الأربعاء، 29 أبريل، 2015

http://www.azzaman.com/?p=111633 

الزمان السنة الثامنة عشرة العدد 5089 الاربعاء 10 رجب 1536 ه 29 نيسان (ابريل ) 2015 م



تبادلية العلاقة مابين الواقع والخيال في الفن السينمائي . 

                                                            
                                                                  مروان ياسين الدليمي


مابين الفن والعلم 

هنالك علاقة وثيقة وجوهرية تربط الواقع بالخيال في كل الفنون الابداعية رغم التقاطع الحاد مابين هذين العالمين.
الواقع بما تُشكِّل فيه الصور والاشياء حقائق ملموسة،والخيال الذي يكون مُنطلقهُ مُخيلة الانسان،بما تملكه المخيلة من مساحة واسعة في بناء صورةِ لعلاقات متخيلةٍ تبتعد تماما في تكوينها عن المنطق والسببية،حتى فيما لو إستعارت مفردات تلك الصورة وعناصرها من الواقع.
الفنون لوحدها فقط تمتلك مساحة واسعة  ــ العلم لايمتلكها مطلقا ــ تجمع النقائض التي تتشكل من : 1- صور الواقع 2-  شطحات المخيلة.
من خلال هذه المساحة  يُبنى عالما جديدا مُفتَرضا تنتجه مخيلة المبدع،هذا العالم الواقعي المُتخيَّل،تتم فيه ومن خلاله مُحاكاتُ أو تخاطرُ أوهَدمُ وإعادةُ بناءِ الواقع باساليب فنية متنوعة ومختلفة،مَرَّة يختارُ فيها المبدع أنْ يكون واقعيا أو تجريديا أو سرياليا أو انطباعيا او تعبيريا ... الخ من الاساليب والمدارس الفنية التي تراكمت في تاريخ الفنون،بينما في المقابل تعجز العلوم عن ذلك،لانَّ جوهرها قائم على عمليات حسابية دقيقة لاتقبل الخطأ،ولامكان للخيال فيها مطلقاً .
تبادل الادوار
طيلة المسار التاريخي للفنون بقيت هذه العلاقة مابين الواقع والخيال قائمة،ولم يخفت توهجها،وكلاهما تبادلا الأدوار فيما بينهما حسب ما يشاء الفنان،مرة ينهض الواقع ليلعب دوره كاملا انطلاقا من ساحة الخيال،وأخرى يلعب الخيال دوره كاملا انطلاقا من ساحة الواقع،وينعكس ذلك واضحا في طبيعة الصورة النهائية التي ينتجها الفنان بما تحمله رؤيته للموضوع من ادوات واساليب في التناول.
وحرية التنقل من الواقع الى الخيال لن تقتصر على فنون معينة لتنحسر أو تختفي في فنون أخرى،إنما تشترك في ذلك كل الفنون السمعية منها والمرئية .
أما فيما يتعلق بمدى منطقية مايُطرح من علاقات واقعية في العمل الفني الذي يتأسس على الخيال بدرجة أساسية،أو منطقية العلاقات الخيالية في العمل الذي يتأسس على الواقع،فيبقى أمر ذلك مرهوناً بقدرة الفنان وموهبته في استثمار ادواته بالشكل الذي يتمكن من خلال معالجته ورؤيته الفنية على تحقيق التأثيرالذي ينشده،سواء كان تأثيرا عاطفيا أو فلسفيا ،لايصال خطابه الفني .
في الفن السينمائي
لو عدنا بالذاكرة إلى الوراء لكي نتأمل بعمق بدايات الفن السينمائي،في اللحظة التي شرعت فيها عتلات كاميرات السينما تدور لأول مرة،حينما صور المهندسان الفرنسيان الاخوين لومير(اوجست ماري لوي نيقولا 19 اكتوبر 1862 – 10 ابريل 1954 )ولويس جان( 5 اكتوبر 1864 – 6 يونيو 1948 )أول الاشرطة السينمائية عام 1869،وكان زمن عرض الشريط لايستغرق سوى 46 ثانية،وقد تم تصنيف الفلم من قبل النقاد على أنَّهُ أول فلم وثائقي،وذلك لأنه يتابع حركة وصول قطار ونزول المسافرين منه على أرض المحطة .
عند مشاهدتنا للفلم سنكتشف أنَّ(الاخوين لومير)حاولا أن ينقلا حركة الاشياء كما تجري في الواقع دون أن يتدخلا في إعادة تركيبها فنيا وفقا لخيالهما،بل اكتفيا بعملية تسجيل الحركة على الشريط السينمائي،كما تجري بتفاصيلها الواقعية.وسبب ذلك يعود الى أنَّ الهدف من عملهما لم يكن صناعة فلم سينمائي،ذلك لأنَّ الفن السينمائي حتى تلك الساعة لم يكن موجودا،والخطوة التي أقدما عليها تعد هي اللبنة الاولى في  بناء طريق اكتشاف اسرارهذا الفن من غير أن يدركا ذلك.
مِن البديهي أن الاشياء في لحظة خَلقها تكون بداياتها بسيطة وتفتقر الى القواعد الواضحة المحسوبة والمُدَرَكة التي تحكم بنائها،ولكن بتوالي التجارب تنضج وتتطور إلى أن تكتمل وهكذا الاساليب والقواعد يتم التوصل اليها حتى تصبح فيما بعد منطلقا لأي عمل فني .
وفيما يتعلق بفلم الأخوة لومير لانستطيع أن نجزم بشكل قاطع غياب الخيال عن عملهما،خاصة إذا ماعلمنا أن عدد من مؤرّخي تطور الفن السينمائي يؤكدون في مؤلفاتهم بأن جميع ركاب القطار كانوا من أصدقاء الاخوين لومير وقد تمت دعوتهم لكي يؤدوا أدوارهم باعتبارهم ركابا يستقلون القطار،هنا بالضبط يَكمنُ هامش الخيال البسيط الذي تحرَّك فيه الاخوين لومير ولكن بلا أدنى شك رغم بساطته كان  له أهميته التاريخية.
