الأربعاء، 31 أغسطس، 2016

http://www.alarab.co.uk/article/%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1/88862/%D8%A3%D9%8A-%D8%AF%D9%88%D8%B1-%D9%84%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D8%A7-%D9%8A%D8%AC%D8%B1%D9%8A-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B1%D8%B6-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9

أي دور للعرب في ما يجري على الأرض السورية

ما يلفت الانتباه هو الغياب شبه التام لأي طرف عربي في هذا التحرك الذي سيتمخض عنه واقع جيوسياسي ستشهده أرض الشام، وبموجبه لن يسمح للسوريين والعرب عامة أن يتجولوا في شوارع ومدن كانت جزءا من ذاكرتهم الجمعية.

العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 2016/08/24، العدد: 10383، ص(8)]

مع دخول دبابات الجيش التركي إلى داخل الأراضي السورية في 24 أغسطس يكون عقد الأطراف المتحكمة بالصراع السوري قد اكتمل للبدء بمشروع تقاسم مناطق النفوذ في ما بينها، وعلى ما يبدو فإن الاتفاق قد تم على الخطوط العريضة وربما على التفاصيل الصغيرة.
إلاّ أن ما يلفت الانتباه هو الغياب شبه التام لأي طرف عربي في هذا التحرّك الذي سيتمخض عنه واقع جيوسياسي ستشهده أرض الشام، بموجبه سنكون أمام تاريخ جديد يوقف ذاكرتنا عند حدوده وحواجزه، ولن يُسمح من بعده للسوريين على وجه الخصوص والعرب عامة بأن يتجولوا في شوارع ومدن كانت للمئات من السنين، وإلى الأمس، جزءا من ذاكرتهم الجمعية ومشاعرهم الوطنية والإنسانية، ولتنفصل هذه الذاكرة عن نفسها بعد هذا التاريخ بنقاط تفتيش وأسلاك شائكة وربما بمكاتب حدودية لتدقيق جوازات السفر، مما يعني أن ذاكرتنا ستكون في حالة انفصام نفسي وعقلي ووجداني.
هنا تطرح مجموعة تساؤلات: هل غياب العرب يمكن تفسيره على أنه يأتي نتيجة ضعف أدائهم السياسي، أم أن القوى الإقليمية والدولية المتحكمة في الصراع السوري لم تسمح لأي طرف عربي بأن يكون له دور في ما يجري من تحركات لتقرير مصير ومستقبل سوريا والذي هو بالنتيجة مستقبل المنطقة، أم أن الأطراف العربية ما عادت تملك من إمكانات الضغط نتيجة ما يعصف بها من أزمات داخلية؟
كل الاحتمالات التي تتضمنها هذه الأسئلة واردة، وربما هناك من الأسباب ما لم يتم الكشف عنه، كأن يكون هذا الغياب هو جزء مـن الخطة ويأتي في سياق عملية تفاهم تم الاتفاق عليها مع اللاعبين الرئيسين.
في كل الأحوال ما هو مهم في هذه المسألة أن نقر أن العرب غابوا أو غيّبوا أنفسهم في لحظة مصيرية من تاريخهم ولحظة مفارقة في تاريخ بلد عربي مهم وعريق مثل سوريا، وسيتحملون نتائج هذا الموقف بكل تداعياته وانشطاراته التي ستنعكس على أوضاع بلدانهم. ولن يجدي نفعا تفادي ذلك، فشظايا الحدث السوري حارقة، ويوما بعد آخر نجدها تمتد لتصل إلى أماكن بعيدة لم تكن في حسابات الكثيرين إمكانية أن تصل إليهم؛ لكنها وصلت.
ما يجري في سوريا اليوم يحمل دلالة واضحة على أن هناك تفاهما متبادلا بين الأميركان والروس والأتراك والإيرانيين والنظام السوري رغم غياب التفاهم في ما بين هذه الأطراف على عدد من الملفات الأخرى.
الصراع الدموي الذي تشهده الأرض السورية، بما يشهده هذه الأيام من تحركات عسكرية ودبلوماسية عناصرها القوى الدولية والإقليمية المعنية والفاعلة فيه، يشير إلى أننا نواجه تنفيذ خطوة متقدمة من الخطة القاضية بتقسيم الجغرافيا السورية.
وليس مستبعدا أن مدينة داريا كانت الخطوة الأولى في مشروع التقسيم بعد الاتفاق الذي عقد بين النظام الحاكم في دمشق والفصائل المسلحة المعارضة التي كانت تتحصن به وبموجبه تم إخلاؤها تماما من السكان والمسلحين.
النظام الحاكم في دمشق كان أول المبادرين والساعين في مسألة التقسيم عندما تخلّى عن الحسكة في مراحل مبكّرة من الصراع ودون قتال لصالح وحدات حمـاية الشعـب الكردية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي بعد أن وجد نفسه يواجه حربا شرسة في طول البلاد وعرضها وعلى أكثر من جبهـة من قبـل فصائل المعارضة السورية.
مدينة حمص التي تم تشريد أكثر من مليون نسمة منها منذ بدء الحرب بعد أن كانت قد تعـرضت إلى قصف عنيـف بالبراميل المتفجرة أصبح مصيرها اليوم أمام لحظة وجودية، لتكون الهدف الثاني للنظام بعد داريا فهي جزء من مشروع “سوريا المفيدة” الذي يضم، بالإضافة إلى العاصمة دمشق، مدينتي حمص وحماه، وكذلك الساحل السوري المطل على البحر المتوسط.
إيران، قبل النظام السوري، تسعى إلى تحقيق مشـروع “سوريـا المفيدة”، وهذا يلتقي في جوهره مع إستراتيجيتها بعيدة المدى في المنطقة العربية والتي تهدف إلى تفتيت المجتمعات في الدول العربية إلى إثنيات وقوميات منغلقة وكيانات صغيرة معبأة بمرجعية أيديولوجية محتقنة ومحقونة بروافد ماضوية تتقاطع بجميع مسمياتها مع مفهوم الهوية الوطنية الجامعة.
وهذا ما تلتقي فيه إيران مع المشروع الأميركي، الذي تم تطبيقه في العراق بعد العام 2003. كما أن إيران لديها هدف حيوي يتعلق بتطلعاتها الاقتصادية بالدرجة الأولى، وذلك بسعيها للحصول على “شرفة تطل من خلالها على البحر الأبيض المتوسط”.
ولأن نظام طهران يدرك جيدا استحالة قبول تمدده بين العرب السنـة الـذين يشكلـون 80 بالمئة من سكان سوريا بعد تورطه في عمليات قتلهم وتهجيرهم فإنه يسعى من خلال مشروع “سوريا المفيدة” إلى تأصيل نفوذه في منطقة محددة تتوفر فيها أرضية طائفية يتماهى معها ويشعر بالاطمئنان بين ظهرانيها.
إذن مخطط التقسيم بدأ تنفيذه من سوريا، وربما يعتقد البعض أن الأميركيين قد انقلبوا على قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد عندما طلبوا منهم الرجوع إلى شرق الفرات، لكن، بتقديرنا هذا أمر ليس واردا في حسابات الأميركان، فمنطقة شرق الفرات التي يتواجدون فيها ممثلة بالحسكة والقامشلي هي من ضمن الصفقة التي تم الاتفاق عليها بين الأطراف المعنيـة بخطة التقسيم. والأميـركيون كـما هو أسلوبهم المعتاد في إدارة أزمـات المنطقة لابد لهـم مـن أن يلعبوا بـورقة ما للضغط على بقية الأطراف حتى آخر لحظة من الصراع، ولهذا سيكون من المستبعد أن يفرطوا فيها.
وفي ما يتعلق بتركيا يمكن القول إن ما حصلت عليه يبقى خطوة في إطار منطقة النفوذ التي تطمح للهيمنة عليها، وكل ما تفكر فيه الآن يتلخص في كيفية توسيع هذه المنطقة، والعملية العسكرية المشتركة التي قامت بها مع فصائل من الجيش الحر تحقق مصالح الطرفين طالما تقطع الطريق على قوات سوريا الديمقراطية في الاستمرار بما بدأته من عمليات تغيير ديموغرافي في عدد من القرى والبلدات في الشمال السوري كانت قد طالت السكان العرب والتركمان كما أشار إلى ذلك عدد من تقارير منظمات دولية.
كما أن التحرك التركي يهدف ـ وهذا ما عبر عنه أكثر من مسؤول تركي ــ إلى إيقاف تمدد الإقليم الكردي إلى منطقة غرب الفرات، وفي حالة قيامه ينبغي أن يبقى محصورا في منطقة شرق الفرات، وهذا التصور ليس بعيدا عن الرؤية الأميركية إن لم يكن تنفيذا لها.
بنفس الوقت فإن الخطوة التركية العسكرية تحمل في أبعادها المستقبلية خطورة على المسألة السورية، وليس مستبعدا أن تكون لها نتائج وتداعيات مستقبلية ربما ستضع أنقرة في مواجهة مع من هم اليوم أصدقاؤها وحلفاؤها في الميدان، إلاّ أن هذه المواجهة ستبقى على المدى المنظور مؤجلة إلى حين، طالما هناك تهديدات مشتركة تواجه تركيا وحلفاءها من السوريين.
إذن تركيا اليوم موجودة في قلب الملف السوري مثل روسيا وإيران وأميركا، رغم الترجيحات باحتمالية أن تغرق شيئا فشيئا في هذا المستنقع مع وجود الملايين من اللاجئين السوريين الذين يقيمون على أرضها والقذائف التي تتساقط على مدنها الحدودية طيلة الفترة الماضية قادمة من سوريا، وليس مستبعدا أن يستمر تساقط القذائف ومسلسل التفجيرات حتى بعد توغلها داخل الأراضي السورية.
نقطة الخلاف ما بين تركيا وواشنطن تكمن في المرحلة القادمة التي ستعقب السيطرة على ما يحيط جرابلس من قرى وبلدات وصولا إلى منبج التي ستكون بمثابة نقطة الفصل بينهما، فهل ستقدم واشنطن الدعم للأتراك في عملية تقدمهم نحوها وانتزاعها من سلطة قوات سوريا الديمقراطية أم سيكون لها موقف آخر؟ هذا ما ستجيب عنه الأيام القادمة.
كاتب عراقي

