السبت، 28 مايو، 2016

http://www.alquds.co.uk/?p=540436 

صحيفة القدس العربي 

تحتَ جَفنيكْ

مروان ياسين الدليمي

May 27, 2016
ألأنهار ما عادت تسألـنـا
وزّعتنا على حروف أبجديتها
سلّمتنا للحَمَام
يشربُ من دمعنا
مِن شمال الأرضْ حتى جنوب النّدمْ
فهلْ فرَغَت أبواقُ الشقاء مِن شقِّ الرّوح
كما لو أنّها رحى
تصحو على طعم الغياب؟
هل نكتفي بالزحف وراء ظِّلِّ أعوج
ما بين الصورةِ والرّسم المُظَّلل
على طول طريق مُمَغنَط بالشحوب
أم نكتفي بالدوران حول أفواهِنا
ما بين الفجر
وآخر المساء؟
رغوة التحليقْ
مِن بعد انكسار الصوت في معدِن الليل
تركتْ بصمَتَنا فوق الوسادة
أقلقتنا
وما مِن سبيل لكي تُمحى بأخطائِنا.
هذا ليس اختياراً لكفِّ الرؤى في ساعة الاشتباك
لمَ لا يكون احتكاكاً لسماء الجوع بسياج القهقهات
أو اهتزاز الثريا أمَام عينٍ مُغمضة.
الضلوع باردة في بركة الفولاذ
وإنْ مدّت لسان التوجّس في سماء مِن فخارْ.
دمُ الأصابع يراقب الباب
يحملهُ مركبٌ إسمنتي
تحت زخاتٍ من رصاص
فهل فَرَغت أبواقُ الشقاء
أمْ تلكأتَ في استعادة النَّغم
أمْ أن أصواتنا انداحت على رمل الصحارى؟
أقلَقَتْنا معزوفة الدوران
واختنقت براءتنا فوق التراب
هكذا التفتْنا بالحشرجة من صحراء إلى صحراءْ
وما سمعنا سقوط الضباب الوثني
بين الثياب الزنِخَة لقوافل الرحيل صوب البحر.
بعد أن تثلّمت مفاتيحُ المُوَاءمَة ما بين الأزيز والنحيب
ابتدأت معزوفة القلعْ بين ازقةٍ مرقّطة بالجوع
فهل ستحدث معجزات في معدن الصوت الهَرِم للأبواق
أمْ ستبقى ترنيمة من نحاس تَسلُّ الأوتار من حناجر ملقاة فوق الحَجَر
أمْ سنكتفي بالدوران حول أفواهنا؟
ها أنتَ لمْ تتّعِظْ
مازلْتَ كما أنتْ
تعبثُ بالنار
تُخبئّها تحت جفنيك
تنزف أسئلة
ما بين التراب والدَّم.
أين هم أترابك
لا ظلال لهم على خطوط كفيّك
وأنت تمضي بين ضجيج الجموع
تعُضُّ الكلمات
ما بين رأسك والفم المغلق
هناك ضاعوا فوق موائد دبقة
غيَّروا حروف أبجديتهم
تزحلقوا على مرمر أجساد بلا شمس.
لن تفرغَ أبواق الشقاء من العَزف تحت الأظافر حتى تَنْخلِع
وأنا مازلتُ أعبث بالنار
أخبئها أسئلة تحت جفنيّ.
رأسي يقذف بي
أتتبع أثر الصوت
واكتئاب الظُفر النّابت في سماء الروح.
مسكونٌ بالنار
منفيٌ مِن أضلاع النهر
أشقُّ طريقي خطأً أكثر من مرة.
حين تلكَّأنا في استعادة النّغم
أختنقتْ براءتُنا
وتثّلمتْ مفاتيحُ المواءمة في بركة فولاذ.
ها أنت لم تتعظ
مازِلْتَ تُخَمِّنُ رجوع الصوت
تعبثُ بالنار تحت جفنيك
بينما الصورة تدحرجت
ما بين التراب والدَّم
والغيم على كتفيك يرتمي بلا رائحة.
فهل فرَغَت أبواق الشقاء
أمْ تلكأتَ في استعادة النَّغم؟

الاثنين، 23 مايو، 2016

May 23, 2016
http://www.raialyoum.com/?p=445071 صحيفة راي اليوم

أيها السّاسة في العراق : تعلّموا الأمانةَ مِن المواطنة “حَسْنَة مَلَصْ”


مروان ياسين الدليمي
من البديهي أن قيم الامانة والاخلاص والثقة والنزاهة تشكل بحضورها مقياساً واضحا للحكم على الافراد والمجتمعات والحكومات،من خلالها يمكن الفرز فيما لو كانوا متمدنين او متخلفين او اسوياء او منحرفين .
هذه القيم على سموّها لن يقتصر حضورها على اناس تلقوا تعليما وتثقيفا ،او اولئك الذين يتنعمون في بحبوحة من العيش المرفّه يزيح من دواخلهم نزوات ونزعات آثمة وهدامة، بل من الطبيعي ان نجد هذه القيم  لدى اصناف من البشر لم يتلقوا تعليما ،ولربما اناس نجدهم مشردين وهائمين في الشوارع .
ومن الطبيعي ايضا ان نجدها في اوساط اخرى قد لايتوقعها بعضنا،بل ربما سيتفاجى اي واحد منّا فيما لو صدرت عن شخص يتمتع بسمعة سيئة  بين عموم الناس لكونه يعمل في مهنة تعد مصدرا للشبهات والانحلال الاخلاقي.
قيم النزاهة والاخلاص موجودة لدى البشر بالفطرة بدرجات متفاوتة تزداد وتنقص تبعا لجملة من العوامل والشروط الموضوعية التي تحددها الحاضنة الاجتماعية والمشروطة بمجموعة الانظمة والقواعد والتقاليد والاعراف التي تنظم العلاقات بين الافراد مع بعضهم او مع  بقية مؤسسات المجتمع ابتدأ من العائلة ومرورا بنظام المرور واداب الحديث وانتهاء بالعلاقة مع مؤسسات الدولة والسلطة .
لربما قد يجد البعض ان هذه المقدمة فضفاضة وتبعد كثيرا عن واقع بات يعيشه الناس يتسم بالقسوة والوحشية والسطحية بنفس الوقت،ولم يعد مثل هذا الكلام صالحا للاستعمال البشري،ومثيرا للسخرية لدى كثيرين قد لايجدون وقتا لسماعه،ربما اغلبهم مشغول بهاتفه الجوال اكثر من اهتمامه بانسان قريب اليه أو آخر يتم الاعتداء عليه من قبل مجموعة اشخاص بينما هو يسير في الشارع .
وحتى فيما لو انتبه الناس لحدث يجري امامهم وهم في غمرة انشغالهم بهواتفهم عندها سيكون رد فعلهم السريع والطبيعي بأن يلتقطوا  صورا او مقطع فديو بكامرة موبايلهم ليسارعوا في  عرضه على الفيس بوك،وهنا لايتم التفاعل مع الحدث نفسه نظراً لخطورته انما بقصد الحصول على اكبر عدد من (اللايكات) او تعليقات غريبة عجيبة عادة مايتبادلها  اصدقاء افتراضيين على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي لاتجمعهم رابطة انسانية حقيقية بقدر ما يجمعهم واقع افتراضي.
مناسبة هذا (الوعظ)الاخلاقي الذي بات يبعث على الملل في هذه الايام الرَّقمية انني تلقيت رسالة من احد متابعي برنامجي الذي اعده واقدمه على احدى الفضائيات المحلية أرسلها لي عبر بريد القناة الالكتروني وطلب مني ان اقرأها وفيما لوجدتها تلتقي مع رسالة البرنامج يرجو مني ان اعرضها على المشاهدين .
صاحب الرسالة يسرد لي حكاية طريفة إلاّ انها تحمل بين طياتها دلالة عميقة لها صلة مباشرة بموضوعة قيم النزاهة والامانة والثقة التي افتتحنا بها هذا المقال،وبالفعل محتوى الرسالة ومضمونها دفعني لأن أعرضها على المتابعين .
الرسالة :
 كثير من العراقيين الذين عاشوا فترة شبابهم خلال فترة الخمسينات والستينات والسبعينات وحتى الثمانينات لابد له وقد سمع كثيرا بإمرأة تدعى(حسنة ملَص) التي كانت تملك عددا من الملاهي الليلية في مدينة الموصل،وكان لهذه المرأة حساب بنكي جاري في مصرف الرافدين.
يواصل صاحب الرسالة فيقول : كنا نحن شلة موظفين مترفين في سبعينات القرن الماضي، حيث كان واحدنا يتقاضى راتبا قدره( 40) دينارا،وهذا المبلغ في تلك الفترة يعد ضخما ،حتى اننا كنا نعطي منه (30 )  دينارا للبيت ونحتفظ بعشرة دنانير كمصرف جيب لنا طيلة الشهر، شلتنا تلك كان من بينها مدير احد اقسام مصرف الرافدين ، وفي يوم من الايام فاجئنا صديقنا هذا عندما سرد لنا حدثا وقع في المصرف الذي يعمل فيه وقد إبتدأ حديثه بجملة لازلت اذكرها :”اليوم رأيت العجب العجاب” . فالتفتنا اليه جميعا وكلنا اذان صاغية . فتابع حديثه ” يوم امس ارغم المدير جميع الموظفين على البقاء داخل مبنى المصرف بعد انتهاء الدوام الرسمي  ولم يسمح لنا بالمغادرة الى ماقبل المساء والسبب في ذلك يعود الى انه قد اكتشف  وجود نقص في المبلغ عند تطبيق  الحساب اليومي للبنك . لم نستطع معرفة كيف حصل هذا النقص ، وهذا ما دفعنا الى الاتصال بجميع العملاء لعل احدهم وعن طريق الخطأ قد وصله المبلغ . لم يخطر في بالنا في حينها ان نتصل بحسنة ملص لانَّ في داخلنا جميعا قناعة جازمة بأنها امرأة ذات سمعة سيئة، لكونها تدير ملاه ليلية ولايمكن ان تتحلى بقيم النزاهة والامانة حتى تدفعها الى ان تعيد المبلغ فيما لو ذهب اليها خطأ . المهم في الامر ان جميع محاولاتنا ذهبت سدى ولم نستطع معرفة المكان الذي ذهب اليه مبلغ ال( 300 ) دينار عراقي . أصبحنا في موقف لانحسد عليه،ولربما سنتعرض بموجبه الى عقوبة قاسية فيما إذا لم نستطع اعادته الى الخزينة. لذا قررنا نحن جميع الموظفين ان نجمع المبلغ من مالنا الشخصي لسد النقص ،انذاك سمح لنا المدير بالخروج . إلاّ ان المفاجأة التي حدثت في اليوم التالي كان لها وقع كبير علينا جميعا، عندما دخل المبنى صباحا ومع بدء الدوام الرسمي شاب حسن المظهر والهندام وتوجه الى غرفة السيد مدير البنك وبادره بالقول : “والدتي تسلم عليك وتقول بأنكم قد توهمتم معي يوم امس بثلاثمئة دينار  زيادة عن المبلغ الذي سحبته ، وهذا هو المبلغ الزائد بعثته لكم  ” .عندها وقف المدير وعلامات الدهشة تعلو وجهه ونحن معه ايضا،بل اننا في الحقيقة  شعرنا بالخجل والمهانة جميعا ،لاننا  لم نكن منصفين واخطأنا كثيرا في تقييم عملائنا. .لم يكن من مدير البنك إلا ان عبّر عن شكره العميق،وحمّل الشاب رسالة شكر الى السيدة حسنة ملص .لكن المفاجأة الاخرى حدثت عندما وجدنا أن الشاب لم يتحرك من مكانه ولم يغادر غرفة المدير وبقي واقفا وكأنه ينتظر امراً ما ، فقال له المدير :”ابني تستطيع ان تغادر طالما انك قد اوصلت لنا الامانة  ” ، فأجاب  “كلا ، لن اغادر حتى تنتهوا تماما من عد المبلغ وتتأكدوا من انه كاملا ،هذا ما أوصتني به والدتي “.
 انتهت الرسالة،ومعها انتهت الامانة والنزاهة لدى مسؤولينا الحكوميين ونخبة  سياسية تحكمنا  زوراً بأسم الفضيلة والطائفة والاسلام .
من الاخطاء التي ارتكبها الشيوعيون في العراق اثناء فترة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم (1958 – 1963)انهم ارسلوا رسالة مزيفة باسم البعثيين والقوميين والناصريين الى مذيع مصري شهير انذاك اسمه(احمد سعيد)كان يعمل في اذاعة القاهرة ، وقد تضمنت الرسالة او البيان ،اخبارا كاذبة ومضللة تفيد بأن حكومة قاسم قد اعتقلت المناضلة القومية البطلة (حسنة ملص)وتتعرض الآن للتعذيب والتنكيل في سجون السلطة ،وطلبوا من المذيع المذكور ان يقرأ الرسالة عبر برنامجه الشهير لتصل الى جميع الشرفاء والاحرار في العالم للضغط على الحكومة العراقية من اجل اطلاق سراح واحدة من رموز الحرية والكرامة .!
يبدو واضحا مدى السخرية والاستهزاء قصد بها رفاقنا الشيوعيون خصومهم السياسين ،هذا السلوك التلفيقي كان ومازال أمرا طبيعيا وشائعا لدى معظم القوى والاحزاب السياسية التي تعج بها منطقة الشرق الاوسط  ومنها العراق ،بل انها تعتبره سلوكا مقبولا وجائزا في حمى صراعها مع من يختلفون معها،ولعلنا  اليوم نجد هذه الاساليب قد وصلت الى مراحل متقدمة من الانحطاط تدعو الى الخجل،ولاأظن بأن عاهرة قد تسمح لنفسها بأن تنزل في مستواها الى مثل ماوصلت اليه تلك الاساليب  والممارسات .
دون شك هذه الصورة تعكس مدى الانحراف في نمط ومستوى القيم لدى نخب سياسية ،يُعوّل عليها في بناء المستقبل .
كاتب عراقي

