الثلاثاء، 24 مارس 2015



لاصوت يعلو على صوت المعركة ! !


                                              مروان ياسين الدليمي

لطالما اختصرت هذه القاعدة أعمارنا طيلة عقود طويلة ماضية وحشرتنا بعيدا عن ينابيع المعرفة والجمال،لنُحشَر في الخنادق ونحن نقاتل في حروب لامعنى لها سوى انها ستحيلنا الى جسور يعبر القتلة عليها الى منصة التتويج ليعلقوا النياشين على صدورهم .
هي قدر ثقيل شكِّلَ حياتنا وفقا لمساره بمايحمله من انعطافات تراجيدية أقلها فداحة أنْ نَسْلَمَ بارواحنا من موت عبثي بسببه تحشر اجسادنا في صناديق من خشب مغلفة بعلم البلاد،وحتى لو سلِمْنَا من هذا الموت،سنكون آنئذ قد خسرنا كل شيء خططنا له في مشوار حياتنا.عندها لن يبقى امامنا من بعد هذه الفرصة المتأخرة في الحياة،اي إمكانية في أن ينبعث الأمل فينا من جديد ونحن على ماأصبحنا عليه من حطام .
لم أجد في هذه القاعدة ماهو أكثر منها انحرافا وتدميرا لشعوب المنطقة،مِن خلالها يُمنح عتاة المجرمين فرصة ذهبية للسيطرة على مجتمعاتهم وتدمير اثمن ماتملكه من ثروة قوامها مفكرون وفلاسفة وادباء وسينمائيون ومسرحيون وشعراء و كتاب وصحفيون.
هذه النُّخب عادة ما تحافظ من خلال وعيها العالي ورصدها الدائم للحياة على انسانية مجتمعاتها ومدنيتها،خاصة في لحظات تكون العتمة شديدة إلى الحد الذي تنعدم فيها الرؤية امام الناس،فلايمتلكون القدرة على تمييز الالوان عن بعضها البعض،ولتختصر الحقيقة في لحظة الالتباس هذه في خيار وحيد،إمّا اسود أو ابيض،ولتشطب بقية الالوان التي عادة ماتعكس بحضورها وجوها متعددة لحقيقة غائبة مغيبة وسط صخب ولعلعة الرصاص والاناشيد الحماسية.
بسبب هذه القاعدة التي حافظت عليها كل الانظمة في المنطقة رغم تقاطعاتها الايدلوجية - يسارية وقومية واسلامية – انهالت الهزائم والانكسارات على مجتمعاتنا وارتكبت ابشع الجرائم بحق الانسان،حتى أن تنظيم دولة الخلافة في العراق والشام(داعش)كان مُصِرَّاً هو الآخر على تقديسها وتطبيقها فقتلَ وذبحَ واحرقَ بموجبها عشرات المدنيين الابرياء وإنْ كان قد صاغها بعبارات والفاظ أخرى حَرَص على أنْ تكون مغلفة بفتاوى فقهية.
وانطلاقا منها،كانت الفرصة سانحة لكي يخون الخائنون،ويتوالى طغاة بعد طغاة على حكم البلاد والعباد،وليصبح المهرجون رمزا للوطنية والبطولة،أمَّا الحكماء الراصدون للخطأ والخطيئة فليسوا في نظر السلطة ومن يصفق لها سوى خونة.
وبسبب هذه القاعدة سنبقى ندور في دوامة من الهزائم الوطنية المتلاحقة وإنْ توهَّمنا على انها انتصارات .

  

الأحد، 22 مارس 2015

 http://www.alarab.co.uk/?id=47988



 رابط المقال في صحيفة العرب اللندنية السبت 21 / 3 / 2015




القاص محمدعلوان جبر،في مجموعته القصصية الجديدة،تراتيل العكاز الاخير* 


حساسية واضحة في تناول الحرب وتنوع الصيغ التي جاءت بها شخصية السارد .


