الأربعاء، 23 مارس 2016

 الزمان الاربعاء 23 / اذار (مارس ) العدد 5374 الطبعة الدولية http://www.azzaman.com/?p=153716
 
 
 
 

 
 
 
الاسكندرية في غيمة *
رواية للكاتب ابراهيم عبد المجيد 
 
 
تناص العلاقة مابين السرد والتاريخ 
 
مروان ياسين الدليمي 
 
 
تطور الفن الروائي في ادواته السردية ـ في سياقه العام ـ يأتي ضمن استجابته لتحولات يشهدها المجتمع،فتترك اثرها على تجربة المبدع لتنعكس في وعيه وينسحب ذلك الى رؤيته الفنية وهو يتناولها في تجارب ابداعية يحاول فيها تأملها وتفكيكها وتركيبها داخل التجربة ذاتها من منظور ذاتي.
ضمن هذا المنظور للتجربة الفنية الابداعية لايخضع المؤلف الروائي في علاقته الابداعية هذه مع الواقع الى عملية استنساخية، بقدر ما يسعى الى أن تشكيل علاقة جديدة بينه وبين الواقع وفق رؤيته الفنية،يترشح من خلالها واقع جديد متخيّل بعد أن يكون الواقع قد مرَّ بعملية تمثيل في ذات الكاتب لعبت فيها مخيلته دورا جوهريا في اعادة خلقه بصورة أخرى تشير اليه ولا تعكس صورته بالشكل الذي تنعكس الصورة في المرآة .
فالعمل الروائي بمثابة عملية صهرمجموعة عناصر مختلفة مستلة من الواقع في مشغل انتقائي تتلاحم وتتداخل وتتشاكل جميعها على تنوعها في بنية عضوية واحدة داخل التجربة الابداعية .
 
التاريخ والسرد
رواية الاسكندرية في غيمة للكاتب ابراهيم عبد المجيد لم تخرج عن تأكيد العلاقة الجوهرية التي يرتبط فيها المبدع بحركة الحياة والتاريخ،وتتجلى في ثنايا هذه العلاقة ثنائية الوعي:وعي الذات الانسانية + وعي الكاتب بحساسيته الفنية .
فالوعي هنا في هذا العمل الروائي بكليته التي تهيكل بها في هذه الصيغة الثنائية المركبة، قد دخل في بوتقة حالة تأملية اراد من خلالها تفكيك لحظة زمنية تاريخية شهدتها مصربشكل عام وتحديداً مدينة الاسكندرية في منتصف سبعينات القرن الماضي ،وكانت علامتها الفارقة تظاهرات 18 – 19 يناير عام 1977 التي امست جزءا من التاريخ العام والخاص للشخصيات. والكاتب ــ الانسان كان شاهداً لمرتين عليها:الاولى ساعة وقوع الحدث،والثانية عندما استعادها في مخياله السردي .
في الحالة الاولى وعلى الرغم من اتساع مساحة الحدث التاريخي العام بتفاصيل كثيرة وهي اوسع من امكانية الالمام بها جميعها،إلاّ أن سعة الرؤية لدى الكاتب/الخالق تزيح ضيق رؤيته عندما لمّا كان جزءاً من الحدث العام ،وذلك عندما ينفصل عنه في عملية الاستعادة الابداعية بشكلها السردي . 
 
