الأربعاء، 30 ديسمبر، 2015


حضرنا امس الثلاثاء 29 / 12 / 2015 برفقة نقابة فناني الموصل ممثلة بشخص رئيس النقابة الفنان تحسين حداد جلسة حوار مع ممثل الامم المتحدة في العراق ، رعتها الشاعرة امل الجبوري مسؤولة منظمة صوتنا ،وبحضور نخبة من الكتاب وعدد من العاملين في منظمات المجتمع المدني ،وجرى حوار عن التفكير بامكانية خلق مناخ للتعايش .ابرز الحاضرين د.فارس كمال نظمي ،الفنان التشكيلي د.فاخر محمد،الكاتب هيوا عثمان ،الناشط والحقوقي هوكر ،واخرين .
الحديث تم بصراحة متوقعة جدا خاصة وان من بين الذين حضروا هناك اسماء معروفة لها رصيدها من التفكير المعتدل والجريء بهذا الموضوع في المقدمة منهم د. فارس كمال نظمي وهيوا عثمان والناشط هوكر واخرين لايقلوا عنهم شأنا .
في ختام الحوار ، اعرب ممثل الامم المتحدة عن تقديره لوجهات النظر المتنوعة والمختلفة التي عبر عنها المشاركون ،واعلن عن عزمه على كتابة تقرير لما طرح من افكار .
واليوم الاربعاء 30 / 12هناك نشاط اخر لمنظمة صوتنا في مخيم بحركا في اربيل ،سيكون على شكل حوار مفتوح و موسع يشارك فيه ايضا نفس المجموعة التي حضرت امس اضافة الى عدد من نازحي المخيم ،وسيتم تسجيله تلفزيونيا .





الثلاثاء، 29 ديسمبر، 2015

http://www.raialyoum.com/?p=365697  رابط المقال في صحيفة راي  اليوم

هل مِن أملٍ في الخروج بعيدا عن مسار القطيع

marwan-yaseen-delimi.jpg777

مروان ياسين الدليمي

سياسة الانظمة في المنطقة العربية جميعها تلتقي عند نقطة جوهرية تسعى من خلالها الى ان تحيل المجتمع الذي تحكمه إلى قطيع،بلون واحد وصوت واحد ولغة واحدة،محكوما بالسير باتجاه واحد كما النائم،لايحيد ولايلتفت عنه يمينااوشمالا،وغير مسموح له في أن يخرج عن مايملى عليه من خطاب،وعليه أن يبقى يردد ماتم تلقينه اياه حتى لو كان في ذلك خروجاً عن الطبيعة الانسانية وحتى جوهر الاديان السماوية القائم على المحبة والتسامح .

الكل في سلة واحدة

السلطات العربية لن تترد في استخدام اسوأ واحط الاساليب دناءةلاجل ان يصبح المجتمع اقرب الى عالم الحيوان منه الى عالم الانسان،يأكل ويشرب ويعمل من غيرأن يفكر أو يشعر أو يتمرد ..يدور في حلقة مفرغة من دوامة العيش،وما أن تخرِجه منها ــ هي ــ في لحظة ما ،حتى تدخله في دوامة اخرى.

هكذايبقى المجتمع معتقلا ومستباحاومنتهكا في مشاعره ووجدانه وطبيعته الآدمية ،مفرغا منها،حتى يصبح على صورة من الخضوع والخنوع والرضوخ الآلي لكل ما يُطلب منه،من غير أن يملك القدرة ولاالفرصة في أن يتأمل أويتسائل .

والسلطة حريصة على ان لاتبخل في ابتكار واستيراد كل مايتعلق من فنون واساليب التسيير والتخدير والتدجين البشري لشعوبها،لتجعلهم مثلما هي تريدهم :قطيعا متوحشا على من يختلف معها ،وحملا وديعها معها .

لافرق في هذا بين جميع الاحزاب الحاكمة،كلهم ينهلون من فلسفة واحدة تكرس السلوك القطيعي،اليسار يساوي اليمين والاسلامي يساوي الشيوعي ،حتى لكأن قاطرة الزمن قد تحطمت عجلاتها في هذه المنطقة من الكرة الارضية،وهي على هذا الحال تبدو قد مضى عليها قرونا،فكل شيء باق في مكانه لايتزحزح،المعتقدات والاوهام والافكار والخرافات والاحلام،لم يتغير منها شيء سوى الاسماء والعناوين .

