السبت، 12 أكتوبر 2013




 قراءتي النقدية في صحيفة العرب اللندنية لرواية (القريبة كاف) للكاتب الجزائري ياسمينة خضرا
ا 12/ 10 / 2013 العد 9384
http://www.alarab.co.uk/?id=5918
رواية ..القريبة كاف
للكاتب الجزائري ياسمينة خضرا *
      
الناشر :دار الفارابي                                                                  
ترجمة :نهلة بيضون  
الطبعة الاولى : 2011

تقنية الغموض
حبكة متواترة ومتوترة وعدد محدود جدا ًمن شخصيات تبدو وكأنها ظلال  نماذج مسرحية لكافكا أويوجين يونسكو أوهارولد بنتر،تتحرك تحت مساقط  ضوء على خشبة مسرح ذي بنية معمارية دائرية،لاتتيح لنا بشكلها هذا أن نراها واضحة،فيكتنف ماضيها غموض وظلال قاتمة،لم يشأ المؤلف أن يكشف شيئا عنه،ولاعن المكان الذي تنزوي فيه.إلاّ أنَّ القارىء يشعر بها وبأعبائها النفسية والوجودية.
تقنية الغموض إستعارها المؤلف من تضادات التعبيرية ومسرح العبث،فلعب على أوتارها،مُجَرِدا ً الشخصيات من أسماءها ودلالاتها،بأستثاء شخصية الأخ الاكبرأمين ـ الضابط في القوات المسلحةـ فبأستثناءه إرتأى المؤلف أن يختار التجريد أسلوبا في تقديم شخصياته،تحيط بهم بيئة صحراوية قاسية غير مؤطرة بخارطة جغرافية معروفة،إنعكست بقساوتها وتجريديتها على تركيبتهم النفسية،فكانت تبدو أمامنا حيوات مأزومة بعلاقتها الوجودية مع ذاتها وعلاقتها مع الآخر.
ينكشف التعارض بين الذات والموضوع ــ الذي هو الوحدة المركزية في الفلسفة الوجودية ــ في شخصية الأخ الأصغر الذي هوالشخصية المحورية /الساردة للاحداث. ومحور أزمته هو أستلاب الآخرين لذاته(الأم،القريبة كاف،الأب المشنوق وماضيه الغامض) وعجزه عن أستعادتها بالتواصل مع ذوات الآخرين .
المُنجَز الشّكل
الكتابة عن المحتوى في هذه الرواية لايشكل أولويَّة ازاء ماتُشكِّلهً تقنية الكتابة من قيمة فنيّة لجأ اليها المؤلف ياسمينة الخضرا. وبذلك يتفق نَهجَهُ مع ماجاء في مقالة ٍعنوانها(التقنية بوصفِها إكتشافا ً) للناقد مارك شورر:"النقد الحديثْ أظهر لنا،بأنَّ الحديثَ عن المُحتوى في حدِّ ذاته ليس حديثا عن الفن أبدا ً،ولكن حديثا ًعن التجربة.وأننا لانتحدث بوصفنا نقادا إلاّ حين نتحدث عن المحتوى المُنجز/الشكل،أي العمل الفني بوصفه عملا فنيا ً،والفرق بين المحتوى أوالتجربة والمحتوى المنجزهو التقنية. إذن فحين نتحدث عن التقنية فإننا نتحدث عن كل شيء تقريبا " . وفق هذا المنظورالنقدي فإنَّ المفردات التقنية الكلاسيكية في البناء السردي (عقدة وشخصية ومحيط وفكرة مركزية) لم يعد ينحصر حضورها في بنية الرواية فقط بل تعدى ذلك الى النص المسرحي.ولم يعد لها تلك الاهمية مقابل تطبيقات أخرى تتعلق بالعلاقات التي ينبغي على المؤلف الأخذ بها وتتضمن :-علاقة المؤلف بالسارد،وعلاقة السارد بالقصة،والطرق التي بواسطتها يوفران مدخلا إلى عقول الشخصيات وأمور تخص وجهة النظر.
