الخميس، 19 سبتمبر، 2013

 
ج2 من الحوار الذي اجريته مع المخرج والكاتب المسرحي د. فاضل سوداني في صحيفة الزمان -السنة السادسة عشرة العدد 4599- الثلاثاء 27 من شوال 1434 ه من شهر ايلول (سبتمبر) 2013 م

المخرج المسرحي د.  فاضل سوداني  :

                 -النصُّ الأدبيُّ المُغَلق، ُيعمّقُ اغترابَ َنص ِّ العَرض المسرحي

                                                                                         حاوره : مروان ياسين الدليمي

"انا  فنان وكاتب حالم ،أفهم العالم من خلال الحلم، والحياة بالنسبة لي بالرغم من قسوتها تعني لعبة حلمية،ولهذا فإن اللعب الفني هو طقس مسرحي يجب أن نعرف من خلاله كيف نحلم وكيف نحتفل به مع الجمهور ." بهذا التأطير يُفلسفُ فاضل سوداني طبيعة الحضور الذي يسعى لأن يكون عليه فعلهُ ومنجزهُ الفني والانساني، بعد رحلة طويلة من الترحال والسفر بين التجارب، توزعتها خارطة ُأمكنة ٍتفصل فيما بينها ثقافات وحضارات شاء هو أن يخوض غموضها متسلحا بأحاسيس من الدهشة والتساؤل . .مدينة العمارة العراقيةهي بداية ُمنعطف ٍفي تأمل الذات والاشياء ، وبداية ُسفر ٍطويل ٍفي طقوس ِالجسد ِوالصمتِ على رقعة الخشبة،فكانت بغداد وبيروت ودمشق وكوبنهاكن توغلا ً في متاهة البحث عن قيم الجمال التي يمكن لفضاء الدراما المسرحية ان ينثرهاعلى انقاض ماض ثقيل بثرثرته المتأكلة. . والسوداني أستاذ جامعي ومخرج  وباحث أكاديمي في الفن المسرحي ،  يحمل شهادة دكتوراه في الاخراج والعلوم  المسرحية ،عمل مخرجا وممثلا لسنوات طويلة في العديد من المسرحيات العالمية في مختلف البلدان ،ساهم في إلقاء محاضرات ودراسات  في مختلف المهرجانات المسرحية وأنتدب للمساهمة في الجامعات والمختبرات المسرحية،كتب الدراسات المسرحية  في الصحف والمجلات  العربية، صمم الديكور للعديد من  المسرحيات،وهو يدعوالمؤلف المسرحي العربي الى  كتابة  النص البصري في المسرح، ويعمل على تحقيق ذلك ضمن أمكانيات مايدعوه بالبعد الرابع لفضاء العرض المسرحي، وكذلك تحقيق المسرح hلبصري وتطويرعمل الممثل من خلال تدريبه عن طريق  الذاكرة البصرية  المُطلقة لجسد الممثل وعلاقتها بالأشياء والفضاء المسرحي  ، وتحقيق ذلك مع طلبة المعاهد المسرحية والممثلين عموما من خلال اقامة العديد من المختبرات work Shop لتدريب الممثل ، اخرج وكتب العديد من المسرحيات ، يعيش في الدنمارك منذ العام 1992 ،يعمل الان استاذا جامعيا  في جامعة دهوك في اقليم كوردستان . الزمان التقت به وحاورته حول رحلته وتجربته وتساؤلاته المسرحية  .

*ماذا يعني فان كوخ بالنسبة لك ؟ هل تجده صورة للفنان أم أن مصيره وماأنتهى اليه هو الذي يعطي المعنى التراجيدي للحياة سواء بالنسبة للانسان بشكل عام ؟أو للفنان بشكل خاص ؟
-لا يمكن فصل فان كوخ أو أي فنان عن مصيره التراجيدي وهذا ما أكده بيكاسو عندما قال : إن حياة فان كوخ هي تراجيديا كاملة ، فان كوخ كان لا يجد أي معنى للحياة إلا من خلال الفن ، لهذا عندما شعر بعبثية حياته انتحر بكل بساطة ، لكن ماذا تعني العبثية بالنسبة له ؟  أعتقد أنه لم يقدم أي شئ للناس ، عند دراستي لحياته وفنه توصلت الى أنه كان يريد أن يحول اللون الأصفر الى نور يضئ روحه وروح الآخرين كما اعتقد ،وعندما لم يستطع ذلك شعر بعبثية الحياة  ، حتى   أن َّ انتحاره كان عبثيا ً، إذ لا بد أن يكون الإنسان الذي ينتظر الموت مدخنا ً غليونه دون مبالاة ، كما فعل هو بعد انتحاره ، صاحب رؤيا ووجدٍ لم يدركهما عصره، ولم ندركهما نحن الآن أيضا ، إذ هو فنان يمتلك إحساسا بعبثية الوجود وخاصة بعد ان شاهد  فردوس النور ووهج النار المقدسة هذه في أحلامه فمنحته الرؤيا القدسية المنفلتة بعيدا عن الواقع. مثل هذا الفنان لن يترك هذه النعمة ليرى الواقع بعيون غيره، ولأنه رأى جحيمه على حقيقته، أصبح شاهدا ملعونا على مآسي عصره فرفضه المجتمع وعدَّهُ مجنونا، إذن فنان مثل فان كوخ(1890 - 1853) يمكن ان يصاب بنوبات الوجد والرؤيا، من خلالهما يمتلك سلطة السيطرة التامة على الحلم الذي يستمده من الواقع بالرغم من أنه لا ينتمي إليه، وهذا البعد هو الذي يجعله قادرا على تحويل الواقع الخشن والمظلم إلى أحلام وفن ينتمي إلى جمال خالص تحسده عليه حتى الملائكة،  لذلك فانه يؤكد: (بأن المشاعر التي أعانيها تتجه نحو الأبدية) لأنها متحولة إلى رؤى لونية وبصرية ،إن هذا المفهوم لفن فان كوخ يدفعنا للتفكير بان هذه المشاعر هي نوبات الوجد الفني التصوفي التي لم يفهمها معاصروه ، ومازال الكثيرمن هذا الوجد غير مفهوم حتى هذه اللحظة ،وبالتأكيد فان هذا يحيلنا إلى طبيعة التناقض بين الفنان والمجتمع وبالذات إلى موضوعة العنف ،ليس فقط الجسدي وإنما الفكري أيضا والذي أصبح سمة في وقتنا الحاضر، الذي يمارس دائما ضد الفنان الذي يمتلك موقفه ورؤياه الخاصة المتفردة عما يراه الآخرين ،ان انتحار فنان مثل فان كوخ يرى الجمال بهذه الحساسية وهذا الوجد يعني بان هنالك خلل في الوجود والعلاقات الإنسانية، ويؤكد أيضا انطفاء النور الذي يعني الجمال نتيجة للعماء البشري، فيبدو انتحاره وكأنه انتصار على ظاهرة العنف والقسوة والجنون الجمعي لان فنان مثل فان كوخ لايستطيع العيش إلا في عالم أكثر إنسانية وأكثر جمالا واقل عنفا .ان مشكلة فان كوخ هي :
1.استحالة اكتشاف الحياة الحقيقية التي يبغي، وعدم القدرة على
الانتماء إلى الواقع.
2-امتلاك الفنان لرؤيا فنية ذات طابع ميتافيزيقي شمولي ومحاولة انعكاسها على الحياة مما يعمق سوء الفهم بين الفنان والمجتمع ، وكثافة الشعور بالحرية تدفعه إلى الإيمان بحرية الفن المطلقة التي لا تخضع للقوانين الاجتماعية.
وبالتأكيد ان 37 سنة عاشها الفنان كرحلة ضوئية غير كافية لكي يكمل لوحته الكونية التي يبغي ،بالرغم انه تحمّل فيها جميع عذاباتنا كالقديسين ،وكل هذا يؤكد على اهمية فان كوخ في وقتنا الحاضر الذي اتسم بالزيف وتشويه الحقيقة والانسان ، وهذا هو الذي دفعني الى اللجوء لتراجيديا مثل هذا الفنان أي ان تكتشف الحقيقة والانسان يعد هذا هو جوهر الابداع الفني . لذا كتبت  نص الرحلة الضوئية  بعدة صيغ  واخرجت هذا النص بعدة رؤى وأحداها باللغة الدنماركية بممثليين دنماركيين وجمهور دنماركي .
أولوية العقل
*تجربة الاغتراب عن الوطن فترة طويلة في بلدان أجنبية أعطتك  الكثير وأول شيء اعطتك اياه  هي الحرية ، بينما حمّلك  العراق وانت في ذروة الشباب اعباء ًوضغوطات وقسوة كبيرة جدا ، كيف تنظر الى بلد اسمه العراق الان ؟
-العراق فقد  براءته وتحول الى كهل ينوء بآثام الآخرين  وغير قادر على التطهر منها بسهولة بسبب ضخامتها  أنه الان  ينوء تحت قسوة   ابناءه في الداخل وتحت سياسات قاسية  لدول الجوارلم يكن هو العراق الذي تركته قبل اربعين عاما  ، كان أبهى وأقوى  وان العراقيين كانوا ينتمون له بكل حب،الآن ينوء تحت صراعاتهم . وبالرغم من هذا فإن المثقف العراقي المتفاعل له دوره كمفكر، ان المفكرين في اوربا هم الذين انقذوها عندما قالوا بأولوية العقل بدل الخرافة وطالبوا فصل الكنيسة عن الدولة ، العراق بحاجة الى إلغاء كل خزعبلات المحاصصة والعمل على فصل الدين عن الدولة ، أن عدم قول الحقيقية الآن من قبل المثقف هو خيانة لدورة التاريخي . الأرضية الآن بمجمل جوانبها تحصر المثقف وتضيق عليه ليسقط  في دائرة التكيف من جديد .
حيث ينشأ تكيّف المثقف ويصبح جزءا من  عمليات التخريب الاجتماعي  والثقافي  في مرحلة البناء السلبي للتاريخ الاستثنائي فقط  عندما يكون هنالك خواء فكري يميز فعاليات الانسان الحياتية والفكرية ، وسكونية  التطور الاجتماعي،وأعني مرحلة التطور السلبي الذي يكون فيه الانسان بشكل عام و المثقف المتفاعل  بالذات غريبا عن واقعه ومجتمعه ،فالتكيّف هو الموقف السلبي للمثقف المتساهل مع ذاته وتاريخ كينونته نتيجة لموقفه المتصدئ  ،وبمعنى آخر إن مثل هذا المثقف المتكيّف لا يؤثر في تطوير العملية الفكرية بمسارها الديالكتيكي في مجتمعه إلا سلبا ، لانه يتخلى عن دوره ووجوده الفاعل وهذا يمنحه خيانة وخوفا من السياسي الاستثنائي ، الذي يتلصص على المرحلة التاريخية للانقضاض على السلطة بمساعدة الوسائل غير الشرعية،وبهذا فان المثقف هنا يتحول الى أداة في آلية السلطة الاستثنائية تاريخيا وآنيا، ويكون مستعدا للمساهمة في برامجها لتهيئة الظروف التي تخلق عدمية الثقافة والفن ،اذن الدقة في تفسير دور المثقف هي حتمية تفرضها المسؤولية الذاتية والاجتماعية ،فكل خطأ في تفسير دور المثقف يؤدي الى خطأ في تفسير دور الثقافة ، ومن هنا يكون من الضروري تبني موقف لتغير الواقع الثقافي وتفسيره كليا ،وعندما يكون هنالك التباس في موقف المثقف وعدم ضوح هدفه، يبدأ الغموض في ابداعه وكذلك التماهي بدوره التاريخي والحياتي مما  يؤثر على مستقبل بلده ،كان هذا ضروريا من أجل أن أصل الى الاستنتاج بأن دور المثقف له أهمية استثنائية كبيرة في بناء مستقبل الانسان ،ونتيجة لهذا كله أؤكد على أن العراق فقد الكثير من بهائة الثقافي وعلى العراقي والمثقف بالذات أن يتمسكان بحريتهما ، وان يعمل المثقف على استعادة دوره حتى نستطيع أن نبني العراق من خلال الواقع ـــ الحلمي وليس من خلال الخرافة .
*مالذي يمكن ان تخاف منه ؟ وهل يشكل العمل المسرحي تجربة لمجابهة ماتخاف منه ؟
-كل عمل ابداعي هو مواجهة للموت والعدم والانقراض الذاتي ، أن صراع الأبداع هو مع الزمن، فإذا كان الجسد  قابل للتهرء  فإن الإبداع الحضاري قابل للخلود ، لكن ماذا نفعل به إذا كنا لا نستطيع أن نمسك  أبدية الأشياء ، لذا فالأفضل أن نفكر بتذوق الحياة ، ما آخافة هو عدم القدرة على تذوق الحياة ، لذا فأن العمل الفني هو الذي ينقذنا باعتباره قدرة على تذوق الحياة فالمهم هو ليس الخلود وإنما طريقة العيش في الحياة وتذوقها حتى وإن كان السبيل لذلك هو الموت ، وهذا ماذكرته في مسرحيتي أغاني جلجامش ،إذن الخوف يتشكل عندما يفقد الإنسان القدرة على التخيل ويتوقف الإبداع  الفني .
*متى يصبح طريق الفنان ومساره مُستَوحَشا ً ومسدودا ً ؟
-عندما لايجد مفردته وهو  يعيش في مجتمع استهلاكي مزيف و المثقف والفنان  فيه يركض لاهثاً خلف الكذب والزيف ، وعندما لا يرى  ذلك النور الذي يمكن أن يضئ روحه وأرواح الآخرين كما رآه  فان كوخ . وعادة أن طريق الفنان الذي لا يرى هو طريق مستوحش ومسدود ، فالرؤيا هي نور في طريق الفنان الصعب .
*هل تبحث عن باب ما في هذه الرحلة المضنية المجهولة في عوالم واكوان غريبة ؟ ،أم انك  تشعر بأنك منزلق في تيه أو مندفع الى هذا التيه بوعيك واختيارك لان فيك تمرداً،  لذا تجد في هذا التيه  اتساعا وفضاء لاحدود له سيغمرك بالمفاجأت التي تبحث عنها ؟
-المغامرة الواعية في الحياة لها أهميتها  للفنان كما هي ضرورة التمرد  الفني  من أجل فهم الوجود . يجب ان تعيش الحياة بوعي   وان تخلدها في روحك  المبدعة و الإبداع  أفق مجهول  إذا لم تقوده  المغامرة ويقوده التمرد على جميع  قيم الخرافة والتخلف، ويكون الشك في جميع الثوابت هو مرشدنا  في الطريق الإبداعي الذي يحمل  سؤال الفلسفة .
وقد عبرت عن هذا الحلم والمجهول  بنص شعري هو  جزء من ديواني المعد للطبع :
منتظر
كنجمة في سماء نائية عن موسيقى الكواكب .