الثلاثاء، 17 مايو، 2016

http://www.sasapost.com/opinion/demonstrations-without-protesters/
ساسة بوست 


مظاهرات بلا متظاهرين 


مروان ياسين الدليمي



منذ 44 دقيقة، 17 مايو,2016
منذ أربعة أعوام ونحن نقف أمام مشهد تظاهرات تُرفع فيها شعارات مختلفة، وكثيرًا ما كانت متناقضة في أهدافها وشعاراتها المرفوعة، فمنها ما كانت تدعو إلى دولة مدنية وتهاجم رجال الدين، ومنها ما كانت تكتفي بالدعوة إلى إلغاء الرواتب التقاعدية للبرلمانيين وامتيازاتهم ومنها ما كانت تهاجم دعاة الدولة المدنية ومنها ما كانت ترفع رايات طائفية وصورًا لرجال دين مثل الخميني وخامنئي ومقتدى الصدر، وهكذا يمكن القياس على ذلك في تشكيل رؤية موضوعية عما يشهده العراق من تظاهرات بكل ما تحمله من خلطة عجيبة، من الصعب وفقا لذلك أن تفرز شيئا مهما يحمل ملامح واضحة ومحددة، يمكن المراهنة عليه في تغيير أو تصحيح مسار المشهد السياسي.
في نهاية شهر أبريل (نيسان) 2016 أعلن رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر (زعيم حركة الأحرار وقائد ميليشيا السلام) اعتكافه لمدة شهرين، مختتما بذلك ولو بصورة مؤقتة مشهدًا اصطبغت به تظاهرات واعتصامات شهدتها العاصمة العراقية بغداد بلون التيار الصدري، دافعا بذلك إلى الخلف متظاهري التيار المدني الذين كان لهم قصب السبق في تحشيد التظاهرات عندما انطلقت مع مطلع العام 2011.
كان مشهد الختام الذي تجسد في اقتحام جماعة الصدر مبنى البرلمان أقرب في حبكته إلى أن يكون مشهدا مسرحيا ضعيفا من أن يكون مشهدا واقعيا ومنطقيا، خاصة مع اقتحامهم أسوار المنطقة الخضراء الإسمنتية بكل سلاسة وسهولة، وسط ترحيب وقبلات وابتسامات عبرت عنها عناصر الأجهزة الأمنية والعسكرية المسؤولة عن حراسة هذه المنطقة الحساسة التي يتحصن فيها ساسة العراق وتضم بين جوانبها وعلى مساحاتها الواسعة المطلة على نهر دجلة أرفع وأهم المؤسسات العليا التي تمثل هيبة وكيان الدولة العراقية.
ازدادت ملامح المشهد ترهلاً وهشاشة بدخول المتظاهرين إلى داخل مبنى البرلمان العراقي وكأنهم مجموعة من الأصدقاء ذاهبين إلى موعد في مقهى شعبي.
طيلة بقائهم في المبنى الذي استمر لعدة ساعات لم تعترضهم أي قوة أمنية، حتى بدا المبنى خاليا تماما من أي قوة تحرسه، والأهم في هذه اللحظات الغريبة والمريبة عندما تصرف المقتحمون بشكل هادئ ولم يبدُ عليهم الانفعال ولا التوتر، كما لم يصدر عنهم ما هو متوقع دائما في مثل هذه اللحظات من جماهير غاضبة ومحرومة ــ خاصة في العراق ــ من أعمال نهب وتخريب وتدمير وحرق للممتلكات العامة وقتل للشخصيات السياسية، بل على العكس من ذلك كانت عدسات القنوات الفضائية تنقل للمشاهدين مباشرة وعلى الهواء ما يُعد في نظر أي مراقب سلوكا منضبطا أظهرته الجماهير المقتحمة، ولا نستطيع أن نقول عنه إلاّ أنه كان مفاجئا ولم يعكره حتى حالة الاعتداء بالضرب التي وقعت على اثنين أو ثلاثة من نواب البرلمان صادف تواجدهم أمام آلاف مؤلفة من جماهير لا يمكن التشكيك بما تحمله من غضب ونقمة على طاقم سياسي فشل وأساء كثيرًا في إدارة البلاد منذ عام 2003.

التجربة في تونس ومصر

فيما لو ألقينا نظرة تأمل لقراءة تظاهرات العراق التي كان التيار المدني يقودها قبل أن تصادرها جماعة الصدر، سنخرج منها بتصور يقودنا إلى الاعتقاد بأن من كان يدعو إليها لم يكن يملك القدرة على أن يتحكم بما يردده أو يُرفعه المتظاهرون من هتافات وأهازيج وشعارات، وهذا يعود إلى أن الدعوة للتظاهر كانت تتم عادة عبر صفحات الفيس بوك وكان الداعون إليها عددًا محدودًا من الأسماء المعروفة في الوسط الثقافي، بينهم شعراء وكتاب وصحفيون يحسبون بالنهاية على الحزب الشيوعي العراقي وأصدقائه ومؤيديه ومريديه، وتترواح أعمارهم ما بين الثلاثين والأربعين ولم يكن من بينهم شخصيات سياسية معروفة.
ما كان يدفعهم إلى التظاهر يأتي في سياق تأثرهم الشديد بما كانت تشهده ساحات التحرير من تظاهرات واحتجاجات منظمة في عدد من البلدان العربية خاصة في تونس ومصر.
هذا ما يمكن ملاحظته بما كانوا يكتبونه من تعليقات تعكس مدى إعجابهم واندهاشهم بما كان يجري في تونس ومصر من حراك جماهيري اتسم بتنظيم ووعي عاليين، وهذا ما شكل بالتالي حافزًا قويًا لعدد من أولئك المثقفين الشباب العراقيين في أن يستنسخوا تلك التجارب الثورية، من غير أن يحاولوا دراستها ومعرفة الآليات والسبل التنظيمية التي كانت تدار بها، ولم يسجل حتى الآن أن التقى بشكل مباشر دعاة التظاهرات في العراق بنظرائهم المصريين والتونسيين، في محاولة منهم لدراسة تجربتهما والخروج منها برؤية خاصة تعينهم على أن يكونوا أكثر تنظيمًا وانضباطًا خاصة وأن هاتين التجربتين قدمتا ما اعتبره العالم نموذجًا فريدًا في الاحتجاج والضغط السلمي الثوري، لتصبحا مصدر إلهام للعديد من شعوب العالم بغض النظر عن تلك التحليلات التي ذهبت بعيدًا في التشكيك بمصداقية ووطنية الجهات التي كانت تقف وراء تنظيم تلك التظاهرات ورجحت تبعيتها إلى دوائر استخباراتية أجنبية وتنفيذها لأجندة مشبوهة تهدف إلى زعزعة الأمن وتدمير مؤسسات الدولة.