السَّارد المُمسرَح
يفتتح المؤلف ياسيمنة خضرا روايته بهذا الأهداء: "الى اصدقائي في جمعية محبي الأدب البوليسي إلى المسافرين المدهشين الذين صادفتهم في الرحلة من سان مالمو إلى دابلن،إلى الأسبوع الزنجي في خيخون،إلى كل اصدقائي ". عتبة الاهداء هنا تعد مدخلاً مهما للقارىء وهو يتهيأ للدخول الى المبنى الجمالي للخطاب السردي في رواية القريبة كاف،بواسطتها منَحَنَا الكاتب إشارة فنية حول تقنية الكتابة بإطار بوليسي،ومن خلال هذا الإطار قصد تقديم سرديته،ومايتبع ذلك من عناصرأخرى شكلت  قيما جوهرية في أسس المعمار الفني ألذي شاءه لهذا العمل كالبِنية والصورة،والاستعارة،والرّمز التي تفرض حضورها في السرد بأعتبارها تقنيات يتم اللجوء إليها لتحقيق موضوعيته بأعتبارها وسائل قوية في تمثيل الوعي .
السارد في رواية القريبة كاف يأتي بناءه ضمن صيغةالسارد المُمَسرح الحامل لصفاتِ شخصية ٍ،كما يسمِّيه الناقد واين بوث حيث يستحوذ لوحده ــ مُهيمنا ً ــ على سرد الأحداث،إنطلاقا من وجهة نظره التي يكشف فيها مايختبىء داخله من أحاسيس ومشاعر تجاه العالم الأجرد الذي يحيط به في قريته( دارة يتيم)وتجاه القريبة كاف التي يعشقها ويكرهها بنفس الوقت لأنها تعرف كيف تستفزَّه وتستهزىء منه،كذلك تجاه والدته التي لاتشعر بوجوده،ومن خلال هذا السارد المُمسرَح الحامل لصفات ِشخصية ٍ،يوصِلُ المؤلف القِيَمَ والافكار الى القارىء:"الزمن يمضي ولاينتظرأحدا ًوكل مراسي العالم لاتستطيع أن تمسك به،لامرفأ يعود إليه،الزمن إنّه مجرد ريح تعبر ولاتعود أدراجها " .
إعتمد ياسمينة على تغيييب السارد المُنتِجَ للرواية مقابل إستحضار شخصيةالسارد الأوحد الذي يحكي لأنَّه يدرك الاحداث،باعتباره الشخصية المحورية التي تدرك وتسرد الاحداث بنفس الوقت من وجهة نظرها  لوحدها.والسارد هوالأخ الأصغر لعائلة مؤلفة من الأم وشقيقه الأكبر أمين وشقيقة متزوجة لاوجود لها في حياة العائلة حتى أن الأخ الأصغر قد نسي أسمها. "وعلى غرار سمك الشَبَق الذي قُبلتُهُ لاتنفصِلُ عن عضَّته"الأخ الأصغرلايحالفه التوفيق في كسب حُبِّ الأخرين،رغم دافع الحب الكبير الذي يحمله لجميع من يرتبط بهم ضمن دائرة العلاقات الأجتماعية لعائلته.
بأستثناء مايحمله الأخ الاكبر من حب له،لكنه هو الآخر سيغيب طويلا بعد أن يُصبح جنرالاً عسكريا مَرموقا.ورغم مثابرته لأجل أن يُعبِّر ويعكس مافي داخله من مشاعر الحب،إلاَّ أنَّ اسلوبه الأخرَق بات سببا في أن يجعل من يرغب في كسب مودَّتهم لايعيرون له أهمية رغم مايبذله من إسراف في بعض الأحيان للتعبيرعن دوافعه،بما في ذلك الشابة الذكية القريبةالنّسب المُدللة كاف،والتي تعدًّه كريها في أريحيته "أخفقتُ في كل المساعي التي بذلتُها لكي أستحقِّها رغم أن مساعيِّ كانت محمودة،لكن مافعلته لم يكن كافيا،إن الخير المصنوع بصورة سيئة هو إساءة لاتُعذر لسببين.لإخفاقها أولا.وللأنتقاص الذي تتماهى معه ثانيا ً،أمّا الشَّرالذي يَنفذُ بجلدِه فهو نجاح خالص،وكل خيرات الأرض لن تبلغ كاحله ".
