الثلاثاء، 30 يونيو، 2015

رواق 111

برنامج :رواق 111
اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي
عناوين الموضوعات :
-(أتحاد  الأدباء  تحت  المداهمة      !!)
-(تصريح محزن)                        علي حسين
-(ذهبت ليلى وبقي الذئب)               احمد جنديل

الأحد، 28 يونيو، 2015

 http://www.azzaman.com/?p=119279 رابط المقال في الزمان 29 / 6 / 2015

مُتهمٌ أنتَ بالشِّعر والقصَّة والرِّواية  
                                           
                                                                         مروان ياسين الدليمي


وأنتَ تعيش في أيّة بقعة مِنْ أرض العراق،ماعَاد مُمكناً أنْ تشعُر بالاطمئنان، فالموتُ قدْ يأتيك مِن إي مكان،في إيّة لحظة،وليس شرطاً أنْ تكونَ عضواً في تنظيم دولة الخلافة الاسلامية،فهناك أكثر مِن قوّة وتنظيم وحزب وجماعة تمارس فيك فعل داعش ومنهجَها وهي تعيش حولك ومَعك،وقد تكون مسؤولةً عن حمايتك وحماية أمنك..وإلاَّ مامعنى أن تجري عمليات الخطف في وضح النار؟مامعنى عشرات الميليشيات المسلحة تصول وتجول في الشوارع وتجتاز الحواجز والسيطرات دون أنْ يتمكن أحدٌ أنْ  يُحاسبها  ؟
عَنْ مَاذا كانت تبحثُ القوة الأمنية المؤلفة من خمسين عنصراً مُسلحا حينما اقتحمت وللمرة الثانية خلال أكثر من عامين مبنى اتحاد الادباء العراقيين يوم الاربعاء 17 حزيران الحالي ؟
عن إرهابيين يُفخخون أنفسهم بقصيدة النَّثر ؟
عن قصص وروايات مُلغمة بتقنيات حداثوية ؟
هل تمكنت أجهزة الأمن العراقية من تنظيف البلاد من كل الارهابيين،ولم يبق سوى مبنى الاتحاد باعتباره آخر قلعة يتحصنون فيها ؟
وإذا مااكتمل تفتيش المبنى،وتم تحطيم أثاثه وآخر الاصدارات الادبيةالمرصوفة على رفوفه،هل سيتحقق السِّلم في البلاد ؟
أمْ أنَّ السلطة قد اكتشفت بأنَّ الفكر التكفيري ينهل من أشعار السَّياب والجواهري ونازك الملائك ويوسف الصائغ أكثر مما ينهل من كُتب الفقهاء ؟ لمْ يَعُدْ بالامكان أنْ تشعر بالاطمئنانْ حتى لوكنتَ شاعراً أو روائياً لايملكُ سوى مُخيلة شفافة يصنعُ منها عوالم مفترضة حتى يستمتع بها القراء فتزداد قناعتهم بوطنهم وشعبهم..
لم يعد مُجدياً أنْ تكونَ مُجرداً مِن السلاح لكي لاتُتَهم بالارهاب..
لم يعد مُجديا أنْ تًكتُبَ أشعاراً تتغنى بالوطن والبحر والنساء وغابات النخيل، ستبقى عُرضة للدَّهم والتفتيش والبَهدَلة،دونَ موعدٍ محددْ،ودونَ أمرٍ قضائي، شئت ذلك أمْ أبَيتْ.
ستُكسَرُ عليك الابواب مِنْ غير إستئذان وأنتَ تجلس في عُزلةٍ لاأحد يشاركك فيها سوى الكلمات.
في هذه الدنيا المُتعِبةَ، وحدها الكلمات تستجيبُ لك، كيفما تشاءْ،وأنتَ لاتنشدُ منها غير أنْ  تصُنعَ الفرَح والأملَ في نفوسِ القرَّاء.
أنتَ مُتَّهمٌ بالشِّعر والقصّة والرِّواية،وهذا يكفي لكي يُقتحم مبنى اتحاد الادباء.
سيدخلون عَليك مُدججين بالسلاح ليجدونكَ مُدججا بالحُبْ
مُتلبِّسا بالوطن
مُفخَّخَا بحب الناس
مُحتقناً بالأحلام ووجوه أحبَّةٍ فقدتَّهُمْ بعدما قدَّموا كل شيء دفاعا عن البلاد وأنت في حالٍ لاتملك فيه أيّ شيء سوى أنْ تُعيدَ إليهم الكرامة والحياة على الورق،
عليك أنْ تدفَعَ ثمنَ جرائمَ ابداعية ترتكبها بصمت في عُزلتك البيتية.
عليك أنْ تكُفَّ عن الحُلم
عَن الكتابة
عَن استدعاء الذاكرة.
عليك أنْ لاتطرح أسئلة
أن لاتبحث عن أجوبة
أنْ لاتُسأل الماضي
أنْ تقبِّل يديه
أنْ لاتفكر بالتمرد عليه .
وأنتَ تكتبُ الشِّعر عليكَ أنْ لاتحلم بواقع آخر،فالشِّعر طريقٌ يُفضي إلى الكُفر،والقصَّة القصيرة تقودك إلى الظلال،والرّواية بيتُ الدَّاء،والموسيقى عملٌ من أعمال الشر..فإيّاكَ إياك أنْ تقرّبَهم . الرسالة واضحةٌ في دلالتها،ولاتحتاج اعتذاراً مِن حفنة أفراد يرتدون زياً رسمياً حتى نُخطىء في الوصول إلى معانيها.لا شيءَ بالصدفة يحدث بعد اليوم، فالسارقُ يعرفُ ماذا يسرق،والقاتل يُدرك ماذا يفعل.. ومامِن شيء قد يحدثُ خطأً.
ربمالايعرفُ مَن يُخطىء في المرّة الاولى لماذا أخطأ،لكنه عندما يُخطىْ في المرّة الثانية يعرفُ لماذا أخطأ.
لاأدري فيما إذا كانَ السيد رئيس إتحاد الأدباء سيكتفي بالإعتذار الشفوي الذي قدَّمه له عدد من الضباط،أمْ سيكون له موقف آخر يعيد الاعتبار لشرف الثقافة قبل أنْ يعيدَ الاعتبار لمكانة أشخاص ينتمون الى الاتحاد ؟
وسنبقى إلى ذلك الحين ننتظر اللحظة التي سيدخل فيها أحد ادبائنا ومفكرينا الى مبنى البرلمان ليقف كل اعضائه ساعتها احتراما للفكر وللأبداع..آنذاك سنشعرُ بأننا أصبحنا في بلد يَحترِمُ الإنسان،وأنَّ الساسة فيه ليسوا سوى خدمٍ يعملون مِنْ أجله،وليسوا أسياداً يتفنونَ في الإساءة إليه،ولاأحد يستطيع أنْ يحاسبهم حتى لو كان الجواهري العظيم.