خطاب ديماغوجي

بعد عام 2003 ما من شيء في العراق يدعو الناس إلى التزام الصمت والإحجام عن السخط أو الاحتجاج بعد أن اكتشفوا بأنهم قد وقعوا ضحية فخ كبير نصبته لهم جميع القوى والأحزاب المشاركة في العملية السياسية خاصة تلك التي كانت تعارض نظام البعث وتنادي بالدفاع عن مظلوميتهم وحريتهم التي سلبها النظام السابق.
ولربما لن نكون مغالين عندما ندعم الفكرة التي بات يرددها كثير من العراقيين بأن النظام السابق بكل الأخطاء التي سُجلت ضده أصبح من الصعب مقارنته مع ما اقترفه النظام الجديد من كوارث أقلها شيوع الفساد المالي وأكثرها ضياع ثلث البلاد تحت سلطة تنظيم الخلافة (داعش) حتى أن البلد أصبح على شفا حفرة من التقسيم إلى دويلات طائفية.
القوى والأحزاب السياسية التي تحكم العراق هذه الأيام باسم الديموقراطية والتعددية كشفت في منظومة نظامها السياسي الذي أنشأته عن طائفية متجذرة في أيديولوجيتها، بموجبها تمكنت من أن تقسم المجتمع العراقي إلى ولاءات متعددة، بعد أن نجحت في تمزيقه إلى ملل ونحل وطوائف كل واحدة منها منعزلة عن الأخرى، وهي بذلك أرادت ــ وهذا ما تشير إليه الوقائع ــ أن تمحو شعورًا جمعيًا بالمواطنة كان الجميع يلتقي عنده في اللحظات الحرجة التي تواجه البلاد، ونجحت بما سعت إليه إلى حد كبير، ومن خلال هذه الأيديوولوجيا أرادت أن تتاجر بطوائفها وكأنها سلعة للبيع بما كانت قد تعرضت له حسب زعمها من تهميش وظلم في العهود والأنظمة السابقة التي توالت على حكم العراق، وهذا ما أنتج بالتالي وضعًا خطيرًا بموجبه باتت الطوائف تعيش حالة انغلاق على ذاتها من بعد أن تغلغلت في داخلها فكرة تتمحور في شيطنة الطوائف الأخرى حتى في تلك الحالات التي تتعرض فيها أي طائفة إلى محنة تستدعي التعاطف معها.
وراء هذا الخطاب الديماغوجي يختفي ما يصح أن نطلق عليه (شرعنة الهيمنة على مفاصل الدولة) وصولًا إلى الانفراد بإدارتها، بذلك يتحقق ما تسعى إليه في أن تكون بمأمن من المحاسبة والمساءلة على ما ترتكبه من انتهاكات وسرقات وتجاوزات وجرائم، خاصة وأن كل ما يجري يتم باسم الطائفة ولأجلها ومن خلالها.
النتيجة النهائية أن سقطت البلاد تحت مطحنة صراع طائفي راح ضحيته المئات من الأبرياء، وخضعت الدولة والمجتمع شيئا فشيئا تحت سلطة ميلشيات طائفية أمست تملك ولوحدها سلطة الشارع، حتى أن الدولة أمامها أضحت عاجزة عن إثبات حضورها وهيبتها.
في مثل هذا الوسط الموبوء أمست ثروات البلاد سائبة أمام ساسة لصوص حتى وصلت في نهاية العام 2015 إلى ما هو عليه من إفلاس تام عجزت بسببه الدولة عن تأمين رواتب موظفيها.
كان من الطبيعي أن تكون هذه الأرضية دافعًا قويًّا لكي تنطلق منها الاحتجاجات والتظاهرات في مطلع العام 2011، ولم تكن تظاهرات ما يسمى بالربيع العربي التي كانت قد اجتاحت عددًا من البلدان العربية سوى حافز لها لكي تعلن عن نفسها بعد أن بقيت تتفاعل عواملها في الصدور والضمائر خلال الفترة التي اعقبت التغيير السياسي في عام 2003.

أسباب سلمية التظاهرات

معظم التظاهرات التي شهدتها البلدان العربية مع مطلع العام 2011 كانت في بدايتها سلمية واستمرت على هذه الصورة عدة أشهر سواء في ليبيا أو سوريا أو اليمن وحتى مصر وإن كان وضعها مختلفا عن بقية البلدان وهذا يعود إلى رسوخ المؤسسات العسكرية وبقائها محافظة على عناصر قوتها، لكن جميعها انتهت باستعمال خيار العنف، إلاّ أن درجة حدته قد اختلفت بين هذا البلد وذاك، إلى أن وصل تصاعد وتيرتها حد المواجة المسلحة، ولتنتهي على الصورة التي هي عليها اليوم في ليبيا واليمن وسوريا، ولربما ما جرى في سوريا من عنف قد تجاوز في دمويته كل ما هو متوقع خاصة من قبل النظام وحلفائه، بل ارتقت الجرائم المرتكبة في بلد الياسمين إلى مستوى جرائم حرب، تورط في ارتكابها جيش النظام وحزب الله وسلاح الجو الروسي وفيلق القدس الإيراني والمليشيات المسلحة العراقية ومرتزقة أفغان وهنود وباكستانيون جندهم الحرس الثوري الإيراني، هذا إضافة إلى تنظيم داعش والنصرة والقاعدة، وفيما لو كان هنالك عدالة أممية ينبغي أن يحاسب جميع المسؤولين والمتورطين بما ارتكبوا من انتهاكات وجرائم في سوريا أمام المحكمة الدولية لمجرمي الحرب.
الملاحظ أن التظاهرات التي شهدها العراق بقيت سلمية ولم ينجرف المتظاهرون فيها إلى خيار الاعتداء على أي فرد من الأجهزة الأمنية، رغم أن السلطة مارست العنف في أكثر من مدينة ولأكثر من مرّة ولم تترد في استعمال القسوة معهم خاصة مع جماعة التيار المدني، واستثنت في تعاملها من هذا العنف جماعة مقتدى الصدر، واتسم سلوكها معهم بالاحترام والتقدير بل كان فيه الكثير من التودد بشكل يدعو إلى الريبة والشك في حقيقة العلاقة التي بينهما، والدور الخفي الذي يلعبه التيار الصدري بهذه التظاهرات خدمة للنظام القائم.
تظاهرات العراق لم تخرج عن إطار دعوتها إلى الإصلاح من داخل النظام نفسه (سواء جماعة التيار المدني أو الصدريين) وحتى عندما اشتدت حدة الشعارات وارتفع سقف المطالب فيها إلى الدعوة بإقالة نوري المالكي في نهاية عام 2011 وإلى تغيير الطاقم الحكومي الذي يعمل معه لم يكن المتظاهرون يهدفون من وراء ذلك إلى قلب نظام الحكم، ويقف وراء ذلك سبب جوهري يتعلق بوجود مشاعر خوف جمعية لدى قطاع واسع من العراقيين ــ خاصة لدى القوى السياسية الشيعية ــ من حدوث فراغ فيما لو حصل تغيير أو انقلاب قد يعصف بنظام الحكم القائم تكون نتيجته فوضى شاملة على الأقل في بغداد والمدن العراقية التي ما يزال حزب البعث يملك فيها قاعدة وجمهورًا كبيرًا يتعاطف معه ويحن إليه كما في الموصل والأنبار وصلاح الدين، خاصة بعد فشل النظام الجديد في تقديم بديل أفضل منه.
ليس هنالك من شك في أن البعثيين لن يتوانوا من استغلال الفراغ الأمني فيما لو حدث للعودة مرة أخرى إلى الواجهة، مبتدئين بالعمل على تحريك المتظاهرين بما يخدم تطلعهم إلى اقتحام المنطقة الخضراء، سعيا منهم لاقتناص السلطة لمرة ثالثة (المرة الأولى كانت عام 1963 والثانية عام 1968)، هذا الحلم بالعودة لم يمت في داخلهم، بل مازال يداعبهم، ولربما لديهم شعور قوي بأنهم باتوا على موعد قريب معه، وهذا ما يمكن تلمسه في خطابات عزة الدوري نائب الرئيس العراقي السابق صدام حسين والأمين العام لحزب البعث حاليًا، التي يخرج بها على الناس بين فترة وأخرى عبر أشرطة فيديو وصوتية مسجلة.
البعثيون لم يبخلوا بالعمل بهذا الاتجاه بكل ما يتوفر لديهم من إمكانات، لذا لم ولن يترددوا في أن يضعوا أيديهم بأيدي جماعات إسلامية مع أنهم كانوا طيلة فترة حكمهم التي دامت 35 عاما من أشد أعدائهم، وكانوا قد أنزلوا بهم أشد العقوبات وأودعوهم السجون والمعتقلات، كما هوالحال مع الجماعات السلفية والوهابية والإخوان المسلمين.
هذا التراجع عن ثوابت أيديولوجية ما كان من الممكن أن يلجأ اليه البعثيون عندما كانوا في ذروة عزهم وسلطتهم، إلاّ أنهم انساقوا إليه بعد فقدانهم للسلطة من أجل أن يكون الطريق أمامهم معبدًا لهزيمة النظام القائم والعودة مرة أخرى إلى الحكم.
من هنا لم يكن في حسبان المتظاهرين ــ وقد مضى على استمرارهم في التظاهر أكثر من أربعة أعوام ــ أن يرفعوا من وتيرة احتجاجهم إلى الحد الذي تبلغ به طموحاتهم الثورية أن يسقطوا نظام الحكم، أوأن يرفعوا السلاح ضده، كما حصل في بلدان عربية أخرى لم تشهد تظاهراتها سوى ربيعا يتيما تحول فيما بعد وبسرعة دراماتيكية إلى خريف ومن ثم إلى شتاء عاصف دمر كل شيء أمامه.
لربما كان هذا سبب جوهري ضاعف من مخاوف المحتجين فحرصوا على ألا تنجرف حركتهم إلى مسار يفضي بهم إلى اختيار العنف والمواجهة المسلحة مع النظام بعد أن كانوا قد ذاقوا مرارة الحروب عقودًا طويلة ما يزال طعمها في القلب حارقا.
البعض من المراقبين للأوضاع لايتوانى عن ترجيح العامل الطائفي الذي يَجتمع تحت مظلته غالبية المتظاهرين سواء في بغداد أومدن وسط وجنوب العراق مع الطبقة السياسية التي تمسك بزمام السلطة في أن يكون هذا العامل قد لعب دورا أساسيا في ألا تتحول التظاهرات إلى ما هو أكبر مما هي عليه فيسقط بسببها نظام الحكم.
وعلى الرغم من واقعية هذا الرأي وإمكانية حصوله في البيئة العربية بشكل عام والعراق بشكل خاص إلاّ أن ذلك لن يكون مانعًا أمام المحرومين فيما لو وصل بهم سوء الحال والأحوال إلى الدرجة التي لن يكون فيها المُشتَركُ الطائفي عائقا أو مانعا للتغيير الجذري سواء رضيت إيران أم لم ترضَ، لأنها وقبل غيرها كانت تسعى إلى أن يلتف الشيعة تحت هذا الهاجس، فلم تبخل بأي جهد ووسيلة من أجل أن تدق إسفين الشك والكراهية وعدم الثقة ما بين الشيعة والسنة، وأظنها قد تلقت رسالة قاسية وغير متوقعة عندما رددت أعداد كبيرة من المتظاهرين داخل مبنى البرلمان بشعارات منددة بتدخل إيران في الشأن العراقي (هذا العراق عراقي فليسمع الإيراني) ولم يمنع اعتذار مقتدى الصدر للإيرانيين إزاء ما صدر من المتظاهرين بحق السلطة الإيرانية من أن يعيد المتظاهرون بعد عدة أيام ترديد نفس الشعارات والهتافات في وسط العاصمة بغداد عند نصب التحرير، وهذا يعني أن كل محاولات نظام الملالي في طهران لسلخ العراقيين عن محيطهم العربي واحتوائهم داخل مشروع تصدير نظام ولاية الفقيه محكوم عليه بالفشل وأن كل الأحزاب والمليشيات التي تدعمها لا تشكل شيئا مهما في قناعات الشيعة العرب ولن تجعل منهم حصان طروادة للتمدد في المنطقة. ولعل التفجيرات الشديدة التي حدثت في مدينة الصدر وسط بغداد والتي راح ضحيتها العشرات من القتلى جلهم من الشيعة تعبير صريح عن غضب ايران من تلك الهتافات.

