الأربعاء، 26 مارس 2014

الثلاثاء، 18 مارس 2014






http://al-aalem.com/5451-%D8%AA%D9%8E%D9%85%D8%A7%D9%87%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%A7%D9%82%D8%B9%20%D9%85%D8%B9%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8F%D8%AA%D8%AE%D9%8A%D9%91%D9%84.html 
رابط المقال في صحيفةالعالم الجديد البغدادية الثلاثاء 18 / 3 / 2014


 

فرانكشتاين في بغداد
رواية للكاتب احمد السعداوي

                   تَماهي الواقع مع المُتخيّل              
                                    
                                                 مروان ياسين الدليمي
منشورات الجمل بيروت – بغداد
الطبعة الاولى 2013
ماوراء السرد
السعداوي وهو يبني روايته ذَهَب في مَسارٍ فنيٍّ إستَمَدَ حمولته من تقاناتِ ماوراء السرد،فأوكَل مسؤولية سرد الحكاية إلى ساردين إثنين.الأوّل،مؤلفٌ خارجيٌ(ضِمْني).والثاني مؤلفٌ داخليٌ (مُعْلَن) يُشكل حضوره جزء من شخصيات وبنية العمل ذاته،كما اشار الى ذلك الناقد ــ والاس مارتن ــ في كتابه نظريات السرد الحديثة "إنَّ السرد المُضَمَّن،هو القصة التي تسردها شخصيةُ في القِصَّة،هي مُضَمَّنةٌ ".
السعداوي وهو يتناول العنف والتفجيرات التي سادت العاصمة بغداد مابين الاعوام 2003 – 2005 بعد سقوطها في قبضة الاحتلال الاميركي،لم يستند على شخصية رئيسة واحدة تتمحور حولها الرواية،انما عدد من الشخصيات،منح لكل واحدة منها مساحة واسعة من الاهتمام والمتابعة.
الشخصيات
إيليشوا العجوز المسيحية التي فقدت ابنها دانيال قبل عشرين عاما في الحرب،مازالت تنتظر عودته،ورفضت أن تغادر العراق مع بناتها الى استراليا لتبقى وحيدة في بيتها مع قطّتها نابو..وهناك شخصية فرج الدلال صاحب مكتب دلالية الرسول للعقارات،الذي استثمر أجواء الفوضى،وغياب الدولة،ليضع يده على العديد من بيوتات حي البتاوين مجهولة المالك،ليحوَّلها الى موتيلات صغيرة ورخيصة،يقوم بتأجير غرفها الى العمال الوافدين من المحافظات أو العوائل الهاربة من مناطق مجاورة لاسباب طائفية،وقد حاول أكثر من مرة أن يقنع العجوز ايليشوا في أن تبيع بيتها ولم ينجح. وهنالك أيضا شخصية هادي العتّاك جار العجوز إيليشوا الذي طلب منها أكثر من مرة أن تبيعه الانتيكات التي تحتشد في بيتها ..وشخصية أبو زيدون الحلاق،الرجل الحزبي الذي قاد ابنها من ياقته الى المجهول وفقدته بسببه..وشخصية أبو أنمار صاحب فندق العروبة الذي بات شبه مهجوراً بعد نيسان 2003 كغيره من الفنادق.إضافة الى شخصيات أخرى تضمها صفحات الرواية تشكل بحضورها نماذج طفت على سطح المجتمع العراقي خلال الاعوام التي اعقبت سقوط بغداد،منهاعلى سبيل المثال:حازم عبود المصور الصحفي الحُر،محمود السوادي الصحفي الشاب الطموح،نوال الوزير مخرجة سينمائية في الاربعين من العمر الصديقة المقربة لرئيس تحرير جريدة الحقيقة علي باهر السعيدي،العميد سرور محمد مجيد مدير دائرة المتابعة والتعقيب .