                                             مروان ياسين الدليمي



اصدار :دار ومكتبة عدنان      
الطبعة الاولى 2015  

              
يبدو وكأن محمد علوان جبر وهو يتصدى لكتابة مجموعته القصصية الاخيرة(العكاز الاخير)كان ذهنه مشغولاً في أن يبني فضاءً قصصيا مَحمولاً من ذخيرة الحروب التي عاشها العراقي طيلة عقود طويلة مضت عليه،فالقصص تنفتح في حساسيتها السيميائية على ماتفرضه موضوعة الحرب من ازمنة ثقيلة لاتنتج إلاّ مشاعر القهر والكبت والحرمان.
ورغم أن معظم الشخصيات قد تركت الحرب فيها وعليها وشمها واضحا وعميقا ــ نفسيا وجسديا ــ إلاَ اننا نقف امام اصرارها على ان تتنفس الحياة بعمق وسرعة رغم مرارة الحزن الذي يترسب في اعماقها كما هي شخصية صاحب المقهى في القصة المعنونة العكاز الاخير:"سيدتي أنا أُدير مقهى صغيرة تحت ظلال شجرة سدر عملاقة،تماما تحت اليافطة التي كانت تحمل اسم المكان الذي كنا نستلم منه اطرافنا الصناعية .. نكوم السيقان والاذرع الصناعية تحت الشجرة ..نعرضها تحت الضوء،نجلس حولها نحدثها وتحدثنا..ربما كان البعض الآخر. .اقول ربما..لاتستغربي ،ولاتقولي إنني مجنون ...! " .
والتجانس يبدو واضحا جدا في هذه المجموعة القصصية خاصة وأن الحرب تشكل تاريخا شخصيا لمعظم شخصيات المجموعة القصصية .
وفيما يتعلق بتجربة الكتابة القصصية فإن علوان يمتلك خبرة متراكمة تجعله مُمْسكا بأدواته الفنية بحرفية عالية وهو يتصدى لمثل هذه الموضوعة على ماتختزنه من عوالم داخلية شديدة العتمة داخل مغاور الذات الانسانية.
الموضوعة الانسانية
في مشغله الفني بدا واضحا ان علوان قد ابتعد في رؤيته الفنية بدرجة ما عن الانشغال المتقصد بخداع القارىء بمقولات فنية تسعى لتأطير النص ضمن مقاربات اسلوبية تجعله متحركا في حدود المعالجات المتمظهرة في نطاق انشغالات الهموم التجريبية التي تتحرك فيها القصة الحديثة،سواء في استعراض اللغة أو في المعالجة الشكلية التي عادة مايمارسها كثير من كتاب القصة القصيرة الذين عادة مايفتقرون في نصوصهم القصصية الى موضوعة انسانية تتسم بالعمق والاهمية،لذا يتكئون على ارهاصات تجريبية عادة مانجدها في كتابات قصصية تحاول أن  تستظل بتجارب جاءت بها الحداثة ومابعدها.
فتجربة الكتابة لدى علوان تبقى في حدود حرصه الفني على أن تتمظهر رؤيته الموضوعية داخل قصصه ضمن تداولية النص لدى القارىء ومدى القدرة على تحقيق تواصل عميق بينهما.
واللغة لديه اضافة إلى رشاقتها وجمالها تبقى مشروطة بحضور ارسالها الفني داخل إطار وظيفتها السردية، دون أن تخرج  الى ما هو جمالي/شكلاني صرف لاتأثيرله على نمو وتطور البناء .
أقنعة الحرب
ليس للحرب من ذكريات تبعث البهجة في الذات الانسانية،بقدر ما يشكل الاسى قاسما مشتركا بين الجميع،وليس بالضرورة هنا ان تعيش شخصيات علوان حالة الحرب بين الخنادق وتحت القصف،كما في قصة "ضوء ازرق اسفل الوادي".وتبدو لنا هذه القصة من اجمل وانضج قصص المجموعة من الناحية الفنية وهي تتصدى لموضوعة الحرب،بل عمد علوان إلى ان تمتد سلطة الحرب بعيدا عن الخنادق الى ازمنة تأخذ الشخصيات في دوامة الحياة،لتحيط بها وترسم تفاصيل حياتها ومصيرها المأساوي،كما في قصة "ملاذات طالب العجيبة" بعد أن كانت الحرب قد اقتصَّت منه ومن رمز فحولته، فاحالت حياته الاسرية والنفسية الى حطام .
الحروب تبقى تطارد الشخصيات بتفاصيل آخرى،في البيوت والشوارع والمقاهي والازقة التي تنتقل اليها بعد أن تغادر الخنادق،تطاردها في طفولتها كما في قصة(انقلاب)وفي احلامها كما في قصة(مطر بلون الرثاء)وفي لحظات السعادة الشحيحة التي تعيشها كما في قصة (غبار حلم آخر) .
ولافرق هنا فيما لو جاءت الحرب بوجه آخر غير الوجه المتكدس عنها في الذاكرة الجمعية،وذلك عندما تجيء وهي تلبس قناع الرعب السلطوي لتستبيح الحياة الانسانية،كما في قصتي "الاوبتيما الزرقاء " و"انقلاب " .
اختزنت ذاكرة علوان الكثير من التفاصيل الانسانية التي عاشتها الشخصية العراقية في مسارها التراجيدي خلال اكثر من نصف قرن،كانت الحرب والانظمة القمعية يقفان خلفها،ليشكلا علاماتها الفارقة التي وسمت ملامحها،وتركت فيها ندوبا تختلط فيها مشاعر الاسى والخوف والوحدة،كما في قصة "صهيل العربة الفارغة ".
قد تكون هذه العوالم النفسية الحادة هي الأقرب الى مشغل القصة القصيرة،التي تصبح فيها الشخصية الانسانية بؤرة مركزية داخل بنيتها الفنية وهي في حالة من الانشداد والتأزم ضمن قالب زمني مضغوط،يشكل جوهر خيارات تركيبتها البنائية .
إن علوان يدرك جيدا في مجموعته هذه الكيفية التي يبدو فيها امام القارىء مقنعا ومشوَّقا في سرده الفني،خاصة ان لديه مايريد أن يوصله من افكار الى القارىء،بذلك هو غير منشغل  مثل غيره باستعراض مهارته الفنية ككاتب للقصة القصيرة يملك قدرة الامساك بانتباه القارىء الى النهاية حتى لو لم يكن هنالك في القصة مالايستحق قوله من افكار.بقدر ما يكون الأمر المهم لديه بأن يمد القارىء بتجربة انسانية تشير الى عمق الجروح التي تتركها الحروب في روح الانسان،وليس من السهل أن يمحوها الزمن،وذلك من خلال تجربة فنية تستحق القراءة والتأمل.
من هنا لانجده يلجأ الى الحشو والثرثرة اللغوية وهو يؤثث معمار قصصه،بقدر ما نجده يبدأ سريعا في الدخول الى مرحلة العرض وهو ينسج خيوط قصته،لتنمو متدفقة سريعة كما في مفتتح قصتة المعنونة (حفاروا الخنادق):"كنا عشرة،قبل أن نصل إلى وحدتنا الجديدة سقط واحد منا،نقلته سيارة الاسعاف ولم نسمع عنه خبرا " .
القصة القصيرة التي يكتبها علوان تنفتح فضاءات اشتغالاتها على ما يتمظهر فيه السياق العام لاشتغالات القصة القصيرة بكل تداوليتها التي افرزتها تجارب الحداثة ومابعدها،وذلك بالاهتمام بالصنعة واللغة القصصية دونما اسراف،وهذا يندرج ضمن ماتحظى به فنية القصة القصيرة من محاولات حثيثة في الانزياح عن التقاليد والتقليدية في البناء.
لذا يمكن قراءة الحساسية التي اشتغل عليها علوان في بناء قصص المجموعة بما انطوت عليه من تنوع واضح في شخصية السارد،كذلك في تنوع صيغ الضمائر التي جاءت بها،مما يعني ارتهان سياقه السردي ـــ في تعددية صيغه ــ الى طبقات المعنى المحمول في علامات السارد.
* تتألف هذه المجموعة القصصية من ثلاث عشرة قصة قصيرة،وقد حملت عنوان احدى هذه القصص، وسبق للمؤلف أن اصدر مجاميع قصصية بالعناوين الاتية:تماثيل تمضي تماثيل تعود،تفاحة سقراط، شرق بعيد . كما اصدر رواية بعنوان ذاكرة ارانجا.

الثلاثاء، 10 مارس 2015




 نشر المقال في صحيفة الزمان السنة السابعة عشرة 
العدد5046 الثلاثاء 18 جمادي الاولى 1436ه
10 اذار مارس 2015 م



صناعةُ السينما في العراق ..
           حكايةٌٌ أكثر إثارة وتشويقاً من الأفلام 

  
                                                                                                   مروان ياسين الدليمي

 
الحديث عن الانتاج السينمائي في العراق يسحبُك عنوة دون أن تقصد الى ظلال المشهد السياسي،رغم أنك تحاول جاهدا أن تنآى بنفسك عن مستنقعاته الآسنة،لانه صورة مستنسخة عن بقعه الداكنة،بكل تشوهاته وعقده وامراضه العضال،وبكل مايفرزه من متاهات وتواطؤات ومجاملات وصفقات مشبوهة تأتي في محصلتها النهائية على حساب القيم والثوابت الاخلاقية والانسانية.

