الاثنين، 24 فبراير 2014






http://al-aalem.com/5008-%D8%AA%D8%AF%D8%A7%D8%AE%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D9%86%D8%A9%20%D9%81%D9%8A%20%D8%A8%D9%86%D9%8A%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D8%B1%D8%AF.html  رابط المقال في صحيفة العالم الجديد



بيروت مدينة العالم
رواية للكاتب اللبناني ربيع جابر

                 تداخل الازمنة في بنية السرد

                                             مروان ياسين الدليمي

الناشر:المركز الثقافي العربي ودار الاداب للنشر والتوزيع /بيروت  

ماوراء القص
مابعد الحداثة طرحت آليات جديدة في معالجة البنية السردية داخل العمل الروائي كانت افتراقا فنياً عما طرحته الحداثة في منظومتها التي اتسمت الياتها بالصرامة والوضوح.
يأتي مصطلح ماوراء القص خياراً فنياً من بين خيارات متعددة طرحتها فنون مابعد الحداثة، وقد تم طرحه أول مرة في مطلع العالم 1970من قبل الناقد الاميركي (وليام غاس) انسجاماً وتماهيا وتعبيراً عن الفوضى العامة التي باتت عليها الحياة المعاصرة.
جاءت مجمل الكتابات السردية المنضوية تحت هذا العنوان وهي تحمل سمات تتمحور حول فكرة بناء مشوش غير متماسك،واحتوائها على ادوات فنية تُعزِّز وتكرّس اللاتماسك والانفراط،على عكس ماكانت قد طرحته الحداثة وماقبلها من انضباط.
نصوص ماوراء القص كما يشير الى ذلك الناقد ماك كافري:"موجهة شكليا،وتتضمن استراتتيجيات توظف ادوات لتوضيح الاحتمالات الشكلية".
رواية (بيروت مدينة العالم)للكاتب ربيع جابر يمكننا اعتبارها منجزاً  تطبيقياً ـ إن صح القول ـ  لسياق المعمار الفني الذي يطرحه مفهوم ماوراء القص،وقد شخصت الناقدة ليندا هتشيون بعض الخصائص الفنية في هذا النمط من الكتابة السردية كما جاء ذلك في الكتاب المعنون - ماوراء القص – للناقدة الاكاديمية د.اماني ابي رحمة :" توظيف البناء غير المتماسك،في تحدي الحدود التي تقبّلنا وجودها بين الادب والخطابات السردية فوق الادبية،التي تحيط به مثل:التاريخ،السيرة الذاتية،السيرة الذاتية التاريخية، التي تجعل القارىء يستجوب الحدود بين التخيلي واللاتخيلي ".
تعدد مستويات السرد 
تعامل جابر في عمله الروائي هذا مع مادة وثائقية تألفت من نصوص وسجلات رسمية ورسائل شخصية ومخطوطات،اضافة الى ماتبقى من اطلال لشواهد معمارية مازالت باقية في مدينة بيروت،تعود الى الفترة التاريخية التي تدور فيها احداث روايته مع مطلع القرن التاسع عشر.
هذا الخليط المتنوع من الوثائق والخطابات وقصاصات الورق،الذي ينتمي الى عوالم مختلفة،تعامل جابر معها ليخلق أزمنة وعوالم تجاورت وتداخلت وتماهت مع بعضها،في إطار السياق السردي للبنية الروائية،وقد أعطى هذا لعمله خاصية سردية مُركبة لها عدة مستويات لغوية وفنية .
السارد هنا يتقاسم دوره إثنان:الاول ضمير الغائب بصيغة الماضي، والثاني ضمير المتكلم بصيغ الماضي.ويجسد الضمير الثاني شخصية مزدوجة في دلالتها،فهي تشير إلى المؤلف ذاته،بنفس الوقت تشير الى شخصيةِ كاتب روائي يعمل بمكتب صحيفة الحياة في  العاصمة اللبنانية،نجده مشغولاً ومهموماً في كتابة رواية يتصدى فيها للتحولات العميقة التي مرَّت على مدينة بيروت خلال أكثر من قرن ونصف من الزمان.