سيلفي ناصر القصبي

مروان ياسين الدليمي

هل ادركَ من يدير ماكنة الاعلام الرسمي وخَدَمَهُ مِن العَباقرة هذه الحقيقة ؟
 
إن مشهداً دراميا واحداً على الشاشة لايتجاوز زمنه دقائق معدودة قائم على الصدق والموضوعية في الرؤية والمعالجة الفنية،هو ابلغ وقعاً وتأثيراً على المتلقي في رسالته من مئات الكتب والدراسات والندوات والخطب الطنانة الرنانة الانفعالية التي يصرخ بها الشيوخ والائمة من فوق المنابر .
 ولنسأل انفسنا بصراحة :
هل سيتسع صدر (العراقيين )لتقبل الجرأة في النقد التي ظهر بها الفنان (السعودي) ناصر القصبي في مسلسل (سيلفي )فيما لو أقدم عليها فنان عراقي ؟
وهل ستنهال عليه عبارات المديح والثناء فيما لو تجرأ مثلا في نقد جرائم بشعة ترتكب بين فترة وأخرى من قبل افراد وجماعات (عراقية) ضد مدنيين تحت ذريعة محاربة تنظيم داعش الارهابي ؟
أم ستضيق الصدور بالشتائم والاساءات البذيئة الموجهة ضده قبل أن يتهم بالخيانة والتواطوء والعمالة لدول الجوار ؟
http://www.kitabat.com/ar/page/26/06/2015/53989/%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%85%D8%A7%D8%A1-%D8%AA%D8%B3%D8%AA%D9%8E%D8%B8%D9%84-%D8%A8%D9%90%D9%81%D9%8A%D8%A6%D9%87%D8%A7.html رابط المقال في موقع كتابات