بعد هذه التجربة توالت تجارب اخرى يعرفها دارسو الفن السينمائي كانت جميعها تنسج على منوال ماسبقها،مع اضافات صغيرة هنا وهناك،إلى أن نضجت جُملة من القواعد باتت تحكُم وتوجِّه أي واحدٍ يحاول أن يخرج فلما سينمائيا،ومع نضج هذه القواعد واتضاح صورتها ومدى تأثيرها في بناء الفلم،كانت مساحة الخيال تتسع هي الاخرى،لتصبح أهميتها في البناء الفلمي موازية للواقع،وباتت تتبادل معه الادوار والمساحة .
المُنطلَق في المونتاج
إن الخطوة الأهم  ــ بتقديرنا ــ في قضية توسُّع مساحة العلاقة التبادلية مابين الواقع والخيال في الفن السينمائي،جاءت بشكل جوهري من خلال فن المونتاج السينمائي ،الذي لم يكن قد تشكلت ملامحه واسسه حتى العام 1903 عندما أخرج(إدوين إس بورتر) فلمه (سرقة القطار الكبرى)وأهمية هذا الفلم لاتكمن في قيمته الفنية،بقدر ما تأتي أهميته مِن حدث صغير لاعلاقة له بالشريط المصور ومحتواه،وذلك عندما جاءت ساعة عرض الفلم،حينها أعطى المخرج تعليماته للعامل المسؤول عن عرض الفلم بأنَّ له الحرية في أنْ يعرض لقطة عامة كانت من ضمن لقطات الفلم إما يعرضها في بدايته أو في  نهايته حسب ذوقه الشخصي،هذا الموقف الذي تُرِك فيه للعامل أنْ يتحكَّم في موضع اللقطة العامة وحسب(ذوقه الشخصي)لم يكن في حُسبان المخرج سيكون له تأثير ثوري في نضج الوعي الفني لدى العاملين في نطاق الفن السينمائي،ليمنحهم فيما بعد نقطة انطلاق تاريخية وفنية في آن واحد، يكونُ لهم فيها حرية مطلقة في إعادة تركيب الواقع الذي يصورنه في مرحلة المونتاج،وتكون لمخيلتهم الحرية في تقطيع المشهد الواحد وتركيب لقطاته بأكثر من خيار،وفي كل واحد من تلك الخيارات يتم الوصول الى نتائج فنية مختلفة ومتنوعة،من حيث الفكرة والاسلوب والانطباع الحسي لدى المتلقي.
أهميّة المخرج غريفث
ثم جاء  المخرج الاميركي وورك غريفث الذي أحدث تحولا عميقا وجوهريا في بناء الفلم السينمائي بعد أن أخرج خلال الفترة مابين 1908 – 1913  عدد من الافلام القصيرة قبل أن يبدأ في إخراج فلمه الشهير(مولد أمّة)عام 1915.وتوصل في تلك التجارب الاولى الى نتائج هامة جدا،وضعت العناصر الفنية التي تنهض عليها بنية الفن السينمائي،ومازالت تلك العناصر محافظة على أهميتها وحضورها في البناء الفلمي،ولعل أهم ماتوصل اليه كريفث أنْ:يُقسِّم المشهد الواحد الذي يروي حدثا واحداً الى عدة لقطات اثناء التصوير مِن غير أنْ يتم تصوير المشهد دفعة واحدة،وبلا أدنى شك كانت ومازالت هذه القاعدة تشكل جوهر آلية العمل في الفلم السينمائي حتى هذه اللحظة.
إن اكتشافات غريفث لم يتوصل إليها وهو في حالة تأملٍ وعزلة دونما عمل،بقدر ما تفاعلت فيها التجربة العملية والتفكير المستمر في عمله وماكان يتوصل اليه من نتائج.
كريفث لم يكن إلاّ فنانا مغامراً،إعتمد على ذاته وحدسه ومخيلته في التجريب والتقصّي والاكتشاف،وهو ينطلق في حقل فني بكر لتحقيق احلامه مستعينا بمخيلة فذَّة واستثنائية،وعندما أخرج فلمه الطويل (مَولدُ أُمَّةٍ)كانت قد تراكم في ذاكرته الفنية مخزونا معرفيا وقيميا من المفاهيم الفنية إستنتجها بفعل تجاربه الذاتية في افلامه السابقة،فوضع في هذا الفلم كل جهده وخبراته،وجعله ميدانا رحبا لاستعراض ماكان قد توصل اليه من عناصر فنية واساليب في بناء الفلم،والتي اصبحت فيما بعد قيما فنية اساسية لاغنى عنها لأي مخرج وهو يفكر في اخراج مشروعه السينمائي.
هنا لابد أن نذكربعض العناصر الفنية التي أرساها كريفث:لقطة لعين إنسان وهي تنظر من ثقب الباب،لقطات واسعة تستعرض مساحات من الريف،كامير متحركة، قطع متوازي للقطات من مشهدين في زمن واحد،لقطات قريبة ومتوسطة لكسب تعاطف المشاهدين تجاه الشخصية،الى غير ذلك من الاساليب التي تعكس إتساع مساحة الخيال في اعادة تركيب الواقع على الشاشة وخلق واقع آخر موازي له انطلاقا من المخيلة أمست بعد ذلك بؤرة يعتمد عليه المخرج في تشكيل رؤيته الفنية وهو يعالج موضوعات الواقع،وهكذا توالت جهود مخرجين عظام آخرين من بعد غريفث أكملوا ماكان قد بدأه مثل :سيرجي إيزنشتاين وبودفكين .
من هذا السياق الموجز،يتتضح لنا دور واهمية الواقع ووالخيال،باعتبارهما قوَّتان رئيستان في بناء الفلم السينمائي.