اصبح المكان خارج الزمن والزمن خارج المكان،وقد تكرس هذا الحال بشكل مبالغ به بعد أن استولت قوى التطرف الاسلاموي بكل مسمياتها المذهبية على اللحظة الراهنة من بعد أن احالت الربيع العربي الذي تفاءلنا به مع اول ايام قدومه الى خريف شاحب بات ينتج افواجا والوية وكتائب من القطيع ،من بعد أن كانت  ازهار هذا الربيع  قد اينعت عدة ايام في مطلع العام .2011

العراق نموذجا

يبدو العراق صورة نموذجية للحالة القطيعية التي اصبحت عليها شعوب المنطقة خاصة بعد العام 2003،فالسلطة التي ارتدت ثوب الدين والطائفة نجحت الى حد كبير في أن تختطف قطاعات كبيرة من الشعب العراقي من آدميتها ورمَت بهم في حضيرة القطيع،تقودهم متى ماتشاء وكيفما تشاء وضد من تشاء،فأصبحوا ادواة غير عاقلة تنفذ سياساتها الممنهجة بتدميرهم ،وتدمير من يسعى لاخراجهم من  دوامة الحالة القطيعية .

وبناء على ذلك بات امرا يدعو الى الاستغراب في  أن يخرج صوتا ما ليغرد خارج سرب القطيع،بل يكاد ان ينعدم مثل هذا الصوت وسط هذا المشهد الصاخب باصوات متشابهة في زعيقها ،لذا سيكون امرا مدهشا عندما تجد أمرأة شابة تملك من الجرأة في ان تقول بصوت عال وواضح ماعجز عن قوله الرجال .

الشهادة التي قدمتها الناشطة والصحفية رنا عبد الحليم صميدع عبر مقال مطول نشرته في نهاية شهر ديسمبر 2015بحق  النائب عن محافظة الانبار المعتقل في سجون الحكومة العراقية د.احمد العلواني كانت أجرأ موقف يختتم به العام 2015 ، من بعد ان داخلنا يأس شديد من الحالة القطيعية التي وصل اليه العراقيون،خاصة الجهات المعنية بالدفاع عن حرية الرأي وحقوق الانسان والمعتقلين تحديدا.

وبعيدا عن الموقف الجرىء للشابة العراقية والجهد المهني الذي بذلته في الكشف عن حقائق تتعلق بشخصية النائب العلواني كانت قد ضاعت وسط الاصوات العالية للمزايدين والمهرجين والكذابين التي تعودنا عليها خلال الاعوام التي اعقبت سقوط النظام السابق بشكل لامثيل له تزلفا وتملقا لمن يمسك بعصا السلطة .وهي تطالب باعدامه بكل سهولة من غير ان تعير اهمية لحقوقه وحصانته كنائب او حتى حقوقه كانسان يكفل له القانون ان يدافع عنه نفسه .

 كنا نتأمل من منظمات حقوق الانسان ومن الصحافة المستقلة هذا إن سلمنا بوجودها ان يكون لها صوت،اضافة الى الاقلام ذات المصداقية ،لكن وكما يبدو جليا ،فإن المشهد العراقي مازال يرتع تحت هيمنة خطاب السلطة، بكل تخريجاته وتقلباته ،فإن قالت السلطة في خطابها صباحا عن الشيطان على انه ملاكا صفق لها الجميع وان تراجعت عنه رايها في المساء وقالت عنه شيطانا،ايضا صفق لها الجميع،ومن يفترض بهم ان لايكونوا لعبة بايدي السلطة نجدهم يلتزمون الصمت المريب،وهم بذلك يعبرون عن حقيقة المشهد المحلي بكل اختلاطاته والتباساته .

حزب الدعوة وسياسة التدجين

لم يتوان حزب الدعوة ومن معه في التحالف الوطني الحاكم عن اغراق الواقع الاعلامي والصحفي العراقي بعشرات المواقع الالكترونية والصحف والقنوات الفضائية حتى اصبح لكل سياسي محطة فضائية ووصل العدد الى اكثر من 60 قناة فضائية،هذا اضافة الى 5000 شخص لاعلاقة لهم بمهنة الصحافة تم توظيفهم من قبل المالكي شخصيا خلال فترة حكمه (اعترف بهذا الرقم حيدر العبادي في بداية توليه رئاسة الوزراء ) الهدف منهم مهاجمة خصومه وتشويه سمعتهم وتسقيطهم.من هنا يمكن فهم الفخ الذي نصبه رموز  السلطة ضد من يختلف معهم ويعارضهم فكيف به اذاكان من الطائفة السنية التي يدعي حزب الدعوة  ومعه بقية  مكونات التحالف الوطني على انها كانت قد سرقت الحكم منذ 1400 عام  ! .