             لاسَماء تستَظلُّ بِفيئِها
                                                    
مروان ياسين الدليمي

مَن يُراقب عَن كثب المشهد التراجيدي في سيرك السياسة العراقية يُدرك جيداً،بأن الابطالَ الذين يتصدرون الواجهة ليسوا هم الابطال الحقيقون،فهؤلاء لاتأثير لهم على تطور الاحداث ونموّها.
وحقيقة البِناء الدرامي لهذا المشهد يشيرُ إلى أنَّهم مُجرّد اقنعةٍ تختفي خلفها شخصياتٌ تُمسك بمفاتيح اللعبة المسرحية في إطارها العام وفي أدق تفاصيلها أيضا.
كانت حكومة السيد العبادي قد إكتشفت بعد الايام الاولى من توليها أنها أعجز من أنْ تواصل حَربها على الفساد والجنود الفضائيين الذين ماان كَشَفتْ عن مجموعة صغيرة  منهم قوامها 50000 جندياً حتى توقفت نهائيا عن الاستمرار في عملية الكَشف والتَّعرية ولمْ تعُد تُريد أنْ تتذكر بأنها قد تناولت مثل هكذا  قضية في يوم ما!  
مازالَ  المالكي هو اللاعب الرئيس في هذا المشهد المُعبّد بالدّم والخراب،فهو الذي يملك القوة والتأثير على معظم المليشيات الشيعية المسلحة،اضافة الى الحشد الشعبي ،الذي جاء تشكيله بناء على مقترحٍ منه قبل مغادرته للسلطة .
فإذا ما أردنا ان نوجِّه رسالة نعبر فيها عن موقفنا ونُخاطبَ بها شخصية نعتقد بأنها تتحملُ مسؤولية سقوط الموصل تحت سلطة دولة الخلافةوماجرى فيها بعد ذلك من عملية تدمير وذبح لسكانها فعلينا أنْ نوجهها الى المالكي شخصيا،لأنّه يتحمل وحدهُ ماجَرى ومايجري فيها من انتهاكات ضد سكانها،قبل أنْ نحمّلَ القادة مِن عسكريين ومدنيين الذين هربوا منها ولم يقاتلوا دفاعا عنها .
إلى نوري المالكي ..
إعلمْ،بأنَّ الشعوب الحيَّة لنْ تموتْ،وأَّنَّ ألاكاذيب لنْ تصنعَ أبطالاً ولاتاريخاً ولامجداً..ومَن يُراهن على أنْ يُسقِطَ مَدينة مِن ذاكرة الإنسانية بالاكاذيب،لنْ ينجح .
واعلَمْ،بأنَّ الأيامَ كتابٌ مفتوح ستقرأ الاجيال القادمة بين سطوره قصَّةَ مدينةٍ ــ إسمها الموصل ــ طُعنَت في ظهرِها بأكثر مِن سكينٍ وأكثر من يَدٍ،وكَمْ كابَدت في محنتها،ثم انتصرتْ ــ بعد مائة عَام  ــ لشرفها.
اليوم تُقدِّم الموصل كوكبة أخرى مِن الشهداء مَنَحت دمَها قرباناً لكرامة مدينتهم، وانتماءً لوطنهم العراق وليس لوطنٍ وعنوانٍ آخر..
أرجو أنْ تفهَم هذا الدَّرس،لأني أُقدِّرُ وضعكَ تماماً،في أنّك بطىءٌ جداً في الفَهَمْ ،فحاول أن تفهم،فماتبقى من الوقت شحيح جداً .
الذين أعدَمَهم تنظيم دولة الخلافة في أواخر شهر حزيران الحالي المصادف في شهر رمضان وعددهم اكثر من 25 شابا بدعوى تورطهم بالتجسس على دولة الخلافة،تفنن في اساليب قتلِهم بطرق وحشية لم تعهدها البشرية في تاريخها،لم يتوصل اليها أعتى المجرمين.
هؤلاء لم يرفعوا راية يَزيد،ولاتوسَّلوا بمعاوية أنْ ينقذهم قبل أنْ يلفظوا أنفاسهم..
هم نطقوا بالشهادة،مثلما نطقها الحسين،والجندي الآسيرمصطفى هاني ابن مدينة الثورة الذي أعدمه تنظيم الخلافة قبل شهر من الآن في الفلوجة .
تذكَّر هذا جيداً،لأنك كُنتَ ومَازلتَ مُصرَّا على أنْ توصِم مَن يختلف مَعك من أتباع الطائفة السنية على أنَّه من جيش يَزيد،وهذا يعني بأنك تطلب الثأر من كل الذين  ينتمون الى هذه الطائفة أينما كانوا،وهُمْ يعدّون بالملايين،فهل ستُحمِّلَ هذه الملايين الموزعة على الكرة الارضية والتي تنتمي لجنسيات وقوميات مختلفة جريمة لم يرتكبوها ؟ .