الاثنين، 29 أغسطس، 2016

رواق 161

http://www.alarab.co.uk/article/%D9%81%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%82/88653/%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%B1%D8%A7%D8%B9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D9%85%D9%86:-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A4%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D9%85%D8%B5%D8%A7%D9%84%D8%AD-%D8%A7%D9%84%D9%82%D9%88%D9%89-%D8%A7%D9%84%D9%83%D8%A8%D8%B1%D9%89

 

 

صحيفة العرب :

الصراع في اليمن: الرؤية الخليجية في مواجهة مصالح القوى الكبرى.


    عندما تعقد الوضع في اليمن بعد أن سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء في 21 سبتمبر 2014، ومرت البلاد نحو مرحلة حاسمة دفعت كل القوى المعنية بالأزمة اليمنية إلى الدخول بكل قواها، عمل الروس على اتخاذ موقف بدا وكأنه غير مؤيد لسياسة الإيرانيين، كما هو الحال مع الأزمة السورية؛ لكن تبين أن الرئيس فلاديمير بوتين، ذا التوجهات السوفييتية، لم ينس مطامع السوفييت في اليمن، وفي صنعاء وعدن ومينائها بالأساس؛ وموسكو ولئن لم تتدخل في اليمن بشكل مباشر وواضح كما في سوريا، فإنها قامت بذلك من خلال صوتها في مجلس الأمن لتعطيل قرارات عديدة طرحت لحل الأزمة اليمنية، وهو ما دفع حليف الحوثيين الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح إلى دعوة الروس إلى التعاون معه.

العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 29/08/2016، العدد: 10380، ص(6)]


سماء الانقلابيين ملبدة وعواصف في أفقها

هل سيفلح الرئيس السابق علي عبدالله صالح في إقناع الروس بأن تتجه بوصلتهم إلى اليمن، ليقفوا إلى جانبه بعد أن وجه إليهم الدعوة لاستثمار الموانئ والقواعد والمطارات العسكرية اليمنية.

ربما سيفكر الروس بالعرض جديّا وهذا أمر وارد بعد أن بدا عليهم، في عهد بوتين، استعدادهم لأن يلعب جيشهم دورا أشبه بدور المرتزقة منه إلى دور جيش يمثل دولة عظمى، مع أنهم يدركون جيدا أن عبدالله صالح لم يعد في موقع المسؤولية بما يتيح له أن يفي بأي وعد قد يعرضه على الآخرين.

هذا إضافة إلى أن تطورات الحرب لم تعد تجري لصالحه بعد سلسة من الهزائم التي تلقاها مع الحوثيين في أكثر من جبهة، ولعل أحدثها وأهمها ما حصل من تقدّم في محور تعز أحرزه الجيش اليمني والمقاومة الشعبية بدعم من التحالف العربي، حيث تمكنا من السيطرة على الجبهة الغربية منها ونجحا في فتح الخط الرئيسي المسمى (خط الضباب) الذي يربط تعز بمدينة عدن.

ويدرك الروس جيدا أن هامشهم الأمني الجغرافي قد تقلص كثيرا بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وهذا ما يشغل تفكيرهم لذلك يحاولون بشتى السبل توسيع مجالهم الحيوي وليس مهما هنا في سبيل تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي أن يجمعوا أطرافا متناقضة في أهدافها تحت خيمة حِلفهم.

رد روسي على المحور الأميركي

المهم بالنسبة إلى موسكو أن تنجح في تأسيس محور سياسي في مقابل المحور الأميركي سعيا منها إلى تحقيق مقايضة بعدد من الملفات التي تهم واشنطن في المنطقة العربية، تأتي في مقدمتها القضية السورية والملف النووي الإيراني ويضاف إليهما اليوم الملف اليمني ليصبح جزءا من أدواتها التي تحاول من خلالها جني مكاسب اقتصادية وتوسيع نفوذها الجيوسياسي. ولو لم تكن السياسة الخارجية للبيت الأبيض في عهد باراك أوباما على هذه الدرجة من السلبية إزاء حلفائها العرب لما تمكن الروس من أن ينفذوا إلى مناطق ذات أهمية استراتيجية للسياسة الأميركية ويملأوا الفراغ الذي خلفه انسحابها.

    دعوة علي عبدالله صالح للروس تأتي للضغط على السعودية التي تقود التحالف العربي في مواجهة مخططاته مع الحوثيين

تأتي دعوة علي عبدالله صالح إلى الروس في المقام الأول للضغط على المملكة العربية السعودية لأنها تقود التحالف العربي في مواجهة مخططاته مع الحوثيين بالعودة إلى السلطة مرة ثانية والدفع باليمن ليكون جزءا من المشروع الإيراني الهادف إلى تصدير نظام ولاية الفقيه إلى المنطقة. نجحت إيران في إفراغ الحراك الشعبي السلمي في اليمن من محتواه الداعي إلى الإصلاح عندما انطلق في مطلع 2011 على وقع ما اصطلح عليه بالربيع العربي وحولت وجهته من خلال الحوثيين إلى المسار الطائفي.

ولأجل أن ينجح هذا المسعى لم تبخل طهران على أذرعها في اليمن بكل أنواع الدعم حتى تمكنت من أن تجعلها جزءا من منظومة القوى التي تروج لتصدير الثورة الخمينية، وتحولت بين ليلة وضحاها من أقليّة قبلية تعرف باسم الحوثيين إلى ميليشيا طائفية اسمها أنصار الله (في محاكاة لحزب الله) تسعى إلى السيطرة على السلطة واحتكارها.

ليس مستبعدا أن يتعامل الروس مع دعوة علي عبدالله صالح، على الرغم من عدم واقعيتها في نظر العارفين بالمشهد اليمني وتطوراته، وعلى الرغم من معرفتهم بضيق المساحة التي يتحرك فيها الرئيس اليمني السابق في مستقبل اليمن بل انعدامها، إلاّ أنهم وكما يبدو يحاولون أن يصلوا من خلال الدعوة إلى ماهو أبعد منها ومن صاحبها، ولن يكون عبدالله صالح بالنسبة إليهم سوى باب صغير سيقودهم إلى مساحة أوسع من الأرض اليمنية التي سيتحركون فوقها.

من هنا يمكن فهم الأسباب التي دعت السفير الروسي في صنعاء إلى حضور جلسة البرلمان التي كان الحوثيون مع علي عبدالله صالح قد دعوا إلى عقدها في منتصف شهر أغسطس الحالي مع أنها غير قانونية وخارج الشرعية الدستورية، حسب ما صرح في وقتها الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي وعدد من أعضاء الحكومة.

    يلاحظ الطرفان الأميركي والأممي سرعة التحرك لطرح جولات تفاوضية بين الانقلابيين والسلطة الشرعية كلما شعرا أن هناك تقدما ملحوظا يتم إحرازه على الأرض من قبل الجيش اليمني والمقاومة الشعبية مع التحالف العربي

الدور الخليجي

منذ أن انقلب الحوثيون وعلي عبدالله صالح على الشرعية لم يكن المجتمع الدولي جادا في تعامله مع القضية اليمنية، ربما كان موقفه منها أقرب إلى المتواطئ مع الانقلابيين أكثر مما كان يقف على الحياد ساعيا إلى حلها. وتحمّلت بالتالي دول الخليج العربي هذا الملف بكل تعقيداته المحلية الإقليمية والتي وضعتها في مواجهة بالغة الحساسية مع إيران، التي سعت جاهدة إلى إلحاق صنعاء بدمشق وبغداد، ما فرض ضرورة التحالف العربي.

لم يقتصر دور هذا التحالف على الإطار العسكري، إنما امتد ليشمل جوانب إنسانية عبر قوافل الإغاثة والمساعدات المالية وإعادة إعمار المدن اليمنية. فالحرب قد قوّضت البنى التحتية وأدخلت اقتصاد البلاد في مرحلة خطيرة من الانهيار والعجز نتيجة توقف إيرادات النفط والمنح الخارجية كما انخفضت بقية الإيرادات التي كانت تساهم في الموازنة العامة للبلاد.