غياب القيادة والتنظيم

من كان يتابع ما يجري في ساحة التحرير كل يوم جمعة لابد أن يسأل نفسه: إلى متى ستبقى هذه التظاهرات على ما هي عليه من غير أن يكون لها أي تأثير واضح على المشهد السياسي العراقي بشكل عام وعلى عمل الحكومة العراقية بشكل خاص؟
طيلة الأعوام الماضية الاربعة لم يتمكن المتظاهرون أن يصلوا إلى مرحلة يستطيعون فيها تطوير آليات فعلهم الاحتجاجي، بل على العكس تبدو كما لو أنها ظلت تراوح في مكانها وبقيت في إطار التلويح بالشعارات ولم يتم تجاوزها إلى خطوة أكبر وأكثر فاعلية، بمعنى أن تتحول إلى ممارسات تشكل باستمرارها وتصاعدها وتنظيمها وسيلة ضغط قوية ومؤثرة على الحكومة والبرلمان لكي يستجيبا ويخضعا لإرادة المحتجين من بعد أن يشعرا أن ما يجري في الشارع من عمل منظم هو أكبر من أن يتم التعامل معه بتجاهل ولا مبالاة كما هو حاصل.
بقاء التظاهرات على هذه الصورة غير الفاعلة وهذا التأثير المحدود جدا يعود أولا إلى كونها تفتقد إلى قيادة شابة منظمة تملك رؤية وأفقا يؤهلها لأن تلعب دورا في إحداث ضغط حقيقي وتغيير في جوهرالنظام السياسي القائم.
وفيما يتعلق بالتيار المدني حتى هذه اللحظة لا يمكن تحديد قيادة فعلية تقود تظاهراته رغم وجود بعض الأشخاص الذين يحرصون دائما على أن يكونوا في مقدمتها، وعلى أن يتحدثوا باسم المتظاهرين من غير أن يملكوا تفويضا جماهيريا يمنحهم الحق في أن يكونوا قادتها، ومن غير أن يملكوا برنامجا واضحا لطرحه على الناس فيما لو تقدموا بخطوة ناجحة نحو عتبة التغيير.
غياب هذه القيادة الشابة المنظَّمة والمنظِّمة لربما يعود إلى ضعف الحياة الحزبية في العراق، سواء في الفترة التي سبقت سقوط نظام البعث أو بعدها.

غياب التعددية

قبل عام 2003 ارتكب حزب البعث خطأ كبيرا عندما أنهى التعددية الحزبية في المشهد السياسي العراقي واحتكر الساحة لوحده ليتحرك فيها خاصة بعد انقلابه على الجبهة الوطنية في النصف الأول من سبعينات القرن الماضي وكانت الجبهة تضم إلى جانب حزب البعث، الحزب الشيوعي وعدد من الأحزاب والتيارات الأخرى القومية، ولتنتهي هذه السياسة الإقصائية عام 79 بنسف مشروع الجبهة الوطنية وذلك بملاحقة عناصر الحزب الشيوعي العراقي وهروبهم إلى خارج العراق.
كان لهذا الانقلاب أثر سيء على المشهد السياسي خاصة على العمل الحزبي بالشكل الذي أوصله إلى حالة من الغياب التام، ومن بقي يعمل تحت الارض من المعارضين السياسين كان يعمل وفق آليات العمل السري الذي ينحصر إطاره في حدود هدف واحد هو إسقاط النظام بالسبل التي يتيحها العمل السري وليس العلني الذي عادة ما يكفله الدستور ويمنحه القدرة على التحرك بشكل طبيعي من أجل توسيع قواعده وإيصال أفكاره وبرامجه إلى الناس.
هذا الوضع انعكس بتداعياته على مساحة الخبرة لدى الأحزاب في عملها التنظيمي بين أوساط الناس، واقتصر عملها في إطار الأعمال التي تدخل ضمن المواجهة السرية العنيفة مع السلطة القائمة بقصد إيذائها وصولا إلى إسقاطها بالقوة، وبذلك تخلفت آليات العمل الحزبي السلمي.
كان من الممكن أن تكون هذه التظاهرات وسيلة ضغط قوية وفاعلة، وأن تتجدد حيويتها وآلية عملها، لو لم يتم اللجوء إلى اغتيال الناشط والفنان المسرحي هادي المهدي الذي يعد بحق أبرز من دعا إليها وقادها بنشاط افتقده أولئك الذين جاءوا بعده ممن يحسبون أنفسهم قادة التظاهرات.
ويمكننا القول بأن اغتيال المهدي في 8 سبتمبر (أيلول) 2011 لم يكن إلاّ إدراكا من قبل الجهة التي حرضت عليه بأهميته وخطورته، وأن غيابه هو وأمثاله سيدفع بالتظاهرات شيئا فشيئا إلى أن تدخل في لحظة تكون فيها غائبة حتى وإن كانت حاضرة.
قيادة التظاهرات ــ سواء جماعة التيار المدني أو الصدريين ــ إضافة إلى كونها لاتملك رؤية شاملة في إصلاح الأوضاع السياسية التي تعاني منها البلاد، فهي لا تملك من الجدية الكافية لأن تمارس دورًا قويًّا وضاغطًا على الحكومة العراقية بالشكل الذي يجعلها تشعر بأنها عاجزة عن مقاومة المتظاهرين وكسر شوكتهم، خاصة وأن عددًا من الوجوه التي تتصدر التظاهرات قد سُجِّل عليها عديد من الملاحظات التي تشكك بمصداقيتها، بل إن شبهات تحوم حول بعضها تشير إلى وجود علاقات سرية تربطها مع شخصيات تنتمي للأحزاب الممسكة بالسلطة، وبعضها الآخر انكشف سعيها الواضح بالوصول إلى أي موقع وظيفي في سلم السلطة رغم أنها فشلت فشلاً ذريعا بالانتخابات النيابية الأخيرة عندما رشحت نفسها ولم تستطع أن تكسب الحد الأدنى من الأصوات التي تؤهلها لنيل مقعد في البرلمان.

الاعتصامات في مدن الغربية

لابد هنا أن نستذكر الاعتصامات التي امتدت لفترة تزيد عن العام في المدن ذات الأغلبية العربية السنية (الأنبار، الموصل، صلاح الدين، الحويجة) لأنها كانت أيضا في بدايتها تدعو إلى إجراء إصلاحات في العملية السياسية إضافة إلى مطلبها الأساسي المتمحور في إطلاق سراح السجناء ــ من النساء والرجال ــ الذين ينتمون إلى هذه المدن، إلا أن مسار تلك التظاهرات بدأ يظهر عليه حركة مُريبة عندما بدأت تتصاعد أصوات نشاز من بين المعتصمين كانت تدعو إلى الزحف نحو بغداد فكان شعار(قادمون يا بغداد) الذي تم رفعه آنذاك مبعث قلق شديد للحكومة العراقية وللقوى الشيعية خاصة، وهذا ما دفع نوري المالكي الذي كان رئيسا للوزراء آنذاك إلى أن يخطط ويعجّل في إنهائها بأي ثمن وهذا ما أشار إليه في حوار أجرته معه إحدى الفضائيات العراقية عندما قال: «إما أن ينهوا اعتصامهم أو يُنهَوا».
وهذا ماحصل فعلا عندما تقدمت قوات الجيش والقوات الأمنية وأزالت خيم المعتصمين بحجة وجود عناصر تابعة لتنظيم الخلافة (داعش) بين صفوفهم، فأطلقت عليهم الرصاص، ليسقط عدد من القتلى والجرحى، فكان ذلك بداية لتدهور الأوضاع في مدن الأنبار والتي انتهت بدخول تنظيم الخلافة (داعش) إلى المدينة مستغلا حالة الفوضى وغياب السلطة. كذلك بنفس الطريقة تم التعامل مع المعتصمين في قضاء الحويجة التابع لمحافظة كركوك وسقط منهم ما لا يقل عن 60 قتيلا كلهم من المدنيين.
لربما العامل الذي ساهم في تعميق المخاوف لدى السلطة في بغداد من المتظاهرين في ساحات اعتصام مدن الغربية وخاصة في الأنبار، هو بروز خطاب ديني بدا متطرفا، وأخذ يتقدم صفوف المعتصمين في مرحلة متأخرة من عمر الاعتصامات، حتى أنه طغى على الصوت العشائري الذي يمكن وصفه بالمعتدل مقارنة معه والذي كان له السبق والريادة في تشكيل تلك الاعتصامات، ولم يكن للصوت العشائري من أهداف سوى المطالبة بإطلاق سراح السجناء والسجينات ممن لم يثبت عليهم جرم، وغير هذا المطلب لم يكن للقوى العشائرية أهداف سياسية تصل بهم مثلا إلى الزحف نحو بغداد كما عبّر عن ذلك رجال الدين بعد أن خطفوا قيادة التظاهرات والاعتصامات لصالحهم، بل إن الرموز العشائرية التي كانت في تلك الاعتصامات كان لها صلات وثيقة مع بغداد مثل الشيخ أحمد أبو ريشه الذي كان يقود ما يدعى بالصحوات التي سبق أن قاتلت القاعدة وهزمتها في الأعوام (2007، 2008، 2009).
هنا لابد أن نشير إلى وجود فارق جوهري في طبيعة البنية الاجتماعية للقوى التي كانت تشارك في تظاهرات المدن ذات الأغلبية العربية السنية، إذ غلبت عليها الصفة العشائرية ، بينما البنية الاجتماعية للقوى التي كانت تشارك في تظاهرات بغداد وبقية مدن العراق (الوسط والجنوب) قد غلبت عليها الطبقة المتوسطة ومعها انضوت شرائح وفئات تنتمي إلى الطبقة الفقيرة، ولهذا كانت الشعارات المرفوعة هنا تدعو إلى تحسين الوضع المعيشي والخدمات وإيجاد وظائف والقضاء على المفسدين على غير ما كانت عليه في المدن ذات الأغلبية العربية السنية التي كانت تطالب بإطلاق سراح أبنائهم من السجون بعد أن وصل عددهم للآلاف، ومعظمهم تم القبض عليهم نتيجة وشاية كيدية من مخبر سري.