هل ستمضي بهذا الشوط الدامي حتى النهاية ؟..وماالنقطة التي ستجعلك تقف مكتفياً بما سَال مِن دَم لتأمر زحفك الثأري بأنْ يكُفَّ عن الاستمرار بالقتل ثأراً للحسين ؟ كم من الارواح ستُزهَق من أجل أنْ تبدوــ  أنتْ ــ بالصورة التي ترغب فيها أنْ تكون أمَامَ اتباعك،مُخلِصَاً في الثأر للحسين ؟..كم من الرؤؤس ستسقط في سفر هذا الدَّم لأجل أنْ تبقى في نظر مُريديك مُختار العَصر كما تُحب أن يُطلقَ أن عليك ؟. . كَمْ مِنْ مدينة ستسقط  بعد الموصل؟..كم مِنْ عائلة ستُهجَّر ؟.. كم مِنْ شيخ سيموت مِنَ الحزن ؟..كم مِنْ إمرأة ستضيع ؟.. كم مِنْ طفل سيمتلىء قلبه بالحقد ؟..كم مِنْ جيلٍ سيُسحقُ في هذه المحرقة  بدعوى الثأر للحسين ؟.
أنتَ تعلمُ جيدا أنْ لاأحد من اتباع الطائفة السنية ــ من الاجيال التي جاءت بعد تلك الجريمة التي وقعت بحق الحسين وأهله ــ مسؤولا عنها،وهم أول مَن يتبرأ منها ومِنَ الذين كانوا وراء ارتكابها،ولنْ تستطيع أنتَ ولا أي واحدٍ آخر أنْ يلوي عنق الحقيقة مهما اتَّكأ على مخيلة شعبية مُلِئتْ بها رؤوس البسطاء الأميين من الطائفة الشيعية عبر عشرات السنين،فكان نتيجتها أن ضاع بسببها جوهر الدين القائم على السماحة،وبدلا عنه صار قتل المُسلم لأخيه المُسلم طاعةً وتقرباً لله !.
أنا لاأشك أبداً بأنك تدرك جيدا ماذا تفعل،ولاأشك أبداً في أنك مؤمن بما تفعل ،ولاأشك أبداً في أنَّ لديك ايمانٌ عميق على أنك مُسلم طاهر في نواياكْ،وعلى أنك تتقرب بما تفعل الى الله،ولايداخلك شعور بالندم على مافعلت فيما مضى وماستفعل، ولاأشكُّ أبداً في أنك لست وحدك على هذه الصورة من الايمان،فمثلك آخرين من بين اعضاء حزبك ــ حزب الدعوة ــ يحيطون بك،ومثلهم آخرين يقفون على بعد خطوة منك،ينتظرون الفرصة أنْ تأتيهم ليأتوا بما أتيتَ أنتَ وأكثر،ومِنْ بين هؤلاء مَنْ يحمل إيمانا عميقا مثلما أنت عليه من إيمان بهذه المعركة التي تخوضها انت،ومِنهم من هو ليس بمؤمِن لكنه يؤمن بما أنت مؤمن به .
أنا على يقين بأنك لاتنتمي إلى زمننا هذا،وتعيش زمناً خاصاً لاعلاقة له بِنَا، ولابواقعنا ولابالحقائق التي نتعايش معها ولابالمنطق الذي يحكم افعالنا..فمالديك ومايحتويك وتحتويه ماهو إلاّ زمنٌ افتراضي،أجدك قد استعرته من مُخيلة جامحة تناوبَ على نسج حكاياتها،كهنةٌ ورجالُ دين وساسة،أتقنوا النَّسج افضل إتقان،بعيداً عن تفاصيل الحكاية التاريخية،وبعيدا جداً عن الواقع والواقعة،وقريبا جداًمن الرغبات والنوايا والمطامع والمطامح السياسية.
لن أطيل عليك..وسأختصر فيما اريد أنْ اقوله لك، قبل نفاذ الوقت ونفاذ الصبر .
المِحنة تتسعُ يوماً بعد آخر،والجُرح عميقاً جداً يغورُ في الرّوح،وأرقام الضحايا ستصبح أكبر مما يمكن أن تتخيله أنتْ،وشظايا المِحنة ستطال الكُل،بما فيهم أنتْ،ولن تأمَن شرَّها مِلّة ولاطائفة..عندها ستختفي شيئا فشيئا صور المتورطين بأسبابها،إلاَّ صورتكَ أنتْ ستبقى من بين جميع الصور،ولنْ تمحوها السنين .
وحدك مَنْ سيبقى في الصورة،ومَنْ سيتحمل مسؤولية ماجرى للعراق،وماجرى لأتباع الحسين.
سيتخلى عنك جميع من صفقوا لك وأقنعوك بأنك مختار العصر..ستجد نفسك وحيداًبلاأتباع ولامُريدين ولاأعوان ولاأصحاب..لاأرض تحتويك في شرق البلاد ولاسماء في غربها تستظل بفيئها..
ستنتهي كما انتهى قبلك حُكّاما،غابت الحِكمة عنهم،فحكموا على انفسِهم قبل أنْ يحكم عليهم الدّهر .


