضاربة في سوق الأسهم،ليخسر بموجب هذه الخطة كل امواله المودعة في البنك فأمسى رجلا مجنونا يهيم عاريا ً في الشوارع قبل أن يطلق عليه السيد نادر رصاصتان ترديانه قتيلا داخل القصر من بعد أرغام صديقه طارق فاضل باغتصابه .
عيسى وأسامة وطارق جمعتهم شقاوة الطفولة الاولى،شقاوة امتزجت بألسِنة قذرة لاتتورع عن سكب كل الشتائم العرجاء،والعمياء على مسامع من يعترضهم أو يشتهون السخرية منه حتى غدا الكثيرون من أهل حارة الحفرة يتحاشون مصاحبتهم أو الاقتراب منهم :"أفرط أهل الحي في نبذنا والابتعاد عنّا، ناعتِينا بالاغصان المعوجّة المشوّكة،فقد خرجنا من آسر ٍ صالحة وشذينا عن قاعدتها بأعوجاج لاتجى استقامته " .
وعمّة طارق لم تكن راضية أبدا عن زواج شقيقها من سنيّة حتى أنها كانت تنتهز أية فرصة لإيذاء طارق انتقاما من والدته سنية،لأنها كانت تصف زواج شقيقها من سنيّة بالغلطة التاريخية التي لن تغفرها له : "بسبب طيشه عفرّ سيرة أجداده بهذا الوخم الذي يدعى سنية التي لن تتوانى من إدخال مياه كل الرجال إلى رحمها ."
قصص الحب في هذا العمل الروائي تنتهي معظمها بشكل مأساوي رغم إصرارابطالها على قفز الحواجز بالزواج إلاّأنَّهم لايصلون الى نهاية المضمار،فعلاقة الحب بين تهاني وطارق تنتهي بموتها مقتولة على يد والدها بعد أن يفتضح أمرها. واسامه الذي كان هو الآخريعشق تهاني يظل بقية حياته مُعذبا يبحث عن هويّة الشخص الذي عاشرته تهاني في غرفتها قبل أن يفتضح أمرها من قبل والدها.وعلاقة موضي شقيقة السيد نادر بعيسى تنتهي بمقتله على يد والدها،كذلك لم تنتهي بالزواج العلاقة التي كانت تجمع السيدة شهلا والدة موضي بشاب جميل كانت تحبه قبل زواجها من السيد نادر،ليموت هذا العشيق بعد ايام من موعد لقاءهما الذي تم صدفة  في المستشفى بعد أن اصبح كلاهما في مرحلة الشيخوخة،وعلاقة كمال ابوعيضة بسميرة هي الاخرى تنتهي بموت سميرة.
في هذا النص السردي يبدو فضاء المكان المنشطر(حارة الحفرة /جهنم،والقصر/ الجنة ) وكأنّه فضاء ٌ تترسخ فيه عبودية الانسان لأخيه الانسان ويضيق ذرعاً بطهارة قصص الحب،فالنجاسة مثل شبكة عنكبوت تلتف لتحكم مصائر العشاق،ليصبحوا ضحايا مجذوبين الى هاوية سحيقة تُسحق فيها الروح.فكل شيىء يبدو في هذا المكان بشطريه مُدَّنس بالخطيئة، مُخترِقاً دواخل النفوس وناخرا ً الطبقات السفلى منها،فالجلاد والمجلود "يدُسَّان وجهيهما في الفراش بحثاً عن نجاةٍ تبعدهما عن بعضهما،يبحثان عن الافتراق،عن التلاشي ".