كوردستان العراق

مدن إقليم كوردستان العراق ــ وعلى سبيل المثال مدينة السليمانية ــ كانت هي الأخرى قد شهدت في مطلع عام 2011 تظاهرات واحتجاجات لكنها كانت محدودة، وتحركت على إيقاع الربيع العربي، ولم تستمر إلاَّ لفترة قصيرة جدا، والتقت مطالب المشاركين فيها من حيث المحتوى مع مطالب المتظاهرين في بغداد، ذلك لأن الإقليم هو الآخر يشهد تفاوتا طبقيا واضحا، خاصة بعد العام 2003 إذ شهد الإقليم نموا سريعا في حركته العمرانية وانتعاشًا واضحًا في مستوى المعيشة، بنفس الوقت انعكس هذا الانتعاش والنمو بتأثير سلبي على شرائح وفئات تنتمي إلى الطبقة الفقيرة، ومع كل هذا يبقى المستوى المعيشي في إقليم كوردستان العراق بكل الأحوال أفضل بكثير مما هو عليه في مدن العراق، وقد يكون ذلك سببا في عدم استمرار التظاهرات في الإقليم. إلا أنّ انخفاض أسعار النفط منذ النصف الثاني من العام 2015 وحجب رواتب موظفي الإقليم من قبل بغداد لربما بدأ يترك أثرا سلبيا على المناخ العام في الإقليم وإذا ما استمر الحال كما هو عليه ولم يتم التوصل إلى إجراءات فاعلة تخفف من ثقل الأزمة الاقتصادية على المواطن في الإقليم فإن النتائج لن تكون مطمئنة، فالجوع كافر وليس لأي سلطة مهما كانت قوية القدرة على أن تمسك بلجام الأوضاع حتى النهاية .

ماذا بعد استمرار التظاهر؟

اليوم يطرح سؤال أساسي بعد هذا المسار الطويل الذي سارت به تظاهرات بغداد وبقية مدن العراق:
هل حققت أي مكسب يمكن أن يجعلنا نثق بإمكانية المراهنة عليها وعلى ضرورة استمرارها؟
بشكل عام لا يبدو أنها قد حققت شيئا من المطالبات الشعبية حتى مع ما يجري من تداعيات بدأت بإقالة رئيس البرلمان سليم الجبوري على إثر الضغط الذي مارسه التيار الصدري على حكومة العبادي بدعوته إلى إلغاء المحاصصة الحزبية والطائفية والذي انتهى باقتحام أسوار المنطقة الخضراء ودخول مبنى البرلمان.
بتقديرنا لم يكن لهذه التظاهرات ولا الاعتصام داخل البرلمان الدور الرئيس بما نشهده من تداعيات، بقدر ما يعود السبب إلى ما أصاب الحكومة والدولة العراقية من عجز اقتصادي وضعها على رصيف الإفلاس، بالشكل الذي دفعها إلى أن تستدين من البنك الدولي عام 2015 ولمرتين، في المرة الأولى اقترضت مبلغا قدره مليار و900 مليون دولار، وفي المرة الثانية مبلغا قدره مليار و200 مليون دولار.
عندما تفشل التظاهرات في مثل هذا الوضع الذي وصلت إليه البلاد ولمدة أربعة أعوام متواصلة في أن ترغم الحكومة على أن تستجيب لواحد من مطالبها الأساسية، الذي يتمثل في إيقاف الرواتب التقاعدية لأعضاء البرلمان (مجموع رواتبهم خلال شهر واحد فقط تصل إلى 9 مليارات و60 مليون دينار)، عند ذاك لا يمكن النظر إلى التظاهرات على أنها ذات جدوى بصورتها وقيادتها الحالية سواء بتيارها المدني أو جماعة الصدر.

سُبل التفعيل

لكي ينضج عمل المتظاهرين بالشكل الذي يكون منظما وموحدا في شعاراته وأهدافه وليس كما هو عليه الآن من ارتجال وفوضى ينبغي مراعاة النقاط الاتية:
– خلق بناء تنظيمي سياسي يجمع المتظاهرين، من خلاله ينحو العمل إلى المركزية في القرارات، بذلك تنتفي الصورالعفوية والعشوائية في التحرك.
– العمل على رسم خارطة طريق للتظاهرات تحدد الأهداف وسبل تحقيقها.
– تطوير آليات العمل بين الناس بشكل مباشر لرفع مستوى وعيهم بأهمية الممارسات الجماهيرية، كالتظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات باعتبارها وسائل سلمية لإحداث التغيير المنشود.
– توسيع رقعة المشاركة والتفاعل مع التظاهرات وألا يقتصر الأمر على من يتعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي كـ«فيس بوك» على سبيل المثال، بل ينبغي إجراء لقاءات مباشرة مع الناس، في الشوارع والحارات والمقاهي الشعبية وحيثما يمكن اللقاء بهم وجهًا لوجه.
– دراسة تجارب النشطاء في الدول الأخرى مثل تونس ومصر، خاصة بعد أن نجحوا في خلق عديد من الفعاليات، من خلالها حافظواعلى سلمية حراكهم الاحتجاجي وحافظوا على مؤسسات الدولة من عبث العابثين.
أخيرًا لابد من الإقرار بأن المجتمع العراقي مقارنة مع مجتمعات أخرى (مثل التونسي والمصري) ما يزال يفتقر إلى وعي كافٍ بأهمية التنظيم في الحراك المجتمعي المدني، وهذا ما يبدو لنا سببًا جوهريًّا أبقى التظاهرات دون فاعلية تذكر.

الاثنين، 16 مايو، 2016

رواق 153

عناوين رواق 153
اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي
16 / 5 / 2016
العناوين :
1- مسيحيو المشرق ذاكرة خصبة تحصدها الرمال
2- الموصل : معركة تحرير أم تدمير  /  حامد الكيلاني
3- أنجلينا جولي..فقدان شهية أم فقدان العالم للإنسانية ؟ /  د. قاسم حسين صالح
4- (الطيور العمياء ) رواية عراقية جديدة تتحدث عن مآسي الأرمن