قضية العلواني تتلخص في انه هاجم الساسة العراقيين الذين ارتضوا ان يكونوا خدما لنظام ولاية الفقيه في ايران ووصفهم بالخنازيز وخاصة الساسة السنة ،فكان هجومه هذا بمثابة ذريعة اتخذها المالكي لضرب المعتصمين في الانبارــ بعد أن كان قد مضى على اعتصامهم اكثر من عام  ــ من خلال اعتقال العلواني .

وفيما لو سلمنا جدلا بأن العلواني قد اخطأ في اطلاق تصريح مسيىء،فهل يستحق ان يجري عليه ماجرى،بأن تقتحم قوة عسكرية كبيرة بيته في نهاية شهر كانون الاول 2013 وتغتال شقيقه الاصغر(علي) بحجة مقاومته لهم،ومن ثم تعتقل العلواني وتعتدي عليه بالضرب الشديد وتعرض صوره عبر وسائل الاعلام وهو يقاد الى السجن بشكل مهين والكدمات بادية على وجه نتيجة  الضرب .

وها قد مضى على اعتقاله اكثر من عامين وصدر بحقه حكم بالاعدام في نهاية شهر تشرين الثاني 2014 ولم يتم تنفيذه ،وكما يبدو فإن عدم التنفيذ ليس مرتبطا بالوساطات التي تحركت لاجل ذلك او اخوفا من تداعيات اعدامه على الشارع السني بقدر ماهي وسيلة ضغط تم الاحتفاظ بها الى ان يحين وقتها بايعاز من المالكي شخصيا الذي يملك تأثيرا كبيرا على مجلس القضاء الاعلى برئاسة القاضي مدحت المحمود الذي يعد ذراعه الايمن في تنفيذ رغباته الانتقامية ضد من يعاديه .

سياق مريب ومفضوح لكنه ليس بغريب وجديد على دولة يحكمها حزب طائفي،ضرب بكل القيم الوطنية والقانونية عرض الحائط .

مسلسل التصفيات

 وماجرى للعلواني طال العشرات من المواطنين العراقيين شيعة وسنة ، دونما تمييز ،مثلما كان قد حصل في شهر يوليو (تموز) 2013 من اعتداء وحشي على مدرب كرة القدم في نادي كربلاء محمد عباس (شيعي )داخل الملعب من قبل قوات سوات وامام مرآى ومسمع جماهير كرة القدم فاادى الى وفاته، بعد ان كان قد دخل في غيبوبة لعدة ايام،ولم ينل الجناة حتى الآن العقاب القانوني الذي يستحقونه.وهكذا الحال مع الناشط والمخرج المسرحي هادي المهدي (شيعي)الذي تم اغتياله في 8 سبتمبر ( ايلول ) 2011 داخل شقته بمنطقة الصالحية وسط العاصمة العراقية بغداد بعد ان كان قد تلقى تهديدا بالقتل لأكثر من مرة من قبل عناصر حكومية ايام حكم المالكي ،كانت تطالبه بالتوقف عن قيادة التظاهرات في ساحة التحرير المناهظة لحزب الدعوة الحاكم،وبعد اغتياله طوي ملف الجريمة ايضا دون ان ينال المجرمون القصاص العادل مع ان كثيرا من عناصر الوسط الصحفي والاعلامي ومنظمات المجتمع المدني تملك من المعلومات شبه المؤكدة حول الجهات والاشخاص  المتورطة بقتل المهدي وكلها تؤكد على ان لها صلة بالمالكي شخصيا ،حتى ان اقاويل كثيرة بهذا الصدد تشير الى تورط احد الاعلاميين المعروفين بهذه الجريمة .

السنة وقانون 4 ارهاب

اما السياسيون السنة الذين غردوا خارج سرب خطاب السلطة وحزبها الحاكم فقد تعرض عددا منهم الى حملات تشويه وتسقيط شديدة قبل الحملة التي طالت العلواني وآخرين بعده ايضا ، اشهرهم نائب رئيس الجمهورية طارق الهاشمي الذي تعرض لابشع حملة نالت منه شخصيا وصدر بحقه مذكرة القاء قبض في منتصف شهر ديسمبر كانون الاول 2011 وضعته في قائمة اخطر الارهابيين والمجرمين بحق الشعب العراقي من غير ان تتاح له فرصة الدفاع عن نفسه،ويقف خلف هذه الحملة سببان : الاول زيارته للسجون والمعتقلات العراقية في عام 2010 واطلاعه على احوال السجناء فيها(غالبيتهم من الطائفة السنية )وبتلك الزيارات كشف حالهم امام العالم عبر مقاطع فديو نشرها على شبكة الانترنت وتناولتها وكالات الانباء والفضائيات،فكانت تلك الخطوة على جرأتها ضربة كبيرة وموجعة وجهها الهاشمي الى نظام الحكم وحزب الدعوة الذي يقوده المالكي واسقط ادعاءاته امام الرأي العام باحترام حرية وحقوق الانسان التي جاء لينصفهابعد ان كان نظام البعث قد انتهكها حسب ماكان يروج قبل مجيئه للسلطة.

