السبت، 31 مايو 2014


 

حِكمةٌ عِراقيةُ تَتَجلّى في دَارِ الحِكمةِ بإيطاليا

                                            مروان ياسين الدليمي

الروائي العراقي د. يونس صديق المقيم منذ أربعين عاما في مدينة تورينو شمال إيطاليا،لم يكتف بما ناله من علم ومعرفة توّجَها بشهادة الدكتوراه في الادب المقارن  ،بل سعى إلى أن يكون حضوره الانساني والثقافي موازيا لدوره الاكاديمي والابداعي،فلايكفي بالنسبة له أنْ ينشر خمس روايات كتبها باللغة الايطالية ،ولايكفي أنْ ينال أرفع جائزة أوربية تُمنح للعمل الأول المكتوب باللغة الاجنبية ،ولايكفي أنْ يصدر أربع مجموعات شعرية،بل ذهب إلى أبعد من ذلك،عندما أنخرط في العمل الاجتماعي لمساندة المهاجرين، من العرب والمسلمين على حد سواء،والعمل بكل مايملك من علاقات رصينة مع ألأوساط العليا في المجتمع الايطالي لأجل ألمساهمة بشكل فاعل في اندماجهم مع المجتمع الجديد،وتحقيق كل مَامِن شأنه أنْ يُساهم في ارتقاء العلاقات الانسانية بين مكونات المجتمع، بالشكل الذي يحقق الأمن والسِّلم الاجتماعي.
من هنا جاء مشروعه بتأسيس دار الحكمة،لتكون مؤسسة تمارس دوراً ثقافيا واجتماعيا،تلتقي بين أروقتها ثقافة الشرق بثقافة الغرب،على أسس يفرضها حوار متبادل،من أجل تعميق وإثراء الثقافة الانسانية،ولتبديد عوامل الخوف والشك والالتباس التي سادت المجتمع الدولي بعد شيوع ظاهرة التطرف الديني خاصة بين المسلمين،منذ مطلع ثمانينات القرن الماضي .
كان تأسيس الدار في منتصف تسعينات القرن الماضي حلما أثيراً لدى يونس صديق ظل يداعب مخيلته عدة أعوام منتظراً اللحظة التي يجد فيها عوامل تساعده على تحقيق هذا المشروع،وليصبح أمراً واقعاً قابلا للتنفيذ،خاصة وأن الكلفة التي تقتضي إنجازه لم تكن ملك يديه،فتمكن بعد جهود حثيثة من الحصول على مبنى قديم تابع لبلدية تورينو،وبدأ مع زميله المهندس المعماري العراقي محسن كاظم كريم ..الذي يقيم هو الآخر منذ اكثر من 30 عاما في إيطاليا في رسم مخططات جديدة لأعادة ترميم وتصليح وتحوير المبنى بالشكل الذي يخدم المشاريع الثقافية والاجتماعية الكبيرة التي كانت في مخيلة يونس،وبعد مضي أكثر من عام،انتهى العمل بكل مراحل التعديلات التي أجريت على المبنى،وأصبح بشكله المعماري الجديد يضم في طابقه الارضي مطعماً شرقيا بطرازه المغربي،وتُقدَّمُ فيه أصناف الأكل الشرقي والايطالي ،والطابق الاول من المبنى،ضمَّ صالة كبيرة لعقد الأمسيات والندوات الثقافية،تتسع لأكثرمن 200 كرسي،مع كافتيريا صغيرة مجاورة تستوعب أكثر من أربعين كرسياً،هذا إضافة إلى حمام شرقي بات يستقطب الإيطاليين مثلما يستقبل العرب المهاجرين،من النساء والرجال في أيام مخصصة لكل منهم.
إستضافت الدار بفضل السمعة الرصينة التي يتمتع بها د. يونس صديق بين أوساط المثقفين العرب والاجانب،العديد من ألاسماء الكبيرة في عالم الابداع والثقافة العربية وخصصت لها أمسيات وندوات،حضرها جمهور كبير من الجاليات العربية المقيمة في ايطاليا واوربا،فقد شرَّف الدار على سبيل المثال،الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش،والروائي المغربي الكبير الطاهر بن جلون،والكاتبة المصرية د. نوال السعداوي والروائية السعودية رجاء العالم والشاعر الفلسطيني سميح القاسم والشاعر السوري الكبير ادونيس والمخرج المسرحي العراقي سامي عبد الحميد والفنان سامي قفطان،هذا إضافة الى ضيوف اخرين من إيطالين وأوربيين .