السبت، 14 مايو، 2016

May 14, 2016 

فلنقرأ سورة الفاتحة على الجامعة العربية  



 
http://www.raialyoum.com/?p=439932 صحيفة راي اليوم
 

مروان ياسين الدليمي

مؤسسة الجامعة العربية دخلت غرفة الانعاش بعد ان اصيبت بجلطة في الدماغ فاصبحت بلا ذاكرة ،ولم تعد تعرف من هي،وماوظيفتها،ولماذا هي موجودة .
هذا الحال الذي يعكس حقيقتها ليس جديدا عليها ولامفاجئا لعموم العرب ، فمنذ تأسيسها لم تقدم دليلا واحدا على اهمية وجودها وفاعلية قراراتها، حتى ان غالبية الشعوب العربية امست تتندر عليها ماأن تجدها فجأة ودون سابق انذار تنفض عن نفسها غبار السكوت والانعزال على مايجري،لان الشعوب باتت تدرك عجزها عن اتخاذ اي قرار فاعل بعد أن جربتها في سلسلة من المحن والكوارث مرت عليها منذ تأسيسها في 22 اذار(مارس)  1945 .
تاريخ طويل من الضعف الشديد رافقها في جميع المواقف وردود الافعال ازاء ماتعرضت له شعوب المنطقة من تحديات ومعارك لعل ابرزها قضية الصراع العربي الاسرائلي ،إذ لم يكن لكل الاجتماعات التي عقدت في دورات القمة العربية التي تمت بتحضير وتنظيم ورعاية منها إي تأثير يذكر،وكل بياناتها الختامية وتنديداتها لم تستطع ان توقف الهيمنة الاسرائلية على الاراضي الفلسطينة ،ولم تتمكن من دفع المجتمع الدولي الى ان يتخذ موقفا ضد جرائم جيش الاحتلال الاسرائيلي بحق الفلسطينيين.
لو استعرضنا تاريخ المنطقة منذ تاريخ تأسيس الجامعة الذي تزامن مع قرار تقسيم فلسطين في 29 نوفمبر عام 1947  لوجدنا تصاعد وتيرة الهزائم والانكسارات التي لحقت بشعوبها وعلى جميع الاصعدة،وليس كما كان مرجوا منها ان تعمل حسب ماجاء في ميثاق تأسيسها الذي يهدف إلى”ما فيه خير البلاد العربية قاطبة،وصلاح أحوالها،وتأمين مستقبلها،وتحقيق أمانيها وآمالها”،إلاّ ان ما أفرزته سياسة الجامعة ومواقفها جاء بنتائج كارثية، على عكس ما دعا اليه ميثاقها،وكأنها بذلك  جاءت لتكون جزءا متتمما للمشروع الاستعماري الذي ابتدأ بقرار تقسيم فلسطين عام 1947 وانتهاء بمشروع تقسيم الدول العربية الى دويلات طائفية صغيرة بعد تداعيات مايصطلح عليه بالربيع العربي العام 2011 .
في السياق العام لتفاعلها مع القضايا المطروحة والمعبرة عن عنوانها الفضفاض،دائما كانت الجامعة العربية عاجزة في ان تعبر عن محتواه ،فلم تستطع ان تكون جامعة للعرب ــ شعوبا وانظمة ــ بل مفرِّقة لهم ، وكانت في مواقفها اعجز من ان تتحمل المسؤولية الملقاة على عاتقها بأن تجمع العرب على موقف واحد ولو في قضية واحدة من القضايا الكثيرة التي اجتمعوا لاجلها وتحت سقفها.
وحتى لو افترضنا انها تمكنت من جمعهم في لحظة ما ، إلا انها لم تكن قادرة على ان تحوّل وحدة الموقف المكتوب على الورق الى فعل مجسّد على الارض،من خلاله يشعر المجتمع الدولي انه ازاء قوة لايمكن تجاهلها او تجاوزها .
لعل المرحلة التي تولى فيها رئاسة الجامعة د. نبيل العربي ابتدأ من 15 مايو 2011 ،من اسوأ المراحل التي مرت بها هذه المؤسسة ولربما هذا من سوء حظه أن يتولى هذا المنصب في فترة هي احوج ماتكون الى رجل يحمل مواصفات خاصة تجعله على الاقل قادرا على أن يلعب دورا دبلوماسيا يقلل فيه من حجم الخسائر،فالعربي كان غائبا بقدر ماكان حاضرا طيلة فترة ولايته الاولى التي انتهت في 30 يونيو 2016(تم تجديدها لولاية ثانية بعد الفشل في الاتفاق على احمد ابوالغيط ليكون خليفته في المنصب ) .
فشل نبيل العربي يأتي من كونه ليس بالشخصية  المؤثرة والقادرة على ان تطرح رايها بذكاء وحنكة ودبلوماسية على عكس من سبقه الى هذا المنصب،وعلى الرغم مِن ان كل الذين سبقوه يتحملون جميعهم ماوصلت اليه الجامعة من وضع مزر،إلا انهم كانوا يتمتعون على الاقل بدرجة معقولة من الحضور الشخصي من خلالها منحوا هذه المؤسسة  قدرا من المقبولية في التحرك سواء على المستوى العربي او الدولي.
يمكن القول أن في عهد  نبيل العربي وصلت هذه المؤسسة الى اللحظة ينبغي فيها قراءة سورة الفاتحة عليها بعد ان سلكت طريق النسيان وبدت  غائبة تماما عن المشهد السياسي العربي سواء بشخص رئيسها أوبحضورها كموسسة سياسية،خاصة وانه قد جاء في مرحلة لم يسبق للمنطقة ان مرت بها شعوبها وانظمتها،فهي الاسوأ  بكل الصور والاحوال عن كل ماشهدته في العقود والعهود التي مضت .
والاقسى في سياق حضورها الغائب،ان الجامعة العربية قد ارتكبت اخطاء جسيمة لم يكن مقبولا منها ان تنزلق اليها،مهما كانت التبريرات ومهما كان الظرف المحيط  بها شديدا ،فقد زادت تلك الاخطاء من حدة الخلافات السياسية بين الانظمة العربية الى حد الاقتتال،وساهمت بدرجة كبيرة جدا في ان تصل المنطقة الى ماهي عليه من تشرذم وانقسام وضعف شديد حتى باتت ساحة مفتوحة للتدخلات الدولية والاقليمية،وليس ادل على ذلك  تعاملها مع ملف الثورة الشعبية في سوريا التي بدأت سلمية في منتصف شهر اذار 2011،فكان التسرع والانفعال في قرارات الجامعة قد لعبا دورا كبيرا في الخضوع لسلطة الحدث نفسه وبالتالي الخروج بقرارات لم تدرس نتائجها بما يكفي،لعل ابرزها يتمثل بقرار تعليق عضوية سوريا في الجامعة في 16 نوفمبر 2011 ومنح مقعدها الى الائتلاف الوطني السوري المعارض.ولم يكن  هذا الموقف إلاّ اعادة انتاج لنفس الخطأ الذي سبق ان ارتكبته الجامعة عندما تم تعليق عضوية مصر في الجامعة عام 1979 واستمر التعليق حتى العام 1989،وكان هذا القرار قد تم اتخاذه على اثر زيارة الرئيس السادات لاسرائيل في 18 سبتمبر عام 1978 .
موقف التعليق بنسختيه(المصرية والسورية )لم يكن معبرا عن رؤية متأنية وسليمة لقضية كبيرة وخطيرة باتت تشكل بحضورها تحديا للمنطقة برمتها نتج عنه تداعيات عميقة الى الحد الذي اصبح اثرها السلبي شاخصا في طبيعة العلاقات القائمة بين الانظمة والدول العربية .
وجود مؤسسة الجامعة العربية واستمرارها على هذه الصورة البائسة يؤكد على مدى الضرر الذي سببته بالمشهد السياسي العربي خاصة عندما تُقدِم على خطوات متسرعة وانفعالية لتؤكد من خلالها حضورها في القضايا الشديدة التعقيد،وهنا يمكن أن نستذكر على سبيل المثال دورها الذي لعبته بعد غزو العراق للكويت في 2 اب (اغسطس ) 1990 ،فعلى الرغم من خطورة مااقدم عليه العراق ومانتج عنه من شرخ عميق في الوجدان والعلاقات العربية اضافة الى انتهاكه للمواثيق الدولية ،إلا ان الجامعة في حينها لم ترق في تعاملها مع الحدث الى مستوى المسؤولية،ففي الوقت الذي كان عليها ان  تجرَّم ماأقدم عليه العراق، كان عليها ايضا أن تسعى بكل ماتستطيع لكي لايدفع الشعب العراقي ثمن هذا العمل،وأن تبذل كل مالديها من جهد حتى تمنع تدمير بنيته التحتية وتجويع شعبه طيلة ثلاثة عشر عام بعد ان فرض عليه المجتمع الدولي حصارا جائرا شمل كافة جوانب الحياة الاقتصادية والعلمية والثقافية لم يشهد له العالم مثيلا خلال القرن العشرين ، وبسبب ذلك الحصار ان توفي جراء ذلك الحصار اكثر من نصف مليون طفل بسبب شحة الغذاء والدواء،كما عاد العراق الى الوراء الى عصر ماقبل الصناعة حسب ما خطط له الرئيس الاميركي جورج بوش (الأب) حسب ما اعلن ذلك في خطاب وجهه الى العالم قبل البدء بعملية تحرير الكويت.
 الجامعة العربية وازاء مارتكبته من اخطاء عند تدخلها لحل بعض القضايا التي اشرنا الى بعضها فإن الحكمة والواجب يقتضيان استبعادها عن التدخل في مثل هذه الحالات ــ  إن لم يكن الغائها هو الحل الافضل والاجدى نفعا  ــ فلربما سيتمخض عن  استبعادها بصيص امل بامكانية التوصل الى حل  كما هي اليوم قضية الصراع داخل اليمن رغم ماتحمله من تعقيد وحساسية.هذا اضافة الى ان الاموال الطائلة التي تدفعها الدول العربية الى هذه المؤسسة والتي يستفيد منها جيش جرار من الموظفين التابعين لها وكلها تذهب هدرا دونما فائدة تذكر يمكن ان تخصص في تمويل  مشاريع انسانية وتنموية في البلدان العربية التي تحتاج الى دعم وتمويل .
كاتب عراقي


https://www.youtube.com/watch?v=QyKNYrDEviE
المشهد الثقافي ح398
اعداد واخراج :مروان ياسين الدليمي
حلقة خاصة عن مناقشة اطروحة ماجستير بعنوان (التحولات الاسلوبية في تجربة الفنان التشكيلي لوثر ايشو ) للطالبة رنا حازم سعيد

الاثنين، 9 مايو، 2016

رواق 152







عناوين رواق 152
اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي
العناوين :
1-  لا شيء يبعث على الاستغراب في العراق بقلم/  طاهر علوان
2-  سيلفي
مشعان وعالية
 / علي حسين
3-  كوابيس
واحلام :العودة إلى "مستنقع البداية"!!
/ صباح
الامي
4-  ماذا بعد في الجعبة يا أرباب الضمائر الحيـَّة ؟ /  سلام خياط

الخميس، 5 مايو، 2016

سماء أتعبَها التخفّي

سماء أتعبَها التخفّي

نص شعري : مروان ياسين الدليمي

صحيفة القدس العربي


سماء أتعبَها التخفّي

مروان ياسين الدليمي

May 03, 2016

سـدنةُ الغياب
ماضون من فراغ مُلطّخ بدمٍ غاب منه الضوء
إفتضحَ المَخاض مُتدحرجاً بلا ضجة ولا شيء 


أسمعُ دمدماتِهم:
غداً نؤمم الأقمار
نزيدُ خاتماً في ثراء الإصبع المتورمة
نورّط النائم حتى يفضي بمقتول الكلام
نشطب الملح من صفقة النور في الصحراء
نرسم الخطوات للجياع مشبعة بنكهة الأدعية
نقذف بها من دكة الخنوع إلى فضاء التسـول وكسر الضلوع 



أقفُ فوق غرين الاحتمال مُرصّعاً بالحشرجات:
يخطئُ من يهزأ بالموج
من يلوي عُنقهُ في وجه طارئ
من يهرب مُصطحِباً طقس النسيان
يخطئ
كلا
لا يُخطئ
ظلّ يُخاطب بعضَه
ما بين جنون الحكمة وارتطام الفأس
لعل بقايا الطريق مازالت غير مُبتلّة بالتقوّس
ولن تصحو من عبء احمرار الكلام على شفاه السّدنة
هل تغيّر وجه الطعنة؟
أمْ صار السّخام لغة ترتجلُ الضوء؟
سوى المكوثِ الأعمى
تحت غيمة متورمة استأجَرتْ عُنقي
في أوّل طريق للسّطو بِصُحبة من يتذوق طعمَ الانتحار.