لا خلاف في أن صورة المشهد اليمني تبدو قاتمة وليست فيها إشارة تدعو إلى الانفراج مع استمرار ما يبديه الحوثيون وعلي عبدالله صالح من تعنت في مواقفهم. في المقابل تضعنا هذه الصورة أمام موقف آخر يحمل قدرا من المعقولية والتفاؤل.

القواعد الأساسية للسياسة الدولية، التي لا تغيب عن تفكير زعماء الدول الكبرى، تفرض عليهم أن يضعوا مصالح بلدانهم في أولوية تفكيرهم ويرسموا سياساتهم الخارجية وفق ما تقتضيه هذه المصالح، فهل من الممكن أن تتحرك الدول الكبرى في اتجاه عقد صفقات مع علي عبدالله صالح مقابل التفريط في مصالحها مع دول الخليج؟ تجيب على هذا التساؤل التحركات الدبلوماسية الأخيرة، ممثلة بزيارة كيري وزير الخارجية الأميركي ونائب وزير الخارجية الروسي ميخائيل بوغدانوف للسعودية واللقاءات التي جمعتهما مع العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز وولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وبقية المسؤولين السعوديين.

وما صدر عن وزير الخارجية الأميركي بعد هذه اللقاءات من تصريحات تدعم الشرعية وتدعو إلى تسليم سلاح ميليشيا الحوثيين إلى طرف دولي ثالث، يشير إلى أن واشنطن تسير في نفس الركب الخليجي. وهذا ما عكسه تصريح جون كيري عندما قال “على الحوثيين أن يدركوا أنهم أقلية صغيرة ولا يعبرون عن المجتمع اليمني”؛ كما أعلن وزير الخارجية الأميركي جون كيري، خلال مؤتمر صحافي مع نظيره السعودي عادل الجبير في مدينة جدة السعودية أن الصراع استمر أكثر مما ينبغي وآن له أن ينتهي.

ويعني هذا التصريح أن على الحوثيين وعلي عبدالله صالح أن يرضخوا لمرجعيات الحل اليمني الذي تم برعاية ممثل الأمم المتحدة إسماعيل ولد الشيخ أحمد وسبق أن وافقوا عليه قبل أن ينسحبوا من المفاوضات. ويقوم الحل على ثلاث نقاط أساسية هي: المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني وقرار الأمم المتحدة رقم 2216.

    منذ أن انقلب الحوثيون وعلي عبدالله صالح على الشرعية لم يكن المجتمع الدولي جادا في تعامله مع القضية اليمنية

لكن، رغم ما يبدو من تغيّر ظاهر في الموقف الأميركي، هناك شكوك حوله بسبب حالة الغموض والالتباس التي سيطرت عليه وعلى موقف الأمم المتحدة طيلة الفترة الماضية في تعاملهما مع حالة الصراع الدموي الدائر في المنطقة العربية، واليمن جزء من هذه الحالة.

يلاحظ الطرفان الأميركي والأممي سرعة التحرك لطرح جولات تفاوضية بين الانقلابيين والسلطة الشرعية كلما شعرا أن هناك تقدما ملحوظا يتم إحرازه على الأرض من قبل الجيش اليمني والمقاومة الشعبية مع التحالف العربي، ويأتي هذا الموقف من قبل واشنطن والأمم المتحدة في محاولة منهما لأجل ألا تحسم نتيجة الصراع لصالح التحالف العربي الذي يدعم الشرعية.

السياسة الأميركية الراهنة، وموقف الأمم المتحدة التابعة لها، في التعامل مع الصراعات التي تشهدها المنطقة العربية تتلخص في إيلاء أهمية كبيرة للحركات الانفصالية والتعاطي معها، على اعتبارها تمثل أمرا واقعا ينبغي على السلطات الرسمية التعامل والتفاوض معه وصولا إلى ما يحقق تطلع هذه الحركات بغض النظر عن حجمها ومشروعية أطروحاتها.

الملاحظة الجديرة بالاهتمام أن التحرك الدبلوماسي الخليجي يهدف إلى عدم تكرار السيناريو السوري في اليمن، ذلك لأن دول الخليج العربي تنظر إلى القضية اليمنية باعتبارها أمنا وطنيا وقوميا لها، ولذلك نجدها حريصة على أن تجعل المجتمع الدولي والقوى الكبرى ينظران إليها انطلاقا من هذا الزاوية. لكنّ المناورة في السياسة تبقى هي العنصر الذي تتم المراهنة عليه في الوصول إلى الأهداف، وكل شيء قابل للمناورة.

الجمعة، 26 أغسطس، 2016

http://alarab.co.uk/article/%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1/88494/%D8%A3%D8%A8%D8%B9%D8%A7%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%8A%D8%B1-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%84%D9%81-%D8%A7%D9%84%D8%B3 %D9%88%D8%B1%D9%8A

أبعاد التدخل العسكري التركي الأخير في الملف السوري

الموقف الأميركي لم يتغير من ناحية أنقرة، ولا يزال داعما لأمنها القومي ولا يسعى إلى التفريط في علاقته المميزة والتاريخية معها خاصة وأنها جزء من حلف شمال الأطلسي.

 

العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 27/08/2016، العدد: 10378، ص(8)]