احلم ..انا ربيب الأرض / والنجوم المبحرة في فضاءآت هلامية .
عشت مدني ، /مدن الكبرياء  /يتشرد أمام بواباتها آلهة المساء
يبحثون نهارا عن ظلال في الأفق ، /وأمام قلعتها انتظرت /شارة صوفية . .
غريب أنت وتبصر في ظلام اللازورد ../ إذن سر بنا بعيدا
بعيدا أيها الغريب  . /"ولأ ني اعرف اؤلئك الذين يعيروننا النار السماوية
 ،/سأهديهم الالم المقدس " /من أي أزمنة يأتي الحلم ؟
أمن عنفوان الحاضر ، أم غيبوبة الماضي ؟ . /أم تماهى أشنات المستقبل  / في
 بحر يتلألأ بنجوم تفتنه بسريتها ؟ /من يطرق طبول الزمان ليلا؟  /ياليلي ..
/ليل الشعراء  /يرسمون أقدارهم بلا مبالاة /أمام بحيرة الرب  /تنبت أجنحة
خضراء . /قبل أن يدخلوا الغابة السرية بدماثة الحكماء /يمنحون الحوريات سر
الفردوس . /النار أصل الوجود حالما تسكن البيت . /كل رؤيا نار ولا شئ
أكثرتوهجا /من بريق الجمال ./النار أصل الوجود .
البحث عن الحلم
*تقول في نصك المسرحي (الرحلة الضوئية ) وعلى لسان الشخصية الرئيسية
فان كوخ : "آه لو كان ثمة  حلم أو نارأو نبع ماء. ".. السؤال هنا :  عن ماذا
 تبحث من بين هذه المفردات الثلاثة  ؟
-بالضبط  ابحث عن كل هذا من خلال الإبداع ، البحث عن الحلم والنار ( ديناميكية  الحياة ) والنبع هو المرجع والذي تدخره في تلافيف الروح والوعي والضمير ليشكل لك الحلم الذي لا بد ان يكتمل في لحظات النضج الاخيرة ، كل هذا يشكل الحياة ، والعمل الفني بمجمل أهدافه هو البحث عن الحياة وكيفية تذوقها ،وسر الموت وما بعده ، العمل الفني وكل إبداع هو استجلاء سِرُّ الموت ،وما سِرُّ الخلود إلا  التمتع بالحياة وهذا ما قالته صاحبة الحان لكلكامش في إحدى دروب رحلته الكونية في البحث عن الخلود، فالحلم يغذي وعي الإنسان ، والنار تغذي الروح ،ونبع الماء يمنح الطاقة وديمومتها المستقبلية ،أن تحلم يعني انك تكتشف سر الخلود أي الرؤيا التي ستشكل عملك الابداعي،فالحلم هو العمل والابداع الذي يؤدي الى الخلود وهذا أيضا اكتشفه كلكامش في نهاية رحلته وهو أن الخلود هو العمل في الحياة ،وبالنسبة لي كفنان مفكر وباحث عن الحياة أجد أن الخلود يكمن في العمل الفني عندما تضيف سؤالا جديدا ًلمجموع  الأسئلة المطروحة في الحياة ،وما عدا هذا فهو تقليد مزيف .
*قد أكون مخطئاً في ما أذهب اليه من تحليل ولكن دعني أقول بأنني أجدك تنظر الى العالم من خلال رؤية تقترب من شكل الكوميديا السوداء ،هل يبدو في هذا  شيىء من الصحة ؟
-نعم انا اسخر من القوانين ومن الانسان المزيف ومن الكائن الذي يتخلى عن إنسانيته من أجل أنانيته ومن الإنسان الجشع الأناني الآكول لكل شئ بما فيها حقوق الاخرين ، أنا اسخر من عالم السماسرة الذين يساومون على مبادئنا ،اسخر من أصحاب العقول الصدئة ،اسخر من أؤلئك الذين يزيّفون الحقيقة ، وأؤلئك الذين ينظرون بعين واحدة ،أنهم الأشنات والديناصورات والبيروقراطية والجهلة ،انهم يشكلون عالما ً متوحشا ً لذا هو  بحاجة الى عين وبصيرة أخرى وبحاجة الى رؤيا جديدة، بالنسبة لي أجد أن الأنسان وبالذات المثقف أو المبدع و الفنان ذاتي النزعة  وليس كائناً أنانياً،  وما أعنيه:  أن الذاتية هي التفرد الأبداعي،فبيكاسو وفان كوخ ودالي وبودلير ورامبو وحتى بعض المبدعين العرب هم ذاتيون، لانهم يمتلكون حقيقة إبداعية ، وهم مخلصون لها ، ولا يتاجروا بها ، لأنهم من خلالها يحققون ذواتهم، وبالتأكيد فان المزيف لا يستطيع أن يحقق ذاته بإخلاص وإنما يهمه أن يشبع أنانيته .
*هنالك العديد من الشعوب مازالت تعيد انتاج طقوس مضى عليها الالاف السنين وهذا يبدو أمراً طبيعيا بالنسبة لها ، لانها جزء من معتقداتها وتكوينها ، ولهذا الامراسبابا وظروفا عديدة ، لكن عندما يتعلق الامر بفاضل سوداني ، الى اي مدى يذهب بهذه الطقوس عندما يعيد انتاجها ؟ والى ماذا يريد ان تصل السوداني من خلالها ؟
-الطقس بالنسبة لي هو احتفالية بالحياة وابتهاج بتلك الرؤيا التي تخفف من قسوة الحياة وتجعل منها وسيلة للحلم ، هنا علينا أن نستغل لحظات العيش كاملة بدون الترهل البشري الثرثار، أعني بدون الوجود الفائض والثرثار، يجب العيش بالوجود الخالص أو الصافي والنقي ، بهذا نحقق الديناميكية الوجودية ،وعكس هذا هو سكونية الحياة ، فمثلا في مسرحية الرحلة الضوئية وبالذات في طقس تحويل اللون الى نور ليضئ روح فان كوخ ، عمل ممثل الدور على التطهير بالنور حتى يتهيأ لهذا الطقس بمعنى أن جسد فان كوخ وجسد قرينه كانا مصبوغين بلونين مختلفين ،لهما تأثيرهما التصوّفي ،وهما الأزرق الشذري والأحمر ،وهما يمارسان الهمس الجسدي، يضيئهما عمود ضوئي من الأعلى ، ولكن عندما يغرقان في الظلمة يضاء جسديهما وكأنهما يشعان بنور خاص ،وفي ذات العرض المسرحي استخدمت بعض من مفردات الطقس العاشورائي الذي له علاقة بلطم الجسد شبه العاري حتى يتحرر ، بمعنى أني استخدم الطقس وهو في حالته المتحركة وليس في ثباته التراثي .
التجريب بصيرة متفردة
*لاشك انك تراقب وتتابع النشاط المسرحي في العراق ، وتجد ان هنالك العديد من الأعمال المسرحية التي يتم تصنيفها نقديا في باب التجريب ، فهل تجد اننا في العراق قد انجزنا شيئاً في اطار التجريب ، أم اننا نطلق التسميات والمصطلحات جزافا؟
-أي تجريب لا يمكن ان يتحول الى سلوك ثقافي عام إلا بعد أن يتحول الى ظاهرة ، والظاهرة تتحول الى ممارسة سلوكية ، واي ظاهرة لا يمكن ان يكون لها تأثير إلا بعد أن تؤثر في  نمطية الحياة والقوانين وتغيرها ،و التجريب هو ليس نجاح  او وعي متميز في هذا العمل أو ذاك وإنما هو خلق منهجية تجريبية جديدة في الثقافة والحياة ، وعندما تتغير الأنماط الثقافية المبدعة عندها تصبح ظاهرة فنية وثقافية ،أن التجريب هو التعبير الحقيقي وغير المُزيف لجوهر الحياة والتاريخ فمادامت الثقافة تراوح في ذات المكان فالتجريب يصبح غريباً عنا ، بمعنى أن التجريب هو التعبير عن زمن غير محسوس وغير ملموس وغير مكتشف ، وأيضا هو بصيرة متفردة ورؤيا بصرية تعبرعن تلك الرؤى غير المرئية وهو في ذات الوقت رؤيا للتعبير عن الأصالة الوجودية التي تتحدى قوة العدم أو الخراب الوجودي متسمة برؤيا بصرية متجددة وليس مكروره  . التجريب هو رؤيا غير مزيفة ومرآة صافية تعكس خفايا الروح وأسرار الوجود ،فأي تجريب  يبتعد عن هذه الحقائق يبقى ثرثرة غير مجدية . ولكن في المسرح العراقي هنالك جهود صادقة وجدية ومؤسسة على ثقافة رصينة كان أساتذتها أشخاص مبدعين مثل حميد محمد جواد وابراهيم جلال وجعفر السعدي وجاسم العبودي وبدري حسون فريد وسامي عبد الحميد  وقاسم محمد وغيرهم  أسسوا  اللبنات الأولى التي يطورها الآن مخرجون مثل صلاح القصب وفاضل خليل و كاظم نصار ومهند هادي و  احمد محمد عبد الأمير وغيرهم وقد شعرت ببهجة خاصة عندما شاهدت عروض شبابية لمخرجين شباب ينبؤون بمستقبل العرض المسرحي العراقي مثل الشاب محمد مؤيد وعلاء قحطان وأنس عبد الصمد وصلاح منسي وغيرهم .المشكلة في التجريب ليس فقط في المسرح العراقي وإنما العربي ،عموما يكمن في الفهم الخاطئ لمفوم الجسد وتحولاته ، حيث يفهم على أنه لغة خارج الروح أي مفردة خارجية تعبرعن الشكل فقط وتتخلى عن الشرارة الداخلية وجمرة الروح التي تحول الجسد الى لغة روحية وفكرية بحيث تؤثرعلى بصر وبصيرة المتفرج ، أنها لغة تحمل التأويل المضاعف للأشياء في فضاء المسرح ، وتبتعد عن كونها حركات سويدية مكرورة تعبر عن سذاجة هزيلة وتثيرالقرف والضحك .
*هل شعرت في لحظة ما ان رحلتك الطويلة هذه في البحث عن الجمال والحقيقة ذاهبة الى العبث او اللاجدوى ؟
-احيانا نعم ....وخاصة  عندما تعيش في مجتمع تتحكم به الخرافة والطائفية لدرجة يصبح الجمال المزيف هو الذي يتنفسه الانسان ويتحول الى سلوك اجتماعي عام ،انظر الى موجودات جميع المؤسسات
والبيوتات حيث بُدلت رائحة زهور الجوري والرازقي بزهور وأعشاب بلاستيكية في حين كانت روح الأنسان تمتلىء برائحة الرازقي البغدادي  صباحا وهو ذاهب الى عملة ، انظر الى الإنارة الريفية الساذجة التي تخنق ليل بغداد وروحها ، وتمنح العراقي  رؤية تعتمد على عشوائية الذوق والسذاجة ،لماذا هذه الغشاوة التي توضع بعمد على عيون العراقيين ؟؟ اقصد بان كل هذا أصبح سلوكاً اعتاد عليه الإنسان ،وحتى نعرف كيف نفكريجب أن نمتلك القدرة في تمييز رائحة الطبيعة الخالصة عن الرائحة المزيفة  لنشم رحيق الطبيعة وعبقها ، فإستخدام الزهور المزيفة تدل على سايكولوجية بشرية مزيفة ، أما الزهور الطبيعية في مؤسسة السياسي  تمنحه قدرة على التفكير بدل تلك الزهور البلاستيكية ، كذلك الحال مع عشوائية الألوان  والإنارة في بغداد والمحافظات، أن تبني أو تجمِّل مدينة هذا يعني أن تبني تكامل  إنساني، وحتى نتخلص من الذوق السيئ الذي يغزو حياتنا كالطاعون علينا أن نفكر بالفنانين لكي يعيدوا لنا إحساسنا بالجمال ، ونمنح  أصحاب الذوق القدرة على إعادة الإحساس بهارمونيا  الجمال وهم قادرين على أن يرونا جمال العراق ، جماليا يجب ان نتذوق الحياة بأي شكل من الأشكال ، عندها ستكتشف مرادفاً آخر ضد اللاجدوى والعبث وهو ديناميكية الوجود ، أي ان تعيش الحياة ديناميكيا ، هذان الجانبان هما اللذان يشكلان جمال الرؤيا البصرية، الحياة تصبح عبثا عندما تفقد معناها وألوانها ورائحة الإبداع فيها ويفقد الإنسان جمال البصر والبصيرة ،البحث عن الحقيقة والجمال هي رحلة شاقة في الحياة مادام هذان الجانبان يشكلان معنى الحياة .