    http://www.azzaman.com/?p=119031 رابط المقال في صحيفة الزمان 27/ 6/ 2015



 سقوطُ  الدراما في فَخ الاستنساخ
  
        مسلسل العراب نموذجا ً
                                                     
                                                        مروان ياسين الدليمي

في العقدين الاخيرين من عمر الدراما العربية خاصة المصرية والسورية شهدنا كثير من علامات النضج والتطور في البناء الفني،ويشمل هذا مجمل تفاصيل الانتاج سواء في إطار الكتابة التي باتت اكثر اختزالا وتكثيفا في بناء المشاهد والحوارات،او في الموضوعات الانسانية التي تصدت لها،او على مستوى التقنيات التي كانت عاملا مهما في تذليل كثير من الصعوبات التي كانت تقف عائقا امام تحقيق افكار المخرجين .
نتيجة ذلك اصبحنا أمام مجموعة اسماء لمخرجين مهمّين بات الرهان عليهم كبيرا في تقديم اعمال درامية ذات مستوى فني متقدم،يمكن أن تحقق نقلة نوعية في مستوى وتاريخ الدراما.
واقعية الانتاج السوري
بدا الانتاج السوري في مطلع تسعينات القرن الماضي علامة بارزة اعطت بظهورها اشارة تنافس قوية امام الانتاج المصري خاصة وانه قد تميز عنه بخروج كامرة الدراما من الاستديو الى الامكنة الواقعية للأحداث،وتلك بصمة واقعية بامتياز،اضافة الى تطلع المخرجين السوريين الى احداث مقاربة مع اسلوب الانتاج السينمائي وهذا مادفع الانتاج المصري إلى ان يشعر بمساحة التنافس الواسعة التي اخذ يفرضها نمط الانتاج الدرامي السوري،فتجرأ هو الآخر في الخروج نحو الحواري والشوارع والامكنة الواقعية بعد أن كان ولفترة طويلة اسير ديكورات مبنية داخل الاستديو.  
خلال العقدين الماضيين تراكمت في ذاكرتنااعمال سورية مهمة وقف خلفها مخرجون شباب لهم وعيهم وتفكيرهم الفني المميز،حتى ان تجاربهم كانت تشير الى انهم اقرب الى ذاكرة ومفردات السينما أكثر من انتمائها الى مفردات تنتمي في تجنيسها وتقنياتها الى الدراما التلفزيونية،وهذا مايبدو واضحا في:قِصَر المَشاهد،الاعتماد على بناء اللقطة وليس على بناء المشهد ،العمل بكامرة واحدة وليس بثلاث كامرات،الاهتمام بتصميم الاضاءة وفقا لمنظور فكري وليس مجرد تسليط ضوء لمسح المكان.
هذا التحول في الفهم وفي آلية العمل قد جاء لكون معظمهم هؤلاء المخرجين  تخرجوا من معاهد سينمائية،إلاّ أن ضعف قاعدة الانتاج السينمائي في بلدانهم والتي تعود اسبابها الى غياب شركات انتاج سينمائي في اطار القطاع الخاص لديها الاستعداد لتمويل مشروعات سينمائية وذلك لاعتقاد اصحاب رؤوس الاموال بعدم قدرة الانتاج السينمائي على تحقيق ارباح كبيرة مضمونة مساوية لتلك التي يحققونها في مشاريع اخرى،اضافة إلى عجز وقصور الدولة في وضع خطة ستراتيجية تكون بمثابة قاعدة ثابتة يتم الانطلاق منها لخلق بيئة صناعية تدعم نمو واستمرار الانتاج السينمائي .
مجمل هذه العوامل دفعت هؤلاء المخرجين إلى الابتعاد قسرا عن السينما والعمل في ميدان الانتاج الدرامي مثل:حاتم علي،نجدت انزور،باسل الخطيب وكذلك المخرج التونسي شوقي الماجري الذي عمل في الانتاج السوري هو الآخر .
تجربة المخرج حاتم علي
يمكن القول ان حاتم علي كان الاكثر جماهيرية من بين تلك الاسماء رغم انه لايتفوق على زملائه من حيث مستوى التفكير الفني،وفيما لو قورن بالمخرج  شوقي الماجري سنجد النتيجة ليست في صالحه ،فالماجري يبقى الاكثر اخلاصا وانتماء في اعماله الى الفن السينمائي أكثر منه الى الانتاج الدرامي التلفزيوني .
إلاَّ أن حاتم علي ــ ولأسباب عدة لاتنتقص من قيمته كمخرج طموح ومجتهد ـــ كان الحصان الرابح في عدد من الاعمال التي تم انتاجها والتي استقطبت جمهورا كبيرا من المتابعين بنفس الوقت احتوت على مستوى متميز في شكلها الفني مثل الزير سالم والملك فارق وعمر بن الخطاب.إلاّ أن مسيرة حاتم علي التي كانت تمضي بوتيرة متصاعدة من حيث الامال والتطلعات الفنية والتي عادة ماتلازم فنانين حالمين بانجازات فنية متفردة نجدها قد انحرفت في الاعوام الاخيرة باتجاه آخر لايبدو من خلالها بتلك الصورة التي عودنا فيها على ان يقدم لنا مفاجاءات فنية تعكس شخصيته وموهبته بقدر ما اصبحنا امام مخرج يعرف كيف ينتج طبخة فنية فيها من عناصر التسويق مايجعلها سلعة رابحة اكثر مما فيها من عناصر التوق الى التجديد.
في مسلسل(العرّاب)على سبيل المثال بدا المخرج حاتم علي لايملك رؤية ذاتية في الخلق والابتكار،ولم يكن سوى مُقلد يتقن إستنساخ أعمال مخرجين كبار،مثل فرانسيس فورد كابيولا مخرج فلم العراب باجزائه الثلاثة.
بهذه الصورة التي ظهر عليها كمستنسخ لتجارب الاخرين،لم يكن سوى نموذج لمخرجين مسرحيين عراقيين سبق أن عرفهم تاريخنا المسرحي العراقي ولعبوا نفس الدور ــ الاستنساخي ــ في كثير من العروض التي قدموها في سبعينات وثمانينات القرن الماضي،خاصة تلك التي اعتمدت على نصوص اجنبية،فانبهرنا بها في حينها وعُذرنا اننا في ذلك الوقت لم نطلع على التجارب العالمية الاصلية التي تم استنساخها ولو من الناحية الشكلية ..!