عندما أعطى الأميركان خلال اليومين الماضيين الضوء الأخضر لأنقرة حتى تحرّكَ قواتها لمساندة فصائل من الجيش السوري الحر وهي تتجه نحو مدينة جرابلس السورية (125 شمال شرق مدينة حلب) والمحاذية للحدود التركية بهدف السيطرة عليها بعد طرد تنظيم داعش منها، بدا واضحا أن هذا يشي بتحول في الموقف الأميركي، بما له صلة مباشرة بتداعيات الملف السوري على أنقرة.
في ظل هذا التحول ليس مستبعدا أن يمتدّ التحرك التركي إلى مسافة أبعد من جرابلس ليصل إلى مدينة الباب (38 كم شمال شرق مدينة حلب) التي مازالت تحت سيطرة تنظيم داعش، وصولا إلى مدينة منبج التي استطاعت قوات سوريا الديمقراطية في مطلع شهر أغسطس الحالي أن تنتزعها من تنظيم داعش.
لم يعد سرّا أن الموقف الأميركي الجديد الداعم لتركيا تم الكشف عنه بوضوح خلال زيارة نائب الرئيس الأميركي، جو بايدن، الأخيرة إلى أنقرة منتصف هذا الأسبوع، وإعلانه من هناك بأن الإدارة الأميركية سبق أن أبلغت قوات سوريا الديمقراطية بأن تبقى في منطقة شرق الفرات التي تقطنها أغلبية كردية، وحذرتها بأنها سوف لن تتلقى دعما منها فيما لو عبرت نهر الفرات صوب جهته الغربية التي تسكنها أغلبية سكانية عربية. وعلى ما يبدو فإن أميركا بموقفها الداعم للتحرك العسكري التركي كانت تهدف إلى أن توجه رسالة لا تبعث على الارتياح إلى قوات سوريا الديمقراطية لأنها لم تلتزم بالحدود التي رسمتها لها.
في نفس الوقت يكشف هذا الموقف عن توافق إقليمي ودولي، وربما ستفاجئنا الأيام القادمة بأن هذا التحرك العسكري يهدف إلى ما هو أبعد من تأمين الشريط الحدودي الذي يفصل ما بين سوريا وتركيا، فهنالك من المراقبين من يجد فيه مقدمة لتمهيد الأجواء في سبيل فتح حوار مستقبلي يجري حول طاولة مستديرة واحدة بين جميع أطراف الصراع، بما في ذلك النظام الحاكم في دمشق، من بعد أن يستكمل هذا التحرك العسكري أهدافه البعيدة التي ربما ستصل إلى مدينة الرقة معقل تنظيم داعش.
السؤال الذي يطرح هنا انطلاقا من الأحداث المتسارعة على الجبهات الشمالية: لماذا هذا التحول في الموقف الأميركي، وما هي أهمية توقيته؟
ربما الموضوع له صلة وثيقة بمسعى البيت الأبيض الهادف إلى إعادة ترميم ما أصاب علاقته مع أنقرة من توتر بعد الانقلاب العسكري الفاشل، والتأكيد على أهمية تركيا باعتبارها حليفا استراتيجيا في المنطقة لا يمكن التفريط أو الاستغناء عنها أو عن دورها الإقليمي.
على ذلك يمكن القول بأن الموقف الأميركي لم يتغير من ناحية أنقرة، ولا يزال داعما لأمنها القومي ولا يسعى إلى التفريط في علاقته المميزة والتاريخية معها خاصة وأنها جزء من حلف شمال الأطلسي، وبذلك لن يكون الموقف الأميركي الداعم لقوات سوريا الديمقراطية، بأي حال من الأحوال، على حساب قوة إقليمية وحليف استراتيجي مثل تركيا.
من جانبها أيضا تسعى أنقرة إلى إرضاء الولايات المتحدة من خلال مساهمتها الفعلية في الحرب على تنظيم داعش وطرده من مدينتي جرابلس والباب، وبذلك ستسحب هذه الورقة الضاغطة من الأطراف الأخرى التي ما انفكت تلوّح بها في وجه أنقرة، باعتبارها لم تقدم جهدا عسكريا يؤكد مصداقية عدائها لتنظيم داعش، كما أنها تدرك، جيدا، بأن أميركا قادرة ولوحدها على أن تجعل قوات سوريا الديمقراطية تنسحب عائدة إلى شرق الفرات دون قتال وبإيعاز منها.
حتى الأربعاء الماضي -أي قبل سيطرة فصائل الجيش الحر المدعومة من قبل القوات التركية- كانت الولايات المتحدة الأميركية قد منعت تركيا من التحرك عسكريا والمشاركة في الصراع الدائر داخل سوريا، على عكس الموقف الذي رشح عنها خلال اليومين الماضيين، وأفصح هذا التحوّل على أن تركيا كانت تخضع للإرادة الدولية ممثلة بأميركا، ولم تكن تستطيع أن تتصرف خارج هذه الإرادة، وأن هناك حدودا مرسومة بدقة للدول الإقليمية لا تستطيع الخروج عنها في بعض الملفات الحساسة، إلا إذا تلقت إيعازا يمنحها الفرصة بالتحرك.
إلى ماذا تهدف تركيا من وراء تحركاتها العسكرية الأخيرة؟
خلال الأشهر الماضية ما كان يؤرق أنقرة هو خطورة وجود تنظيم داعش في المدن التي سيطر عليها، والتي تقع عند الشريط الحدودي الذي يفصلها عن الأراضي السورية، وقد تصاعد هذا الخطر بعد أن استُهدفت المدن التركية الحدودية بالصواريخ من قبل التنظيم، من هنا تأتي أولوية طرده من هذه المناطق بالنسبة إليها.
أيضا يشكل الشمال السوري جزءا حيويا من أمن تركيا القومي، لأنه يتعلق بتمدد قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية في هذه المنطقة خلال أحداث الثورة السورية، وقد وجدت أنقرة أن هذا العامل الجديد سيترك آثارا وتداعيات بالغة الحساسية على جنوب شرق البلاد، ذي الغالبية الكردية الذي يحلم سكانه بإقامة إقليم ذاتي سيكون بالنسبة إليهم مقدمة أساسية لتحقيق ما يطمحون إليه منذ زمن بعيد بالاستقلال وإعلان دولتهم التي ستمتد رقعتها لتشمل أيضا الأراضي التي باتت تحت سيطرة قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب. ولهذا تسعى تركيا بكل ما لديها من جهد وإمكانيات إلى إزاحتهم من جميع الأراضي الواقعة على غرب نهر الفرات، وإعادتهم إلى الضفة الشرقية منه والتي تقطنها غالبية كردية.
ما كان باستطاعة الأتراك أن ينطلقوا بهذه القوة لتحقيق هذا الهدف لو لم يكن هناك تطابق في الموقف بينهم وبين الأميركان، وهذا ما عكسه تصريح نائب الرئيس الأميركي جون بايدن أثناء زيارته لتركيا منتصف هذا الأسبوع، عندما قال “لن ندعم أي فصيل كردي إذا ما تجاوز التعليمات ووصل إلى غرب الفرات”. فكان هذا التصريح يحمل ما يكفي من الوضوح لكي يمنح الأتراك الضوء الأخضر للتحرك.
هل هذا يعني أن الأميركان لا يدعمون قيام منطقة كردية مستقلة في شمال سوريا؟ وإذا كان الأمر كذلك، كيف لنا أن نفسر الدعم الكبير الذي تقدمه الولايات المتحدة إلى قوات سوريا الديمقراطية؟ ولماذا ترغمهم، مرة أخرى، على الوقوف في منتصف الطريق المؤدي إلى حلمهم، مثلما كانت قد خدعتهم القوى المنتصرة في الحرب العالمية الأولى (بريطانيا وفرنسا) بعد توقيع معاهدة سيفر (10 أغسطس 1920) عندما تخلت عن وعدها لهم بإقامة حكم ذاتي؟
ربما تركيا عرفت كيف تستثمر ورقة اللاجئين للضغط على الدول الأوروبية وأميركا بالشكل الذي جعلتهم يمنحونها فرصة إيقاف تحرك الأكراد نحو تحقيق هدفهم بإقامة إقليم كردي في الشمال السوري.
من الواضح أن الولايات المتحدة وهي تتعامل مع الملف الكردي لا تريد أن تغضب أنقرة، وليس في نيتها أن ترغمها على القبول بحلول ليس بإمكان تركيا القبول بها، رغم أن واشنطن مازالت تراهن على الأكراد، دون غيرهم، في حربها ضد تنظيم داعش.
اللقاء الذي سيجمع جون كيري وزير خارجية الولايات المتحدة مع سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي في واشنطن الأسبوع المقبل ومن ثم في جنيف، سيرشح عنه من المعلومات ما يمكن من خلالها تفسير الغموض الذي بات يلف الكثير من الأحداث التي سيكون لها دور في تحديد الخارطة السورية على الأرض.
كاتب عراقي

مروان ياسين الدليمي

الخميس، 25 أغسطس، 2016

http://www.alarab.co.uk/?id=88305  العرب


مسيحيو المشرق.. ذاكرة خصبة تحاصرها رمال التطرف
  • المسيحيون في المشرق يشكّلون مكونا أساسيا لمجتمعات المنطقة منذ التاريخ القديم، وأثروا الدول المتعاقبة بسعة ثقافتهم ومهاراتهم المتوارثة، لكنّ أنظمة الحكم التي جاءت في العصر الحديث عملت على تهميش دورهم، وزاد المد الأصولي في الوقت الراهن من غربتهم على أرضهم ممّا اضطر الكثير منهم إلى الهجرة، أمّا من تبقى فتتعامل معه القوى السياسية كمجرد ورقة انتخابية.
العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 25/08/2016، العدد: 10376، ص(13)]

جذور يريد التطرف قطعها

المسيحيون يعدون في نظر معظم المؤرخين من أقدم المجموعات السكانية التي استوطنت هذه الأرض ورسمت ملامحها، سواء في العراق أو بلاد الشام أو مصر، وجذورهم التاريخية تعود إلى الأسلاف الذين أسسوا أولى الحضارات من آشوريين وآكاديين وأقباط.
ويبدو أن عراقة المسيحيين في هذه الجغرافيا الشاسعة وضعتهم في موقف تأريخي يميّزهم عن غيرهم، موقف مارسوا من خلاله حضورا إنسانيا مؤثرا، فكانت لهم بصمتهم في ذاكرة المكان، ومازال صداها يتردد واضحا رغم العتمة التي غطت سحبها الكثيفة سماء الأرض التي شهدت بواكير الوعي البشري وتألقه.
وضع المسيحيون اللبنات الجوهرية لهويّة هذه البيئة قبل أن تفد إليها أقوام وديانات أخرى، سواء عن طريق الغزو أو الهجرة لتسبغ عليها هويتها ولغتها وثقافتها بعد أن محت ثقافة سكانها الأوائل.
الأهم في موضوع السكان الأوائل لهذه “الجغرافيا من المسيحيين”، أنّهم ظلّوا على عقيدتهم ولم يتخلوا عنها تحت ضغط الظروف القاهرة والمغريات التي أحاطت بهم وما واجهوه من تحديات، وربما هذا يعود إلى تعلقهم الكبير بالمعتقد الذي يؤمنون به وإلى وجود هامش معقول من الحرية كان إلى فترة قريبة تدخره البيئة الاجتماعية، هذا إضافة إلى أن الأنظمة السياسية المتعاقبة أتاحت لهم ولغيرهم من أتباع الديانات الأخرى من غير الإسلام، الاحتفاظ بعقيدتهم ولم تلجأ إلى أساليب قهرية لجعلهم يتخلون عنها، ولا ينفي هذا -في الوقت ذاته- ما كانوا يواجهونه من صعوبات كبيرة، عادة ما تفرزها تحولات سياسية كانت ومازالت تشهدها المنطقة العربية، وقد دفع المسيحيون ثمنها خسائر بشرية خاصة من رموزهم وزعاماتهم الدينية.
ما يؤسف له أن هذا الهامش من الحرية الذي أبقاهم أحياء ومنتجين ومتفاعلين، لم يعد متوفرا هذه الأيام بعد أن تصاعد مد الحركات الإسلامية المتطرفة، ابتداء من مطلع سبعينات القرن الماضي، وهنا يكمن مصدر الغرابة والدهشة في تاريخ العلاقة التي تربطهم مع البيئة الاجتماعية التي ينتمون إليها.
الأنظمة السياسية التي تدعي علمانيتها، كانت تحمل في داخلها فكرا منغلقا، فكيف الحال إذن بحركات الإسلام السياسي
وبدلا من أن تتسع منافذ الحرية للتعبير عن العقائد المختلفة لتكتب مستوى آخر من الوعي الإنساني أكثر نضجا، ويتناسب طرديا مع التقدم الذي وصل إليه الفكر الإنساني في رؤيته للحقوق والحرية، نجدها اليوم أخذت في الانحسار بشكل مخيف مع ظهور حركات الإسلام السياسي وتمددها، وهذا ما انعكس بالتالي وبشكل مشوّه على طبيعــة الرؤية التي يتم من خلالها النظر إلى العقيدة الإسلامية.
لو عدنا إلى الوراء وتوقفنا عند ما يعرف بالدولة الأموية والعباسية، لوجدنا خلال تلك الفترة حضورا فاعلا للمسيحيين في بناء وتأسيس المنظومة الثقافية لتينك الدولتين، أولا لأنهم كانوا جزءا أساسيا وأصيلا من النسيج الاجتماعي والقبلي للمنطقة، فالقبائل العربية على سبيل المثال (بكر وتغلب وطي) التي كانت تسكن العراق، بقيت تدين بالمسيحية حتى بعد مجيء الإسلام ولفترة طويلة، وثانيا لأن المسيحيين السريان، الذين قدموا من سوريا وفلسطين إلى العراق في القرن الثاني الميلادي، كانوا يتمتعون بثقافة ومعرفة كبيرة بالكتابة وباللغات الأخرى غير العربية، وخاصة اليونانية، وهذا ما مهد الطريق أمامهم لكي تفتح لهم الأبواب على مصراعيها لارتقاء مسؤوليات ومناصب مهمة في الدولتين، ولم يستطع غيرهم أن ينافسهم عليها، ولهذا كان فضلهم كبيرا على السلطة الإسلامية الجديدة من ناحية مساهمتهم مع آخرين من غير العرب في تأسيس منظوماتها الثقافية والعلمية والمعرفية، وهذا ما يحسب بالتالي لصالح تلك الأنظمة عندما أحسنت التصرف في قدر من التسامح يعد كبيرا جدا فيما لو تمت مقارنته بما نشهده اليوم من انغلاق وتشدد وتطرف في التعامل مع أتباع الديانات الأخرى.
ما يؤشر على فاعلية المسيحيين في العراق الحديث تمكن ملاحظته في إطار المنظومة الثقافية، وكان لحضورهم الديني والحضاري القديم في هذه البقعة من الأرض السبب الرئيس في ذلك، وقد لعبوا طيلة وجودهم التاريخي هذا أدوارا فاعلة تتباين في قوتها وتأثيرها، انسجاما مع طبيعة المشهد السياسي ودرجة سخونته أو احتقانه أو حياديته.
إن دورهم الحضاري المؤثر في العصر الحديث جاء على هذه الصورة ليس لكونهم صاروا أقلية وبذلك كانوا يسعون بكل ما لديهم من إمكانات حتى يثبتوا فقط للأغلبية حضورهم المميز، وإنما لأنهم يحملون في داخلهم شعورا قويا بانتمائهم الأصيل إلى بلاد ما بين النهرين، ومن هنا يتوجب عليهم أن يكونوا في مستوى مسؤولية هذا الانتماء.