الاثنين، 20 أبريل، 2015






 الزمان -السنة الثامنة عشرة العدد 5081 الاثنين 29 من جمادي الآخرة 1436 ه 20 من نيسان (ابريل ) 2015 م 




رواية طابق 99
للكاتبة جنى فواز الحسن 



تداعيات الماضي بحثاً عن الذات والوطن والهوية .



                                           مروان ياسين الدليمي



منشورات ضفاف /منشورات الاختلاف
الطبعة الاولى 2014
رواية مرشحة عن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية


عتبة المدخل
"ربما ليس الوطن مكانا ولكن شرطا لايمكن انكاره" جيمس بالدوين .
اختارت جنى الحسن هذه الجملة لتكون عتبة اولى قبل الدخول الى عالم روايتها،مما يفرض على القارىء ان يتوقف عندها،لتكون بمثابة مفتاح دخول الى عالمها السردي .
ماذا يعني الوطن ؟ . .سؤال جوهري يحاصر الشخصيات الرئيسة،كل واحد منهم يسعى من خلال طرحه على نفسه الوصول الى معنى مطمئن يوقف دوامة قلقه وبحثه وهو يمضي في  ترحال بعيد يأخذه إلى خفايا الذات والماضي والأمكنة بحثا عن حقيقة الوطن الذي ينتمون  إليه،فالوطن هو الحضور الطاغي الذي يسكننا،وهو الذي نهجره،ونهاجر اليه،ونعشقه،ونلعنه،وهو الماثل فينا،والغائب عنا .