إذن الحديث عن السينما ـــ لايوجد سينما في العراق ـــ سيكون موجعا،تتشابك فيه خطوط حكاياته،بعيداً عن جماليات الصورة والايقاع والاحاسيس،منزلقة الى كواليس خلفية،ابطالها اداريون وموظفون يرتدون بدلات واربطة ،ويجلسون خلف مكاتب انيقة،يتجولون كالطواويس،يحيط بهم حفنة فنانين يعرفون جيدا من اين تؤكل الكتف،ولم تعد تجدي نفعا صبغة الشعر  في أن يعيد الشباب اليهم،حكاية صنع السينما في العراق مشوقة أكثر من افلامها تبدو وكأنها  فصل  جديد ومثير من حكاية علي بابا والاربعين حرامي.

نفخ في قربة مثقوبة

 هل أمسى الحديث عن الفن الجميل يخلو من الجمال،ولاجدوى منه؟ هل نبدو وكأننا ننفخ في قربةٍ ولاندري بأنها مثقوبة؟مع اننا نعلم جيدا بأن كل العيون ترى،لكن مامن اذان تصغي لما يُقال و يُكتب من ملاحظات تهدف إلى تشخيص عللٍ تقف حجر عثرة امام نشوء انتاج سينمائي عراقي ينهض على اسس سليمة  ؟ومايعكس هذه الحقيقة بكل غرائبيتها،استمرار الواقع السينمائي على صورته هذه،بكل هشاشته وضبابيته وسوداويته،حتى أن شعورا بات يتسلل الى جميع الحالمين والطامحين والموهوبين،بأن لاأمل يبدو في الافق،وترسخ هذا الشعور مع هذا الكم من الافلام التي لاتصلح للعرض تولت وزارة الثقافة العراقية انتاجه خلال العامين الاخيرين 2013 – 2014 وقد وصل عدد الافلام الى 38 فلما،منها  14  فيلما روائيا طويلا،و16 فيلما روائيا قصيرا، إضافة الى عدد آخر من الافلام الوثائقية،حسب ماذكره مدير عام السينما والمسرح نوفل ابو رغيف في ندوة تلفزيونية كانت قد اجرتها معه قناة الحرة عراق الفضائية في نهاية شهر كانون الثاني من هذا العام 2015 وشاركه في الحديث  عدد من المخرجين العراقيين.

غياب الاشتراطات الفنية

الانتاج العراقي منذ انطلاقته الاولى في فيلم(فتنة وحسن)للمخرج العراقي حيدر العمر عام 1955 بقي عاجزا عن تقديم فلم  تتوفر فيه على الاقل الحدود الدنيا من الاشتراطات الفنية التي ينبغي أن يكون عليها الشريط السينمائي،ابتداء من السيناريو المحكم البناء،والمعالجة السينمائية التي تشتغل بأدواة السينما إعتمادا على رمزية الصورة وماتختزنه من دلالات يتم ايصالها بالايحاء وليس بمفردات العُدَّة المسرحية التي عادة ما يعمل بها معظم المخرجين العراقيين،لان جلَّهم جاء إلى السينما عن طريق خشبة المسرح،وبتقديرنا أن جزءاً كبيرا من الخلل ــ الفني ــ  يكمن هنا،وقد صاحب هذا الخلل مسار السينما العراقــــــــــــية طيلة العقود الماضيــــة إلى أن جاء  العام   2003حينها بدأنا نشهد تحولا نوعيا في الفهم والعمل والنتائج،جاءناعن طريق مجموعة من الشباب معظمهم عاش شطرا مهما من حياته في اوربا ودرس الفن السينمائي خارج العراق،على سبيل المثال لا الحصر(عدي رشيد ومحمد الدراجي)فقدموا لنا اعمالا سينمائية توفرت فيها جملة من العناصر الاساسية في بناء الفيلم،تجاورت في جمالياتها ولغتها وتطلعاتها الفنية مع مايطرح من اعمال سينمائية في العالم المتقدم،وهذا مااعطى لأفلامهم فرصة أن تحظى ببطاقة دخول الى عدد من المهرجانات الاقليمية والدولية،بل إن بعضها ترشح لنيل جوائز رصينة،كما هو الحال في فيلم (ابن بابل) للمخرج محمد الدراجي الذي نال أكثر من جائزة في أكثر من مهرجان دولي.

ومضات سينمائية مبعثرة

لو حاولنا الآن أنْ نعيد قراءة بعض الومضات البعيدة في مسار الانتاج السينمائي العراقي التي جاءت  مبعثرة في مسار بعض الاشرطة التي انتجت في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي،والتي اشعرتنا في حينها بالأمل،كما في فلم(الحارس 1967)خليل شوقي،(المنعطف 1974)جعفر علي،(بيوت في ذلك الزقاق 1977)قاسم حول،(الاسوار 1977)محمد شكري جميل،فإننا سنجد انفسنا وكأننا كُنّا نعيش وهما كبيراً،وأننا تجاوزنا بوهمنا حدود التفاؤل.

ومثلما تعودنا أن نتغاضى عن اخطاء قادة وزعماء كنا مؤمنين بوطنيتهم، تغاضينا أيضاعن هنّاتٍ حفلت بها تلك النتاجات(الومضات)تدفعنا الى ذلك مشاعر احتفاء ودعم للإنتاج السينمائي العراقي،وياليتنا ماتغاضينا عن أخطاء القادة والمخرجين معاً،لأن البلوى واحدة وإن اختلفت المسميات .
وفيما لو تمت مقارنة تلك(الومضات)مع ماتمَّ تقديمه من اعمال سينمائية انتجت في مصر أو سوريا أو تونس أو الجزائر في نفس فترة انتاجها ،لخرجنا بنتائج ليست في صالح ومضاتنا.

هيمنة الايدولوجيا

إن النتاج السينمائي في العراق ظل يعاني من معضلة رئيسة تتلخص في خضوعه المعيب لايدولوجيا النظام الحاكم،خاصة ذلك النتاج الذي تتولى تمويله دائرة السينما والمسرح،وهو الأكثر حضورا وهيمنة من حيث الكم،وهذا ماأسبغ  عليه صبغة دعائية،ليجرده من فرصة أن تكون أدواته عالية الحرفية إحتراما لذكاء المتلقي ــ وليس احتقارا له كما هو حاصل ــ ولكي يتفاعل معه الجمهور باعتباره عملا فنيا خالصا،يتم التعامل معه نقديا وفق اشتراطات العمل الفني،وليس باعتباره جزءا من اجندة دعائية.
من هنا بقي النتاج السينمائي في العراق محشورا في زاوية الفنون الدعائية التي يتسم خطابها بالمباشرة والسطحية والسذاجة،ولاتحتاج الى وقت طويل لتأملها وقراءتها وتفكيك دلالاتها ورموزها وشفراتها كما هو الأمر في الفيلم السينمائي الذي يقدمه الفنان بعيدا عن هيمنة خطاب السلطة.

