السبت، 6 ديسمبر، 2014

http://al-aalem.com/2014/12/07/%D8%AB%D9%82%D8%A7%D9%81%D8%A9/%D8%AA%D9
%82%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B0%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%AA%D9%84%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%AA%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84
رابط مقالي عن رواية( تلك العتمة الباهرة )للكاتب المغربي الطاهر بن جلون في صحيفة العالم الجديد البغدادية.


تقنية السيرة الذاتية
أداة لتعميق الاحساس بواقعية الاحداث
تقنية السيرة الذاتية.. في (تلك العتمة الباهرة) للطاهر بن جلون
مروان ياسين الدليمي الأحد 7 كانون الاول 2014
عتبة المدخل
"احداث هذه الرواية واقعية.. مستلهمة من شهادة أحد معتقلي سجن تزمامارت. إنَّهُ عزيز، وإليهِ أهدي هذا العمل الروائي، وأهديه ايضا إلى صغيره رضا، نور حياته الثالثة".
 بهذا التمهيد الذي كتب بلغة واضحة، قصد المؤلف الطاهر بن جلون من خلالها أن يخاطب القارئ بشكل مباشر قبل الدخول في عالم مخطوطته السردية المعنونة (تلك العتمة الباهرة) والتي استند في بناءها على وقائع حقيقية، كما اشار الى ذلك، فكان الهدف من عتبة التمهيد أن:يضع القارىء أمام حقائق واقعية تعامل معها مخياله السردي في هذه الرواية، من اجل أن يكون خطابه الفني غير بعيد عن الأمانة في كشف ماتعرض له الانسان من قمع وقهرعلى يد الاجهزة الامنية المغربية، خلال فترة زمنية محددة داخل أحداث الرواية.
 ولأجل أن يوظف جلّون مخياله السردي لتعميق واقعية الاحداث الواقعية، تموضعَ ــ تقنيّا ــ خلف ضمير المتكلم/بصيغة الماضي، الذي جسدته شخصية (سليم) الملازم في جيش المملكة، والذي يعمل والده موظفا في القصر الملكي بصفة مهرج للملك وصديقا مقرباً منه، يسليه بنكاته التي يلقيها على مسامعه. وكان هاجس الوالد/ المهرج، كما يقول ابنه سليم أن:"يخدم الملك، أن يلبث عند قدميه رهَن إشارته، ألاّ يغمض عينيه قبله، أن يسرد له القصص، يضحكه حين يكون قانطاً، أن يعثر على العبارات الملائمة، وأن يضع لكل مقام مقاله، أن يرضى بألاّ تكون له حياة خاصة به..وأن يكون على الدوام طوع مزاجه، وقبل كل شيء ألا يفقد أبداً حس الدعابة".
 المتن الحكائي
 الملازم سليم/ الشخصية الساردة للأحداث، يتم اعتقاله مع 22 عسكريا من رفاقه، على إثر محاولة انقلابية فاشلة كانوا قد تورطوا بالمشاركة بها دون أن يعلموا بذلك! في ليلة العاشر من شهر تموز عام 1971 بعد مهاجتمهم للقصر الملكي، ليتم زجهم في سجن تزممارات الصحرواي عقوبة لهم.
 سليم: "منذ ليلة العاشر من شهر تموز 1971 توقفت سنوات عمري.لم اتقدم في السن، ولم اجدد صباي.من يومها فقدت سنّي، فلم يعد باديا على محياي، والواقع أني ماعدت هناك لكي امنح عمري وجها، إذ وقفتُ ناحية العدم، هناك حيث لاوجود للزمن".
 سليم مع بقية زملائه العسكرييين المعتقلين، لم يكونوا على علمٍ بطبيعة الهدف من الواجب العسكري الذي أمرهم بالتحرك نحو القصر الملكي، فالمسألة بالنسبة لهم لاتخرج عن كونها استجابة لسياقات ضبطٍ عسكري يفرض عليهم تنفيذ أي أمر يتلقونه من سلطة أعلى رتبة منهم، ولن يكون لهم أي حق لمعرفة الاسباب الموجبة لهذا الأمر.ورغم عدم معرفتهم بحقية الهدف من واجب التحرك نحو القصر الملكي، إلاّ أن هذا لم يشفع لهم، ولم يخفف العقوبة عنهم.حتى أن والد سليم، لم يتردد في أنْ يتبرأ منه أمام الملك.
 سليم: "لم يكن لنا رأي.كنّا مجرد جنود، بيادق رتباء لاتخولهم رتبهم أن يمسكوا بزمام المبادرة".
 )ستة آلاف وستمئة وثلاثة وستين يوما)قضاها سليم مع زملائه في معتقل تزمامارت الصحراوي ، أي مايعادل(18)عشر عاما من عمره، معزولا فيها عن الحياة الأنسانية بشكل تام ، قبل أن يطلق سراحه، في 29 تشرين الأول 1991، مع آخر ثلاثة معتقلين بقوا معه على قيد الحياة، بعد أن سقط خلال هذه المدة الطويلة (19) معتقلا من زملائه الـ(23) الذين كانوا معه. وكان كل واحد منهم قد غادر الحياة بطريقة مآساوية تختلف عن الاخر.
 سليم: "معظم الذين قضوا، لم يقضوا جوعا بل حقدا.فالحقد يضعف، إنه يتآكل الجسم من الداخل، ويصيب جهاز المناعة.فعندما يقيم الحقد في دواخلنا ينتهي الأمر بأن يسحقنا".