الخميس، 12 سبتمبر، 2013



 الزمان -السنة السادسة عشرة - العدد 4607- الخميس 7 ذي العقدة 1434ه 12 ايلول سبتمبر 2013 م
تَرمي بِشرر ٍ .. *
    رواية للكاتب السعودي.. عبده خال 
                             نصُّ الواقع وحضوره في  المُتخيَّل .
                                                             
الطبعة الخامسة/منشورات الجمل بيروت / بغداد 2011
*  سبق أن فازت الرواية بجائزة البوكر العربية عام 2010

عالمان متوازيان
في روايته(ترمي بشررٍ)يذهب الكاتب السعودي عبده خال عميقاً في البيئة الاجتماعية لمدينة جدة ليكشف في خبايا أعماقها وجهاً آخر لمجتمعٍ تم تغييبهُ.وتتجلت في هذا الوجه سمات  ُبؤس وفقر وانحطاط تمتَد ُّفي مساحات مهمّشة.سعى ًالكاتب من وراء هذا التوغّل تحطيم أحادية ِصورة ٍمُسوَّقةٍ بسطحيةٍ برّاقةٍ عن مجتمع محافظ، محاط بأرث اجتماعي وديني ثقيل،ليضعه عبر مخطوطته السردية في مواجهة فنية .
بهذا الكشف السردي  الصادم لبيئة وطبقة اجتماعية مَقصيّة تكتمل أمامنا ظلال من عناصر فنية لمشهد روائي بطبعته الموبسانية ــ نسبة الى موبسان ــ  تبدو مشغولة بفرشاة إنطباعية تتجلى من بين ضرباتها اللونية صورة حياة ٍيصنعها معتوهون ومرتشون ولصوص وقوادون وزناة ولوطيون وطالبو سُلطة وحائكو مؤامرات، مثلما يساهم في صنعها مُصلحون .
المكان هنا بحضوره وسلطته المعمارية التي تشيء بحيواته التي تعكس دلالاته ينشطر الى عالمين متوازيين (قصر/ حارة،علوي/سفلي، بحري/صحراوي، ثري/ فقير) ومابين هذين العالمين لاقاسم مشترك سوى انحطاط ٍخُلقي يجمع حيواتهما.
الكاتب عبده خال يُبقي إطار سرديته ِداخل نص الواقع،ولايخرج عنه،بل يذهب بعيداً في واقعيته الى الحد الذي يُرفِقُ بعد نهاية النص المتخيل عددا من الصور الفوتوغرافية مرفقة بسير ذاتية تخص مجموعة من شخصيات واقعية مُستلةٍ من الاخبار المبثوثة بين الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية،هذا َإضافة إلى هوامش سجَّلها في أسفل عدد من الصفحات داخل الرواية،فكانت آلياته هذه بمثابة أدوات واقعية لجأ إليها لكتابة نص روائي متخيل،وكأنه بهذا الاسلوب الصحفي/الأستقصائي ــ والذي يتماهى مع آليّة السجلات الجنائية ــ يسعى لأن يعمَّق لدينا إحساساً قوياً بـ ( نص الواقع) وحضوره في تركيبة(النص السردي المُتَّخيل)ولكن إحالة الشخصيات الى الواقع بهذاالشكل الذي ذهب اليه المؤلف لاينتمي الى الطبيعة التاريخية التي كانت تحرص الرواية التقليدية الالتزام بها،بل تم تقديم الشخصيات على أنها كائنات مُتخيَّلة على الورق مثلما هي اللغة التي يبتكرها المؤلف في بناء سرديته.ويبدو لنا أن أختيار ضمير المتكلم / سارداً للاحداث كان قد لجأ إليه المؤلف من أجل أن تتحكم  الشخصية المحورية / الساردة بشكل محكم في سرد الاحداث.وإن كان أختيار ضمير المتكلم يبدو مألوفا في السرد السيرذاتي ويمنحه فعالية تتحرك مابين القارىء والحدث المسرود،ويكون  مُحددا للأفق فيما عداه من الانواع السردية الاخرى.بنفس الوقت يوهمنا الكاتب في ملخص السجلات السيريةالتي أضافها  في الملحق الذي عَنَونهُ بــ (البرزخ) بعد انتهاء صفحات الرواية،أن َّ شخصياته هي إجتماعية وليست إجتماعية،واقعية وليست واقعية،بهذه الآلية يتقصد الكاتب عبده خال إشراكنا في تفكيك السردية القائمة والمتداخلة مابين النّصين :نَصُّ الواقع والنَّص المُتخيَّل .
إن َّخطاب الرواية السردي في مكوناته(الزمن - السرد- التبئير ) ينتمي إلى الرواية العربية الجديدة، وقد وصف الناقد سعيد يقطين مايسعى اليه خطابها في مقالته المعنونة (تحليل الخطاب الروائي)المنشورة في مجلة الطليعة الادبية عام 1990العدد5- 6: "تقديم خطاب جديد يقوم على تقنية جديدة في الكتابة ليست على وفاق مع الكتابة الروائية العربية قبل العام  1967 وإنهاتسعى لتقديم وعي جديد تجاه الواقع الذي أدّى إلى الهزيمة.وأن الرواية كانت أكثر تقدما في كتابتها عن واقع الهزيمة من باقي الخطابات التي انتجها العربي بعد ذلك الحدث التاريخي ". وبناء على هذا التصور الذي تشكَّل لدينا،يتمحور النص السردي(ترمي بشرر) ضمن مسار الرواية العربية الجديدة التي تنتظم معماريتها في فضاء تثوير اللغة والاشكال والمضامين.رغم حضور تقنية(الرؤية من الخلف)التي كانت سمة ملاصقة للرواية التقليدية والتي تتيح للسارد أن يتقمص شخصياته ليبدوعارفا بكل مايخص ماضيهم.إلاّأن هذه التقنية تم إزاحة وظيفتها التقليدية وإحالتها الى منطقة اخرى في بنية السرد فارتكزت في إنزياحها على محورية الشخصية الرئيسة الساردة للاحداث بعد أن تلجأ الى البوح ابتدأ من الاهداء الذي كتبه طارق فاضل الشخصية المحوريةالساردة للاحداث والذي جاء في مقدمة الرواية:"التلويحة شارة للبعد،للغياب.و(هنَّو) لم ترفع يدها أبداً..فأي خيانة إقترفَتها حينما لم تلوّح من بعد !؟ لها،ولبقيّة من عَصفتُ بهم في طريقي،ينداحُ هذا البوح القذر" .
المكان المزدوج  
 سكان الحي الفقيرحارة )الحفرة/جهنَّم(،ليسوا سوى أمواتاً يقضون أعمارهم فيه،مغمورين بقاذوراته،وتنافر حكايات قاطنيه القادمين من جهات الارض،لاشيء يحفزهم للنظر من نافذة الغد البتة،تفرّغت آذانهم لالتقاط أي صوت ليحيكوا منه حكاية جديدة يعبرون به ليلهم الكسيح،وظل الحي متمسكاً بساكنيه الأصليين في جهة واحدة بينما ترك أجزاء منه للقادمين إليه،لفيف من جنوب المملكة،هم خليط:من الغمد،والزهارين،والقحطانيين ،والشهرانيين،والعسيريين،والياميين،والجازانيين،وخليط آخر من بدو قدموا من أطراف الصحارى المترامية،وجاليات من يمنيين،وشوام ،ومصريين،وسودانيين،وصوماليين،واريتريين،وهنود،وأفغان،وجاويين ،وتشاديين،وصينيين،وأكراد،وبخاريين،وتركستانيين،وقوقازيين فروا من محرقة الحرب.فئات مقهورة ومسلوبة ترضى أن تعيش داخل إسطبل تعلف مايقدم لها من غير إشتراطات مسبقة .
في مواجهة حي (الحفرة/ جهنَّم)وعلى ضفاف البحر،يَبني الشيخ نادر قصرا فخما تبلع أروقته ومساحاته الشاسعة شواطىء يعتاش عليها الصيادون الفقراء:" من أي جهة تدخل إلى المدينة يظهر القصر،ويستطيع أي شخص أن يراه من بعيد إلاّأنَّ رؤية صاحب القصر يحظى بها قلة قليلة من البشر،ويعدون من المحظوظين لنيلهم هذا الشرف". ورغم أن سيارته تعبر الحي يومياً إلاّ أنهم لم يتمكنوا من اصطياد ملامحه،ولولا أن أصطدمت السيارة بجسد جمال المجنون وسفحت دمه لما تسنّى لأهل الحي من رؤية ملامح الشيخ نادر:" وحين تبتعد عربته البيضاء عن تجمعاتنا نلاحقها بالابصار الكليلة،ونلمح قطعة الصابون تلك،وهي تغوص في زبد،وتتلاشى داخل الفردوس بإيصاد بوابات القصر العملاقة بإحكام وتترجل أسوارالقصر برسوخ،وثبات في مواجهة نبل عيوننا المتلاحقة ".
القصر تمَّ تأثيثه من كل بقاع العالم وزُيَّنت حدائقه بالازهار والثمار والحيوانات والطيور والخيول وكلما ضاقت مساحاته رُدِمت مياه البحر وبُسِطت لاستقبال أفخر منتجات المصانع من سيارات ويخوت ودراجات مائية وألعاب،ومجسّمات فنية. قصر منيف يبهر الناظر ومن يراهُ لايشك بتاتا من كونه هِبَة نزلت من السماء كما لو كان قطرة من ماء تجمّدت قبل أن تستقر على الارض فغدا معلقاً بين ماءين لتتعلق به العيون والافئدة . لكن: "الحياة داخل أسوار القصور العالية لها مذاق مختلف.هناك لاتوجد حدود للمفاهيم،والقيم.في كل حين ترتدي قيمة تتناسب مع اللحظة التي يمتلكها السيد،فكيفما يكون مزاجه تكون القيمة والمبدأ" .
حيّز المحتوى في الحكاية
