الاثنين، 29 فبراير، 2016




 صحيفة رأي اليوم http://www.raialyoum.com/?p=398168

مابين مودروس وداعش تتأرجح الموصل  

 marwan-yaseen-delimi.jpg777

مروان ياسين الدليمي

هنالك تواريخ تبقى تلعب دورا كبيرا في حياة الشعوب رغم تقادم الزمن عليها إلاّ انها لم تفقد قدرتها على توجيه الحاضر والمستقبل رغم أن شخوص تلك التواريخ غابوا عن مسرح الاحداث .

الاسباب التي تجعلها على هذا المستوى من الأهمية والتأثير والعمق في تحديد الافعال وردود الافعال المستقبلية للشعوب،عادة ماتكون مختلفة،بعضها واقعي ومرتبط بالظروف (سياسية ،جغرافية ، اقتصادية الخ ) وبعضها متخيل ساهمت المخيلة الجمعية في تشكيله والايمان به على انه حقيقة واقعة .

السؤال الذي يفرض نفسه هنا : الى متى يمكن ان يبقى تأثير تلك التواريخ قائما ؟

التكهن بالجواب بشكل مطلق غير ممكن ،وتبقى الاجابة  مرهونة بتوفر ظروف موضوعية تفرض منطقها بالشكل الذي تحدُّ أو توقف هذا التأثير .

العقدة في التاريخ

في تاريخ مدينة الموصل هنالك رقم يشير الى حدث تاريخي يعود بنا الى مائة عام مضى إلاّانه مايزال حتى هذه اللحظة يمارس فاعليته على مصير ومستقبل المدينة،لعل من يدرس التاريخ يدرك جيدا دلالة  18 / تشرين الاول / 1918 .

في هذا اليوم عقدت معاهدة (مودروس) مابين الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الاولى(بريطانيا وفرنسا )،والدولة العثمانية التي خرجت تلعق جراح هزيمة كبيرة لحقت بها في تلك الحرب ،وقد نص القرار السادس عشر من المعاهدة على استسلام الجيش العثماني في دول المشرق واليمن والحجاز.

المعاهدة المذكورة لم تعين الحدود الجنوبية للدولة العثمانية ،كما ان الجيش البريطاني ساعة توقيع الاتفاقية لم يكن قد دخل الموصل وتأخر دخوله المدينة حتى 15 تشرين الثاني 1918 أي بعد 16 يوما من تاريخ ابرام المعاهدة ،من هنا بدأت مايعرف تاريخيا بمشكلة الموصل.

بينما كانت مدن العراق تحت سلطة الاحتلال البريطاني منذ دخوله البصرة عام 1914لم ينضم لواء الموصل الى العراق حتى قررت عصبة الامم المتحدة ذلك عام 1925 بناء على الاستفتاء الذي اجري فيها ، علما بان العراق ايام الامبراطوية العثمانية كان ينقسم الى ثلاثة الوية(البصرة ،بغداد ،الموصل) ولواء الموصل كان يضم اربيل والسليمانية ودهوك وهي مدن ذات غالبية سكانية كوردية لعبت اصواتهم  دورا حاسما في الاستفتاء بأن تكون الموصل جزءا من دولة العراق وليس جزءا من تركيا .

طيلة العقود الماضية كانت تركيا تعاود بين فترة واخرى فتح  ملف مشكلة الموصل  مطالبة بها او للضغط من خلالها على الحكومات العراقية المتعاقبة لتحقيق ماتصبو اليه من اهداف وقد تجلى بشكل واضح هذا الضغط في منتصف ثمانينات القرن الماضي عندما عقدت اتفاقية مع الحكومة العراقية عام 1983 تمنحها الحق في ان تتوغل داخل الاراضي العراقية لمسافة تصل الى 15 كم  لملاحقة عناصر حزب العمال الكوردستاني الذي يخوض صراعا مسلحا مع الدولة التركية من اجل اقامة حكم ذاتي للكورد في جنوب شرق البلاد،ويتحرك الحزب في الشريط الحدودي الممتد مابين اقليم كوردستان العراق والاراضي التركية لتنفيذ عملياته العسكرية التي يستهدف بها الجيش التركي.

الماضي لايموت

مع اقترابنا من العام  2017  يكون قد مضى 100 عام على اتفاقية مودروس ولتعود مشكلة  الموصل مرة اخرى الى واجهة الاحداث على خلفية الاستعداد لتحريرها ،وليضاف هذا الملف التاريخي  الى ملفاتها ، واهمية مشكلة الموصل (ببعدها التاريخي) تأتي من إرتابطها بالصراع الدائر مابين اطراف محلية واقليمة حول من يشارك في خطة تحرير المحافظة من تحت سلطة تنظيم الخلافة (داعش ) . فالاتراك يريدون أن يكون لهم حضور واضح وقوي في مستقبل الموصل ،وكانت علامة ذلك مساعدتهم لمحافظ نينوى الاسبق اثيل النجيفي على تشكيل فصيل مسلح تحت عنوان (الحشد الوطني) قوامه عشرة الاف مقاتل من ابناء الموصل وغالبيتهم من العرب السنة .

بنفس الوقت يأتي هذا التحرك التركي ليس بمعزل عما يجري من صراع سياسي وعسكري بين جبهة تضم روسيا وسوريا وايران مقابل جبهة تضم  تركيا والسعودية وقطر والامارات،لذلك  يأتي  التحرك التركي في اطار محاولة اردوغان مواجهة مااستطاع ان يحققه الايرانيون من نفوذ سياسي في المنطقة اضافة الى الحضور العسكري الذي تحقق على الارض من خلال  الدعم والمساندة البشرية والتسليحية لنظام بشار.

إن الايرانيين فيما لو استطاعوا النجاح في مسعاهم الذي يهدف الى ابعاد الاتراك عن معركة تحرير الموصل عبر الضغط الذي تمارسه الحكومة العراقية بالنيابة عنهم  ــ هذا اضافة الى  تأكيد مشاركة الحشد الشعبي الذي يدين عديد من فصائله المسلحة بالولاء لها لاسباب عقائية ومذهبية وماتتلقاه منها هذه الفصائل من دعم مادي وتسليحي واستشاري ــ عندها تكون قد فرضت هيمنتها على جميع مدن العراق من البصرة وحتى الموصل.

هنا لابد من التذكير بان الموصل هي المدينة العراقية الوحيدة التي لم تطأها اقدام المستشار قاسم سليماني حتى الآن، فقد صال وجال سليماني في معظم مدن العراق كمستشار عسكري كبير،وخاصة تلك التي شهدت معارك طاحنة ضد تنظيم (داعش )، وفيما لو تمكنت ايران من ذلك عندها سيعدُّ هذا نصرا لها بشكل او بآخر وتتويجا رسميا بتمدد نفوذها على كامل الارض العراقية بما فيها الاراضي التي  يسكنها غالبية عربية سنية ، بينها وبين نظام ولاية الفقية حساسية شديدة تصل حد العداء.

وفق هذه المعادلة نستبعد اقليم كوردستان العراق الذي سيبقى في المرحلة الراهنة بمنآى عن تطلعات ايران وطموحاتها البعيدة طالما كان المناخ العام للأقليم لم تتوفر فيه من العناصر ماتثير العداء مع نظام طهران .

متغيرات الحرب السورية

التخوف التركي تضاعف خلال فترة الاشهر الثلاثة الاخيرة بعد أن استمكنت قوات حماية الشعب الكوردية بقيادة صالح مسلم، من السيطرة على مساحة واسعة داخل الارض السورية خاصة في جبهة حلب ،بذلك امست على بعد كيلومترات معدودة من الحدود التركية،وهذا يعني ان تركيا ستواجه صعوبات شديدة في الحد من اقامة كيان كوردي في شمال سوريا لاتبدو صورته بعيدة . وسيشكل بذلك هذا الكيان حسب قناعتها الراسخة خطرا كبيرا عليها بما سيحدثه من تأثير على الولايات الكوردية التركية التي تقع في جنوب شرق البلاد ،خاصة وان طموح سكان هذه الولايات (الكوردية التركية )بالحكم الذاتي او الاستقلال عن تركيا يبقى حلما ابديا لن يموت في داخلهم مهما طال الزمن ومهما ازدادت المعركة شراسة ودموية بينهم وبين الحكومات التركية  المتعاقبة.

ليست القضية محلية

من هنا يمكننا النظر الى قضية تحرير الموصل بتعقيداتها التاريخية والدولية وهذا ما يزيد من صعوبتها،ومن الخطأ النظر اليها من منظور بسيط يختزلها بقضية استعادتها من تنظيم الخلافة (داعش) بعد أن كانت قد سقطت تحت سلطته في 10 / 6 / 2014 على اثر انسحاب الجيش العراق منها دون ان يقاتل دفاعا عنها .

ولو كان الامر مقتصرا على قضية تحريرها من (داعش )فقط ،عندها سيكون  كل مانشهده من حرب كلامية حامية الوطيس بين الاطراف المحلية العراقية والاقليمة لايستحق ان يأخذ هذا الحيز الكبير من الاهتمام والجدية سواء من الاطراف نفسها او من قبل المراقبين للأحداث.

المسألة تتعدى الصراع الكلامي مابين حكومة العبادي التي تصر على ان يشارك في تحرير المدينة مايسمى بالحشد الشعبي  والاطراف العربية السنية التي ترفض مشاركة الحشد مبررة ذلك بسبب خشيتها من ان تتكرر احداث السلب والنهب والحرق وعمليات الانتقام  التي ارتكبت في محافظة صلاح الدين اثناء وبعد تحريرها من قبضة تنظيم الخلافة (داعش)رغم تأكيد قيادات الحشد بأن من ارتكبها لايمثل الحشد وماهي إلا ممارسات فردية شاذة لاينبغي على اساسها الاساءة الى  تضحياته وهو يخوض معركة وطنية ضد تنظيم الخلافة (داعش ) .

يذكر بهذا الصدد ان الحشد الشعبي تأسس بموجب دعوة من مرجعية النجف الشيعية على اثر سقوط الموصل وصلاح الدين والانبار ومعظم افراده من الطائفة الشيعية مع وجود تشكيلات رمزية من العرب السنة ومن المسيحيين .

إنَّ مخاوف العرب السنة لها مايبررها فالحوداث التي جرت اندمغت بصبغة طائفية لايمكن تجاهلها او نكرانها ، خاصة وأن الاهازيج التي كان يرددها مرتكبو تلك الانتهاكات والتجاوزات  اثناء تنفيذها  توحي لدى المراقبين وكأن  المعركة التي يخوضونها ليست لتحرير ارض عراقية من دنس عصابات ارهابية خطرها يمتد ليشمل الجميع دون استثناء بقدر ماكانت تعبر عن صدى لمعركة تاريخية جرت وقائعها قبل 1400 عام مابين اتباع الحسين وجيش يزيد بن معاوية .

على ذلك ومن وجهة نظر العرب السنة ليس من المقبول أن تُعَد تلك الحوادث على انها تصرفات فردية أو حوادث عابرة ،بل على العكس من ذلك يجدونها من الخطورة الشديدة سواء في وحشيتها أو في نتائجها وابعادها واستمرار تكرارها مايدفعهم الى ان يشعروا بتخوف شديد من تواجد عناصر الحشد في مناطقهم . هذا اضافة الى عدم اتخاذ اي اجراء واضح ينزل العقاب بمن ارتكب تلك الحوادث سواء من قبل الحكومة أو قيادة الحشد الشعبي  .

الصفقة خلف الكواليس

ملف تحرير الموصل من قبضة داعش يحمل بين سطوره وخلفها وداخل صفحاته ما اشرنا اليه من تقاطعات وصراعات محلية واقليمية ،وهي التي كانت سببا جوهريا في تأخر عملية تحريرها ،لان تداعيات تحريرها تتجاوز حدود المدينة الجغرافية الى ماهو ابعد من ذلك بكثير ومرتبط بالصورة التي سيكون عليه العراق من بعد تحرير الموصل، وهي بكل الاحوال لن تكون لها علاقة  بصورة العراق / الدولة ، التي تشكلت عام 1921 ،انما (عراقات)جديدة  ــ إن صح هذا المصطلح  ــ ستولد من العراق الموحد القديم الذي عرفناه وعشنا بظله .

اذن مشكلة الموصل التاريخية اكبر اهمية بكثير من عملية تحريرها،وطالما الامر يبدو لنا على هذه الصورة فلن تبدأ إذن عملية تحريرها قبل أن ينضج ما يجري خلف الكواليس من عمليات تفاهم وتقاسم،بموجبها يتم رسم وجودها وهويتها وحدودها وسط عمليات شد وجذب ابطالها اللاعبون الكبار فقط .

أما فيما يتعلق بنا  نحن الصغار ــ اغلبية واقليات، شعبا وحكومة ــ فما علينا سوى ان نهز رؤوسنا علامة على اننا لاحول لنا ولاقوة بما جرى بنا ،ومايجري من حولنا .

كاتب عراقي

الجمعة، 26 فبراير، 2016


جميعهم ينتظرون !
ان تسحق داعش كل شيء جميل وثمين في الموصل.ولاتبقي على اي شيء ، عندها سيبدأون الهجوم ( اليوم تم تدمير كل التراث الحضاري الاشوري في المدينة وقبل اسبوع احرقت المكتبة العامة التي كانت تضم الاف المصادر والوثائق ) . .
فهل ازفت ساعة التحرير الكاذب ، ايها السفلة !؟ . .
وشكرا للبخاري وابن تيمية ومالك وبن حنبل، شكرا لكم ، لانَّ اتباعكم انهوا المهمة الموكلة اليهم بكل امانة واخلاص . . فقد حطموا كل شيء في داخلنا ،يعود لكم ولفكركم الذي كان يرقد منذ عشرات السنين في ادمغتنا وضمائرنا.