لعل المخرج حاتم علي في عمله الاخير(العراب)لن يكون الاول ولا الاخير في عملية الاستنساخ التي باتت تفرض نفسها في الانتاج الدرامي العربي فقائمة الاسماء طويلة في هذا المضمار،وعادة ما تخوضها اسماء فنية لاتنقصها الموهبة، لكنها هذه الاسماءوبعد أن تنجح في ترسيخ اسمها في السوق الفنية،تبدأ مرحلة أخرى من حياتها تخضع فيها لشروط شركات الانتاج،تتنازل فيها عن تطلعاتها الفنية لتكون على صلة مباشرة بجوانب تجارية تسويقية ربحية،من غير ان يكون لها صلة بهاجس الفنان الباحث عن مغامرة فنية جديدة يقدم من خلالها تجربة ذات اثر عميق في اطار التأمل والتفكير الانساني والجمالي .
الاستنساخ في السينما المصرية
السينما المصرية كان لها تجارب عديدة في عملية الاستنساخ معظمها كانت نماذج رديئة جدا،ولسنا هنا بصدد استذكارها او تعدادها ويكفي ان نشير الى فلم (ذو الندبة  Scarface)انتاج عام 1983 للمخرج برايان دي بالما وتأليف أوليفرستون ومن تمثيل ال باتشينو،يقابله فلم مصري مستنسخ عنه انتاج عام 1990بعنوان(الامبراطور)للمخرج طارق العريان،تمثيل احمد زكي ومحمود حميدة،.كذلك فلم( Pretty Woman إمرأة جميلة)للمخرج غاري مارشال انتاج عام 1990 وهو من تمثيل جوليا روبرت وريشارد جيري،يقابله فلم مصري مستنسخ عنه بعنوان(الجينز)انتاج عام 1994،للمخرج شريف شعبان ،تمثيل فاروق الفيشاوي وغالا فهمي.
لن نتوغل اكثر في تاريخ الاستنساخ أكثر من ذلك لاننا إذا ماإستمرينا فيه فلن نتوقف إلاّ بعد أن نملاء صفحات طويلة من اسماء الافلام العربية التي تدخل ضمن هذا الباب،وهنا أجدني أصرُّ على استعمال كلمة الاستنساخ وليس الاقتباس لانني أجد في  كلمة الاقتباس اكثر قربا في محتواها ومقصدها الى الفن من كلمة الاستنساخ التي تعكس مايجري من عملية تقليد اعمى للأعمال الفنية العالمية المهمة تكاد أن تخلو تماما من اي جهد فني شخصي يحاول فيه المخرج ان يثبت حضوره الفني الذاتي مجاورا وموازيا لما موجود في النسخة الاصلية مِن تميّز.
اشكالية الاستنساخ
المتابع لهذا الموضوع في اطاره البحثي والتاريخي سيجد ان نصف النتاج السينمائي المصري يعود في حقيقته الى تجربة الاستنساخ،وهذا مايشكل جزءا من اشكاليته من حيث الشكل والمحتوى.
خاصة إذا ماأخذنا بنظر الاعتبار بأن الاستنساخ لم يكن لدى المتعاملين معه  سوى الية في العمل والتفكير والانتاج تستسهل عملية بناء الفلم وتختزلها في اعادة تقليد ماجاء في الفلم الاصلي خطوة خطوة،وتعد هذه العملية جزءا اساسيا من  منظومة مفردات تعكس اسباب تخلف الانتاج المحلي وتراجعه عن نمط الانتاج العالمي،مع أننا لاينبغي أن نغفل بأن  بداية الانتاج السينمائي المصري كانت عام 1917 في الفلمين(الشرف البدوي)و(الازهار القاتلة) وهما من اخراج محمد كريم،ومايثير الدهشة بهذا الصدد أن هذه البداية  المبكرة للانتاج السينمائي جاءت متزامنة مع الانتاج في اميركا وفرنسا ! إلا أننا نجد المسافة قد زادت بُعدا ً وعمقاً بمرور السنين مابين مصر من جهة واميركا وفرنسا من جهة أخرى من حيث البنية الصناعية للإنتاج،إضافة الى  المستوى الفني،رغم ان مصر بقيت هي الرائدة في المنطقة العربية من حيث الكم والنوع .
جذور المشكلة
مع مرور اكثر من 100 عام على ظهور الانتاج السينمائي وتعاقب اجيال من المخرجين في المنطقة العربية إلا أن ظاهرة استنساخ نماذج ناجحة وعالمية مازالت تتصدر نمط الانتاج العربي،فأين تكمن العلة:هل في انعدام الموضوعات الانسانية التي يختزنها الواقع العربي ؟ هل في عجز العقول والخبرات الفنية وعدم تمكنها من تحويل الموضوعات والحكايات والافكار الى اعمال فنية تتسم بالنضج والحبكة الجيدة  ؟ أم ان سوق الانتاج التي تتحكم بها عقول لاتربطها بالعملية الابداعية اية صلة ولاتهدف في عملها الانتاجي الى تنمية القدرات البشرية المبدعة الخلاقة بقدر ما يهمها الاعتماد على نماذج فنية عالمية جاهزة واستنساخها دون الدخول في مسار التفكير الجدي بمستقبل الانتاج وامكانية النهوض به وتطويره ؟ .
اسئلة كثيرة تطرحها عملية الاستنساخ التي باتت تفرض نفسها بقوة في نمط الانتاج الدرامي العربي هذه الايام اكثر من قبل،خاصة إذا مالاحظنا كثرة الاعتماد على طاقات اجنبية محترفة في ميدان ادارة التصوير والاضاءة والكرافيك والتي بمجموعها تكون قادرة على ان تصنع صورة فنية ذات جودة عالية،فيها الكثير من الابهار الشكلي فقط لايقل جودة عن الذي نشاهده في الاعمال الاميركية.ولكن يبقى السؤال الأهم مطروحا امام جميع العاملين في هذا الميدان : - إلى اي مدى ستساهم عملية الاستنساخ الفني للأعمال العالمية في اغتراب الانتاج المحلي عن الانسان باعتباره المادة الجوهرية لاي عمل فني ؟