القصر يعيش زمنا خاصا يتواجد فيه فاسدو الذمة والشهوة المدنسون بقذاراتهم والملطخون بها من غيرغطاء أو تورية :"مَلل اتيان الفواحش خرج من أنفاس سيد القصر حتى أنه خصص جائزة لمن يأتي بسلوى جديدة لقلبه.إقترف كل المتع وكلما عبر إحداها وجد أن الحياة تضيق به " . حتى وصل به الحال بعد أن استنفذ كل المتع أنْ بدأت تظهر عليه مظاهر التخنث فبدأيخضع وجهه وعينيه (للميك آب) الخفيف ويخضع أعضاؤه الداخلية لاستقبال مرطبات مختلفة لتلينها وتطرية تصلباتها وجفافها،واختار الملابس الحريرية الضيقة،واستعار شعراً طويلاً متموجاً لفروة رأسه يميل الى اللون الكستنائي.والسيد نادر له مندوبون متعددون للقيام بدور القوادين ومنهم أسامة،ولهذا الغرض انتشرت فرق في ارجاء المدينة،كل فريق يتزعمه شاب طاغي الوسامة يستخدم وسامته لاصطياد الفتيات اليافعات ويغزل لهن شركاً بكلمات عشق يتدربون عليها من قِبل عاهرة هي عشيقة السيد عندما كان في بداية شبابه،فملَّ من جسدها وروحها معا،فاستحلفته بالايام الخوالي أن لايبعدها عنه،وتعهَّدت بجلب الفتيات لتنشيط مَلَلَهُ إنْ هو أبقاها بِقُربِه ِ.ولكنْ لمّا جاءت مَرَام الى القصر لم يكن يظن أن جمالها سيصعقه فاصطفاها لنفسه وأطلق عليها لقب المذهلة،جاءت مَرام الى حياة السيد بعد عشرات النساء وغدَت أنفاسه التي تمده بالحياة .
من رأى القصر من الخارج تغدو أمنيتة أن يَراهُ من الداخل.وكل سكان الحي كانوا يحلمون بالدخول إليه فكان عيسى الرديني الذي هرب من حي (الحفرة / جهنّم) هو أول من يدخل (الجنة / القصر) من سكان الحي ليعمل فيه،تثمينا لجهده من قبل الشيخ نادر بعد أن تطوّع لأنقاذ إبنه البكرمن الغرق.ولأن طارق وأسامه اقرب أصدقائه حرص على أن يُهرّبهم من حي (الحفرة / النار) لكي يعملوا في (القصر/ الجنة ) .
طارق:"جئت إلى هنا كي أقوم بمهمة واحدة،فإذا بي أقوم بكل المهام الوضيعة.جئت ليلاً،وغدوت ليلاً.أعلم أني غدوت دنساً،وليس ثمة طهارة تنجيني مما أجد ".  لم يكن تواجد طارق الشخصية الرئيسة / الساردة للاحداث في (القصر/الجنّة)إلاّ لكي يُنجز عملا مشينا ً أفنى عمره في ممارسته حتى خسئت روحه: "فالبرك المهجورة تربي البعوض والطحالب ويغدو ماؤها الآسن لايقيم طهارة،ولايدخل في الجوف،هذا ماأُحِسُّ به الآن،هذا الاحساس لم يكُن حاضراً مع بدايات مراهقتي،ونزقي.كانت أفعالي محل نشوة وزهو أسير بهما بين اقراني كما لو كنت ديكا جُلب لعقر جميع الديوك المنتشية بنفش ريشها،والمباهية بعرفها الداكن " . كانت مهمته في القصر أن يخضع لمشيئة الشيخ بأغتصاب أي شخص من ندمائه وحاشيته وبطانته ماأنْ يكتشف منافسته له في اي أمر ما تجاري أو عاطفي أوجنسي .وعملية الاغتصاب يتم تصويرها بحضور الشيخ (فوتوغراف وفديو) لتكون مستمسك إدانة وتسقيط يتم استعماله من قبل الشيخ  للضغط على خَصمِهِ المُغتَصَب فيما لو حاول مرة اخرى أن ينافسه على محظية أو عمل تجاري:"وأنا اقف أمامه في أول لقاءٍ لم أتصوَّر أنه يحمل سفالة تفوق سفالة وبذاءة قوادين ومحترفين . وقوفي وارتباكي أمام أفعاله التي يحدثها،جعلاني متخشباً،متلعثماً لا أعرف ماهي الخطوة التي يجب علي إتقانها معه وعندما وجدني متخشبا جاء صوته آمرا بخلع ملابسي الداخلية " . سنوات طويلة قضاها طارق فاضل مؤدِّباً لخصومه،لاتظهر قيمته لدى سيد القصر إلاّ عندما يحضر لمشاهدة أحد ضحاياه.وحاول قدر مايستطيع أن يستقل بسكن خاص به بعيدا عن القصر مُتّخذا من رعايته لعمته العجوز حجة بكونها أمست وحيدة في البيت بعد وفاة والده ومن ثم مغادرة والدته سنيّة الدار بعد زواجها من أبن خالتها الذي كان عشيقها ايام كانت مراهِقة قبل أن تتزوج من والد طارق .لكنه لم يستطع أن يتحاشى مراقبة سيد القصر له.فكان يعرف عنه كل صغيرة وكبيرة،عبر كامرات مراقبة زرعهاخفية في زوايا وأرجاء بيته الذي اشتراه بعيدا عن قصر السيد.ورغم أن طارق كان لوطيا شهيرا في الحي مذ كان صبيا ًحتى أنّه سمي بالماطور لما يتمتع به من قدرات جنسية إلاّأنه أكتشف قذارته متأخراً داخل القصر،فالحياة خلف اسواره لها مذاق آخر مختلف،خاصة أن كُلَّ المتع: "لاتعود ذات قيمة حين تفقد إرادتك في اختيارها" . فكان جسده سببا ً في الدخول والخروج من وإلى تجربة عصيّة . فعاش مرارة البقاء أو الخروج من دناسة الجسد،غاصا ً في حياة مستقذرة،وجد نفسه مغموراً في دنسها،فحاول الخروج قبل أن يكون هو الضحية الأخرى، مثلما انتهى اليه صديقه عيسى بعد أن اكتشف السيد نادر ــ عبر وشاية جاءته مِن خليلته مرام ــ حقيقة علاقته بأبنته مُوضي وزواجه منها سرا ً بعد وفاة زوجها الذي كانت قد ارغمت على الزواج منه. ولأنّ الشيخ يفرض على مخدوميه أن لايخرجوا على قواعده وأن يتحولوا دائما ً إلى خرس،ومن يتجرأ على الخروج يكون قد كتب على نفسه الخَرَس الفعلي: " فَقَد ثلاثة من مخدوميه ألسنتهم في حوادث مختلفة قادهم لهذا الخَرس الاجباري خروج حكايات من داخل القصرلم يكن يعرفها إلاّ هُم ". والشيخ نادر له القدرة ايضاعلى التحكم بسوق الاسهم نتيجة علاقته الوثيقة بالشخصيات المؤثرة فيه،وسوق الاسهم :"المطحنة التي اختارها السيد لسحق عظام واعصاب عيسى،فأوكل لعدنان حسون مهمة تمرير الطعم لجوف عيسى،وأخذ يرقبه،وهو يندفع لداخل المصيدة بصبر وتؤدة". فكانت الخطة محكمة بالتعاون مع مدير البنك عدنان حسون الذي يودع عيسى أمواله فيه التي جمعها من عمله بالمضاربة في سوق الأسهم،ليخسر بموجب هذه الخطة كل امواله المودعة في البنك فأمسى رجلا مجنونا يهيم عاريا ً في الشوارع قبل أن يطلق عليه السيد نادر رصاصتان ترديانه قتيلا داخل القصر من بعد أرغام صديقه طارق فاضل باغتصابه .
عيسى وأسامة وطارق جمعتهم شقاوة الطفولة الاولى،شقاوة امتزجت بألسِنة قذرة لاتتورع عن سكب كل الشتائم العرجاء،والعمياء على مسامع من يعترضهم أو يشتهون السخرية منه حتى غدا الكثيرون من أهل حارة الحفرة يتحاشون مصاحبتهم أو الاقتراب منهم :"أفرط أهل الحي في نبذنا والابتعاد عنّا، ناعتِينا بالاغصان المعوجّة المشوّكة،فقد خرجنا من آسر ٍ صالحة وشذينا عن قاعدتها بأعوجاج لاتجى استقامته " .
وعمّة طارق لم تكن راضية أبدا عن زواج شقيقها من سنيّة حتى أنها كانت تنتهز أية فرصة لإيذاء طارق انتقاما من والدته سنية،لأنها كانت تصف زواج شقيقها من سنيّة بالغلطة التاريخية التي لن تغفرها له : "بسبب طيشه عفرّ سيرة أجداده بهذا الوخم الذي يدعى سنية التي لن تتوانى من إدخال مياه كل الرجال إلى رحمها ."
قصص الحب في هذا العمل الروائي تنتهي معظمها بشكل مأساوي رغم إصرارابطالها على قفز الحواجز بالزواج إلاّأنَّهم لايصلون الى نهاية المضمار،فعلاقة الحب بين تهاني وطارق تنتهي بموتها مقتولة على يد والدها بعد أن يفتضح أمرها. واسامه الذي كان هو الآخريعشق تهاني يظل بقية حياته مُعذبا يبحث عن هويّة الشخص الذي عاشرته تهاني في غرفتها قبل أن يفتضح أمرها من قبل والدها.وعلاقة موضي شقيقة السيد نادر بعيسى تنتهي بمقتله على يد والدها،كذلك لم تنتهي بالزواج العلاقة التي كانت تجمع السيدة شهلا والدة موضي بشاب جميل كانت تحبه قبل زواجها من السيد نادر،ليموت هذا العشيق بعد ايام من موعد لقاءهما الذي تم صدفة  في المستشفى بعد أن اصبح كلاهما في مرحلة الشيخوخة،وعلاقة كمال ابوعيضة بسميرة هي الاخرى تنتهي بموت سميرة.
في هذا النص السردي يبدو فضاء المكان المنشطر(حارة الحفرة /جهنم،والقصر/ الجنة ) وكأنّه فضاء ٌ تترسخ فيه عبودية الانسان لأخيه الانسان ويضيق ذرعاً بطهارة قصص الحب،فالنجاسة مثل شبكة عنكبوت تلتف لتحكم مصائر العشاق،ليصبحوا ضحايا مجذوبين الى هاوية سحيقة تُسحق فيها الروح.فكل شيىء يبدو في هذا المكان بشطريه مُدَّنس بالخطيئة، مُخترِقاً دواخل النفوس وناخرا ً الطبقات السفلى منها،فالجلاد والمجلود "يدُسَّان وجهيهما في الفراش بحثاً عن نجاةٍ تبعدهما عن بعضهما،يبحثان عن الافتراق،عن التلاشي ".