في اولى الصفحات بدأ السعداوي مُستنداً إلى إجراء تقني يحاكي آليات السرد(المَاوراء قَصَّي)وذلك بانفتاحه الواضح على استثمار سجلات ومخطوطات ووثائق ورسائل..فقدافتتح الرواية بهذه الجملة:"تقريرنهائي،سريّ للغاية ". بعدها أورَدَ مجموعة ملاحظاتٍ وتوصياتٍ وقراراتٍ،سجَّلتها لجنة تحقيقية خاصة،تتألف من ممثلين عن المؤسسة الأمنيّة والاستخبارتية العراقية،ومراقبين من الاستخبارات العسكرية الاميركية،وتتعلق هذه النقاط،بعملِ دائرة المتابعةوالتعقيب،المرتبطة جزئياً بالادارة المدنية لقوات الائتلاف الدولي في العراق.إلاّ أنَّ السعدواي وبَعدَ أن يُنهي عمله الروائي ،يكتب في الصفحة الاخيرة،إشاراتٍ،ينفي فيها وجود "دائرة رسمية عراقية باسم دائرة المتابعة والتعقيب.بالوصف الذي وردت فيه داخل الرواية،لابالأشخاص ولابالأسماء ولا بالمَهام أو الأحداث ،وأيّ تشابه بينها وبين دائرةٍ فعليةٍ لها الاسم نفسه،فهو أمرٌ غير مقصود". وبهذه الإشارة التي يدفع بها الى القارىء يضعه أمامَ لعبة فنيةٍ ليس إلاَّ يتوجب عليه أن يعيد قراءتها اكثر من مرة لكي يمسك بخيوطها المتشابكة .
رواية داخل الرواية
معمارالرواية تمظهر بعدة مستويات متراكبة ومتداخلة مع بعضها، تنتمي من حيث الشكل والمضمون إلى مايطلق عليه اصطلاحاً (ماوراء السرد) كما اشرنا،وذلك:لانفتاح فضائها على استثمار تقانات(الرواية داخل الرواية).وبذلك إبتعد العمل عن إعادة انتاج الواقع،بواقعيته المألوفة والمرئية،في مقابل أستحضار واقع مُتخيَّل للكشف عنه.
وفق هذا الاجراء الفني،لم يعد بامكان القارىء،الاستدلال على أيِّ منهماــ الواقع والمتخيَّل ــ طالما يتبادلان المواقع والادوارفي لحظاتٍ خارج التَّوقع،دون تمهيد واستدراج،ليصبح الواقع خيالاً، والخيال واقعاً.
هذا الأنطباع يتولد بكثافة،من خلالِ مخطوطِ روايةٍ يتم العثورعليها من قبل أفراد دائرة التعقيب والمتابعة،أثناء تفتيشهم في غرفة مؤلف روائي شاب،بحثاً عن شخصية مجرم بات يخلف وراءه بين فترة وأخرى عديد من الضحايا،وتتألف المخطوطة التي لم تكتمل بعد  ،من مئتي صفحة مقسَّمة إلى سبعة عشر فصلاً.إعتمد فيها المؤلف(المُعْلَن)صاحب المخطوطة على مجموعة من الوثائق ،سُرِّبت اليه من دائرة المتابعة والتعقيب،تتعلق بشخصٍ مُطاردٍ من قِبل السلطات العراقية والأميركية،يُشتبه بارتكابه لعدد من  جرائم القتل.