   


نشرفي صحيفة القدس العربي 27 /6 / 2015 
 http://www.alquds.co.uk/?p=363496 رابط المقال في الصحيفة
              التنوع الثقافي وسلطة الأيدولوجيا  
                                        
                                     مروان ياسين الدليمي 


ليس وارداً الحديث عن مجتمعات تخلو تماما من تنوع ثقافي،وفيما لو وجدت مثل هذه المجتمعات فهي ليست سوى ضربا من الخيال،أو انهامجتمعات تنتمي  تاريخيا لمراحل متقدمة جدا من عمر البشرية .
التنوع المكوِّناتي يعني ثراء في مساحة الروافد الثقافية للمجتمعات،يمنحها قوة وخصوصية وحيوية،ولن ينتقص من أهميتها ومكانتها فيما لو قورنت مع مجتمعات اخرى تبدو للوهلة الأولى وكأن التنوع لايشكل فيها سمة اساسية .
التنوع الثقافي رافق الحضارات البشرية الأولى،منها حضارة وادي الرافدين التي جمعت في محطات تاريخية من عمرها،عديد الشعوب التي تنتمي الى اجناس مختلفة،كما في الامبراطوية الاشورية نتيجة انتصاراتها العسكرية التي امتدت على مساحات واسعةحتى وصلت حدود الفراعنة غربا والخليج العربي جنوبا،فتتداخلت فيها شعوب وثقافات مختلفة ضمن الامبراطوية الكبيرة .
حضارتنا المعاصرة
اليوم تبدو لنا صورة المجتمعات عبارة عن خليط من الاجناس تنتمي لثقافات وبيئات متنوعة،وينبغي أنْ نشير بهذا الصدد إلى أنَّ التنوع الثقافي يبدو اكثر فاعلية وحضورا في مجتمعات تتسم بالانفتاح،حيث تبرز قيمة التأثير المتبادل عبر حوار حيوي نجده شاخصا في تفاصيل صغيرة من حياة البشر،وليس الأمر مقتصرا على مؤتمرات تلتقي فيها نخب ذات تنوع ثقافي،وهذا يعود الى طبيعة النظام السياسي القائم على احترام وتقديس التعددية،كما هو الحال في عدد من الدول الاوربية مثل السويد والنرويج والدانمارك وغيرها من البلدان .
بينما على العكس من ذلك نجد نقيض هذه الصورة في مجتمعات تكاد ان تكون سمتها الرئيسة الانغلاق على ذاتها وشيوع  مشاعر الريبة والشك والكراهية بين مواطنيها تجاه الشعوب والمجتمعات الأخرى خارج دائرة الحدود الجغرافية لبلدانها،وذلك نتيجة خضوعها لأنظمة سياسية تتسم عادة بالقمع والشمولية والتعصب القومي،وهذا ماجعل مواطنوها أن يكونوا على هذه الصورة من التقوقع على ذواتهم،والامثلة هنا كثيرة سواء في منطقة الشرق الاوسط او في مناطق اخرى من اسيا وافريقيا .
وبناء على ذلك يجد التنوع الثقافي فرصته في الظهور والحضور المؤثركلما وجد بيئة  مُنفتحة تتيح له التعبير والتواجد والتفاعل.
ولكي تصبح هذه البيئة سياقا عاما للحياة ينبغي ان تتوفر لها جملة من الاحكام والقوانين تنظِّم عملية التعايش والتفاعل الانساني بين المكونات،بدونها يصبح مستقبل التنوع محفوفا بجملة من المخاطر،قد يتعرض بموجبها الى القمع والضمور.
ونظرا لما يتمتع به المجتمع العراقي من تنوع كبير في مكوناته،تبرز قضية التنوع الثقافي على انها في مقدمة القضايا من حيث الأهمية التي تفرض تحديات حقيقية أمام المجتمع بفعالياته الثقافية،اضافة الى الدولة بكل مؤسساتها الرسمية وغير الرسمية،وحتى هذه اللحظة لايبدو لنا ان هنالك رؤية واضحة حول هذا الموضوع طالما لم نجد على الارض فعاليات وممارسات جدية تضطلع بها الدولة ومنظمات المجتمع المدني في تكريس هذه الرؤية هذا فيما لو سلمنا جدلا انها حاضرة .
الانظمة السياسية
تاريخيا نجد أن التنوع الثقافي في المجتمع العراقي شابه كثير من الضرر والاذى بسبب السياسات التي كانت تنتهجها انظمة الحكم التي تعاقبت على ادارة الدولة العراقية منذ تأسيها عام 1921 وإن كان ضررها بدرجات متفاوتة بين نظام وآخر.
وهنا بهذا الصدد لابد أن نشيرإلى أن الثقافة العربية كانت هي المهيمنة والسائدة خاصة في الاطار الرسمي(في المدراس والمؤسسات الحكومية والمطبوعات،الى غير ذلك من اليات التعبير والافصاح الثقافي)مقابل شبه غياب لبقية الثقافات الاخرى مثل:الكوردية والسريانيةاضافة الى بقية الثقافات الاخرى التي تعكس ذاكرة اقليات ومكونات اصيلة في بنية المجتمع العراقي كالايزيدية والصابئة والشبك. واسباب ذلك لاتعود إلى أن العرب يشكلون اغلبية سكانية،إنما يعود أُسْ المشكلة الى شيوع الافكار الايدلوجية السياسية القومية التي تُعلي من شأن كل ماهو عربي، مقابل إهمال كل ماله صلة ببقية المكونات الاخرى.
هذا النمط من الفكر القومي المنغلق،كان سمة عامة وغالبة لعقائد الاحزاب العاملة أو الحاكمة في المنطقة العربية ومنها العراق،والتي كانت تعيش ــ انذاك ــ عصرها الذهبي،ابتدأ من مطلع القرن العشرين وحتى نهايته التي شهدت افول نجمها لتحل بدلا عنها احزاب دينية يشكل التخندق الطائفي المذهبي سمتها الجوهرية،وهذه الاحزاب ــ هي الاخرى ــ زادت من خطورة الأمر على التنوع الثقافي وشلل الحوار بين الثقافات المتنوعة في مجتمعاتها،ذلك لأنَّ ايدلوجية هذه الاحزاب لاتعترف في مبادئها ومنطلقاتها الفلسفية بالخصوصيات والثقافات المتنوعة للمجموعات البشرية، مقابل اعترافها بالهوية الدينية المذهبية فقط.  
من هنا يمكننا القول بأن الفكر بشكله القومي والديني،عندما يتحول الى ايدلوجيات حزبية وسياسية يتحول بالنتيجة الى وقود للصراع وليس للحوار ويحيل الحياة الى ساحة حساسة جدا قابلة لاشعال الحرائق تحت اقدام الجميع،فأيدولوجية الاحزاب القومية والدينية تعجِّل في امكانيات الاحتدام مع الآخر بأعتباره كيانا آخر منفصل عن الآخرفي بنيته الثقافية التي تشكل ابرز علاماتها :القومية والدين والمذهب .