الأحد، 8 سبتمبر، 2013


  في صحيفة العرب اللندنية الاثنين 9/9/ 2013   السنة 36 العدد 9315            


التائهون ...

رواية الكاتب اللبناني الفرنسي الجنسية أمين معلوف

     
      جدلُ الهوياتِ المُعَلّقة ِمابينَ الأنا والآخر
                                    
                                                              مروان ياسين الدليمي

ترجمة  :نهلة بيضون
الناشر :دار الفارابي –بيروت – لبنان
الطبعة الاولى :كانون الثاني 2013

تناوبُ السَّرد  
اختار أمين معلوف آليّة كتابة اليوميّات رهانا ً تقنيا ً أساسيا في شكلانية بناء السياق العام لمخطوطته السردية(التائهون)واليوميات تمتد على مساحة  زمنية محددة ومؤرخة بستة عشر يوما ً،تبدأ من 19 نيسان،وهو اليوم الذي سبق سفرآدم الى لبنان قادما من باريس حتى يوم الجمعة 5 أيار،أي قبل يوم واحد من فقدانه الذاكرة بعد انقلاب السيارة التي يستقلها في وادي على طريق الجبل.كما لجأ معلوف الى تقنية ضمير الغائب بصيغة الماضي أو كما يسميهاالناقد نورمان فريدمان "وجهة النظرالقائمة على المعرفة الكلية المحايدة،وفيهالايتدخل الكاتب مباشرة بل يتحدّث بشكل لاشخصي،وفي نفس الوقت تُقدَّم الاحداث وتُحلل بطريقة يراها الكاتب ولكن بشكل يختلف عن الطريقة التي تراها بها الشخصية".بجانب ذلك لجأ أيضا إلى تقنية ضمير المتكلم،بصيغة الحاضرفي بناء وسرد الاحداث من بين عديد التمييزات والتصنيفات كخيارات مطروحة أمام الكاتب لإيصال وجهة النظراو كما يسميها فريدمان "الأنا المُشارِك،وهي حالة الراوي بضميرالمتكلم حيث يتساوى السارد والشخصية الرئيسية".
كان خيار تناوب السرد الذاتي مع الموضوعي في إيصال محمولات الخطاب الفني في هذا العمل سليم جدا ً.فحضور ضمير المتكلم في اليوميات جاء منسجما مع موضَعة الحياة الذهنية لشخصية آدم المحورية بصيغة مشهدية،كما أن حضورالضميرالغائب المتناوب في سرد الاحداث كأجراء تقني منح مساحة واسعة بانورامية لها فاعليتها في السرد الذاتي. من هنا بقيت اللعبة قائمة حتى النهاية كما أرادها أمين معلوف،فالمؤلف السارد يغيب تماما ًفي العرض المشهدي ويصبح جزءاً مُدمَجا ومُندمِجا في الحكاية،بينما يحضر بهيمنته العارفة بكل شيء في العرض البانورامي.وقد ساعد هذا التناوب على تحقيق الانسجام في البنية السردية للعمل من حيث تطابق الشكل والموضوع،وهذا هو مايؤكده بيرسي لوبوك في كتابه المعنون فن الرواية "الشكل الارقى هو الذي يُطوِّر بشكل أفضل الدعائم الاساسية للموضوع ". فالروائي الناجح هوالذي يمتلك القدرة على بناء سياق فني واضح للحكاية المسرودة،ويبقى مُمسكا به وفق المسار والرؤية التي أرادها أن تكونَ مَخرجا ً إجرائيا ًفي إيصال محمولات خطابه.
حكاية الحرب والحنين
آدم ــ المؤرخ والاستاذ الجامعي في مدينة باريس ــ حين خلد للنوم في الفراش يوم الخميس والى جانبه صديقته دولوريس لم يخطر بباله أن الطائرة ستقله في اليوم التالي إلى الوطن،بعد سنوات من الاغتراب الطوعي،لزيارة صديقه القديم مراد،فالكلمات المفحمة التي سمعها عبرالهاتف من تانيا زوجة مراد والتي عَرفَت أن تختارها "صديقك يُحتضر،ويريد أن يراك ". جعلت دولوريس تقنعه بأنْ لاخيارأمامه سوى السفر.وليس بوسعه التخلي عن صديق الصبا. يطير آدم على وجه السرعة لرؤية صديقه الذي كان قد أقسم مع نفسه قبل عدة أعوام على أن لايكلمه بعد أن تحول مراد الى واحد من اثرياء الحرب وتجارها."لكن كل الاسباب لاتساوي شيئا حين تقترب ساعة المنون.ولو رفض الذهاب لرؤية صديقه على فراش الموت،فسينهشه الندم آخرحتى آخر يوم في حياته ".
آدم ينتمي الى "صنف من البشرلايستطيع التفكيرإلاّ وهو يكتب،فكان لابد له من الشروع في الكتابة لكي ينتظم حبل افكاره،فالتفكيرعنده بمثابة نشاط يدوي ". وبعد أن بلغ السابعة والاربعين كان عليه التسليم بأنه سيكون المؤتمن على أحزان وخيبات أحبته المتراكمة،بل وعارهم وخزيهم.والفرق بينه وبين صديقه القديم مراد يكمن في الموقف الوجودي من الحياة.فمراد يُقرُّ بأنْ خيارهُ الوحيد هو:الحياة في المكان الذي ولد فيه،وعليه أن يختارالانخراط في هذه الحياة.بينما آدم كان يخشى أن يفوتَهُ عصره دون أن يعيشه بشغف مثلما يريد ويختار"الولادة هي المجيء إلى العالم،لا إلى هذا البلد أو ذاك،لاإلى هذا البيت أو ذاك،وهذا الأمر لم يستطع مراد أن يفهمه أبدا".آدم ينتمي إلى الطبقة الوسطى التي يقول هو عنها"بوسعها أن تنظرإلى العالم نظرة متبصِّرة" وبما أن هذه الطبقة لاتعاني من قِصَر النظر يعود ليكتشف ماضيه الذي تخاصم معه،وانسلخ عنه،بعد أن حاول طيلة اكثر من عشرين عاما أن يتجاهله،لكنه لم يستطع الافلات منه،ولم يكن سعيه هذا لأكتشاف ماضيه الشخصي انطلاقا من أسباب تعود لشخصيته المهنية بأعتباره باحثا ًومؤرخا ًواستاذا ًأكاديميا ًهاجسه الدائم في الحياة العودة الى الوراء لنفض الغبار والتراب عن احداث وشخصيات طواها الزمن،بل كانت العودة أشبه بالسقوط داخل متاهة،حاول قدر مايستطيع أن يتناسى أنها متاهة،وسعى للتعايش والتفاعل معها،وكان لحضوره المادي داخل الوطن جسدا ًوروحا ًبعد غياب طويل تأثيرا ًوقوة ً لتدعيم التفاعل مابين ذاته المغتربة المُعافاة وذاته الجريحة من الوطن،فخرجت أفكاره من إطارالزمان والمكان،وتركزت على سؤال هام ٍ ووحيد ظل يردده مع نفسه:" ماهو السبب الحقيقي لعودتي إلى هذا البلد الحبيب الذي أخشى كتابة اسمه ؟". بقي آدم وفيا ًمع نفسه ومع المبادىء التي حملها جيله لأجل تغيير العالم :"فالمبادىء هي بمثابة الركائز أو المراسي،حين يقطعها المرء يتحرر،إنَّماعلى نسق كرة ضخمة ممتلئة بغاز الهليوم، ترتفع،وترتفع،وترتفع،موحية بأنها ترتفع نحو السماء،فيماهي ترتفع نحو العدم ". ارتباط آدم الوثيق مع مبادئه تتمحورحول تغيير صورة الغد،لذلك هو يدينُ أهلَ بلده،ويصفهم بأنهم متساهلون بشكل يبعث على اليأس مع من يتخلى عن مبادئه ليذهب الى الضفة الاخرى،بل يجدهم يمتلئون إعجابا بشطارة هؤلاء الذين يَصِلونْ،أيّا ً كانت الوسائل التي وصلوا بها،وهم بذلك يطبقون المثل الانكليزي عن روما"حين تكون في الغابة إفعل ماتفعله الضواري ".وهذايُشكل بالنسبة لآدم جزأ ًمن ثقافة الوطن / الماضي الذي لايشعر بالحنين إليه :"أنْ يَضمَحِلَّ عالم الامس،هو سنّة الحياة،وأنْ يشعر نحوه بشيء من الحنين كذلك من سنّة الحياة،إننا نجدُ بسهولة ٍالعزاء لفقدان الماضي،ولكن مامن شيء يعزِّينا لفقدان المستقبل،فالبلد الذي يحزنني غيابه ويؤرِّقني ليس ذاك الذي عرفته في شبابي،بل ذاك الذي حلمت به،والذي لم يُقَّدرْ لهُ أنْ يُبصِرَ النَّورأبدا".
