الثلاثاء، 22 مارس، 2016

http://www.middle-east-online.com/?id=220824
 
 
 
 
 
 ميدل ايست اونلاين 
 
 
أين يقف مقتدى الصدر

بقلم: مروان ياسين الدليمي

لم تكتمل ادوات التغيير الثوري في العراق حتى هذه الساعة، وإن كانت المظاهرات الحاشدة التي دعى الى اليها رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر قد تُحدِث خللا في الرؤية والتصور لدى البعض عندما ينظر اليها فيتوهم كثيرا بظاهر صورتها، مما قد يشكل لديه قناعة غير حقيقية على ان ما يراه من حشود باتت تتجمع كل يوم جمعة ماهي إلاّ خطوة متقدمة باتجاه نضجها وثباتها وانها بدأت فعلا تكشف عن نفسها وحضورها الفاعل في تغيير ماهو قائم من بناء سياسي نظرا لما يحمله من اخطاء بنيوية لا يمكن التغاضي عنها.

من يخرج بهذا الاستنتاج/الوهم نستطيع القول عنه بانه لا يملك معرفة كافية بحقيقة المشهد السياسي العراقي بعلاقاته المتشابكة الخطوط مابين جميع اطرافه، بما فيهم اولئك الذين يبدون امامنا خصوماً بينما هُم ليسوا بخصوم في حقيقة الامر وإن انطلت على عموم الناس هذه الخدعة فبدا لهم بأن هؤلاء ليس من الممكن ان يلتقوا في نقطة معينة بينما حقيقتهم خلف الكواليس على العكس تماما. فالخلاف والاختلاف بينهما كما يبدو في ظاهر الصورة والذي يصل على شاشة الفضائيات حدّ أن يتطاول احدهما على الاخر بعبارات التخوين والعمالة في حقيقة الامر لا وجود ولا أثر له بعد انتهاء معركتهم التلفزيونية، فالمصالح المشتركة القائمة على صفقات واعمال بينهما لا يمكن للخلافات الطائفية والعقائدية ان تنسفها، والثابت هنا أن ما هو متفق عليه بين جميع الفرقاء هو العمل على بقاء النظام السياسي بشكله القائم وبجميع علله ورموزه وينبغي الحفاظ عليه والدفاع عنه.

مقتدى الصدر لم يكن في يوم ما خصما حقيقيا ولا مقاطعا لهذا البناء السياسي منذ تأسيسه بعد سقوط نظام البعث عام 2003 وحتى هذه الساعة، والحقيقة التي لا يستطيع أن ينكرها احد أن الصدريين لعبوا الدور الأساسي ــ ولم ينافسهم بذلك اي طرف آخر ــ في أن يأتي المالكي الى الحكم ــ بكل اخطاءه وخطاياه ــ سواء في ولايته الاولى أوالثانية، ولولاهم لما تمكن من الوصول الى منصب رئاسة الوزراء ابدا، فما هو مؤكد وثابت ولا يقبل الجدل انهم كانوا بيضة القبان في صفقة منحه فرصة ذهبية لم يكن يحظى بها من دونهم، بذلك هم يتحملون مسؤولية كبيرة بكل ماجاءت به فترة حكمه من تبعات ونتائج مدمرة شملت كافة جوانب الحياة.

وعلينا بهذا السياق أن لا ننسى بأن الصدريين كانوا جزءا من التشكيلة الحكومية سواء في عهد المالكي أو العبادي، هذا اضافة الى أن لهم في دورة البرلمان العراقي الحالية 30 مقعدا نيابيا واربعة وزراء.

وفق هذه الصورة يمكن النظر الى تظاهرات الصدريين وليس بمعزل عنها، ومن الخطأ الانسياق وراء العواطف التي نحملها جميعا ونحن نتوق شوقا الى التغيير، وإلاّ سنصاب بخيبة اخرى تضاف الى الخيبات السابقة التي كنا فيها ايضا متفائلين.