الأنظمة السياسية التي تدعي علمانيتها والتي تشكلت في المنطقة العربية بعد الحرب العالمية الثانية، كانت تحمل في داخلها فكرا منغلقا يرفض الانفتاح على عقائد الآخرين الدينية من مواطنيها الأصليين، فكيف الحال إذن بحركات الإسلام السياسي؟
تجليات هذا الواقع دفعت المسيحيين بالنتيجة إلى أن يشعروا بخطورة الأوضاع التي باتت تحيط بهم، فكان لا بد لهم أن ينسحبوا شيئا فشيئا من المشاركة الاجتماعية داخل أوطانهم دون إرادتهم حرصا على حياتهم ووجودهم الذي أصبح مهددا بعد أن تصاعدت موجة التطرف والتهديد ضدهم، وقد تجلى ذلك في أوضح صوره عندما سيطر تنظيم داعش على عدد من المدن في سوريا وليبيا والعراق، وهذا ما دفع أعدادا كبيرة منهم إلى مغادرة أوطانهم بحثا عن ملاذ آمن.
المسيحيون وبقية الأقليات، خاصة في العراق، يتم التعامل معهم على أنهم مجرد ورقة انتخابية تستثمر فقط في بازار السياسة من قبل قوى وزعامات سياسية وقومية تتصارع في ما بينها لكسب ود المسيحيين ولضمان صوتهم إلى جانبها، ولا يوجد بين هذه القوى من تتوفر فيه المصداقية في التعامل معهم وإنصافهم.
الآن ليست هناك من مؤشرات فعلية داخل المطبخ السياسي في منطقة الشرق الأوسط، توحي بوجود قناعة حقيقية تعبّر عنها برامج القوى السياسية بكل مسمياتها، العلمانية وغير العلمانية.
مروان ياسين الدليمي