في صحيفة الزمان السنة السادسة عشرة - العدد 4581 -الثلاثاء 6 من شوال 1434 ه 13 من اب (يوليو) 2013 م
                                             إنتاج الصورة وسوق الفن
                          دراما التلفزيونْ في قَبضَةِ المُعْل
في

                                                                                                      مروان ياسين الدليمي
الانتاج العربي
الانتاج الدرامي في المنطقة العربية شهد نموا ً واضحا ً خلال الاعوام العشرة الاخيرة مقارنة بما كان عليه قبل ظهورالبث الفضائي في منتصف تسعينات القرن الماضي، فقد لعب ظهورالقنوات الفضائية الخاصة الدور ألأكبروالأهم في تسريع عجلة الانتاج وتطوره فنيا ً،خاصة في مصر وسوريا. ليصبح التنافس شديدا ًبينهما،بهدف:السيطرة على سوق التوزيع. وحصيلة ذلك أنْ تمكّن الانتاج السوري من مُزاحمة الانتاج المصري إلى حد كبير،وبات منافسا ً شديدا ًله،من حيث الكم والنوع والتسويق،بل وضعه في موقف حرج،وصارالطلب عليه كبيراًمن قِبل المحطات الفضائية والمُعلنين،بعد أن كان حكرا ًعلى الانتاج المصري منذ أن ظهرالبث التلفزيون في مطلع ستينات القرن الماضي .
وسط هذا التسارع في الانتاج وتطوره لابد لنا أن نتسائل عن حجم وأهمية الانتاج العراقي في خضم هذا التنافس،دون أن ننسى حقيقة تاريخية ثابتة في أن :العراق هو اول بلد عربي دخله البث التلفزيوني عام 1956 !
لكن هل أرتقى نتاجه الدرامي الى مستوى هذه الاهمية التاريخية ؟
بلاشك أي متابع سيصل الى نتيجة ليست لصالح الانتاج الدرامي العراقي فيما لو تمت مقارنته مع دول عربية اخرى مثل لبنان والكويت والسعودية من غيرأن نضع مصروسوريا في الحسبان لأن المقارنة ستكون غير منصفة بلاشك،ويمكن ان نورد هنا بعض الحقائق التي من خلالها نستطيع التوصل الى صورة واضحة إلى مانشير إليه،على سبيل المثال : في سوريا مثلا يوجد اكثر من 200 شركة انتاج درامي تعمل على انتاج المسلسلات والافلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية وافلام الرسوم المتحركة.
بينما عدد شركات الانتاج في العراق لايتعدى اصابع اليد،هذا اضافة الى افتقاد العديد منها الى المعايير الأدارية والفنية،بالشكل الذي يجعلنا نتردد كثيرا قبل أن نطلق عليها تسمية شركة. . أيضا،هذه الشركات لاترتبط مهنيا ً في اتحاد ينظم عملها ويجعلها تتحرك بقوة في سوق الانتاج والتوزيع الذي يشهد تنافسا شديدا وسط تكتلات كبيرة.
إن قضية الانتاج باتت معقدة وعلى مستوى عال ٍ من التنظيم والادارة وهي مرتبطة بشكل عضوي مع طبيعة الفعاليات الاقتصادية القائمة، ولن يتمكن أي نشاط فردي بالسيطرة عليها من غير أن يكون هنالك تنظيمات مهنية تتولى عملية التخطيط والتحرك في سوق الانتاج والمنافسة .

سلطة المال
عميقة هي المتغيرات التي حصلت في عالم الانتاج وقد لعبت دوراً حاسما في تحديد الاطارالذي يتحرك فيه سوق الانتاج الدرامي،في مقدمتها يأتي :المُعلِنون من اصحاب الشركات ورجال الاعمال والمستثمرين والتجار)،إذ بات هؤلاء يلعبون دورا أساسيا ً في النشاط الاقتصادي وأصبحوا قوة رئيسة تتحكم بشكل كامل في الانتاج التلفزيوني الدرامي والبرامجي، بعد أن صارت الاعلانات التي تروّج لمنتجاتهم ومشاريعهم ــ والتي يحرصون على عرضها في المسلسلات ــ هي التي تحدد ماسيتم انتاجه من نصوص ونجوم سيشاركون في العمل،مقابل مايتم دفعه من مبالغ كبيرة جدا ًيتم دفعها للشركات المنتجة والمحطات الفضائية.. فقدوصل سعر الساعة التلفزيونة من هذه المسلسلات يتراوح مابين 15 الف دولار إلى 45 الف دولار،أي أنَّ ثمنَ مُسلسل ٍبثلاثين حلقة يصل إلى أكثر من 000 /900 الف دولار!ووصلت اجورالممثلين من النجوم في الساعة التلفزيونية الواحدة الى 000/ 5 ألاف دولار،ومجموع مايتقاضاه أي نجم يصل إلى 000/150 الف دولار في مسلسل واحد بثلاثين حلقة !