بنية الزمن السردي
يقول بول ريكور في كتابه الزمان والسرد"يصير الزمن انسانيا مادام ينتظم وفقا لانتظام نمط السرد،وان السرد بدوره يكون ذا معنى مادام يصور ملامح التجربة الزمانية". وبماأن الزمن يشكل وعاء تُبنى الاحداث بين تفاصيله،لذا لايمكن الفصل مابين الزمان والسرد سواء في إطار البناء لدى المؤلف او في اطار تفكيك هذا البناء وتأويله ضمن مسار النقد،فالتلازم يبقى شرطا قائما مابين رواية قصة والطبيعة الزمنية للتجربة الانسانية ــ حسب بول ريكور ــ وعندما نقترب من تفكيك شبكة العمليات التقنية في حركية الحبكة التي ينهض عليها نص هذه الرواية والتي تؤطر جوانب انسانية تحت اقنعتها،فاننا نجد جنى الحسن قد ارتأت ان يكون شكل بناء الزمن ــ الذي سوّغت من خلاله نمو وتطور الاحداث حتى يبدو انسانيا ــ يتحرك مابين الارتداد والاستباق في تداعي الاستذكارات الذاتية للشخصيتين الرئيستين (مجد وهيلدا) وهما تتنقلان خلال الفصول الاربعة للرواية مابين مذبحة صبرا وشاتيلا عام 1982 وبين عام  2000 وكأن الزمن توقف لديهما مابين هذين التاريخين ولم يتحرك. فمَجد كان قد ارتقى بعمله ووجوده ونجاحه حتى أن مكتبه الفخم والانيق يربض في الطابق 99 من احدى ناطحات سحاب مدينة نيويورك وهي علامة على ماوصل اليه من نجاح ومكانة وقوة،كذلك هيلدا،هي الاخرى تعمل في مكتب للأزياء في نفس المبنى،اضافة الى احترافها لفن الرقص الحديث .وكأن أميركا لم تستطع بكل فضاءاتها وحيوتها والفرص الهائلة التي منحتها للدخول الى افاق الحاضر والمستقبل من أن تجعلهما قادران على مغادرة الماضي،ليبقى يلاحقهما ويفرض سطوته على بهجة ونشوة الحب الذي جمعها،بل إن الماضي قد تمكن إلى حد كبير في ان يضع حواجزه واسلاكه ونقاط سيطرته بين مشاعرهما المتدفقة الى حين .
من هنا يأخذالزمن السردي معماريته السيمائية في تشكيل مسار الاحداث عندما يبدأ من نقطة الحاضر ليعود الى الماضي ومن ثم يعود مرة اخرى الى الحاضر،وهكذا تبدو لنا هذه المناورة في هيكلية التصميم لخريط بناء الزمن السردي ،ومحاولة من المؤلفة وهي محاولة لإيجاد معادل شكلي يوحي بما تعيشه الشخصيتان الرئيستان/ الساردتان للاحداث ــ مجد وهيلدا ــ من صراع دائم مع ذاتهما ومع بعضهما ازاء الماضي والحاضر، من هنا كان حضور صوتيهما يتعاقب في بوح متبادل  بينهما او مع اصدقائهما ، ليعكس هذا التناوب صورة جيل آخر يقف حائرا ،غاضبا ،متسائلا ،مشككا ، بما ورثه من ماضي .
هذا السياق الفني الذي اعطى بنية السرد خاصيتها على هذه الصورة جاء مستعارا من تقنية المونتاج المتوازي في بناء الفيلم السينمائي "القت بجسدها على فراشها الأول،وأغمضت عينيها للحظات.كان مجد في سريره ايضا،مغمض العينين يحاول أن يجتاز المسافة ليتوحد بها،سريران منفصلان،ورجل وامرأة وحلم.ماعجز عن قوله لها هو كم أحبَّها،ومالم تقله له،هو أنها ستشعر بأن المكان يضيق من دونه،بأنها ستمد أصابعها في الفضاء لتلتقطه وتشده إليها،ولن تجده" .
المتن الحكائي
عام 84 يصل الصبي الفلسطيني مَجد الى اميركا برفقة والده بعد رحلة هروب من جحيم مجزرة صبرا وشاتيلا التي حدثت عام 82 في لبنان ضد اللاجئين الفلسطينين المقيمين بهذين المخيمين.ثم تلعب الصدفة دورها في أن تنشأ علاقة حب حميمة في  منتصف تسعينات القرن الماضي بين مجد الذي اصبح شابا في منتصف العشرين من عمره،وهيلدا الشابة المسيحية اللبنانية،عندما سمعها تتحدث بالهاتف في مدخل المبنى الذي يتمركز فيه مكتبه في الطابق 99 لصنع العاب الفديو وهذا ماشجعه على الاقتراب منها ليسألها من اين اتت ؟ وليعرف انها لبنانية ولتعرف انه فلسطيني " لم أكن مُعتادا على الحفاوة التي كلمتني بها،ولاأعرف لماذا فعلتْ ذلك،شجعني الأمر على دعوتها لارتشاف القهوة ".هذه العلاقة لن يعكر صفوها سوى التاريخ،سوى الماضي،بحروبه،بعبثيته،بتداعيات مآسيه التي تحملها ذاكرتهما عن الحرب اللبنانية التي كانت قد ابتدأت في منتصف سبعينات القرن الماضي،والتي استمرت اكثر من 15 عاما،خاض فيها حزب الكتائب مواجهة عسكرية شرسة ضد الفلسطينين،لانهم وحسب قناعة الحزب الذي تنتمي له عائلة هيلدا يتحملون جزءا كبيرا من مسؤولية ماجرى من دمار في لبنان .
وتحت تأثير الماضي على هذه العلاقة،يتشكل في داخلهما دافع قوي لإ عادة التفكير والبحث في ماهية العلاقة التي تربطهما مع الماضي والحاضر،مع اميركا،مع الوطن .
مجد:"أعتَرفْ بأني لمْ أشعر بحنين جارف إلى موطني سوى بعد تعرفي بهيلدا، وجدتُ نفسي أروي لها تفاصيل كنتُ أنا نفسي غير مدرك لوجودها في ذهني  ..كنت استرجع زوايا والوانا ظننت انني دفنتها الى غير رجعة،ولكن حتى لون ثوب خالتي الاسود،ووشاحها الابيض كنت استطيع أن ارى قماشه كأن الزمن لايزال هناك " .
مواجهة الماضي
ورغم ألنفوذ الكبير الاجتماعي والسياسي الذي تتمتع به عائلة هيلدا حتى ان والدها يتم ترشيحه لمنصب وزاري،إلاّ أنها اختارت ان تكون حرة في خياراتها،المرّة الاولى عندما تغادر لبنان  بارادتها الى اميركا بحثا عن ذاتها في عالم الرقص الذي ستدرسه هناك.والثانية عندما تعود الى لبنان بحثا عن ذاتها بين ركام الاحداث والحكايات المكدسة في ذاكرة المكان والشخصيات التي كانت جزءا من الماضي الذي يمشي ورائها وكأنه ظلها،والثالثة عندما تقرر مغادرة لبنان للمرة الاخيرة والعودة مرة أخرى الى اميركابعد أن ادارت ظهرها للماضي بكل اكاذيبه عائدة الى حبيبها ،إلى من اختارته أن يكون حاضرها ومستقبلها .
هيلدا :"عندما تقرر أن تدوس الأرض،التي ولدت فيها،بعد غياب طويل،يتطلب الأمر شجاعة قصوى.انت لاتعود إلى ذاكراتك فحسب،بل تنبشهابحثا عن الصواب والخطأ فيها.كانت تلك علّتي طوال عمري،عدم قدرتي على التسليم للأشياء كما هي .ربما لو استطعت أن اكون هذه الأنا المُفترض أنْ أكونها،لكانت الأمور أسهل بكثير .ولكن أقول مُجددا ربما ".
الكراهية ضد الفلسطينين، تلك التي زرعها والد هيلدا في ابنته مُذ كانت طفلة لم يكن من السهل محوها رغم ابتعادها عن العائلة واقامتها لمدة سبعة اعوام في اميركا،لذا كان عليها ان تبذل جهدا حتى تزيح ماضٍ ثقيل عبَّأه عندما كان والدها يسرد لها قصص معاركه وبطولاته برفقة عمها جورج وهم يقاتلون الفلسطينين،الذين سيكونون سببا في انتحار عمها ــــ  حسب مايزعُم والدها في تفسير قرار الانتحار ــــ بعد أن كانوا قد اعتقلوه عند احد الحواجز وحاولوا ان ينتزعوا منه سلاحه،إلاَّ انه رفض ذلك لأن سلاح المقاتل شرفه فقاومهم وتمكن من قتلهم، ،وعندما عاد الى البيت قرر الانتحار،لانَّه لم يتحمل فكرة ان يكون قاتلا  ! !
لم يكن أمام هيلدا من طريقة مُجدية لتصفية حسابها مع ماضٍ ثقيل يطارد علاقتها بمن تعشقه سوى المواجهة معه،هذا إضافة إلى مايضعه الماضي من جدار عال يفصل مابينهما بحجة الدين والهوية الوطنية التي تميزهما عن بعضهما،والمواجهة مع الماضي لن تتم وتكتمل بكل شروطها إلاّ بالعودة الى لبنان،إلى المكان الذي شهد تفاصيل هذا الزمن الذي يسكنها مؤثثا بالدم والرعب..
فالعودة الى المكان/الماضي ماهي إلاّ إعادة اكتشافه من جديد " إريد ان اعرف لماذا غادرتْ،وهل ستكون يوما عودتي النهائية الى هذه الارض مستحيلة ؟ ".فالعودة كانت بهدف اكتشاف حقيقة الحب العميق الذي يجمعها مع قاتل/ فلسطيني ـــ حسب قناعة والدها ـــ وستكون فرصة لتعرف تماما من هو القاتل؟  ومن هو القتيل؟ ومن هوالجاني ؟ ومن هو المجني عليه؟ .