خداع النفس أم خداع القارىء 

                                                          مروان ياسين الدليمي

لم أجد في اصدارات الكتاب (الكبار )اي اهتمام في ان يذكروا بنهاية كتبهم سيرتهم الذاتية،بينما اجد لدى كثير من كتابنا،حرص شديد على ان يثبِّتوا سيرتهم الذاتية مع كل اصدار جديد لهم،وان يذكروا فيها كل شاردة وواردة إبتدأً من :رقم حذائهم،غذائهم المفضل،اسماء اولادهم واحفادهم ونسبائهم.! ويبدو لي ان هذا السلوك وهذا التقليد ،لاعلاقة له بالتوثيق والارشفة التي يدَّعونها،إنما هي ــ وحسب قناعتي ــ محاولة رخيصة وساذجة لخداع البسطاء من القراء،لإيهامهم على انهم يقفون امام كتاب(كبار )يملكون تاريخا من الدروع والسيوف والخناجر والشهادات والانجازات والتكريمات والمشاركات.بينما حقيقة الامر،ليس هنالك من قارىء واحد من عامة الناس ــ وليس أصدقاء وحاشية الكاتب من المثقفين والنقاد ـــ نجده حريصا على قراءة اصدار واحد لهذا الكاتب (الجهبذ السامق ) أو حتى يعرفه او سمع بأسمه ! . في مقابل ذلك نجد حتى هذه اللحظة حرص القارىء البسيط على قراءة روايات نجيب محفوظ على سبيل المثال،او غيره من الاسماء الاخرى التي غابت عنا جسدا،لكنها مازالت تملك حضورها وتأثيرها رغم ماحصل من متغيرات في اساليب ومناهج تقنيات الكتابة .

- هل تَرى الأملْ ؟
- لستُ أفهَمْ ، مَاذا تَقصد !


لماذا نكتب ؟
- أنا اكتب لكي أستعيد ذاتي من لصوص الحياة

http://www.raialyoum.com/?p=395972 رابط المقال في صحيقة راي اليوم

العراق: عندما تكون الجلسة سرية !

 marwan-yaseen-delimi.jpg777

مروان ياسين الدليمي

مع أنَّ ماترشح من غسيل الحكومات العراقية المتعاقبة بعد العام 2003 معظمه يبعث على الخجل ،وماعاد خافيا على احد ،سواء في داخل البلد او خارجه إلاّ أن قصور الفهم والرؤية التي يتمتع فيها ساسة العراق الجديد (دهائهم يتجلى في السرقة وتخوين الاخرين ) جعلهم يتصرفون دائما بعناد وغرور وسطحية بالشكل الذي يفضحون به انفسهم. هذا ما يمكن استنتاجه من جلسة  مجلس النواب العراقي التي عقدت  يوم الاثنين  22/ 2 / 2016 والتي استضاف فيها محافظ البنك المركزي ووكيل وزير المالية،وممثلو جهاز المخابرات وديوان الرقابة،ليقدموا مالديهم من معلومات عن الاموال العراقية المهربة الى الخارج.

هذا التحرك بايقاعه السريع من قبل البرلمان لملاحقة اللصوص والفاسدين سعيا لاستعادة ماتم نهبه من اموال ليس من سمات عمل البرلمان العراقي الذي خضع طوال مسيرته الى مايتم الاتفاق عليه خلف الكواليس أواثناء فترة الغداء والاستراحة في كافيتريا البرلمان مابين الكتل والاحزاب التي ينتمي لها اعضاءه قبل الدخول والجلوس تحت قبة البرلمان للتصويت على القرارات .

لو لم يخضع عمل البرلمان الى منهج الصفقات السرية التي تتم بين اعضائه لما انتعش الفساد الى مرحلة اصبح فيها العراق يتصدر قائمة الدول الاكثر فسادا في العالم دون ان يبتعد عن المراكز الثلاثة الاولى خلال الاعوام الخمسة الماضية .

الصفقات المشبوهة لن تشمل فقط المشاريع والمقاولات التي تنهال منها الدولارات بل تتعداها الى القضايا الامنية التي تمس سيادة ومستقبل البلاد كما جرى في موضوع التقرير النهائي الذي اصدرته اللجنة الامنية في البرلمان العراقي حول اسباب سقوط الموصل فبعد ان صدر التقرير الذي اشار وعلى استحياء الى شبهات تحوم حول عدد من المسؤولين الحكوميين وحملتهم مسؤولية سقوط الموصل وقد صل عددهم الى اكثر من 30 مسؤولا، ابتدأ من رئيس الوزراء السابق نوري المالكي ونزولا الى مسؤولين محليين صغار في مجلس محافظة نينوى ، إلاّ أننا نتفاجأ بعد اسابيع معدودة من رفعه الى مجلس القضاء الاعلى  بسحبه من ادراج المجلس ،وليطوي النسيان صفحاته ، وماعاد اي مسؤول يتحدث عنه او يذكره ولو باشارة عابرة .

هذا المثال يكفي للأطمئنان على صحة الهواجس الجمعية التي تجمع العراقيين والتي تقول لهم بأنهم قد وقعوا ضحية نخبة اتفقت على ان تبيع كل شيء في هذا البلد وحتى شعبه لم يسلم من صفقاتهم فقد تم توزيعه على دول الجوار وغير دول الجوار حسب الطوائف والملل .

بناء على ذلك يمكن تفسير مايبدو جديا في جلسة مجلس النواب هذه ، فقد اصبح وضع الحكومة حرجا جدا لم تمر به سابقا وجاء نتيجة تراكمات فشل الحكومات السابقة طيلة الاعوام العشرة الماضية لتصبح امام مفترق طرق كلها ستطيح بها إن لم تفعل شيئا يعينها لمواجهة ماهي عليه،فبعد ان كانت الميزانية السنوية لعام 2015 قد وصلت الى مايعادل(95) مليار دولار،وجدت الحكومة نفسها تستدين من صندوق النقد الدولي ولمرتين في النصف الثاني من العام نفسه،في المرة الاولى اقترضت (مليار و900 مليون دولار)،والثانية(مليار و200 مليون دولار) !.

هذه المحنة التي اصبحت عليها الحكومة العراقية برئاسة العبادي جعلها (تُنَخْبِش في سوالف عَتِيكه ) كما يقال بالمثل الشعبي العراقي اي بمعنى تبحث في دفاترها القديمة لعلها تعثر فيها على مايمدها بخيط من امل يخرجها من مأزقها وإلا ستكون النتائج اولا وخيمة عليها وثانيا على الناس،خاصة وان العراقيين قد وصلوا الى مرحلة من الغضب ماعاد ممكنا فيها  أن يتحملوا الجوع اضافة مايتحملونه من دماء منذ عشرة اعوام في معركتهم التي يخوضونها ضد العصابات الارهابية المتطرفة ابتدأ من القاعدة  ومرورا بالميليشيات الطائفية وانتهاء بتنظيم الخلافة (داعش) .

لقد فقد العراقيون الثقة نهائيا بكل الطاقم الحكومي الذي يدير الدولة منذ العام 2003  بعد أن فشل تماما هذا الطاقم ــ غالبيته يحمل ايدلوجية طائفية ــ في ادارة شوؤون الحياة ، واتضح نجاحه فقط في الكذب عليهم وتضليلهم بشعارات الديمواقراطية والحرية والعيش الرغيد ،وأثخن حياتهم بجراحات عميقة كانت سكينها طائفية مسمومة  .

 من هنا جاءت دواعي استضافة مجلس النواب لمحافظ البنك المركزي ووكيل وزير المالية،وممثلو جهاز المخابرات وديوان الرقابة،لعلهم يقدمون اشارة تنير الطريق في كيفية استعادة الاموال التي هربها عديد من المسؤوليين العراقيين وتبلغ  (15 )مليار دولار تم تهريبها خلال( 12 ) عام مضت بعد سقوط نظام البعث ،هذا اضافة الى الاموال التي سبق ان اودعها النظام السابق في بنوك عدد من الدول الاوربية .

مجلس النواب العراقي عودنا منذ تأسيه على نقل جلساته على الهواءمباشرة ،وهذا ماكانت عليه هذه الجلسة ،لكن تم قطع البث ما أن بدأ السادة الذين استضافهم المجلس،بعرض قائمة باسماء الشخصيات الحكومية المتورطة بتهريب الأموال،هنا وقعت النوايا امام الامتحان الصعب فما كان ممكنا ان يتم كشف الاوراق ،لان في ذلك سيكون خروجا على السيناريو المتفق عليه بين جميع الكتل المشاركة في العملية السياسية لذا قررت رئاسة البرلمان أن تحول الجلسة إلى سرية،كما أوصت  النواب الحاضرين ان يبلغوا الغائبين منهم بعدم الكشف عن أي معلومة تذكر في هذه الجلسة.

هذا الاجراء ــ رغم كل التبريرات التي قد تقدم لتمريره ــ والتي قد تبدو مقنعة من الناحية الشكلية كأن يقال مثلا أن المتهم برىء حتى تثبت ادانته لذا لايجوز التشهير باسماء مسؤولين كبار قبل ان يثبت الجرم عليهم ،أو يقال إن اهمية المعلومات تستدعي الحفاظ على سريتها خشية أن يهرب المتورطون الى خارج العراق فيفلتوا من العقاب كما حصل مع مسؤولين سابقين  ثبت تورطهم بقضايا فساد فتمكنوا من النفاذ وغادروا البلد كما هو الحال مع وزير التجارة في عهد نوري المالكي فلاح السوداني،ووزير الكهرباء ايهم السامرائي،ووزير الدفاع  حازم الشعلان.

مثل هذه الحجج واهية ولاتقنع احدا بعد اليوم طالما بامكان الحكومة العراقية  ــ فيما لو ارادت ــ ان تصدر قرارا يمنع سفر اي مسؤول حكومي خلال مدة معينة تقتضيها عملية الاطلاع على المعلومات والاسماء في البرلمان والتأكد من صحة مايقدم من وثائق ومستمسكات .كما أن شبهة الفساد لم تعد قضية شاذة واستثانية في عراق مابعد العام 2003 ، فخلال الاعوام 12 التي مرت يكاد جميع المسؤولين العراقيين دون استثناء قد تم تداول اسمائهم في صفقات فساد وخاصة الكبار منهم،ولدى معظم العراقيين مايكفي من المعلومات التي حفظوها عن ظهر قلب لكثرة ماتم تداولها في وسائل الاعلام المرئي والمقروء تتعلق بكل واحد من افراد الطاقم الحكومي والبرلماني والحزبي،ولايحتاج اي باحث عن ادلة لكي يجهد نفسه ليكتشف حقيقة الساسة ومدى تورطهم بقضايا فساد ،فمن دخل منهم بغداد حافيا  يهرول خلف الدبابات الاميركية  في 9 / نيسان / 2003 اصبح اليوم يعد في قائمة اثرياء العالم ،بعد أن كان معظمهم  عاطلين عن العمل يعيشون على ما تتصدق به عليهم عدد من الانظمة والدول المجاورة للعراق ايام كانوا يقيمون في طهران او حي السيدة زينب بدمشق ،واليوم باتوا يملكون قصورا وشركات وفنادق ومستشفيات خاصة في لندن وبيروت وكندا واستراليا واميركا وارصدة في البنوك العالمية لاأحد يعلم ارقامها .

هذه ادلة كافية للقضاء ــ فيما لو كان القضاء العراقي نزيها وليس متورطا مع هذه النخبة ــ  حتى يستدعيهم ويسألهم عن مصادر اموالهم التي تراكمت بسرعة كبيرة لايقبلها المنطق .

وفيما يتعلق بأموال وأملاك جهاز مخابرات النظام السابق التي سبق أن اودعها العراق لدى مصارف وبنوك عالمية هي في حقيقتها عائداته من برنامج النفط مقابل الغذاء الذي كانت قد اقرته الامم المتحدة في تسعينات القرن الماضي للتخفيف من معاناة العراقيين نتيجة الحصار الدولي الذي فرضته  على العراق عقابا له على غزوه لدولة الكويت في مطلع شهر اب عام 1990.

والسؤال هنا :ماهو حجم  تلك الاموال ؟

حتى الآن لا أحد يملك معلومات دقيقة ومؤكدة عن ذلك  .

يذكر بهذا الصدد أن العراق كان قد انشأ عام 2012 صندوق استرداد الاموال العراقية وخصص له ميزانية تقدر بمبلغ قيمته  20 مليار دينار عراقي  لكنه ورغم مضي اربعة اعوام على تأسيسه لم يستطع ان يسترد اي مبلغ من تلك الاموال التي كان قد اودعها النظام السابق في البنوك الاجنبية حسب ما اعترف به المسؤولون العراقيون ،وقد كشفوا في تصريحاتهم  عن رفض مسؤولي تلك المصارف والبنوك الاجنية عن تسليم الاموال للحكومة العراقية ،خاصة وان المكافأة التي خصصت وقيمتها 10 % لم تكن حافزا مشجعا يغري مسؤولي البنوك حتى يعيدوا الاموال او يكشفوا حجمها للحكومة العراقية ،وهنايمكننا ان نتصور حجم الاموال نتيجة هذا الاصرار الذي يبديه مسؤولو البنوك،مع اننا نستطيع القول بان هذا الموقف لايخلو من سلوك ابتزازي الهدف منه الحصول على فائدة اكبر من الاموال العراقية خاصة مع توفر المعلومات لدى جميع مسؤولي الدول والبنوك في العالم عن حجم الفساد المستشري في مؤسسات الدولة العراقية ولهذا هم يعرفون جيدا ان ما يخططون له سوف يحصلون عليه إنْ آجلا أو عاجلا.

طالما سياسة التستر على رموز الفساد باقية مثلما افصحت عن ذلك رئاسة البرلمان عندما جعلت الجلسة سرية ،فلن يتمكن العراق الخروج مما وصل اليه من تدهور شمل معظم مفاصل الحياة ولن يسترد العراقيون حقوقهم التي اغتصبت طيلة الاعوام الماضية ،بل ان كل المؤشرات لاتبعث على الاطمئنان وعلى اننا ماضون الى ماهو اكثر فداحة مما دفعناه من دماء واموال واحلام .