والسبب الثاني :ان المالكي كان قد اتبع سياسة واضحة تهدف الى اسقاط اي شخصية سنية تبرز بقوة في المشهد السياسي يجدها لاتتبع خطاه ومنهجه وما ان يصبح لها قاعدة وحضور جماهيري وشعبي حتى يوجه لها ضربة موجعة تشطبها من المشهد السياسي تماما كأن يتم قتلها بسيارة مفخخة او مسدس كاتم صوت أو يصدر بحقها مذكرة القاء قبض وفق المادة 4 ارهاب التي فصّلت فقراتها حسب مقاسات اعداء المالكي المفترضين من قبله وخاصة العرب السنة ، ذلك لان جميع من وقعوا ضحايا تحت هذا القانون كانوا من ابناء هذه الطائفة،ابتدأ من حارث الضاري الامين العام لهيئة علماء المسلمين والنائب عدنان الدليمي والنائب محمد الدايني ووزير المالية رافع العيساوي وآخرين .

هذا المنهج ساد المشهد السياسي العراقي طيلة الاعوام التي اعقبت احتلاله من قبل الاميركان عام 2003 وراح ضحيته المئات من الاشخاص الابرياء الذين تم اعتقالهم وفق قانون 4 ارهاب وبتهم كيدية معظمها لم يثبت صحتها ، ومع ذلك بقي هؤلاء داخل المعتقلات لاشهر وسنين دون ان تتم محاكمتهم،وعلى سبيل المثال في منتصف شهر نوفمبر كانون الاول 2011 اعلنت السلطات القضائية  عن اطلاق سراح 000 / 8  معتقل لم تثبت ادانته !  من بعد ان قضوا شهورا في المعتقلات وبسبب ذلك فقدوا اعمالهم ووظائفهم وتحطمت عائلاتهم اقتصاديا واجتماعيا،ومما يزيد من مأساة هؤلاء أن ما من سلطة تقف الى جانبهم وتطالب بتعوضهم عما لحق بهم من حيف .

الحال نفس الحال

العراق رغم تعاقب الانظمة السياسية عليه والتي قادتها احزاب قومية وشيوعية واسلامية لكن حال حقوق الانسان فيه كان يزداد سوءا بعد سوء ، وحرية التعبير فيه تواجه قمعا يتصاعد سنة بعد اخرى ونظاما بعد آخر ،نتيجة ذلك ان خضع الشعب بعموم فئاته وطبقاته الى سياسة قهرية روضته الى الحد الذي لم يعد يشعر بحجم الألم المسلط عليه .

وحتى تلك الجهات المعنية بالدفاع عن حقوق الانسان وحرية التعبير لاتملك مساحة كافية من الحرية في العمل للحصول على المعلومة ولا في الدفاع عن حق المقهورين،فالقائمة طويلة لاعداد الصحفيين والاعلاميين والناشطين الذين لقوا مصرعهم ثمنا لمهنيتهم.

من هنا تأتي اهمية ماكتبته الناشطة والصحفية رنا عبد الحليم صميدع باعتباره يأتي متضادا مع سياسة تحويل المجتمع الى قطيع ومنهج تكميم الافواه .

ولان دفاعها عبر المقال جاء يحمل لغة غير اللغة التي تتحدث بها اجهزة السلطة الامنية والاعلامية،وكان اشبه بحجرة ثقيلة رمىت بها في بركة آسنة ، نتيجتها ستكون بلاشك انبعاث روائح خانقة تزكم الانوف .

*رنا عبد الحليم صميدع الزيادي،صحفية وشاعرة وناشطة سياسية شابة من جنوب العراق،وعضوة في اتحاد ادباء وكتاب العراق ،سبق لها ان حاولت مطلع 2014 التسلل عبر الانفاق من مصر الى قطاع غزة دعما للحملة الدولية لفك الحصار عن شعبها،فالقت السلطات المصرية القبض عليها واودعتها المعتقل لعدة اشهر قبل ان يتم اطلاق سراحها .

