الخميس، 28 نوفمبر 2013

عن رواية القتلة)للكاتب العراقي ضياء الخالدي في صحيفة الزمان-السنة السادسة عشرة العدد 4669 الخميس 24 من محرم 1435 ه 28 من تشرين الثاني (نوفمبر ) 2013 م ...... تدميرُ الوطن المُقدَّس
                           قتلة ...رواية تتحرر من القوالب الجامدة                                  
الطبعة الاولى 2012
الناشر:التنوير للطباعة والنشر والتوزيع
في حيثيات بنيته الفنية يشير النص الروائي المعنون (قتلة) للكاتب ضياء الخالدي،إلى مستوى النضج الذي باتت عليه نماذج عديدة من الرواية العراقية التي صدرت خلال الاعوام العشرة الاخيرة،منذ العام 2004 .
تعود اسباب هذا المتغير النوعي في المستوى التقني،الى طبيعة التحولات التي شهدها مستوى الوعي لدى جيل جديد من كتاب الرواية في إطار رؤيتهم لمفهوم السرد واجراءاته الفنية داخل المشغل الابداعي .
من هنا وجدنا انفسنا أمام نماذج عديدة من الرواية العراقية وقد تحرر معمارها السردي من معطيات القوالب والاعراف المألوفة مُتّجها نحو فضاءات سردية تنحاز في خياراتها بشكل واضح الى ذاتية المبدع     وخصوصية تجربتة،وبذلك ابتعدت عن النمط(الفلوبيري:نسبة الى فلوبير) واقتربت من النمط(البروستي:نسبة الى مارسيل بروست)مثلما اصطلح عليها الناقد بشير حاجم في سعيه النقدي الدؤوب لتشخيص هذه التحولات. هذا التحول اضفى أوجُهَاً جديدة للمشغل السردي العراقي،سابغا عليه سمة الحيوية والتجديد.
مخزونات الألم
في كتابه المعنون(فن الرواية )للناقد ب.لوبوك يقول:"الروائي فنان،وعلى الناقد أن يفهَمه من داخل عمله"..وهذه الاشارة من ناقد كبير تعني في جانب من تشظيات مدلولاتها  على أننا في عالم  الرواية ازاء تجربة فنية تنهض بحضورها الشكلاني من خلال وجهة نظر شخصية واحدة ــ كما هو الحال في رواية قتلةــ أو عدة شخصيات يعتمد عليها الروائي لتمرير خطابه السردي.
الخالدي في رواية (قتلة)قد أمسك في مسار بنيته السردية بمهارة واضحة،لمْلَمَ فيها شظايا حياة متناثرة لمدينة بغداد، بوصفها بؤرة مكانية موضوعية،وبنفس الوقت شكلت ذاكرة للذات الساردة.
ومع ذلك لابد من الاشارة إلى أن المكان في نص القتلة لم يكن مرتبطاً بالتفاصيل الجغرافية،بقدر ماجاءت دلالة المكان علامة على مخزونات الالم والخوف،سواء في الذاكرة الفردية أوالجمعية داخل احداث الرواية. 
إستند الخالدي على صوت واحد ليكشف من خلاله عالما مرعبا يَنسجُ تفاصيل حكاياته الدموية مجموعة من القتلة الممسوخين،كانوا في يوم ما ينتمون الى الحركة اليسارية،وبعد سنين طويلة قضوها في المنافي تحولوا إلى محترفي قتل لايعرفون الرأفة.
عودتهم الى الوطن كانت بمثابة قَدَر أعمى سقط على رؤوس الناس،ليفرض الموت حضوره في لعبة عبثية بين احياء العاصمة العراقية بغداد. " كل رصاصة تنطلق،بعبثية أو بقصد،في سماء حي من احياء بغداد يعني قتلاً لملامحها. تشويه متعمد يبعث على تغيير صورة قديمة الى صورة أكثر بشاعة ".
اختار الخالدي موظفا متقاعدا مصابا بالعقم تجاوز العقد السادس من عمره   وعمل طيلة مشواره المهني موظفا حكوميا في قسم الارشيف،إختاره ليكون الشخصية المحورية الساردة للأحداث،ولينفرد(عماد الغريب) ولوحده في أن يكون محركاًوموجها لمسار احداث الرواية.
بهذه القيمة الاجراءية تم تغييبُ السارد الكلّي العِلم،لصالح السارد الضمني. "الحزن تاريخ ممتد لاينقطع.إننا مثل الارانب الخائفة التي ترفع اذنيها وتحدق بشتى الاتجاهات.هناك خطر محدق.ينبغي الاختباء والسّير بحذر ،وحين نسمع صوت اطلاقة نفرّراكضين صوب مخابئنا " .
عماد الغريب ــ الشخصية المحورية/الساردة ــ تم رسمها لتكتسب حضورها النفسي والاجتماعي من كونها تنتمي الى الطبقة الوسطى،فحمَّلها هذا الانتماءتركيبة قلقة،كشف ترددها وتأرجحها مابين ثوريتها وانتهازيتها. فبدا لنا نموذجاً للمثقف البرجوازي بالمعنى الايدولوجي وليس بالمعنى الطبقي،الذي عادة مايتحصن بالأفكار حول تغيير العالم،لكنه لايملك استعداداً للمغامرة دفاعا عنها،بل يتراجع الى الوراء متخليا عن رغبته في إسعاد الناس حالما يشعر أن الاذى يوشك أن يصل الى جسده،لينتقل الى قناعات اخرى بكل سهولة."أخشى أن تكون جلساتناهذه،أشبه بالجلسات التي كنت اشارك فيها في زمن الاخوين عارف،واخشى ايضا ان تشبه جلسات فرقة الحمزة في زمن الوحدة والحرية والاشتراكية،واخشى ان تكون مثل حلقات العقيدة في الشهور الاولى بعد السقوط ".