لم يقتصر الأمر على أستضافة الشعراء والأدباء بل تعدى ذلك إلى تفعيل الانشطة الفكرية الاخرى،فقد شهدت الدار جلسات وندوات تناولت شؤونا مختلفة يضج بها العالم العربي والاسلامي،شارك فيها مفكرون وسياسيون من الشرق والغرب ،اخرها كانت ندوة عقدت في منتصف شهر ايار /مايو 2014 لمناقشة المتغيرات السياسية الحاصلة في  سوريا والعراق وليبيا والجزائر وتونس،حضرها ممثلون عن هذه البلدان في المقدمة منهم الباحث الاجتماعي الجزائري د. فؤاد علام وايمان بن محمد من تونس ومروان ياسين وهيثم بردى من العراق .
كما أستضافت أروقة الدار أمسيات فنية أحياها موسيقيون عرب معروفين مثل عازف العود العراقي الفنان خالد محمد علي وعازف القانون حسن فالح،كما أقيم على أرض الدار معارض فنية لفنانين تشكيليين،منهم الفنان العراقي الراحل د.إياد العبَّار،أيضا شهدت الدار إقامة معارض فوتوغراف،وحفلات لتوقيع إصدارات أدبية جديدة .
ملامح الدار وهويتها الثقافية باتت تتضح يوماً بعد آخر وأمست جزءاً حيوياً من ألمشهد الثقافي الايطالي،لايمرعليها يوم واحد دون أن تكون بؤرةً لنشاط ثقافي وأجتماعي يلقي بظلاله الورافة على مدينة هادئة كانت ومازالت عنواناً بارزاً لصناعة السيارات.
ألأجمل في دار الحكمة مانجده من عناصر وكفاءات فنية ومهنية شابة استطاع يونس صديق أن يحتويها بين أروقة الدار،فهنالك سينمائيون شباب من المغرب العربي،مثل المخرج الكبيرمفتاح وسعيد نجاع،فقد وجدا في دار الحكمة فضاءاً رحباً،من خلاله تمكنا من تحقيق أولى خطواتهم في عالم الفن السينمائي والمسرحي بعد أن فتح صدّيق ذراعيه لهما،وقدم كل مايحتاجونه من دعم مادي ومعنوي،فأنتجا أفلاما سينمائية قصيرة،سيشاركان فيها في المهرجانات الدولية،هذا إضافة إلى ألأعمال المسرحية،وفي الجعبة مشاريع أخرى، في النية العمل عليها وانجازها .
كل ماتحقق عبر هذه الدار أساسه خاصية الاعتدال في الرؤية والمواقف التي  يتسم بها مؤسسها ومديرها د.يونس صديق،وهذه الصفةهي التي جعلته محطَّ احترام جميع الاطراف رغم اختلافاتهم الفكرية،وهذا ماسعى اليه دائما في أن يكون عامل جَمع لماهو مختلف،والنأي بأحلامه ومشاريعه بعيداَ عن حافات التطرف،وقد ساهمت شخصيته الادبية الرصينة وأناقة طبعه،في تحقيق هذا الهدف السامي .
وعلى الرغم من أنّ صدّيق يحمل الجنسية الايطالية إلاّ أنه لم يتخلى عن ارتباطه الوثيق بوطنه الاصلي،بل واصل كفاحه الجاد لتقديم المعونات لشعبه وأهله في معظم الازمات التي مرّبها،فأرسل شحنات من الادوية أيام الحصار في تسعينيات القرن الماضي،كما أرسل الاغذية بعد أن تكللت جهوده بالنجاح في اقناع منظمات وجهات رسمية وغير رسمية لتقديم المساندة والمساعدة لوطنه الأم .
في كلِّ ماأنجزه يونس صدّيق،ومايسعى الى إنجازه في قادم الأيام لايقصد شيئا سوى أن يفتح أبواب اللقاء والحوار بين الحضارات والثقافات الشرقية والغربية،لازاحة ماتراكم من أوهام وهواجس تسببت فيها سياسات خاطئة لأنظمة وحكومات من هذا الطرف أو ذاك،وكان رهانه قائم على العامل الثقافي أولاً وآخراً، بأعتباره ألاكثر قدرة وفاعلية على تقريب العواطف والمشاعر بين الشعوب.
يذكر أن الروائي د. يونس صديق من مواليد مدينة الموصل 1957 غادر العراق عام 1979،وانهى دراسة البكالوريوس والماجستير والدكتوراه في ايطاليا.وسبق أن فاز بجائزة افضل شاعر عام 78 قبل أن يغادر وطنه العراق،وأصدر وترجم  فيما بعد عددا من الكتب والدراسات التي تعنى بالتراث الاسلامي الصوفي،وأخرى لتعليم اللغة العربية للأجانب،إضافة إلى أربع مجاميع شعرية وخمس روايات كلها مكتوبة باللغة الايطالية.

الأربعاء، 28 مايو 2014

عنصرية البعض، لاتسترها شهادة عليا ولاأنتماء لفكر يساري .