يعود المؤلف/السارد في مخطوطته الروائية التي لم ينتهي بعد من إتمامها الى العام في 1821محاولة منه لأن يستعيد ذاكرة مدينة بيروت خلال حقبة بعيدة من الزمن،كانت فيها محاطة بسور مستطيل له اربعة ابواب،وعدد سكانها لايتجاوز خمسة الاف نسمة،حينها وقعت عام 1831 تحت الأحتلال،وذلك عندما غزاها الجيش المصري الحديث أيام الوالي محمد علي الألباني وبقيادة ابراهيم باشا،ومن ثم خروجه منها مندحراً على يد العثمانين بمساندة المدافع البحرية البريطانية والنمساوية عام 1840.
هذه الحقبة تشكل خلفية تاريخية لمسار الحكاية الرئيسة التي تُكتبُ من قبل شخصية المؤلف / السارد الذي يعمل في صحيفة الحياة البيروتية،من خلالها يتم متابعة شخصية عبد الجواد البارودي ابن ال25 عاما ما أن خرج هارباً من مدينة دمشق بعد أن طعن شقيقه في لحظة غضب بسكين في بطنه،معتقداً أنه قد تسبب في موته،ليصل ذات شتاء عاصف إلى بيروت مُلطَّخاً بدم أخيه،وليستقر فيها 18 عاما حتى يموت ويدفن في ترابها.
يتزوج البارودي خلال هذه المدة أربع مرات.رُزِق بسبع بنات من ثلاث زوجات،ومن زوجة رابعة ثلاثة أبناء ذكور.واقتنى جارية شركسية ايضا قضت نحبها بينما تلد له توأمين لم تكتب لهما الحياة.
تنوع آليات المشغل السردي
إبتدأً مِن الجملة الأولى التي افتتح بها جابر روايته،نواجه استثماراً واضحا لِما تتسم به لغة السيناريو السينمائي من خاصية اختزالية،لجأ من خلالها لرسم تفاصيل كثيرة في بنيتة الروائية،مَرَرَها عبر شخصية السارد،وكأننا نرى تلك التفاصيل من خلال عدسة الكامير:"وضع الكونت كوب الماء من يده،وسألني متى انتهي من تأليف الكتاب. نور الثالثة بعد الظهر سطع على سطح الطاولة،على زجاج المطاعم،على برج ساعة العَبد،على رصيف ساحة البرلمان.بعيدا في اسفل شارع عزيز الاحدب المنحدر،بانت غيوم بيض تعبر نوافذ بلدية بيروت وتلقي ظلالاً سابحة على شارع ويغان المرصوف بالحجر البركاني الأسود.خرير المياه في نوافير الحديقة المواجهة للبلدية كان يبلغنا خافتا " .
ولأن ماوراء القص يتيح للمؤلف أن يكون حاضراً بتعليقاته التي تقطع الحكاية في لحظة ما،لذا كانت هذه الخاصية واحدة من الادوات التي اخضعها المؤلف في عمله،خاصة وأن الشخصية الساردة في واحدٍ من وجهيها كانت تمثل مؤلفاً يكتب رواية عن بيروت:"بعد أن كتبتُ ذلك المقطع رفعت رأسي ونظرت عبر النافذة إلى المطر يهطل على بيروت القرن الحادي والعشرين،على مدينة يجاوز عدد سكانها المليون نسمة ويبقع المطر حيطانها بالرطوبة.أجراس الكنائس تقرع في حي الأشرفية،وصوت تراتيل (لحن لاتيني )يبلغ أذني.كانت أصابعي تؤلمني.توقفت عن الكتابة وتأملت انهمار المطر وإقبال المساء " .
الوعي الماوراء قصّي بعمليات القراءة والكتابة وصنع المعنى كما يشير الناقد ونش مندسن:"يمكن أن يتضح بجلاء في الاساليب التي توضفها النصوص الماوراء قصيّة للإشارة إلى الأنظمة التخيلية وتركيب النصوص والمعاني داخل النص أو خارجه،ومن خلال تثيّم قضايا القراءة والكتابة والتأويل، وأيضا بوساطة تضمين النص تعليقات على العمل نفسه وعلى روايات أخرى وإظهار إشتغالاتها بالشكل وبالعلاقة بين الواقعي والتخيلي " .