أزاء هذه الارقام العالية لم تعد لدى إدارات المحطات الفضائية ــ الحكومية منها وغير الحكوميةــ القدرة على الصمود والمنافسة أمام المُعلنين،وهذا مافرض على شركات الانتاج أن تفكرالف مرة قبل الشروع في الموافقة على إنتاج اي نص درامي،وأن تدرس جيدا ً فرص الاستثمارالاعلاني التي سيأتي بها،والتي من خلالها سيتم تغطية تكاليف الانتاج وتحقيق الارباح العالية،وهي بذلك تريد أن تطمئن على إستمرارعجلة الانتاج ونموها،إضافة الى ماسيتبع ذلك من تفكير دائم في تحديث ادوات الانتاج التقنية. وقد يكون هذا الأمر من أهم النتائج التي افضى اليها سوق التنافس ،وألقى على شركات الانتاج مسؤولية مضافة دعاها لأن تضع في اولويات اهتماماتها استخدام احدث التقنيات في التنفيذ،وخاصة كامرات التصوير، بعد أن شهد العالم تطورا ًمذهلا في هذا الاطار التقني وانعكس ذلك بشكل واضح على طبيعة الصورة وجودتها الى الحد الذي باتت صورة الانتاج الدرامي التلفزيوني في تنافس شديد مع الانتاج السينمائي،بل لم يعد هنالك من فرق بينهما من حيث جودة الصورة.
وسط هذه التحولات والتطورات التي شهدها الانتاج الدرامي العربي نجد أن الانتاج العراقي مازال يعتمد في آليات عمله وتفكيره على انظمة تقليديةٍ رثّة ٍتجاوزها الزمن،وتقنيات غيرمواكبة لما هو حاصل في العالم .
كل ماأوردناه هي عوامل مهمة تقف سببا في تخلف الانتاج العراقي لايمكن التقليل من أهميتها تحت أي تبريرقد يتعكز عليه العاملون في الانتاج ومازالوا يكررونه على اسماعنا في كل مناسبة يتم الحديث فيها عن ازمة الدراما العراقية،ومن تلك التبريرات مثلا :- "أن الانتاج العراقي يواجه محاربة غيرمعلنة من قبل الشركات والدول العربية". وبتقديرنا المتواضع هذه الحجة ضعيفة،بل هي محاولة بائسة منهم للهروب من المشكلة،وإلقاء مسؤوليتها على الأخرين .
مفهوم السلعة
من هنا يمكننا القول بأن الانتاج الدرامي بات سلعة بالمفهوم الاقتصادي الدقيق للكلمة،ويخضع تسويقها لقوانين العرض والطلب،التي يقف خلفها ويتحكم بها رجال أعمال ومستثمرين وتجارعقارات ورجال صناعة ،وبذلك لم تعد الاعمال الدرامية من حيث أسباب قيامها وانتاجها مشاريع جمالية خالصة يحقق من خلالها الفنانون أحلامهم بالمدن الفاضلة،ويوصلون عبرها خطابهم الانساني لتحقيق العدالة الاجتماعية.أنما هي مشاريع إقتصادية بأمتياز،تُرصَد لها ميزانيات مالية ضخمة،تكفي لأشباع ألاف الجياع والمحرومين في عالمنا العربي،الهدف من انتاجها:- تحقيق أرباح عالية تضاف الى ارصدة الشركات ورجال الاعمال،الذين أدركوا بعد ظهورالبث الفضائي،أهمية الاستثمار في هذا القطاع الحيوي الذي يحقق صلة مباشرة ومؤثرة مع المستهلك .