السعداوي صاغ حبكة روايته بذكاء واضح،الى الحد الذي تماهى فيها الواقع مع الخيال،وذلك عبر شخصية بائع الاثاث المستعمل (هادي العتّاك)الذي يعمل على إنتاج وَهْمٍ تعوَّدَ أنْ يَسرُدَهُ في حكاياتٍ غريبةٍ وطريفةٍ على مسامع رواد مقهى عزيز المصري ،مُستجيباً لطلباتهم،رغم قناعتهم بأنَّ مايسرده ليست سوى حكايات غريبةتختلقها مخيلةٍ مخبولةٍ،يعيد العتّاك من خلالها  الحياة الى أشلاء بشرية،يتولى جمعها من عدة أجساد لضحايا كانوا قد سقطوا قتلى نتيجة انفجارات تقع  هنا أوهناك،وقد سمى هذا المخلوق  (الشِسْمَهَ)لأنه حسب قوله :"ليس جثة فعلاً .الجثة تشير إلى شخص أو كائن مُحدَّد وهذا مالاينطبق على الشِسمه". بينما اطلق عليها إسم تسمية(فرانكشتاين)الصحفي محمود السوادي الذي سمع القصة من هادي العتَّاك مثل بقية رواد المقهى،وتمكن من اقناعه بأن يسجل صوت(فرانكشتاين/الشِسمه)على شريط صوتي بجهاز تسجيل صغير أعاره للعتّاك،الذي مالبث أن أعاده إليه بعد عشرة ايام، ليستمع الى الصوت وهوياتي عميقاً من جهاز التسجيل :" أنا الردُّ والجواب على نداء المساكين.أنا مُخلِّصٌ ومُنتَظرٌ ومَرغوبٌ به ومأمولٌ بصورة ما..أنا الردٌّ على ندائهم برفع الظلم والاقتصاص من الجناة.سأقتص بعون الله من كل المجرمين.سأنجز العدالة على الارض أخيراً،ولن يكون هناك من حاجة لانتظار مُمِضٍّ ومؤلمٍ لعدالةٍ تأتي لاحقاً في السماء أو بعد الموت ...... " .
مَنَحَ السعداوي شخصية(الشِسْمَهَ/ فرانكشتاين)مساحة وحضوراً في بناء وتطور الاحداث،خاصة مع كلِّ جريمةِ قتلٍ تقع في حي البتاوين،إضافة إلى أحياء أخرى في العاصمة بغداد: "فالشِسمَه،مَصنوعٌ مِن بقايا أجسادٍ لضحايا،مُضافا إليها روحُ ضحيةٍ وإسمُ ضحيةٍ أخرى.إنَّهُ خلاصةُ ضحايا يطلبون الثأر لموتهم،حتى يرتاحوا.وهو مخلوقٌ للأنتقام والثأر لهم ".
التراجع والتكرار 
الزمن السردي الذي نسج فيه السعداوي تفاصيل أحداث روايته لم يكن يسير بخط مستقيم،بقدر ما اعتمد على الاختلالات الزمنية "تتميز الاختلالات الزمنية بالمدى والاتساع " كما جاء في كتاب "نظرية السرد من وجهة النظرالى التبئير" لجيرار جنيت واخرين.  وبتأثير من آليات الفن السينمائي تحرك الزمن السردي لديه وفق تركيبةٍ مونتاجية لعبت على مفردة التراجع والتكرار،وهو إجراء يتيح له أن يسردَ حدثا واحداً من عدة شخصيات،وبذلك يكون قد التجأ الى تفتيت الزمن الى وحداتٍ صغيرةٍ،ليعيد بنائهاجزئية جزئية،حتى تكتمل صورة الحدث،هنا يكون السعداوي قد تجاور وتماهى كثيراً مع مايتيحه المونتاج السينمائي من حرية وسرعة في القطع والانتقال السريع لبناء الحبكة في الفلم. 