العلاقة مابين التخييل والواقع تطرح بشكل دائم في الادب الروائي طالما هنالك شخصيات يقف الكاتب وراء خلقها على  الورق بأعتبارها شخصيات واقعية ومن غيرأن يكون لها كينونة في الواقع،ومع هذا فالقارىء يتفاعل معها وكأنها شخصيات واقعية.فشخصيات مثل عبد الجواد البارودي التي هيمنت بشكل كامل على المسار السردي إضافة الى شخصية الكونت ده بسترس والناقد السينمائي المعروف ابراهيم العريس صديق المؤلف/ السارد وزميله في العمل الصحفي،تقود القارىء الى أن يكون في منطقة رمادية تتداخل فيها حدود الواقع والتخييل.
فما اورده جابر من وثائق وتواريخ في مقابل الافتراضات السردية التي انتجتها مخيلته يصل بنا الى هذه الاشكالية التي تتحرك فيها منظومة السرد الروائي الماوراء قَصّي وهي تلقي بمجساتها لفحص وتأمل العلاقة الشائكة مابين الواقع والتخييل .

الأحد، 16 فبراير 2014






رحلة الغرناطي ..
رواية للكاتب اللبناني ربيع جابر
             انزياح التاريخ في المشغل السردي    
                                                     مروان ياسين الدليمي
الطبعة الثانية 2013
الناشر:دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع
ربيع جابر في عمله الروائي المعنون"رحلة الغرناطي"كما في اعماله الروائية الاخرى يستند الى انسجامه العميق مع منظومة البناء السردي الحديث،فهو عادة مايتحرك وفق مخيلة ذاتية تعيد تركيب الواقع وتستحضر اللامرئي وتقف على مسافة بعيدة جدا عمّا يفرضه المرئي،ولافرق في هذا لديه بين أن تكون المادة ذات مرجعية تاريخية بعيدة كما في رواية رحلة الغرناطي والفراشة الزرقاء أو واقعية معاصرة كما في اعماله الاخرى طيورالهولداي إن وبيروت مدينة العالم على سبيل المثال.
المتن الحكائي
رحلة الغرناطي رواية ينهض متنها الحكائي على رحلة طويلة تبدأ من مدينة غرناطة يقوم بها محمد  بحثا ً عن أخيه الربيع الذي كان قد توغل في الغابة في آخر يوم من شهر آب من العام 1091 بحثا عن خروف خرج في غفلة عنهما ومضى بعيداً عن  مسار قطيع كبير من الغنم كانا يرعيانه لكن الربيع اختفى في الغابة ولم يخرج منها،ولم يعرف له من اثر..ضاع الابن البكر لعبد الرحمن أبي الربيع بن سليمان المازني القيسي الغرناطي . بحثوا عنه عشرة ايام متواصلة ولم يقعوا له على اثر،لاهو ولا الخروف الملعون: "ثلاث سنوات بعد حدث اختفاء الربيع والجد سليمان المازني الستيني الهرِم يخرج الى الغابة يومياً بحثاً عن حفيده لعله يعثر عليه.وفي أحد الايام لم يرجع الجد مساءً الى البيت كعادته،وبعد البحث عنه في الغابة وجدوه صباحاً جالسا على الارض وظهره يستند على شجرة،عيناه مفتوحتان،يده اليمنى تقبض حفنة تراب وورق سنديان يابس والنمل يغطي وجهه،كانت يده زرقاء كأنها نُقِعَت في حجر نيل،وفي باطن كفه علامات من أظافره".
في نفس العام الذي اختفى فيه الربيع ذي الاثني عشر عاما وقبل شهر من هذا الحدث كان المرابطون قد دخلوا غرناطة بعد أن اعتقلوا والي اشبيلية المعتمد بن عباد مع حريمه واهله وارسلوهم جميعا الى مراكش بعد أن كان المعتمد قد استنجد بهم قبل خمسة اعوام من هذا التاريخ،اي عام 1085باعتبارهم اصحاب الدولة الاقوى في افريقيا لمساندته في مواجهة ملك قشتالة الفونسو السادس الذي استولى على مملكة طليطلة الاسلامية وبدأ يستعد للسيطرة على الاندلس كلها.وبعد أن تمكن المرابطون من الحاق الهزيمة بالاسبان اختلفوا مع امراء المسلمين في الاندلس وانقلبوا عليهم فسيطروا على غرناطة وقرطبة وملقى وأرسلوا امراء هذه المدن اسرى الى مراكش .