هذه المنظومة الاستثمارية التي باتت تتحكم في الانتاج الدرامي العربي، منذ مطلع تسعينات القرن الماضي ــ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وبقية المنظومة الاشتراكية التي كانت تتبعه في العديد من دول العالم ومنها منطقتنا العربية ــ تمَّ استعارتها بطريقة مستنسخة من نمط الانتاج الاميركي الرأسمالي،الذي شهد تطورات هائلة في آليات عمله منذ بداية تأسيس شركات الانتاج السينمائي في مطلع القرن العشرين مُعتمدا ًعلى منظور فلسفي(براغماتي )يتعامل مع أي عمل فني على أنه: سلعة إقتصادية استهلاكية تخضع في وجودها واهميتها وقيمتها لشروط السوق.
الوجه الآخر للصورة
بنفس الوقت،الصورة ليست بهذه القتامة إذا ماأخذنا بنظرالاعتبارالعلاقة الجدليةالتي ارتبط بها الفن الدرامي مع عجلة السوق الاقتصادية،ومانتج عنها من تطور ٍفي اساليب العمل والتفكير لدى الفنانين،في المقدمة منهم الكتاب والمخرجون والمصورون ومدراء التصوير وبقية الحرفيين،فالاجور العالية التي باتوا يتقاضونها دفعتهم الى تطوير افكارهم ومعالجاتهم الفنية،وانعكس ذلك على المستوى الفني الذي تقدم فيه الاعمال الدرامية العربية،فوجدنا كتاب الدراما ينطلقون نحو مناطق وموضوعات جديدة ومثيرة لم يكن مسموحا الاقتراب منها،كما تم تقديمها بمعالجات فنية إبتعدت كثيراعن الأطرالمستهلكة والتقليدية في الرؤية والتنفيذ،سواء على مستوى الاخراج أوإدارة التصويروالاضاءة وبقية عناصر التكامل الفني في الصورة الدرامية،خاصة بعد انخراط العديد من المخرجين السينمائيين المُمَيزين في اخراج الاعمال الدرامية التلفزيونية،وهذا مارفع من مستوى معالجاتها الفنية، لتقترب بذلك من نمط الانتاج السينمائي الذي عادة مايتمركزسياقه العام على بناء وتأثيث اللقطة الواحدة،وبالاعتماد على كامرة واحدة،وليس بناء المشهد كاملا وبأكثرمن كامرة . بهذا الصدد يمكن الأشارة إلى الكثير من المسلسلات كنموذج لما نقول، منهاعلى سبيل المثال لا ألحصر:الولادة من الخاصرة،طرف ثالث،رقم سري،اخوة التراب،الحارة، نابليون والمحروسة ،الاجتياح،هدوء نسبي، التغريبة الفلسطينية،وغيرذلك من الاعمال .
ونتيجة لما أشرنا إليه :إزدادت مساحة الاهتمام والتلقي للأنتاج الدرامي الى حد كبير،وباتت تتكدس في ادراج شركات الانتاج عشرات النصوص الدرامية،منتظرة دورها في التنفيذ،ومن ثم ألدخول في حلبة سباق تنافسي شديد على كسب الاعلانات التجارية التي ستعرض اثناء فترة بثها، خاصة في شهر رمضان ،فقد أصبح هذا الشهر نقطة انطلاق سنوية لسباق محموم بين المحطات الفضائية تحرص جميعها قبل حلوله بشهرين على عرض مقتطفات إعلانية (برموشن ) مأخوذة من الاعمال الدرامية التي سيتم عرضها خلال شهرالصوم بقصد جذب المُعلنين وكسب أكبرعدد من الاعلانات التي سيتم عرضها خلال فترة بث المسلسل.