الثلاثاء، 23 فبراير، 2016

https://www.youtube.com/watch?v=c1i0QXqPDWE
يعرض الليلة / الثلاثاء /23 / 2/ 2016 حوار مع الروائي خضير فليح الزيدي
في تمام العاشرة بتوقيت بغداد على قناة عشتار الفضائية
حاوره : مروان ياسين الدليمي
22 : BAG
19 : GMThttps://www.youtube.com/watch?v=c1i0QXqPDWE

السبت، 20 فبراير، 2016






 http://www.azzaman.com/?p=148344 رابط النص في صحيفة الزمان 20 شباط (فبراير ) 2016

هذيان أمام معطفي القديم الأسود  ـــ  نص شعري : مروان ياسين الدليمي   

أنَا الهائمُ في تبددٍ لاحدود له
لاأدري فيما إذا كنتُ أدّعي أنَّ مكانا أعرفُهُ لطالما حلمتُ به
يلتفُّ حولي مثلَ شهقةِ أمرأةٍ ساعةَ نشوتِها
لي نجمةٌ معه ُ، تنتَسبُ لي وحدي
مُذ خاطبتُ السّماءَ بلهفةٍ
وله كلامٌ مبتكرٌ معي ، مثلُ فأسٍ بيدِ حطَّابٍ يعشقُها
من فرطِ الغياب الذي باتَ  بيننا
اشعُر أنَّ في قلبي  مرارةً كأنها نَكبَة  .

هناك
يرقدُ مشدوداً بيتُنا في نفسِ  مكانهِ
طاوياً عمري في حصيرةِ ايّامِه
وحدَهم اصدقائي المهرِّجون يُتقنون المَشيَ إليه عند غيابي
في ساعاتٍ يكونُ فيها مزاجُهُم مُنتكسا كعادتِهم.
 في مرآتي التي تركتُ فيها  وجهاً يُشبهني كثيرا
الدَّغل أزهرَ بكل الألوانِ عليها
وروحي التي تُشبهُ قصَبا ندياً
هي اليوم تتعمَدُ تضليلي بأحزانٍ ليست لي
إلاّ انني ماعُدّت أقوى على التمييزِ مابينها وبين وجهٍ يحملُهُ وجهي .
الحكمةُ غَفَلتْ أن تمشِّطَ شعرَها لأجلي مثلما الوقتُ دائما يخدعُني
فيكررُ دورَتَه مثل سكين معي .

من  حولي كهّانُ القبيلةِ يرتجلون بابسطَ مايكون كلُّ ما أفكر فيه
ليس لديهم من لعبةٍ سوى أنْ يَحرثوا سيرةَ مطرٍ لايفارقُ نافذتي
ولستُ متأكدا فيما إذا كانوا يحرصون على تغطيتِهِ بمناديلَ من ورقْ
-هل قلتُ ورقْ   ؟
-نعم  ، ورقْ .
-ورق  !
 وماذا يعني فشلهم في أنْ ينجزوا مهمّةً مباركةً مع زوجاتِهم  ؟
كأنها بالنسبة لهم مجردُ خسارةٍ في لعبةِ قمار .
ماذا يعني أن تجرحَنا صحراءُهم   ؟
مجردُ خسارةٍ في لعبة  .
ماذا يعني أنْ لايكون للمدينةِ أملٌ، مثلَ  نهرٍ من الموسيقى  ؟
مجردُ خسارةٍ  .
 ماذا يعني أنْ أشكَّ في ضَياعِ نجمةِ طفولتي من يدي  ؟
 مجردُ خسارةٍ في لعبة ،
لكنها
فادحة .
 اقصى ما أكتشفُتهُ ، أنهم نجحوا في أنْ يَحقنوا سنابلَ قامتِنا بسنينَ لاتفوحُ منها رائحةُ ذكورة .

ورغم تقوّس طفولتِنا مثلَ خزائنَ قديمة ٍ،
مازال يغمُرنا فرحٌ عابرٌ كلما أخطأنا الطريق
ليسقطَ طريقٌ آخرُ بين ايدينا .
كلُّ ليلةٍ نحتمي  بحكايةٍ من غريبٍ يسكنُ بيننا
كما لو اننا نرتدي ثياباً تفوحُ منها رائحةٌ تركَها الأمسُ قبل رحيلِه  .


غالبا ماأعثرُ عليَّ  حينَ افتَقدُني
مَركوناً في زاويةٍ قصيّةٍ مِن روحي
احدّقُ بوجهٍ أراهُ ولاأراهْ
هو الآخرُ تركَ السّماءَ خلفَ ظهرِهِ
وجاءَ مع المشردين يستجدي رائحةَ التُّفاح  .


لاجدوى
ليس معي سوى قديسين متقاعدين يكتبون على الهواء :
عناوين َبيوتٍ كانوا يعرفونها
اسماءَ مواليدَ ليسَ لهم ابَاء
أرقامَ سياراتٍ مسروقة
عددَ الطائرات التي تذهبُ ثم تعودُ كلَّ ساعةٍ من فوقِ رؤوسِنا
واشياءَ كثيرةً لم يعدْ ممكنا أنْ نفتَح اذرُعَنا لها بعد أنْ ودّعت براءَتها
واقتفَتْ نداءً خافتا لاظلَّ له .


أكثرُ مما يعرفُ الحَمَامُ مشيةَ الصياد
أحتفي بحفنةٍ من ليلٍ يعرفني
يَصْلُحُ أنْ يكونَ ترياقا لأحلام ٍمركونةٍ على طاولتي
تربكُني عند يقظتِها
وأنا وحيدٌ في وحدتي .
إعتدتُ بعد أنْ تنطفىءَ  النجومُ  من الوحشة
أنْ استعيرَ صوتي من رخامٍ  مكدّسٍ على ظهرِ ريحٍ  شمالية
 أو مِن غموضِ ملائكةٍ خذلتهم محطاتُ انتظارْ
فهاموا يبحثون عن رعشةٍ
خارج الوقتِ المخصص لايصال البريدِ الى الانبياء .


لي  في كل جيبٍ من معطفي القديم الاسود
نافذةٌ تستريحُ الشّمسُ إليها من  الحر
وغيومٌ تمكثُ فيها طيلةَ الشتاء .
في  بيتِنا المُنزلقِ مِن كفيَّ
مالذي سيحطُّ على سَعفِ نخلتِنا الوحيدة
مِن بعد انتظارٍ يَشيخُ افلاطون على دكّةِ ايّامِه  ؟

الأربعاء، 17 فبراير، 2016



http://www.raialyoum.com/?p=391184 رابط المقال في صحيفة راي اليوم

العراق: لا أملَ في إصلاح جَسد أصابهُ العَفَنْ

marwan-delami77

مروان ياسين الدليمي

المحاصصة الطائفية في العراق تتلقى هذه الايام سيلا جارفا وجارحا من التهم لايتوقف طيلة ساعات البث التلفزيوني، يأتي ذلك في خضم الحديث عن إصلاحات يزعم العبادي رئيس الوزراء العراقي القيام بها بعد أن وصل حال البلاد الى مرحلة خطيرة من افلاس سياسي وعجز اقتصادي سببها المحاصصة الطائفية، وهذا ماوضعها امام مستقبل مجهول لاتحسد عليه، لربما يعصف بها الى مرحلة أخرى اشد بؤسا مما هي عليه الآن.

العبادي ليس رهاناً

مايدعو الى السخرية ان دعوة العبادي للأصلاح ليست بجديدة، فقد سمعناها منه في خطابه الاول داخل البرلمان العراقي عند استلامه المسؤولية في شهر اب (اغسطس) عام 2014 خلفا لسلفه المالكي ، الذي فشل في اقناع الاطراف الشيعية بدعمه في ان يحظى بولاية ثالثة بعد أن كانت قد دعمته في الولاية الاولى والثانية (فترة حكمه دامت ثمانية اعوام)فأستقر رهانها على ان يكون البديل حيدر العبادي عضو حزب الدعوة الاسلامي، الذي لم يكن حاضرا ابدا في حسابات الشخصيات المتصارعة على منصب رئاسة الوزراء،ويمكن القول بأنه كان رقما عابرا لاقيمة له، سواء في حزب الدعوة او في كتلة التحالف الوطني الشيعية. لذا شكل صعوده المفاجىء مبعث دهشة وتساؤل لدى من يراقب ما يجري في العراق، فما هو السر الذي تخفيه هذه الشخصية المغمورة؟، وماالذي يملكه من امكانات الى الحد الذي امسى ورقة رابحة راهن عليها التحالف الوطني لانقاذ سمعته التي تدهورت وفقدت الكثير من شعبيتها ــ خاصة في الوسط الشيعي ــ  نتيجة الاخطاء الجسيمة والكثيرة التي ارتكبها المالكي ؟  لعل ابرز تلك الاخطاء  هي السياسات الطائفية التي ارتكبتها الاجهزة الامنية والعسكرية في اطار ممارساتها التعسفية ضد العرب السنة (وإنْ لمْ يسلم منها حتى الشيعة أنفسهم)مما ادى الى تصدع كبير في العلاقة مابينهم وبين نظام الحكم، وهذا ماتسبب في خلق رد فعل عكسي، نتيجته كانت خلق بيئة مهيّئة لدعم الجماعات الدينية المتطرفة التي تناهض النظام السياسي الحاكم في بغداد،مثل القاعدة وتنظيم الخلافة(داعش)، وتعدى ذلك الى  تشنج وتوتر كبير في العلاقة مابين بغداد والكورد ايضا،مع انهم كانوا حليفا رئيسيا لحزب الدعوة وبقية الاحزاب الشيعية ولفترات طويلة،تمتد الى ماقبل سقوط نظام البعث . وآخر خطايا عهد المالكي تجسَّد في سقوط محافظة نينوى وصلاح الدين والانبار تحت سلطة تنظيم داعش الارهابي دون قتال، وبسبب هذا الحدث الجلل، بدت سفينة العراق موشكة على الغرق. وحدث السقوط نفسه صار لدى العراقيين اشبه مايكون بأمِّ النكبات، ومازالوا يتجرعون مراراته وقسوته، من غير أنْ يكون لديهم اية اشارة مطمئنة بامكانية الخروج من هذه البلوى.

نغمة الإصلاح تختفي خلف الكواليس

المواطن العراقي يتملكه قرف شديد هذه الأيام يضاف الى ماهوعليه من قرفٍ ازاء مجمل ماوصلت اليه الحياة في البلاد، فما أنْ يفتحَ جهاز التلفازفي بيته بعد رحلة شاقة خاضها (كما لو أنه سيزيف) لكسب لقمة العيش، متنقلاً بين خرائط الحياة العراقية المضرجة بمشاهد الخطف والقتل والسيارات المفخخة، فإذا به يتفاجأ بسيل من الفاظ بذيئة وهي تنهالُ مِن السِنة الساسة العراقيين على المحاصصة الطائفية، مُحملينَ اياها مسؤولية تدمير العملية السياسية في العراق، وهنا في هذا الموقف لافرق بين ساسة السنة عن الشيعة، بل إن ممثلي السنّة هُم الأكثر نفاقا وانتهازية، ولولا سعيهم الى المناصب والمكاسب والمغانم الشخصية لما انتهت المدن ذات الغالبية العربية السنية الى ماانتهت اليه من دمار . وينطبق عليهم فعلا وقولا ، الوصف الشائع عنهم في العراق (سياسيو الصدفة).

الغريب بما يجري اليوم في هذا السياق، أنَّ مَن يقود الحملة ضد المحاصصة الطائفية ساسة واحزاب، كانوا قد وقفوا جميعهم دون استثناء وراء الاصرار عليها طيلة الاعوام الماضية، ولاأظنهم سيتخلون عنها في قادم الايام رغم ادعائهم العكس، بل سيصرون ــ وراء الكواليس ــ على أن تكون المعيار في تشكيل اية حكومة جديدة.

نغمة التنصُّل من المحاصصة الطائفية التي باتت تطرب اسماع ساستنا هذه الايام ويرقصون على انغامها ويريدون منّا ان نشاركهم الرقص، هي ليست جديدة علينا، فقد مللنا منها ،وامست تصيبنا بالغثيان .

مَا أنْ يلتقِ ممثلون عن كتل سياسية في برنامج تلفزيوني للحوار حتى ينبري الجميع دون استثناء بالنيل من المحاصصة ..! حتى أنّكَ في لحظة من اللحظات تجد نفسك فاقد القدرة على الفهم ، ولم تعد تعرف مَن الذي كان يُصرُّ يدافع عنها ومن كان يرفضها، إلى أن اصبحت جوهر ديمومة العملية السياسية لكل الحكومات التي شُكِّلت منذ العام 2003 .

ندرك جيدا أن هذا الأدعاء برفض المحاصصة الطائفية، يعكس في حقيقته  عمق النفاق الذي يتسم به غالبية من ارتضوا لأنفسهم ان يساهموا بعملية سياسية صنعتها ارادات اجنبية، وغابت عنها ارادة وطنية حقيقية، ساعة جَلس الجميع حول مائدة واحدة بعد سقوط النظام السابق ليقرروا شكل النظام والحياة السياسية المقبلة.

مراهنات فرسان المائدة المستديرة

من نتائج ماوصلنا اليه يبدو واضحا أن كل واحد من اولئك الذين جلسوا حول تلك المائدة كان يفكر بالطريقة التي يكون فيها الأقربَ مِن غيره الى مَن يتصدر المائدة ويملك بيديه سلطة القرار ،ليحظى بمباركته.

هذا الخيار كان يفرض ان يزيح كل واحد منهم من ذاكرته،مفردات وطنية  ناضل من اجلها ــ حتى لو كان يدعيها ــ سنين طويلة قبل ان يسقط نظام البعث.

