السبت، 19 مارس 2016

الآن ·http://www.middle-east-online.com/?id=220595
First Published: 2016-03-19
First Published: 2016-03-19


بعد مخاض الموصل حدود المستقبل لا يرسمها الماضي


ستبقى الموصل حتى بعد تحريرها من قبضة داعش ابعد ما تكون من الاستقرار، وستشهد وضعاً اقل ما يمكن وصفه بحرب طائفية تمتد لعام او عامين على الأقل.
ميدل ايست أونلاين

بقلم: مروان ياسين الدليمي

ليس تشاؤماً اليقين بأن الاستقرار لن تعرفه المدن ذات الغالبية العربية السنية بعد أن تتحرر من سيطرة تنظيم الخلافة "داعش" خاصة مدينة الموصل.
ربما ستشهد بقية المدن مثل الانبار وصلاح الدين الى حد ما حالة يمكن أن تسمى استقرارا نسبياً إلا أن الموصل ابعد ما تكون عليه من حالة الاستقرار، وستشهد عوضا عن ذلك وضعا اقل ما يمكن وصفه بحرب طائفية تمتد لفترة قد تصل الى عام او عامين.
كثيرون سيجدون مثل هذا الاستنتاج مجرد كلام لاأكثر، يصدر عن شخص متشائم، أويحمل افكارا في مجملها تعبر عن كراهية عميقة لسلطة بغداد ومنطلقه طائفي بالدرجة الاساس.
ليس غريبا في عراق ما بعد 2003 أن يتم تخوين اي رأي، بعد أن تمكنت الاحزاب المشاركة في العملية السياسية من سحب قطاع واسع من المجتمع الى مستنقع افكارها الطائفية، وهذا لن يقتصر على السنة والشيعة اللذين يشكلان ابرز ما يظهر في حمى هذا الصراع الدائر فقط، بل تعدى ذلك ليشمل بقية المكونات الاخرى ومن غير المسلمين ايضاً.
فهؤلاء ما كان من الممكن ان يبقوا بمنآى عن التأثر والانشداد الى هذا الايقاع العام المتشنج الذي يسري في مناخ العراق السياسي، مع أنني استطيع القول بأن العدد الاكبر من الشعب العراقي ما يزال بعيدا بدرجة ما عن مناخ التخوين الطائفي الذي نجده لدى الاحزاب والكتل السياسية التي تسعى كل واحدة منها وبكل ما لديها من امكانات لأجل ان تكون الطائفة او الاقلية التي تنادي باسمها صورة عن طائفيتها وعنصريتها الايدلوجية.
الموصل تعد اكبر مدينة بعد العاصمة بغداد وفيها من التنوع القومي والديني والطائفي ما لا نجده في اية مدينة عراقية بهذه الكثافة، فبالاضافة الى العرب الذين يجيئون في مقدمة السكان من حيث العدد ويشكلون نسبة تصل الى اكثر من 60% من السكان يأتي الكرد الذين يشكلون النسبة الثانية من بعدهم ولربما تصل الى أكثر من 20%، ثم المسيحيون والايزيدية والشبك، وإن لم تصدر حتى الان احصاءات رسمية حديثة ودقيقة حول هذا الموضوع، على الاقل منذ عشرين عاماً، وآخر احصاء سكاني شهده العراق كان عام 1997.
هذا التنوع الذي كان من سمات هذه المدينة ذات التاريخ العريق الموغل في القدم اصبح بعد العام 2003 يحمل في داخله اشارات غير مطمئنة كلها تفيد بأن عهد التعايش التاريخي الذي عرفته بين مكوناتها وكان سببا في تأكيد فاعلية دورها الحضاري في العراق الحديث المهدد بالتفتت، وأن ما ينتظرها خلال الفترة القريبة القادمة لا يبعث على السرور، وعلى انها ماضية الى مسار سيأخذها الى مستقبل محفوف بالمخاطر، نتيجته ستكون واضحة على خارطتها الجغرافية التي سيحدث فيها الكثير من التغيير، وسينشأ عن ذلك حواجز وسيطرات ومخافر حدودية ستفصل بين الكثير من مدنها ومناطقها، وأن عهد المجتمع الموصلي الذي يتشكل من قوميات واديان وطوائف مختلفة ومتنوعة سيطوى الى الابد.
