http://www.azzaman.com/?p=126374 رابط المقال في صحيفة الزمان 

الفن البيئي وعادة خلق الدهشة البصرية

الدوافع السياحية تنشط رسوم جدران البيوت – نصوص – مروان‮ ‬ياسين الدليمي

الدوافع السياحية تنشط رسوم جدران البيوت – نصوص – مروان ياسين الدليمي
الفني البيئي مصطلح فني مازال حتى الآن غيرمتداول بشكل شائع في وسطنا الفني رغم أن اوربا قدعرفته في مطلع الثلاثينات،ألاّ أن فترة ستينيات القرن الماضي كانت البداية الحقيقية له،من حيث شيوعه وانتشاره .
هيمنة الجانب البصري
هذا الفن يشكل في حضوره موقفا جماليا من قبل الفنان ازاء ماتتعرض له حياة الانسان في المدينة المعاصرة من تصحر نتيجة محاصرته بكتل كونكريتية صماء تخلو بنيتها الهندسية من مفردات معمارية تتفاعل مع الجانب الروحي للأنسان وذلك عندما اكتفى المهندسون والمصممون المعماريون بالجانب الوظيفي لتصميم البنية المعمارية واستبعدوا منها البعد البصري الجمالي الذي يترك انطباعا نفسيا وذوقيا مريحا يجعله يشعر بانتمائه للطبيعة وللحرية اكثر من شعوره بالانزواء خلف كتل خرسانية ضخمة هي اشبه ماتكون بالزنزانة مما هي بنية معمارية تتفاعل مع المحيط الانساني بمحتواه الروحي والوجداني.الفن البيئي يضع التأثير البصري في اولوية اهتماماته،في محاولة من الفنان ان يخلق بيئة اجمل مع الجدران الصمَّاء،فهو بالتالي يتوجه بكليته الى عموم الناس وليس الى النخبة،محاولا مخاطبة وجدانهم وايقاظ مشاعرهم واحاسيسهم وهم يعيشون داخل مدن محاصرة بالعمارات الشاهقة والكتل الضخمة.يشكل المنظور بؤرة مركزية في تأسيس لوحات الفن البيئي،فالخدع البصرية وازدواجية النظر من خلالهما يحاول الفنان ان يسحب نظر المتلقي الى زوايا عديدة ،الهدف من ذلك :الوصول الى جعل المتلقي لاينتبه لثقل الكتل الصماء التي تحيط به من كل الجوانب.
جدلية العلاقة مع البيئة
التجارب العالمية خاصة في اوربا قطعت شوطا كبيرا في مجال الفن البيئي منذ عقود،فكانت جهود الفنانين تهدف الى اعادة تصحيح العلاقة مابين الانسان والمدينة التي يعيش فيها وهو محاصر باسوار عالية،والعلاقة التي بينها علاقة عداء وتوحش واغتراب بصري ووجداني، لذا كان جهد الفنان هنا ينحو باتجاه اعادة تنقية البيئة من التلوث البصري عبر الرسم على الجدران .
فالبيئة المتصوَّرة بكل مساحاتها وفضاءاتها الواسعة على الجدران تخلق بيئة معادلة للبيئة الواقعية التي تأسر الانسان في امكنة صغيرة ضمن ابنية عمودية هي السمة الرئيسة للعمارة الحديثة جاءت جهود الفنان  في هذا الحقل الفني في اطار خلق بيئة طبيعية حرة من خلالها اعتمد الفنان على خلق عدة(فيكرات) تبعث في الانسان شعورا لحظويا يخلق لديه احساسا بالدهشة والمفاجأة والغرابة ضمن اطار جمالي بَصري. ويمكن القول ان الفن البيئي هو الوليد الشرعي للحضارة المدنية المعاصرة ومتمردا عليها بنفس الوقت،فحضوره الذي كشف عنه في مطلع ثلاثينيات القرن الماضي خاصة في المانيا قد طرح العلاقة الجدلية مابين الفنان والحضارة الحديثة التي ينتمي لها،فهو من جهة ــ أي الفنان ــ يسعى الى توثيق وتعميق صلته الانسانية ببيئته وحضارته التي شكلت ذائقته ووعيه ولكن عن طريق مواجه جدلية معها عبر الفن الذي ينتمي لها ويتضاد معها في آن واحد .
البدايات
البعض من نقاد الفن يحاولون ان يعودوا الى فترات تاريخية قديمة رافقت بدايات الانسان على الارض لتأشير الملامح الاولى للفن البيئي، وذلك بالاشارة الى الرسوم التي وجدت في الكهوف،على اعتبارها محاولات اولى للإنسان للتعبير والتفاعل مع البيئة المحيطة،لكن هذا الاستنتاج فيه الكثير من القصور والاختزال لتفسير الظاهرة وعزلها عن بعدها الانساني،لأن هذه الصور البدائية لم تكن في جوهرها تحمل هاجسا جماليا وفنيا خالصا لدى الانسان انذاك،بقدر ماكانت تعبيرا عن حاجات طبيعية تتعلق بقضية الكائن الانساني ووجوده والتحديات التي تواجه.ولم تكن تلك الرسوم سوى وسيلة من الوسائل الطوطمية التي يسعى من خلالها الانسان السيطرة على الحيوانات التي هي واحدة من قوى الطبيعة . ومع ذلك فإن الفن البيئي لم يأخذ الحيز الكبير في حضوره في معظم بقاع العالم مثل بقيةالمناهج والاساليب الفنية التي شهد القرن العشرين ولادتها كالسريالية والتكعيبية والتجريدية …الخ  من تلك الاساليب التي انتشرت في معظم دول العالم المتمدن .