أي بمعنى،كان عليه أنْ يشطب من اجندته،الحُلم بوطنٍ موحَّد، يوفِّر الأمنَ والكرامة والعيش السعيد لجميع المواطنين دون استثناء،لأنَّ هذا الحلم ،لم يكن في حسابات السيد بريمر(الحاكم المدني وممثل سلطة الاحتلال) ولم يكن يشغله في حقيقة الأمر سوى أنْ يُعجِّل في تدمير بنية الدولة العراقية بكل مؤسساتها باعتبارها جزءا من النظام السابق، مُتجاهلا بذلك عن سبق اصرار وتعمد أنها مُلْكٌ وميراثٌ مدنيٌ انجزهُ العراقيون بمختلف مكوناتهم الدينية والعرقية طيلة 100 عام من عمر تأسيس دولتهم الحديثة عام 1921 وليست املاكاً خاصة بالنظام السابق.

إن وعود العبادي ــ الكثيرة ــ باجراء اصلاحات سياسية جذرية في منظومة العملية السياسية القائمة يحاول فيها كما يدّعي أن يبتعد عن المحاصصة الطائفية  ــ طالما اقسم على أنه لن يتردد في أن يدفع حياته ثمنا لأجل ذلك   ــ  ذهبت كلها ادراج الرياح،كما ذهبت أحلام العراقيين بالرفاه والأمن،عندما اختفت  الارقام الخيالية للميزانيات الحكومية خلال ثمانية اعوام (800 مليار دولار) خلال فترة حكم المالكي،ولم يتم العثور على اي اثر شاخص لها على الارض ،سواء  في مشروع صغير لبناء مدرسة ابتدائية او في تبليط شارع او في بناء مستشفى عام . فالنظام الجديد مايزال يعتاش على مخلفات النظام السابق من مستشفيات وجسور ومستوصفات وجامعات، وكل ماتمَّ بنائهُ بعد العام 2003 لم يكن إلاَّ مشروعات خاصة، تعود ملكيتها لأفراد من الطاقم الذي يحكم البلاد ولاصلة له بالقطاع العام ،كما هو حال الجامعات الاهلية التي تكاثرت على سطح المشهد التعليمي مثل البثور،وامست عبئا على التعليم العالي بدل أن تساهم في الارتقاء به،لانها ليست سوى أمكنة يتم فيها استيعاب الفاشلين في الدراسة من ابناء الطبقة الحاكمة والثرية،وهكذا هو الحال مع المستشفيات الاهلية التي انتشرت بشكل كبير في جميع مدن العراق ويقف خلفها ايضا ساسة العصر الطائفي وحاشيتهم.

قرار المرجعية وإنْ جاء متأخرا ً

لن يكون الحديث هذه المرة عن تشكيل حكومة تكنوقراط بديلا عن حكومة المحاصصة الطائفية مختلفا في شكله ومضمونه عن ماسمعناه في فترات سابقة.

لربما الجديد في الامر، يكمن في السبب الذي دعى الى أن يعاد تدوير هذه الاسطوانة المشروخة، ويتلخص في قرار مرجعية النجف عندما اعلنت قرارها بالتوقف عن التطرق الى الشأن السياسي في خطبة الجمعة عبر ممثلها ــ كما تعودت ان تفعل ــ بعد أن وجدت نفسها كما لوأنها قد غرقت في مشهد سياسي يعج بتماسيح لاتتردد في التهام اي شي امامها، ومامن أملٍ يلوح في الافق، وليس مجديا المراهنة على رموز سياسية دعمتهم وساندتهم في أنْ يُخرِجوا العراق من هذه المحنة التي سقط فيها . لذا كان قرارها بمثابة اعلان واضح يؤكد تبرَّأها من النهج السياسي الذي تم تطبيقه طيلة الاعوام الماضية، ورغبة شديدة منها في ان لاتكون شريكة بعد هذا اليوم في مشهد تغيب عنه رؤية وطنية تُعلي من مصلحة البلاد فوق المصالح الضيقة سواء كانت شخصية أوحزبية أوطائفية .

وفق هذه الصورة، ومع غياب الإرادة القوية التي تمتلك الشجاعة في اتخاذ القرار وهما صفتان يفتقدهما شخص مثل العبادي ــ حتى لو سلمنا بتوفر النية لديه  ــ  لن يكون هنالك من أملٍ جديد قد يطرأ على جسدٍ أصاب العفن مفاصله.

 كاتب عراقي

الاثنين، 15 فبراير، 2016

http://www.raialyoum.com/?p=390340 رابط المقال في صحيفة راي اليوم

مروان ياسين الدليمي: رواية “اطلس عزران البغدادي” للكاتب خضير فليح الزيدي: تغريب الواقع بسلطة التخييل

marwan-delami77

مروان ياسين الدليمي

 

 

في روايته المعنونة (اطلس عزران البغدادي) بطبعتها الاولى والصادرة عام 2015عن دار افكار للدراسات والنشر في دمشق ودار ميزو بوتاميا للطباعة والنشر والتوزيع في بغداد،يواصل خضير الزيدي رسم ملامح تجربته الذاتية وفق رؤية فنية تتعالق فيها ارهاصات  تشكيل رواية عراقية جديدة لايمكن للنقاد تجاهلهاوهي تعلن عن نفسها عبر منتوج روائي كمّي ملفت للنظر،يترشح منه عدد لابأس به من الاعمال المهمة التي تستحق القراءة والمتابعة النقدية .

إن الذي تم انتاجه خلال العقدين الماضيين من اعمال روائية  قد اخذ بالرواية المنتجة في العراق الى ان  تقطع طريقها بثقة ونضج أكبر مما كانت عليه قبل العام 2003 الى الحد الذي يمكن ان يكون هذا التاريخ علامة فارقة مابين زمنين لمن يود قراءة مسارها الفني والتاريخي،مع الاحتفاظ بمكانة مميزة لعدد محدود جدا من الاسماء الرائدة في تاريخ الكتابة الروائية العراقية التي كان لها شرف التجديد سواء في الإطار العام أوفي اطارتجربتها الشخصية بعيدا عن المحددات  الفنية للرواية الفلوبيرية(نسبة الى فلوبير)واقترابا من الفضاء البروستي(نسبة الى بروست ).والزيدى يحسب على هذا الجيل الجديد الذي بات يفرض حضوره وبقوة بعد العام 2003 ، وإن كان قد بدأ اولى محاولاته في منتصف الثمانينات،إلاّ ان مشغله السردي لم يبدأ بالعمل بالشكل الذي يفصح عن هويته الذاتية الاّ بعد العام 2003 حاله حال آخرين ظهروا في هذه الفترة مستفيدين من مناخ الحرية وغياب الرقيب الرسمي  .

سلطة المكان

بعد  اكثر من عمل روائي قدمه الى القراء خلال الاعوام الماضية بات من السهل معرفة عالمه السردي الذي ينتمي بمجمله الى المدينة بكل تشعباتها وارهاصاتها وشخوصهاوامكنتها،وتحديدا مدينة بغداد التي استحوذت عليه شخصيا ولم يستطع الافلات من اسرها رغم انه ابن مدينة الناصرية التي يضمها الجنوب بين ذراعيه،كمااستحوذ الزيدي هو الآخر على بغداد في عالمه السردي،وكأنه قد عثر على كنز ثمين جدا،يحتاج الى جهد ووقت لكي يعرف مغاليقه واسراره.”نزل سامر ونورا من جسر الشهداء مهرولين نحوساحة الشهداء العابقة برائحة السمك اللابط بعربات البيع المباشر في الشارع الضيق المحاذي لدائرة التقاعد العامة في صوب الكرخ قرب سوق الشواكة ..ثم ما نفكا الانعطاف ليتجاوزا حشود المتقاعدين المراجعين لدائرة التقاعد العامة ،انعطفا نحو اليمين بسرعة وفضلا قطع المسافة المتبقية مشيا على الاقدام ..”

الزيدي يبدو متيماً ببغداد ،وسلطتها المكانية حاضرة في هذه الرواية بقوة كما لوأنها ارض بكر يحاول اكتشافها من جديد،وهي في اعماله ــ ومنها هذا العمل ــ لها دلالة تتجاوز حضورها المكاني الى علاقة فنية بدرجة رفيعة،من خلالها يمنح لغته السردية قدرتها على أن تغرّب العالم الواقعي الذي يتعامل معه(حسب شكلوفسكي )والطرق التي يسرد بها الحكايات عن هذا العالم .

ذاكرته السردية تبدو معادلاً فنيا لذاكرة المدينة ،تتوزع فيها الاحداث والازمنة ،وشخصياته لن تتمكن من العيش بعيدا عنهامثلما هي علاقة الاسماك بالماء داخل الحوض الزجاجي(كما وردت تفاصيلها اكثرمن مرة في الرواية ) وفيما لو خرجت فإنها ستعود اليها سواء بإرادتها او بدونها كما هو الحال مع (سامر ونورا ووالدها)فالثلاثة قد غادروا بغداد في لحظة ما ،إلاّ انهم عادوا اليها.

المتن الحكائي

يتمحور المتن الحكائي على قصة حب تنشأ مابين(سامر ونورا) بعد ان يلتقيا للعمل في احدى منظمات المجتمع المدني التي تكرس عملها بعد العام 2003 لانقاذ ماتبقى من اليهود والاقليات في العراق ،بعد أن اصبح وجودهم مهددا بالخطر الشديد  .

لم يكن في هذه العلاقة ماهو غير عادي إلاّ الشرخ الطائفي الذي يفصل مابينهما ويمنع استمرار هذه العلاقة ،فالاثنان ينتميان الى طائفتين متعاكستين لاتلتقيان في زمن يشهد احترابا بينهما،نور تنتمي الى الطائفة السنية وسامر الى الطائفة الشيعية،والدها كان ضابطا برتبة عميد في لواء الحرس الخاص قبل سقوط نظام البعث عام 2003 ،وبعد ان يتم حل الجيش العراقي يضطر الى الخروج من العراق والاقامة في سوريا خشية ان يتعرض الى الاغتيال كما حصل لعدد من زملائه الضباط ،لكنه يعود مرغما الى بغداد بعد ان تتدهور الاوضاع في سوريا، ولمّا يُرفض طلبه اكثر من بالعودة الى العمل في صفوف الجيش يختارالبقاء حبيس البيت، ليأتي مقتل ولده على يد ميليشيات طائفية سببا كافيا حتى يزيد من عزلته وغضبه واصراره على عدم القبول بتزويج ابنته عندما تقدم سامر لخطبتها ،إلاّ ان كليهما نورا وسامر ارادا ان لايخضعا لما فرضه هذا الواقع .

نور:” قررنا في لحظة طيش وتحد الذهاب بعيدا لنعيش حياتنا الخاصة بعيدا عن ساحات الاحتراب ” .

ورغم ارادتهما هذه إلاّ انهما يقعان تحت سلطة واقع بات يفرض شروطه الطائفية عليهما بكل قسوة ،وليفترقا،من بعد أن يكونا قد قطعا شوطا عميقا في العلاقة الحميمة بينهما الى الحد الذي يقعان في المحذور اثناء سفرهما الى الاردن في احدى الدورات التدريبية التي نظمتها المنظمة التي يعملان فيها .

في مثل هذه البيئة المحفوفة بصراعات اجتماعية حادة لايكون فيها للأنسان خيار واسع في تحديد مصيره يحرك الزيدي شخوصه بين خرائطها، لذا سيكون من الطبيعي أن تنمو قصة الحب في فضاء يتشكل ايقاعه من لحظات الرعب والخوف والعنف الدموي ” في لبّة هذا الصباح الخريفي تبدأ الحكاية،عندما أوصت المعلمة المتقاعدة ابنها سامر الذي وصل الى سوق الشورجة سالما رغم ماشاب شعره اللماع من غبار الطرقات الترابية ..ليباشر عمله الميداني في المنظمة قالت له :

-انتبه جيدا ياوليدي ..الموت يتنزه في الشوارع المحيطة بالشورجة ،عزران يلتقط بملقطه الزينين والحلوين فقط ..حياتنا كسيحة مقعدة في البيت مثلي والموت لسانه مثل قحبة عوراء ” .

لذلك تأتي توقعات القارىء بمصير مثل هذه العلاقة  في أن تنتهي بنهاية تنسجم مع قدرية المصائر التي يفرضها قانون الحرب على الافراد ،  وهكذا يفترق الاثنان بعد أن يمرا بحلاوة ومرارة التجربة .

بنية السرد

ولأن المؤلف الزيدي في مشغله السردي منشغل من الناحية التقنية بشكل كبير في أن تكون تجربته في لحظة فنية بعيدة عن الانماط التقليدية ،لذا لم ينساق الى أن يكون خياره الفني في سرد المتن الحكائي وفق بنية تقنية تقليدية،فاعتمد تقنية الرواية داخل الرواية،كما استثمر وحدات اسلوبية متنوعة في تشكيل المبنى السردي لمتنه الحكائي توزعت مابين: الرسائل(التي كانت مصدر اساسيا في هيكلة بنية الرواية)،الصحف ،الصور ،المقالات ،وثائق ويكليكس .

هذا التنوع في الوحدات الاسلوبية ،كذلك التنوع في(وجهات النظر) (التبئير) كما يطلق عليها الناقد جيرار جينت،تناوب على سرد و تشكيل المبنى،مابين شخصية السارد /المؤلف الضمني،وشخصية نور،من خلال الرسائل التي كانت ترسلها الى المؤلف الضمني.

 الزيدي/المؤلف،اختفى خلف قناع المؤلف الضمني / السارد للأحداث،وهذه التقنية تتيح له في ان يكون حاضرا في التعليق عليها لكن عبر آلية فنية يمارس من خلالها لعبة التمويه والمناورة مع القارىء كما هي اجتراحات رواية مابعد القص التي كانت ثمرة انجازات مابعد الحداثة.من هنا كان يعلن عن نفسه في كثير من المواضع داخل الرواية وهو يبني متن عالمه السردي،مذكِّرا القارىء بنفس الوقت بين فترة واخرى باللعبة الفنية:” الجميع،انا وشخوص الرواية والبشر الماشين بصف الحائط كنّا نعوم سوية في حوض اسماك زينة كبير نسبيا بعدما وصلنا الى لحظة انسداد تاريخي مقرف للخروج اليسير من مستنقع هذا الحوض الآسن ” .