يضاف إلى ذلك عامل آخر مهم ساهم في تحريك عجلة الانتاج وتطوره : فبعد أن دخل على خط المنافسة والمساهمة في هذا الاستثمار،المال القادم من دول الخليج العربي بكل ثقله وامكاناته،باتت شركات الانتاج اكثر طموحا في خططها ومشاريعها الفنية،لتصل ميزانيات بعض الاعمال الدرامية ارقاما كبيرة جدا ً،إلى اكثر من 100مليون دولار.
خلاصة القول
إذا أردنا تطوير الانتاج الدرامي العراقي ينبغي أن نأخذ بنظرالاعتبار كل التطورات التي حصلت في نمط الانتاج العربي،وعدم تجاهلها والقفزمن فوقها،فالمسألة لم تعد مجرد أحلام وامنيات فنية يسعى لتحقيقها الفنانون وبقية فريق العمل، بقدر ما تتطلب المعالجة : توفير الارضية المطمئنة لأصحاب رؤوس الاموال،من تجار ورجال أعمال، لكي يستثمروا أموالهم في مشاريع فنية، تعود عليهم بالربح،وبذلك نضمن دوران عجلة الانتاج ،وتأسيس شركات انتاج ستكون هي بالتالي القاعدة الاساسية لنهوض الانتاج .
أخيرا نقول: ينبغي على العاملين في الدراما العراقية،التخلي نهائيا ًعن التفكيرالعاجزوالقائم على:-انتظار الدعم والمساعدة الدائمة من الدولة . .لأنَّ معظم التجارب الناجحة في الانتاج الدرامي ــ في معظم دول العالم ــ ،لم تضع في حساباتها ألأعتماد على ماستقدمه الدولة من دعم لها،بقدر ما كان نجاحها مرتبطا بشكل اساسي على قدراتها وامكاناتها في تحقيق فرص العمل والنجاح .

الثلاثاء، 6 أغسطس 2013




 العدد الثاني من مجلة( الرقيم) التي تصدر عن اتحاد الادباء في كربلاء 2013 
 
دراما التلفزيونْ في قَبضَةِ المُعْلِنْ

                                       مروان ياسين الدليمي


الانتاج العربي
الانتاج الدرامي في المنطقة العربية شهد نموا ً واضحا ً خلال الاعوام العشرة الاخيرة مقارنة بما كان عليه قبل ظهورالبث الفضائي في منتصف تسعينات القرن الماضي، فقد لعب ظهورالقنوات الفضائية الخاصة الدور ألأكبروالأهم في تسريع عجلة الانتاج وتطوره فنيا ً،خاصة في مصر وسوريا. ليصبح التنافس شديدا ًبينهما،بهدف:السيطرة على سوق التوزيع. وحصيلة ذلك أنْ تمكّن الانتاج السوري من مُزاحمة الانتاج المصري إلى حد كبير،وبات منافسا ً شديدا ًله،من حيث الكم والنوع والتسويق،بل وضعه في موقف حرج،وصارالطلب عليه كبيراًمن قِبل المحطات الفضائية والمُعلنين،بعد أن كان حكرا ًعلى الانتاج المصري منذ أن ظهرالبث التلفزيون في مطلع ستينات القرن الماضي .
وسط هذا التسارع في الانتاج وتطوره لابد لنا أن نتسائل عن حجم وأهمية الانتاج العراقي في خضم هذا التنافس،دون أن ننسى حقيقة تاريخية ثابتة في أن :العراق هو اول بلد عربي دخله البث التلفزيوني عام 1956 !
لكن هل أرتقى نتاجه الدرامي الى مستوى هذه الاهمية التاريخية ؟
بلاشك أي متابع سيصل الى نتيجة ليست لصالح الانتاج الدرامي العراقي فيما لو تمت مقارنته مع دول عربية اخرى مثل لبنان والكويت والسعودية من غيرأن نضع مصروسوريا في الحسبان لأن المقارنة ستكون غير منصفة بلاشك،ويمكن ان نورد هنا بعض الحقائق التي من خلالها نستطيع التوصل الى صورة واضحة إلى مانشير إليه،على سبيل المثال : في سوريا مثلا يوجد اكثر من 200 شركة انتاج درامي تعمل على انتاج المسلسلات والافلام الوثائقية والبرامج التلفزيونية وافلام الرسوم المتحركة.