لربما سيقول قائل: انطلاقاً من الصورة المتشائمة التي تطرحونها عن تظاهرات الصدريين التي تطورت الى اعتصامات ابتدأ من يوم الجمعة 18 مارس/اذار فإننا نلحظ فيها وجها آخر نقيض الذي سوّقتموه يمكننا من خلاله ان نقول بأن الصدريين تقدموا خطوة كبيرة على طريق النقد الذاتي وتصحيح المسار، ونستطيع تفسير تظاهراتهم هذه في كونها ثورة على الذات قبل ان تكون تمردا وانقلابا على الشركاء في الحكم، وأن هذا الاحتمال ليس بمستبعد خاصة إذا ما أُخذ بنظر الاعتبار ان الصدر نفسه لم يكن في يوم من الايام طامحا في منصب، ولو كان يسعى الى مسك راس السلطة ذاتها لنالها بكل سهولة اعتمادا على قدرته في ان يحشد الألاف من اتباعه ومن الشيعة الفقراء والمحرومين، هذا اضافة الى انه يستمد وجوده ورمزيته من خلال رصيد نضالي ورثه من عائلته ضد النظام السابق.

لربما هذا التفسير يحمل قدرا كبيرا من الصحة والمقبولية وإن كنّا لا نعلم مدى نسبته. بنفس الوقت لانستطيع ان نستبعد فكرة ان تكون دعوة مقتدى الصدر لم يكن هدفها الاصلاح بذاته ــ وإن كان هو الشعار المرفوع ــ بقدر ما تأتي وهي على هذه الدرجة من التصعيد نتيجةً او رد فعل على ما جاءت به ردود افعال المالكي ازاء الدعوة الى الاعتصامات امام المنطقة الخضراء قبل اسبوع من اعلانها عندما استخف بها بنفس الطريقة التي تعامل بها مع اعتصامات الانبار وصلاح الدين والموصل قبل سقوطها تحت سلطة تنظيم الخلافة داعش.

فالصدر يبدو وكأنه اراد ان يرد على المالكي بالطريقة التي يجعله يفهم فيها الاجابة واضحة وقوية ويؤكد له على أنه قادر على ان يسحب من تحت اقدامه بساط القوة مثلما كان قد منحه اياه ولمرتين متتاليتين، والتي طالما استخدمها ــ اي المالكي ــ لضرب وتسقيط خصومه.

ليس من المنطقي القبول بفكرة امكانية التغيير اوالاصلاح لنظام ينهض على اسس طائفية اعتمادا على ان يتحمل النظام نفسه هذه المسؤولية وبنفس رموزه.

من المرجح ان الاعتصامات ليست إلا محاولة من التيار الصدري لاستعادة الشارع باللعب على شعار الاصلاح الذي هو مطلب مجتمعي يفرض نفسه بقوة شديدة. وتأتي خطوة الصدريين هذه بعد ان لعبت بعض الميليشيات خلال الحرب على داعش طيلة العام الماضي دورا كبيرا في سحب قطاع كبير من المحرومين والفقراء الى صفوفها مع انهم يشكلون راس مال التيار الصدري وخزينه الذي يراهن عليه.

ومن الممكن ايضا ان تكون اعتصامات التيار الصدري محاولة منه لإعطاء النظام السياسي القائم ــ وهو ما يزال جزءأً رئيسيا من بنائه ولم ينفصل عنه ــ فرصة ان يستعيد توازنه من جديد بعد أن اصبح في حالة حرجة جدا لا يحسد عليها خاصة بعد ان اصاب الافلاس خزينة الحكومة وباتت شبه عاجزة عن سداد رواتب الموظفين. لذا تأتي الخطوة بالاستجابة لبعض المطالب مرحلة اولى من الخطة ومن ثم يبدأ اللعب بالزمن في مراحلها المتقدمة لتمييع حقيقة المطالب الشعبية اعتمادا على الاسلوب ذاته الذي طالما اعتمده العبادي منذ استلامه للمسؤولية خلفا للمالكي، إذ لم يبد اي مصداقية في تنفيذ جميع وعوده بالاصلاح والتغيير والتي طالما ادعى عزمه بالاقدام عليها، رغم ان المتظاهرين كانوا قد منحوه تفويضا جماهيرا قبل عدة اشهر هذا اضافة الى ما كان البرلمان قد منحه اياه لكنه لم يف بوعوده فأهتزت بذلك الصورة الجميلة التي كانت قد رسمتها له مخيلة العراقيين المحرومين والمتعطشين الى سياسي يصدق معهم بوعوده.