ثنائية الدين والسياسة
احداث الرواية التي اتسمت بتنوع التفاصيل،تنمو وتتطورمن خلال الشخصية المحورية،وقد إستحوذت بحضورها على المسار العام للحكاية، فكشف المؤلف من خلالها عن خفايا مدينة بغداد بعد أن سقطت تحت الاحتلال الاميركي عام 2003.وليسقط سكانها أسرى عصابات اجرامية منظَّمة يقودها رجال دين ــ الشيخ مؤيد نموذجا ــ ومناضلون سياسيون سابقون ـ ديار وعبود ــ قضوا اكثر من ثلاثين عاما في المنافي ليعودوا بعدها الى بلدهم وهم يحملون مشاريع غامضة أحالت شوارع العاصمة واحيائها الى مساحات من الخوف والوشاية والقتل على الهوية الطائفية. "هكذا أدوّن ماتختزنه ذاكرتي من مدَّخرات عن محلات العاصمة،التي أغلقت الآن بأسوار الخوف والنهايات.بغداد التي مدّت رأسها لكي تتجمّل من غبار سنواتها العجاف،تعود اليوم مصابة بمس من الجنون،لاتعرف مايُدبَّر لها..تسير بين عواصم العالم وهي تستنجد بتاريخها وحضارتها ".
في هذا النص الروائي نجد الدّين والسياسة يتقاسمان الادوار في لعبة الموت بين احياء مدينة مات ليلُ العشاق فيها "وتحول شعراؤها إلى كتابة مدونات الرثاء..جدران كونكريتية عالية أغلقت المدن ورُصفت أمام واجهات الدكاكين ".
يتورط عماد في لعبة قتل عبثية يقف خلفها أناس لم يبخلوا على أنفسهم أيّة وسيلة إلاّ واستثمروها لأجل ذلك،بما فيها استثمار الجن والشعوذة،كما في  شخصية شكرية المرأة العجوز التي تجاوزت العقد الثامن من عمرها والتي كانت تعمل عاهرة فيما سبق من الايام قبل أن تتقاعد من هذه المهنة لتصبح قارئة للغيب.
حينما تفقد الحياة اليومية صفائها وتتهشم تلقائيتها لم يعدالهروب ممكنا أمام شخصية عماد الغريب،خاصة بعدأن يصَّل إلى نتيجة مؤلمة يدين بها نفسه:" أنا قاتل ضمن مجموعة،توقعتُ أنها لاتنتمي لأي حزب أو عقيدة سوى عقيدة الوطن والدفاع عنه.فكانت العقيدة هي المال والنزعة إلى تدمير الوطن المقدس.نزواتنا تحكُم،والعقيدة قشرة أو غلاف يخفي ذلك السواد القابع في داخلنا.نعم كل المولعين باليوتوبيا والجنَّات الخضر على الورق،يتحولون إلى وحوش عند استلامهم السلطة".
عندما يصبح  أمر العودة الى الوراء مستحيلا يجد عماد نفسه وقد امسى هو الآخر مطاردا من قبل رفاق الامس/القتلة. فما كان منه إلاّ أن يهرب منهم،متنقلا مابين احياء بغداد،لينتهي به الحال جالسا في العراء في منتصف الطريق مابين بغداد وكركوك منتظراً أن يتحرك الرتل الطويل لأليات مدرعة محملة بالجيش الاميركي،فما كان منه إلاّ أن يحتسي الخمر مستجيبا لدعوة سائق التاكسي الذي استأجره ليعود به الى بغداد. "جسدي أنهكه الإعياء.أرض جرداء موحشة تطبق علينا،فنبدو ضئيلين وسطها. كحجارة مرمية،أو كفئران مذعورة تبحث عن مخبأ ".
ومابين قرار العودة إلى بغداد أواستمرارالهروب منها نحو كركوك تقتله الحيرة.بينما القتلة يربضون داخل سيارة اخرى  تقف خلف الرتل الاميركي من الجهة الاخرى،وهُم ينتظرون تحركه  لملاقاته وتصفية الحساب معه.
تنتهي الرواية عند جملة مفتوحة على احتمالات شتى،مشحونة بكل الغموض المترشح من زمن قاتم يهيمن على سماء بلاد يخيم الظلام عليها. "أنهينا قنينة العرق والاميركان لم يتحركوا.تمددنا على حصيرة القش وغرقتُ في نوم لم أذق مثله منذ زمن طويل ".
تأتي هذه الجملة التي أختُتمت بها أحداث الرواية لتضيء عبارة  بليغة إختارها الخالدي من الفيلسوف نيتشه،وضعها في اولى صفحات الرواية لتكون عتبة اولى تواجه القارىء بمحمولاتها وتأويلاتها،أضاءت بدلالتها قلق وهواجس المؤلف  ازاء مايجري من عنف وقتل في بلده،ومن خلالها رسم المناخ العام لخطابه السردي قبل الدخول  الى تفاصيله :" من ينازع وحوشاً يجب أن ينتبه جيداً ألاّ يتحول إلى وحش.فحين تطيل النظر إلى الهاوية،تنظر الهاوية إليك .. "