بينما عدد شركات الانتاج في العراق لايتعدى اصابع اليد،هذا اضافة الى افتقاد العديد منها الى المعايير الأدارية والفنية،بالشكل الذي يجعلنا نتردد كثيرا قبل أن نطلق عليها تسمية شركة. . أيضا،هذه الشركات لاترتبط مهنيا ً في اتحاد ينظم عملها ويجعلها تتحرك بقوة في سوق الانتاج والتوزيع الذي يشهد تنافسا شديدا وسط تكتلات كبيرة.
إن قضية الانتاج باتت معقدة وعلى مستوى عال ٍ من التنظيم والادارة وهي مرتبطة بشكل عضوي مع طبيعة الفعاليات الاقتصادية القائمة، ولن يتمكن أي نشاط فردي بالسيطرة عليها من غير أن يكون هنالك تنظيمات مهنية تتولى عملية التخطيط والتحرك في سوق الانتاج والمنافسة .

سلطة المال
عميقة هي المتغيرات التي حصلت في عالم الانتاج وقد لعبت دوراً حاسما في تحديد الاطارالذي يتحرك فيه سوق الانتاج الدرامي،في مقدمتها يأتي :المُعلِنون من اصحاب الشركات ورجال الاعمال والمستثمرين والتجار)،إذ بات هؤلاء يلعبون دورا أساسيا ً في النشاط الاقتصادي وأصبحوا قوة رئيسة تتحكم بشكل كامل في الانتاج التلفزيوني الدرامي والبرامجي، بعد أن صارت الاعلانات التي تروّج لمنتجاتهم ومشاريعهم ــ والتي يحرصون على عرضها في المسلسلات ــ هي التي تحدد ماسيتم انتاجه من نصوص ونجوم سيشاركون في العمل،مقابل مايتم دفعه من مبالغ كبيرة جدا ًيتم دفعها للشركات المنتجة والمحطات الفضائية.. فقدوصل سعر الساعة التلفزيونة من هذه المسلسلات يتراوح مابين 15 الف دولار إلى 45 الف دولار،أي أنَّ ثمنَ مُسلسل ٍبثلاثين حلقة يصل إلى أكثر من 000  /900 الف دولار!ووصلت اجورالممثلين من النجوم في الساعة التلفزيونية الواحدة الى 000/ 5 ألاف دولار،ومجموع مايتقاضاه أي نجم يصل إلى 000/150 الف دولار في مسلسل واحد بثلاثين حلقة !
أزاء هذه الارقام العالية لم تعد لدى إدارات المحطات الفضائية ــ الحكومية منها وغير الحكوميةــ  القدرة على الصمود والمنافسة أمام المُعلنين،وهذا مافرض على شركات الانتاج أن تفكرالف مرة قبل الشروع في الموافقة على إنتاج اي نص درامي،وأن تدرس جيدا ً فرص الاستثمارالاعلاني التي سيأتي بها،والتي من خلالها سيتم تغطية تكاليف الانتاج وتحقيق الارباح العالية،وهي بذلك تريد أن تطمئن على إستمرارعجلة الانتاج ونموها،إضافة الى ماسيتبع ذلك من تفكير دائم في تحديث ادوات الانتاج التقنية. وقد يكون هذا الأمر من أهم النتائج التي افضى اليها سوق التنافس ،وألقى على شركات الانتاج  مسؤولية مضافة دعاها لأن تضع في اولويات اهتماماتها استخدام احدث التقنيات في التنفيذ،وخاصة كامرات التصوير، بعد أن شهد العالم تطورا ًمذهلا في هذا الاطار التقني وانعكس ذلك بشكل واضح على طبيعة الصورة وجودتها الى الحد الذي باتت صورة الانتاج الدرامي التلفزيوني في تنافس شديد مع الانتاج السينمائي،بل لم يعد هنالك من فرق بينهما من حيث جودة الصورة.