تَسكُنُ الأخ الاصغر مشاعر مضطربة تتأرجح مابين الغيرة والحسد والاحساس بالدونية والعَدَم،ليسقط أسير حالة نفسية جوهرها العجزعن كسب تفاعل ومحبة الأخرين:"لاأكترث للحاق بالرَّكب،والمضي إلى عَثرات ٍأخرى،لاأعبأ بترقب العودة الخَلاصية لمسيح ما.البشر يضايقونني.الغدوات لاتغريني.خساسات الارض لاتطالني.لاأهتم لحُلم يموت أكثر من أهتمامي بورقة شجرة دلب لطَّخَها الخريف.أبقى خلف مرآتي،حصنا ًمنيعا ً،ألوذ بلحظاتِ وحدتي وأصغي،وهو فضولٌ لايورِّطني في شيء ". .
حياة هاربة
في صباح يوم بعيد عندما كان الأخ الأصغرفي الخامسة من عمره وجد والده مشنوقا ً بطريقة مهينة في زريبة حيوانات البيت وهوعار ٍ من رأسه إلى أخمص قدميه،مفقوء العينين وقضيبه في فمه.هذه الصورة تركت أثرا ً عميقا ًفي داخله،حتى أنه لم يرجع إلى الزريبة مرة ثانية كما كان يفعل للتَّنعم بمشاهدة العجل الصغيرالذي كانت بقرتهم قد ولدَته قبل أيام معدودة من الحدث :"لن أتعلق بعد اليوم بما ليس بوسعي أن أحافظ عليه ". ايضا الأهتمام المُفرط والحميم من جانب والدته بشقيقه الأكبر أمين الضابط في الجيش الجزائري يترك أثرا ً مؤذيا ً لذاته.هذه المؤثرات دفعته لأنْ يتوارى وينعزل "تعلمتُ منذ نعومة اظفاري أن أختبىء.لم أكن خائفا ً،ولاأحدَ كان يلاحقني.أختبىء حالما أتوارى عن ناظري أمي.يتراءى لي،كلما أشاحت ببصرها عني،أنني أختفي،وأكف عن الوجود".
الأم سيدة ثرية تهيمن على كل شيء في قلب دارتها الشبيهة بالحصن "يحني الناس رؤوسهم حين يخاطبونها بل يكادون يخرّون ساجدين أمامها.في البداية كان الأمر يحرجها.ومع الوقت،طاب لها هذا ألاسراف في التبجيل وتملق المتزلفين وطعم الامتيازات،فتنامت لديها متعة ماكرة بالاشراف على عالمها من عل لكي تُحسن تمريغه في الوحل" . لم تنطبع شفتاها يوما على وجنتيِّ ابنها الاصغر،ولامسّدَت أناملها شعره،وبنفس الوقت لم تضربه ولم تحرمه من شيء،يعيشان معا ولكن كل منهما يتجاهل الآخر فكان يشعرُ كما لو أنه وصَل سهوا ً إلى سيركٍ غادره روَّاده . بينما كانت الأم تبتسم على حين غرّة عندما تتكور القريبة كاف في أحضانها أو إبنها الاكبر أمين،فيتوهج وجهها الجامد القسمات،توهجا ً أشبه بهالة من نور.حتى أنّهاالتعاسة كانت تتملكها حين تشعر أن فلذة كبدها الأبن الاكبر لايعير لها اهتماما ولو للحظة.ولم تسمح لأي شخص أن يطأ غرفته عندما يكون غائبا ً،فالغرفة بالنسبة لها أشبه بمعبدٍ،وهو طفلها المدلل الذي لاترتضي لنفسها أبدا ً أن تسرقه منها( أمَل )المرأة الشابة التي إختارها أمين لتكون زوجته فجلبها معه إلى بيت والدته بعد غيبة طويلة في المدينة البعيدة التي يؤدي فيها واجبه العسكري.