الثلاثاء، 26 نوفمبر 2013

 http://al-aalem.com/3315-%D8%AA%D8%AF%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%8F%20%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8F%D9%82%D8%AF%D9%91%D9%8E%D8%B3.html
 رابط المقال في صحيفة العالم الجديد يوم الاربعاء 27 / 11/ 2013 
قتلة ...

            رواية للكاتب العراقي ضياء الخالدي
                    تدميرُ الوطن المُقدَّس 

                                مروان ياسين الدليمي
الطبعة الاولى 2012
الناشر:التنوير للطباعة والنشر والتوزيع
في حيثيات بنيته الفنية يشير النص الروائي المعنون (قتلة) للكاتب ضياء الخالدي،إلى مستوى النضج الذي باتت عليه نماذج عديدة من الرواية العراقية التي صدرت خلال الاعوام العشرة الاخيرة،منذ العام 2004 .
تعود اسباب هذا المتغير النوعي في المستوى التقني،الى طبيعة التحولات التي شهدها مستوى الوعي لدى جيل جديد من كتاب الرواية في إطار رؤيتهم لمفهوم السرد واجراءاته الفنية داخل المشغل الابداعي .
من هنا وجدنا انفسنا أمام نماذج عديدة من الرواية العراقية وقد تحرر معمارها السردي من معطيات القوالب والاعراف المألوفة مُتّجها نحو فضاءات سردية تنحاز في خياراتها بشكل واضح الى ذاتية المبدع     وخصوصية تجربتة،وبذلك ابتعدت عن النمط(الفلوبيري:نسبة الى فلوبير) واقتربت من النمط(البروستي:نسبة الى مارسيل بروست)مثلما اصطلح عليها الناقد بشير حاجم في سعيه النقدي الدؤوب لتشخيص هذه التحولات. هذا التحول اضفى أوجُهَاً جديدة للمشغل السردي العراقي،سابغا عليه سمة الحيوية والتجديد.