تقانة التنصيص
مارس المؤلف ابراهيم عبد المجيد لعبة التنصيص(من التناص)في اعادة بناء المشهد العام الذي شهدته مدينة الاسكندرية في منتصف سبعينات القرن الماضي الذي احتشدت فيه تفاصيل كثيرة،ولاجل ان يحتويها لجأ الىيها في بناء فضائه السردي معتمدا على اخبار الصحف المصرية وخاصة صحيفة الاهرام كما يشير هو الى ذلك بعد نهاية احداث الرواية " الوقت يجري بالنصف الثاني من العام 1975،واخبار الرئيس السادات تحتل العناوين الرئيسة للصحف،سافر الى فرنسا فأعلنت فرنسا أن طائرات الميراج ستحلق قريبا في سماء مصر،كانت مسرحية "انتهى الدرس ياغبي" لاتزال تحقق نجاحا كبيرا على مسرح باب اللوق،وتم الاعلان عن القبض على ثلاث سيدات تزوجت كل منهن برجلين،وظهرت موضة الشتاء الجديدة في ملابس الرجال الجاكت الواسع والجيبان الخارجيان الكبيران والياقات العريضة واعلن وزير التموين أنه لاتغيير في اسعار اللحوم ..." .
للوهلة الاولى يبدو خياره الفني بالاعتماد على وحدة اسلوبية قائمة على استثمار اخبار الصحف التي تحدد الزمن العام وتوثق احداثه باعتبارها تقانة فنية في تحديد زمن الحدث الروائي منفصلة عن المتن الحكائي،ولن تؤثرعلى مسار الاحداث فيما لو تم حذفها،إلا انها مع تطور الاحداث تفرض ضرورتها وتأتي ضمن سعي المؤلف التنصيصي في التعامل مع الوثيقة داخل ثنايا مشغله السردي وهو يبني تجربته الفنية. وبذلك يمكن القول أنْ ليس ممكنناً أنْ تكتمل رؤية المتلقي لهذا العمل الروائي فيما لو غاب هذا التنصيص عن بنيتها الفنية ،بنفس الوقت يمكن النظر الى الكيفية التقنية التي جاءت بها الوحدة الاسلوبية ــ اخبار الصحف ــ على انها كانت تبدو منفصلة عن البنية الفنية عندما نجد المؤلف قد اعتمد على تقانة السارد العليم بالاحداث بصيغةالضميرالغائب لينفرد في صوته بسرد الاحداث،بينما لوكانت شخصية السارد قد جاءت وفق صيغة اخرى تكون فيها من ضمن شخصيات الرواية عند ذاك سيكون من الممكن الاقتراب بشكل اكبر في توظيف هذه الوحدة الاسلوبية،وفي تكوين علاقة أكثر التحاما وارتباطا في بنية الرواية من الناحية الفنية. 
 
الشخصيات
معظم شخصيات الرواية طلاب شيوعيون يدرسون في جامعة الاسكندرية يرتبطون بعلاقات حميمة مع بعضهم تشكل بحضورها وقوتها معادلا موضوعيا لعلاقتهم مع المكان والزمان وتبدو العلاقة اقرب الى النوستالجيا مع مدينة الاسكندرية بتاريخها وبنيتها المعمارية وحضورها الكوزموبوليتي.
العلاقة فيما بين شخصيات الرواية الرئيسة(نادر،يار،حسن،كاريمان، عيسى)كذلك الشخصيات الاخرى(خريستواليوناني المصور وصاحب البار، نوال المطربة وصاحبة الملهى،الراقصتان غادة وروايح) تزداد عمقا وحميمية كلما شهدت المدينة احداثا سياسية ترتفع فيها درجة سخونتها كما في المظاهرات العارمة التي انطلقت في 18- 19 يناير عام 1977 احتجاجا على قرار رفع اسعار بعض المواد الغذائية،وبسببها تم اعتقال الشخصيات الرئيسة وزجهم في السجون لعدة اشهر،باستثناء يارا التي خضعت للتحقيق وتم اطلاق سراحها في نفس اليوم بعد وساطة من شخصية كبيرة.
تجربة العمل السياسي ودخول السجن القت بظلالها الثقيلة ومرارتها على مصائر علاقات الحب الحميمة التي جمعت نادر مع يارا،وكاريمان مع حسن(يارا أرغمها اهلها على أن تتزوج من رجل يكبرها بأكثر من عشرين عام،وكاريمان حاولت الانتحار بأن رمت نفسها في البحر وتم انقاذها بعد أن كانت قد ضاقت ذرعا بمحاولات زوج والدتها المستمرة التحرش بها واغتصابها رغم انخراطه في موجة التدين التي غزت المجتمع السكندري)وهكذا انتهت ايضا العلائق الانسانية لبقية شخصيات الرواية الثانوية.
بهذه الرؤية التي رسمها المؤلف شخَّصَ ما يمكن أن تؤول اليه العلاقة المتبادلة مابين الفرد والواقع ضمن مجتمع يخضع لمنظومة سلطوية قاهرة تمارس بالتالي دورها في تحديد مصائر الشخصيات وتحطيمها.
 