لا ،الايدلوجيات الثورية ولا الشهادات العليا ، يمكنها أن تستر عنصرية وتفاهة أفكار البعض،فنجد أمثال هؤلاء المرضى ، الذين لايمكنهم أن يكونوا كباراً في افعالهم واقوالهم ، نجدهم ، في أغلب الاوقات ،يلعبون دورا خبيثا تحريضياً ، ضد الآخر ، هو دورٌ ،يشبه دسَّ السم في العسل، من خلاله يستثمرون ايّة فرصة وأي حدث يمكن أن يقع هنا أو هناك ، قد يرتكبه شخص، أو مجموعة بشرية تنتمي لهذا الدين أو لهذه القومية أو لهذه الطائفة .. عندها ، نجد من نعنيه ونقصده بهذا الكلام، على أهبة الاستعداد، للكشف عن وجه قبيح يخفيه وراء شهادة عليا وانتماء يساري وأناقة مفرطة ، ليقتنص هذه الفرصة، فيذهب بها بعيدا، انطلاقا من بؤس افكاره المريضة ، وعُقَدهِ الشخصية المستعصية ، ولايتردد ابداً في تعميم استنتاجاته البشعة على المجموع ، قاصداً بذلك ، الاساءة والطعن بعموم الناس، الذين هم على دينِ أو قومية من ارتكب الخطيئة أوالجريمة ، وهو بذلك، وانطلاقا من عنصريته التي تتقاطع تماما مع مايدّعيه من ايدولوجية ثورية وشهادة علمية عالية يتبجح بها ،يسعى لأسقاط آدمية الاخرين ، وأحقيتهم بالحياة قبل أي شيء آخر .. اقول لمثل هؤلاء : انتم ، الأسوأ .


 

 العرض المسرحي .. حقوق الرجال .

   تقنية السخرية،لإنجاز متعةِ الخطاب في العرض المسرحي  .
                             