بعد عدة أعوام يقرر محمد أن ينطلق في رحلة من غرناطة الى بلنسية بحثا عن شقيقه الربيع وذلك بعد أنْ وصل الى مسامعه وعبر احد العشَّابين القادمين من مدينة قرطبة والمعروف بأبي يوسف العشّاب والذي التقى به محمد وأكد له بما لايقبل الشك انَّ في بلنسية رجل يشبهه تماما يتاجر بالقرمز وعشب الامراض بين بلنسية ومدن الاندلس،له نفس المواصفات التي كان عليها اخوه الربيع..يرحل محمد تاركا خلفه والده عبد الرحمن الذي كان طريح الفراش منذ نصف سنة مصابا بشلل نصفي بسبب اصابته بالفالج..يقع محمد أسيرا لدى القوات الاسبانية اثناء رحلته الطويلة،إلاّ أنّه ينجو من الأسر بعد أن اختلط الامر على احد الفرسان الاسبان لمّا ظنَّ بأنه قد رآه سابقا في بلنسية قرب كنيسةٍ خارجا من قداس فأخبرالحراس بذلك،فأعتقدوا هم ايضا بأنه رجل مسيحي وليس مسلماً،وبعد رحلة شاقة، يصل الى تونس ومنها الى الاسكندرية،ومن ثم القدس.فكانت رحلة طويلة اجتازفيها قارات وهو يتتبع اثر أخيه الذي لم يعثر عليه أبداً إلاّ في مخيلته التي تبقى تلاحقه في اليقظة والمنام بمشهد لقاءه بأخيه : "الآن،قبالة قناديل تتوهج في دكان عميقٍ كبئر تتوغل افقياً بين كنيستين ضخمتين في انطاكية،إنتظرَ أن يسمع صوت الربيع من جديد.سمع حركة خلفه. استدار. رأى وجهاً مظلماً.اقترب الوجه.أحسَّ محمد الغرناطي بالخوف.بعد آلاف الفراسخ،بعد كل هذه السنين،كان يرى قبالة عينيه،على بعد خطوة واحدة، وجه أخيه الربيع.ارتجفت أصابع محمد الغرناطي.ارتفعت يده في الهواء. أراد أن يلمس وجه اخيه.كان الربيع مازال في الثالثة عشرة.كان في مئزره الاحمر القديم."
التاريخ في مشغل السرد
الرواية تركيب تخييلي للواقع بكل مفرداته تُخضِعُ وفقا لاشتراطاتها الفنية المادة التي تتناولها – التاريخ والواقع والشخصيات الواقعية- الى مشغلها الفني،لتكتسب بالتالي خصائص جديدة وفقا لمخيال الصنعة الروائية وادواتها التقنية واجتراحاتها لتصبح بالتالي لاعلاقة لها بالتاريخ ولاالواقع ولاالشخصيات الواقعية.
في رواية رحلة الغرناطي وإن كان التاريخ مرجعية أساسية إعتمد عليه المؤلف في تركيب بنية عمله السردي إلاّ انَّهُ أخضعه لمشرطه التخييلي،لينتج لنا في مخطوطته السردية تاريخا جديدا لاصلة تجمعه  بخاصيته الوثائقية.
التاريخ هنا في رواية رحلة الغرناطي ومن خلال تأؤيلات واشتغالات مخيلة الكاتب اكثر تشخيصا وأكثرصدقا في التعبير عن جوهره مما هو مسجل في المخطوطات والوثائق والحفريات.