الاثنين، 3 مارس 2014

http://al-aalem.com/4676-%D8%A8%D8%AF%D9%84%D8%A9%20%D9%88%D8%B1%D8%A8%D8%B7%D8%A9%20%D8%B9%D9%86%D9%82%20%D9%88%D8%B4%D9%87%D8%A7%D8%AF%D8%A9%20%D8%AF%D9%83%D8%AA%D9%88%D8%B1%D8%A7%D9%87*.html
رابط مقالي في صحيفة العالم الجديد 9 شباط 2014                                



                  بدلة وربطة عنق وشهادة دكتوراه *

                                                               مروان ياسين الدليمي

مسؤوليتنا أمام عوائلنا تشكل جزءً كبيراً من محنتنا الشخصية،هي بمثابة قيدٍ ثقيل يلجمُ حريتنا في مواقف كثيرة،ويفرض علينا خيارات محددة،لاتتيح لنا في أغلب الأوقات اختيار ماينبغي أن نختار مما هو أكثر صحّةً وسلامةً ودقّةً من مواقف تعكس في جوهرها قناعاتنا ومبادئنا،تجاه مايواجهنا من حالات نرفضها،سواء في ألأماكن العامة أوفي أماكن العمل،وعادة مايكون أبطالهاغريبو الاطوار،أقل مايقال عنهم،شُذاذ، انتهازيون،لصوص،متصابون،كذابون، أدعياء ثقافة .
أمثال هؤلاء،لديهم من الاساليب مَايربأ البشر الاسوياء بأنفسهم،بعيدا عنها، وعن الذين يلجأون اليها تحقيقا لما يصبونَ اليه من مَالٍ أوشهرة،أو وجاهة اجتماعية طالما إفتقدوها،وذلك لخللٍ يكمن في ماضيهم أو سيرتهم الشخصية.
وبما أنَّ الحصول على لقب علمي،عبر المال  والتزوير بات سهلُ المنال، أصبح  البعض مِن هؤلاء ــ ممن يحمل شهادة اكاديمية عليا ويحرص بشكل مُبالغٍ به على أن يسبِق اسمه لقب دكتورــ لايتردد في أن يستثمر لقبه العلمي أسوأ استثمارٍ في دائرةٍ لاتخرج عن شبهة التزييف أوالتحريف أوالسرقة.وليس الأمر هذا مقصورا على دهاليز السياسة وكواليسها المظلمة،بل تعداده الى أروقة الأدب والثقافة،وهذا هو مربط حديثنا.
في كثير من المواقف تعجز تماماً منظومة الثوابت والقيم الاخلاقية،والتي عادةً ماتفصل بين سلوك الانسان وسلوك الحيوان،في صدِّ مايصدرُ  عن  هؤلاء من تحطيمٍ وتشويهٍ للقيم الانسانية،لتتهاوى بذلك أمام وقاحتهم،سُبل الحوار المُتمدن والمتحضر في أرقى صورها!  
عند ذاك،ستجد نفسك مُرغَمَاً أمام خيار وحيد،لامفرَّ من اللجوء اليه،وليس من السهولة الانزلاق فيه.
خيارٌ يدعوكَ أنْ تُنحّيَ جانباً كل ماقرأته من روايات وفلسفة وشعر،كما يدعوك لأنْ تعتذرَ من أفراد القبيلة التي تنتمي لها:شكسبير وماركس وسارتر ونصر حامد ابوزيد وديستويفسكي وماركيز وشاكر سيفو وعلي بدر وفرج فودة وزهير بردى وحيدر سعيد وعلي شريعتي وهيثم بردى وعبد الخالق الركابي ونجيب محفوظ وعبد السادة البصري وكمال سبتي والسياب وكرم الاعرجي وسعدي يوسف ورعد فاضل  وآخرين .
تعتذر لهم،وتتناسى مؤقتاً،ماتعلمته منهم خلال عقود من القراءة والبحث والتأمل،من اساليب ومعالجات وافكار وأنت تواجه الحياة.ليس لأنَّ افكارهم وفلسفتهم،باتت متخلفة وقديمة ورجعية،ولم تعد تصلح للأستعمال الآدمي.
بل على العكس من ذلك،تعتذر منهم،لأنَّ ماجاءوا به من قيمٍ،لاتصلح إلاّ أنْ تكون منظومةَ للأرتقاء بإنسانية المجتمع البشري.
ولأنك في مثل هذه المواقف،تتواجه مع فصيلةٍ لاتنتمي للجنس البشري إلاّ من حيث الهيئة والشكل والهندام: بدلة وربطة عنق وشهادة دكتوراه  .
فصيلةٌ مُستئذِبةٌ مُتوحشِةٌ،لاتَردَعُ رغباتها وشهواتها ودناءتها،حكمةٌ بليغة ٌلعلي بن أبي طالب ولاصرامة عمر بن الخطاب ولادم الحسين ولامحبة المسيح ولاتسامح مانديلا ! .
ليس أمامك هنا،إلاّ أن تعتذر من هذه الاسماء،وتنحني احتراما وتقديرا لها،قبل أن تطوي جذعك للأمام لتمدَّ يدك الى قدمك وأنتَ تفكر في أستعادةِ وأستعارةِ موقفٍ سَبق أنْ مرَّ به الرئيس الاميركي بوش الأبن،على يد صحفي شاب،قبل أن يلقي كلمته أثناء زيارته العراق في 14 ديسمبر 2008 .  
إلى كل الاسماء الكبيرة بعطائها،وأخرى لم يسعفني المجال لذكرها:- أخشى ياسادتي،أنْ أقدمَ لكم اعتذاراً بين فترة وأخرى.
*مناسبة المقال،ماجاء من إساءةٍ طالت عملي المهني،أوردَها أحد أدعياء الثقافة،في مقال خصنّي به.  جوهرها قائم على تزييف الحقائق،