       مروان ياسين الدليمي

تأليف واخراج:رفيق نوري حنّا
مكان العرض:قاعة ميديا
تاريخ العرض:27 /3/ 2014 
انتاج:مديرية المسارح في أربيل،بالتعاون مع منتدى عنكاوا للفنون.
مفردات الكوميديا النقدية الساخرة تختزن طاقة هائلة من الامكانات مايجعلها تبعث متعة خاصة لدى المتلقي،دعائمها تنهض بشكل عام على  كشف وتعرية متناقضات وسقطات تتواجد وتتعايش داخل المجتمع في صور شتى،منها ماهو ظاهر ومنها ماهو مستتر،وعندما يكتمل حضور عناصرها الفنية في بنية العرض المسرحي تنجح في تحقيق أثر عميق ومباشر لدى المتلقي،وكلما كانت موضوعة العرض تحمل في داخلها تقاطعات وتداخلات ذات بعد إشكالي كلما جاءت النتيجة النهائية بما تحمله من مسرّةٍ بالغة التأثير من الناحية الذهنية والعاطفية لدى جمهور المتلقين،كما هو الحال مع قضية حقوق المرأة في مجتمعاتنا الشرقية،فهذه المسألة مازالت بما تحمله من تعقيدات مبعثها اعراف وتقاليد وطقوس دينية واجتماعية في غالب الاحيان تأخذ صفة التقديس والتمجيد وتشكل في مجملها ملامح مجتمعاتنا الشرقية كل هذا يجعلها تملك ثقلاً مهماً في مساحة الصراعات القائمةرغم ماتحقق من متغيرات في إطار حقوق الانسان،سواء على المستوى الدولي أو داخل مجتمعاتنا،خاصة بعد ارتفاع اعداد المتعلمين من كلا الجنسين،كذلك اتساع مشاركة المرأة في الحياة العامة والوعي بحقوقها.
بلاأدنى شك الفن المسرحي يمتلك من الادوات الفنية ما يمنحه مساحة وقدرة على أن يتصدي لأيّة قضية بشكل مُغاير ــ من حيث الرؤية والمعالجة ــ عن بقية الحقول الانسانية الاخرى،فليس من مهمة المسرح ولامن خاصيته أن يتماثل دوره معها،من حيث الادوات والاساليب عندما يتشارك مع هذه الاقنية في تناول مسألة ما،وكلما ابتعد وتغرب بعيداً عنها ــ من ناحية اساليبه واداوته الفنية ــ كلما اقترب من حقيقته الفنية وجوهر رسالته.
فالخطاب المسرحي يتمحور دوره في إيجاد معادل جمالي للقضية المطروحة،تتشكل مفرداته من عناصر مرئية وسمعية،من خلالها يتم تشكيل واقع فني/افتراضي/ بديل عن الواقع النسبي،قد يكون أكثر صدقا في التعبير عنه،حتى فيما لو تجاوزه ونأى بعيداًعنه،بل إن المسافة كلما زادت بينهما كلما إزداد تأثير المسرح،ونجحت رسالته في الوصول الى المتلقي،خاصة عندما تكون المعالجة في إطارها الكوميدي.وهنا في هذا المنحى يمكن أن نستذكر كُتاباً عِظام تركوا اثاراً مهمة مازالت فاعلة ويتم تناولها من قبل المسرحيين في جميع دول العالم مثل مولييرالفرنسي  واريستوفانيس اليوناني،اللذان تصديا في مجمل اعمالها بشكل نقدي ساخر لقضايا كانت تشغل المجتمع الذي ينتميان له.  
وعليه ليس جديدا عندما نقول بأن المعالجة الفنية بشكلها الفني الساخر طالما لجأ إليها الكتاب والمسرحيون منذ البواكير الأولى لنشوءالظاهرة المسرحية أيام الأغريق قبل الميلاد بأكثر من 500 عام،واستمر هذا الفهم والتفهّم القيمي المتبادل مابين الجمهور والعرض المسرحي للمعالجات الفنية التي تفكك شكل القضية الواقعية المطروحة،ليتم تقديمها بشكل آخر حسب ماتفترضه مخيلة المخرج،وقد ينجح أو يفشل في معالجته،وهذا يعود الى جملة من العوامل، منها مايتعلق بشخصية المخرج ذاته ــ ثقافةً وتجربةً وموهبةً ــ ومنها مايتعلق بالظروف الموضوعية التي ترافق وتحيط بالانتاج،وعادة ماتتألف من عناصر بشرية ومفردات انتاجية متنوعة،وهنا،لايشكل توفر العامل المادي وضخامته،شرطاً أساسيا لنجاح العمل على الرغم من أهميته الكبيرة لتوفير أرضية مادية صلبة يقف عليها الانتاج،بينما في مقابل ذلك،يبقى الشرط الأساسي للنجاح مرتبط بشخصيةخالق العرض،بما يمتلكه من مؤهلات ذاتية سبق أن اشرنا إليها.
الكوميديا إطاراً للمعالجة
العرض المسرحي المعنون(حقوق الرجال)للمؤلف والمخرج رفيق نوري حنّا،يأتي ضمن ماأشرنا إليه،بعد أن لجأ الى الكوميديا في معالجته لقضية حقوق المرأة،وشاء أن يكون طرحه لها،ضمن اشتراطات الفن المسرحي بكل مايتيحه من افاق واسعة في الرؤية الفنية والمعالجة الاخراجية.