لعبت الحرب الاهلية الطائفية في لبنان دورا كبيرا في الكشف عن البقع العمياء والمظلمة في المجتمع:"في كل ماجرى لامُذنب سوى الحرب ". وتمكَّنت بفعل استمرارها وطول مدتها أنْ تقولِب أسوأ الغرائزالانسانية لتصبح ممارسات ٍوعادات ٍوطقوس مجتمعية:"فكم من الاشخاص تحولوا إلى مهربين وسارقين وخاطفين وقتلة وجزارين،وكان بوسعهم أن يكونوا أفضل الأشخاص على وجه البسيطة لو لم يتقوّض مجتمعهم ". وللخروج من هذه البقعة العمياء أضطرالاصدقاء،آدم وألبير ونعيم،الابتعاد عن الوطن،بل عن المشرق كله،لكي يحافظوا على نظافة الكف رغم إقرارآدم بأن ّ"سلوك طريق المنفى كحل ِّوحيد لمعضلاتنا الاخلاقية سيكون منافيا ً للمنطق.ويجب أن نجد يوما ما،حلاً هناك ".
الحلمُ بالثورة وتغيُّرالافكار
قبل أثنتين وسبعين ساعة من قرارالسفرالى لبنان لم يكن آدم يفكر بالقيام بهذه الرحلة،ومع وصوله الى الوطن تكوّنت لديه رغبة كبيرة في جمع شتات الماضي،رغم ماحصل من متغيرات جوهرية خلال عقدين من الزمان تفرق خلالها الاصدقاء بين أماكن وخيارات ومصائر مختلفة،وبات من الصعب أن تعود تلك العلاقة بينهم مرة أخرى كما كانت عليه قبل أن يتفرقوا،إلاّأنّه لم يبخل على نفسه شرفَ محاولةِ جمع شمل اصدقاء كانوا لايفترقون ابدا ً،كان مراد أبن العائلة الارستقراطية حريصا على أن يجمعهم في سهرات ليلية بشكل دائم في شرفة بيتهم الواسع عند الجبل،وقد شكلوابأنتماءاتهم الدينية المختلفة صورة عن مجتمع تواطىء مع بعضه البعض على استمرارالسِّلم الاجتماعي بين مكوناته رغم الانقسمات العميقة بينها،فكان طبيعيا ًأن تكونَ هذه الصحبة بين خليط غير متجانس ٍ دينياً يتألف من مسيحيين(آدم  والبير ومراد وتانيا ورمزي وسمير أميس) ومسلمين(بلال ورامز)واليهودي( نعيم ).كان القاسم المشترك الذي يجمعهم هو الحُلم الرومانسي بالثورة والتغييروفق ماكانت تعكسه الافكارالماركسية ايّام كانت تعيش ذروة عصرها مثلما هي الآن الافكار الدينية الاسلاموية المتطرفة تعيش ذروة عصرها حسب التعبير الذي إستخدمه آدم وهو يستعرض تحليلاته للواقع أمام نضال الاسلاموي المتشدد،وحقيقة التحولات التي طرأت على الافكار في المنطقة وانتقالها من ذروة العصر اليساري الماركسي الى ذروة العصر اليميني الاسلامي المتشدد.وأثناء سعيه لجمع شمل الاصدقاء القدامى يلتقي بنضال الشقيق الاصغرلصديقه بلال الذي كان يطمح أن يكون كاتبا كبيرا ًيستلهم وعيه وافكاره من وحي التجربة الحقيقية المعاشة في الحرب،ليدفع بالتالي ثمن ذلك روحه،فيسقط قتيلا وراء أحد المتاريس في مطلع الحرب الاهلية وليترك جرحا عميقا خلفه في قلب عشيقته سمير أميس لم يندمل هذا الجرح رغم السنوات التي مضت.وعلى عكس ماكان عليه شقيقه الاكبربلال أصبح نضال اسلاميا متشددا، واللقاءمعه أحدث خلخة وارتجاجا عميقا لدى آدم المسيحي اللبناني المغترب،ووضعه في حالة مواجهة جدلية مع ذاته وهويته الممزقة بين أنتماءين،انتماء للشرق العربي الذي هرب منه ومن حروبه،وانتماء للغرب الذي لجأ إليه بجلده وحياته.فالحوار مع نضال جعله يشعر بهشاشته من الداخل،ذلك لأنَّ طبيعة وجديّة الحوارذهبت به بعيدا عن هدف اللقاء الذي هوجمع شمل الاصدقاء لينعطف بشكل حاد إلى تقييم واستعراض حقيقة وجوهرالعلاقة مابين الحضارة والهمجية،الدين والمدنية،الغرب والشرق،المستعمِر والمستعمَر،الضحية والقاتل،الأنا والآخر.فالعَرب ــ كما ردد ذلك نضال بأنفعال واضح اثناء حديثه ــ وخلال اربعمائة عام مضت تعرَّضوا للغزو والأذى ودفعوا الثمن باهظا ً لكل الذين استعمروا بلادهم .فهل الموقف هنا بين الضحية والقاتل متساوٍ ؟. وهل كانت الاذيّة مُتبادلة كما ردَّدَ آدم اثناء حديثه ؟. وهل منطق ألأذيّة المتبادلة ــ الذي جاء به آدم في سياق حديثه ــ يأتي من باب الاستقامة العلمية في أن يكون محايدا ً؟.
لمْ يكن اللقاء بين نضال وآدم مجرد إعادة صلة مقطوعة بماضي شخصي بقدر ما كان تصفية حساب مع التاريخ،تاريخُ المنطقة وصراعاتها مع الغرب،فكانت التساؤلات التي جاءت على لسان آدم بمثابة محاكمة للهزيمة والتراجع والخسارات والاندحار الدائم والتخلف عن الحضارة،لكنها بنفس الوقت تركت أثراً بالاستفزاز داخل نضال الذي يمثل جيلا آخر يحمل عقيدة دينية متشددة،ولم يكن بين الاثنين مايربطهما أويجمعها معا ًسوى خيط واه ٍهو بلال الأخ الاكبر لنضال،فأكتشف آدم بعد هذا اللقاء انَّه ينتمي الى عَصر ٍآخر،عَصرٌأمست طليعته في المؤخرة،ومن كان في المؤخرة أمسى في الطليعة.
أفضى لقاء آدم مع أصدقاءه القدامى ومع بقية الشخصيات الأخرى التي كان يعرفها قبل هجرته إلى تصفية حسابات مع مرحلة زمنية ماضية ينتمون لها جميعا،بما لها وماعليها،ليصل معهم إلى نتيجة مفادها أنَّهم :كانوا يحملون أنبل الاحلام،وكلما التقى بواحد ٍمنهم يجدهُ متأسفا ًعلى مامضى من الايام،ويتمنى لوعادت بكل ماكانوا عليه من شغف بالتغييروالانتماء للانسانية والنأي عن الانتماءات الطائفية والدينية.وفي دوامة الاسئلة التي تؤرجحه،يجد نفسه أمام َجواب غريب يفرض حضوره عليه،كان الجواب واضحا في صيغته بقدر ما هو غامض في دلالته:"لمْ أرجع إلاّ لقطف الزهور.وتبيَّن لي أن تلك الحركة التي تقوم على قطف زهرةٍ وإضافتها إلى الباقة التي نحملها أصلاً في يدِنا ونضمها إلى صدرنا،هي الأجمل والأقسى في آن واحد،لأنها تكرِّم الزهرة إذ تخطف منها حياتها ".
تقانة الرسائل