النتاج العراقي بقي مفتقدا لجوهر مايسعى الى تحقيقه الفن السينمائي :الانتماء للأنسان وإنصاف قضاياه العادلة،بمعزل عن تخريجات خطاب السلطة،بشكله السياسي والاجتماعي،بكل مايحمله من  تزيييف للحقائق،وأنزوى بعيداعن الحياة وماتضج به من دراما انسانية تحفل بالكثير من القصص البَكر التي لم تصلها عدسة السينما،هذااضافة الى مايطرحه الواقع بكل مايشهده من تحولات واحتدامات من قصص جديدة، مكتفيا بإعادة انتاج ماهو شائع ومكرر ،وهذا مايتناقض جوهريا مع وظيفة وضرورة الفن في أن يكون جدليا في رؤيته للواقع وليس تزويقيا وسياحيا إن لم يكن مزوراً في اغلب الاحــيان .

وحتى لو صادف أن اقترب المخرج السينمائي العراقي من هذه الرؤية الجدلية فأنه سيلامسها على استحياء وحذر شديدين،كما هو الحال في افلام عبد الهادي الرواي(البيت،افرض نفسك سعيدا،حب في بغداد)الذي لاتنقصه الموهبة ولا الوعي السينمائي،لكنه لم ينصف موهبته بما تستحق،مع تقديرنا  لثقل الظرف السياسي الذي كان يحيط به ــ لكونه شيوعيا ــ وكان سببا في حرمانه من العمل لسنين طويلة قبل أن تعطى له الفرصة ولكن تحت شروط وضوابط صارمة حاول على قدر مايستطيع أن يستغفل الرقيب ليمرر رسالته الذاتية،لكنها وصلت متلعثمة.

يمكننا القول بأن الافلام التي اقتربت من نبض الحياة بحرارة وجمالية تكاد تكون نادرة في تاريخ السينما العراقية،ويمكن اعتبار فيلم المخرج  قاسم حول (بيوت في ذلك الزقاق  1977) ضمن هذا الاطار.لذلك كان تعامل الرقيب انذاك مع الفيلم قاسيا جدا،الى الحد الذي تم تغيير مشهده الاخير بنهاية أخرى غير التي وضعهاالمخرج،بشكل ينسجم مع ايدولوجيا النظام القائم،وكان ذلك من الاسباب الجوهرية التي دفعت بالمخرج إلى أن يغادر العراق قبل عرضه خوفا من الاعتقال خاصة وان عرضه قد تزامن مع بدء حملة الاعتقالات التي طالت اعضاء الحزب الشيوعي العراقي .

إن دائرة السينما عكفت خلال فترة حكم حزب البعث العربي الاشتراكي على العودة الدائمة الى الوراء،إلى التاريخ ـــ وهذا مايفعله النظام الحالي ايضا ـــ لتقديم اعمال سينمائية ذات كلفة انتاجية عالية جدا إستلهمت فيها من الماضي البعيد قصصا وحكايات تمت معالجتها بشكل يخدم ايدولوجية الحزب،دون أن يكون هنالك اي قدر من الاهتمام بالجانب الجمالي أو المضمون الانساني،بما يشكل هذان العاملين من اهمية فيما لوعرض الفيلم في إي مكان وإي زمان،مثال على ذلك فيلم (القادسية)1981من اخراج المصري صلاح ابوسيف، وفيلم (المسألة الكبرى) 1982من اخراج محمد شكري جميل،ورغم الاموال الطائلة التي صرفت على تلك الاعمال إلاَّ انها لم تضف شيئا مهما ــ ضمن الاطار الجمالي ــ  للإنتاج السينمائي العراقي،وذهبت في طريقها إلى النسيان بدلا من أن تستقر في ذاكرة الفن السينمائي .

وهنا ينبغي التوقف أمام رسالة الفنان عند تقديمه لاي تجربة فنية ،وتمثل هذه المسألة جوهر العمل الفني وسر حضوره المشرق وديمومته،فالقيمة الاساسية لأي عمل لاتكمن في كونه يعالج الماضي او الحاضر،إنما قيمته تكمن في أن لاتكون رسالته جزءا من منظومة ايدلوجية هدفها تزييف اوتلميع اوترقيع الحقائق.فمهمة الفنان أن يرسم صورة جديدة للغد،لاأن يعيد انتاج صورة قديمة من الماضي حتى لو كانت مشرقة،فكيف الحال إذا كانت تلك الصورة مُزيَّفة ومُزيِّفةبنفس الوقت.

لاجديد في الاشرطة الجديدة

بعد انتظار طويل دام اكثر من عامين كان الجمهور العراقي ينتظر بشوق ــ كعادته ــ ماستفصح عنه مجموعة الافلام التي موَّلتها وزارة الثقافة خلال العاميين الماضيين،اقيم للفترة من 21   كانون الثاني (يناير) ولغاية 11  شباط (فبراير) مهرجانا لهذه الافلام، وبطبيعة الحال، وكما هو متوقع لدى كل من يُعنى بالفن السينمائي من نقاد ومثقفين، كانت النتيجة مخيَّبة،فالضعف في المستوى الفني قد شمل معظم الافلام بإستثناء فلم (صمت الراعي) للمخرج رعد مشتت، وبدرجة اقل فيلم (بحيرة الوجع ) للمخرج جلال كامل،هذه النتيجة انعكست بالتالي على نسبة حضور الجمهور المتابع للمهرجان،فأخذت تتناقص أعداده بشكل كبير من بعد اليوم الاول لافتتاح المهرجان .

 من المعلوم ان هذه الافلام قد خصص لها اكثر من 20  مليار دينار عراقي ووصلت ميزانية بعضها الى مليون ونصف دولار لكل فلم، وهكذا يصبح الرقم تنــــــــازليا مع بقية الافلام الاخرى . ماتم تسجيله من ملاحظات سلبية ضد خطة الوزارة يتلخص أولا في هذا الكم الكبير من الافلام التي تم انتاجها،وكان ينبغي بدلا من هذا العدد ــ  38  فيلما ــ أن يقتصر الانتاج على عدد محدود،لايتعدى عشرة افلام،يتم اختيارها بدقة وعناية،ابتدأ من السيناريو وانتهچچچچاء ببقية طاقم الانتاج . ايضا كان يتوجب على وزارة الثقافة ان تعطي الفرصة للمخرجين الشباب الذين اثبتوا كفاءة وحضورا في الافلام التي قدموها خلال الاعوام الاخيرة،وعلى العكس من ذلك  تم استبعاد معظمهم من  خطة الوزارة، لتستولي على الحصة الاكبر من خطة الانتاج بدلا عنهم اسماء مخضرمة دائما ما كانت لها الحظوة في اقتناص الفرص طيلة العقود الماضية لكنها لم تقدم شيئا مهما،لاسابقا ولا لاحقا . ومن الاسباب الاخرى التي تقف وراء ضعف الافلام المنتجة:عدم كفاءة اللجنة التي تولت قراءة واجازة السيناريوهات المقدمة للانتاج، فقد بدا الضعف واضحا في معظمها،بل أن اغلبها يصلح ان يكون مادة للتلفزيون ولايصلح ان يكون مادة سينمائية،لما حفلت به من ثرثرة في الحوار، وغياب الموضوعة الانسانية التي يراهن عليها في مخاطبة الجمهور العالمي في ايّما مكان وإيّما زمان.