فالصلة التي تربط التاريخ بالتاريخ نفسه تتغير جوهريا عندما تنزاح الى حقل الرواية لتصبح صلة غير مباشرة،طالما تبقى رهينة ادارةِ وموجِّهات الكفاءة السردية للكاتب،الذي لايتعامل معه بأعتباره مؤرخاً،بل بأعتباره مُبدعاً يأخذ به إلى  مساحة حريته الابداعية،ليتحركُ بين احداثه مُتحررا من اشتراطات الخارج التاريخية والواقعية،مستجيبا لمخيلته الواسعة وهو يتحرك في فضاء الازاحة والتأويل.
تقنية السرد
من خلال هذه الرحلة التي نسج ربيع جابر مسار بنيتها مارس لعبته الفنية بمهارة واضحة مستندا فيها الى وجهة نظر السارد الغائب/بصيغة الماضي.
وجهة النظر هذه تجعل"السارد لايتدخل بشكل مباشر ويتحدث بشكل لاشخصي،وبنفس الوقت تُقدم الاحداث وتُحلل بطريقة كمايراها الكاتب " 1
من خلال اختياره لوجهة النظر هذه  توغل جابر مستعيناً بمخيلته في صفحاتِ تاريخٍ غني وعاصف من للعرب المسلمين في بلاد الاندلس.وليقترح متناً حكائياً مُحَمَّلاً بوجهة نظره المختفية وراء السارد الغائب : "الفتى الغرناطي لايعود غرناطيا .الشيخ العشّاب قال إن صاحبه البلنسي عنده بيت في بلنسية .بيت وأمرأة وأولاد .ويحمل لهم من قرطبة ،مع قرمز تجارته ،الثياب وأصناف البضائع الغربية .الغرناطي الذي كان يرعى الخِراف مع أخيه الصغير ،عند حافة غابة من سنديان الفلين ،نسي من يكون .ذهب يبحث عن خروف ضال،فأضاع نفسه ".
كان اختيار ربيع جابر لوجهة النظر السارد /الغائب العالم بكل شيء قد شكل مقترباً تقنيا إستحضر من خلاله آلية القَص الشفاهي الموروث حتى يتمكن من الامساك بصيرورة بناء الحكاية والتحكم بها عن طريق الايهام الكثيف بالواقع المتخيل من دون أن يخرج عن إطارها التاريخي،خاصة وأن هذا السارد لم يكن مُشَّخَصَاً ولم يحمل أي صفات شخصية(أي بمعنى غياب الانا الثانية)فلم يكن هنالك من علاقة بينه وبين شخصيات الرواية،وهذا اجراء تقني تنكَّر خلفه الكاتب بقصد تحديد المسافة الجمالية ــ كما يصفها الناقد واين بوث ــ وتقريبها مع القارىء لأجل إيصال مايبغي طرحه من افكار وقيم : "رائحة الخصوبة تتصاعد كالبخار من التراب،وهو كأنه ليس هو.بينما بيوت قرطبة والرصافة والربض، وقناطرالقصور وأبراج الاسوار ،تبتعد وتغيب وراء ظهره،تسلل إليه – كأن من الهواء الذي يزداد خفة كلما تقدم في الطريق المحاذية لنهر الوادي الكبير – شعورٌ بالانشراح لم يعرفه منذ أمد بعيد " .
بهذا الاختيار التقني تواصل الكاتب مع المتلقي في تكوين معمارية عمله الفني فمنح فاعلية خطابه السردي بنيته الجمالية،ومن خلالها وقف السارد متموضعا عند العتبة التي تفصل عالم الرواية التاريخي المتخيل عن الواقع المعاصر للكاتب والقارىء.
1-      نورمان فريدمان – نظرية السرد من وجهة النظر الى التبئير – ترجمة ناجي مصطفى – منشورات الحوار الاكاديمي . 
 http://al-aalem.com/4399-%D8%B1%D8%AD%D9%84%D8%A9%20%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D9%86%D8%A7%D8%B7%D9%8A..%20%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9%20%D9%84%D9%84%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8%20%D8%A7%D9%84%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86%D9%8A%20%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%B9%20%D8%AC%D8%A7%D8%A8%D8%B1.html 
رابط المقال في صحيفة العالم الجديد 

السبت، 15 فبراير 2014

إصبر ياصابر مع الصابرين..