وسط هذه التحولات والتطورات التي شهدها الانتاج الدرامي العربي نجد أن الانتاج العراقي مازال يعتمد في آليات عمله وتفكيره على انظمة تقليديةٍ رثّة ٍتجاوزها الزمن،وتقنيات غيرمواكبة لما هو حاصل في العالم .
كل ماأوردناه هي عوامل مهمة تقف سببا في تخلف الانتاج العراقي لايمكن التقليل من أهميتها تحت أي تبريرقد يتعكز عليه العاملون في الانتاج ومازالوا يكررونه على اسماعنا في كل مناسبة يتم الحديث فيها عن ازمة الدراما العراقية،ومن تلك التبريرات مثلا :- "أن الانتاج العراقي يواجه محاربة غيرمعلنة من قبل الشركات والدول العربية". وبتقديرنا المتواضع هذه الحجة ضعيفة،بل هي محاولة بائسة منهم للهروب من المشكلة،وإلقاء مسؤوليتها على الأخرين .
مفهوم السلعة  
من هنا يمكننا القول بأن الانتاج الدرامي بات سلعة بالمفهوم الاقتصادي الدقيق للكلمة،ويخضع تسويقها لقوانين العرض والطلب،التي يقف خلفها ويتحكم بها رجال أعمال ومستثمرين وتجارعقارات ورجال صناعة ،وبذلك لم تعد الاعمال الدرامية من حيث أسباب قيامها وانتاجها مشاريع جمالية خالصة يحقق من خلالها الفنانون أحلامهم بالمدن الفاضلة،ويوصلون عبرها خطابهم الانساني لتحقيق العدالة الاجتماعية.أنما هي مشاريع إقتصادية بأمتياز،تُرصَد لها ميزانيات مالية ضخمة،تكفي لأشباع ألاف الجياع والمحرومين في عالمنا العربي،الهدف من انتاجها:- تحقيق أرباح عالية تضاف الى ارصدة الشركات ورجال الاعمال،الذين أدركوا بعد ظهورالبث الفضائي،أهمية الاستثمار في هذا القطاع الحيوي الذي يحقق صلة مباشرة ومؤثرة مع المستهلك .
هذه المنظومة الاستثمارية التي باتت تتحكم في الانتاج الدرامي العربي، منذ مطلع تسعينات القرن الماضي ــ بعد سقوط الاتحاد السوفيتي وبقية المنظومة الاشتراكية التي كانت تتبعه في العديد من دول العالم ومنها منطقتنا العربية ــ تمَّ استعارتها بطريقة مستنسخة من نمط الانتاج الاميركي الرأسمالي،الذي شهد تطورات هائلة في آليات عمله منذ بداية تأسيس شركات الانتاج السينمائي في مطلع القرن العشرين مُعتمدا ًعلى منظور فلسفي(براغماتي )يتعامل مع أي عمل فني على أنه: سلعة إقتصادية استهلاكية تخضع في وجودها واهميتها وقيمتها لشروط السوق.