الاثنين، 9 مارس 2015

 

 

 

 

يكتب الشعر لكي يتبرأ من آثامه.. 

                                     مروان ياسين يعيش زمن الدهشة..

http://www.sotakhr.com/2006/index.php?id=24321 

رابط الحوار في مجلة الصوت الآخر 

  سامر الياس سعيد

صدرت عن دار (مومنت) للنشر في العاصمة البريطانية (لندن) مجموعة شعرية جديدة للشاعر مروان ياسين عنونها بـ(منعطف الوقت) وقد حمل غلافها الاول صورة للجسر العتيق في مدينة الموصل..
المجموعة الشعرية الجديدة قدمها الشاعر ليضيفها  لمجاميعه الشعرية التي أصدرها في وقت سابق ومن بينها (سماء الخوف السابعة) اذ أكد من خلالها هواجسه إزاء ما كانت تعيشه مدينته (الموصل) من هواجس امنية انبت من كان يزورها او يعيش فيها انها قيد السقوط بيد تنظيم الدولة الاسلامية  حيث كانت المجموعة المذكورة قد صدرت عام 2009 ، وقد أفصح ياسين من خلال نصوص المجموعة التي فازت بجائزة ناجي نعمان اللبنانية في العام 2010عن قلق شديد وهواجس مخيفة كانت تضطرم في داخله كلما تيسرت له فرصة زيارة مدينة الموصل والتجول في شوارعها. حيث كان مشهدها العام ينبىء الشاعر بأن المدينة ليست على حالها، وأنها تعيش مخاضا صعبا لم يكن في حُسبان اهلها..
اما من خلال المجموعة الشعرية الجديدة التي حملت عنوان (منعطف الوقت) فان الشاعر مروان ياسين  يؤكد ان تحليقه في عالم نزيف الروح (الشعر)، ليس إلا دهشة وتوجسا مشيرا بانه في حضرة الشعر يقدم اسئلته عن عالم  يسكننا ونسكنه في آن واحد، ويعبر ياسين عن متعة خفية وراء ابداعه الشعري حيث يفصح عن تلك المتعة من خلال معايشة اللحظة  في وجود مرئي ومحسوس،  إلاَّ انه  يعتبره وهما  كبيرا ، ساعيا من وراء ما يكتبه من قصائد الى ان يفكَّ طلاسم العالم غير ان الخيبة وراء ابداعه لاتزال متوارية .
وعن حافز الكتابة التي يحلق من خلالها الشاعر مروان ياسين في منازل القافية وبحور الشعر فانه يؤكد على حضوره الابداعي حيث يقول عندما أكتب، أنا  حاضر وغائب، في اللحظة العبثية التي يعيشها العالم في الوقت نفسه ، انا فيها ولست منها، انا داخلها وبعيد عنها،أنا اكتب لكي أتبرأ من آثامي التي ورّطني العالم بأن اكون شاهدا عليها.
 اما عن تجربته التي يبرزها في مجموعته الشعرية التي يعنونها بـ(منعطف الوقت) فيقتبس منعطفها من بين منعطفات مر بها الشاعر حيث يقول: شخصيا، مررت بعدة منعطفات تركت في داخلي تحولات مهمة في الوعي الانساني والفني، لكن سقوط مدينة الموصل تحت سلطة داعش كان الاعمق تأثيرا على ذاتي، وسيكون بلا أدنى شك هو الاعمق تأثيرا على مستقبل المدينة. ويعول الشاعر مروان ياسين على ثقته بهزيمة داعش العسكرية  في الموصل مشيرا في الوقت ذاته الى ان هزيمة التنظيم لا تعني أن المعركة معها قد انتهت حسب رأيه، بل على العكس حينذاك ستبدأ المعركة الاكبر مع ما تركته من افكار، وما خلفته من تدمير وتشويه في عقول الكثير من ابنائها. ويختتم القول بالتفاؤل الذي يستمده من عمق الموصل الحضاري والمدني في ان تنفض عنها غبار ما لحق بها وتحلق كالعنقاء من جديد حيث يراهن على ما يجسدهما العمقان (الحضاري والمدني)  بان يكون لهما  الحضور الاقوى في هذه المعركة.

الأربعاء، 4 مارس 2015


http://www.alitthad.com/News_Details.php?ID=26911رابط المقال في صحيفة الاتحاد 
 


رواية ملوك الرمال لعلي بدر.. 
التخييل يحلق بالسرد ليزيح المؤرخ من أمامه



                        


مروان ياسين الدليمي
لم يكن علي بدر يقصد من خلال روايته ملوك الرمال أن يلعب دور مؤرخٍ شاهدٍ على أحداث وقعتْ،بقدر ماكان دوره روائيا بامتياز،اطلق العنان لمخيلته السردية في بناء عالم روائي متخيل لاصلة له بالكيفية التي يُمكن أنْ يتعامل بها مؤرخ مع أحداث التاريخ.