 حياة الأخ الاصغر وسط بيئة كهذه كانت تهرب بغباء،يوما بعد يوم،ليلة بعد ليلة،وتستثير رغبته بالرقاد حتى يُقبِلَ الموت،إلاَّ أن َّ قراءة الكتب علمته أنَّ الكتابة تمرين إنهزامي،ومحاولة للهروب إلى الأمام،كان يقرأ كما ينبش المرء حقائق مكروهة ليصل الى قناعة كان سارتر قد سبقه في التوصَّل إليها :"الجحيم هو الآخرون ". لم يكن يعيش حياته،مكتفيا ً بوجوده كأخدود ٍ على دربْ :"فليذهب الزمن الى الجحيم ! حين لاتكون القريبة كاف  هنا،بالكاد تستحق الأمورأن يتلكأ عندها المرء " . تولدت لديه مشاعر غيرة وانتقام من القريبة كاف.الفتاة النّابغة التي تحصد الجوائز في المدرسة،والتي كلما تجيء الى بيتهم تستحوذ على كل الأهتمام،الكل يدور في فلكها،فاأدرَك أن َّالاعمى ليس من لايُبصِر،بل من لانُبصِرهُ،ولاعَمى أسوأ مِن ألاّ يُلاحِظ َأحدهم وجودك.هذه المشاعر الشريرة والحقودة كانت كافية لأن  يتورَّط بدفع القريبة كاف ــ بينما كانت تلهو وتلعب ــ لتسقط في بئر يقع وسط مزرعة قديمة مهجورة،وليعود هو إلى الدار وكأن شيئا ً لم يكن :"لا لأنني لم أدرك ماذا فعلتْ بل لأنني أعتبرتُ فقط أنَّه لاداعي للندم عليه ". يتم العثور عليها في أعماق البئر وقد كُسِرت إحدى ساقيها وجحظت عيناها رعبا ً.وباتت الظلمة ترعبها وتمضي وقتها تُنقََلُ من عيادة إلى مصحة عقلية.ولم يُخامر الشك أحدا ً بان ألأخ الاصغر هو من قام بتلك الفعلة  . وفيما بعد ستدفعه المشاعر نفسها لأن يقتل فتاة غريبة بائسةٍ،يقذف بها سائق تاكسي من سيارته،ويغادر مسرعا لتكون أمام قدرها المحتوم  في بقعة موحشة سكانها يكرهون الغرباء،ولامِن سيارة أجرة تعيدها الى بيتها في ساعة الغروب،فأهل القرية يعتقدون أن السَّفر في الليل يجلب الشؤم،لذا يتوجب عليها التريث حتى الصباح،وماكان أمامها سوى قبول دعوته لها للمبيت في دارهم.
ولأنه سجين نفسه،وفي آن واحد سجينٌ وسجانْ،يقبع طيلة حياته في جزيرة عنوانها الانتظار،جزيرة أقصيت من حولها ألآفاق.فيشعر وكأنه يتعفَّن في مأوى للعجزة.فجأة تندفع مشاعر بغض وكره تراكمت في ذاته نتيجة  تجاهُل ٍ كان قد لقيه من الأم والقريبة كاف،تنفجر دفعة واحدة عندما يجد أن الفتاة الغريبة هي الأخرى مثل القريبة كاف تنتقص منه وتعامله بتجاهل فلاتطلب منه أي شيء :"مامعنى أن لاتطلبي مني شيئا ينقصك،مالعيب في أن يرغب المرء بإسداء خدمة،أو بمدِّ يدِ العون،أو التصرف بأريحية ؟ " .فتهرع يدهُ من تلقاء نفسها لتتناول سكينا ً وتبدأ بطعن الفتاة،ولم تفلح الدماء التي لطخت ثيابه والجدران من أن تجعله يصحو من سكرة اندفاعه المحموم،ولاحتى الصمت الذي أعقب الطعنات المتلاحقة،ظل مستسلما لشعور فادح ٍ ماأنفك يلازمه على أنَّ وجوده عدم،وأنْ لاأهمية له طالما الاخرون ليسوا بحاجة إليه :"في أعماق محنتي،أنني ماكنتُ لأغير شيئا حتى لو شئت ذلك حقا "

*ياسمينة خضرا هو أسم زوجة الكاتب الجزائري محمد مولسهول، إستعاره ليكون إسما فنيا ً يطل من خلاله الى العالم .

الأحد، 6 أكتوبر 2013





رابط مقالتي في صحيفة العالم الجديد عن رواية (حين كان للشوارع اسماء ) للكاتبة رندة عبد الفتاح http://al-aalem.com/2408-حين%20كان%20للشوارع%20أسماء*..%20رواية%20تماهي%20الواقعُ%20والمُتخيَّل%20في%20بنية%20السَّرد.html



حين كان للشوارع أسماء ..