http://www.azzaman.com/?p=52756
 رابط المقال في صحيفة الزمان اللندنية 27 نوفمبر 2013




                 قتلة ...

رواية للكاتب العراقي ضياء الخالدي 

                    تدميرُ الوطن المُقدَّس
                                          مروان ياسين الدليمي
الطبعة الاولى 2012
الناشر:التنوير للطباعة والنشر والتوزيع
في حيثيات بنيته الفنية يشير النص الروائي المعنون (قتلة) للكاتب ضياء الخالدي،إلى مستوى النضج الذي باتت عليه نماذج عديدة من الرواية العراقية التي صدرت خلال الاعوام العشرة الاخيرة،منذ العام 2004 .
تعود اسباب هذا المتغير النوعي في المستوى التقني،الى طبيعة التحولات التي شهدها مستوى الوعي لدى جيل جديد من كتاب الرواية في إطار رؤيتهم لمفهوم السرد واجراءاته الفنية داخل المشغل الابداعي .
من هنا وجدنا انفسنا أمام نماذج عديدة من الرواية العراقية وقد تحرر معمارها السردي من معطيات القوالب والاعراف المألوفة مُتّجها نحو فضاءات سردية تنحاز في خياراتها بشكل واضح الى ذاتية المبدع     وخصوصية تجربتة،وبذلك ابتعدت عن النمط(الفلوبيري:نسبة الى فلوبير) واقتربت من النمط(البروستي:نسبة الى مارسيل بروست)مثلما اصطلح عليها الناقد بشير حاجم في سعيه النقدي الدؤوب لتشخيص هذه التحولات. هذا التحول اضفى أوجُهَاً جديدة للمشغل السردي العراقي،سابغا عليه سمة الحيوية والتجديد.