الأربعاء، 24 أغسطس، 2016

http://www.alarab.co.uk/?id=88238  صحيفة العرب















في ما يتعلق بالحلول المطروحة للمسألة السورية فليس هنالك ما يشير إلى أن إيران مندفعة لحلّها إن لم تضمن بقاء الأسد على رأس النظام، بينما تبدو روسيا مستعجلة لحسم الملف من غير أن يشكل مصير الأسد تفصيلا مهما فيه.
العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 24/08/2016، العدد: 10375، ص(9)]
عندما تدخّل سلاح الجو الروسي في الملف السوري بتاريخ 30 سبتمبر 2015، وليتمدد بعد ذلك النفوذ الروسي إلى الحد الذي بات اللاعب الرئيس في هذا الملف على حساب الأتراك والإيرانيين وربما الأميركان أيضا، بدا واضحا أن إيران وصلت إلى مرحلة أدركت فيها أن الروس يمكن أن يطيحوا بكل ما كانت تخطط له من وراء تدخلها خاصة بعد لقاء الرئيس التركي رجب طيب أردوغان مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مطلع شهر أغسطس الحالي، لذلك لم تتردد طهران في أن تكون قريبة من هذه المتغيرات، من هنا جاءت الزيارة السريعة التي قام بها وزير خارجية إيران محمد جواد ظريف إلى تركيا، لأن طهران ليست مستعدة أن تفرط في الملف السوري بأي شكل من الأشكال، بل على العكس لديها كل الاستعداد أن تقدم كل شيء لأجل أن تحافظ على نظام بشار الأسد.
في نفس الوقت فإن طهران تبذل كل ما في وسعها من أجل أن يكون هنالك تبادل أدوار بينها وبين الروس في الملف السوري رغم إدراكها أن الروس أصبحوا يلعبون دورا أكبر بكثير من الدور الذي كانت تلعبه هي قبل أن يتدخلوا وعلى غير ما كانت تتوقعه.
التحالف بين الروس والإيرانيين إن صح توصيف العلاقة بينهما بهذا الوصف ليس تحالفا استراتيجيا، بل مرهون بما تفرضه الظروف الراهنة على الأرض في سوريا، وليس ورادا أن يطول العمر بهذا التحالف، ويمكن أن يصل إلى لحظة افتراق عندما تنتهي المصلحة المشتركة بينهما، وليس من الصحيح أن يقال على ما يرتبطان به من مصالح مشتركة في الوقت الراهن على أنه حلف استراتيجي كما هو الحلف بين أميركا وإسرائيل، أو بين روسيا وإسرائيل، أو حتى بين السعودية وأميركا.
المسألة ليست بهذه البساطة، فبقدر ما هنالك من نقاط التقاء راهنة بين الطرفين، هناك عدم التقاء في نقاط مهمة، وفي مقدمتها الموقف من دولة إسرائيل وأمنها. على هذا الأساس فإن مسألة التحالف بينهما أبعد مما يمكن أن يتوهمه البعض، ولكي يتحقق التحالف يحتاج إلى أسس عميقة ينبغي أن تتوفر بين الأطراف المتحالفة وهذا ما لم يتوفر بين الاثنين إلا في حدود الظرف الراهن المرتبط بالصراع على الأرض السورية.
وفي ما يتعلق بالحلول المطروحة للمسألة السورية فليس هنالك ما يشير إلى أن إيران مندفعة لحلّها إنْ لم تضمن بقاء الأسد على رأس النظام الحاكم، بينما روسيا لها موقف لا يلتقي مع الموقف الإيراني، تبدو من خلاله مستعجلة لحسم هذا الملف، من غير أن يشكل مصير الأسد تفصيلا مهما فيه، قبل أن تحسم الانتخابات الأميركية لأجل أن تعزز موقفها أمام الإدارة الجديدة التي سيكون لها تعامل يختلف عما كانت عليه إدارة باراك أوباما.
وعلى الرغم من الآراء التي تذهب إلى تأييد الفكرة التي تفيد بوجود توافق أميركي روسي في المسألة السورية، إلّا أننا لا نجد مؤشرات تؤدي إلى أن هناك توافقا بينهما.
ما يجري على الأرض من تقاطعات بين الاثنين يؤكد أرجحية ما نذهب إليه، على سبيل المثال: أين التوافق من مسألة التمدّد الذي أحرزته قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد خاصة وأن الموقف الأميركي كان الداعم الأكبر لها من حيث التسليح والاستشارات على الأرض، بينما الروس يقفون ضد هذا التمدد، وقد تصاعد هذا الافتراق بينهما خلال اليومين الماضيين بالشكل الذي منح فيه الروس الضوء الأخضر للأتراك حتى يقدموا الدعم إلى الفصائل السورية المعارضة لكي تنطلق باتجاه مدينة جرابلس (125 كلم شمال شرق حلب) وتطرد منها تنظيم داعش وبذلك تقطع الطريق على قوات سوريا الديمقراطية من أجل أن لا تتقدم نحوها وتضمها إلى بقية المدن التي سيطرت عليها ولكي لا تتمدد على طول الشريط الحدودي مع تركيا باتجاه البحر، وهذا ما يشكل خطورة بالغة؛ جغرافية وسياسية وأمنية، لدى جميع الأطراف الإقليمية والدولية بما في ذلك الأتراك والنظام السوري، وما كان لقوات المعارضة السورية أن تتجمع بهذه الكثافة وبصورة علنية عند الحدود التركية استعدادا للتحرك والسيطرة على جرابلس لو لم يكن هناك ضوء أخضر من الروس إلى الأتراك، وإلا لكانت هذه القوات قد تعرضت إلى قصف عنيف من قبل الطائرات الروسية كما في المرات السابقة.
يُستشف من التحركات الأخيرة في الميدان السوري، بعد سقوط منبج بيد قوات سوريا الديمقراطية وصدامها مع قوات النظام في القامشلي، أن هناك تقاطعا واضحا بات يطرأ على المواقف بين الروس والأميركان. ولكن السؤال الذي قد يطرح هنا: إلى أيّ مدى سوف تسمح أميركا بأن تتوسع المسافة بينها وبين الروس، مع الأخذ بعين الاعتبار أهمية الملف الكردي لدى الأميركان وربما هو أهم الملفات لديهم، وفي الجانب الآخر أيضا يأخذ هذا الملف نفس الأهمية والحساسية بل أكبر بكثير لدى الإيرانيين والأتراك والنظام السوري على حدّ سواء، ومن الممكن أن يجمع هذا الملف الأطراف الثلاثة على موقف واحد في الأيام أو الساعات القادمة مما سيترك أثره على مجريات الأوضاع بشكل عام.
عندما ننظر إلى الموقفين الروسي والأميركي في تعاملهما مع القضية السورية، نجد أن الموقف الروسي على قدر كبير من الاندفاع، بينما تتعامل واشنطن مع هذا الموضوع بطريقة يبدو فيها الموقف الأميركي لدى البعض وكأنه ضعيف مقارنة بالموقف الروسي المنخراط كليا في الصراع الدائر. فهل حقيقة أن الموقف الأميركي على هذا الضعف الذي يراه الكثيرون؟ وهل أن خيوط اللعبة ليست في أيديهم كما هي لدى الروس؟ وهل نأوا بأنفسهم عن الذي يجري في سوريا؟ وهل لا يريدون أن يعيدوا ما ارتكبوه من أخطاء نتيجة تورطهم في العراق؟
ليس من الصحيح الوصول إلى مثل هذه القناعة فلا يوجد ضعف في الموقف الأميركي، ولن يسمح الأميركان لأنفسهم بأن يكونوا على هذه الصورة. فمن وجهة نظر القوى الكبرى فإن ما يجري في سوريا لعبة لم تخرج حتى هذه اللحظة عمّا رُسم لها، من حيث مسارها أو الأطراف المشاركة فيها.
الأميركان أصحاب خبرة طويلة في إدارة الأزمات، ولن يرتضوا لأنفسهم أن يكونوا مجرّد متفرجين. ومعروف عنهم أن لديهم استراتيجية بعيدة المدى في التعامل مع القضايا المعقدة المرتبطة بمصالحهم الحيوية، وعلى ذلك فشلت كل محاولات روسيا في أن حرفهم عن أسلوبهم في اللعب ولم تتمكن من سحبهم إلى منطقها الانفعالي.
الأميركان سبق لهم أن تعاملوا مع مسائل شائكة في أكثر من مكان، ودائما كانوا يضعون في حساباتهم أن يراهنوا على الزمن حتى يضعفوا الأطراف المتنازعة عسكريا، وفي ما يتعلق بالميدان السوري فهم يريدون له أن يكون بمثابة دولاب ذي سكاكين حادة تسحق فيه عظام الجميع، والأهم هنا أن تبقى اللعبة مستمرة وتزداد وتيرتها إلى أن يصاب المشاركون فيها بالإعياء، وبذلك يتحقق لهم ما يريدونه دون أن يتدخلوا بشكل مباشر، ولعل المرة الوحيدة التي تدخل فيها الأميركان مطلع هذا الأسبوع من شهر أغسطس كانت عندما منعوا قوات سوريا الديمقراطية ووحدات حماية الشعب الكردية من إسقاط الطائرات السورية التي كانت تحلق فوق سماء الحسكة، لأنهم يدركون بأن هذه القوات قادرة على إسقاطها لأنهم سلّحوها بأسلحة قادرة على ذلك، ولأنهم يريدون لهذه المعركة، وهذا هو بيت القصيد، أن تطول.
في المحصلة؛ أميركا تريد أن تحافظ على التوازن بين جميع الأطراف، فالكل ينبغي أن يكونوا أقوياء، والكل ينبغي أن يكونوا ضعفاء، والكل ينبغي أن يسحق الكل.
كاتب عراقي