هيلدا:"كنتُ هنا بسببك يامَجد.كنتُ اريد ان اعرف إن احببتك بسبب جراحك،لأثبت أنّي امرأة حنون ومعطاء،أو إن كنتُ قد أحببتكَ لأننا نحب هكذا من دون أن نفهم السبب.عدتُ ايضا لأنك كنت خائفا من عودتي،لأقول لك انك إنْ قررتَ أن تأخذني مجتزأة،ستكرر السبب الذي جعلني أرحل من هنا في الأساس ".
مَجد لم يكُن واثقا من عودة هيلدا اليه مَرّة اخرى بعد ان اتخذت قرار السفر الى لبنان،كان يشعر بالخوف من هذه الرحلة،لانه كان يدرك مدى الصعوبة التي وضع نفسه فيها عندما ارتبط بعلاقة حميمة مع امرأة مسيحية تنتمي عائلتها الى حزب كان بينه وبين الفلسطينين علاقة عداء معمدة بالدم،وهيلدا كانت "جزءاً من منظومة تنتمي الى السلطة،من قوم عاشوا في مَجدِ العائلة والحزب" فليس من السهل ان تُغتَفَر هذه العلاقة من قبل عائلتها،لذا كان يشعر ان عودتها الى لبنان يعني عودتها الى خندق الاعداء الذين لايمكن لهم ان يتسامحوا مع ابنتهم فيما لو واجهتهم بهذه العلاقة.ولم يكن مَجدْ مدركا أن قرار عودتها الى لبنان كان فرصته هو الآخر لكي تخرج روحه الجريحة من اسر جسد منهك بشظايا حرب مجنونة مازالت تدور رحاها بين النفس والمشاعر والاحاسيس.
" إن الدودة لا تتحول إلى فراشة إلاّ عندما تخترق شرنقتها " هذا ماكانت تقوله هيلدا دائما امام مجد ،لذا كانت عودتها بمثابة اكتشاف للذات مثلما هي اكتشاف لحقائق الماضي والتاريخ،وذلك بالتعرف على ماهو مخبوء من حقائق تحت حكايات متوارثة ظلت تتردد على شفاه المتقاتلين،وهذا ما يحصل فعلا عندما تكتشف هيلدا زيف الكثير من تلك القصص التي كان يحرص والدها على ان يعيد سردها على مسامعها،كما هي قصة انتحار عمها،لذا ما كان عليها إلاَّ أن تدير ظهرها لماضي ظل يلاحق عواطفها تجاه من احبته،وبعد أن تكون قد انتهت من تصفية حسابها معه تعود مرة اخرى الى اميركا .
مجد هو الآخر كان اسير ماضٍ حمله معه على شكل ندبة ظاهرة في وجهه،وعوَقا في قدمه عندما كان طفلا ،بعد ان اصيب بشظايا قذيفة سقطتت امام بيتهم في المخيم عام 82 قبل بدء المجزرة بدقائق،فما كان من والده إلاَّ أن يحمله ويركض به الى المستشفى تاركا خلفه زوجته الحامل التي لم يرها من بعد ذلك اليوم،لانها قُتلت من ضمن مئات المدنيين الذين حوصروا وقتلوا بدم بارد في المخيم .
والد مجد كان مدرسا في منظمة الاونروا المسؤولة عن اغاثة اللاجئين الفلسطينيين ،إلا انه اختار ان يتخلى عن الوجاهة التي كان يتمتع بها لكونه يعمل مدرسا،ليرتدي ثياب المقاتل بدلا عن اناقة المدرس،وبعد حصول المجزرة وفقدانه لزوجته والجنين الذي كانت تحمله في بطنها،يصاب بالياس والعجز:"كان أبي قد فقد حماسته للقتال ،واينما مشى بدا وكأنه يجر الخيبة وراءه،كأنه هرم في يوم واحد،وازداد عمره اضعاف السنوات بين ليلة وضحاها فيقرر والد مجد التوقف عن القتال،وبات مقتنعا بأن من يقاتل خارج ارضه "مثل اللي عمَّال يفلح ترابات غيره ". لذا يقرر الهجرة بعيدا عن لبنان متجها الى اميركا من اجل ان يحيا مع ولده في بقعة آمنة بعيدا عن الموت والقتال الذي لم يعد يجد فيه املا بالنصر او العودة الى فلسطين،وبعد أن يطمئن على نجاح ابنه في اميركا الذي اجتاز فيها الدراسة الجامعية بنجاح واسس له شركة لتصنيع العاب الفديو،يموت هناك مِن بعد أنْ يحمِّلَ ولدهُ مَجد وصيته بأنْ يعود في يوم ما إلى الوطن ليطمئن على والدته،وكأنها في قناعته لم تمت،ومازالت حية تنتظره،وهي اشارة واضحة الى أن الوطن المُستلب لن يموت في الذاكرة .