الأحد، 27 ديسمبر، 2015




     ماذا لو ، لمْ تكن قناة عشتار ؟

                                              مروان ياسين الدليمي 
                                                                                   22 / 12 / 2015 

سؤال يفرض نفسه بقوة ؟ ..
اي شخص فيما لو كان يجد في القناة وسيلة اعلامية لاترضيه،عليه ان يطرح هذا السؤال على نفسه :
ماذا لو لم تكن قناة عشتار موجودة ؟
عليكم ان تتصوروا الحالة .. عليكم ان تتصورا المشهد  .
في الفضاء هناك مئات من القنوات الناطقة بكل اللغات وبكل اللهجات، والمعبرة عن كل الاقوام والاديان والجماعات والاحزاب،وعلى جميع الاقمار ،وانت تجلس امام الشاشة تقلب القنوات،ولاتجد من يعبر عنك،من يشبه صوتك،من يشبه لغتك.
ساعتها ستكون مرغما على أن تسمع مالايعجبك، او مالاتود ان تسمعه من اغاني او اخبار  او برامج، كلها ليست في قائمة ماتود مشاهدته او سماعه.
تقضي ساعات طويلة وانت غائب عن الشاشة ومغيّب عنها،اياما وليالي وانت ليس في الشاشة،كلٌ يُدلي بدلوهِ وانت لاصوت لك.
انت غائب ومغيّب،لاأحد يذكرك،لاأحد يعرف بما تفكر،لاأحد يعرف عنك شيء.
تدور الدنيا بما فيها عليك،ظلما وقسوة وتهجيرا وابعادا وخطفا،ومامن صوت يعلو في الفضاء ينطق بأسمك.
تصور هذا المشهد اليومي يمرُّ عليك دون ان تكون هناك قناة مثل عشتار موجودة بين القنوات،انت ساعتها ستكون مضطرا ومرغما ان تسمع مالاترغب،ان تسمع انت  واولادك معك، ستسمعون جميعا مرغمين مالا تحبون ان تسمعوا .
 كل الاغاني على الرغم من جمالها ليست اغانيك.
 كل اللغات جميلة هي الاخرى لكنها ليست اجمل من لغتك .
سيحفظ اولادك مالايدخل بقوة الوجدان مثلما لو كانت الكلمة او اللحن  منهم واليهم .
اللغة تعني تاريخ وحكايات واقارب واحبة.
اللغة تعني ماضي وحاضر ومستقبل .
تصور انك تقضي ساعات امام الشاشة ولاتسمع فيها لغتك،هذا يعني انك لن تسمع لغة جدك وامك وابيك.
عشتار وجودها لم يكن فائضا وليس فائضا،وليست رقما عابرا بين القنوات، عشتار جاءت في اللحظة التي كان ينبغي فيها ان تأتي،بعد أن ازدحمت الشاشة وازدحم الفضاء بكل الاصوات واللغات،وانت وحدك بلا صوت في هذا الفضاء .
فجاء صوت عشتار ، ليكون صوتك بين كل الاصوات .
لم يكن صوتها نشازا ، ولا ضعيفا ، ولا خائفا ، ولا مترددا ، كان صوتها معتدلا ، نظيفا ، صالحا لان يُسمع من قبل الجميع حتى من الاعداء ، فكيف بالاصدقاء .
اختارت عشتار ان تكون صوت الماضي والحاضر والمستقبل ، لانها ليست كبقية القنوات ، هي تعكس ضمير شعب حي ، شعب عريق ، تعكس ازمنة وحضارات مرت ومازالت تثير الدهشة والحضور .
هي صوت الذين يعملون بصمت ويكتبون بصمت ويقترحون صورة جميلة للحياة بصمت،هي صوت اصيل وليس صوتا مستعارا ، ولاصوتا بالنيابة عن اخرين ، ولاصوتا يدّعي، ولاصوتا يرتجي،ولاصوتا يقلب الحقائق،او يدعي امتلاكه الحقائق،هي صوت يعبر عن صوتها ولايعبر عن صوت آخر، صوتها صوت شعبها،صوت السنين والعقود والقرون التي مرت هنا على هذه الارض،صوت الصفحات التي طواها النسيان المتعمد،صوت المخطوطات والكتب الثمينة التي تحكي مااخفاه الاخرين عمدا. صوت الجدران  والاحجار والرمال التي تختزن الاف الحكايا ، والاصوات التي مرت هنا ، وغنت هنا ، وحرثت ، وزرعت ، ودافعت ، ونزفت ، وضحت هنا .
عشتار اردت ان تكون تلك الذاكرة المعرّضة للنسيان المتعمَّد،هي ذاكرة بلاد مابين النهرين دون رتوش ولاتزييف،ولاتحريف.