مخزونات الألم
في كتابه المعنون(فن الرواية )للناقد ب.لوبوك يقول:"الروائي فنان،وعلى الناقد أن يفهَمه من داخل عمله"..وهذه الاشارة من ناقد كبير تعني في جانب من تشظيات مدلولاتها  على أننا في عالم  الرواية ازاء تجربة فنية تنهض بحضورها الشكلاني من خلال وجهة نظر شخصية واحدة ــ كما هو الحال في رواية قتلةــ أو عدة شخصيات يعتمد عليها الروائي لتمرير خطابه السردي.
الخالدي في رواية (قتلة)قد أمسك في مسار بنيته السردية بمهارة واضحة،لمْلَمَ فيها شظايا حياة متناثرة لمدينة بغداد، بوصفها بؤرة مكانية موضوعية،وبنفس الوقت شكلت ذاكرة للذات الساردة.
ومع ذلك لابد من الاشارة إلى أن المكان في نص القتلة لم يكن مرتبطاً بالتفاصيل الجغرافية،بقدر ماجاءت دلالة المكان علامة على مخزونات الالم والخوف،سواء في الذاكرة الفردية أوالجمعية داخل احداث الرواية. 
إستند الخالدي على صوت واحد ليكشف من خلاله عالما مرعبا يَنسجُ تفاصيل حكاياته الدموية مجموعة من القتلة الممسوخين،كانوا في يوم ما ينتمون الى الحركة اليسارية،وبعد سنين طويلة قضوها في المنافي تحولوا إلى محترفي قتل لايعرفون الرأفة.
عودتهم الى الوطن كانت بمثابة قَدَر أعمى سقط على رؤوس الناس،ليفرض الموت حضوره في لعبة عبثية بين احياء العاصمة العراقية بغداد. " كل رصاصة تنطلق،بعبثية أو بقصد،في سماء حي من احياء بغداد يعني قتلاً لملامحها. تشويه متعمد يبعث على تغيير صورة قديمة الى صورة أكثر بشاعة ".
اختار الخالدي موظفا متقاعدا مصابا بالعقم تجاوز العقد السادس من عمره   وعمل طيلة مشواره المهني موظفا حكوميا في قسم الارشيف،إختاره ليكون الشخصية المحورية الساردة للأحداث،ولينفرد(عماد الغريب) ولوحده في أن يكون محركاًوموجها لمسار احداث الرواية.
بهذه القيمة الاجراءية تم تغييبُ السارد الكلّي العِلم،لصالح السارد الضمني. "الحزن تاريخ ممتد لاينقطع.إننا مثل الارانب الخائفة التي ترفع اذنيها وتحدق بشتى الاتجاهات.هناك خطر محدق.ينبغي الاختباء والسّير بحذر ،وحين نسمع صوت اطلاقة نفرّراكضين صوب مخابئنا " .
عماد الغريب ــ الشخصية المحورية/الساردة ــ تم رسمها لتكتسب حضورها النفسي والاجتماعي من كونها تنتمي الى الطبقة الوسطى،فحمَّلها هذا الانتماءتركيبة قلقة،كشف ترددها وتأرجحها مابين ثوريتها وانتهازيتها. فبدا لنا نموذجاً للمثقف البرجوازي بالمعنى الايدولوجي وليس بالمعنى الطبقي،الذي عادة مايتحصن بالأفكار حول تغيير العالم،لكنه لايملك استعداداً للمغامرة دفاعا عنها،بل يتراجع الى الوراء متخليا عن رغبته في إسعاد الناس حالما يشعر أن الاذى يوشك أن يصل الى جسده،لينتقل الى قناعات اخرى بكل سهولة."أخشى أن تكون جلساتناهذه،أشبه بالجلسات التي كنت اشارك فيها في زمن الاخوين عارف،واخشى ايضا ان تشبه جلسات فرقة الحمزة في زمن الوحدة والحرية والاشتراكية،واخشى ان تكون مثل حلقات العقيدة في الشهور الاولى بعد السقوط ".
ثنائية الدين والسياسة