الثلاثاء، 14 أبريل، 2015



  التَّفكير في مواجهة التَّكفير  


حول معركة د. اسلام بحيري دفاعا عن رؤيته  
                                                                                            
                                                                                             مروان ياسين الدليمي 


لايبدو أن هنالك اية علامات واضحة في افقِ ترتفع فيه رايات سوداء تشير بما لايقبل الشك على أن هنالك نيّة جادة لاعادة النظر في كتب التراث الفقهي لدى مؤسسات علمية تدرِّس علوم الدين الاسلامي ويتخرج منها مئات من الطلبة سنويا ليصبحوا فقهاء وخطباء ودعاة وائمة يصغي لهم المجتمع وينصاع لِما يصدر عنهم من احكام،بينما نجد بين طيات  المشهد العام عنفا وتكفيرا وقتلا مستندا الى فتاوى فقهيّة،وهو أمرٌ يبعث رسالة تهديد واضحة للعالم اجمع،فالخطر هنا لم يعد مقتصرا على العالم الاسلامي.
وسط اجواء مثل هذه مظللة بالتشدد والتطرف والتكفير تقمع اي صوت يحاول ان يخرج برؤية مختلفة ــ إنْ لم تكن مخالفة ـــ لرؤية اولئك الذين كانوا قد اغلقوا باب التفكير لمن سيأتي بعدهم،كان لابد أن تختمر بيئة تتوفر فيها كل الشروط لاحتواء قطاع كبير من السذج والجهلة والأميين والعاطلين عن العمل والمهمشين،يتم فيها تعبئة ادمغتهم بخطب واحاديث وفتاوى تبيح لهم قتل كل شخص اعتقدوا باساءته للدين او خروجه عنه او مخالفته لشريعته واحكامه.
من هنا يمكن تعليل الاسباب والدوافع التي كانت مقدمة لأنْ يرتكب محمد بويري جريمة اغتيال المخرج الهولندي ثيو فان غوخ في 2 نوفمبر 2004 ،وانْ يتم اغتيال عدد من صحفيي جريدة شارل ايبدو الفرنسية في 7 يناير/كانون الثاني 2015 من قبل الاخوين سعيد وشريف كواشي،وأنْ يُقتل 132 طفلا  باكستانيا من قبل حركة طالبان في شهر ديسمبر 2014،وأنْ تختطف جماعة بوكو حرام الاسلاموية  200 طالبة نيجرية في منتصف نيسان 2014 .  
سبقت هذه الجرائم التي وسمتها الجماعات الاسلاموية ببصمتها الدموية دفاعا عن الاسلام ــ حسب ماتؤمن وتعتقد وتدّعي ـــ سلسلة اغتيالات شهدتها المنطقة العربية في منتصف ثمانينات القرن الماضي،ابتدأت بجريمة اغتيال المفكر وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي اللبناني د. حسين مروة في17 شباط 1987 في لبنان، والرئيس المصري انور السادات في 6 اكتوبر 1981،ومحاولة اغتيال الروائي المصري نجيب محفوظ في 5 اكنوبر 1995،واغتيال المفكر المصري فرج فودة في 8 يونيو /حزيران  1992 .
إن قائمة الاسماء التي سقطت من النخب المثقفة بفعل الجماعات الاسلاموية طويلة ولايسعنا هنا استعراضها كلها،وهي علامات  دالة على تحولات باتت تشهدها المجتمعات العربية الاسلامية،منذ أكثر من ثلاثة عقود  تشير الى شيوع ظاهرة القتل لدى الجماعات الاسلامية باعتباره وسيلة لاسكات صوت المفكرين والمثقفين ممن يعتقدونهم  يروّجون للكفر والالحاد،وبذلك يعدونهم بحسب منهجهم قد خرجوا عن ملّة الاسلام واصبحوا بحكم المرتدين،والمرتد مهدور الدَّم . 
الصورة على هذا الشكل ــ تبدو الآن ــ كما كانت عليه منذ عشرات السنين:فقهاء لايتجاوزعددهم اصابع اليد الواحدة،مازالوا يهيمنون منذ عشرات السنين على عقول جموع المسلمين،الى درجة تصل حد التقديس من قبل  دارسين ومُدرِّسين إضافة إلى عموم الناس.
في جوهر هذه الصورة يُعدُّ كل ماجاء به اولئك الفقهاء قبل اكثر من الف عام من فتاوى وتفسيرات وتأويلات،انطلاقا من فهمهم  للنص المقدس او للسنة النبوية،ثابت ومُلزِم طاعته وتنفيذه من قبل جميع المسلمين،بغض النظر عن حسابات الزمان والمكان واشتراطاتهما.
ووفق هذه الصورة بكل تلافيفها والتباساتها وتعقيداتها بات من غير الممكن بإي حال من الاحوال وتحت اي ظرف،القبول بفكرة إعادة النظر أو تجديد الخطاب، والتي يمكن أن تُطرح هنا او هناك من قِبل هذا المُفكر أو ذاك،انطلاقا من  ضرورة مراجعة تراث انتجته تأويلات بشرية،وإعادة قراءته وفق رؤية أخرى مغايرة عن قراءة تلك الاسماء ورفض المراجعة ــ هنا ــ قاطع وحاسم ولاتراجع عنه حتى لو كان الدافع الى ذلك ماتقتضيه ضرورات الواقع وماافرزته من خلط وتحريف وتشويه أصاب شكل وجوهر الدين بخدوش عميقة،خاصة مايتعلق منها بالمفاهيم الانسانية التي تشكل جوهر النص المقدس وهو يتوجه الى تنظيم حياة البشر .
كان لظهور حركات الاسلام السياسي وتنظيماتها المسلحة السبب الرئيس في تشكيل هذه الصورة المعتمة للمشهد الفكري،وقدعبرت تلك الحركات عن حضور قوي لوجودها في مطلع ثمانيات القرن الماضي ايام الاحتلال السوفياتي لأفغانستان، وماتبع ذلك من تداعيات في عموم العالم وخاصة الدول العربية والاسلامية،حينها بدأنا نشهد مظاهر التكفير والعنف والقتل تطفو على سطح المجتمع،وباتت تمارسها تلك الجماعات الاسلاموية ضد كل من يختلف معها في الرؤية والمنهج والتفكير.