اصدار جديد للكاتب الصحفي توفيق سعيد
                                                         

توفيق سعيد كاتب صحفي واعلامي مهموم بقضايا شعبه الكلداني السرياني الاشوري.والأهم في هذا حيويته وفاعليته الانسانية والاجتماعية التي تجعله قريبا جدا من الاخرين وعلى تواصل معهم.وهذا مايشكل خصوصية واضحة فيه تبعث في حضوره الانساني طاقة ايجابية.فهو لايكتفي بالتأمل والقراءة عن بعد بل يذهب بعيدا في الارتماء بين طيات واخاديد وتشعبات الواقع والمجتمع بشكل ايجابي.وهذا هو نموذج المثقف العضوي الفعال كما شخصّهُ الفيلسوف غرامشي،مثقف يزاوج مابين التفكير النظري ومابين العمل الفعلي في الميدان بين اوساط المجتمع.وفي هذا الامر نجد توفيق سعيد يلعب اكثر من دور في الحياة فهو لايكتفي في كونه كاتبا وصحفيا واعلاميا بل ناشطا مدنيا فاعلا في الحياة. 
العنوان
تأتي اهمية عنوان الاصدار الاخير للكاتب الصحفي توفيق سعيد"اصبر ياصابر مع الصابرين"للتعبير عن السياق العام لأفكاره ودعوته الى التفكير والعمل،وعدم الاتكاء فقط على التغنّي بالأرث الحضاري ومنجزات الماضي البعيد.وذلك بالعمل مع الاخرين تضامناً وتوحداً  قلبا وقالبا.من خلال تحديد الهدف.لان من يفقد الهدف يصبح فاقدا للأستمرار والمقاومة. وقد اختار الكاتب عنوان احدى مقالاته التي ضمّها الاصدار ليكون عنوانا لمطبوعه الذي احتوى على 70 مقالة سبق للكاتب ان نشر بعضا منها في الصحف الورقية والبعض الاخر في عدد من المواقع الالكترونية .
الموضوعات
تتوزع طبيعة الموضوعات التي جاءت في مقالات هذا الاصدار في أكثر من منحى  :
1- موضوعات تتناول شؤونا تتعلق بالمسيحيين العراقيين الذين يتكونون من الكلدان والسريان والاشوريين.ويكاد هذا الموضوع يستحوذ على اهتمام الكاتب بشكل رئيسي مثال على ذلك المقالات التي حملت العناوين الاتية : تضامنوا مع حملة الدفاع عن القضية ،خبب كرسي من ذهب،لقد كان رجلا،باستشهاده ولد رحو من جدي،هل ستعاقبون انفسكم،وهناك مقال مهم بعنوان "للنناضل بالحق ونتكلم من اجله " يدعو فيه سعيد الى ضرورة تركيز الجهد عبر الكتابة للتعبير عن واقع واحلام الشعب الكلداني السرياني الاشووري.ايضا هناك مقال مهم اخر بعنوان " من له اذان ليسمع "يدعو فيه ابناء شعبه الى عدم الهجرة والبقاء في الوطن.من خلال استدعائه لحديث خاص كان قد تم عبر الهاتف  بينه وبين واحد من ابناء جلدته كان قد اختار الهجرة والاغتراب .
2- موضوعات ذات طابع فلسفي عام تتحرك في مطلق المفاهيم الاخلاقية والاجتماعية كما في: قولوا اللهم يارب،معايير الحقيقة،الديو قراطية تجتاز الخط الاحمر،من الغباء أن تكذب،لن ندعكم تشعرون بالعار،ولتسقط الخرافات الملعونة،حكمة التائه في جزر الواق واق .
3- مقالات تستعير من فنون كتابية اخرى ادواتها وتقنياتها في بنائها،كما في المقال المعنون "قبل أن يدخل القمر المدار"التي استعار تقنية كتابتها من الفن القصصي،وفي مقال آخر حمل عنوان "لايزال ذبح الثور مستمراً" استعار حبكته  من بنية الكتابة المسرحية .
4- مقالات تتصدى لموضوعات مهنية موضوعهاالاعلام والصحافة وشؤونهما.مثل المقال المعنون"عام تحقيق الاماني" وآخر بعنوان"سلاح ذو حدين ".