مخزونات الألم
في كتابه المعنون(فن الرواية )للناقد ب.لوبوك يقول:"الروائي فنان،وعلى الناقد أن يفهَمه من داخل عمله"..وهذه الاشارة من ناقد كبير تعني في جانب من تشظيات مدلولاتها  على أننا في عالم  الرواية ازاء تجربة فنية تنهض بحضورها الشكلاني من خلال وجهة نظر شخصية واحدة ــ كما هو الحال في رواية قتلةــ أو عدة شخصيات يعتمد عليها الروائي لتمرير خطابه السردي.
الخالدي في رواية (قتلة)قد أمسك في مسار بنيته السردية بمهارة واضحة،لمْلَمَ فيها شظايا حياة متناثرة لمدينة بغداد، بوصفها بؤرة مكانية موضوعية،وبنفس الوقت شكلت ذاكرة للذات الساردة.
ومع ذلك لابد من الاشارة إلى أن المكان في نص القتلة لم يكن مرتبطاً بالتفاصيل الجغرافية،بقدر ماجاءت دلالة المكان علامة على مخزونات الالم والخوف،سواء في الذاكرة الفردية أوالجمعية داخل احداث الرواية. 
إستند الخالدي على صوت واحد ليكشف من خلاله عالما مرعبا يَنسجُ تفاصيل حكاياته الدموية مجموعة من القتلة الممسوخين،كانوا في يوم ما ينتمون الى الحركة اليسارية،وبعد سنين طويلة قضوها في المنافي تحولوا إلى محترفي قتل لايعرفون الرأفة.
عودتهم الى الوطن كانت بمثابة قَدَر أعمى سقط على رؤوس الناس،ليفرض الموت حضوره في لعبة عبثية بين احياء العاصمة العراقية بغداد. " كل رصاصة تنطلق،بعبثية أو بقصد،في سماء حي من احياء بغداد يعني قتلاً لملامحها. تشويه متعمد يبعث على تغيير صورة قديمة الى صورة أكثر بشاعة ".
اختار الخالدي موظفا متقاعدا مصابا بالعقم تجاوز العقد السادس من عمره   وعمل طيلة مشواره المهني موظفا حكوميا في قسم الارشيف،إختاره ليكون الشخصية المحورية الساردة للأحداث،ولينفرد(عماد الغريب) ولوحده في أن يكون محركاًوموجها لمسار احداث الرواية.
بهذه القيمة الاجراءية تم تغييبُ السارد الكلّي العِلم،لصالح السارد الضمني. "الحزن تاريخ ممتد لاينقطع.إننا مثل الارانب الخائفة التي ترفع اذنيها وتحدق بشتى الاتجاهات.هناك خطر محدق.ينبغي الاختباء والسّير بحذر ،وحين نسمع صوت اطلاقة نفرّراكضين صوب مخابئنا " .
عماد الغريب ــ الشخصية المحورية/الساردة ــ تم رسمها لتكتسب حضورها النفسي والاجتماعي من كونها تنتمي الى الطبقة الوسطى،فحمَّلها هذا الانتماءتركيبة قلقة،كشف ترددها وتأرجحها مابين ثوريتها وانتهازيتها. فبدا لنا نموذجاً للمثقف البرجوازي بالمعنى الايدولوجي وليس بالمعنى الطبقي،الذي عادة مايتحصن بالأفكار حول تغيير العالم،لكنه لايملك استعداداً للمغامرة دفاعا عنها،بل يتراجع الى الوراء متخليا عن رغبته في إسعاد الناس حالما يشعر أن الاذى يوشك أن يصل الى جسده،لينتقل الى قناعات اخرى بكل سهولة."أخشى أن تكون جلساتناهذه،أشبه بالجلسات التي كنت اشارك فيها في زمن الاخوين عارف،واخشى ايضا ان تشبه جلسات فرقة الحمزة في زمن الوحدة والحرية والاشتراكية،واخشى ان تكون مثل حلقات العقيدة في الشهور الاولى بعد السقوط ".
ثنائية الدين والسياسة
احداث الرواية التي اتسمت بتنوع التفاصيل،تنمو وتتطورمن خلال الشخصية المحورية،وقد إستحوذت بحضورها على المسار العام للحكاية، فكشف المؤلف من خلالها عن خفايا مدينة بغداد بعد أن سقطت تحت الاحتلال الاميركي عام 2003.وليسقط سكانها أسرى عصابات اجرامية منظَّمة يقودها رجال دين ــ الشيخ مؤيد نموذجا ــ ومناضلون سياسيون سابقون ـ ديار وعبود ــ قضوا اكثر من ثلاثين عاما في المنافي ليعودوا بعدها الى بلدهم وهم يحملون مشاريع غامضة أحالت شوارع العاصمة واحيائها الى مساحات من الخوف والوشاية والقتل على الهوية الطائفية. "هكذا أدوّن ماتختزنه ذاكرتي من مدَّخرات عن محلات العاصمة،التي أغلقت الآن بأسوار الخوف والنهايات.بغداد التي مدّت رأسها لكي تتجمّل من غبار سنواتها العجاف،تعود اليوم مصابة بمس من الجنون،لاتعرف مايُدبَّر لها..تسير بين عواصم العالم وهي تستنجد بتاريخها وحضارتها ".