هذه الصورة التي نتوقعها والتي ستكون عليها الموصل في قادم الايام ليست مفاجئة ولا صادمة لمن ينتمي لها، بل يكاد جميع الموصليين لديهم هذا الشعور بدرجة او بأخرى.
ليس مهما هنا فيما إذا كان البعض من الموصليين رافضا او متفهما او قابلا بما سيحصل من تغيير لخارطة مدينته، طالما أن الواقع اصبح الواقع من القوة بحيث لا يدع مجالا لمواجهته.
وفيما لو اراد البعض ممن يرفضون التغيير القادم ان يواجهوا ذلك بالقوة والمقاومة فإن معركتهم ستكون خاسرة، وذلك لان ما يترشح عن طبيعة الصراع الدائر في المنطقة هذه الايام والذي اكتسب سمته الدولية يفضي بنا الوصول الى هذه القناعة.
التقسيم بات يقف على بعد خطوة منّا، خاصة وأن هنالك اصواتاً كثيرة ـ من كل مكونات المجتمع الموصلي ــ لا تخفي رغبتها القوية بالتقسيم، ولهذه الرغبة اسباب متعددة، منها ماهو متعلق بما كانت قد شهدته المدينة من عنف وقتل على الهوية خلال الاعوام الماضية راح ضحيته العشرات من ابناء المكونات والاقليات بشكل خاص، الى الحد الذي اصبح من الصعب تواجدهم فيها بشكل علني حتى قبل سلبقوطها تحت سلطة تنظيم داعش، مثل الايزيدية والشبك والمسيحيين.
بل كادت مدينة الموصل تخلو قبل 10/ 6/2014 قد خلت من الاقليات والطوائف، وبعد هذا التاريخ يمكن القول بأن وجودهم قد انتهى بشكل نهائي بعد ان تعرضوا الى عمليات تهجير قسري من قبل تنظيم داعش، وتمكن التنظيم ايضا خلال العام والنصف الذي تمكن فيها من فرض وجوده وسلطته عليها من تغذية مشاعر الكراهية ضدهم، وهذا المنهج الاستعدائي في مقدمة ما تعمل عليه منظومته الايديولوجية.
ليس من السهل وفق هذا الواقع الملتبس والمعقد ان تعود الثقة التي كانت قائمة بين مكونات المجتمع الموصلي الى ماكانت عليه قبل العام 2003، وبات من الصعب امكانية التعايش والعيش بشكل مختلط فيما بينها على الاقل في حدود الثلاثة عقود القادمة.
من هنا يصبح مطلب الاقليات بالتقسيم أمراً قائما وملحا من قبل الاقليات مع بقاء نظام الحكم في العراق على ماهو عليه والقائم على اساس طائفي وليس على اساس المواطنة، بذلك سيحقق التقسيم وفق هذا المنظور الأمن للأقليات في المناطق التي سيتجمعون فيها ويوقف نزيف الدم الذي لم يتوقف منذ سقوط نظام البعث.
السبب الآخر لتصاعد الرغبة بالتقسيم يعود الى حسابات القوى الدولية الكبرى التي لم تخف نواياها في اعادة تقسيم خارطة منطقة الشرق الاوسط من جديد.
والمسألة هنا لها دوافع وحسابات كثيرة منها ما هو معلن ومنها ماهو غير معلن، لكنها في مجملها لن تخرج عن قضية الصراع العربي الاسرائيلي، في الدرجة الاولى، هذا اضافة الى العامل الاقتصادي المتعلق بالصراع على خطوط انابيب النفط والغاز ما بين روسيا والغرب بشكل عام.