إبتدأ نوري مشروعه المسرحي ــ الذي أراد من خلاله أن ينصف المرأة ــ   بعتبة ِعنوانٍ صَادمٍ وساخرٍ في آن واحد(حقوق الرجال)وضعه أمام المتلقي قبل أن يشاهد العرض،ليأخذه مُسبقا وقبل دخول الصالة ومشاهدة العرض الى فضاء درامي مُفارقٍ من حيث الدلالةِ لِما هو راسخٌ في قناعاتهِ من قيم وثوابت أخلاقية،كان ومايزال المجتمع حريصا على تكريسها في  تقاليده وقوانينه واعرافه من خلالها يضع حقوق الرجل في مكانة عليا،مقارنة مع حقوق المرأة،وليس من السهل على القوى المجتمعية بكل فعاليتها ــ رغم كل الجهود التي تبذلها منذ عقود ــ  زحزحتها عن  مكانها التقليدي،سعياً منها لتحقيق توازن معقول ومنصف مابين المرأة والرجل .
شكل العرض
مفردات المعالجة الفنية التي إعتمدها المؤلف والمخرج رفيق نوري حنّا لم تكن تتوسل الإبهارَ في إطار شكلانية العرض،لذا جاءت أدوات مشغولاته،بسيطة،إنحصرت بعدد محدود من دلالات واقعيةٍ،أخذت في سياقها العام بعداً رمزيا ً طغى على مدلولها الوظيفي،كما هو الحال في الشبكة التي شكلت حاجزا مابين عالمين:الواقع والحلم،اضافة الى قطع اثاث أخرى ــ كراسي،مناضد،مكعباتٍ بمستوياتٍ مختلفة  ـ  تم التعامل مع مدلولاتهاالواقعية،وفقاً لما يقتضيه الشغل المسرحي،وليس وفقاً لمنطوق الإزاحة في وظيفة الدلالة.وهذا يعود إلى أن المؤلف والمخرج رفيق نوري حنّا مُدركٌ ــ وفي إطار اللعبة المسرحية ــ أنَّ خيار الكوميديا الاجتماعية بشكلها النقدي الساخريتيح لخالق العرض مساحة من الحرية،تجعله في موضعٍ لايُثقلُ الفضاء الدرامي بعلامات سينوكرافية معبأةٍ بمستويات وطبقات متراكبة ومتشظية المَداليل والتأويلات،عادة مايُعوَّلُ على مفرداتها في العروض الاخرى غير المسرحيات الكوميدية النقدية الساخرة،لإيصال شفرات الخطاب المسرحي،على العكس مما هو الحال في هذا العرض،حيث يقف الممثل إلى جانب الحوار ليشكل هذان العنصران نقطة ارتكازٍ في بناء الفضاء الدرامي.
بنية النص
إعتاد رفيق نوري أن يعتمد على ذاته في كتابة نصوص العروض التي يقدمها، وهذا ماجعل تركيبة الجمل في حواراته ــ وفقا لخبرته العملية في الاخراج ــ  قصيرة وموجزة،مبتعدا بذلك عن الجمل الطويلة التي لاتساهم في تطور الفعل الدرامي سواء لدى الممثل أوالمشهد في آن واحد.
المخرج رفيق نوري حالفه التوفيق في معالجتة الفنية التي تناول من خلالها طرح قضية حقوق المرأة عندما ارتكز في رؤيته على عنصر المفارقة،مُستعيراً هذه الآلية من تقنية التغريب في المسرح الملحمي،ليعكس بذلك على خشبة المسرح كل الوظائف التي يمارسها الرجال والنساء في الحياة الواقعية،وفقا لما تفرضه الاعراف والتقاليد التي تعارف وتآلف عليها المجتمع البشري،انطلاقا من فروقات بيولوجية وفسلجية تفصل مابين الأثنين،وبتعاكس الادوار التي اصبح عليها الرجال والنساء ومانتج عن ذلك من مفارقات كوميدية،تمكن العرض من إيصال شفرات رسالته بما تحمله من أسئلة تتوخى الوصول الى مناخ يعيد تنظيم وترتيب العلاقة مابين الرجل والمرأة بالشكل الذي يحفظ لكليهما المكانة الذي يستحقها من غير أن يكون ذلك على حساب انتهاك حق الآخر وتدميرمكانته .
القدرات الادائية للممثلين
فيمايتعلق باداء الممثلين،لايمكن تجاهل أهمية أن تتواجد خمسة عناصر نسائية على خشبة المسرح طيلة زمن العرض الذي يصل الى 90 دقيقة(خرمان ابراهيم،بلور محمودي،ميزوو جاهد،جنورمحمودي،سلامةكوركيس،هيمن هيوا)عِلماً ان جميعهن في مقتبل العمر،ولايمتلكن تجارب طويلة في الوقوف على الخشبة،إلاّ أن حضورهن كان جميلاً ،كما اتسمت حركتهن بالاسترخاء بالشكل الذي يتوافق تماما مع مناخ العرض بشكله الكوميدي.
اما العنصر الرجالي من الممثلين(كوفار انور،نوزاد خانقيني،محمد مهدي)فيمكن التوقف بإعجاب أمام قدرات الممثل كوفار انور الذي اثبت في أكثر من عرض مسرحي سبق أن شارك فيه،إمتلاكه موهبة فطرية عالية في التمثيل،تؤهله لأنْ يكون نجما كوميدياً مميزاً،نظراً لما يمتلكه من عفويةٍ واسترخاءٍ ورشاقةٍ في حركته على الخشبة،رغم وزنه الثقيل الذي يصل الى اكثر من 150 كيلو غرام!. ايضا جاءت قدرات الممثل نوزاد خانقيني الادائية موفقة في تجسيد تحولاته مابين شخصيتي الرجل والمرأة.كما تمكن الممثل محمد مهدي في تقديم شخصية  الشاب راكب الدراجة بشكل لطيف وكان وقع حضوره خفيفا على الجمهور وفيما يتعلق بالممثل الشاب هيمن هيوا سعاد فعلى الرغم من قصرمساحة الشخصية التي لعبها إلاّأنه حاول أن يترك انطباعا مقبولا. 