سدنةُ الغياب
ماضون إلى ما تأجّل من مَكرٍ وسماءٍ مثـقّبةٍ تحت الشـرفات
يتأملون التشتت في الجنون
كأني أخطئ ولا أستديرعن بقية
أسمائي المُذعِنة للغياب
كأني لستُ في صحراء ظلت تدور حولي
ولم ترتعش أمام الله مثلي
سوى المكوثِ الأعمى
خلف ثياب ملقاة في أول الطريق 



الحراس الراكعون يصيحون بي:
لمَ التشـابه في ظلال الهروب يخرج من خاتم ممسـوس؟
غابت عني دهشتي
انطفأ في داري الترقّب
تركتني حيرتي وراء أسيجة
سوى المكوث الأعمى تحت أظافري وهشيم خزائني
كلما أخبئُ العشبَ في صندوق اللهب تضطرب الحكاية .
هل ستُمحى أزقة ماطرة
أم ستهبط رائحة من سماء أتعبها التّخفيّ؟ 


أتفقّد ما تبقّى من قداسة حولي
والروح من ولع النار تتكئ على الثرثرة
في شرفة تهدم الهمَّ وتفتح للنرجس بُرجا من كلام
الأعناقُ تمضي عن أسئلة التراب إلى الثرثرة
وسدنة الغياب ظللوا المساء والتزموا الصمت
تحت سماء محشوة بالصدى 


أتّجهُ بعد تلعثُمي في المجزرة رافعاً زهرتي
أحسدُ الحرّاس على نومهم بلا خوف
وآنا أخطو برأسي خارج رأسي 



الفراغ تدهور سريعا
تلوث بالشائعات
ومن قطيع غفلتي ينفلت اعترافي في قيلولة مُظلِمة:
لِمَ المرارة تائهة
وحين أخطو برأسي إلى مقصلة النوم
أمحو ما تبقى من هلوسات في دروب سائبة
ثم ألقيها على حبل من نسيان

سماء أتعبَها التخفّي


الثلاثاء، 3 مايو، 2016

http://www.alarab.co.uk/?id=79341# 
صحيفة العرب الثلاثاء 3/ 5 / 2016  




رواية "حياة معلقة "للكاتب الفلسطيني عاطف ابوسيف 

بقلم : مروان ياسين الدليمي



رواية عربية عن انتظار المعجزات نادرة الحدوث
  • تتجلى صور المخيمات الفلسطينية والحياة داخلها في العديد من الأعمال الروائية، وتحضر مشاهد المآسي وتعبيرات المعاناة التي يعيشها السكان تحت صوت الرصاص وأمام شبح الموت المترصد لهم في كل خطوة. هذه المخيمات التي أضحت في الكثير من الأحيان أشبه بالأساطير التي ينسجها الفلسطيني، متحديا قسوة الظروف وبشاعة الحياة، رغم أن الكثيرين هجروا عنوة فكان مصيرهم التشرد والشتات.
العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 03/05/2016، العدد: 10264، ص(14)]

ألم فلسطين صعب النسيان

تبدو رواية “حياة معلقة” محاولة من مؤلفها الكاتب الفلسطيني عاطف أبوسيف التنقيب في أرشيف الذاكرة الفلسطينية وهي تعيش تغريبتها بكل مراراتها وتحديات شخوصها، حيث يقر أبوسيف بأن “التنقيب في الذاكرة أكثر من الألم الذي نحسّه حين نعيش اللحظة. فنحن نرغب في أن نتألم. اللحظات السعيدة حين نستحضرها تؤكد فقدنا لهذه السعادة واللحظات المؤلمة تجعلنا نحسّ كم أن الألم عصيّ على النسيان. وفي الحالتين فنحن نتألم. الألم الشخصي الذي نخبئه في جيوب الذاكرة يخرج منها دون سابق إنذار”.
المتن الحكائي
تتداخل في الرواية الصادرة عن دار الأهلية للنشر والتوزيع في عمان ذاكرة المخيّم بذاكرة نعيم الورداني، الذي كان يتألّم عندما يطبع صور شهداء غزة، ويصبح من الصعب عليه أن يفك الاشتباك بينهما، فأغلب الصور في شوارع المخيم حملت توقيع مطبعته العودة، حتى أن المطبعة صارت معلما هاما من معالم المخيم.
ولم يكن يريد لهم أن يتحولوا إلى مجرد بوسترات تعلق على الجدران يمر أمامها الناس في الشارع كما يمرون على يافطة صيدلية، مع أنه ظل لفترة طويلة من حياته يطبع صورهم إلى أن نالت منه رصاصة قنّاص إسرائيلي لترديه قتيلا عند باب مطبعته عندما كان يحاول فتحها صباحا كل يوم.
أما الثوار في غزة فكانوا يعتبرون نعيم واحدا منهم لأنه كان يخاطر بحياته ويطبع المنشورات الثورية، بدءا بالبيان الأول للانتفاضة، حيث لو كانت سلطات الاحتلال قد علمت بذلك لقضى عمره كله في السجن مثل ولده سالم المحكوم بالمؤبد ثلاث مرات.
عاطف أبوسيف يبحث في أرشيف الذاكرة الفلسطينية، وهي تعيش تغريبتها بكل مراراتها وتحديات شخوصها
ووصل سليم الابن البكر لنعيم إلى غزة في اليوم الثاني من وفاة والده قادما من إيطاليا التي يقيم ويعمل فيها بعد أن أنهى دراسة الدكتوراه في جامعة فينيسيا، وكان قد قرأ نبأ مقتل رجل ستيني أمام مطبعته في مخيم قرب مدينة غزة في اللحظة التي كان يتصفح فيها مواقع إخبارية على الإنترنت، بينما هو يستعد للسفر إلى فرنسا للمشاركة في مؤتمر عن الديمقراطية في العالم العربي. ولما طلب منه نصر صورة خاله نعيم لكي يطبع منها بوستر يوزعه على الناس في المخيم رفض ذلك.
ولأن تراجيديا القضية الفلسطينية مازالت تنتج أبطالا كل يوم وكل لحظة، فما كان من المؤلف إلا أن يقف متأملا بعد هذا السفر الطويل من الدم، ليطرح قضية الشهادة والبطولة من جديد على طاولة النقاش.
سمر صارت الوحيدة المتبقية من أفراد أسرة نعيم، فأعمامها يتنقلون في المنافي البعيدة، أحدهم في تشيلي والآخر في الصين حيث يعمل في توريد البضائع وفي الأردن، وشقيقها الأصغر سالم سيقضي عمره كله في السجن بعد أن حكمت عليه سلطة الاحتلال بالسجن المؤبد 3 مرات، وشقيقها البكر سليم وجد ضالته في السفر حيث أنهى دراسته في جامعة بيرزيت، بعدها استكمل الماجستير في بريطانيا ثم الدكتوراه في فينيسيا، وشقيقتها البكر تزوجت من ابن خالتها وسافرت معه إلى السعودية بحثا عن الاستقرار والثراء.
في الرواية ليس هناك سوى صوت واحد يسرد لنا الأحداث لنكون معه أمام بنية فنية تستعين بآلية الحكي الشعبي الذي تتوالد في نسيجه الفني حكايات فرعية.
ومن جهة أخرى يقف القارئ أمام ذاكرة جمعية تتشكل أمامه من الذاكرة الفردية، ويتحكم السادر العارف الوحيد منفردا في تحديد وجهة نظر المنظور السردي للأحداث، وليس هناك صوت آخر يتشارك معه في السرد. فالسارد هنا قد اختفى لصالح المسرود، وليس من شخصية في النص اختفى خلفها السارد يمكن أن نعثر عليها. وعملية الحكي التي مارسها السارد الكلي للمعرفة لعبت دورا في أن تنسي القارئ التفكير في شخصية السارد أو البحث عنه.

تفاصيل الحياة في غزة

نحن إزاء سرد شفاف يستعير تقنية الريبورتاج التلفزيوني الذي لا يحتاج بشكل قطعي إلى شخصية محددة تظهر شاخصة ضمن التقرير، بل إن السرد هنا يجتاز مسألة التفكير في شخصية السارد ليدخل القارئ داخل المتن الحكائي، وكأنّ المؤلف أراد بذلك أن يقتصر دوره على عرض الأحداث فقط، ليكون عمله بالتالي مقاربة فنية مع أساليب التقارير التلفزيونية التي تقدمها نشرات الأخبار في القنوات الفضائية، أي أن المؤلف وضعنا أمام عالم واقعي عبر عالم متخيل.
صور الشخصيات
حياة الشخصيات في هذه الرواية تبدو معلقة ما بين مقاومة الاحتلال والموت والنفي والرحيل. فلا أحلام ولا طموحات قابلة للحياة إلاّ في حدود ما تتيحه الصدفة لحياة معلقة.
وجاءت الرواية، التي وصلت إلى جائزة البوكر لهذا العام بمثابة مقاربة ملحمية عمل فيها المؤلف على أن يسرد أحداث ومصائر شخصياته بشكل دائري، فما أن تبدأ حكاية حتى ندخل منها إلى حكاية ونلج من خلالها إلى أخرى وهكذا وكأننا نمضي في دائرة المتاهة، مع أن مدينة غزة هي الأخرى تخضع لجدلية التغير، فالزمن ما قبل اتفاقية أوسلو عام 1993 ليس كما بعدها، وسيشهد تغيّرا عاصفا بعد العام 2006 عندما تصبح المدينة تحت سلطة منظمة حماس، فكان من الطبيعي أن يصطدم سليم العائد من إيطاليا بعد غياب دام سبعة أعوام بما وجده فيها من تغيرات لم يكن قادرا على استيعابها.
فالأجيال الجديدة تتواجه مع بعضها البعض ومع أجيال سبقتها في سفر الحياة والتحديات، فمنهم من يسعى إلى أن يخط مصيره بعيدا عن محنة الاحتلال (سليم مقابل نعيم)، ومنهم من تأقلم مع تراجيديا الحياة في غزة وباتت مصدر نجاحه مثل ياسر الذي امتهن الصحافة وجاءت الدنيا على هواه وأصبح صحافيا محترفا يعمل مع الوفود الأجنبية التي تزور المدينة، كذلك شخصية يافا التي وجدت ذاتها في العمل بمنظمات المجتمع المدني مثلما تمكنت من إيجاد عمّها وابن عمها نادر بعد رحلة بحث تخللتها مصادفات لا يمكن أن تحدث إلا في الأفلام.
كما توجد شخصيات أخرى أصبحت لديها أحلام وتطلعات وباتت تتسع يوما بعد آخر بعد أن تحولت الأنفاق ما بين غزة ومعبر رفح مصدرا لثرائها مثل خميس، وشخصيات أخرى بات نضالها عتبة للصعود إلى الأعلى في وظائف ومناصب فحولتهم من مناضلين إلى تجار مثل شخصية صبحي.
أما أولاد وصفي المختار الذين ضحكت لهم الدنيا وصاروا من كبار تجار الجوالات وآخوين، فقد بقيت أحلامهم معلّقة في الذاكرة ولم تسعفهم الحياة في أن يحققوها مثل سالم. الجميع يجري وراء أحلامه وأغلبهم لم تكن تنتهي مثلما يريد لها أبطالها. فالقدرية هنا سلطة قائمة بحضورها وهيمنتها على مسار الأحداث والأشخاص والأشياء.
مروان ياسين الدليمي