التخييل الروائي

في معظم اعمال الزيدي نجده معتمدا على طاقة التخييل الروائي في  تحديد المخطط السردي قبل أن يراهن على سلطة الواقع(بما يحمله من قوى ومحمولات اجتماعية وسياسية)التي ينهل من وحيها موضوعاته،وهذا مايتجسد بشكل كبير في هذا العمل،وكما يرى عديد من النقاد البارزين فان العلاقة مابين الواقع والخيال تشكلان القوتان الرئيستان اللتان تشكلان السرد.

التتداخل مابين الواقعي والمتخيل في هذه الرواية  لم يكن من السهل فك الاشتباك بينهما،كما هو الحال مع شخصية عزران التي لايمكن الامساك بها،إذ تبقى تأخذ اشكالا وتفسيرات مختلفة “بعد أن اصبحت قضية عزران الشغل الشاغل في الاماكن العامة، فلاحديث سوى الخوف من شبحه الذي خيم على الفضاء البغدادي…يتنقل في شوارع بغداد بكل حرية أمام اعين السيطرات العسكرية..لاأحد يستطيع الامساك به..ماعرف عنه انه يرتدي قميصا ورديا وربطة عنق رمانية والبنطلون الغامق ومعطفا اخضر كمعطف الرئيس حامد كرزاي ” .

يبدو عزران وكأنه استعارة رمزية للقدر المحيق ببغداد ” إن عزران ليس سوى القدر المنزل من السماء،وهو نسخة من عزرائيل مُحدَّثْ دخل الحواسيب ببرنامج رعب محلي،يذوب بين تفاصيل الناس ويظهر وقت مايشاء ..”.وكأنَّ المؤلف اراده أن يكون شاهداً على مايجري في بغداد  من احداث،فهو كائن يتنقل مابين الحضور والغياب،طالما لم يره احد،إلاّ انه ياكل ويشرب ويمارس الجنس مع زوجته مثل بقية البشر،فكان بنائه على هذا الشكل عاملا فنيا ساهم في زحزحة الحدود مابين المرئي واللامرئي وماعاد ممكنا الفصل مابين الواقع والمتخيل في بيئة كل مايحدث فيها ينتمي الى زمن غرائبي .

عزران شخصية تنتمي لزمنها بكل تفاصيله ومستجداته فهو يغرد معلقا على الاحداث في تويتر وفي تغريدة له كتبَ قائلاً: ” الكل في قبضة يدي ..هم في حوض اسماك الزينة.الناس هنا تشبه بعضها ” .وبنفس الوقت شخصية عزران فيها الكثير مما هو متخيّل”انه مكلف تكليفا ارضيا مؤقتا على مراقبة مسارات الناس ومعاقبتهم في بغداد بالذات وليس في افغانستان . كذلك له كامل الصلاحية للعفو عن اتباعه ومريديه وتسوية القبض على ارواح الفائض عند الحاجة منهم…هو رجل محسوس غير ملموس من لحم آدمي بنظارة شمسية سوداء وربطة عنق دموية ” .

أكمل الزيدي لعبته الفنية في خلق شخصية عزران بالشكل الذي ادخل  القارىء الى عالم غريب ومدهش وبقدر ماينتمي الى الواقع ينتمي الى المتخيل،حتى ان المخيلة الشعبية تساهم هي الاخرى في دعم هذه اللعبة الى مستوى من التأويل والترميز عالية جدا كما جاء على لسان احدى عجائز الكاظمية :” عزران هو نفسه هذا ابو طبر وهو  نفسه صاحب عصابة الكف الاسود وهو نفسه الذي قتل اولادنا في الحروب ودفنهم بيده وبكى قبل المعزين واصحاب المآتم يمه هذا حرامي ميت ” .

السؤال عن شخصية عزران يبقى ملحا طيلة فصول الرواية لمعرفة من تكون.إلاّ أنَّ الشيء الوحيد الثابت في هذه الشخصية ان لها عمل وحيد تتجوهر فيه” كانت هواية عزران الوحيدة مراقبة الناس وملاحقة الجميع متشمما اخبارهم في الصغيرة والكبيرة ويسجلها بكشكول ملاحظاته ” .

يبقي الزيدي خيوط اللعبة السردية ممسكا بها بالشكل الذي لايترك للقارىء فرصة ان يفك طلاسمها،ليبقيه في حالة من الحيرة والتساؤل المستمر الى النهاية عن هذه الشخصية التي لاتتحكم بمصائر الناس فقط بل تتعدى سلطتها لتصل الى حدود المؤلف الضمني السارد للاحداث،الذي لايسلم هو الآخر من مراقبته له ” عندما اكتب فصلا من هذه الرواية احس بوجوده قربي واسمع صدى انفاسه المتناوبة تضرب على وجهي اشم رائحة فمه الكريهة تذكرني برائحة المرحاض ” .

بهذا الشكل ارتقى الزيدى في تشكيل هذه الشخصية وهي تلعب الدور الرئيس في تحريك الاحداث واسقاط ظلها عليها،مثلما كانت الحرب الطائفية تلعب هذا الدور في تحديد مصائر البشر واحلامهم،وكأنهما يتبادلان لعب هذا الدور.

السبت، 13 فبراير، 2016




مروان ياسين الدليمي: أوراق سينمائية: كيف تصنع فلما في زمن الاحتلال


marwan-delami77

مروان ياسين الدليمي

  
لم يعد بالإمكان أن نحمل أجهزة التصوير بحرية  تامة ونحن نمشي في شوارع المدينة، لأن الرصاصات ستُعجِّل بموتنا قبل أن نملك الفرصة للكشف عن هويتنا السينمائية ، وتبرئة أنفسنا بعدم انتمائنا للوسط الصحفي أو الإعلامي . !

فالمدينة حفلت بحكايا كثيرة عن المصورين،وهم يقتلون من قبل كل الأطراف المتصارعة،دونما استثناء .

هكذا بدأنا نخبئُ كاميرة التصوير بطرق غريبة ومضحكة حتى نقطع الشك بهويتنا .

فماذا لو انتتبه أحدٌ ما ؟

ولأنني لم أعد أشعر بالأمان،اضطررت إلى تغيير كل المواقع الخارجية (اللوكيشنات)،فتحوّلت الساحة الخلفية لمعهد الفنون الجميلة بديلاً عن موقع غابات الموصل.. وممرات المعهد بدلاً عن  الشوارع .. والكافيتريا إلى أسواق  لبيع الملابس المستعملة..

بلونها المغموس في الثلج تقترب مدينة الموصل من غواية التوحش،طالما عجلات الهَمَر الأمريكية تُطبق على صدرٍها،وتمرُّ على استدارة جسدها ومنحنياته.

إصراري على عبور النقاط الساخنة أنا وفريق العمل السينمائي لم يكن بفعل التحدي إنما استسلاماً لهيمنة القدر .

بدت رحلتنا روتينية ونحن نمرُّ من بين أنياب الموت،للوصول إلى أمكنة التصوير التي حاولنا إختيارها وفقاً لمقتضيات الصراع العبثي المتدّلي فوق رؤوسنا.

في اليوم الأول للتصوير حاولت أن أسحق هواجس الخوف وأنهض من رماد الهلع وأنا أهم بالصعود إلى سيارة الأجرة لتقلني إلى منطقة الجامع النوري الكبير،وما بين انطلاق السيارة من حي اليرموك واجتيازي لشارع بغداد نزولاً عند منعطف بدالة أبي تمام،انفلتت أشباح الموت لتحاصرني ، قد أكون الآن أو بعد لحظات لقمة شهية لإحدى السيارات المفخخة أو لإحدى العبوات الناسفة المزروعة على جانبي الطريق .

رحلتي هذه كانت مسافة طويلة بلا حلول،يزيد من جراحاتها عقم الحوارات الهاربة من أدمغة القرويين المحشورين داخل سيارة الاجرة.

–  كُنْ حذراً

بهذه الجملة كانت توصيني زوجتي كل يوم،وكأني أتبادل اللامبالاة مع النار المتطايرة في الشوارع .فأجيبها:

– لا جدوى من الحذر
أتحسس المقعد الخلفي للسيارة الشوفرليت المنتجة سنة 1952 والمُغلّفْ ببطانية عسكرية متهرئة .

يبدو أننا ما زلنا نقف في فراغ العزلة،رغم تكورنا في ليل القرن الواحد والعشرين .

يسترسل الركاب في عجين الأحاديث المطوّقة بالمرارة دونما شعور بالقرف من دنس هذا التكرار .

فجاءة تندلع زخّة من رصاص لتسود الفوضى سماء المدينة المرتعشة تحت خرائط المسلحين وهم يصنعون أطلسها الجديد .

وصلنا إلى سطح الدار العتيقة المجاورة لمنارة الحدباء  بعد أن تسلقنا درجاً حجرياً ضيقاً لا يتسع إلا لشخصٍ واحد .

كانت المدينة تبدو من فوق ذاك السطح معافاة من الهيجان،وكأنها كانت تجني ثمار جمالها .

غرقنا في متعتنا ونحن نحدد زوايا التصوير للمشهد الأول:

*( لقطة متوسطة ) ، صبي يؤرجح عصا خشبية مربوطاً في نهايتها منديلاً أحمر اللون .

*(لقة عامة ) ، طيور تحلق في السماء .

إلاّ أنَّ صوت الطائرات القادم من بعيد أفسد علينا نشوة احتفالنا فهرعنا مسرعين نبحث عن أمكنة تلّوح فيها الطمأنينة بعيداً عن مرمى الطائرات الأمريكية .

إستوطن الخوف مدير التصوير مُحمد البَان ( إغتاله الارهابيون عام 2007 ) فأنزوى تحت الدرج الحجري مخبأّ كامرته بقمصلته خشية أن يراها الطيارون فنصبح بذلك هدفاً لهم  بعد أن كثر عدد القتلى من المصورين بفعل النيران الأمريكية .

إلا أن إستيائي من هذا الظرف المعرقل  غادرني تماماً  حينما رأيت الصبي الذي يشاركنا في الفلم ما زال يرفع راية اللامبالاة ويجري بكل براءته على سطح الدار منشغلاً بالطيور دونما اكتراث بالطائرات التي تحوم حولنا ،  ومازال يطمأننا بعبارات يكررها بين لحظةٍ وأخرى :

  • لا تخافوا ، بعد دقائق ستغادر هذه الطائرات .

خاب رجاءنا ولم تشرق الشمس في اليوم الثاني للتصوير . أتشحت السماء بلون رمادي داكن  ونحن تحت وطأة الإنتظار الطويل فوق سطح الدار . اقتربت عقارب الساعة لتشير إلى التاسعة صباحاً . لم تجد نفعاً كل استغاثاتنا .

أنتقلنا طائعين إلى موقع آخر في الجانب الأيسر من المدينة  الذي لم يكن أقل هدوءاً من الجانب الأيمن .

كان المشهد يقتضي أن يحمل بطل الفلم ( محمد إسماعيل) بندقية صيد بينما هو يتجول فوق سطح الدار لإقتناص الطيور.كنا نصور ذلك المشهد في منطقة تسمى( حي الأمن) وهو من أخطر الأحياء في المدينة ،وذلك لوقوعه على الطريق الرئيسي الذي غالباً ما تستخدمه القوات الأمريكية وهي قادمة من المطار  الذي هو نقطة إنطلاقها بإتجاه المدينة ، فكانت هذه مفاجأة أخرى لنا ، ولم يكن بالإمكان تأجيل التصوير إلى يوم آخر لأننا كنا ملتزمون بوقت محدد لإنهائه مع الشركة المنتجة للفلم ..وما أن حددنا زوايا التصوير،واستكملنا الإستعداد للبدء بالعمل حتى لاحت لنا  الطائرات الأمريكية مرة أخرى . فما كان أمامنا إلا أن ننسحب مسرعين من على سطح الدار  خشية أن يتوهم الطيارون بأننا مجموعة مسلحة تسعى للقيام بعمل إرهابي ضدهم .. وتكررت هذه اللعبة بيننا وبينهم أكثر من مرة واستغرقت أكثر من ثلاث ساعات ، لكننا استطعنا خلال الفترات القصيرة التي كانت تغيب فيها الطائرات بعيداً عنا أن ننجز المشاهد المتعلقة بذاك المكان.

لسنين طويلة وأنا أصرُّ على كتابة وتمزيق ما أكتبه من سيناريوهات مشددوا إلى منطق مجابهة المشهد المستهلك والسكون في أردية الدهشة والتغريب حتى تتفاقم التفاصيل في ومضات شفافة،.ولم أكن بعيداً في استجابتي هذه عن مفاجأت ( كودار ، وكوبولا ، ومحد خان ).

إن محنتنا في انتظارنا الطويل هذا ونحن في مواجهة أنفسنا خلف عدسة الكاميرا .

هكذا بقينا محتجزون لأكثر من ربع قرن في طوابير التهميش وكراديس الحرب بقصديّة متنُها العبث بوجودنا حتى نستحيل إلى مفاصل في السرفات .