الصدر بكل الاحوال يحاول ان يكون مؤثرا في الوسط الشيعي العراقي على نفس الصورة التي عليها حسن نصرالله في لبنان، ولكنه يفتقد ما يملكه نصرالله من سمات شخصية ابرزها قدرته على التفكير والتحليل بطريقة مؤثرة لا تخلو من ذكاء ودهاء عاليين، هذا اضافة الى ما تملكه خطاباته من تأثير على جمهور المستمعين اليه. ومحاولة مثل هذه نتيجتها ستكون ليست في صالحه فيما لو كانت في حساباته، فلكل شخصية مقوماتها وظرفها الذاتي والموضوعي بما يجعلها في المكانة التي هي عليها، إلى جانب ذلك فان الصدر نفسه يحمل هو الاخر من البساطة في التصرف ما يمكن ان يحسب له ولا تتوفر لدى غيره وربما هذه السمة كانت عاملا اساسيا في ان يحظى بمثل هذه الشعبية وأن تتعاطف معه جماهير واسعة من الشيعة الفقراء الذين وجدوا فيه شخصا أقرب إليهم من غيره.

وازاء حالة النظام السياسي في العراق بما وصل اليه من انسداد شبه تام في قنوات الاتصال والثقة والتفاعل مابينه وبين عموم المجتمع العراقي بعد أن عكس قادته واحزابه اسوأ صور الاداء السياسي بما ارتكبوه من انتهاكات وخروقات لكل القوانين، واشاعوا ابشع صور الفساد والنهب واللصوصية، فإن المراهنة على التيار الصدري باعتباره القوة التي يمكن ان تحدث التغيير أظنها تحمل تبسيطا ساذجا في التشخيص بنفس القدر الذي تبدو فيه في لحظة من اللحظات التفافا على ممكنات التغيير.

خلاصة القول يمكن لاعتصامات الصدريين او اي اعتصامات تدعو اليها اية جهة اخرى أن تبعث قدرا من الثقة فيما اذا كانت في اجندتها تسعى الى تحقيق النقاط الاتية:

- تقديس الانتماء الوطني واعتباره معيارا وحيدا في الفرز بين المواطنين بدلا عن الانتماء الطائفي.

- ان ينحو النظام السياسي باتجاه تكريس مفهوم الدولة المدنية.

- الغاء جميع المظاهر الميليشاوية بكافة مسمياتها، وبدلا منها أن تتحمل قوات الجيش والشرطة وبقية الاجهزة الرسمية مسؤولية الحفاظ على وحدة وامن البلاد.

- ان تتم مساءلة قادة حزب الدعوة والتحالف الوطني عن كل ماجرى في عهدهم من دمار للبلاد والعباد.

- ان يتم مسائلة المالكي باعتباره القائد العام للقوات المسلحة طيلة فترة حكمه، بذلك يكون المسؤول الاول والاخير عن قرار سحب الجيش العراقي من مدينة الموصل مما تسبب في سقوطها وسقوط صلاح الدين والانبار تحت سلطة تنظيم داعش الارهابي ونتيجة ذلك نزح وتهجَّر الملايين من العراقيين.

- ان يتم مساءلة ومحاكمة كافة القادة العسكريين الذين انسحبوا من الموصل ولم يتحملوا مسؤولية القتال ضد داعش.

- ان يخضع جميع المسؤولين الحكوميين من وزراء وساسة ونواب في البرلمان واعضاء مجالس المحافظات والمجالس المحلية لقانون من اين لك هذا.

- ان يصدر قانون يتضمن انزال اقصى العقوبات بحق اي شخص يحمل الجنسية العراقية يثبت تورطه بجريمة الاشهار العلني لعبارات طائفية وعنصرية مسببا بذلك اساءة وتجريحا لطائفة او مكون معين.

- أن لايسمح لرجل الدين بممارسة اي دور سياسي.

- ان يكون الشعب ممثلا بمجلس النواب وليس اي مرجعية اخرى مصدر القرارات.

- يمنع تشكيل احزاب وفق منظور قومي أو ديني أو طائفي أو عشائري وان يقتصر تشكيلها على اسس وبرامج وطنية.



إرسال تعليق

هل ستختفي الموصل القديمة https://al-aalem.com/article/46615-%D9%87%D9%84-%D8%B3%D8%AA%D8%AE%D8%AA%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D...