الأخطر في هذه الظاهرة أن تلك الجماعات لم تعد تمارس اعمال  القتل والتفجير والتهديد والتكفير بشكل سرّي،ولم تعد بحاجة الى ان تخفي مسؤوليتها عنها،كما كانت عليه اساليبها حتى مطلع العقد الثامن من القرن العشرين،بل على العكس من ذلك بدأت تتتفاخر بها علنا،وتعتبرها جزءا اساسيا من تأكيد نيّتها في تحقيق مشروعها لاقامة دولة الخلافة الاسلامية على انقاض الدولة المدنية الكافرة.
الملفت للنظر بهذا الصدد،ان هذه الجماعات بدلا من أن تلقى رفضا مجتمعيا امست تحظى  بمصداقية كبيرة،وتكسب الكثير من الاصوات المؤيدة والمدافعة عنها بين قطاعات واسعة من المجتمع ابتدأ من الطبقات السفلى وصعودا الى نخب تحمل شهادات علمية،وهذا مايعكس خطورة مايجري وما يحدث من متغيرات اصبحت فيه المجتمعات الاسلامية بيئة حاضنة للفكر الاسلاموي المتطرف على حساب التيارات العلمانية واليسارية والقومية التي اخذ وجودها ينحسر بشكل كبير خاصة بين اوساط طلبة الجامعات،بعد أن كانت هذه المؤسسات العلمية ميدانا رحبا لتصارع وتعايش الافكار بكل الوانها واطيافها،لتصبح منذ ثمانيات القرن الماضي ملعبا لايتسع إلا للفكر الاسلاموي المتشدد ويضيق امام الافكار الاخرى.
ضمن هذا المناخ المعبأ بالتشنج والتشدد تجيء هذه الايام قضية د.اسلام بحيري نموذجا لمحنة المفكر الذي يحتكم الى سلطة العقل في مجتمع تحكمه سلطة كهنوتية ترفض بشكل قاطع مشروعية التفكير ــ مجرد التفكير ــ بعيدا عن منظومتها وآلياتها إيمانا وأعتقادا راسخا منها على انه حكر عليها بذاتها ولذاتها،ولايجوز مطلقا لِمَن لمْ يتخرج من مؤسساتها كما هو الحال مع البحيري الذي يحمل شهادة دكتوراه من المملكة المتحدة،عن اطروحته التي حملت عنوان(تجديد مناهج الفكر الاسلامي)، ومن هذه الزاوية تحديدا بات البحيري يتعرض الى حملة تسقيط وتكفير من قبل هذه المؤسسات،بدلا من مناقشته ومجادلته حجة بحجة،كما يطالب هو بذلك منذ اكثر من عام عبر برنامجه التلفزيوني الشهير(مع اسلام )الذي يبث من على شاشة القاهرة والناس الفضائية،ولم يستجب لدعوته اي شخص يمثل تلك المؤسسات بل استنكفوا الجلوس معه ومجادلته،أولاً لأنه لم يتخرج من هذه المؤسسات التقليدية،وثانيا لأنهم يرفضون من حيث المبدأ فكرة اعادة قراءة التراث برؤية جديدة تزيح عنه ماهو ملتبس ومتقاطع مع السياق العام للنص المقدس والسنة النبوية كما هو منهج البحيري  .
هذه الحرب التي تشن ضده بهذه الطريقة تذكرنا بماسبق ان وقع في مصر ايضا قبل عقدين من السنين مع د.فرج فودة،ود.نصر حامد ابوزيد،ود. سيد القمني،وتعني في دلالتها أنَّ المحنة التي يعيشها العالم الاسلامي مابين سلطة رجال الدين ــ وليس الدين ــ ورجال الفكر منذ مئات السنين،مازالت تدور بنفس الآلية وبنفس الادواة القائمة على التسقيط والتكفير والقتل.
انها  حرب عبثية،قد تكون هذه الجملة تشخيص بسيط  لما يمكن قوله بهذا الصدد عندما نجد انفسنا أمام حالة انتاج متكرر لهذه الحرب من قبل أحد طرفي الصراع ،بنفس اليات الدفاع والهجوم،طالما الطرف المعني لم  يغادر منظومة اسلحته القديمة في مواجهة من يختلف معه في التأويل والتفسير،وهي اسلحة تُسقط من حساباتها امكانات العقل الانساني،وتضعه في خانة التحريم والتجريم،وبذلك ستبقى المجتمعات الاسلامية معزولة عن دينها بصورته الانسانية الناصعة،ومعزولة عن حاضرها ومستقبلها،لتبقى قابعة في كهوف واقبية التاريخ البعيد .
الوسط الثقافي والعلمي بمؤسساته ونخبه يدرك جيدا محنة هذا الرجل،وماستؤول اليه نتيجة هذه المعركة التي يخوضها دفاعا عن منهجه في التفكير واهدافه التي اختصرها بالعمل على تنقية التراث من كل الفتاوى  التي تسيء الى الدين والسنة النبوية وتحتقر القيم الانسانية التي كرَّمها الدين بنصوصه المقدسة التي تدعو  صراحة الى احترام حياة الانسان وخياراته في المعتقد.
معركة البحيري محكوم عليها سلفا بالشكل والمحتوى الذي انتهت به مع فودة وابوزيد وقبلهما الحلاج وابن المقفع الخ الخ الخ ،طالما كانت قوى المجتمع المدني وفعالياته الثقافية والحقوقية لاتملك شجاعة كافية للدفاع عن حرية المجتمع في تحديد خياراته في العيش والحياة والتفكير .

هل ستختفي الموصل القديمة https://al-aalem.com/article/46615-%D9%87%D9%84-%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AA%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D...