 في اليوم الثالث للتصوير استقبلنا المخرج المسرحي عصام سميح في شقته الصغيرة والتي أخترتها موقعاً رئيسياً  لتصوير المشاهد الداخلية المتعلقة ببطل الفلم  الخارج مرغماً من شهوته للحروب، وذلك لتوفر كل العناصر التي رسمتها على الورق في محتويات الشقة،ابتداءاً من الأثاث الأنيق النابض بالحداثة،وانتهاءً بهامش الحرية الواسع الذي منحنا إياه الفنان عصام طيلة فترة بقاءنا فيها،إلا أن إنقطاع التيار الكهربائي ألقى بضلاله علينا.فوقفنا عاجزين للحظات نبحث عن حلول للمشاهد الليلية التي كنا ننوي إنجازها طيلة النهار،إذ ليس بالإمكان أن نخطو بها إلى ساعات الليل لأن فرض حظر التجوال يبدأ من الساعة السادسة مساءاً وحتى الساعة الخامسة صباحاً .
هكذا ساد الصمت أرجاء الشقة.وانتفخت في ملامح الوجوه علامات الغضب ،كيف يمكننا الخروج من اطارات هذا الغبار  باشتعالات تطلق النوارس فوق حطام السنين العجاف ؟ . .كيف يمكننا الخروج من زمن المراثي والرماد في مدننا المأهولة بالنشيج والأساطير الكاذبة ؟

أزحنا الستائر عن النوافذ قليلاً  حتى ينفذ بصيصاً من الضوء،وبذلك استطعنا أن ننحي ساعات النهار  لنحيل مكانها احساساً بحلول الليل.

لا شك أننا كنا نتصرف إعتماداً على ما تبقى لدينا من مشاكسات مقتضبة . خرجنا إلى الشارع المتعفن بالهمرات الأمريكية  بحثاً عن تاكسي توصلنا إلى بيوتنا .

لم نكن نجرؤ على الوقوف طويلاً خشية مواجهة القسوة والعنف المارينزي الذي أحال خضرة المدينة إلى نزيف دائم.

ملاحظة : تم إنتاج هذا الفلم عام 2004  في مدينة الموصل ،بدعم كامل من المخرج الكردي جانو روزبياني وقد حمل عنوان (اكسباير ).

الأربعاء، 10 فبراير، 2016


http://www.raialyoum.com/?p=387939 رابط المقال في صحيفة راي اليوم

العراق: من يؤجج الكراهية ضد الاقليات هل يمكنُ أنْ يُحاربها؟.. الكلدان مثالا

marwan-yaseen-delimi.jpg777

مروان ياسين الدليمي

ماجدوى المشاركة في مؤتمرات الهدف من اقامتها مجرد تسجيل نشاط للحكومة في سجل اعمالها، لتبدو امام شعبها المقهور وامام العالم على انها تملك نية صادقة في اشاعة ثقافة الحوار والتسامح بين مكونات المجتمع، بينما هي في حقيقة الامر ليست مؤمنة من حيث المبدأ بهذه القيم،بل على العكس من ذلك كل الوقائع على الارض تؤكد بما لايقبل الشك بأن النظام السياسي القائم  في جوهره يتقاطع مع مبدأ التعايش والتشارك بين مكوناته تحت خيمة الوطن الواحد.هذا اضافة الى عمليات الخطف وشعارات التهديد التي تكتب على جدران بيوت المسيحيين في بغداد ومن قبل ميليشيات وعناصر ترتدي الزي الرسمي للقوات الامنية،وهذه كلها وقائع تجري بشكل مستمر حتى  قبل ان يكتسح تنظيم داعش المدن العراقية ،قد تخفت في فترات معينة لسبب أو لآخر لكنها تعاود الظهور مرة اخرى ليتم استهداف محلات وبيوت المسيحيين والايزيدية بالاسلحة الرشاشة وبالرمانات اليدوية لغرض اجبارهم على غلقها ومغادرة المدينة.وكم من الضحايا سقطوا بسبب ذلك،ومع كل هذا الذي يجري لم يتم القبض على اي من المجرمين الذين وقفوا وراء مثل هذه الحوادث ، وهذا لوحده كفيل باثارة اكثر من علامة استفهام وتعجب .

وحسنا فعل بطريرك الكلدان في العراق والعالم لويس روفائيل ساكو حين رفض المشاركة في “المؤتمرالوطني للتعايش السلمي وحظرالكراهية” عندما وجهت اليه الدعوة قبل عدة ايام .

السؤال الذي يطرح وسط هذه الفوضى : كيف يمكن لنظام قائم على تكريس مبدأ حكم الطائفة الأكبر أن يبني جسورا من العدالة مع بقية مكونات المجتمع؟

السؤال الأهم: كيف يمكن القبول ونحن في القرن الواحد والعشرين  بفكرة نظام قائم على تقديم واجب الولاء للطائفة اولا ومن ثم المواطنة ؟

كيف يمكن العودة بالوعي الانساني الى الخلف وضرب عرض الحائط بما قد تم انجازه من قوانين وتشريعات  تكرس مفهوم المواطنة عبر جهود عظيمة بذلتها البشرية في عشرات السنين من خلال نشاط فلاسفتها ومفكريها ومشرعيها ؟

كيف يمكن شطب كل هذا الارث التنويري والقبول بدلا عنه مفهوم العيش تحت ظل نظام يقدم الطائفة على المواطنة ؟

ان المسافة بين الاثنين(الطائفة مقابل المواطنة )أبعد مما يمكن في ان تتيح فرصة التقارب بينهما،فالأولوية للهوية الطائيفة ومن ثم تأتي الهوية الوطنية كما عبر عن ذلك رئيس الوزراء العراقي السابق وزعيم حزب الدعوة الحاكم نوري المالكي في احدى خطبه (الخطبة موجودة على اليوتيب)عندما قال “انا شيعي عربي مسلم ولكن انا عراقي “.حتى أن الزعيم الشيعي السيد مقتدى الصدر رفض هذا الكلام في حينه وعده كلاما طائفيا .

إّذا كنّا نريد أن نضحك على انفسنا ونداري نفاقنا وانتهازيتنا عندها سنقبل بفكرة أن مثل هذا  النظام السياسي سيحقق العدالة للجميع دون تمييز  .

النظام الطائفي لاينتمي الى ما انجزته الانسانية من نظم سياسية تقدس مبدأ المواطنة  وتعتبره المعيار الوحيد في التقييم والفرز مابين المواطنين،بنفس الوقت لن تكون المواطنةحجر عثرة او عقبة أمام التنوع والتعدد الثقافي بين مكونات المجتمع ولن تكون سببا في إلغائها،بل على العكس نجدها وكما هو حاصل لدى عديد من الشعوب تفتح افاقا واسعة امام التنوع الثقافي الذي تزخر به المجتمعات التي تتشكل من اثنيات واقليات واعراق مختلفة التي ينتمي مواطنوها الى ثقافات متنوعة يعبرون عنها ويكتبون بلغتها،إلاّ انهم  في الاطار السياسي يلتقون جميعا تحت عنوان واحد هو المواطنة وإن اختلفت رؤاهم وافكارهم وايدلوجياتهم السياسية،وهنا في مثل هذا الحال لن يصبحالتنوع الاثني معيارا للفرز والمحاصصة السياسية وكسب المغانم ،كما حصل في العراق بعد العام 2003 ،فسقطتبذلك المواطنة التي تجمعنا أمام عناوين ثقافية تشكل جوهر تنوعنا واختلافنا وليس خلافنا  .

في الانظمة الديموقراطية التي تحترم عقيدة الانسان وانتمائه الأثني ويتساوى فيها الجميع تحت مظلة المواطنة، مامِن مساحة سياسية تتحرك فيهاالطائفة بعيدا عن بعدها الثقافي،وفيما لو تركت الطائفة طليقة لتغادر عمقها الثقافي الى ماهو سطحي وعابر اي باتجاه ماهو سياسي عندها سيصبح من الصعب عليها ان تعود الى نفسها سليمة معافاة من غير ان تكون قد اصيبت بتشوهات تركتها السياسة عليها في اكثر من موضع من جسدها وروحها،لأن اغراءات السياسة ومطامعها ومفاسدها ستجعلها ترغب في أن تزيد وتوسع من المساحة التي تتحرك فيها على حساب الطوائف الاخرى،وسينشا عن ذلك خلاف ونزاع وصراع ونصل في نهاية الامر الى الاحتراب والاقتتال كما يحصل الان في العراق .

يبقى الفضاء الثقافي ولوحده مفتوحا على سعته امامنا جميعا بكل عناويننا الدينية والمذهبية والطائفية، ومن خلاله تنمو شخصيتنا بملامحها الذاتية وخصوصيتنا،لغةً وتاريخا وفكرا ومورثا حضاريا .

وفي اللحظة التي يتم فيها خلط المفاهيم من قبل الساسة ليتم تشويه وتدمير ماهو ثقافي بما هو سياسي بالمناصب والمكاسب والمغانم،آنذاك ستغيَّبُ وتُغيَّبُ الاقليات والطوائف والاثنيات بكل ثرائها وتنوعها وخصوصيتها الثقافية لتصبح تحت رحمة السياسة بفضائها الضيق، الذي لايعبر إلا عن ضيق افق الساسة الذين يوظفون كل شيء بما في ذلك التنوع الثقافي لصالح صراعاتهم السياسية على المناصب والمغانم  .

من البديهيات ان النظام الديموقراطي يوفر فرصة المشاركة في صنع الحياة السياسية بكل تفاصيلها للجميع بغض النظر عن انتماءاتهم الدينية والاثنية ولاتتسع أو تضيق هذه الفرصة وفقا لتلك الانتماءات، وليس من المقبول فيها أن تحتكِر الفرصة طائفة معينة بحكم اكثريتها وتمنعها او تضيّقها على الطوائف الاخرى أو تتفضل بها عليها .

يبدو واضحا أن عديد الساسة من قادة الطائفة الأكبر في العراق مقتنعون بأن اتباعهم مواطنون من الدرجة الأولى وغيرهم يصنفونهم على انهم من الدرجة الثانية والثالثة والرابعة،ويحاولون بشتى السبل أن تتحول قناعتهم الحزبية هذه الى قناعة جمعية مجتمعية تصل في مرحلة من مراحلها الى درجة الايمان القطعي الذي لاجدال فيه لدى الجميع بما فيهم حتى الطوائف الاخرى والاقليات وكأنه أمر مقدس لايمكن المساس به او التفكير بمناقشته ،ويترتب على ذلك بالنتيجة تراتبية سياسية بين الطوائف والاقليات بموجبها  يتم توزيع الحقوق والحريات والواجبات تبعا لدرجة القرب او البعد عن الطائفة الاكبر . نحن اذن نعيد انتاج نظام العبودية الطبقية التي كانت سائدة في المجتمع البشري في الحضارات القديمة الاولى وبتسميات جديدة مختصرة بطائفة السادة وطوائف العبيد  بدل التسميات القديمة:طبقة السادة ،ثم طبقة الملاك ثم طبقة العبيد  .

هذا ما تؤكده الوقائع والممارسات التي يواجهها ابناء الاقليات والطوائف في العراق،وماعاد ممكنا تجاهلها او تغطيتها بشعارات مزيفة تحمل عناوين الاخوة والمحبة والتآلف والمساواة.

الواقع يقدم لنا دلائل تنفي مايتم بيعه وتسويقه في المؤتمرات ،كما هو المؤتمر الذي عقد  تحت شعار محاربة الكراهية ودعوة للتسامح والتصالح ..

ولو كان الأمر على غير هذه الصورة لما تدهورت الاوضاع في العراق الى هذه الدرجة من العنف والدم والخراب .

ولو عدنا الى الوراء ق ليلا لوجدنا عشرات المؤتمرات اقيمت برعاية من يدير دفة السياسة في العراق تحت عنوان المصالحة والمسامحة ونبذ العنف والكراهية.والنتيجة كانت مزيداً من الكراهية والعنف والقتل، دفع ثمنها الجميع وفي مقدمتهم ابناء الطوائف والاقليات الذين تناقص عددهم الى حد مخيف، ومن بقي منهم تم تهجيره من بيته ومدينته وليتم الاستيلاء على ممتلكاته بعد ذلك .

الطوائف والاقليات التي تعدُّ من منظار الساسة الطائفيين أقل درجة من حيث الاهمية مقارنة بالطائفة الأكبر هي التي دفعت الثمن الأكبر من وجودها بسبب ماوجهته من كراهية اصبحت مقننة ومشرعنة في منظومة الحياة العراقية، لذا لاجدوى من عقد المؤتمرات طالما امست كراهية الآخر الذي هو شريك في الوطن والتاريخ متغلغلة في مشاريع وقوانين ونصوص دستورية.

من هنا يمكن فهم الاسباب التي دفعت بطريرالكلدان في العراق   والعالم،لويس   روفائيل ساكو والمرجعيات المسيحية والإيزيدية إلى ان تقاطع “المؤتمرالوطني للتعايش السلمي وحظرالكراهية” وذلك بعدم  جدوى المشاركة  في مناسبات تقتصرعلى الكلمات والشعارات دون أن تقترن بأفعال .وقال في حديث إلى(المدى برس)،إن”المرجعيات الدينية المسيحية والإيزيدية قاطعت المؤتمرالذي عقد يوم الاحد الماضي ،في مجلس النواب وذلك لعدم جدوى المشاركة في مؤتمرات تُخصص للكلمات والشعارات دون أن تقترن بأفعال على أرض الواقع وأن مقاطعة المؤتمر جاءت بسبب الحيف الذي يمارس ضدالمسيحيين وآخرها الإجحاف بحقهم في قانون البطاقة الوطنية الموحدة ، والتجاوزعلى ممتلكاتهم الخاصة”  .

بهذا الصدد نذكِّر بأن  مجلس النواب كان قد  صوت بالاغلبية في السابع والعشرين  من شهر تشرين الاول اي الشهر الحادي عشر من العام 2015 ، بالموافقة على قانون البطاقة الوطنية الموحدة.وعلى اثر ذلك علق نواب الاقليات في 31 من تشرين الاول، حضورهم في جلسات البرلمان احتجاجا على تشريع القانون وخاصة فيما يتعلق بتسجيل الولد القاصر بديانة الوالدين.معتبرين ذلك“تمييزا واجبارا على العقيدة “. علما بأن  المادة 26 من قانون البطاقة الوطنية الموحدة – الذي أقرها مجلس النواب وشرَعت وزارة الداخلية باصدارها،وتنص بما يأتي”يجوز لغير المسلم تبديل دينه وفقاً للقانون،ويتبع الاولاد القاصرون في الدين من اعتنق الدين الإسلامي من الأبوي”. ورغم الاعتراض الذي مازال قائما على هذه الفقرة إلاّ انها مازالت كما هي ولم يتم تعديلها .