في هذا النص الروائي نجد الدّين والسياسة يتقاسمان الادوار في لعبة الموت بين احياء مدينة مات ليلُ العشاق فيها "وتحول شعراؤها إلى كتابة مدونات الرثاء..جدران كونكريتية عالية أغلقت المدن ورُصفت أمام واجهات الدكاكين ".
يتورط عماد في لعبة قتل عبثية يقف خلفها أناس لم يبخلوا على أنفسهم أيّة وسيلة إلاّ واستثمروها لأجل ذلك،بما فيها استثمار الجن والشعوذة،كما في  شخصية شكرية المرأة العجوز التي تجاوزت العقد الثامن من عمرها والتي كانت تعمل عاهرة فيما سبق من الايام قبل أن تتقاعد من هذه المهنة لتصبح قارئة للغيب.
حينما تفقد الحياة اليومية صفائها وتتهشم تلقائيتها لم يعدالهروب ممكنا أمام شخصية عماد الغريب،خاصة بعدأن يصَّل إلى نتيجة مؤلمة يدين بها نفسه:" أنا قاتل ضمن مجموعة،توقعتُ أنها لاتنتمي لأي حزب أو عقيدة سوى عقيدة الوطن والدفاع عنه.فكانت العقيدة هي المال والنزعة إلى تدمير الوطن المقدس.نزواتنا تحكُم،والعقيدة قشرة أو غلاف يخفي ذلك السواد القابع في داخلنا.نعم كل المولعين باليوتوبيا والجنَّات الخضر على الورق،يتحولون إلى وحوش عند استلامهم السلطة".
عندما يصبح  أمر العودة الى الوراء مستحيلا يجد عماد نفسه وقد امسى هو الآخر مطاردا من قبل رفاق الامس/القتلة. فما كان منه إلاّ أن يهرب منهم،متنقلا مابين احياء بغداد،لينتهي به الحال جالسا في العراء في منتصف الطريق مابين بغداد وكركوك منتظراً أن يتحرك الرتل الطويل لأليات مدرعة محملة بالجيش الاميركي،فما كان منه إلاّ أن يحتسي الخمر مستجيبا لدعوة سائق التاكسي الذي استأجره ليعود به الى بغداد. "جسدي أنهكه الإعياء.أرض جرداء موحشة تطبق علينا،فنبدو ضئيلين وسطها. كحجارة مرمية،أو كفئران مذعورة تبحث عن مخبأ ".
ومابين قرار العودة إلى بغداد أواستمرارالهروب منها نحو كركوك تقتله الحيرة.بينما القتلة يربضون داخل سيارة اخرى  تقف خلف الرتل الاميركي من الجهة الاخرى،وهُم ينتظرون تحركه  لملاقاته وتصفية الحساب معه.
تنتهي الرواية عند جملة مفتوحة على احتمالات شتى،مشحونة بكل الغموض المترشح من زمن قاتم يهيمن على سماء بلاد يخيم الظلام عليها. "أنهينا قنينة العرق والاميركان لم يتحركوا.تمددنا على حصيرة القش وغرقتُ في نوم لم أذق مثله منذ زمن طويل ".
تأتي هذه الجملة التي أختُتمت بها أحداث الرواية لتضيء عبارة  بليغة إختارها الخالدي من الفيلسوف نيتشه،وضعها في اولى صفحات الرواية لتكون عتبة اولى تواجه القارىء بمحمولاتها وتأويلاتها،أضاءت بدلالتها قلق وهواجس المؤلف  ازاء مايجري من عنف وقتل في بلده،ومن خلالها رسم المناخ العام لخطابه السردي قبل الدخول  الى تفاصيله :" من ينازع وحوشاً يجب أن ينتبه جيداً ألاّ يتحول إلى وحش.فحين تطيل النظر إلى الهاوية،تنظر الهاوية إليك .. "
http://al-aalem.com/5167-%D9%81%D9%8A%20%D9%85%D9%88%D8%B7%D9%86%20%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%81%D8%B7%20%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%B1!.html  