جميع النهايات التي انتهى اليها المعتقلون، كشف المؤلف من خلالها عن بؤس الوضع اللانساني الذي كان يعيشه السجناء، وهم يقبعون في ظلمة زنزانات انفرادية ضيقة مغلقة، تخلوا من أية نافذة، سوى فتحة صغيرة جدا معلقة في منتصف السقف، تتيح لهم التنفس فقط من غير أن تسمح لهم حتى رؤية السماء، فيها تسرح العقارب والصراصير، والزنزانة لايتجاوز طولها 3 امتار وارتفاعها متر ونصف المتر، تفوح منها رائحة الفضلات التي تطرحها اجسادهم، ولاتتوفر على أدنى الشروط الانسانية التي تصون كرامة الانسان وآدميته.فكان وجودهم في تلك الحفرة بمثابة موت بطيء جدا .
 سليم "آه من البطء! أول اعدائنا، ذاك الذي كان يغلف جلودنا المقرَّحة فلا يلتئم الجرح الفاغر إلا بعد وقت طويل، ذلك البطء الذي كان يجعل قلوبنا خافقة على الايقاع العذب للموت القليل ، كأنَّ علينا أن ننطفىء كشمعة مضاءة بعيدا منّا، وتذوب بعذوبة الرغد".
 وبسبب العتمة الدائمة التي كانت تغلف المكان انعدم الاحساس لدى المعتقلين بجريان الزمن. سليم:"ماكان الليل يهبط، كما يقال، بل كان هناك، مكتنفا طوال الوقت..كانت صورنا ظلالاً متنقلة في العتمة، بعضها بالبعض، أو يعثرُ بكرّار الماء أو يطيح بكسرة الخبز اليابس التي يحتفظ بها البعض اتقاء لتشنجات المعدة ".
 ازاء هذه المحنة التي وقع فيها سليم، بات عليه أن يكتشف ماينبغي عليه أن يفعله، كان عليه أن يلبث واقفا، أن لاتمس كرامته من الداخل، وبنفس الوقت أن لايدين من يضعف ويتخلى عن الصراع، لينتهي بهم الامر الى الانهيار تحت وطأة التعذيب، وقد استمد عزيمته من أمه.
 سليم: "أمي التي طالما رأيتها تقاتل، لكي تربِّينا، أنا وأخوتي وأخواتي، ولم ينل منها القنوط يوما، كانت أمي قد فقدت كل أمل في أبي المُقبل على العيش، الأناني حتى الأذيَّة، الغندور الذي نسي أنه رب اسرةٍ، وراح ينفق كل ماله على الخياطين الذين يفصلون له جلبابه من حرير كل اسبوع .لكي يتبختر في قصر أسرة الباشا.وفي هذه الاثناء كانت امي تشقى طوال الاسبوع".