وفيما يخص الحفاظ على دولة اسرائيل وامنها فهذا الامر لم يعد أمرا خافيا بل يعد من اولويات السياسة الغربية، وكل ما شهدته المنطقة العربية من عواصف كانت قد بدأت مع ما يسمى بالربيع الربيع في مطلع 2011 وما تمخض عنه من انهيارات امنية وسقوط انظمة وتمزق بلدان جاءت بمجملها بنتائج صبت جميعها لصالح دولة اسرائيل وامنها.
لوالقينا نظرة عابرة على خارطة المنطقة العربية من المحيط الى الخليج لوجدنا ان اسرائيل هي البلد الوحيد الذي يتمتع باستقرار تام على جميع الاصعدة، هذا بالاضافة الى ايران، التي لعبت هي الاخرى دورا رئيسا بما يجري من صراعات، كما لا نستطيع ان نغفل دورها في تغذية النزاعات الطائفية سواء بشكل مباشر عبر المليشيات التي تدعمها او بشكل غير مباشر عبر القوى السياسية التي استطاعت ان تكسبها الى جانبها سياساتها في المنطقة كما هي الحال في العراق مثل حزب الدعوة والمجلس الاعلى وحزب الله العراقي او التي لا تترد في ان تفصح عن ايمانها ودعمها لمشروع نظام ولاية الفقيه الذي تسعى ايران الى اقامته في العالم الاسلامي كما هو الحال مع حزب الله اللبناني.
لا أقصد من وراء ذلك الترويج لفكرة نظرية المؤامرة الذائعة الشيوع في منظومة تحليلاتنا وتأويلاتنا، والتي دائماً ما نؤكد فيها على ان اسرائيل تقف وراء كل مايجري من صراعات في المنطقة واضفنا اليها ايران في العقد الاخير.
وحتى فيما لو كانت اسرائيل قد لعبت هذا الدور ومعها ايضا ايران، فإنني لن اضع نظرية المؤامرة في مقدمة اسباب ما وصلنا اليه، ولن احملها المسؤولية كاملة لكي ارفع عن مجتمعاتنا وعن الانظمة العربية المسؤولية.
بل على العكس من ذلك اجدني في موقف يدفعني الى ان احمل الأنظمة السياسية في المنطقة كامل المسؤولية لانها كانت وما زالت متخلفة في رؤيتها للأوضاع في مجتمعاتها، ودائما ما كانت تلجأ الى القمع والكذب والتزييف للهروب من مسؤولية فشلها في معالجة الازمات الداخلية والقائها على اسرائيل، ومعها ايضا تتحمل معظم القوى السياسية المعارضة للسلطة بدرجة أو بأخرى بكل ما وصلت اليه احوال المنطقة لانها لا تمتلك مشروعا حقيقيا لبناء مجتمعات سليمة ومعافاة من العلل والامراض الفكرية بديلا عن الانظمة القائمة في حالة استلامها للسلطة، ولعل العراق ابرز نموذج على هذه الحقيقة.
خلاصة القول ان المخاض الذي تعيش مقدماته مدينة الموصل منذ عدة اعوام سيرسم صورتها بعد تحريرها من سلطة تنظيم داعش ولكن على غير الصورة التقليدية التي عُرفت بها، وسترى اعيننا مدنا أو اقاليم تولد منها،وعلى اسس دينية وطائفية وقومية.
وفيما لو تحقق ذلك ـ وهو الاقرب ـ سنشهد صراعا شديدا فيها لن يطول كثيرا، يعقبه استقرار امني لفترة طويلة نسبيا، مع بقاء اصوات رافضة للتقسيم تعلو بين فترة واخرى، خاصة من ناحية العرب السنة تريد العودة الى ما كانت عليه حدود محافظة نينوى قبل 2003.
إرسال تعليق

«عام السرطان» للعراقية سالمة صالح: دلالة الاتكاء على استراتيجية السَّرد السير ذاتي مروان ياسين الدليمي http://www.alqu...