مروان ياسين الدليمي
لم يكن علي بدر يقصد من خلال روايته ملوك الرمال أن يلعب دور مؤرخٍ شاهدٍ على أحداث وقعتْ،بقدر ماكان دوره روائيا بامتياز،اطلق العنان لمخيلته السردية في بناء عالم روائي متخيل لاصلة له بالكيفية التي يُمكن أنْ يتعامل بها مؤرخ مع أحداث التاريخ،مِن هنا لامس في هذه التجربة مشاعر وهواجس شخصيات انسانية إفترَض وجودها عند حافة تحولات عميقةٍ،وجدت نفسها في لحظة زمنية يفصل فيها خيط واهٍ مابين عالم الحرب والسلام،الماءوالعطش،الصحراء والمدينة،الموت والحياة .
ارسطو وهو يقارن مابين التاريخ والادب يقول:” إن السرد التخييلي أكثر فلسفية وعلمية من التاريخ لأنه يتعلق بالحقائق العامة،فهو يعالج مايحدث عادة،لامايحدث فعلا “. (1)
من هنا يذهب البناء السردي لهذه الرواية عبر مسار تخييلي  للتاريخ،وفيما يبدو لنا هو تاريخ ليس ببعيد عن المؤلف،حتى وإنْ لم يكتو بأحداثه بشكل مباشر عشية حرب الخليج الثانية 1991.وكان تقسيم الرواية الى جزئين كل منهما يحمل عنوان وهي علامة أولى على تحديد التصنيف الاجناسي لنمط الكتابة،اضافة الى كونها استعارة من تقانات الرواية السير ذاتية،مع أن الرواية تعاملت بكل محمولات خطابها مع حدث تاريخي :” كانت هنالك أسراب من الطائرات المتجهة نحو الشمال،بُهِتُّ أول الأمر،ثم أدركتُ أنْ الحرب قد بدأت،وهذه الطائرات هي طائرات الحلفاء المتجهة لقصف بغداد، كانت هنالك مجاميع أخرى تأخذ الاتجاه ذاته “.

المتن الحكائي

عشية الاستعدادات المحمومة للبدء بحرب الخليج الثانية وتحديدا في شهر يناير كانون الثاني من العام 1991 يتم تشكيل فصيل من كتيبة مغاوير الفرقة الثالثة والعشرين يتألف من تسعة جنود ونقيب،لتنفيذ مهمة قتاليةٍ أطلق عليها”غارة الصحراء “لملاحقة مجموعة من البدو تنتمي لقبيلة جَدلة في مقدمتهم شخص يدعى جسَّاس لأنّهم تورطوا بذبح ثلاثة من ضباط استخبارات الكتيبة كانوا في مهمة استطلاعية داخل الصحراء في جنوب غربي العراق،والأوامر العسكرية العليا كانت تقضي،إمَّا بأسْرَهُم أو قَتلَهُم.أفراد الفصيل الذي تم تشكيله لم يستعدوا لهذه المهمة إلاَّ بما تحتاجه “بندقية رشاشة،وفائضا من الذخيرة الحية،والحربة المسمومة مع عدة ميدان المعركة وكيس التموين الذي يحتوي على الارزاق الجافة مع الخارطة المفصلة والنطاق العريض والبسطار الخاص بالمعارك التي تشن في الصحراء “. من هنا يبدأ مسار رحلة الصراع مع عدو يمتلك قدرة على التآلف والتماهي مع الصحراء،حتى لكأنه يبدو صورة منها، بغموضها، وقسوتها، ومفاجأتها،وجمالها. الفصيل يفشل في مهمته ويتمكن جساس المُتهم بقتل الضباط الثلاثة أنْ يقضي على جميع افراد الفصيل الذي يطارده،ولم ينجو منهم إلاَّ جنديا واحداً،يتمكن فيما بعد بمساعدة قبيلة(بني جابر)التي ترتبط بصلة تعاون وثيقة مع الحكومة العراقية من القبض عليه وأقتياده مقيدا إلاّ أنه يُطلق سراحه ما أن يمر بالمدينة وهو متجه به الى وحدته العسكرية لتسليمه عندما يجد أن قوات التحالف الدولية قد تمكنت طائراتها من تدمير الجيش العراقي،وأنَّ حالة من الفوضى والانهيار تسود البلاد .
بدا لنا اختيارعلي بدر تقانة الرواية السيرذاتية صائبا في بناء عمله.من هنا جاء استعمال ضمير المتكلم بصيغة الماضي للسارد/ الشخصية الرئيسة،وكان اختيار سترايجية نمط الرواية السيرذاتية بما تحمله من آليات،قد منحه فرصة تحريك واستثمار مخزونات الذاكرة التي تعني “انسياب حركة الزمن من الماضي إلى الحاضر الذي يتوغل مع المستقبل عبر جدلية التطور وديناميكية التفاعل على صعيد الحياة والأدب“(2). مع أن خيار الرواية السير ذاتية  يضع القارئ في موقف يحاول فيه أن يفك الاشتباك مابين  المؤلف والمؤلف الضمني السارد.وهنا يتردد  سؤال لدى القارئ:هل نستطيع أن نفصل مابين الشخصية الرئيسة والمؤلف طالما نحن ازاء بنية سردية تتحرك في ستراتيجية سيرذاتية ليس من السهل في تركيبتها فك الارتباط ما بينهما ؟.فالسارد مؤلف ضمني،يستعيد تجربة مر بها،والمؤلف إستعار قناع المؤلف الضمني لكي ينزوي بعيدا وهو يحرك الاحداث من خلاله.تبدو الاجابة القاطعة مغالطة،مهما كانت،سواءبالنفي أو الايجاب،وهي في الحالتين تحمل رؤية قاصرة لمحمولات الكتابة السردية من الناحية الفنية.
بنفس الوقت هنالك عدد من الاسئلة الازلية رافقت الأنسان في رحلته السرمدية ودائما مايطرحها على نفسه مُذ أدرك حضوره وهو يواجه الموت والقتل في الحروب،اعاد علي بدر طرحها على لسان الشخصية الساردة/الشخصية المحورية بشكل آخر يعكس معطيات عصره الذي تداخل فيه الواقع والخيال من حيث التأثير المتبادل،إذ لم يعد هنالك من حد فاصل بينهما يمكن الامساك به:” ماهي الحرب؟ كنت أسأل نفسي وأنا أرى كل هذه التحضيرات،كما لو كانت في فيلم سينمائي،من تعلم مِنْ مَن؟الفن من الحرب أم الحرب من الفن ؟ “ .

الصوت السارد

يأتي فعل السرد من وجهة نظر الجندي الوحيد الذي ينجو من هذه المهمة  لتتكشف أمامنا شخصية على قدر معقول من الثقافة كونها قد انحدرت من بيئة مدنيَّة،إلاَّ أن المؤلف لم يتوقف عندها طويلاً “ فكرت في نفسي:الأحلام بعيدة عني ذلك اليوم، والحرب قريبة جدا،وما من ماض لي أفكر به الآن،ففي الحرب لامعنى للماضي أبدا،ذلك لأن الحاضر وحده الذي يهيمن على تيار الزمن،فاللحظة القادمة مجهولة، والماضي منسي ومتقهقر،والحاضر هو الزمن الأكثر كثافة وواقعية في تيار الزمان”.وقد اكتفى علي بدر  باشاراتٍ عابرةٍ عن ماضي الشخصية المحورية/الساردة،ووجد ذلك  كافيا لتحديد مرجعيتها الأنسانيةوماستواجه من صراع نفسي عندما تنتقل الى الصحراء،لتصبح دون مقدمات في مواجهة مصيرية مع بيئة أخرى هي نقيض البيئة التي عاشتها في المدينة،لتكون بالتالي أمام مواجهة حاسمة مع قدرها ووجودها الانساني وسط عالم  مجهول وغامض ومفاجئ مِن الصعب الامساك بتفاصيله المتغيِّرة مع تغيّر رمال الصحراء المتحركة :” كنت أشعر بأن الأرض يغمرها ضوء شاحب،ضوء خفيف كأنه قادم من تبخر بحر في السماء،وكنت أرى هذا الصمت الإلهي العظيم،هذا الصمت الأخرس في الليل،وكأن الصحراء هي الصرخة الأخيرة للرب،فيالها من اشياء تلك التي سمح لي الله برؤيتها على أرضه !.إنها بوابة سامية أدخل منها في اليوم التالي الى الصحراء،حتى كأن الليل يختلط بالسماء،وهذا الضوء الشاحب الذي يغمر الخليقة قادم من اقدام الإله الذي أنار النجوم بضوء ثابت يبرق مثل الماس على بساط اسود ناعم” .