نوستاليجيا المكان
يستعيد المؤلف مدينةالاسكندرية باعتبارها فضاءا كوزموبوليتيا من الناحية المعمارية والاجتماعية،فهي مدينة عالمية جمعت ثقافات الشعوب المطلة على البحر المتوسط وتفاعلت معها واستمر هذا الحضور الكوني حتى سقوط العهد الملكي عام 1952،وقد تجلى ذلك في شخصية المصور وصاحب الحانة خريستو اليوناني،الذي يقترب من العقد السابع من عمره،ولأنه يعشق المدينة وينتمي لها بقي طيلة حياته يصور كل شيء فيها،واخر مالتقطه كامرته التي كان حريصا على ان تكون معلقة بشكل دائم على كتفه صورا للكازينوهات،والملاهي الليلية بعد أن تولد لديه شعور قوي بانه يشهد اخر ايامها وستقفل جميعها وتتحول الى عمارات ومشاريع تجارية مع بداية صعود المد السلفي الاسلاموي بعد أن تلقى دعما كبيرا من السادات في محاولة منه لضرب التيارات اليسارية والشيوعية،فكان ظهور الجماعات السلفية والتكفيرية على سطح المشهد السياسي إيذاناً بأن وجه الحياة في هذه المدينة العالمية اصبح في خطرشديد وانها ماضية الى ان تتصحر برمال الجزيرة التي جاءت منها هذه الافكار،وخريستو هو اخر اليونانين في الاسكندرية بعد رحلت عنها جميع الجاليات الاجنبية التي كانت تعيش فيها منذ عقود طويلة،بينما هو يصر على ان لايرحل عنها " أنا لن أسافر خبيبي . أنا إسكندراني " ،كما تبدو هذه العلاقة الوجدانية مع الاسكندرية في شخصية عيسى الطالب الجامعي الماركسي الذي وصل الى العقد الرابع من عمره متنقلا من كلية الى اخرى ولايريد ان يتخرج ويغادر حياة الطلبة لانه يسعى الى ان ينشر الفكر الماركسي بين الطلبة من غير ان يكون هو شخصيا منتميا الى الحزب الشيوعي،ويتقصى عيسى عن اية معلومة تاريخية لها صلة بالاسكندرية،عن عماراتها التي بناها الايطاليون،مقابرها التي تضم رفات الجنسيات الاجنبية التي عاش افرادها فيها،مطاعمها،فنادقها،متحافها، شوارعها،احيائها السكنية وماجرى عليها من تحولات وتغيرات من بعد العدوان الثلاثي على مصر عام 56 . ولعل المقطع الشعري الذي اختاره المؤلف من قصيدة للشاعر السكندري المولد واليوناني الاصل قسطنطين كفافيس والتي حملت عنوان "عندما تخلت الآلهة عن انطونيو"ليكون مقدمة يرسم من خلالها المناخ العام للرواية قبل الدخول الى عالمها افضل اشارة على طغيان النوستالجيا وعلى انهاكانت دافعا جوهريا لكتابة هذا العمل :
"حينما تسمع في منتصف الليل فرقة من المغنين
تمر في الطريق غير مرئية
بموسيقاها الصاخبة
بصياحها الذي يصم الآذان
كف عن أن تندب حظك الذي ضاع
كُن كمن هو على أهبة الاستعداد من قديم
كشجاع جريء
كما لو كنت أهلا لها حقا
أهلا لمدينة مثل هذه
اقترب بخطى ثابتة من النافذة
واستمع بحزن
استمع حتى النهاية إلى الاصداء المبتعدة
واستمتع بها
استمتع بالنغمات الرائعة من الفرقة الخفية
التي تمضي إلى الزوال
ودِّعْها
ودِّع الاسكندرية
الاسكندرية التي تضيع منك
إلى الابد .
*هذه الرواية صدرت بطبعتها الاولى عام 2012 وترشحت للقائمة الطويلة لجائزة البوكر للرواية العربية عام 2014 ،وهي الجزء الثالث من ثلاثية الاسكندرية للمؤلف ابراهيم عبد المجيد ،الرواية الاولى "لاأحد ينام في الاسكندرية "واحداثها تدور خلال فترة الحرب العالمية الثانية،والرواية الثانية"طيور العنب "واحداثها تجري في الفترة التي اعقبت حرب السويس عام 1956 ،




إرسال تعليق

«عام السرطان» للعراقية سالمة صالح: دلالة الاتكاء على استراتيجية السَّرد السير ذاتي مروان ياسين الدليمي http://www.alqu...