رواية للكاتبة رندة عبد الفتاح        
          تَماهي الواقعُ والمُتَخَيَّلُ في بِنيةِ السَّرد

                                            مروان ياسين الدليمي            
ترجمة :أميرة نويرة ،نبيل نويرة
إصدار:دار بلومزبري –مؤسسة قطر للنشر
تستثمر المؤلفة رندة عبد الفتاح براءة الطفولة وعفويتها،في الكشف عن تراجيدية الحياة في تفاصيل يومية صغيرة عادة مايواجهها الانسان الفلسطيني وهو يحمل عذاباً على كتفيه ــ مثل صخرة سيزيف ــ في وطن يتلاشى أمام عينيه.وطنٌ تقطَّعت أوصاله بجدران وحواجز كونكريتية، وأمست عديد مُدنه مُحرَّمٌ عليه أن يدخلها.وأخرى لايستطيع الوصول إليها إلاّ بتصاريح خاصة تصدرها سلطات الاحتلال وفقاً لمشيئتها.     
حياة،ليست سوى طفلةٍ لم تتجاوزالثالثةعشرة من عمرها،إرتأت المؤلفةأن تكون الشخصية الرئيسة في هذه الرواية،من خلالها ستحاول أن تُغافل النسيانَ حتى لايختم الذاكرة بالمحو والفقدان الابدي.ومن خلالها أيضا ستواجهُ وجعَ الانتظار الطويل بالأمل.وكأنها أرادت ـــ وعبر انحيازها التام لشخصيةحياة وطفولتها الانثوية المفعمة بحيويةٍ ونشاطٍ يميل إلى عالم الذكورأكثر منه إلى الاناث ــ أن ترمم إنكسارات الأمس،وحطام الدموع، وماتكدَّس من خساراتٍ في وطنٍ هو الفردوس لأبناء مقاومين ومشردين ومهجرين.
الرواية كُتِبتْ وفق رؤية واقعية تسجيلية،حرصت المؤلفة فيها على أن تُلملِم مُفرداتٍ ومُنمنماتٍ عادة ماتتناثرُ وتتسربُ في تُتشابكات الحياة الانسانية بشكل وشيج،دون أن ننتبه إليها،ليصل الحال بنا أن نتسائل ونحن نقرأ النص ــ مثلما تتساءل الناقدة باتريشيا واو ــ عن الحد الفاصل بين ماهو متخيل وماهو واقعي،ماهو روائي وماهو حقيقي.
حياة :"في النهاية عندما تَفلحُ سِتّي زينب في الرقود على السرير،وتغوص رأسها في الوسادة،فإنها تصيح "يارب"ويأخذ صدرها في اللهاث من الجهد الذي بذلته.وعادة ماتشعربعدما تضرط بالارتياح،ضراطها دائما عالي الصوت ولكنّه قليل الرائحة.جيهان وأنا نُحكم وسائل الدفاع.الرؤوس تحت الوسائد،والضحكات مكتومة،وفي بعض الأحيان نرش مُزيل العَرَق الرخيص على  الوسائد.أمّا طارق فلا يتمالك نفسه:"ستّي زينب،سوف أطلب من الاسرائيليين قناعا للغازات ".
التمهيد لهذا الاسلوب الواقعي السلس،الثري بصوره الانسانية،والذي يخلو من التعقيد والزّيف اللغوي،جاء متصدراً الصفحة الاولى،في عتبة الاهداء،:"إلى ستّي جميلة،جدّتي التي توفيت في الرابع والعشرين من ابريل عام 2008 عن ثمانية وتسعين عاما،تمنَّيت أن تعيشي حتى تَري كتابي هذا،وحتى يسمح لك بأن تلمسي تراب وطنك ثانية.عزائي أنك توفيت محاطة بإعزاز أبي والاسرة والاصدقاء.فلترقدي في سلام.وإلى أبي،أتمنى أن ترى في حياتك فلسطين حرّة ".
لم تلجأ رندة عبد الفتاح الى تقنيات سردية مُتعددة ومعقّدة لأجل تحقيق التواصل مع المُتلقي،بِقدرِ ما كانت البلاغة الفنية التي استندت إليها قد اعتمدت وسائل سردية تتوخى الايهام بالواقع، واستبعاد التعليقات والاحكام حول الشخصيات،وتغيّرات وجهات النظر داخل العمل.وبنفس الوقت التركيز على إختفاء صوت الكاتب السارد المُنتج للنص،مقابل حضور صوت السارد المُمَسرح(المُشَخَّص)المُدرِك والعارف بالأحداث ــ شخصيةحياة ــ وهذايتوافق  مع قول الناقد واين بوث في كتابه المعنون بلاغة الرواية :"الكاتب يمكن إلى حد ما أن يختار التَّنكر،ولكنه لايمكن أن يختار الاختفاء أبداً".