الجمعة، 19 أغسطس، 2016



http://www.alarab.co.uk/?id=87932# 



تركيا والأكراد وما يمكن أن يكون

المسألة الكردية ستكون الدافع القوي الذي سيرغم تركيا على أن تلتقي مع سوريا وإيران، خاصة وأن هذه الأطراف الثلاثة يجمعها هدف واحد يتلخص في عدم القبول بقيام دولة كردية رغم تقاطعها في قضايا أخرى كثيرة.
العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 20/08/2016، العدد: 10371، ص(8)]
هناك ازدواجية واضحة من قبل تركيا لا تستطيع إخفاءها في قضية تعاملها مع الأكراد، فهي من جهة ترتبط مع إقليم كردستان العراق بعلاقات اقتصادية وسياسية جيدة، ومن جهة ثانية تتعامل وبقسوة مع تطلعات حزب العمال الكردستاني في إقامة إقليم كردي في جنوب شرق البلاد الذي تقطنه غالبية كردية، حتى أن تاريخ العلاقة بينهما قد اصطبغ بعنف شديد متبادل استمر لفترة تزيد على ثلاثة عقود، نتيجته كانت تساقط أعداد من القتلى والجرحى من الطرفين، سواء من الجيش التركي أو من حزب العمال الكردستاني، فكلاهما لم يبخل على الآخر بالعنف.
ورغم العلاقة الجيدة التي يرتبط بها الحزب الديمقراطي الكردستاني، بزعامة مسعود البرزاني، مع الأتراك إلا أن ذلك لم يمنعه من الإعلان، وبشكل صريح وقوي، بين فترة وأخرى عن تطلعه الثابت والقوي إلى الانفصال عن العراق والسعي الجدي لقيام دولة كردستان.
ما يؤكد على أن الأكراد ماضون في سعيهم إلى هذا الهدف / الحلم، طال الزمن أو قصر، أنهم قد هيأوا ما يحتاجونه من بنى تحتية لإقامة الدولة طيلة العقدين الماضيين، أي منذ مطلع تسعينات القرن الماضي عندما غزا العراق دولة الكويت، وفي خضم تلك الأيام، بما شهدته من أحداث وتطورات دراماتيكية على المستويين المحلي والدولي، تم الإعلان عن قيام الإقليم الكردي في شمال العراق على إثر انهيار سلطة البعث في تلك المناطق.
العلاقة الجيدة التي ترتبط بها تركيا مع إقليم كردستان العراق وخاصة مع مسعود البرزاني وحزبه يمكن النظر إليها من زاوية محاولة تركيا استثمار الصراع القائم ما بين حزب عبدالله أوجلان (العمال الكردستاني) وبين الديمقراطي الكردستاني.
هذا الصراع ليس من السهل تجاوزه خاصة وأنه يكتسب أبعادا مختلفة يتقاطع فيها الطرفان، منها ما هو أيديولوجي، ومنها ما يتعلق باختلاف الرؤية الإستراتيجية لشكل إدارة الدولة الكردية التي يسعى الطرفان إلى تحقيقها. من هنا فإن تركيا لا تتوانى عن إدامة هذا الصراع بينهما حتى تتمكن من تحقيق عدة أهداف كلها ستصب في النهاية لفائدتها، هذا من وجهة نظرها على الأقل، في مقدمة هذه الأهداف ألا يصبح إقليم كردستان العراق عمقا إستراتيجيا من الناحية العسكرية لحزب أوجلان، يتيح له التحرك بكل حرية في عمق جغرافي وعر بعد كل عملية عسكرية يستهدف فيها الجيش التركي، وبذلك تتاح لها الفرصة حتى تلاحقه داخل أراضي الإقليم.
إن تركيا، تحت أي ظرف، لن تقيم علاقات مميزة مع أي طرف إقليمي مؤثر في الصراع الدائر على الساحة السورية إذا لم يضمن لها مصالحها المتعلقة برفض إقامة إقليم كردي في شمال سوريا، وهذا بالنسبة إليها خط أحمر لن تسمح بتجاوزه.
من هنا كان لديها استعداد كبير بعد الانقلاب الفاشل لأن تغير من قناعاتها بعدد من القضايا، سواء بعلاقتها مع الغرب أو مع بعض الدول الإقليمية، ولعل المسألة السورية تأتي في مقدمة هذه القضايا، فما يهمها، بالدرجة الأساس، أن تضمن عدم تحقيق المشروع الكردي في شمال سوريا الذي يؤسس له حزب الاتحاد الديمقراطي، بزعامة صالح مسلم الذي يرتبط بعلاقة وثيقة مع حزب أوجلان.
في نفس الوقت لم يكن يبدو على تركيا في ظل هذه المتغيرات أنها كانت مندفعة كثيرا في مسألة التفريط بعلاقاتها وتحالفاتها مع أميركا والغرب، حتى بعد اتضاح موقف هذه القوى من الانقلاب العسكري الفاشل الذي كانت تلك القوى أقرب إلى تأييده منها إلى تأييد استمرار حزب العدالة والتنمية في الحكم.
إلاّ أن حالة الضعف التي أصابت الدولة التركية في الجانب الأمني والسياسي على إثر تداعيات الانقلاب العسكري الفاشل وضعت أردوغان في موقف لا يحسد عليه، وهذا ما أرغمه على أن يعجل بفتح صفحة جديدة مع روسيا وإيران بعد أن كان يعدهما خصمين لدودين يتنازعان معه النفوذ في منطقة الشرق الأوسط وخاصة في سوريا.
بنفس الوقت فإن هذه التطورات في الموقف التركي على مستوى العلاقات الخارجية ليس من الصحيح أن تقودنا إلى القبول بفكرة أن الانقلاب العسكري الفاشل هو السبب الرئيس الذي يقف خلفها، على الرغم من أهمية هذا العامل، ومن الممكن جدا أن يكون تأثير هذا العامل حاضرا بقوة في إطار الداخل التركي بصورة أكبر بكثير فيما لو قورنت تداعياته على مستوى سياسة تركيا الخارجية.
من هنا جاءت الانعطافة السريعة في موقف أردوغان تجاه روسيا وإيران في محاولة منه للخروج من حالة الوهن التي أصبح عليها موقف الدولة التركية، خاصة بعد أن وسّع من حملة الاعتقالات بين صفوف الجيش وبقية المؤسسات الحكومية، بذريعة مساندتهم للانقلاب والكيان الموازي الذي يدعمه فتح الله كولن خصمه اللدود، ولكي يقطع الطريق على خصومه في الداخل في أن يباشروا بالضرب تحت الحزام مستغلين حالة الضعف التي وصل إليها النظام السياسي الحاكم بزعامة حزب العدالة والتنمية، بذلك أراد أردوغان أن يضع جميع خصومه في سلة واحدة (حزب العمال وفتح الله كولن وتنظيم داعش) باعتبارهم إرهابيين، حسب زعمه، لكي يسهل عليه ضربهم جميعا بنفس الوقت.
العلاقة الجديدة مع روسيا وإيران لم تتضح ولم تترجم على الأرض حتى الآن، إلا إذا كانت عملية قصف مقرات وحدات حماية الشعب الكردستانية في الحسكة الخميس 18 أغسطس من قبل طيران النظام السوري تأتي ضمن ملامح هذه العلاقة.
لكن ما هو مهم جدا بالنسبة إلى تركيا في موضوع هذه العلاقة أنها لن تسمح أبدا بأن تؤثر على موقفها الرافض لقيام كيان كردي في شمال سوريا مهما باعدها هذا التصلب في الموقف عن الحليف الأميركي، الذي على الضد منها، قدم الكثير من الدعم العسكري لوحدات حماية الشعب الكردستانية، ولقوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، لأنها تدرك جيدا أن أي مرونة قد تبديها من جانبها في مسألة التعاطي مع موضوع الإقليم الكردي في شمال سوريا تعني، بالنتيجة، أن باب الحكم الذاتي للأكراد سيفتح في جنوب تركيا على مصراعيه، وبذلك سيكون خطوة مهمة وكبيرة لولادة الإقليم الكردي على أرضها، ولربما الدولة الكردية في أقرب فرصة لاحقة وهذا يعتبر بالنسبة إليها بمثابة كابوس.
ووفق هذا المنظور ستكون المسألة الكردية الدافع القوي الذي سيرغم تركيا على أن تلتقي مع سوريا وإيران الدولتين المعنيتين بالملف الكردي، حتى يتم التنسيق في ما بين البلدان الثلاثة للمرحلة القادمة، خاصة وأن هذه الأطراف الثلاثة التي يتواجد فيها الشعب الكردي يجمعها هدف واحد يتلخص في عدم القبول بقيام دولة كردية رغم تقاطعها في قضايا أخرى كثيرة.
كاتب عراقي


الخميس، 18 أغسطس، 2016


 http://www.alarab.co.uk/?id=87774


ما غفل عنه وزير الدفاع العراقي في معركته

جرأة وشجاعة العبيدي في نهاية الأمر صبتا من حيث لا يعلم لصالح تلاحم الفاسدين في جبهة واحدة، 
العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 18/08/2016، العدد: 10369، ص(8)]
عندما ذهب وزير الدفاع العراقي خالد العبيدي إلى جلسة استجوابه في مبنى البرلمان مطلع الشهر الحالي لم يكن في حساباته بشكل مطلق أن يكون سببا مباشرا في توحّد الفاسدين داخل جبهة واحدة عابرة للطائفية تضم جميع الأحزاب والكتل النيابية داخل البرلمان العراقي بشكل غير مسبوق في تاريخ جميع الدورات البرلمانية التي تم انتخابها بعد العام 2003، على الرغم مما كان يبدو ظاهراً عليهم طيلة الأعوام الماضية من خلافات عميقة تصل بهم في معظم الأحيان إلى تعطيل إقرار الموازنات الحكومية والكثير من القوانين التي لها صلة وثيقة بحياة ومستقبل العراقيين، إضافة إلى حلبات المصارعة والملاكمة التي كانت تشهدها قاعة البرلمان بين فترة وأخرى في ما بينهم.
وبعد أن أصدر القضاء العراقي يوم الاثنين 15 أغسطس قراره القاضي بعدم اقتناعه بما جاء على لسان وزير الدفاع من اتهامات كان قد وجهها في جلسة استجوابه ضد رئيس البرلمان سليم الجبوري وعدد من أعضائه، لم يعد لدي شك في أن العبيدي هذه الأيام يلوم نفسه كثيرا بناء على ما كان قد أقدم عليه من عمل اتسم بجرأة تحسب له ولم يسبقه إليها أحد في تسمية الأشياء بأسمائها الصريحة جاءت على غير السياق الذي تعودنا عليه من قبل جميع الأطراف والكتل والشخصيات السياسية التي لم يتجرأ أيّ منها على الإفصاح ولو باسم واحد من الذين تثار حولهم شبهات فساد، بالشكل الذي أدى إلى غرق العراق في مستنقع آسن أصبح بموجبه متربعا على قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم حسب تقارير المنظمات الدولية، إلا أن جرأة وشجاعة العبيدي في نهاية الأمر صبتا من حيث لا يعلم لصالح تلاحم الفاسدين بجبهة واحدة، بدل تهديم أسس القلعة التي كانوا يتحصنون خلفها منذ ثلاثة عشر عاما.
ربما يتحمل العبيدي الجزء الأكبر من هذه النتيجة التي لم تكن مفاجئة لأغلب المراقبين الذين يتابعون المشهد العراقي لأنهم يدركون جيدا طبيعة المعركة الشرسة التي وضع نفسه فيها، وهي معركة ليست متكافئة بكل المقاييس، وهذا يعود إلى افتقار العبيدي إلى الخبرة السياسية وإلى عدم توفر الطموح لديه للعمل في الميدان السياسي كما صرح بذلك أثناء حديثه في جلسة الاستجواب، إضافة إلى أنه لم يتهيأ بما يكفي لهذه الجولة ولم يستعن بطاقم متمرس من المستشارين القانونيين والسياسيين أو بوثائق دامغة لا تقبل الشك والدحض حتى يكون قادرا على مواجهة أناس باتوا يمتلكون من الخبرة المتراكمة في نصب الفخاخ والتسقيط لبعضهم البعض، فكيف بمن يقتحم خلوتهم ويريد الإطاحة بهم.
هؤلاء باتت لديهم ذخيرة كبيرة من أساليب التزييف والخداع، حتى وصل الحال بالعراقيين إلى الدرجة التي لم يعودوا فيها يثقون بكافة العاملين ضمن السلطات الثلاث التي تدير الدولة والحكم سواء القضائية أو التشريعية أو التنفيذية.
إن جلسات البرلمان المنقولة تلفزيونيا بشكل مباشر والحوارات التي عادة ما كان يشارك فيها الساسة على شاشة الفضائيات طيلة الأعوام الماضية كانت تكشف لنا عمق وحِدَّةَ الخلافات القائمة بين الكتل البرلمانية، ولم تكن الخلافات في حقيقتها ذات صلة بمسألة القناعة بالقوانين والموضوعات المتداولة في محاور النقاشات الدائرة، بقدر ما كانت ذات صلة وثيقة بالطائفية المذهبية التي يتخندق خلفها الجميع، حتى أمست القاسم المشترك الذي يوزعهم إلى فرق وجماعات متخاصمة لم تكن حتى تتردد في إلقاء تُهم التخوين في ما بينها.
الطائفية كانت في معظم الحالات السبب الجوهري الذي عادة ما ينطلق منه جميع الفرقاء للوقوف في مواجهة بعضهم البعض ضد أي مسألة يتم تداولها تحت قبة البرلمان وخارجه، حتى لو توفرت فيها قواسم وطنية مشتركة لا سبيل لإنكارها، إلاّ أنهم ما كانوا يترددون في القفز على هذه المشتركات والدوس عليها ليختاروا بدل الوقوف في جبهات طائفية متصارعة.
نعم تحلى خالد العبيدي بشجاعة تليق بجنرال عسكري افتقدها أغلب الساسة، وكشف من خلالها بشكل صريح ما لم يكن مسموحا بكشفه من أسماء لشخصيات فاعلة في المشهد السياسي العراقي مارست عمليات ابتزاز وسمسرة تتعلق بصفقات كبيرة لعدد من الوزارات العراقية تصل عمولة البعض منها إلى مليارات الدولارات كانت تجري خارج أروقة البرلمان العراقي، لكنه ونتيجة الأخطاء التي سبق أن أشرنا إليها بدل أن يسحب البساط من تحت أقدامهم دقّ ناقوس الخطر فأيقظ جيش الفاسدين من غفوتهم، ومنحهم فرصة أن يتغاضوا عن خلافاتهم ويتجمعوا بكتلة متراصة حاملين كل ما ادخروه من أسلحة لمواجهة من يتقدم ولو بخطوة واحدة لهدم جدران قلعتهم.
كاتب عراقي