الاسئلة الجوهرية التي يطرحها آدم على نفسه،يعيد طرحها برسالة على صديقه اليهودي نعيم:"كيف تفسِّرأننا لم نُحدِث أثرا ً يُذكَرعلى مسيرة بلدِنا ومنطقتنا بصرف النظرعن مسيرة العالم !؟. كيف تُفسر أننا أصبحنا حاليا في معسكر الخاسرين والمهزومين ؟".هذه التساؤلات تخصُّ جيلا بأكمله عاش في سبعينات القرن الماضي،كان يحدوه ُأمل كبير بتغييرالعالم وتحقيق السلم والعدالة الاجتماعية والحرية الانسانية،لكنه يكتشف بأنْ لاجدوى من ذلك بعد أن جاءت الحرب اللبنانية الاهلية في منتصف العقد السابع من القرن العشرين وعصفت بكل شيء،فتفرَّق معظم الاصدقاء في بلدان وقارات عِدَّة واصبحوا مهاجرين يحملون جنسيات أوطان أخرى،وماعاد صوتهم يكاد يُسمع .والبعض منهم تماهى مع اخلاقيات مجتمعاتهم الجديدة مثل ألبير الذي أمسى مثليّا ً بعد أن لجأ الى الولايات المتحدة الاميركيةعلى أثر تجربة خطف غريبة تعرّض لها قبل خروجه من لبنان،والمفارقة أنها حدثت في نفس اليوم الذي قرر فيه الانتحار خلاصا من الحرب،المتورط بعملية الخطف كانت عائلة مكونة من رجل وأمرأة،ولم يكن ألبيرهو المقصود،إنما جاءت عملية خطفه نتيجة مروره صدفة في الشارع الذي يفصل بين طرفين متنازعين،أحدهما تورّط في خطف الولد الوحيد لهذه العائلة،فما كان منها إلاّأن تردَّ بالمِثل،حتى لو كان المخطوف شخصا لاصلة مباشرة له بعملية خطف ابنهم،فالمهم أن يكون من سكان الحي الذي يتخندق فيه الطرف الاخر،وهذا هو القانون المقدس للحرب الاهلية. ألبير"ظل يبتسم مثل الأبله " أمام تهديد الخاطفين بماينتظره من مصيروماسيلقاه من تعذيب قبل الموت وتم اكتشاف حقيقة هذه اللامبالاة  في رسالة وداعية كان قد كتبها على ورقة صغيرة،فطلب منهم أن يخرجوها من جيب سترته الداخلي ويقرأوها"حين تكتشفون هذه الرسالة،أكون قد أقدمت على ماقررت الاقدام عليه.لاأريد أن يشعرأي منكم بالمسؤولية عن موتي،ولايتصورأحدكم أنّه كان بوسعه الحيلولة دون حدوثه لو تدخل أبكر من ذلك بقليل.قراري ليس وليد الأمس.فلقد فات الآوان منذ وقت طويل.." وبعد أن تلاشت صدمة الخاطف واستوعب الموقف تحول الى متعاطف معه ومع محنته،لأنَّ الخاطف لايشبه أي خاطف آخر،فهو لم يكن سوى مواطن صالح أمضى حياته يعمل ميكانيكيا ويتطلع فقط لرؤية ابنه الوحيد يتخرج مهندسا ً وتحقق له ذلك. لذا اطلق سراح البير بشرط أن يبقى على تواصل معه،وهذا ماتم بالفعل بينهما.
في الرسائل المتبادلة عبرالانترنت،بين آدم ونعيم المُقيم مع عائلته في البرازيل مُذ خرجوا من لبنان ايّام الحرب الاهلية في منتصف سبعينات القرن العشرين يتم الذهاب بعيداً في رسائلهمالاستكشاف الدواعي والاسباب التي عصفت بتلك الصحبة والألفة الجميلة التي كانت تجمع أبناء البلد الواحد وهم على ماكانوا عليه من تنوع ديني وقومي ومذهبي وايدولوجي،خاصة فيما يتعلق بصديقه نعيم،ليتوصلا إلى أنّ النزاع مابين العرب واليهود الذي قلب حياتهم رأساً ًعلى عقب،ليس خلافا مثل غيره من الخلافات الاقليمية.وهنا لابد لنا أن نشير إلى طول هذه الرسائل،والمنحى الاستطرادي الذي ذهبت به باتجاه التحليل السياسي،فجعلتنا نشعر وكأننا نقرأ محاضرة حول تاريخ الصراع القائم مابين اسرائيل والعرب وطبيعته،وبذلك نأت هذه الرسائل بعيدا ًعن تقانات البناء السردي للرواية وما تفرضه من توظيف آليات فنية يلجأ اليها الكاتب الخبير في مثل هذه الحالات لبناء وصياغة متراكمات الاستطرادات الوصفية والتحليلية القائمة في بنيةالرسائل،وذلك بإحالتها الى رؤية فنية تجعلها في صلب الخطاب السردي وليست طارئةعليه وطاردة له.
شخصية آدم هي المعادل الموضوعي المعاصرلشخصية أتيلا التاريخية التي يكتب عنها بحثا منذ عدة أعوام .أتيلا  المهاجر الى روما الذي يسعى ألى الاندماج في الوطن الجديد لأجل أن يكون مواطنا رومانيا ً،وكان لديه كل الاستعداد لأن يتحوّل الى بربري يسعى لغزوها عندما يشعر أن روما سوف لن تفتح ذراعيها له.لكن آدم يجد مدينة باريس تفتح له ذراعيها،مثلما فتحت له سميراميس ذراعيها بعد عشرين عاما على لقائهما الاول الذي لم تكتمل فيه قصة الحب بينهما بسبب خجله وتردده انذاك،مقابل ذلك تكتمل قصة الحب مابين سمير أميس وبلال.وبعد عشرين عام سيتخلى آدم عن تردده،لتصبح سمير أميس عشيقته مرة اخرى.
تعكس سمير أميس في شخصيتها جانبا حيويا وجوهريا من طبيعة الطبقة البرجوازية اللبنانيةالتي تنتمي لها ومايتداخل في تكوينها من ثقافات متنوعة خاصة الثقافة الفرنسية،فوالدتها دمشقية،ووالدها من منطقةجبيل اللبنانية،أمّا هي فقد ولدت في مصر وغادرتها ولم يكن عمرها قد تجاوزعاما واحداً.والداها كانا يحرصان على أن يتكلما اللغة الفرنسية فيما بينهما وبين بقية افراد العائلة والاقارب،بأستثناء الحديث مع الطباخ والسائق فعادة مايكون باللغة العربية،وحين يشيران في أحاديثهما الى أهل البلد،من أبناء جلدتهم،من اللبنانين،كانا يقولان عنهم العرب،وكأنهما من البريطانيين أواليونان.ولكي يعكس المؤلف بشكل واضح انفتاح الحاضنة الثقافية لهذه الطبقة على الأخرين،يقدم لنا حدثا ً ثانويا بطله والد سمير أميس الكاثوليكي المتعصب الذي لم يتردد أيام كانوا يقيمون في مصر مِن إخفاء شاب صغير ينتمي لحركة الاخوان المسلمين تورّط مع آخرين في محاولة فاشلة لأغتيال جمال عبد الناصرعام1954وخوفا ًمن افتضاح الأمر مُستقبلا يبيع بيته وشركته ويصفّي كل مصالحه التجارية ويغادر مصرعائدا ًإلى لبنان قبل أن يصدرعبد الناصر قراره بالأستيلاء على أملاك اليهود والاجانب والطبقة الأقطاعية ويؤممها،وهذا ماأتاح له أن يحافظ على ثروته ويشتري بها املاكا ً واراض في لبنان.
ينهي أمين معلوف أحداث روايته بانحراف السيارة التي تقل آدم وصديقه رمزي وسقوطها في وادٍ بينما هما متجهان الى لقاء بقية الاصدقاء الذين وصلوا الوطن قادمين من اربع قارات،الكل كان ينتظرعودة آدم لتبدأ الجلسة،لكنه تأخرا كثيراً ولم يحضر.فبدأوا في رحلة للبحث عنه بعد أن كان هو الذي يبحث عنهم طيلة الايام الماضية ليجمعهم،فيتم العثورعليه وهو في غيبوبة تامة،وليبقى هكذا مُعلقا ًمابين الحياة والموت،قبل أن ينكفىء إلى هذا الجانب أو ذاك،وكما تقول عنه صديقته دولوريس"انه محكوم مع وقف التنفيذ مثل بلده،ومثل ذلك الكوكب مع وقف التنفيذ،مثلنا جميعا ً". هذه الخاتمة بدلالتها العدميّة تلتقي مع كلمة الاهداء التي إستعارها المؤلف من سيمون فايل(1909– 1943) وقدَّمها في مستهل عمله السردي بأعتبارهاعتبة فلسفية يطأها القارىء قبل الدخول إليه:"كل ماتمسه القوة ينحط ّقدره أيا ً كان التَّماس .. فاللطخةُ هي نفسُها سواء ٌ إعتدى المرءُ أمْ تعرَّض للاعتداء ".   