دلالة  السارد

ضمن خصوصيات فن كتابة الرواية “يكون المتكلم أساسا هو فرد إجتماعي، ملموس ومحدد تاريخيا،وخطابه يمثل لغة اجتماعية وليس لهجة فردية،ومن ثم يمكن لخطاب شخصية روائية أن يصبح أحد عوامل تصنيف اللغة ومدخلا للتعدد اللساني “.(3) ولغة الشخصية المحورية في هذه الرواية وإن كانت تعكس وجهة نظر ذاتية لشخصية تعيش عالمها الايدولوجي الداخلي الخاص بها الذي يعكس فهمها وقناعاتها متجسدة في افعالها ومنطوقها اللفظي،إلا انها تعكس بنفس الوقت دلالة اجتماعية طبقية.
حمَّل علي بدر وهو يختبر مشاعر شخصيته الساردة لغة خطابهِ قيمة ايدولوجية داخل بنيتها الجمالية وهو يتغنى بفرادة عالم الصحراءوغموضها التي مررها على لسان الشخصية المحورية :” لقد شعرت بالتماس مع هذا الرمل،وكأني أذوب في نوع من السرية المطلقة،لقد شعرت وأنا في الأعلى بلحظة غياب مكشوفة مع الصحراء،وأحسست بأصابعي تستدفئ بهذا الوهج القادم من الرمل أولا،ومن الشمس ثانيا،ومن المدار ثالثا وكأن الصقور التي يخشاها الطيارون تفر من خاصرة الرمال لتوقظ في التجرد المديد أنداء الأقاصي “ .
الصحراء بمفراداتها هي المحور الرئيس الذي تدور حوله الاحداث،فكانت تجربة علي بدر بمثابة محاولة لفك شفرات البدو او كما يسميهم ارستقراطيي الصحراء وهذا ماجاء على لسان السارد في احدى جمله في الرواية “كان فزعهم يعيد الأمور علينا مقلوبة،دون ابتسام يقرأون ويفكون رموز العالم الذي يحيط بهم ثم يهبطون ليلا في الوديان،يهبطون مثل آلهة قديمة بحركاتهم الرشيقة والبطولية معا ويتلاشون في الظلام “.
أوصل لنا علي بدر مرادفات سردية معادلة لما يحتشد في رمال الصحراء وامتدادتها مِن صورٍ تأتي متداعية من خلال المؤلف الضمني/شخصية الجندي السارد للأحداث الذي هو الناجي الوحيد من هذه المهمة،الذي تحوَّل فيما بعد الى كاتب روائي بعد انتهاء الحرب،فاستثمر هذه التجربة التي خاضها ليعيدَ استدعاءها عبر حبكة روائية.

الهوامش

1. نظريات السرد الحديثة – والاس مارتن – ترجمة حياة جاسم محمد
2. في الذاكرة الشعرية :قيس كاظم الجنابي
3. نفس المصدر رقم (1 )
نشر المقال في صحيفة الاتحاد بتاريخ 3/1 / 2015