احداث الرواية التي اتسمت بتنوع التفاصيل،تنمو وتتطورمن خلال الشخصية المحورية،وقد إستحوذت بحضورها على المسار العام للحكاية، فكشف المؤلف من خلالها عن خفايا مدينة بغداد بعد أن سقطت تحت الاحتلال الاميركي عام 2003.وليسقط سكانها أسرى عصابات اجرامية منظَّمة يقودها رجال دين ــ الشيخ مؤيد نموذجا ــ ومناضلون سياسيون سابقون ـ ديار وعبود ــ قضوا اكثر من ثلاثين عاما في المنافي ليعودوا بعدها الى بلدهم وهم يحملون مشاريع غامضة أحالت شوارع العاصمة واحيائها الى مساحات من الخوف والوشاية والقتل على الهوية الطائفية. "هكذا أدوّن ماتختزنه ذاكرتي من مدَّخرات عن محلات العاصمة،التي أغلقت الآن بأسوار الخوف والنهايات.بغداد التي مدّت رأسها لكي تتجمّل من غبار سنواتها العجاف،تعود اليوم مصابة بمس من الجنون،لاتعرف مايُدبَّر لها..تسير بين عواصم العالم وهي تستنجد بتاريخها وحضارتها ".
في هذا النص الروائي نجد الدّين والسياسة يتقاسمان الادوار في لعبة الموت بين احياء مدينة مات ليلُ العشاق فيها "وتحول شعراؤها إلى كتابة مدونات الرثاء..جدران كونكريتية عالية أغلقت المدن ورُصفت أمام واجهات الدكاكين ".
يتورط عماد في لعبة قتل عبثية يقف خلفها أناس لم يبخلوا على أنفسهم أيّة وسيلة إلاّ واستثمروها لأجل ذلك،بما فيها استثمار الجن والشعوذة،كما في  شخصية شكرية المرأة العجوز التي تجاوزت العقد الثامن من عمرها والتي كانت تعمل عاهرة فيما سبق من الايام قبل أن تتقاعد من هذه المهنة لتصبح قارئة للغيب.
حينما تفقد الحياة اليومية صفائها وتتهشم تلقائيتها لم يعدالهروب ممكنا أمام شخصية عماد الغريب،خاصة بعدأن يصَّل إلى نتيجة مؤلمة يدين بها نفسه:" أنا قاتل ضمن مجموعة،توقعتُ أنها لاتنتمي لأي حزب أو عقيدة سوى عقيدة الوطن والدفاع عنه.فكانت العقيدة هي المال والنزعة إلى تدمير الوطن المقدس.نزواتنا تحكُم،والعقيدة قشرة أو غلاف يخفي ذلك السواد القابع في داخلنا.نعم كل المولعين باليوتوبيا والجنَّات الخضر على الورق،يتحولون إلى وحوش عند استلامهم السلطة".
عندما يصبح  أمر العودة الى الوراء مستحيلا يجد عماد نفسه وقد امسى هو الآخر مطاردا من قبل رفاق الامس/القتلة. فما كان منه إلاّ أن يهرب منهم،متنقلا مابين احياء بغداد،لينتهي به الحال جالسا في العراء في منتصف الطريق مابين بغداد وكركوك منتظراً أن يتحرك الرتل الطويل لأليات مدرعة محملة بالجيش الاميركي،فما كان منه إلاّ أن يحتسي الخمر مستجيبا لدعوة سائق التاكسي الذي استأجره ليعود به الى بغداد. "جسدي أنهكه الإعياء.أرض جرداء موحشة تطبق علينا،فنبدو ضئيلين وسطها. كحجارة مرمية،أو كفئران مذعورة تبحث عن مخبأ ".
ومابين قرار العودة إلى بغداد أواستمرارالهروب منها نحو كركوك تقتله الحيرة.بينما القتلة يربضون داخل سيارة اخرى  تقف خلف الرتل الاميركي من الجهة الاخرى،وهُم ينتظرون تحركه  لملاقاته وتصفية الحساب معه.
تنتهي الرواية عند جملة مفتوحة على احتمالات شتى،مشحونة بكل الغموض المترشح من زمن قاتم يهيمن على سماء بلاد يخيم الظلام عليها. "أنهينا قنينة العرق والاميركان لم يتحركوا.تمددنا على حصيرة القش وغرقتُ في نوم لم أذق مثله منذ زمن طويل ".
تأتي هذه الجملة التي أختُتمت بها أحداث الرواية لتضيء عبارة  بليغة إختارها الخالدي من الفيلسوف نيتشه،وضعها في اولى صفحات الرواية لتكون عتبة اولى تواجه القارىء بمحمولاتها وتأويلاتها،أضاءت بدلالتها قلق وهواجس المؤلف  ازاء مايجري من عنف وقتل في بلده،ومن خلالها رسم المناخ العام لخطابه السردي قبل الدخول  الى تفاصيله :" من ينازع وحوشاً يجب أن ينتبه جيداً ألاّ يتحول إلى وحش.فحين تطيل النظر إلى الهاوية،تنظر الهاوية إليك .. "