الخطورة لاتكمن في الانفصال بين(الأنا والآخر)بناءً على اعتبارات:القومية والدين والمذهب،بقدر ما تكمن في الانفصال الوجداني،الذي تكرِّسهُ وتنظِّمهُ وتؤطِّرهُ وتخندِقهُ المنظومة الايدلوجية،بوجهيها القومي والديني في نسيج الممارسات والسلوكيات والمواقف داخل البيئة الأجتماعية،لتكون نتيجتها الحاق الضرر الأكبر في المساحات التي يمكن أن يتحرك فيها التنوع والحوار الثقافي داخل مفاصل واوجه الحياة الانسانية . 
وفيما لو افترضنا حسن النيّة  كانت متوفرة لدى بعض الانظمة التي سبق أن حكمت العراق خلال القرن الماضي في أن تسلك ماهو اقرب الى الانصاف ــ كما يبدو ذلك نظريا ــ  في سياساتها تجاه الثقافات الاخرى التي تشكل هوية الاقليات والمكونات للمجتمع،إلا أننا نستطيع بهذا الصدد أن نجزم بالغياب شبه التام لستراتيجيةٍ واضحةٍ بهذا الصدد،مع غياب المنظومة الفكرية،والآليات التي تستند إليها في التعامل مع هذه الموضوعة بالشكل الذي يحافظ على التنوع والحوار الثقافي المتبادل،ويزيح من امام المكونات الثقافية كل عوامل الخوف والقمع،مثلما هو الحال مع تلك القرارات التي كانت قد صدرت بقصد انصاف بعض المكونات الثقافية المختلفة التي يتشكل منها المجتمع العراقي،مثل قانون منح الحقوق الثقافية للناطقين باللغة السريانية،الذي صدر في مطلع سبعينات القرن الماضي،والذي لم يكن سوى حبر على ورق،طالما غابت عنه الخطوات العملية التي تؤكد حضوره على ارض الواقع بشكل جاد،وهذا يعود إلى أن الهدف من اصدار مثل تلك القرارات كان بقصد تحقيق اغراض سياسية مرتبطة بأزمات واختناقات يعانيها النظام القائم انذاك،فكانت تلك القرارات بمثابة سبيلا  ــ لا مفر منه ــ  للخروج  من دائرتها،اكثر مما كان تهدف الى فتح الابواب امام الثقافة السريانية لكي تتحرك آليات عملها الثقافي .
هذا المبدأ لم يقتصر بطبيعة الحال على الناطقين باللغة السريانية بل تعدى ذلك ليشمل كافة المكونات التي يتشكل منها المجتمع العراقي وفي مقدمتها الثقافة الكوردية التي بقيت معزولة تماما عن محيطها العراقي،على الرغم من أن الكورد يشكلون النسبة الثانية من حيث العدد بعد العرب في إطار الدولة العراقية.
ويمكننا ايضا أن نشير إلى قضية مهمة جدا،ليس صعبا تلمسها مجتمعيا،وذلك بانعدام الحوار والتفاهم والتواصل مابين الثقافتين العربية والكوردية ـــ عبر اللغة الكوردية ـــ مابين العرب والكورد،واقتصار التفاهم عبر اللغة العربية فقط،وهذا مايمنحنا ابلغ صورة على التعالي والتجاهل والقمع الذي تسببت به سياسات الانظمة  التي حكمت الدولة العراقية جميعها دون استثناء.  
مابعد العام 2003
هنا يطرح سؤال جوهري:هل حصل ماكنّا نرجوهُ من تغيّر في الرؤى والمناهج والسياسات ازاء قضية التنوع الثقافي بعد العام 2003 ؟
للوهلة الأولى يبدو وكأن هنالك تصالحا مع الذات قد بدأ يفرض حضوره،خاصة وان اصوات المكونات باتت تعلوا وتكشف عن نفسها وخصوصيتها الثقافية في التعبير واللفظ .
هذا التحول لايمكن تجاوزه أو انكاره،فهنالك مطبوعات وكتب واصدارات اضافة الى القنوات الاعلامية الاخرى،كما هو الحال مع البث الفضائي الذي يعكس هذه الحقيقة،فقد امست أدوات الاتصال والتعبير  مفتوحة امام التنوع الثقافي لكي يكشف عن مكنوناته .
لكن مازال هنالك طريق طويل لكي تتحقق الاماني الكبيرة على طريق التنوع الثقافي كما ينبغي،طالما اصبحنا  نواجه اشتداداً في نبرة التطرف الديني،اخذت تعلن عن نفسها،هنا وهناك،وهذه علامة بلاشك تؤكد على صعوبة المسار الذي تواجهه  قضية التنوع والحوار الثقافي  .
تصحيح المفاهيم  
ولكي يكون المسار صحيحا ينبغي اولا تصحيح الفهم الخاطىء حول قضية التنوع الثقافي،فقد شابت الرؤية الجمعية بعد العام 2003 المتعلقة بهذا المفهوم كثير من الفوضى،بالشكل الذي اصبح هنالك خلط  كبير بين ماهو ثقافي وماهو سياسي،الى الحد الذي تسببَ في الحاق ضرر كبير للمفهوم ذاته مِن قبل المكونات والاقليات ذاتها التي كانت متضررة طيلة العقود الماضية،حتى بدت الصورة بسبب هذا الخلط وكأن البلاد ماضية الى التمزق .
الخطأ هنا يكمن في سَحب ماهو سياسي ــ من حيث المفهوم ــ الى ماهو ثقافي وبالعكس،حتى بدا وكأن المسألة ليست سوى قضية صراع على المناصب والحصص السياسية بأسم المكونات،وليس تأكيدا على الهوية الثقافية وحضورها وفاعليتها في تشكيل الوجدان الفردي والمجتمعي ضمن اطار الدولة والمجتمع بهويته الوطنية.بالشكل الذي  اصبحت فيه  قضية  المكونات بتنوعها الثقافي لا تُطرَح باعتبارها  قضية هوية ثقافية،بقدر ما اصبحت تطرح على انها جزءا من معركة سياسية بين المكونات ــ كل واحدة منها ضد الأخرى ــ سعيا للحصول النفوذ والمكاسب والمناصب السياسية،في محاولة حثيثة لكل منها التعويض عن سنوات القمع والحرمان التي مرَّت بها.وهنا تكمن الاشكالية التي تقف وراء المأزق الأجتماعي/الثقافي الذي يبدو وكأنه قد وصل الى مرحلة الانسداد،نتيجة هذا الخلط في المفاهيم.
الخلاصة
إن التنوع الثقافي،لكي يبقى فاعلا ومؤثراً ينبغي العمل على تأطيره في اطار عمل مؤسساتي مُشرْعَن بقوانين يقرها الدستور،وأن لاتبقى الجهود في اطار العمل الفردي الذي يخضع للظروف والأمزجة الشخصية،وأن يكون محكوما باليات  تجعله جزءا من بنية المجتمع ومؤسساته .

هل ستختفي الموصل القديمة https://al-aalem.com/article/46615-%D9%87%D9%84-%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AA%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D...