هذه واحدة من علامات الهيمنة إنْ لم نقل الكراهية التي تتجسد في الانظمة التي تدعي تبنيها الديموقراطية وتمارس سلوكا تعسفيا ضد الاقليات وابناء الطوائف الاخرى .

لو كانت هنالك نية واضحة وقوية في عدم تكريس التمييز والفرز واللاعدالة على اساس ديني وطائفي لما طرحت للتصويت هذه الفقرة اصلا بهذه الصورة.

اضافة الى هذه الفقرة المثيرة للانقسام،هنالك ايضا قضية الاعتداء على ممتلكات المسيحيين في بغداد وبقية مدن العراق التي مازالت تحت سيطرة الدولة العراقية،علما بأن عمليات تزوير سندات التمليك تجري على قدم وساق،ويقف خلفها شخصيات واحزاب لها سلطة وقوة في المشهد السياسي وفي الحكومة العراقية.وسبق ان اشار الى ذلك عضو مجلس محافظة بغداد محمد الربيعي في منتصف شهر حزيران من العام 2015 وفي اكثر من حوار أجري معه عبر وسائل الاعلام

وقال إن”70 % من بيوت المسيحيين المهاجرين في بغداد تم الاستيلاء عليها منقبل جهات متنفذة ،غالبيتها منازل وعقارات وشركات تابعة لهم، ومصالح تجارية مختلفة ،من خلال تزوير ملفاتها في دوائر التسجيل العقاري ووزارتي المالية والبلديات ،وتغيير أسماء العراقيين المسيحيين إلى أسماء تلك الجهات النافذة بالسلطة العراقية الجديدة”، وطالب الربيعي في حينها الجهات المعنية بفتح تحقيق بالموضوع، لكن لم يتخذ اي اجراء فعلي وحقيقي حتى الآن لوقف عمليات السطو على املاك المسيحيين خاصة في العاصمة بغداد.

وهنا يطرح سؤال : كيف يمكن للحكومة العراقية وكل الجهات الرسمية القبول بأن تتم عمليات السطو على املاك المسيحيين في المدن التي تحت سيطرتها بينما هي تلتزم السكوت والتغاضي عن مثل هذه الجرائم ؟

هل تقبل ان يتم النظر اليها مثلما يُنظر الى سلوك تنظيم داعش الهمجي الذي استولى هو الآخر على جميع املاك المسيحيين والايزيدية ؟

ألا ينبغي أن يصدر عنها مواقف حازمة وحاسمة لاتسمح لأية جهة ان تساوي بينها وبين تنظيم داعش ؟

المسألة من الخطورة بمكان لاينبغي بموجبها التراخي في التعامل معها على هذه الصورة،وإلاّ معنى ذلك أن الحكومة تقدم بنفسها الدليل لكل اللصوص على انها لاتمانع في ان يتم الاستيلاء على املاك المسيحيين،فقط لانهم في نظرها مواطنون من الدرجة الثانية إن لم يكونوا من الدرجة العاشرة .

المطران لويس ساكو في بيانه الواضح كان مدركا تماما اين تكمن العلة بما يجري بشكل عام في المنطقة العربية وليس في العراق ،والامر هذا كما عبر عنه ليس مرتبطا بسلوك فردي او جماعات أواحزاب تمارس العنف والكراهية ضد المسيحيين. وذلك عندما قال “أنما يحدث في المنطقة بعامة وبخاصة العراق وسوريا وليبيا واليمن، مخطط له بدقة من قبل عدة دول وأن الدول العظمى لاسيما الولايات المتحدة الأميركية ،لها اليد الطولى في تغيير نظم تلك البلدان وواقعها السكاني،بحسب ماأكد سياسيون أميركيون بارزون وأن دخول داعش وباقي الجماعات التكفيرية إلى العراق وسوريا وغيرها من البلدان ، واستهدافهم الأبرياء وتهجيرهم وسلب ممتلكاتهم ، هو مخطط ينفَّذ لصالح جهات معينة وإلاّ مِن أين جاءت تلك التنظيمات المتطرفة؟ ،وكيف دخلت واحتلت كل هذه المساحات الشاسعة من الأراضي من دون مقاومة؟، وكيف زُودوا بأسلحة فتاكة ومتقدمة ؟ ، وماهي مصادر تمويلهم؟ ، والحقائق على الأرض تؤكد على أن ماحدث هي عمليات مدعومة هدفها التغييرلصالح مخططات ستراتيجية ومصالح كبرى”، بنفس السياق إنتقد المطران ساكو التصريحات المتناقضة التي يطلقها المسؤولون الحكوميون، والتي تبعث على الإحباط والألم، “فمرة يقولون إن الحرب ضد داعش ستنتهي خلال بضعة أيام أواسابيع ،وطوراً يُقال إنها ستستغرق عشرات السنين ،من دون أن يحددوا ساعة الصفر لتحرير الموصل وبلدات سهل نينوى ،وماإذا كانت ستتم فعلاً بعد تحرير الرمادي” ، كما عبّرعن سأمه من الكلام المعسول عندما انتقد الخطابات الرنانة غيرالمقترنة بالأفعال على أرض الواقع،بسبب انتهاك حقوق  المسيحيين الطبيعية والشرعية والوطنية ،ومعاملتهم كمواطنين من درجة أدنى وأن الكثيرمن الشواهد اليومية تدل على مدى الحيف الذي لحق بالمسيحيين العراقيين وإن الكنيسة لاتقبل الهجرة الجماعية على غرارماقام به اليهود ، وفيما لو كان هناك من يقدرعلى القيام بها فليعلن ذلك ويقدم عليها ،لأن هذا كلام فارغ تماما، ذلك لأنَّ هجرة شخص مُهدَد أوعاطل عن العمل أومَن يودُّ لمّ َشمل عائلته أمرمقبول،لكن أن نعلن ُنفيراً عاما للمسيحيين للخروج من البلد فهذه كارثة جماعية وخطيئة مميتة .. وختم كلامه قائلا “ورغم المأساة التي تمربها البلاد بعامة، وشعبنا المسيحي تحديداً ،فأنا  واثق أن الشر لن يدوم وأن السلام والاستقرار لابد أن يعودا”.

كلام البطريك ساكو لايحتاج الى تفسير،لِما يحمله من وضوح ازاء ماتعرض ويتعرض له المسيحون في العراق.فإذا كنّا  نعد تنظيم داعش  ارهابيا ووحشيا ولايمثل دينا ولاطائفة ولاسلوكا بشريا متمدنا ،فبماذا نفسر مايجري من عمليات تهديد للمسيحيين او سطو على املاكهم في المدن التي مازالت تحت سيطرة الدولة العراقية ؟

فإن لم تكن اطراف متنفذة في الحكومة  متورطة بما يجري فإن مجرد سكوتها وعدم اتخاذ اجراءات رادعة ومطمئنة للمسيحيين سيضعها في دائرة الشبهات.

ولكي يشعر المسيحيون والايزيديون وبقية الاقليات والطوائف بالاطمئنان داخل وطنهم، يتوجب على الحكومة العراقية ان تقدم ادلة واضحة على ذلك، وإلاّ لنْ تكون بعيدة عن دائرة الشبهات بفعل صمتها ازاء مايجري من انتهاكات بحق المسيحين وبقية الاقليات والمكونات الاخرى .

الاثنين، 8 فبراير، 2016

رواق 141



رواق  ح 141
اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي
  العناوين :
1-     لصوص أمْ ساسة 
2-    بغداد تخطط لبيع قصور صدام لسد عجز الموازنة
3-     خسائر العراق البشرية ارقام في ارقام
4-    صورة الزعيم ترسمها مخيلتنا ويحطمها الواقع 
5-      مامعيار نجاح المسؤول   ؟     فارس حرّام

السبت، 6 فبراير، 2016

http://www.raialyoum.com/?p=385879 رابط المقال في صحيفة راي اليوم


العراق: صورةُ الزعيم.. ترسمها مُخيّلتنا ويحطمها الواقع

marwan-delami77

مروان ياسين الدليمي

عندما يعجز اي مسؤول كبير ــ ساعة يتولى منصبا كبيرا مثل منصب رئيس الوزراء ــ  عن اثبات كفائته خلال ثمانية اعوام (مثل نوري المالكي) وتضيع البلاد بسببه في متاهة الدم والخراب والعنف الطائفي ، ويستشري بسببه  الفساد، بمستويات غير معقولة لم تمر بها منذ تأسيسها، وتتأكل خارطة الوطن الى اقل من نصف مساحتها ، ويُرتهُن النصف الآخر ــ بتاريخه ووجوده وسكانه ــ تحت سلطة حفنة صغيرة من القتلة والمجرمين الارهابيين ، فمالذي يمكن ان يوصف به هذا المسؤول سوى  أنه فاشل ، ونتيجة ذلك يتحمل مسؤولية ماوصلت اليه البلاد من دمار .

ولنا العذر عندما نكون في حيرة من امرنا ،ونحن نبحث عن وصف ملائم يليق أن نوصم به الشعب ساعة نجده يخرج لاستقبال هذا المسؤول بالزغاريد والاناشيد الوطنية.

من لايعرفه سيسقط في دائرة الوهم ويعتقد بأن الشعب قد خرج للأحتفاء بمحرر البلاد من المحتل الغاصب وليس المسؤول عن ضياعها  وفتح الابواب مشرعة لقوى الارهاب حتى تحتلها.

أو يعتقد بأن هذا المسؤول المحتفى به قد جلب الخير والنعمة للناس وليس سارقا لقمتها .

هذا ماحصل قبل عدة ايام عندما استقبل حفنة من الصحفيين والاعلاميين والكتاب وفي مقدمتهم نقيب الصحفيين العراقيين رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي  . . !

عندما تُطعن البلاد من كل الجهات وبشتى انواع الاسلحة وتصبح مشلولة وعاجزة عن السير خطوة الى الامام،مالذي يدفع الناس إلى أنْ تخرج وهي تردد  شعارات التأييد والتمجيد لِمَنْ كان مسؤولا عن طعنها ؟

مالذي يدفعها لأن ترقص وتغني وتصفق مهللة به ؟

لماذا تصرالناس على  أنْ يتولى قيادتها  مرّة اخرى ؟

هل يمكن للشعوب أنْ تصل الى هذه الدرجة من الغيبوبة في  وعيها ؟

هل يمكن أنْ تكون على هذه البلادة رغم مااصبحت عليه من وضع مزرٍ وبائس ؟

وهل يمكن أن تتغاضى عن تحميله مسؤولية  ماوصلت اليه احوالها واحوال البلاد ؟

وهل الحالة المرضية هذه باتت مرهونة فقط بشعوب المنطقة العربية،أم أننا يمكن ان نجد لها مثيلا لدى شعوب اخرى ؟

أكاد اجزم على أننا نملك ولوحدنا حق الامتياز بهذا الانحدار المخيف في الوعي دوناً عن بقية الشعوب،ذلك لاننا ورغم كل ماجرى علينا من نكبات وانكسارات وهزائم، يتحمل مسؤوليتها  ساسة وزعماء مازلنا نسجد وندعوا لهم ونزحف ليل نهار خلف ظلهم وظلمهم وظنهم وضعفهم.

مازلنا لم نستيقظ مما نحن فيه وعليه من حالة انفصام عقلي ونفسي ووجداني .

الغريب بما نحن عليه أننا نتأرجح مابين اقصى درجات الغضب رفضا وشجبا واستنكارا لما نحن فيه من حال بائس عندما نختلي بانفسنا،بينما نكون في أدنى درجات الانحطاط ونزحف على بطوننا فرحا وخضوعا أمام الزعيم الفاشل  لحظة زيارته لنا فيتحول ذاك الغضب الذي نحمله بين اضلعنا طوال سني الحرمان والقهر الى فرح طاغٍ  ما أنْ تتكحل عيوننا  برؤية  المسؤول عن محنتنا  !  ؟

لماذا في مثل هذه اللحظة الخارجة عن سياق السلوك البشري الطبيعي تنسى أو تتناسى الناس ــ  هنا ــ  مصائبها ،وبدلا من أنْ تُطلق صرخة احتجاج بوجهه ، وتقذفه بالبيض والطماطم الفاسدة أو ترميه في حاوية الزبالة ،تجدها مثل القردة،في اقصى درجات الغباء والاستغباء وهي تتسابق في الرقص أمامه .

لنْ أُوجِّه خطاب السّخط  هذا ضد أولئك الذين يُطلق عليهم نخبة مثقفة،لأننا قد تعوّدنا أنْ نجدهم دائما في مقدمة المستقبلين المنبطحين،وتجاربنا القريبة وليست البعيدة،قد لقنتنا دروسا قاسية بما يكفي لكي نفهم حقيقة هذه النخبة ومدى هشاشتها.

وعليه لنْ يشملهم سخطنا،لكننا لنْ ننسى أنْ نواسيهم على ماهم عليه من بؤس طالما هُم يعيشون حالة وهَمٍ كبيرٍ،يجدون أنفسهم فيه أكبر بكثيرمن حجمهم ومن حقيقة الدور الثقافي الذي يمارسونه.

وكما يبدو فهم ليسوا سوى كائنات خاصة لاترتبط بصلة واقعية مع الحياة ، وغالبا مايكون فهمها المُعبّأ في منتوج خطابها الابداعي والثقافي لايخرج عن كونه حوار داخلي مقطوع الصلة مع الخارج،وحتى لو اكتشفَتْ هذه النخبة في لحظة ما قطيعتها هذه ،فلن يكون لديها الاستعداد لأنْ تعترف بمسؤوليتها عنها، بل سيجعلها هذا الاكتشاف اكثر نرجسية مما هي عليه، لأنها ستشعر بان لغتها ارفع بكثير من أن يفهمها العامة،وليست من مسؤوليتها ازاء هذا الحال أنْ تتنازل عن ماوصلت اليه لغتها من تكثيف وتجريد وترميز وتهليس،لترمي المسؤولية بالتالي على العامة في أن تتحمل حالة اللافهم او القطيعة القائمة بينهما .