الاثنين، 11 نوفمبر 2013



 قراءتي النقدية لرواية (وحدها شجرة الرمان) للكاتب سنان انطون في صحيفة الزمان 
يوم الاثنين العدد 4654 7 من محرم 1455 ه 11 من تشرين الثاني نوفمبر 2013 م .
 رابط المقال :
http://www.azzaman.com/?p=50646

    وحدها شجرة الرمان 

رواية للكاتب العراقي سنان انطون 

مشهدية المكان في احتوائه عوالم انسانية سحقتها الحروب

                                           مروان ياسين الدليمي
خلال الاعوام العشرة الاخيرة طالعتنا العديد من العناوين الروائية التي انشغلت بموضوعة الحرب بما انطوت عليه من  مساحات واسعة داكنة سلبت الكثير من عمر المجتمع العراقي منذ مطلع  العقد الثامن من القرن العشرين والى مابعد سقوط بغداد تحت الاحتلال الاميركي عام 2003.
جماليات الفوضى
يأتي هذا النص الروائي  ــ وحدها شجرة الرمان ــ ليضاف الى تلك القائمة من الاعمال،فالحرب تتموضع هنا في خلفية الصورة المشهدية لتكون مرجعية واقعية يتشكل من ضراوتها السياق السردي العام للرواية،عبر تواريخ محددة تترشح من دخانها،ولتتداخل تداعيات الاحداث في سياق المبنى الحكائي وفق رؤية تنهض على الخروج من صرامة اشتراطات التسلسل الزمني ــ ماضي، حاضر، مستقبل ــ ومرتهنة بجماليات لاتتيحها إلاّ تركيبية الفوضى ــ بارتداداتها للخلف واندفاعاتها للأمام ــ لتقطيع مسار الزمن الطبيعي.من هنا بدا شكل تبادل المواقع الزمنية مهيمنا في البنية السردية للأحداث كما نظَّر له الشكلانيون الروس في نظرية (التحريف الزمني) لقطع التعاقب الطبيعي للأحداث .
لم تكن حكاية جواد كاظم الفنان التشكيلي ــ وهو الشخصية المحورية والساردة للأحداث بنفس الوقت ــ الاّ ذريعة أراد الكاتب سنان انطون من خلالها أن تكون أداته الاساسية لمعالجة موضوعة الحرب بسردية عالية ومميزة،من دون أن يذهب بعيداً في خنادقها وساحاتها إلاّ في مساحات ضيقة جداً.ذلك لأنَّ الشخصية في البنية السردية تشكل محورا أساسيا عادة مايضعها الكاتب في مقدمة اهتماماته،فمن خلال فاعليتها تنمو حركة الاحداث وتتطور،وبنفس الوقت تنعكس عليها.وهكذا تبقى العلاقة ديالكتيكية بينهما "فالشخصية تقع في صميم الوجود القصصي،فهي اشبه ماتكون بقلب السرد النابض،وتتقاطع عندها العناصر الشكلية كافة بما فيها الاحداثيات الزمنية والمكانية" 1
تضاد الامكنة
كماإحتلت دلالة المكان عناية فائقة في هذه الرواية خاصة وأنَّ حضور المكان  " يشكل عنصرا اساسيا في العملية السردية،بوصفه يمثل الارضية الفكرية والاجتماعية التي تحدد مسار الشخصيات التي يذكر فيها وقوع الاحداث،ضمن زمن داخلي نفسي يخضع لواقع التجربة في العمل القصصي " 2 .