الثلاثاء، 3 مارس 2015


 الموصل . .  على موعد مع الأسوأ

سيواجه الناس في الموصل بعد تحريرها من سلطة داعش معضلة هي اكبر من استيلاء داعش عليها في 10 حزيران 2014 ،والمعضلة تكمن في عدد الجيوش او الميليشيات المسلحة التي تم تشكيلها قبل التحرير بذريعة المساهمة بحرب تحرير المدينة،فهناك جيش للعرب السنة،وحيش لليزيدية،وجيش للشبك،وجيش للمسيحيين.اضافة الى الجيش العراقي وقوات الحشد الشعبي الشيعية ،والبيشمركة . 
كيف يمكن السيطرة على هذه الجيوش التي تم تأسيسها على اسس طائفية وعرقية ودينية ، وغاب عنها الاساس الوطني ؟
لذا فإن امر الاقتتال الداخلي وارد جدا،وسيكلف المدينة ثمنا باهظا،نتيجته ستكون تدفق العشرات من اللاجئين هربا من الموت.وتدمير ماتبقى من بنى تحتية في المدينة بعد ان بدأ تنظيم الدولة مراحل التدمير الاولى .
قضية الموصل،محلية الخطاب الاعلامي وعالمية الحدث
الاثنين، 2 آذار، 2015
ليس جديدا عندما نقر بأن الاعلام بات يقود العالم ويسير به بالاتجاه الذي يخطط له ساسة الدول الكبرى والشركات الاقتصادية العملاقة التي تتحكم من وراء الستار بالقوى والشخصيات التي تمسك بمفاتيح السياسة الدولية،وأن التنافس اصبح شرسا جدا مابين الاطرف الدولية المتصارعة في ميادين الاعلام المرئي قبل ان يكون في ميادين القتال التقليدية،وان المعركة باتت تبدأ على شاشة الفضائيات بوقت مبكر جدا بين هذه القوى قبل ان نشهدها على الارض.
فالأولوية الآن في حسابات القوى الكبرى المهيمنة،تكمن في تهيئة اذهان وعقول الرأي العام لتقبُّل الحقائق المرسلة الى المتلقي بصيغة اخبار وتقارير وصور حتى لوكانت ملفقة أو مزيفة،فالمهم بهذا الصدد الضغط المتواصل والالحاح في بث الرسالة بقصد السيطرة على العقول وقطع الطريق امامها حتى لاتفكر وتحلل وتستنتج،في مقابل تعبأتها بحفنة معلومات مسوَّقة بطريقة ذكية،وليس بالضرورة ان تكون صحيحة،بل الأهم أن يتم انتاجها وصياغتها بشكل مقبول وجذاب ومؤثر وفق احدث التقنيات والاساليب في وسائل الاتصال الاعلامية والفنية حتى وإن لم تتوفر فيها ادلة منطقية.وهذا ما ادركته ايضا التنظيمات المتطرفة مثل داعش عندما بدأت تولي اهمية قصوى لهذه العناصر الفنية في كل رسالة تبعثها الى العالم وامست تتوفر فيها كل عناصر البناء الفني من سيناريو مكتوب بحرفية عالية الى اخراج يحاكي الافلام الاميركية التي تتوفر فيها عناصرالشد والتشويق والايقاع المحسوب والمونتاج السريع الى استعمال احدث الاجهزة والمعدات التقنية من كاميرات واجهزة اضاءة وكرين وشاريو وستيدي كَم.
وسط هذه المعركة الاعلامية بكل شراستها وحداثتها نجد الخطاب الاعلامي لقناتي الموصل ونينوى الغد ــ وهما موضوع مقالنا ــ في خطوطه العامة وتفاصيله،يكاد أن يكون متشابها من حيث بدائيته ومحليته وانعزاليته عما اشرنا اليه من تحولات في ميدان صناعة الاعلام،وهو بذلك يفتقد الى ابسط المفردات الفنية التي تتجاوب من حيث الشكل والمحتوى مع ماهو حاصل من
تطور في الميدان الاعلامي محليا وعربيا وعالمياً،سواء في صياغة وتقديم الاخبار أو حتى بمذيعي ومقدمي البرامج الحوارية،ونجد أن معظم مايقدم فيهما من اخبار وبرامج مفتقدا الى ابسط شروط الاعداد الجيد،اضافة الى غياب العناصر الفنية الكفوءة خاصة في ادارة الحوارات.
بهذه الصورة تبدو القناتان على مسافة بعيدة جدا من قضية كبيرة ذات اهمية دولية -وليست محلية – مثل الموصل،تداعياتها الأمنية لا تنعكس على العراق والمنطقة العربية فقط بقدر ما يتجاوز تأثيرها الى العالم اجمع وهو يواجه تحدي جماعات الاسلام السياسي،خاصة بعد أن اصبحت المدينة عاصمة الخلافة الاسلامية لدولة العراق والشام حسب مازعم التنظيم وباتت تشكل مركز امبراطورية الجماعات الاسلاموية وبوصلتها التي تتجه اليها،وهذا يفرض بالتالي على ادارة القناتين تجاوز لغة واساليب الخطاب المحلي والارتقاء به الى مستوى اهمية الموصل ــ مدينة وقضية وحدثا ـ في هذه اللحظة من الصراع .
بهذا السياق نلاحظ وفي خضم الاستعدادات لتحرير المدينة ــ حيث تطوع اكثر من 000 / 0 2 الف متطوع من ابنائها ومضى على التحاقهم في معسكر التدريب عدة اشهرــ أنَّ قناة نينوى الغد تعرض لنا برنامج وثائقيا عن قرب نهاية العالم وتعيد بثه يوميا أكثر من مرة ويعتمد البرنامج على فرضيات ونصوص غيبية تخلو من اي منطق ونظرية علمية !!! بل ان المستندات النصية التي يعتمد عليها الفلم هي ذاتها التي انتجت التنظيمات المتطرفة الاسلاموية !
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا:ماهي الرسالة التي تريد ان توصلها القناة للمواطن الموصلي الذي ينتظر يوم التحرير بفارغ الصبر،سواء الذي يعيش مختطفا تحت سلطة داعش داخل المدينة أو ذاك الذي يعيش نازحا ومهجرا؟ اظن ان رسالتها تريد ان تقول له بأن:ينبغي عليك الاستسلام للقدر،وأن لاتنتظر يوم التحرير ولا الحياة بعد الآن،لأن يوم القيامة بات قريب جدا . . !
قناة الموصل هي الاخرى ليست بحال أحسن في خطابها وبُعدها عن الواقع من قرينتها نينوى الغد،فهي الاخرى مازالت عاجزة عن تحقيق تواصل حقيقي وفعال مع المواطن الموصلي بالشكل الذي يضعه في إطار صورة واقعية لما جرى ويجري وماسيجري حوله،وصولا الى بعث مشاعر الأمل والانتفاض على ماهو فيه من بؤس تحت سلطة الخلافة،أواعطائه جرعة أمل توصله الى قناعة بأن يوم التحرير بات على بعد خطوة منه .
إلاّأننا نجدها على العكس من ذلك تعرض لنا حوارات لاقيمة لها مع اشخاص لاوجود ولاقيمة لهم في الوسط الثقافي والفني العراقي،وتعيد بثها عشرات المرات !. فما جدوى بث هذه الحوارات ؟وماذا ينتظر منها المواطن الموصلي الآسير والمعتقل في بيته ومدينته ؟ ماذا ينتظر منها المُهجَّر من بيته ويعيش تحت قسوة البرد في الخيام ؟ بماذا تعنيه حوارات تتحدث فيها شخصيات مغمورة عن انجازات فنية لاوجود لها ؟ هل ستبعث فيه حياةً باتت تموت في عروقه يوما بعد آخر ؟ هل سترسم له طريقا مشرقا لمواجهة مايعيشه من قهر ؟ومَن هذه الشخصيات التي لاأحد يعرفها حتى يصغي لها مواطنا تعيسا يشعر بالغربة والوحدة في وطنه وهو ينتظر تحت الخيام ساعة الخلاص من هذا الجحيم الذي يصطلي به ؟ ولو كان حديث هؤلاء الضيوف المتحاورين يتعلق بواقع مدينتهم ومااصبح عليه بعد العاشر من حزيران 2014 بكل تعقيداته وخطورته لكانت تلك الحوارات مقبولة وذات جدوى .
ليس من المنطقي أن يكون خطاب قناتين فضائتين على هذه الصورة،خاصة وان تأسيسهما قد جاء تحت ذريعة الدفاع عن الموصل والمساهمة في تحريرها،فإذا كانت ادارة القناتين قد اعتمدت على فريق عمل عاجز عن تحقيق تواصل مع المتلقي الموصلي المقهور فكيف الحال مع عموم المتلقين في العالم ؟ كيف يستطيع مثل هذا الخطاب ان يكسب الرأي العام العربي والعالمي الى قضية تحرير المدينة والوقوف الى جانب اهلها وايقاف ما ينتج عن سقوط الموصل من تداعيات محلية وعربية ودولية ؟ وإلاّ قد يكون لديها اهدافا اخرى لانعلمها ؟

المشهد الثقافي 599

المشهد الثقافي ح 599 اعداد وتقديم : مروان ياسين  تقارير حسن البغدادي العناوين : محاضرة عن علاقة الفلسفة بالفن والشعر والادب للدكتور معت...