المؤلفة رندة عبد الفتاح عهدت إلى شخصية حياة مسؤولية سرد احداث الرواية التي تقع في فترةزمنية مضغوطة خلال فترة تتجاوز الشهر بأيام معدودة،ومحددة بالعام 2004ولاشك أنها تقصّدت أن تكون الاحداث ضمن هذا الحيّز الزمني،لأجل أن تنضغط وتنفرج التفاصيل اليومية لأناس رغم خساراتهم يعشقون الحياة،في مسار حكايةٍ مرهونةٍ بسلطةِ ومزاجِ قوات الاحتلال،فما كان أمامهم سوى خيار الحياة،أن يعملواويتسامروا ويتزوجوا ويسخروا وبذلك يمكن أن يحافظوا على وجودهم وملامحهم وأثارهم لأن سلطةالاحتلال الاسرائيلي جلّ ماتسعى إليه أن تمحوها هذا إذا لم تشوهها كما تشوّهَ وجهُ الطفلة حياة بشظايا رصاصة أطلقها جندي اسرائيلي أثناء مظاهرة كانت قد انطلقت في شوارع بيت لحم،وصادف أنها كانت عائدة من المدرسة مع صديقتها مايسة التي لم يحالفها الحظ بالنجاة،لتسقط مضرجة بدمِها بعد أن تهشمت جبهتها.
شخصيات الرواية إذن تعيش حياة مرهونة بسلطة عسكرية محتلة،حتى أنها صارت بالنسبة لهم بمثابة مَشيئة ٍ قَدَريّة تُعلن عن نفسها ــ وهي تُقنِنُ حياتهم ــ بكل اساليب القهر والاذلال،وليس أقلها سوءاً قرار حظر التجوال.لكنهم يعيشون على أمل كبير بِتَغيُّرِ وتغيِيِرالاحوال نحو طبيعتها الانسانية، ماأن يرفع حظر التجوال لساعات معدودة.
حياة :"عمري ثلاث عشرة سنة وأعرف معنى الدَّم.أعرف ماذا يعني أن نفقد الأحبّة.أعرف رائحة الجثة.أعرف شكل الجسم يسوّى تحت دبابة. أعرف سُحُبَ التراب والغبار التي يخلفها بلدوزر مسعور.سوف يتم الانتهاء من الجدار قريبا.وسوف تُهجَّرُ أجزاء كاملة من بيت لحم.سوف تُغلق الاعمال،تُهجّرُ البيوت،تخلو الشوارع،تُقسَّمُ المدارس إلى نصفين.إنني أعيش في سجن مفتوح.ولكنني لن أعيش في يأس.لأن عمري ثلاث عشرة سنة وهذا ماأعرفه ايضا.إنه طالما كانت هناك حياة سوف يكون هناك حب     ".
استخدمت المؤلفة تقنية ضميرالمتكلم السارد للأحداث/بصيغة الحاضر، وبشكل منفرد،وكأنها بذلك تسعى الى تعميق الاحساس لدى القارىء بالتواصل القائم مابين الأحداث المتخيلة في مخطوطة الرواية ومايجري على ارض الواقع من أحداث.
حياة : "عربة جيب عسكرية تغلق الطريق.عَلمٌ اسرائيلي هائل مرفوع في الهواء بأعلى ساريته.على جانبي الجيب يقف جنود مسلحون برشاشات عوزي وببنادق آلية. يضعون نظارات شمسية سوداء وفي ايديهم أجهزةاللاسلكي المتنقلة. ينتابني إحساس مفاجىء بالحاجة إلى التبول فأضغط ساقا على ساق " .
أحداث الرواية تدورعلى أرض فلسطين،حيث يرزح سكانها تحت الاحتلال الاسرائيلي ومايفرضه هذا من تقطيع حادٍ للزمنِ وللمكان، ومايَفرِضُه أيضا من وقائعَ ومصائر.فحظرالتجوال يُمكن أن يُفرَضَ لعدة ساعات أوأيّام وفي أيّة لحظة،ليشكل لعنة قدرية يومية تنزِل ثقيلة على حياة الناس لايمكن تفاديها،ليقبعوا في بيوتهم مرغمين،وبموجب ذلك يتم تأجيل الكثير من أعمالهم،فيصيبهم تذمرشديد وهم محاصرون في بيوتهم،مع أحلامهم وألامهم : "أفكِّرفي مَضار حظر التجوال وفوائده..مِن ناحية،هناك المَلل من البقاء دائما في المنزل،والقيام بالاعمال المنزلية،والتعامل مع مَلل ماما وبابا".