تقنية الايهام بالواقع
 جمالية الخيار التقني الذي استعاره جلّون من آلية بناء خطاب السيرة الذاتية يأتي من كونه يذهب بعيدا في تعميق الاحساس بواقعية الاحداث المروية عبر لسان الرواي/ الشخصية الرئيسة.الذي أخذ يستعيد تلك التفاصيل والاسماء بعد مضي خمسة اشهرعلى خروجه من رحلة شاقة نالت منه كثيرا، ليبدو وكأنه "عجوز ضامر قد رأى النور لتوّه" .
فالبحث عن الادوات التقنية التي اقتضى حضورها في بنية الرواية يعني التوصل الى ما قصده المؤلف عندما اختار أن يخفي وجهة نظره خلف ـــ الملازم سليم ــ الشخصية الرئيسة، من أجل أن يكشف ويعري الحياة الذهنية لذات الشخصية المحورية عن طريق الايهام الكثيف بالواقع. ومن خلالها أيضا يتم تقديم رؤية موضوعية عن 23 معتقلا كل واحد منهم يقبع في زنزانة انفرادية هي بمثابة ثقب محفور في الارض لقضاء الحاجة.لم يعد اي واحد منهم بحاجة الى اسمه، فقد كان محظورا عليهم أن ينادوا على بعضهم البعض بأسمائهم. وما عادوا ايضا بحاجة إلى ماضي شخصي يتذكرونه، ولا إلى مستقبلٍ ينتظرونه، فقد كان الهدف من نفيهم في هذا المكان هو تجريدهم من كل شيء.فالتذكر هو الموت.وماكانت ادارة السجن تريد لهم أن يموتوا، فمن يستدع ذكرياته يمت تواً، كأنه يبتلع قرص سم، كما أدرك ذلك سليم بعد مضي فترة طويلة من الاعتقال.
 سليم: "كان المُعتقل حميد الذي يحمل الرقم (12)أول من فقد عقله، وسرعان ماأصبح لامبالياً، احرق المراحل، دخل سُرداق الألم الكبير تاركا رأسه، أو ماتبقى منه عند باب المعسكر. وزعم البعض أنه رآه يوميء وكأنه يخلع رأسه ثم ينحني ليطمره بين صخرتين.دخل طليقاً، لاشيء يمسَّه، يحادث نفسه بلا انقطاع.وإذا كان رقم(12)قد فقد عقله من اللحظة الاولى، فالآخرين فقدوا حياتهم واحدا تلو الآخر بسبب ما كابدوه من صنوف التعذيب" .

أسعد اللحظات التي يعيشها السجناء"عندما يستحيل الموت شعاع شمس بهية"تلك التي كانت تحمل في داخلها نقيضها، وذلك عندما كانت إدارة السجن تسمح لهم بالخروج من زنزاناتهم لدفن احد المعتقلين بعد أن يلفظ انفاسه.
 سليم: "كنا سعداء، فقد شهدنا ضياء السماء..كانت أجفاننا ترف، وجعل بعضنا يبكي..طوال ساعة أو أقل أبقيت عيني مفتوحتين وفمي فاغراً لكي اتجرع ماأمكن من الضوء لكي اتنشق الضياء، وأختزنه في داخلي واحفظه ملاذاً لي، فأستذكره كلما أطبقت العتمة ثقيلة فوق جفني، ابقيت جذعي عاريا لكي يتشبع جلدي بالضوء ويختزنه كأثمن مايقتنى".


إرسال تعليق

222 رواق

رواق 222 اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي 2/ 11 / 2017 - المحكمة العسكرية تقرر اعدام مهدي الغرواي قائد عمليات نينوى الاسبق . - سيارات موني...