الاثنين، 2 مايو، 2016

http://www.alarab.co.uk/?id=79217 
في صحيفة العرب : الاثنين 2/ 5 / 2016
الظلاميون يوقفون عقارب ساعة كنيسة اللاتين في الموصل 
/ مروان ياسين الدليمي 



الظلاميون يوقفون عقارب ساعة كنيسة اللاتين في الموصل
  • تنظيم داعش يؤكد في كل هجماته الشرسة على المعالم الأثرية، سواء في العراق أو سوريا أو ليبيا، أنه عدو الحياة والحضارة، عدو ما أنجزته الإنسانية عبر تاريخ طويل يمتد إلى الآلاف من السنين، لكن هل ينجح الدواعش في محو معالم الإنسانية؟
العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 02/05/2016، العدد: 10263، ص(20)]

تسامح وتواصل

ليس في الأمر ما يدعو إلى الاستغراب عندما فجر تنظيم دولة الخلافة كنيسة اللاتين أو (كنيسة الساعة) كما تعرف في الأوساط العامة بمدينة الموصل، وما مِن جديد في هذا الحدث طالما أن التنظيم المذكور سبق له أن ارتكب العشرات من الجرائم ضد صروح تاريخية ودينية تخص جميع الأديان سواء في مدينة الموصل أو في غيرها من المدن التي سيطر عليها.
تنظيم دولة الخلافة لم يخف في خطابه نيّته وعزمه الذين لا تراجع عنهما في تدمير أيّ أثر يظهر على سطح الأرض يتقاطع مع منهجه، ابتداء من المساجد والجوامع التي تضم في مبانيها قبورا وأضرحة ومراقد أولياء صالحين أو أنبياء، وهذا ما جرى فعلا في الموصل، فقد سوّيت جميعها مع الأرض وأمست أثرا بعد عين، مثل قبر المؤرخ ابن الأثير ومرقد يحيى بن القاسم والنبي دانيال والنبي جرجيس والخضر والنبي شيت والنبي يونس، هذا إضافة إلى تدمير الآثار التاريخية لمدينة الحضر والآثار الآشورية.
تنظيم داعش الذي يستهين بالحياة الإنسانية إلى أقصى درجات الاستهانة ويتفنن في إهانتها وإذلالها، من الطبيعي ألّا يكون لديه أي تقدير لأي موروث حضاري، فإذا كان قد أزال كافة النقوش النباتية والزخارف الموجودة على جدران المساجد في الموصل، فهل سيمتنع عن تدمير أثر ديني مسيحي مثل كنيسة اللاتين؟
تنظيم داعش لا يعنيه مطلقا أن تكون هذه الكنيسة التي أسسها الآباء الدومنيكان في 9 أبريل 1866 وساهمت في نشر الوعي الثقافي بمدينة الموصل، وأنها كانت المكان الذي انطلقت منه أول خطوة في مسيرة المسرح بالعراق عام 1880، إضافة إلى أن رجال هذه الكنيسة (الآباء الدومنيكان) كانوا رواد الترجمة في العراق فنقلوا من اللغات الفرنسية والإيطالية والإنكليزية إلى اللغة العربية العشرات من المؤلفات في ميادين الفكر واللغة والمعرفة، كان لها أثر كبير على نمو الوعي القومي في مدينة الموصل. ومن خلال المطبعة التي كانوا قد جلبوها عام 1857 أصدروا أوّل مجلة عراقية باللغة العربية حملت عنوان “إكليل الورد” عام 1902، وهم أوّل من أدخل آلة التصوير الفوتوغرافي والكرامفون وآلة العرض السينمائي إلى العراق، ولهم الشرف في أن يكونوا أول من بنى مستوصفا تابعا لمبنى الكنيسة عام 1874 ساهم في علاج سكان الموصل من المسلمين والمسيحيين خاصة في تلك الأيام حين كانت تجتاح المدينة الأوبئة والأمراض والفيضانات.
بتدمير كنيسة الساعة خسر العراق الآلاف الوثائق والمجلدات والمخطوطات القديمة والنادرة
أما ساعة الكنيسة الشهيرة فقد تلقاها الآباء الدومنيكان هدية من قبل زوجة الإمبراطور الفرنسي نابليون الثالث، وبسببها شاع اسمها بين العامة بكنيسة الساعة.
الأهم في هذا الموضوع أننا قد خسرنا بتدمير الكنيسة الآلاف من الوثائق والمجلدات والمخطوطات القديمة والنادرة بعد أن كانت محفوظة في مكتبة الكنيسة التي بذل فيها الأب نجيب الدومنيكي، راعي الكنيسة، جهدا جبارا في صيانتها والحفاظ عليها حتى يوم سقوط المدينة في 10 يونيو 2014.
كنيسة اللاتين التي تقع وسط مدينة الموصل القديمة، تعدّ من أجمل وأعرق الكنائس في العراق، حيث كان صرحها المعماري الفخم قائما على 26 عمودا من مادة المرمر الموصلي، وتعلو هذه الأعمدة نقوش وزخارف من عمل نقاشين مسيحيين موصليين اتسموا بمهارة عالية ما كان لأحد أن ينافسهم فيها، وكانت قد خضعت الكنيسة لأكثر من عملية ترميم، أكبرها وأكثرها أهمية جرت في مطلع ثمانينات القرن الماضي وقد استغرقت عدة أعوام، حتى أنها أصبحت مرفقا ثقافيا -إضافة إلى كونها مكانا للصلاة- يتوافد إليها الفنانون والمثقفون بعد أن افتتحت فيها قاعة الساعة لإقامة الندوات والأمسيات الثقافية والمعارض التشكيلية تحت إدارة الفنان الراحل ماهر حربي.
ونتيجة للدور الثقافي للفنان ماهر حربي تعرض إلى عملية اغتيال فاشلة بمسدس كاتم للصوت من قبل تنظيم القاعدة بعد سقوط النظام عام 2003 اضطر على إثرها إلى مغادرة المدينة قبل أن يفارق الحياة في 3 مارس 2015.
بتفجير كنيسة الساعة تكون عقارب الزمن في مدينة الموصل قد توقفت إلى إشعار آخر، وإلى أن تستعيد حياتها من جديد نكون قد خسرنا واحدا من أهم الكنوز الدينية والأثرية التي تحمل جدرانها وأروقتها دلالات رمزية تعبّر عن الدور الريادي الكبير لرجال الدين المسيحيين الموصليين في بناء العراق الحديث.

منارة ثقافة وتنوير

ما يدعو إلى الاستغراب حقا أن نجد الجميع قد التزم جانب السكوت على جريمة سيطرة تنظيم داعش على مدينة الموصل لمدة تزيد على العام، والنصف وكأنه أمر طبيعي ومتفق عليه، أو أنه يأتي في السياق العام لسعي السياسة الدولية إلى إجراء تغيير وتعديل في الخارطة الجيوسياسية لمنطقة الشرق الأوسط، بل إن حدث سقوط الموصل يكاد يكون حجر الزاوية في هذا المشروع، وإلّا بماذا نفسر هذا البرود القاتل واللامبالاة سواء من القوى الكبرى أو من قبل الحكومة العراقية في التعامل مع قضية احتلال داعش لعدد من المدن ومنها طبعا مدينة الموصل التي يعدّها التنظيم بمثابة عاصمة خلافته المزعومة.
حتى الآن ما من إشارة جديّة على أن هناك استعدادا حقيقيا لدى جميع الأطراف العراقية والدولية لطرد التنظيم، وهنا يكمن وجه الغرابة في هذا الموضوع وليس في عملية التفجير التي ارتكبها التنظيم، وليس في جهله وعدم تقديره لقيمة هذا الصرح بما يرمز إليه من قيم دينية وتاريخية وثقافية، وكأني بذلك أجد الجميع، ساسة العراق والمجتمع الدولي، لا يجدون في هذا الوضع أمرا غريبا وشاذا يستدعي منهم أن يستنفروا كل الجهود العسكرية وبأسرع ما يمكن لتحرير المدينة من هذا الكابوس.
كنا نشعر بالقلق والاستغراب طيلة الفترة الماضية التي سبقت تفجير الكنيسة، أي منذ اليوم الأول لسقوط المدينة تحت سلطة تنظيم داعش وذلك عندما وجدناه يتغاضى عن تفجيرها خلال نفس الوقت الذي أصبحنا فيه نشعر بقلق شديد ونحن نرى حالة اللامبالاة التي عبّر عنها المسؤولون العراقيون والمجتمع الدولي إزاء الحال الذي انتهت إليه مدينة الموصل التي تضمّ بين دروبها وتحت ترابها كنوزا أثرية عظيمة تعود إلى حضارات عريقة شهدتها بلاد ما بين النهرين.
نعم خسرنا كنيسة الساعة، كما خسرنا غيرها من الآثار العظيمة الآشورية والإسلامية والمسيحية التي بناها العراقيون الأوائل، ولم يعد ممكنا في كل الأحوال إعادتها إلى الحياة.
الأهم في هذه المسألة في ما لو بقي الحال على هذه الصورة، وإذا ما استمر ساسة البلاد على هذا الموقف اللامبالي، واستمروا في تكالبهم على المناصب والغنائم، هو أن الوجود الإنساني للعراقيين مهدّد بالفناء.
مروان ياسين الدليمي






222 رواق

رواق 222 اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي 2/ 11 / 2017 - المحكمة العسكرية تقرر اعدام مهدي الغرواي قائد عمليات نينوى الاسبق . - سيارات موني...