هي اذن نخبة لديها شعورفردي متضخم ، يجعلها على قناعة عميقة بأن  سمعها وبصرها واحساسها ليس فيه مايشبه العامة بشيء .

لمدة تصل الى ربع قرن من الزمان كانت الملايين من الناس تصفق لعبد الناصر وصدام حسين والقذافي وحسني مبارك وحافظ اسد ،إنْ دخلوا حربا صفقت لهم دون أنْ تسأل لماذا ، وإنْ جاءت الهزيمة صفقت لهم من غير أنْ تسأل لماذا ، وإنْ تم اعتقالها في الاقبية والسجون والمعتقلات سنين طويلة لاتجرؤا على أنْ تسأل لماذا ، وإنْ حُشرتْ في سياسة تقشفية تجويعية طويلة لانتيجة من ورائها لنْ تجروا على أنْ تسأل لماذا ،وهاهي مصر ايضا تعيد انتاج هذه الميلودراما المملة المقرفة ،مرة اخرى مع السيسي متجاهلة ومتغافلة نضالها الذي ادهش العالم في 25 يناير ولتشطب مفردة (لماذا) من قاموس مفرداتها .

حكَّام المنطقة العربية قد اتفقوا جميعا على أن يفطموا شعوبهم على كلمة(لماذا)مَا أنْ يصل اي واحد منهم الى السلطة،مع أنَّ مابينهم من خلافات ونزاعات شديدة تجعل اي واحد منهم لايتردد في أن يدفع بجيشه ليحتل البلد العربي المجاور له.

ولمّا تحين الساعة التي لامفرَّ منها عندما يسقط الحاكم العربي بين يدي شعبه ويتلقى الاهانات والشتائم والضرب،تجده لايردد على لسانه سوى كلمة لماذا وهو يخاطب الجمهور الغاضب. . ! وكأنه لايعرف لماذا .

ولنا أن نستعينَ بذاكرتنا لنستعيد الكلمة التي كان يرددها العقيد القذافي لحظة القبض عليه .

لماذا  ..

لهذه الكلمة / السؤال ، سحر عجيب ، إذ تحمل في داخلها طاقة الخلق والابتكار،وجنوحا الى المعرفة،ولهذا يتم مصادرتها من قاموس شعوب المنطقة  لتصبح في طي النسيان .

أي مواطن لن يخطر في باله أنْ ينطق بها أمام الحاكم الفاشل فيما لو التقاه وجها لوجه، لأنه لم يتعود عليها ، ولم يعرفها ، وليست في قاموسه الذي يزخر بمفردات التهليل والتصفيق والتهريج والتزييف.

وفيما لو نطق بها شخص ما سيكون متهما إما بالجنون أو الشذوذ أو الخرف هذا إنْ لم تكن الخيانة .

الخميس، 4 فبراير، 2016

لصوص أم ساسة

رابط المقال في صحيفة راي اليوم   
http://www.raialyoum.com/?p=384908

مروان ياسين الدليمي


حجم الأموال التي سُرقت من ميزانيات  الحكومة العراقية نتيجة الفساد المالي والإداري المتفشي داخل مؤسسات الدولة خلال السنوات العشر الأخيرة وصلت الى أكثر من 312 مليار دولار،هذا ما اعلنته زينب البصري النائبة في البرلمان العراقي في بيان لها كانت قد اصدرته في مجلس النواب مطلع شهر فبراير 2016 ، ونقلته صحيفة المدى العراقية،واضافت البصري في بيانها ان “الأموال العراقية المنهوبة على يد مافيات الفساد الاداري والمالي خلال عقد مضى موجودة في البنوك العالمية وبأسماء كبار مافيات الفساد التي لا تزال موجودة تحت ظل عناوين سياسية وغطاء سياسي في العملية السياسية”.

أظن ان هذا الاستنتاج الذي توصلت اليه السيدة النائبة ليس بجديد  فالكل بات يعلم اين العلة في بلد مثل العراق وصل به الحال ـ وعلى كل الاصعدة ـ  الى الدرك الاسفل من هذا الفساد  المشار اليه .

بصريح العبارة ان الذي سرق المال العام  بات معروفاً ومشخَّصا من قبل غالبية الشعب العراقي، ولن يخرُجَ السُّراق عن دائرة الشخصيات السياسية او الاحزاب المشاركة في الحكومة.

 ومعلوم ايضا،اين ذهبت الاموال التي سُرقت،وماهي البنوك التي وضعت فيها،والأهم في هذا،أنَّ السُّراق ــ  وكلهم من الاسماء الكبيرة المسؤولة عن ادارة البلاد   ــ  مازالوا في موقع المسؤوليةحسب مايُفهم من بيان السيدة النائبة.

مايجري في هذا البلد أمرهٌ غريب،فرغم  انّ كل ماتم سرقته بات معلوما للجميع، سواء حجم الاموال ،أوالسُّراق  ،أوالبنوك التي تم ايداعها  فيها ،إلاَّ أننا لم نجد أحداً  يتحرك من اجل اعادتها ،او القبض على اللصوص ! ؟

شيء يثير العجب ، لربما لن نجد له مثيلا حتى في دول عُرفَ عنها أنها تخضع لسيطرة عصابات المافيا والمخدرات، مثل كولومبيا على سبيل المثال ، فهل اصبح العراق اسوأ من كولومبيا ؟

وهل اصبح اللصوص/ الساسة ، اكثر قوة وهيمنة من عصابات المخدرات في كولومبيا ؟

السيدة النائبة تقول ان “هذه المافيات سرقت ٣١٢ مليار دولار لكنها مازالت تبحث عن المزيد تحت عنوان المحاصصة وبيع الوزارات والمناصب الحكومية”.

 السُّراق ــ وكما شخصتهم النائبة ــ هُم جزء من “النخبة السياسية التي تحكم” ، ومازالت هذه النخبة تسرق تحت عنوان المحاصصة الطائفية التي كرسها المحتل الاميركي في الدستور الذي كتبه مع حلفائه الذين جلبهم معه في 9/ نيسان 2003 ، هذا اليوم الذي سقط فيه العراق دولة وشعبا تحت سلطة الغازي الاميركي.

 عمليات بيع وشراء المناصب الحكومية تجري على قدم وساق في كافة وزارات الدولة وفق منطق السوق لاأكثر،وبصفقات مالية ذات ارقام عالية جدا ،وكلما كان المنصب حساسا كلما ارتفع سعره .

 تضيف السيدة النائبة زينب البصري في بيانها فتقول ان “الحكومة العراقية الحالية تتحمل المسؤولية الكاملة في استرجاع هذه الأموال المنهوبة عبر سفارات العراق والمؤسسات القانونية العالمية والإنتربول لأنها اموال الشعب العراقي الذي يعاني من الأزمة الاقتصادية،في حين يتنعم الفاسدون بأموال النفط العراقي دون حساب أو عقاب،طالما ان المحاصصة والتوافقات السياسية تحمي الفاسدين”.

السيدة النائبة بما تدعو اليه من اجراءات لاسترداد الاموال تأتي في وقت مهم وحرج يعيشه العراق، ذلك لان حجم الاموال المسروقة بامكانه ان يسد العجز الذي تعاني منه الدولة والحكومة العراقية والذي وصل الى 35 % من ميزانية الحكومة لعام 2015 وسيتضاعف هذا الرقم مع العام الحالي 2016 .

 من المعلوم لدى المراقبين لأوضاع العراق ان الحكومة العراقية قد لجأت في شهر يناير الماضي الى الاقتراض الخارجي بعد أن عجزت عن تأمين اجور موظفي القطاع العام،واجبرت وزارة التخطيط المكلفة برسم الموازنات السنوية ــ وبتأثير من تذبذب مبيعات النفط ــ على الاعلان رسميا عن الغاء 30 % من مشاريع الوزارات والمَحَافظ الاستثمارية ووضع خطة لبدء العمل رسميا بمشاريع تنفذ بالدفع الآجل .

جدير بالذكر هنا ان نستذكر موازنات العراق الفيدرالية التي بدأت منذ العام 2005،اي بعد تشكيل اول حكومة منتخبة :

2005    ( 30  بليون دولار  )

 2006   (33 بليون دولار    )

2007    ( 41 بليون           )

2008    (48 بليون دولار    )

2009    (58 بليون دولار   )

2013    (118  بليون دولار)

2014 هذا العام لم يتمكن مجلس النواب من إقرار الموازنة بسبب الاتهامات المتبادلة بين المشاركين في الحكم نتيجة ضياع( 123بليون دولار) من خزينة الدولة.

لو جمعنا مبالغ الميزانيات السنوية اعلاه مع المبلغ الضائع لكانت النتيجة (451 بليون دولار) .

مَن يقرأ هذا الرقم من العراقيين سيصاب بألم شديد في قلبه، لأنه مبلغ كبير جدا،ولو تحوّل هذا الرقم الى مشاريع ملموسة ــ وليس وهمية كما هو حاصل ــ لمعالجة الكهرباء التي حرم منها العراقيون منذ عقود ، أوالماء الصالح للشرب،وخاصة سكان مدينة البصرة الذين مازالوا يشربون الماء المالح،أو بُنيت مدارس نموذجية للأطفال بدلا من الابنية الطينية التي يدرسون فيها (عددها يصل الى اكثر من 1000 مدرسة حسب احصائيات وزارة التربية نفسها) أو لتطوير الخدمات الصحية المتدنية في المستشفيات الحكومية(لم يبنى اية مستشفى حكومي منذ سقوط نظام البعث)أو لتحديث الطرق والمواصلات التي  باتت تعكس برداءتها صورة التخلف الذي اصبح عليها العراق مقارنة مع البلدان المجاورة.

 لو تم كل هذا لما وصل العراق الى هذا الحال البائس .

في مقابل التصريحات الواضحة التي كان قد أطلقهاعدد قليل جدا من النواب والخبراء والمختصين أكدوا فيها على الحقائق التي اوردتها السيدة النائبة ومحذرين ما ينتظر العراق من اوضاع صعبة،نجد السيد مستشار رئيس الوزراء الدكتور مظهر صالح والمعيَّنْ بدرجة خبير يدلي بتصريحات الى الصحف بين فترة واخرى ينفي فيها على سبيل المثال عجز الحكومة عن دفع رواتب الموظفين .

فقد نشرت صحيفة المدى يوم الاثنين الماضي تصريحا له، ينفى فيه  الأنباء التي تحدثت عن عجز الحكومة عن دفع رواتب الموظفين، وأكد فيها حرص الحكومة على توفيرها للأشهر المقبلة، فيما أشار إلى أن رواتب الموظفين لا تقل أهمية عن توفير مستلزمات الحرب ضد تنظيم (داعش).” ! .

نحن نتمنى أن يكون كلام السيد المستشار دقيقا ، مثلما نتمنى ان تكون تحليلات الخبراء بهذا الصدد خاطئة،لأننا لانهدف سوى أن يعيش المواطن بكرامة في وطنه وأن لايصيبه اي ضرر. ويؤكد السيد المستشسارفي تصريحاته لصحيفة المدى العراقية على أن “الحكومة حريصة جداً على توفير رواتب الموظفين”، نافياً “ما يشاع من أخبار بأن الرواتب غير متوفرة في الأشهر المقبلة وأن “رواتب الموظفين تدخل ضمن أولويات الحكومة وتوجهاتها الإيرادية النقدية وهي لا تقل أهمية عن توفير مستلزمات الحرب ضد تنظيم(داعش)وأن الحكومة تعطي أهمية للاستدامة المالية التي تعني توفير مستلزمات الحرب ورواتب الموظفين بمواعيدها وديمومتها وهذا هو الشاغل الأساس للدولة وأنها تخطط على ثلاثة مستويات آني ومتوسط وطويل، لتوفير رواتب الموظفين”.

ياسيادة المستشار كلامك هذا على العين والراس، وسنبقى نسير معك على نفس الخط المُطئِمنْ الذي عوَّدتناه عليه وانت تخرج علينا بين فترة واخرى عبر وسائل الاعلام نافيا الاراء التي ترسم صورة اخرى ــ مرعبة ــ لحالة العراق الاقتصادية خاصة في ايامه القادمة،ولن نشكك بما تقول،لكننا سننتظر حتى يجيء شهر ابريل (نيسان) من هذا العام ، لأننا ازاء مانسمعه ونقرأه من تصريحات اضافة إلى مانعيشه ومانلمسه في الواقع، لايمكن ان نتجاهل ما اشار اليه  السيد وزير المالية العراقي هوشيار الزيباري عندما صرح لعدد من وسائل الاعلام قائلا في الشهر الماضي باننا ” في شهر نيسان سنكون عاجزين عن دفع الرواتب ” . آنذاك سيكون لنا حديث آخر ياسيادة المستشار ، فالمهم بالنسبة لنا في كل هذا الجدل الدائر بيننا،ان يكون الناس في مأمن من المفاجأءات الكبيرة التي قد تفقدهم القدرة على مواجهة صعوبات العيش ،والحكومة انذاك ستكون مسؤولة عنها.

هذا هو جوهر ما ينطلق منه الاعلام المهني عندما يتقصى المعلومات بحثا عن  الحقائق دون ان يسمح لنفسه في ان يمارس لعبة الخديعة مع الساسة على المواطن .

اخيرا وليس آخرا،ينبغي ان نذكِّر القُرّاء ،بأن العراق قد تم تصنيفه ضمن آخر تقرير دولي صدر في نهاية العام الماضي( 2015)  من بين اكثر( 10 ) دول فساداً في العالم .

https://al-aalem.com/article/46544-%D9%8A%D9%8E%D8%B1%D8%AF%D9%90%D9%84%D9%8A-%D8%B3%D9%8E%D9%85%D8%B1%D8%A7-%D9%82%D8%AA%D9%84%D8%AA%D9%8A...