تمظهرت مشهدية المكان في احتوائه عوالم انسانية مركونة في زوايا وامكنة مُغلقة على الحياة(المغيسل/محل غسل الموتى)خاصة وأنها مازالت أماكن بكر لم يطأها السَّرد:"أول ماوقعت عليه عيناي بعد أن قطعنا الممر ودخلنا الغرفة الرئيسة كانت دكة المرمر التي يُغسلُ عليها الموتى،والتي يرتفع طرفها الشمالي قليلا حيث يوضع الرأس،كي يسيل الماء،وكيلا يتجمع.كانت الجدران والسقف مطلية بلون ابيض مائل للصفرة،لكن الزمن والرطوبة كانا قد جعلا بعض المواضع خصوصا في السقف،تتقشر وتبدو كأوراق خريفيةعلى وشك السقوط.توسّطت السقف مروحة بدأت تدور بعد أن كبس أبي الزر على الجدار،نظرت الى اليمين فرأيت التوابيت التي يؤتى بها من الوقف وقد صُفَّت في الزاوية،وفوقها بمسافةٍ نافذة متوسطة الحجم أعلى الجدار تسمح لاشعة الشمس بإضاءة المكان،تحت النافذة كان هناك باب يؤدي إلى حديقة صغيرة فيها شجرة الرمان التي كان ابي يحبها كثيرا وبجانبه مصطبة يجلس عليها احيانا أقرباء الميت وهم ينتظرون ويراقبون،في صغري كنت آكل ثمار هذه الشجرة حين يقطفها أبي ويعود بها إلى بيتنا بنهم.لكنني توقفت عن ذلك بعد أن أدركت بأنها تشرب من مياه الموت " .
ولأن المكان في العمل الروائي لايمكن للكاتب إلاّ أن يوليه الاهمية التي يستحقها بأعتباره " الكيان الاجتماعي الذي يحتوي على خلاصة التفاعل بين الانسان ومجتمعه لذا فشأنه شأن أي نتاج اجتماعي آخر يحمل جزءاً من اخلاقية ساكنيه وافكارهم ووعيهم " 3.
من هنا رسم المؤلف مكانا آخر( كلية الفنون الجميلة )ليقابل(المغيسل /مكان غسل الموتى)ويتقاطع معه من حيث المعمار والسِّعة والانفتاح والوظيفة. 
ومابين تناقض وتقاطع هذين العَالمين وانقسامهما،يتأرجح جواد، فالمغيسل بات دلالة على:الماضي /الموت /السكون.وكلية الفنون الجميلة  دلالة على: الغد /الاحلام /الحبيبة ريم.
ومن خلال حضورهذين العالمين،افرغ انطون ماجاءت به الحرب من ذاكرة تراجيدية،ليس من السهل نسيانها والهروب منها، فأستحالت الى كوابيس تعزف لحنها الجنائزي المرعب والموجع في ذاكرته .
جواد لم تمنحه الحياة فرصة أنْ يحيا أحلام يقظته،فلاحقته الخسارات واحدة بعد الاخرى،أولها كانت مع مقتل شقيقه الاكبر امير ــ الذي كان قد تخرج من كلية الطب ــ في معركة تحرير مدينة الفاو عام 88 في نهاية الحرب العراقية الايرانية،ثم السفر المفاجىء لحبيبته ريم خارج العراق من دون أن تخبره،مع اشارة إلى انها من طائفة غير طائفته.وليعلم فيما بعد،انَّ سبب مغادرتها كان لاجراء عملية استئصال لثديها بعد أن استفحل فيه مرض السرطان.لينتهى به الحال عاطلا عن الحياة والعمل لمّا اشتدت أحداث العنف الطائفي بعد العام 2003 .
وبعد فشل سفره الى الاردن وعودته مرغما من الحدودالى بغداد وجد نفسَهُ العاجزة تقوده بكل احباطاته الى محل عمل والده،للعمل مرة أخرى في مهنة غسل الموتى كما كان يريد له والده " لايكتفي الموت منّي في اليقظة، ويُصِرُّ على أن يلاحقني حتى في منامي،ألايكفيه أنني أكد طول النهار معتنيا بضيوفه الابديين وبتحضيرهم للنوم في احضانه ؟هل يعاقبني لأنني ظننتُ بأنني كنتُ قادراً على الهرب من براثنه ؟
1-  مقاربات في الرواية والاقصوصة،بشير الوسلاتي وسعيدان سوسة .
2-  جماليات المكان الدمشقي ،شوقي بغدادي ،مجلة عمان ،العدد 34 سنة 1988 .
3-  الرواية والمكان،ياسين النصير .