الشخصيات الرئيسة في هذا العمل تتشكلُ من عائلة فلسطينة قوامها: الزوج والزوجة،وابنتيهما،جيهان الكبرى التي سيتم زفافهاخلال أيام، حياة(ثلاثة عشر عاما)وطارق(سبعة أعوام)ومحمد(ثلاثة أشهر)والجدة زينب(تجاوزت العقد الثامن من عمرها).تُقتلعُ هذه الاسرة من أرضها التي تملكها في مدينة بيت جالا،وتبلغ مساحتها 75 دونما،ومعها تُقتلع اشجار الزيتون من البستان المحيطة  بالبيت الكبير.
حياة : ذكرياتي عن بيت جالا تشبه لحافا مُرقَّعا بالثقوب .
تعوَّد والدُ حياة أن يُردِدَ أمامها،بأن شجرة الزيتون جزء من تراثهم وهي شجرة مقدسة،ولهذا ذُكرت في القرآن.حتى أنه يُخطىء اثناء حديثه لها فيستبدل النخلة التي التجأت اليها مريم العذراء ساعة الولادة بشجرة الزيتون، فتُصحِحُ له المعلومة،ومع هذا يشكِكُ  بصحة ماتقوله. 

جرافات الجيش الاسرائيلي تهدم البيت وتجرف المزرعة مع بقية بيوت القرية ومزارعها أمام ساكنيها العاجزين عن وقف قرارسلطة الاحتلال رغم مايبذلونه من محاولات في سبيل إعاقة تقدم الجرافات،فتنتقل العائلة مُرغمة إلى مدينة بيت لحم التي تبعد مسافة عشر دقائق عن الارض التي كانت قد توارثت ملكيتها جيلا بعد جيل.
حياة : "تغيَّرَ بَابَا.. في بيت جَالا كان صوته وهو يمزح عاليا،وكان عمله في ارضه يُسعدهُ،وكنّا نشعر بهذه السعادة عندما يعود إلى البيت في المساء.أمّا في شقتنا في بيت لحم فكان يجلس في صمت يدخن الارجيلة ويغيّر قنوات الأخبار في التلفزيون.فقدان أرضنا جعله ينفجرإلى داخله،ولم يكن لدينا وسيلة لنرى الدليل على ماحل به من دمار،فقد احتفظ بالرُّكام والحُطام بداخله،إذ لم يعد يتكلم أو يضحك أو يحكي الحكايات كما كان يفعل من قبل".
الابنة الكبرى جيهان تستعد لزفافها على أحمد،الشاب الفلسطيني الذي يحمل الجنسية الاسرائيلية،لأنه من عرب 48،ويسكن مدينة اللّد.وهذا ماسيمنع بالتالي من دخول جيهان واهلها الى هذه المدينة،لذا يقرر الزوجان الشابان أن يسكنا في مدينة رام الله التي تقع في منتصف المسافة الفاصلة مابين بيت لحم ومدينة اللّد بعد أن يتزوجا.حتى تتمكن عائلة جيهان من زيارتهما بين فترة وأخرى وحتى يستطيع الاحتفاظ بوظيفته.
الحدث الرئيسي للرواية يتمحور حول القرار الذي تتخذه حياة مع نفسها بالسفر الى مدينة القدس بعد أن تخرج من المدرسة يرافقها صديقها المسيحي سامي من أجل أن تحقق حلم جدتها زينب ــ قبل أن تموت ــ في أن تشمَّ حفنة من تراب قريتها التي كانت تسكنها.