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


               علاقة شاذّة ..

                                 مروان ياسين الدليمي


ألأشدُّ إيلاما ًبين ركام الجروح التي أثخنت جسد الشخصية العراقية وهي تترنح وسط أناشيد الخراب باصواتها النشاز،مكانتها التي تضاءلت كثيرا لدى دول العالم،فلم يعد أمرا ً ميسوراً لأي عراقي الدخول الى أيّ بلد اجنبي،وهذا الامر ينسحب على المثقفين أيضا،من شعراء وأدباءومفكرين،حتى لو تمَّت دعوتهم من قبل جهات ثقافية في تلك الدول للمشاركة بشكل شخصي في فعاليات فنية وثقافية،فالكل مغضوب عليهم،سواء بسواء.
العراقي أمسى في حسابات الدول الاجنبية منذ مطلع تسعينات القرن الماضي أي منذ غزو الكويت في 2 آب عام 1990 شخصا لاقيمةَ ولامكانة له مقارنة مع مواطني دول أخرى قد لانعثر عليها فيما لو بحثنا عنها على خارطة الكرة الارضية،وإلاّ مامعنى رزمةَّ الشروط والمستمسكات التعجيزية التي يتوجب عليه الايفاء بها في حالة تقديمه طلبا للحصول على تأشيرة دخول لأي بلد أجنبي! ؟ والشروط التعجيزية تلك لها معنى واضح: انت شخص غير مُرّحب به. سواء كان الحاكم صدام أم  المالكي.
السبب في هذا الوضع المهين لنا كعراقيين هو غزو الكويت رغم مضي مايقرب الربع قرن على هذا الحدث الجلل، مما يعني أن المسؤولية بأستمرار هذا الوضع لم تعد مقصورة على النظام السابق بل تتحمله أيضا الحكومات العراقية التي جاءت بعد العام 2003. أولاً لانها لم تحاول أن تصحح العلاقة مع دول العالم.وثانياــ وهو الأهم ــ لم تصحح العلاقة الخاطئة مع المواطن،بل بقيت تضرب عديد الامثلة يوميا،لتؤكد من خلالها على عدم أحترامها لآدميّة مواطنيها.
لذا من الطبيعي أن تكون نتائج هذه العلاقة الشاذة مابين الحكومة والمواطن، أن لاتحترمنا دول العالم عندما نتوجه نحو سفاراتها طلبا لتأشيرة دخول.لأنَّ كرامتنا ومكانتنا تكتسِبُ شكلها وطبيعتها من حقيقة العلاقة التي تلتزم بها حكوماتنا تجاهنا. فمالذي تغيّر في اخلاقيات السلطة بعد العام 2003 ؟ هل تم تفكيك منظومة الاحتقار المتراكمة في خزائن الحكومات العراقيةالمتعاقبة ضد المواطن ؟
 في حقيقة الأمر لم يتغير شيء من هذا،إنّما إزداد الوضع سوءا ًبعد سوء،وباتت تلازم العراقي قناعة قدريّة،تجعله يشعر وكأنه يُعاقَبُ على جُرم كبيرٍ قد أرتكبهُ وهو لايدري ماهو هذا الجرم !
أزاء هذه الدوّامة،يبدو الفرد العراقي أمام نفسه وأمام السلطة وأمام العالم كائنا هُلاميا ً لم تكتمل شروط المواطنة في وجوده على بقعة الارض التي ينتسب لها ومازال يواصل جدليّة مُكابدات أسلافه التي لم تنتهي إلاّ بموتهم ونومتهم الابدية تحت ارض عذّبتهم مع أنَّهم تعذبوا لأجلها ودفعوا أعمارهم ودماءهم فداء ً لها ولم يخونوها ولادنّسوها مثل بعض الساسة والزعماء من ابناء جلدتهم،ورغم ذلك لم يكتسبوا شرف المواطنة الكاملةعليها،وبقيت منقوصة يعوزها الاثبات.وقدإزدادات المستمسكات والوثائق والهويات التي يتوجب على المواطنين حملها كلما خرج أي واحد منهم من بيته متوجها ً الى عمله لكي يدفع بها إلى نقاط السيطرة والتفتيش أوعند مراجعته لأي دائرة حكومية،فلايكفي بطاقة السكن،ولاالبطاقةالتموينية،ولابطاقة الاحوال المدنية،ولابطاقة الجنسية العراقية،ولاالبطاقة الحمراءولاالبطاقة الخضراء،ولابطاقة الاقامة،ولابطاقة المُهجَّرين،ولابطاقةالنازحين. كل هذه الدلائل الدامغة التي تثبت عراقيته وأصْله وفَصْله ودينه وطائفته ومذهبه وعشيرته لاتكفي لأثبات مواطنته،ليجد نفسه غريباً مُستَلبَاً في لحظة واقعية يعاد تكرارها عليه، فيبدو وكأنَّه معلقٌ في فراغ موحش من قدميه،ولايجد شفاعة تنقذه مما هو فيه ،لاطهارة يديه ،ولا سجله النَّظيف من الجرائم المُخلة بالشرف،ولاأشعاره التي تتغنى بحب الوطن،ولاسنيِّ عمره التي قضاها خلف السواتر دفاعا عن حدود البلاد،ولا صبره العظيم على الحصار الدولي ثلاثة عشر عاما ولاشهادته العلمية،ولادم أخيه الشهيد،ولا جوعه، ولا  تهجيره. وفي مثل ساعات عراقية كهذه نمرُّ بها في حياتنا تعوّدنا نحن البسطاء أن نسمع صوتاً خفيا ً يتردد صداه في داخلنا:- أنك لاتساوي شيئا.
عندها تنظر إلى نفسك،فتكتشف بأنّك عارٍ،ومامن شيء يحميك،لاقانون ،لاسلطة،لانظام،لاشرائع سماوية.فما عليك وانت في هذا الموقف الذي لاتُحسَدُ عليه إلاّأن تنزوي جانباً،يسكنك الغَمُّ والهَمْ،وشعورٌ بالمرارة يلتصقُ بسقفِ حلقك،فتنطفىء لديك أيّ حاجة أنسانية،حتى حاجتك لشرب الماء،فأنت لم تعد بحاجة إليها،لأنك تتمنى الموتَ ساعتها  
في صحيفة العالم الجديد يوم الاحد 8 ايلول 
 http://al-aalem.com/1789-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%A9%20%D8%B4%D8%A7%D8%B0%D9%91%D8%A9%20...html رابط المقال

222 رواق

رواق 222 اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي 2/ 11 / 2017 - المحكمة العسكرية تقرر اعدام مهدي الغرواي قائد عمليات نينوى الاسبق . - سيارات موني...