رابط مقالي المنشور في صحيفة العالم الجديد الاحد 2 اذار 2014

                               

                               في موطن النفط والشعر

  إشارة ٌ،حول واقع حال،اتحاد ادباء وكتاب نينوى
                                                 
                                                        مروان ياسين الدليمي
 
في بلد وصلت ميزانيته الى 150 مليار دولار !! منها 50 مليون دولار رواتب لأعضاء البرلمان ! هل يُعقل في بلدٍ بهذا الثراء والبذخ الفاحش،أن يصل الحال باتحاد ادباء نينوى ألى مستوى من الفقر والعوز يدفعهم لأن يعقدوا اجتماعاتهم واماسيهم الثقافية في احد مقاهي المدينة،طالما لايملكون القدرة على تأجير  مبنى متواضع منذ العام 2003 ،يصلح لأقامة انشطتهم  !!! . علماً أن مدينة الموصل فيها الكثير من الأسماء المهمة والكبيرة في عالم الشعر والادب والفكر .
هذا الوضع المزري الذي لايليق بمكانة ادبائها،لم يثنهم عن اداء دورهم النبيل في صنع الجمال والبحث عن المعرفة،ولكم أن تقرأوا وتتأملوا إعلاناً مقتبساً من صفحة اتحاد ادباء وكتاب نينوى في موقع الفيس بوك: " يدعو اتحاد ادباء نينوى الهيئة العامة للانعقاد يوم السبت 22/ 2/ 2014 على قاعة مقهى الكرم لمناقشة عمل الاتحاد ومشاريعه المستقبلية منها مهرجان ابي تمام الشعري الخامس،راجين من جميع الأعضاء تسجيل أسمائهم في سجل الحاضرين يوم الجلسة . "
في مدينة الموصل،هنالك العشرات من منظمات المجتمع المدني تملك مقرات مؤثثة،معظمها مجرد تسميات ليس لها أيّ وجودٍ وأثر يذكر على ارض الواقع ــ على عكس اتحاد ادباء نينوى ــ مع ان تلك المنظمات تتلقى الاف الدولارات بين فترة واخرى من قبل الدولة لتغطية تكاليف فعاليات وانشطة عادة ماتكون وهمية ويتم تسويقها تحت عناوين انسانية كبيرة ! كمساعدة اليتامى والارامل والطفولة والمعوقين والمطلقات ..الخ .
لم يعد سرأ أن الاختباء وراء هذه العناوين الانسانية الهدف منه السرقة واللصوصية،ليس إلاّ..والكثير من رؤوساء تلك المنظمات باتوا بين ليلة وضحاهامن اصحاب الملايين،بعد أن كانوا اناساً فاشلين تلاحق العديد منهم الشبهات..شخصياً انا اعرف،واحدا منهم،في يوم ما كان يعمل(حارسا !) لإحدى القاعات الكبيرة في المدينة حتى العام 2004،وماأن اصبح رئيسا لمنظمة ترعى الطفولة امتلك بعدة فترة لاتتجاوز عاما واحداً بيتاً فخماً وسيارة حديثة(آخر موديل)وبات يقضي نصف ايام السنة متنقلا بين المدن والشواطىء التركية  !.
شخصيا أرى أن هذا الوضع الخطأ،يفرض على رئيس واعضاء الهيئة الاداريةلاتحاد ادباء نينوى ــ وهم نخبة رائعة من الشعراء والادباء الشباب ــ ان يعلنوا للملأ مايكابده الاتحاد من صعوبات تواجه عمله،اولها موضوعة المَقَر.
فالقبول بالأمر الواقع،والتزام الصمت ـــ الذي يعبِّر عن احترام النفس قبل اي شيء آخرـــ لن يجدي نفعاً مع واقع حكومي ينخره الفساد المالي،ويقوده جهاز اداري لم يقدم الدليل الواضح على احترامه للثقافة والمثقفين وعلة العكس من هذا،فقد إقتصرَ واختصرَ اهتمامه ورعايته بنقابة الصحفيين العراقيين واعضاءها.
إن مسؤولية محافظة نينوى تفرض عليه أن يكون واضحاً في موقفه تجاه شريحة الادباء،فهم نخبة المدينة،وعنوان مدنيتها وحضارتها.

(دولة المكونات) مصطلح ملغم بالعنصرية ،من خلاله بدات عملية هدم دول ومجتمعات المنطقة. وفي اللحظة التي سيشطب فيها نهائيا من دستور ( بريمر ) وم...