ذاكرة التاريخ قبل ان يُنتهك،قبل ان تطعنه الخناجر والسيوف حتى يموت ويختفي .
ماذا لو لم تكن عشتار موجودة في الفضاء؟
ماذا لو لم يتحمل من ابتدع الفكرة مسؤولية ان يبعث فيها الحياة،ان يطلق صوتها ؟
من سيؤرخ الذي جرى ؟
من سيحتفظ به وثيقة ادانة ضد من يدعي براءته من الجريمة؟
ضد من تعمّد ان يزيح شعب عريق عن ارضه وتاريخه  ؟
هذا العالم بات صورة،إن لم تمتلك هذه الصورة فأنت غائب ومغيب،وسيقف بدلا عنك في الصورة من هو لاقيمة لوجوده،وسيقف من يسعى لان تكون غائبا عن الصورة ، وسيقف من لايستحق ابدا ان يكون في الصورة .
عشتار صورةٌ ، وثيقةٌ ، حقيقةٌ دامغةٌ سجلت كل لحظة ، كل دمعةٍ ، كل صرخةٍ ، كل زهرةٍ ، كل فرحةٍ .
تراكمت عشرات الصور ، بل مئات والاف الصور ،كان الجميع فيها : الاجداد والاباء والابناء والاحفاد ، كلهم في الصورة يقفون ، بملامحهم ، بصوتهم ، بكل ما يكشف عنهم ، فمن يستطيع بعد اليوم ان يمحوالصورة كما تم محو الكثير من الصور بالامس .
عشتار هي الوثيقة الدامغة التي لاأحد يستطع ان ينكرها ، او يتجاهلها ، مئات الاشرطة بملايين الصور التي توثق كل لحظة وكل خطوة ،لهذ الشعب ، اينما كانوا واينما فرحوا واينما شعروا بالقهر واليأس والاجحاف . .
فماذا لو لم تكن عشتار ؟
اين سييكون هذا الشعب في هذا الفضاء ؟
 من سيصغي له ؟
 ومن سيخصص له وقتا  لكي يُفضي بما لديه من هموم والآم وشجن ؟
بات العالم بلا مشاعر ، بلا ذاكرة انسانية ، بات قاسيا جدا ،وجاحدا جدا ، وغليظا جدا ، فإن لم تكن تملك بيديك فنا وثقافة وووسائل تعبر بها لتواجه هذه البلادة وهذه الغشاوة فلن يلتفت اليك احد ،فكانت عشتار هنا ، في هذا الموقف ، في هذه اللحظة من التحدي ، في هذه اللحظة من اعلان الصوت ،وكم كان صوتا عاليا ونقيا كما هو الشعب الذي تعبر عن عنه .
لم يكن الطريق امام عشتار مفروشا بالورد ولا المال حتى يتحقق كل شيء بسهولة كما قد يظن البعض ، المسألة ليست فقط تكمن في المال ، وإن كان المال عصب الحياة ، والجسر الذي يوصلك الى ماتريد ان تصل ، لكن إن لم تكن تملك الوعي ، ولاتملك الارادة ، ولاتملك الذكاء ، فلن تتمكن من عبور هذا الجسر .
 الطريق شائك جدا وصعب جدا لكي توصل الحقيقة الى العالم ، ليس مهما الحقيقة فقط ، بل المهم كيف ستقولها ، بأي طريقة ، بأي اسلوب ، بأي شكل ،حتى تتمكن من ان تكون واضحا وطبيعيا امام الاخرين ،حتى يصدقوك، ويثقوا بما تقول.
عشتار وضعت كل هذه الصعوبات والعقبات امامها،وادركت منذ الخطوة الاولى صعوبة المهمة،وصعوبة ان تجد من يتحمل هذه المهمة ففتحت ذراعيها وابوابها ونوافذها للجميع ، امام جميع من يملك القدرة والكفاءة على تحمل المسؤولية الفنية،فكان خطابها يمشي بهدوء وعقلانية دون بهرجة ولاتزويق ولاتزييف،لكنه خطاب يملك الكثير من الاتزان،والكثير من البساطة.
وصلت عشتار الى مالم تصل اليه وسيلة اخرى، وصلت االى القارات الخمس ،صوتها كان في كل بقعة من هذه القارات ، فهل تتخيلوا الصورة التي اقدمت عليها عشتار ، إنْ هنا وإنْ هناك.
كانت في اقصى الارض،في ابعد نقطة يعمل او يجلس فيها واحد من هذا الشعب غريبا ، منفيا عن ارضه ووطنه ، ليجد من يخاطبه بلغته ، وبصوته ومفرداته التي يشتاق الى سماعها وهو محاط بصقيع الغربة ..
عشتار دقت الابواب والنوافذ في الليل والنهار ، في ايمّا مكان كان فيها ابناء هذا الشعب الاصيل،لم تتركهم يشعرون بالنسيان،ولم تتركهم يشعرون بالوحدة ،فجمعتهم على مائدة واحدة،على اغنية واحدة،بعد أن كانوا يشعرون بالحسرة والغربة ولاأحد يخاطبهم من ارضهم بلغتهم،لاشيء اقسى على الانسان من ان يشعر بأنه وحيد ، او منسي ، او هامشي ، وما من احد يلتفت اليه ويصغي الى مايقول .