5- موضوعات ذاتية فيها مراجعة وتقييم للذات في إطار النقد والتشريح فيما ذهب إليه من اقوال وافعال كما في المقال المعنون " وقائع صادقة ".
6- موضوعات تتعلق بالادب والشعر كما هو المقال المعنون " هو كلمات واحاسيس وموسيقى " وآخر بعنوان " ياطيب القلب ".
الاسلوب
 اهم قضية تفرض نفسها في عالم الكتابة بشكل عام هي قضية الاسلوب، فمن خلاله يتسنى للكاتب أن يكشف عن  تفرد وتطور أدواته كما يكشف عن رؤية الكاتب في كيفية تناوله للموضوعات التي يكتب فيها وعنها. فالاسلوب هو الذي يُبقي اسم الكاتب حاضرا لدى القراء ويعكس ذكاءه وموهبته وتفرد شخصيته في النظرة والقراءة للأحداث.
توفيق سعيد  بأعتباره كاتبا صحفيا تبدو شخصيته قد توضحت في ادواته الكتابية،وذلك من خلال عدد من المفردات الفنية التي نجدها واضحة وشاخصة في مقالاته وتبدو لصيقة به وباتت تميزه عن غيره بصورة اوضح كثيرا من نصوصه الشعرية ،التي لاتبدو واضحة المعالم بالقياس الى مقالاته. لذا على المستوى الشخصي ارجو ان يكرس جهده في كتابة المقالات الصحفيىة التي نجده فيها مؤثراً اكثر من الشعر.
لابد أن يلتفت قارىء مقالاته الى الانسجام الواضح لديه في استخدام المتواليات اللفظية بشكل متواتر وسهل،مع لمسة ِ واضحة لحضور الصيغ التقليدية في نمط الكتابة العربية المتوارثة من الطباق والجناس والسجع في بناء جُمَله كما في  المثال الاتي:" لاتتفاجأوا بما يدور،فسنرد الصاع صاعين،ونكشف المستور،من الداخل والخارج،حتى لو اغلقوا بوجوهنا المخارج،امس واليوم وغدا،سنتكلم ولن نسكت ابداً،فلاتتفاجأوابما يدور،لان الخبر الحار يخرج من جوف التنور،والدنيا تقعد ومن ثم تدور".والملاحظ كذلك  في بنية مقالاته حرصه الدائم على استثمار الموروث الشعبي لدعم وتوضيح افكاره من خلال الحرص على استعارة امثال وحكم مأثورة ،وعادة مايستعين بها في مقالاته مثال على ذلك"القرد في عين امه غزال،وكل غريب للغريب نسيب،ماضاع حق وراءه مطالب ،تمنى لأخيك ماتتمناه لنفسك ، حارة كلمن ايدو ألو ".هذا الاستثمار يعكس بطبيعة الحال حضور الذاكرة الجمعية بما تحمله من خصوصية في القول والخطاب والفكرة للتعبيرعن ثقافة المجتمع واراءه وافكاره.
بنفس الوقت اتسمت لغته بليونتها وابتعادها التام عن التقعر واقترابها من اللغة التي تتأرجح مابين النثرية والشعرية بشكل عام،فبدت سلسة ومطواعة وموحية.هذا اضافة الى نبرة النقد المغلفة بالسخرية التي تبدو واضحة في عدد من الموضوعات التي تناولها كما في المقال المعنون "حزب الفشلة " ففي هذا المقال نجده  ينتقد الاحزاب السياسية التي جاءت بعد العام 2003 وفشلت تماما في تقديم اي شيء للوطن والمواطن.فآثر ومن باب السخرية والنقد اللاذع أن يعلن انتماءه لحزب الفشلة  فهو اكثر جدوى وصراحة ووضوحا وصدقا من كل الاحزاب الاخرى .
في عموم كتابات سعيد يبدو واضحا جدا مايسعى اليه من اهداف وافكار ينوي ايصالها.ولن يجد القارىء صعوبة في التوصل الى ما يبغي اليه، وهذا امر يبدو في غاية الاهمية عندما يرتبط الامر بفن المقالة الصحفية التي تخاطب جمهورا واسعا من القراء يتنوع في مستوياته الثقافية .