http://www.almadapaper.net/ar/news/465051/حقوق-الرجال-تقنية-ال %D8%B3%D8%AE%D8%B1%D9%8A%D8%A9-%D9%84%D8%A5%D9%8A%D8%B5%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AA%D8%B9%D8%A9- مقالي في المدى عن حقوق الرجال "العرض المسرحي "



الأحد، 18 مايو 2014


رواية .. طشَّاري
للكاتبة العراقية انعام كجه جي
                      ألارتهان إلى تقانة الّسرد الموضوعي
                                                    مروان ياسين الدليمي
منشورات دار الجديد/ الطبعة الاولى  
إستبعدت كجه جي التسلسل الزمني التقليدي والترتيب المنطقي لسرد الاحداث،فتعاملت مع مفردة الزمن باللجوء الى وجهة نظر إسترجاعية افتتحت بها روايتها،انطلاقا من نهاية حكايةٍ لم تبدأ بعد فجاء هذا الإجراء التقني ملائما لتشكيل حبكتها،متخلية بذلك عن تقنية حلِّ العقدة،في مقابلِ إبقائها مُعلقةً،والأخذ بها نحو الانفتاح الدائم،كما يشير الى ذلك الناقد جيرار جينيت في كتاب(نظرية السرد من وجهة النظر إلى التبئير):"وصف يتمُّ مِن وجِهةِ نظرٍ تقعُ خارج العمل الأدبي نفسه بالنسبةِ للزمن الداخلي لهذا العمل،وبنظرةٍ آتيةٍ مِن المستقبل".
إنَّ (كجه جي)في عملها هذا،مالت إلى ترجيح خيارٍ فنيٍ شكَّلته مجموعة شبكات متراكبة ومفتوحة على بعضها البعض،بالشكل الذي يضع القارىء في طقس من التلقي/المتأمل،يأخذ شرعيته من خلخلة صورة التلقي بسياقها التقليدي،لصالح شكل آخر،ليس فيه إشارةٌ واضحة تحددُ بدايةَ ونهاية العمل الروائي،وهذاماأعطى القارىءحرية واسعة لأنْ يختار حسب رؤيتهِ نقطة بدايتهِ ونقطة نهايتهِ،مثلما كان للمؤلفة حريتها اثناء عملية الكتابة في اختيار نقطة البداية ونقطة النهاية.
ورغم ماحفلت به بعض أحداث رواية(طشاري)مِن آلياتٍ ميلودرامية بعيدة بشكل ما عن اجتراحات الاعمال الروائية التي يتوغل بناءها السردي عميقا في أركلوجيا البنية السردية إلاّ أن ذلك لم يضعف بنيتها أويثقل عملية التواصل والتفاعل مع القارىء أياً كانت تركيبة ذائقته السردية. ضمن هذا الفهم،الذي نجد انفسنا مرتحلين به يبدو لنا أنَّ سياق المعالجة الفنية ــ وفق هذه الرؤية ـ بات يشكل مفردة واضحة في تركيبة عالمها الروائي،إذْ لم تحاول كجه جي ـ على مايبدو ذلك من السياق الفني العام للبناء ــ أن تبتعد عنه وعن محدداته الواقعية،ولم تخرج به عن حدوده ومحدوديته،ولاأنْ تجرِّب التحليق بعيداً في عالم تصنعه افتراضات واحتمالات المخيلة،وذلك عبر إستثمار طاقة التخييل لصنع واقعية أخرى مقابل واقعية الواقع،بل اكتفت وعبر الإرتكان الى تقانة السرد الموضوعي ــ وهي تؤثث عالمها الروائي ــ أن تنهل من واقعية الواقع . 
كما هي عديد الروايات التي صدرت في العراق خلال الاعوام العشرة الاخيرة،والتي شكلت في مسارها الحكائي العام مواجهة فنية لتراجيديا الحياة العراقية بتنوع صور انهياراتها وانتكاساتها،تأتي رواية طشاري ــ هي الأخرى ــ لتبديد بقعة شديدة الظلمة في مساحة العتمة التي تمتد على طول البلاد وعرضها نتيجة مااصابها من تدمير بفعل الاحتلال الاميركي عام 2003 والذي بسببه استحالت العلاقات الاجتماعية مابين مكوناته الى صورةٍ مُرعبةٍ قوامها التشظي والتفتت،وفي خضم هذه الفوضى،لم يعد من السهل التكهن بعودتها الى ماكانت عليه من صور الألفة والتعايش والتسامح،هذه القتامة في تفاصيل الصورة بكل انشطاراتها وتداعيتها بدت منعكسة بشكل واضح في حبكة الرواية.
النص الحكائي