عشتار كانت في كل زاوية منسية من هذا العالم ، في كل بقعة يوجد فيها واحد من هذا الشعب الاصيل الكريم ، لم تشح بوجهها عن احد ، كانت مع الجميع حتى مع الذين لم يكونوا معها ، حتى مع الذين لم تعجبهم عشتار ، الكل كانوا على مائدتها ، يجتمعون .
 فماذا لو لم تكن عشتار ؟
عشرة اعوام مرت ولم تتعب عشتار من العمل ، عشرة اعوام ولم تتوان عن بذل كل ماتستيطع لكي تنقل مايدور ومايحدث ،سجلت كل شيء ووثقت كل شيء .
كانت مع الحدث العابر والحدث الجلل ، لان رسالتها ان تكون امينة وصادقة وموضوعية مع مايجري .
لم تنجرف الى الانفعال ، ولا الى ردود الافعال ، حرصا منها على ان تكون حكيمة في مسارها بعيدة عن المهاترات ، وبعيدة عن كل مايمكن ان يزيد الخلاف خلافا .
رسالتها كانت ولم تزل مهنية وحرفية ، رغم حجم وضخامة المسؤلية التي تتحملها .
فماذا لو لم تكن عشتار ؟
من سيلعب هذا الدور ؟
وهل سيلتزم بما التزمت هي به من مصداقية في القول ؟
وهل سيكون حاضرا في كل لحظة ومكان مثلما كانت عشتار طيلة عشرة اعوام .؟
لم تنتظر من الاخرين ان يكتبوا عنها تجميلا وتزيفيا ومجاملة ، كانت تعمل طيلة هذه الاعوام ، ولم تكن تنتظر من احد جزاء ولاشكورا ، ونحن العاملين نشهد على ذلك ، بكل امانة ، رغم انها تلقت الكثير من الطعن ، لكنها التزمت الصمت عفة ، وترفعا ، لان من يعمل يدرك جيدا بأنه سيتلقى  الكثير من الاذى لانه يعمل ولانه يخطىء وهذا طبيعي .
لكن الاهم في مسيرة عشتار انها لم تتقصد  الخطأ بحق اي جهة،بقدر ماكانت تخاطب الجميع بنفس اللغة ، وبنفس الوضوح ،لان عينها كانت عليهم جميعا ،ولم تستثني احدا،ولم تنتظر الجزاء والشكر من احد،لانها مؤمنة برسالتها، ومؤمنة بما تسعى اليه خدمة لشعب كريم واصيل ،وينبغي ان تعبر عن كرمه واصالته .
ماذا لو كانت عشتار لم تكن موجودة ؟
من سيسمع الاغاني في البلاد البعيدة ، من سيجد نافذة تفتح له لكي يقول مايريد ، لكي يوصل  سلامه واشواقه لمن يحب،لأهله واصدقائه،من سيفتح له قلبه ليبث شكواه ولوعته في ديار الغربة.
من غير قناة عشتار كانت في الشوارع والبيوت والتظاهرات والكنائس  والافراح ؟  
من غير عشتار كانت مع الجميع ؟  رافقتهم عشرة اعوام ومازالت مصرة على البقاء معهم مهما كانت الصعوبات تواجهها ..
هي تدرك صعوبة المسألة لكنها لن توقف خطواتها،ولن تضعف ارادتها ولن يضعف صوتها .
وستبقى كما هي تزهو بصوتها الذي تستمده من صوت شعبها .
مضت عشرة اعوام وهاهي تدخل في عامها الحادي عشر ، وكأنها ولدت اليوم، لاتعب ولاملل  قد يبعث فيها التراجع خطوة عن مشروعها ، وستمضي كما ابتدأت ، بنفس الهمة والنشاط ، الى اعوامها القادمة ،طالما هذا الشعب حي ونابض بالحياة وبالامل ، وسترافقه الى حيث سيعود الى دياره ، وحيث سيفتح الناس ابواب بيوتهم، هناك في سهل نينوى وفي الموصل، وستشاركهم فرحة العودة الى تلك الديار،وستقف معهم وهم يضعون حجرة فوق اخرى لاعادة الحياة وترميمها من جديد .
 ستبقى معهم لتعود البسمة والفرحة الى كل القلوب التي كسرها التهجير والنزوح واكتوت بلظى البعد عن البيت والشارع والكنيسة .
سترافقهم الى بغديدا وكرمليس وبرطلة والى كل بقعة من تراب الوطن ،هذا عهدها عشتار ان تكون مع شعبها ، هنا او هناك ، وستبقى .
ستمسح معهم دمعة الحزن  
وتذرف معهم دمعة الفرح .
فماذا لو لم تكن عشتار ؟