بقي الفن البيئي محدود الانتشار الى حد كبير حتى سبعينيات القرن الماضي،حينها بدأنا نقرأ دراسات وبحوث تتناوله بالقراءة والتأمل،وبقيت اوربا ميدانا رحبا لهذا الفن الذي حاول من خلاله الفنانون ان يعيدوا تصحيح العلاقة الجمالية والشعورية مابين الانسان والبيئة الحديثة التي تحيط به بكل مفرداتها الخرسانية.
تجارب خاصة
بنفس الوقت كان الفن البيئي قد اخذ يفرض حضوره في عدد من البلدان التي تتكثف فيها حدة الصراعات الطبقية والسياسية بدرجة عالية،كما هو الحال في اميركا اللاتينة والمكسيك التي شهدت استثمارا كبيرا  للطاقة المباشرة التي يختزنها هذا الفن في ايصال خطاب ثوري،فكانت الجدران ذات المساحات الواسعة عبارة عن اداة ايصال فنية تعامل معها الفنان بديلا عن القاعات الفارهة لانتاج اعمال فنية جماهيرية تخاطب الناس وتحثهم على الفعل الثوري وعلى الانتماء الى جذوة التغيير وتقديس الحرية والنضال من اجلها. ورغم البعد الثوري الذي بدت عليه تلك الاعمال إلاان الفنان بقي حريصا على ان يكون معبرا عن روح الجماعة وذاكرتها الجمعية،بما تحمله من ارث ثقافي وفني وفلكلوري،لذا لم تكن تلك الاعمال في تكويناتها والوانها ومفرداتها إلا محاكات جمالية لروح البيئة التي ينتمي لها الفنان وانتماءه لها..واضافة الى البعد الثوري فقد كانت الخاصية الجمالية للفن البيئي في هذه الامكنة قد منحتها فرادة في الخطوط والاشكال والالوان لن نجدها في مكان آخر .
المنطقة العربية
في المنطقة العربية كانت تونس والمغرب في طليعة الدول العربية التي تعاملتا مع الفن البيئي لاعتبارات سياحية،منذ سبعينيات القرن الماضي عندما لجأ الفنانون الى استغلال جدران البيوت والازقة في عدد من المدن السياحية التي عادة ماتشهد مهرجانات ثقافية وفنية في مواسم الصيف التي يتوافد اليها السياح والمثقفون والفنانون من مناطق وبلدان مختلفة كما في مدينة اصيلة،لتتحول الجدران الى لوحات فنية تتسم خطوطها وتكويناتها بمساحات مشرقة من الالوان والحروف ،ومازالت حتى الآن محافظة على هذه التقاليد في كل موسم .وتعد مصر من البلدان العربيةالتي انتعش فيها هذا الفن خلال الاعوام الاخيرة،وقد تم استثماره بشكل كبير للتعبير عن احلام وامال الناس في أن يعيشوا حياة تتجسد فيها افكار الثورة التي اضطلع بها الشباب المصري في 25   كانون الثاني /يناير  2011فكانت جدران العاصمة المصرية ــ القاهرة ـــ ميدانا رحبا لعشرات اللوحات التي رسمها الفنانون الشباب تعبيرا عن افكارهم وهواجسهم وعشقهم لبلدهم .وإضافة الى انها ساهمت بدرجة كبيرة في ملء مساحات فارغة من الجدران بتكوينات واشكال والوان جميلة إلا انها بنفس الوقت حملت خطابا جماليا بمضامين انسانية عكس من خلاله الفنان مايتوق اليه المواطن المصري البسيط من مستقبل جميل له ولبلده . العراق هو الآخر بدا فيه الاهتمام بالفن البيئي في مطلع تسعينات القرن الماضي ويمكن القول بأن الفنانة د.هيفاء احمدالمشهداني من اوائل الفنانين الذين اهتموا بهذا الفن،وكانت جدران كلية الفنون الجميلة الخارجية في بغداد من اولى المساحات التي ابتدأت عليها المشهداني في تعميم هذا الفن بعد أن كانت قد انهت دراستها الجامعية في فرنسا التي نالت منها شهادة الدكتوراه في الرسم.استمرت المشهداني في دعم مشاريعها هذه على عدد من جدران العاصمة بغداد مع طلبتها،إلاأن تلك المشاريع التي كانت قد تعاقدت على تنفــــيذها وبدعم من مؤسسات الدولة توقفت بعد العام 2003 نتيجة الفوضى التي عمت البلاد،ولتغادر المشهداني نتيجة هذا الوضع غير الآمن العاصمة العراقية ولتستقر في اربيل،وهي الآن تحاول مع طلبتها في كلية الفنون الجميلة بجامعة صلاح الدين ان تحيي مشروع الفن البيئي في اقليم كردستان ،وكانت اولى نتائج هذا الجهد المشترك مع  طلبتها،اقامة معرض لقسم الرسم في كــــــلية الفنون نهاية هذا العام الدراسي 2014 – 2015  شارك فيه عديد من الطلبة بلوحات فنية يصلح عدد منها أن يتم تنفيذها على جدران ومساحات كونكريتية في اربيل.كما تأمل المشهداني أن يلقى هذا الفن الاهتمام الكافي من قبل الفنانين لكي يسهموا في خلق بيئة فنية تتصالح مع الانسان وتترك لديه شعورا بالراحة والاطمئنان  .