(ورديّة اسكندر)طبيبة شابة نحيلة خجولة،لم تكن تعرف مدينة أخرى غير مدينة بغداد قبل العام 1954،تذهب بها قرعة التعيين بعد تخرجها من كلية الطب ذاك العام الى مستشفى مدينة الديوانية في جنوب العراق.ودون أن يكون ذلك وارداً في حساباتها تقضي ربع قرن من عمرها في الديوانية،قبل أن تعود إلى بغداد،وهناك في الديوانية،ستلتقي بمن سيكون شريك حياتها،الطبيب جرجس،ولتنجب منه ابنائها،برّاق وهندة وياسمين.
خلال رحلتها الطويلة التي قضتها داخل مجتمع غريب عليها ــ ديانةً وثقافةً وطقوساً ــ  بحميمية وتفاعل كبيرين،ستشهد تحولات جذرية في وعيها الذي شكلته مفاهيم الطبقة الوسطى بثقافتها المدنية المنحازة للتحرر والتحضر والانفتاح على العالم،وبقدر ماتتسم البيئة الجديدة من بساطة ودفء وعفوية،بقدر ماتختزن فيها عادات وتقاليد واعراف دينية واجتماعية ثقيلة تقمع بقوة وعنف عواطف ومشاعر الانسان،ومامن سبيل للخلاص من سلطتها:"مدينة هادئة ومتقشفة ومحافظة وتشبه شخصيتها. مضت اليها،أول مامضت،بكثير من التهيّب،وكأنها تنهض من مهد ميلادها وتسير إلى نعشها.كل ماعاشته قبل الديوانية قشرة بصل،وكل ماستعيشه فيها سيمدُّ جذوراً ويرسخ وينمو ويتفرع ويخضوضر ويبرعم ويطرح الثمار " .
(ورديّة)التي فضلت البقاء وحيدة في العراق،بعد مغادرة إبنهاالمهندس برّاق إلى إحدى مدن البحر الكاريبي بسبب عمله،وابنتها هندة الى كندا، وابنتها الصغرى ياسمين الى دبي،مُرغمة تترك بلدها العراق،بعد أن تخطت أعتاب العقد الثامن من عمرها،لتحطَّ بها رحلة اللجوء بكل مشقاتها في مدينة باريس،مُقيمة ولفترة مؤقتة ــ قبل أن يتم نقلها الى سكن خاص بها ــ في شقة إبنة شقيقها التي تعيش مع زوجها وابنها الشاب اسكندر :"ظلت تأمل أن يجتمع شملهم في مكان واحد،بلد واحد أو حتى قارة واحدة،ودحضت كوابيس الليل آمال النهار.وهي قويّة وحكيمة ومجربة ،لكنها أضعف من أن تضبط عقلها اللاوعي.لايمكنها أن تبرمج الأحلام والمنامات ".
مقبرة الكترونية
(اسكندر)يدرس في المرحلة الثانوية ولايعرف شيئا عن وطن اباءه واجداده،يبتكر مقبرة الكترونية في حاسوبه الشخصي،يُلملم فيها عظام العراقيين:"من مقابر الخليج والشام وديترويت ونيوزيلندا وضواحي لندن وينفخ فيها من موهبته لتستريح في أرض محايدة.يجمع شمل الرجال والنساء الذين وضعوا الرؤوس على مخدة واحدة لعقود من الزمان ثم تفرقوا وهم أموات في الترب الغريبة،طواهم طير اليبابيد الذي حلّق فوق العراق ورماهم في بلاد الله الواسعة ". يكبر اسكندر بأسرع مما تتوقع والدته وهو يصغي لأحاديث(ورديّة)عمّة والدته،أثناء مايجمعُ عظام الموتى بعد أن فرقتهم الحروب والمنافي والعنف الطائفي،يرسم لهم اضرحة، وينحت لها الشواهد،ويزرع حولها ازهاراً تختارها كل عائلة لميّتها.كما يرفق معها صور الموتى مع موسيقى واغنياتٍ كان الموتى يحبونها.ورغم إعتراض البعض من المهاجرين على فكرة المقبرة الالكترونية "إذ عدّوها مخالفة للإيمان إلاّ أن الكثيرين تحمسوا لها ووجدوها حلا سحريا ولطيفا لمواجهة الشتات ."
تبدو فكرة المقبرة الألكترونية اشارةً تحملُ في مدلولها معنىً تشائميا،وكأنّ المؤلفة(كجه جي)أرادت من خلالها أن توصل فكرة مفادها:إستحالة العودة الى الوطن في الواقع،حتى لو كان العائد جثةً،إلاّ إذا كانت العودة افتراضية في مقبرةٍ افتراضية.بنفس الوقت هي تحمل اشارة أخرى مضادة في المدلول  توحي بتفاؤلٍ يتم تمريره برشاقة ونعومة،شيئا فشيئا،عندما نجد اسكندر يسقط هو الآخر:"في فخ السلالة،وصار خبيرا في العمَّات والاعمَام والاجداد والراحلين.واكتشف تفاصيل مُسلية عنهم وهو ينحت قبورهم ويسطِّر العبارات اللائقة على شواهدها ".إسكندرالذي لم يكن يعرف شيئا عن عائلة أبيه وأمه قبل أن تحل ورديّة ضيفة في بيتهم.