 http://www.alarab.co.uk/?id=7944 رابط المقال كما نشر في صحيفة العرب
 [في 09/11/2013، العدد: 9374، ص(16)]

                  إبن شارع .. عن الحياة خارج قفص البيت

   للكاتب الروائي العراقي خضير فليح الزيدي

                                                مروان ياسين الدليمي

ليس من السهل تجنيس وتأطير هذا الكتاب الصادر هذا العام 2013 بطبعته الاولى عن دار ومكتبة عدنان للطباعة والنشر ضمن خانة حقل ابداعي محدد طالماتتماهى فيه انماط متنوعة من اشكال الكتابة السردية. من هنا تأتي أهميته وخصوصيته في المنتوج الثقافي العراقي الحديث،فقد سعى الكاتب الى اجتراح نمطيته الفنية خارج إطار ماهو سائد ومتعارف وتقليدي في منظومة ثقافية تعوّدت على انساقٍ ابداعية واضحة وشاخصة لايداخلنا القلق ولاالغموض في معرفة هويتها الاجناسية،والتي عادة ماتتوزع على انماط الكتابة الروائية والقصصية والمقالة النقدية والقصيدة الشعرية بنمطيها الكلاسيكي والحر،وكذلك النص الشعري الحديث المنفتح على انشطاراته النثرية والمفتوحة .
كل هذه الاشكال الابداعية،التي تشكل روافد تقليدية لمنظومتنا الثقافية والنقدية،لاينتمي لها هذا الاصدار من حيث طبيعته الفنية /النصيّة،فقد تنحّى عنها الزيدي وهو يتصدى للكتابة عن ثنائية عالم ٍ يتقاسمهُ:الابن الشوارعي والابن البيتوتي.
هذا العالم ــ بما يشكله من ثراء وتنوع حيواتي ــ طالما استجابت له الكتابة الروائية والقصصية،ونهلت منه بما يحتمله من تقاطعات اجتماعية واقتصادية واخلاقية،لكن مجمل هذه الكتابات،بقيت اسيرة عتبة اساسية ومحورية،قوامها معالجات فنية لأجناس ابداعية اتت بهذا العالم الثنائي الى مشغلها الفني إلاّ أنها لم تخرج في معالجاتها عن مركزية المنظومات الثابتة والصارمة المعبِّرة عن شكلها وجوهرها الاجناسي فيما لو وضعت على مصطبة الفرز والتصنيف.
على هذا الاساس يأتي كتاب الزيدي ليفكك منظومة المهيمنات الفنية التي شكلت ذائقتنا النقدية،والتي تبرز بكل قسماتها،حالما نبدأ بقراءة المقدمة التي خطها الزيدي في الصفحة الاولى سعيا منه لأن تكون تمهيدا تأسيسيا لفرض منطقه ورؤيته لهذا العالم الثنائي،فكتب يقول:" بصراحة،هو صراع بين فريقين من الابناء،فريق يمثله الشوارعي،وآخر يمثله الابن البيتوتي، الشوارعي يفوز بحب الشارع والناس والجمهور ويصل الى سدة الحكم ،رغم علمه أنه أقل مرتبة من البيتوتي،لكنه فاز بحب الناس،وخسر البيتوتي الحب ..لم تعد الاخلاق حدا فاصلا في الاحكام بين هذا وذاك .."
ثم يواصل خضير فليح الزيدي تأملاته التي أراد من خلالها الكشف عن طبيعة التحولات التي شهدها مفهوم ابن الشارع بعد أن تخلخل وتشهم النظام الاجتماعي،بفعل متغيرات عدة شهدتها منظومة الحياة العراقية "إن مفهوم ابن الشارع قد تعرض الى انعطافات خطيرة،بعد أن لاذ الغريب والمتسول والسارق تحت لافتة الشارع والاستحواذ عليه وطرد بنيه النُجب أوضمَّهم تحت لواء ابناء الشوارع،حتى قسّم الابناء الى طرفين متصارعين،فيما كان الطرف الآخر من الابناء هم ابناء البيوت والمدارس والكتب يتعثرون في اولويات بطون الكتب مستنبطين منها الاخلاق . "
ولايفوت الزيدي ان يشير الى قراءته المغايرة لأبن الشارع من حيث المفهوم ليصل الى نتيجة تبتعد كثيرا عما كرَّسه المخيال الشعبي الذي يحدثنا عن ابن الشارع على أنه "المنتمي الى مجاميع ـ علنية التنظيم ـ الذين ليس لهم مأوى واضح يأون إليه آخر الليل .. "  ليصل الزيدي الى مايقصده بأبن الشارع في هذا السفر على أنهم "ليسوا أولئك المهمشين من صباغي الاحذية أو سراق الدجاج أو عمال الكراجات الكبيرة أو اللقطاء أو الهاربين من دور الايتام أو الشمامين الصغار أو الغرباء أو الشحاذين الصغارــ اولئك على رأسي من فوق ــ انما أقصد مجاميع سرية اخرى غيرهم " .
وبما يتصل بهذا التمهيد الذي اقترحه علينا الكاتب في مقدمته التي اراد منها تأطير مفهوم أبن الشاعر، أنْ وضعنا أمام تقنين اجتماعي تصنيفي مترسب في المحيط السوسيوثقافي،أحاله الزيدي الى عناوين تقسّم المَتن الفضفاض الذي بَنى عليه مخطوطته،فجاءت على الشكل التالي(ابن ولاية،ابن شارع،ابن سوق،ابن مدينة،ابن ليل،ابن مدارس،ابن بيت،ابن عوز،ابن كراجات،ابن فنادق،ابن الحرب ابن الشارع،ابن دروب،ابن قطارات،ابن البوادي،ابن أمه،ابن محاكم،ابن شطوط،ابن بلاقلب،ابن كيف،ابن سجون) .
ويمكن أن نختتم قراءتنا لهذا الاصدار المفارق والمنسلخ عن ذخيرتنا الكلاسيكية القرائية بهذه الجملة التي جاءت في مقدمة الصفحات التي عنونها بأبن ولاية:"لاأعتقد إن القارىء سيُثني على ماأقول عندما أجازف في القول إن ذاكرتي التخيلية بوصفي(إبن ولاية)هي ذاكرة وقحة لاتصلح للحفظ ،رغم انها مشروع لأسطرة الواقع بمعنى إنها يوتوبيا ومثال لمكان منتخب،ذاكرة متخيلة تتبدد منها الوقائع بيسر وسهولة فهي مثقبة من جهات عدّة ومصابة بفايروس العفن المزمن،سريعة العطب والنسيان كصناعة صينية رديئة .."  .

«عام السرطان» للعراقية سالمة صالح: دلالة الاتكاء على استراتيجية السَّرد السير ذاتي مروان ياسين الدليمي http://www.alqu...