الوجه الآخر للصورة
بنفس الوقت،الصورة ليست بهذه القتامة إذا ماأخذنا بنظرالاعتبارالعلاقة الجدليةالتي ارتبط بها الفن الدرامي مع عجلة السوق الاقتصادية،ومانتج عنها من تطور ٍفي اساليب العمل والتفكير لدى الفنانين،في المقدمة منهم الكتاب والمخرجون والمصورون ومدراء التصوير وبقية الحرفيين،فالاجور العالية التي باتوا يتقاضونها دفعتهم الى تطوير افكارهم ومعالجاتهم الفنية،وانعكس ذلك على المستوى الفني الذي تقدم فيه الاعمال الدرامية العربية،فوجدنا كتاب الدراما ينطلقون نحو مناطق وموضوعات جديدة ومثيرة لم يكن مسموحا الاقتراب منها،كما تم تقديمها بمعالجات فنية إبتعدت كثيراعن الأطرالمستهلكة والتقليدية في الرؤية والتنفيذ،سواء على مستوى الاخراج أوإدارة التصويروالاضاءة وبقية عناصر التكامل الفني في الصورة الدرامية،خاصة بعد انخراط العديد من المخرجين السينمائيين المُمَيزين في اخراج الاعمال الدرامية التلفزيونية،وهذا مارفع من مستوى معالجاتها الفنية، لتقترب بذلك من نمط الانتاج السينمائي الذي عادة مايتمركزسياقه العام على بناء وتأثيث اللقطة الواحدة،وبالاعتماد على كامرة واحدة،وليس بناء المشهد كاملا وبأكثرمن كامرة . بهذا الصدد يمكن الأشارة إلى الكثير من المسلسلات كنموذج لما نقول، منهاعلى سبيل المثال لا ألحصر:الولادة من الخاصرة،طرف ثالث،رقم سري،اخوة التراب،الحارة، نابليون والمحروسة ،الاجتياح،هدوء نسبي، التغريبة الفلسطينية،وغيرذلك من الاعمال .
 ونتيجة لما أشرنا إليه :إزدادت مساحة الاهتمام والتلقي للأنتاج الدرامي الى حد كبير،وباتت تتكدس في ادراج شركات الانتاج عشرات النصوص الدرامية،منتظرة دورها في التنفيذ،ومن ثم ألدخول في حلبة سباق تنافسي شديد على كسب الاعلانات التجارية التي ستعرض اثناء فترة بثها، خاصة في شهر رمضان ،فقد أصبح هذا الشهر نقطة انطلاق سنوية لسباق محموم بين المحطات الفضائية تحرص جميعها قبل حلوله بشهرين على عرض مقتطفات إعلانية (برموشن ) مأخوذة من الاعمال الدرامية التي سيتم عرضها خلال شهرالصوم بقصد جذب المُعلنين وكسب أكبرعدد من الاعلانات التي سيتم عرضها خلال فترة بث المسلسل.
يضاف إلى ذلك عامل آخر مهم ساهم في تحريك عجلة الانتاج وتطوره : فبعد أن دخل على خط المنافسة والمساهمة في هذا الاستثمار،المال القادم من دول الخليج العربي بكل ثقله وامكاناته،باتت شركات الانتاج اكثر طموحا في خططها ومشاريعها الفنية،لتصل ميزانيات بعض الاعمال الدرامية ارقاما كبيرة جدا ً،إلى اكثر من 100مليون دولار.
خلاصة القول
إذا أردنا تطوير الانتاج الدرامي العراقي ينبغي أن نأخذ بنظرالاعتبار كل التطورات التي حصلت في نمط الانتاج العربي،وعدم تجاهلها والقفزمن فوقها،فالمسألة لم تعد مجرد أحلام وامنيات فنية يسعى لتحقيقها الفنانون وبقية فريق العمل، بقدر ما تتطلب المعالجة : توفير الارضية المطمئنة لأصحاب رؤوس الاموال،من تجار ورجال أعمال، لكي يستثمروا أموالهم في مشاريع فنية، تعود عليهم بالربح،وبذلك نضمن دوران عجلة الانتاج ،وتأسيس شركات انتاج ستكون هي بالتالي القاعدة الاساسية لنهوض الانتاج .
أخيرا نقول: ينبغي على العاملين في الدراما العراقية،التخلي نهائيا ًعن التفكيرالعاجزوالقائم على:-انتظار الدعم والمساعدة الدائمة من الدولة . .لأنَّ معظم التجارب الناجحة في الانتاج الدرامي ــ في معظم دول العالم ــ ،لم تضع في حساباتها ألأعتماد على ماستقدمه الدولة من دعم لها،بقدر ما كان نجاحها مرتبطا بشكل اساسي على قدراتها وامكاناتها في تحقيق فرص العمل والنجاح .  

«عام السرطان» للعراقية سالمة صالح: دلالة الاتكاء على استراتيجية السَّرد السير ذاتي مروان ياسين الدليمي http://www.alqu...