احتفاء بالمرأة
خطاب الرواية يفصح عن نبرة احتفاء واضحة بنماذج متنوعة للمرأة العراقية،بمستويات طبقية وبيئية متباعدة تتوزع مابين شخصية الطبيبة(ورديّة اسكندر)وشخصية المرأة الأميّة المعطاء(بستانة)القادمة من  جنوب العراق والتي تتولى إرضاع بنات الطبيبة ورديّة والاهتمام بهن وكأنهن بناتها،كذلك شخصية(شذرة العلوية)التي لها حظوة وسطوة في مجتمعها القبلي بما تملكه من  قدرة على كشف المخبوء،هذا إضافة إلى نماذج أخرى ثانوية تمرُّ مروراً عابراً بعد أن تترك تفردها الانساني في بيئة قاسية،كماهي شخصية تلك الفتاة العذراء التي لم تبلغ العشرين من عمرهاوهي حامل بشهرها الثامن بشكل غير شرعي من حبيبها،وهنا عبر هذه الشخصية نجد المؤلفة قد نجحت في أن تقدم لنا نموذجاً جسوراً لفتاة في اوضح صورة للتمرد على التقاليد والاعراف عندما ترفضُ أنْ تَقمَعَ شبابها وأنْ تَعتَرِفَ بخطيئتها،وهنالك ايضا شخصية الفتاة المذعورة التي ترتدي حزاما مفخخاً وتدخل به عيادة الطبيبة وردية وهي ترتعش،فتقبضُ على ذراعي الطبيبة باصابع متخشِّبة متشبثة بحلاوة الروح،متمردة على موت مُبرمج،وهي توشكُ أن تتهاوى على الأرض وترددُ مستنجدة بها:"ماأريد أموت..ماأريد أموّتكم وأموت".
ألابتعاد عن الأنماط
الرواية قدمت لنا شخصيات مختلفة ومتنوعة تنبض بالحياة من غير الشخصيات الرئيسة،إبتعدت كجه جي في بنائها عن الصورة النمطية، فجاءت مبنيّة بشكل عميق ومؤثر،متجاوزة في تقديمها وصف الوضعية الخارجية،بل انساقت في رسم ملامحهاالداخلية،كما هو الحال في شخصية(بستانة)المربية القروية التي تتولى مسؤولية الاهتمام بأبناء الطبيبة(وردية)كذلك شخصية الطفل الفلسطيني(غسان)ذي الاصول الافريقية،وشخصية(فرنجية)اللبناني رئيس صحة الديوانية،وشخصية(أبو يعقوب اليهودي) صاحب معمل الطابوق في الديوانية.
ولعل الشخصية الأبرز من بين النماذج النسائية التي حفلت بها الرواية الطبيبة(هندة)إبنة الطبيبة ورديّة اسكندر،من خلالها كشفت المؤلفة جوانب عميقة في تركيبة المرأة العراقية وهي تتابع رحلة كفاحها لإثبات كيانها الانساني وتفوقها المهني في قرية نائية تابعةٍ لمدينة مانيتوبا الكندية وسط محميّات السكان الأصليين من الهنود الحمر،الذين جاء حضورهم في الرواية ليشكل معادلاً رمزيا لسكان العراق الاصليين من المسيحيين بعد أن تعرضوا لعمليات قتل وتهجير منظم،بسببها تناقص عددهم بشكل خطير الى الحد الذي باتوا فيه أقرب إلى أن يكونوا صورة تراثية ــ كما هو حال الهنود الحمر ــ إن لم يكونوا أقرب إلى الإندثار .  
صفحات الرواية التي وصلت إلى 251 ص حاولت فيها كجه جي أن تَكتشِفَ وتكشِفَ طبقات عميقة لأنطباعتها الذاتية أزاء لحظاتٍ مهمةٍ من تاريخ العراق المعاصر،تبدأ منذ مطلع ثلاثينات القرن العشرين وحتى العام 2013.بما حفلت به مِن تقلبات سياسية وتحولات إجتماعية.
اخيراً،عنوان الرواية(طشّاري)قد جاء دلالة على تناثر وتشتت افراد عائلة الطبيبة المسيحية العراقية(وردية اسكندر)في بلدان وقارات مختلفة،خلال الاعوام التي أعقبت سقوط بغداد تحت الاحتلال الاميركي عام 2003:" تطشَّروا مثل طلقة البندقية التي تتوزع في كل الاتجاهات "
http://www.al-aalem.com/6336-الارتهان%20إلى%20تقانة%20الّسرد%20الموضوعي.html رابط مقالي عن رواية "طشاري " للكاتبة انعام كجه جي في صحيفة العالم الجديد

«عام السرطان» للعراقية سالمة صالح: دلالة الاتكاء على استراتيجية السَّرد السير ذاتي مروان ياسين الدليمي http://www.alqu...