ورغم مخاطر الطريق المؤدي الى القدس الذي يبعد أكثر من ساعتين عن بيت لحم،بسبب الحواجز ونقاط التفتيش الاسرائيلة التي تمنع أي فلسطيني لايملك تصريحا في الدخول اليها.إلاّ أنَّ حياة وسامي يخوضان غمار هذه الرحلة دون تردد،فيتمكنا من دخول مدينة القدس بعد أن يخوضا مغامرات ومخاطر يجتازان خلالها حواجز وجدران عازلة تحاشيا لنقاط التفتيش الاسرائيلية.ومع ذلك لايتمكنا من الوصول الى القرية التي كانت تسكنها الجدة زينب بسبب انسداد الطرق المؤدية إليها نتيجة اندلاع تظاهرات ومواجهات بين متظاهرين غاضبين والشرطة الاسرائلية.لذا لاتجد حياة مفراً من أن تملأ علبة حمص فارغة بتراب القدس بعد إشارة تتلقاها من يوسي،سائق تكسي يهودي،التقيا به في القدس واتفقا معه على ايصالهما الى قرية الجدة زينب.وفيما بعد،يوسي هذا سينقذ حياة من الموت،بعد أن تفقد وعيها،وتسقط على الرصيف وسط المتظاهرين بسبب الغازات التي اطلقتها الشرطة الاسرائيلية.تعودُ حياة الى البيت حاملة العلبة الى جدتها، بعد أن توصلت إلى قناعة واضحة،بأنْ:لافرق بين تراب القُدس وتراب القرية.ولتعترف أمام جدتها بأنها قامت بهذه المخاطرة من أجل ان تحضر لها بعض تراب من قريتها.فلم يكن امام الجدة إلاّ أن تشعر بالذنب .
الجدة : "غَرَستُ أنا البذرة.لاأزالُ أنا المسؤولة.انني حمقاء،إن رجلي في القبر ولاتزال روحي مُمَزقة،نصفها في قريتي،ونصفها هنا.حتى على الرغم من أن رأسي يخبرني أنني سأموت في هذا المنزل،في هذه البلدة ،لابد أن أعترف لك ياحياة أن قلبي يهمس لي بوعود خائنة،سوف تعودين، إنَّه يخبرني بذلك.إنّ الأمرَ لايُجدي أن نتعلق بأملٍ زائفٍ.ولكن الأمر لايجدي أن نعيش بدونه كذلك..أوه،ها أنذا مرّة أخرى.علي أن أتوقف عن الحديث " .
إضافة الى الشخصيات الاساسية فقد حفلت الرواية بعدد من الشخصيات الثانوية،عكست بحضورها،خصوصية الواقع الفلسطيني وحيويته،مثل ديفيد ورفيقته موللي اليهوديين،وهما من مواليد تل ابيب،لكنهما هاجر الى اميركا وحصلا منذ عشرة اعوام على الجنسية الاميركية،وهما الآن في زيارة عمل لانهما يعملان مع جماعةٍ لمراقبة حقوق الانسان،لذا لم يترددا في مساعدة حياة وسامي في الوصول الى القدس بعد أن يلتقيا بهما صدفة في الباص.أيضا شخصية سامي المسيحي،صديق حياة وزميلها في المدرسة،الذي يحلم أن يصبح في يوم ما لاعب كرة قدم شهير،وكان أعتقال والده من قبل سلطات الاحتلال قد أيقظ في داخله روح التمرد على واقع بائس ومهين سلبه ابسط حقوقه الانسانية .
حياة : سامي.. أبوك بطل،مُعتقل كل تلك السنوات بدون سبب غير تنظيم الاحتجاجات والاضرابات.
سامي : أبي قايض بي من أجل القضية .
علاقة الصداقة الوثيقة التي جمعت سامي بحياة،أوالعلاقة التي جمعت عمه جوزيف وزوجته كريستيناــ اللذان تكفلا بتربيته بعد اعتقال والده منذ سبعة اعوام ـ مع عائلة حياة،عكست جانبا مشرقا واصيلا لطبيعة المجتمع الفلسطيني وهو يواجه سلطات الاحتلال بوحدة مكوناته الدينية.وهو أمر واقعٌ وحقيقي،اثبتته مواقف واحداث نضالية خاضها الشعب الفلسطيني ــ مسلمين ومسيحيين ــ دفاعا عن حريته ووجوده ومقدساته،ولايأتي تسويق هذه الصورة في هذا العمل الروائي من باب التزييف لحقائق مناقضة لها تجري على ارض الواقع.  

https://www.alquds.co.uk/%D9%82%D8%A7%D9%84-%D8%A5%D9%86-%D9%85%D8%AB%D9%82%D9%81%D9%86%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%88%...