   http://www.alaraby.co.uk/texts/2015/12/26/%D8%A7%D9%84%D9%84%D9%8A%D9%84%D8%A9-%D8%B3%D8%AA%D8%AF%D9%82-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%B3-%D9%81%D9%8A-%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D9%8A%D8%AF%D8%A7
 رابط النص في صحيفة العربي الجديد 
26 ديسمبر 2015
 الليلة ستدق الاجراسُ في بغديدا*

                                     مروان ياسين الدليمي
                                    
1-   

اراها هنا ، وإنْ كنتُ بعيدا عنها
كما ارى السماء ، كل  لحظة
اراها  ، هناك  ، في نفس مكانها
بصمتها امام الله
بفراشاتها ساعة الغروب .

كل يوم تأتيني 
تلوّح لي قبل ان انام ..

لن تختفي مهما اطاح الحزن بي
لن تختفي مهما علا الغبار دكّة صلّيت فوقها
لن تختفي مهما شحَّ الغيم باناشيده .


في اخطائي الجميلة تختفي 
في الطيور تدق كل صباح على نافذتي لتوقظني من النسيان
بغديدا تختفي .

صامتة تدق النواقيس ، هذا اليوم 
صمتها صوتها في المدى ، يدور
هنا بغديدا
هنا بغديدا
كأنها رذاذُ ماءٍ باردٍ، يتطاير من ثيابٍ تنفضها امرأة على وجوه اطفالها الفرحين الصغار فوق سطح الدار قبل ان تنشرها على حبل الغسيل.

هنا بغديد ا
وهناك اولاد  يقفون خلف النافذة ،يتلصصون على ظلال الأمس
جدّنا كان هنا ، على تلك الرابية يشخر ساعة يشاء
هنا رجل كهل ، كَم مِن حروب مرَّت عليه،فكان يشطبها بحكاية يسلي احفاده  بها .

مهما اسودت الليالي كعشبٍ احرقته الشمس
بغديدا بكل اناقتها ستخرج بمفردها
لاأحد يمشي خلفها
ولاأحد يحرسها
وحيدة بذاتها
وحيدة بأبنائها
وهذا اقصى أمانيها .




2-
هذه الليلة كأنّي اسمع النواقيس من هناك تدق
 ونواقيس العالم كلها تردد الصدى

اتعثّر رغم البرد بسخونة الليل  
اترك روحي تهيم عند ذاك الجدار المهشم خلف دارنا
حيث التراب طريا
والاحجار
كلما ابتعدتُ عنها تشتاق لي.


الليلة مع رنة  النواقيس اسمع اسمي
ليس اسمي انا وحدي
بل اسماء كل اصدقائي
جوزيف وخوشابا ودانيال وماركريت

ستذكرهم رنة النواقيس رغم كثرتهم
واحدا
واحدا .

كما لوأنّها عطشى ،سيعلوا صوتها
ستدق الهواء الى ان يشرق الصباح
و من العذاب سيسقط الغزاة صرعى.

ليس ظلاما في بيتنا ذاك الذي يرقد عند اطراف الناحية
ليس عتمة تلك التي تسد الطريق الى باب الكنيسة
كل شي كما لو ان لاشبيه له يبدو هناك.

ستمر العربات وهي تئن من ثقلها تحمل حكمة اجدادنا
أمام كل بيت ستقف ، ترمي شيئا من بضاعتنا على العتبة
مع كل دورة يعلو صوت العجلات ليوقظ التراب المكدس على النوافذ .


الليلة ستدق الاجراس في بغديدا ليس كما اعتادت ان تنادي على ابنائها منذ مئات السنين.
ستناديهم باسمائهم  
ستكرر النداء ،مرات ومرات
لانها تعلم جيدا ان في نداءها سيموت الاعداء قبل ان يهدموا الكنيسة .
*بلدة سريانية في محافظة نينوى شمال العراق يقطنها أكبر تجمّع للعراقيين المسيحيين، تتوسّطها سبع كنائس وعدد من الأديرة التاريخية والتلال والمناطق الأثرية، استولى عليها "داعش" بعد سقوط الموصل قبل عام ونصف، فنزح أهلها إلى إقليم كردستان العراق.


مُختصر مُفيد : دستوريا ، اصبحت خيرات البلد حقّ إلهي مقدّس للمغتربين العراقيين (المجاهدين) في جنائن اوربا المقدّسة الى عاشر ظَهر . أمّ...