كما تعكس كتاباته ارتباطه الوثيق بالحياة،فهو على تماس حيوي ومباشر معها ومع مايطفو على سطحها من احداث عامة او خاصة تتعلق بشعبه. وهذا هو جوهر مهمة الكاتب والمثقف ومسؤوليته الانسانية والمهنية في آن واحد.وفي خضم هذا الانتماء والتفاعل مع الحياة نجده يقظا في الامساك بمسار واضح في كتاباته ينأى من خلاله عن التشتت والقفز في تناول موضوعات مختلفة.ذلك لأنه قد التزم بشعبه وقضاياه،تاركا الموضوعات الاخرى لكي يكتب عنها كتابا اخرين.
ايضا يعكس توفيق في مقالاته استجابته الواعية لماحصل من متغير في بنية الكتابة في اطار المقالة الصحفية،خاصة من ناحية  عدد الكلمات،فكل مقالاته تتراوح مابين 300 الى 500 كلمة وهذا مااصبح عليه شكل المقالة المعاصرة وماتقتضيه من ايجاز وتكثيف في بنائها والتخلي الواضح عن الاستطراد والمقدمات المطولة مما كان يعد سمات واضحة للمقالة في بنيتها الكلاسيكية .
غلاف المطبوع  
فيما يتعلق بغلاف الكتاب بما شكله من مفتتح للدخول الى عالم المؤلف فأنني قد وجدت ان المصمم رغيد جرجيس حبش كان موفقا الى حد كبير في قراءة افكار الكاتب وايجاد نص بصري موازٍ  لها ،وذلك باعتماد اللون الاسود مفردة مهيمنة على  معظم مساحة الغلاف الاول،وهذا الاختيار جاء منسجماً مع تراجيديا المكان الذي تحركت عليه موضوعات وافكار الكاتب سعيد.
تظافر مع اللون الاسود مجموعة (فيكرات)اشكال بشريية مشغولة بخطوط حادة،تتداخل وتتجاور وتتقاطع مابين اللونين الاسود والابيض،فما يلفت انتباهنا أن كل الوجوه تنظر بأتجاه واحد، لتلتقي هذه النظرة مع زاوية نظر قارىء الكتاب. وجميع هذه الوجوه (الفيكرات) تبدو لنا وكأنها  تكشف عن نظرة فيها الكثير من الترقب والانتظار، لتبدو وكأنها  تعيش حالة هي اقرب الى المحنة منها الى نكبة تحيط بها.ويشكل حضورهذه الوجوه البشرية بكليتها مفردات لغوية مختلفة تنسج متناً لحكاية انسانية.كما اضاف وجه الطفلة الذي وضعه المصمم  في الزاوية العليا اليسرى من الغلاف بعدا زمنيا وانسانيا الى التصميم،منح القارىء احساسا عميقا بحضور الصوت الانساني بكل براءته ونقاءه وطهارته وهو يأتي من الغد متأملا في لحظة تفاعل وتفكير وتساؤل،زمناً ماضياً مستسلماً،تكدَّس عليه الصمت ثقيلا.ومما عمّق هذه الفكرة أن جعل المصمم جميع الوجوه مغطاة بغلالة شفافة،غيّبَ من خلالها ملامحهم،وفي مقابل هذا منح وضوحاً واشراقاً  لوجه الطفلة،والذي شكل بحضوره معادلا موضوعيا يشير الى الغد في مقابل الوجوه البشرية بما تعكسه من انتماء للماضي والحاضر بكل مايحملانه من غموض وقلق وهواجس .
سبق للكاتب توفيق سعيد ان اصدر خمس مجاميع شعرية حملت العناوين الاتية: ديوان  الجسد عام 1985،الى السمراء قبلات وبكاء عام 2003 ،سيمفونية الرجل المهموم بسعادة عام 2004 ،أحمل زورقي لأغرق عام 2006،قناديل ومواويل عام 2008 .

http://www.alquds.co.uk/?p=885353  رابط الحوار في القدس العربي الناقد ياسين النصير: الثقافة العراقية بريئة من الدم والعنف ...