الثلاثاء، 16 أغسطس، 2016

http://www.alarab.co.uk/?id=87619  صحيفة العرب 

أين العرب بعد زيارة أردوغان لموسكو



                
إلى أي مدى سيكون الموقف التركي ملتزما الصمت والتغاضي إزاء القصف العنيف الذي ترتكبه الطائرات الروسية بحق قوى المعارضة السورية بما فيها التي تتلقى دعما منها.
العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 16/08/2016، العدد: 10367، ص(9)]
رغم ما تم التوصل إليه من تفاهمات مهمة بين الزعيمين فلاديمير بوتين ورجب طيب أردوغان على إثر زيارة الأخير لموسكو بعد خصومة حادة كانت الأزمة السورية سببا جوهريا فيها نتيجة تقاطع الموقفين إزاءها، إلا أن السياسة الأردوغانية الطامحة إلى لعب دور زعاماتي على مستوى العالم الإسلامي لا يبدو فيها ما يوحي بأنها ستحيد بعيدا عن ثوابتها المتعلقة بمنطقة الشرق الأوسط رغم ما يبديه أردوغان من براغماتية مع القوى الدولية الفاعلة، وفي مقدمة ذلك روسيا وإيران رغم اختلاف المواقف بينهما في عدد من المسائل خاصة في ما يتعلق بالصراع الدائر على الأرض السورية وطبيعة العلاقات المتينة، عسكريا وسياسيا، التي يرتبط بها نظام أردوغان مع البعض من الفصائل السورية المسلحة التي تقاتل نظام دمشق.
بمعنى لن يكون هناك تغير جوهري في سياسة تركيا بهذا الاتجاه، لأن أردوغان يدرك جيدا بأن هذه العلاقة تعد من وجهة نظره جزءا حيويا من مفاتيح الأزمة السورية التي يتوجب عليه الاحتفاظ بها، وعلى هذا الأساس ستراعي السياسة الخارجية التركية هذا الموضوع وستوليه أهمية قصوى في ما لو توصلت إلى أي اتفاق، سواء مع روسيا أو مع إيران، لأنها تدرك أهمية الاحتفاظ بما تمتلكه من أدوات ضغط وتأثير على الأرض السورية بيديها، في ذات الوقت الذي تبدي فيه مرونة واستعدادا لعقد صفقات وتفاهمات مع أطراف دولية وإقليمية تقف على الضد منها وفي مواجهة سياساتها، وفي كل الأحوال فإن مجمل الاتفاقات التي يمكن أن تتوصل إليها مع هذه الأطراف تكتسب أهميتها الاقتصادية بنفس القدر الذي تكتسبه أهميتها السياسية.
ومثلما أن الروس والإيرانيين لديهم ما يقدمونه لتركيا كذلك فإن تركيا لديها أيضا ما تقدمه لروسيا وإيران خاصة بعد أن وصلت علاقاتها مع أميركا والأوروبيين إلى مرحلة من التشنج واللا تفاهم على إثر الموقف السلبي الذي أبداه المعسكر الغربي إزاء الانقلاب العسكري الفاشل، فالمسألة ليست عملية لي أذرع إنما تأتي في إطار البحث عن نقاط الالتقاء وتوسيعها خاصة وأن الأطراف الثلاثة تجمعها الكثير من العوامل التي تؤهلها لتشكيل قوة إقليمية، ومن المستبعد أن تسمح للأسد شخصيا، وليس نظامه، بأن يصبح حجر عثرة أمام ما تتطلع إليه من زيادة نفوذها وهيمنتها في تقرير مستقبل المنطقة.
يمكن القول إن سياسة أنقرة في عهد أردوغان لا تخضع في علاقاتها الخارجية لضغوط القوى الدولية الكبرى، بقدر ما تشعر تركيا بأن على أميركا والقوى الغربية وكذلك روسيا أن تضعها في حساباتها باعتبارها جزءا حيويا من المجال الذي يتحرك ويتمدد فيه نفوذها.
لا شك بأن فشل الانقلاب العسكري الأخير بالطريقة التي فاجأ بها الشعب التركي العالم قد زاد من تضخم هذا الشعور لدى الزعماء الأتراك، خاصة بعد أن اكتشف أردوغان أن ساسة الغرب إن لم يكونوا قد تورطوا بالانقلاب فعلى الأقل لم يعلنوا عن موقف رافض له أو مساند للنظام القائم، فما كان منه إلا أن يعيد ترتيب حساباته ويجري تعديلا كبيرا على قائمة أصدقائه وأعدائه، وما زيارته إلى روسيا التي كانت حتى الساعات التي سبقت الانقلاب في قائمة الخصوم إلاّ ما يؤكد جدية هذا المسعى لديه.
حديث أردوغان إلى وكالة تاس الروسية، بعد لقائه مع الزعيم الروسي، ردد فيه كثيرا كلمة صديق كلما ذكر اسم بوتين، وهذا ما أعطى مؤشرا واضحا على أن هنالك مستجدات سنشهدها في الأيام القادمة خاصة في ما يتعلق بالمسألة السورية التي كانت نقطة الافتراق بين الاثنين. ومن الطبيعي أن تشعر جميع الأطراف المشاركة أو المتورطة بالصراع السوري بالقلق وهي تنتظر ما سيسفر عنه هذا اللقاء من نتائج ملموسة على الأرض في الأيام القادمة.
كما يبدو فإن رجب طيب أردوغان قد أمسى لديه استعداد كاف لكي يجري تعديلا عميقا في موقفه إزاء القضية السورية، خاصة وأن أكثر ما يؤرقه فيها هو التمدد الكردي عند حدود بلاده من جهة الجنوب، وإزاء موقفه المتصلب والرافض لإقامة إقليم كردي في شمال سوريا وما سينتج عنه من تداعيات على جنوب شرق تركيا الذي تقطنه غالبية كردية سيكون من الطبيعي أن يذهب إلى موسكو ويعتذر لبوتين عن سقوط الطائرة الحربية الروسية ومقتل قائدها، حتى لو بدا ذلك تنازلا منه، فالمهم بالنسبة إليه أن يمارس دهاءه وبراغماتيته لأجل أن يصل إلى اتفاق مع الروس يحقق من خلاله الهدف الجوهري من زيارته، والذي يتلخص في قطع الطريق أمام قيام إقليم كردي في شمال سوريا، والنجاح في إقناع الروس بإيقاف الدعم لحزب العمال الكردستاني والجماعات الكردية التي تتماهى معه في الأهداف والتطلعات الانفصالية، على غرار وحدات حماية الشعب الكردستاني بزعامة صالح مسلم، وعلى ما يبدو فإن الزيارة قد قطعت شوطا كبيرا في هذا المسار الذي ذهب من أجله أردوغان إلى موسكو.
روسيا من جانبها أبدت استعدادا لإجراء بعض التعديلات في سياساتها إزاء المسألة السورية خاصة في ما يتعلق بشخص رئيس النظام الذي لم يكن من ضمن أولويات ثوابتها، فهي لم تكن تصر طيلة الفترة الماضية على بقاء بشار الأسد، بل كان موقفها يتمحور في حرصها على بقاء الدولة والنظام، وهذا الموقف مهّد الأرضية الجديدة التي وقف عليها الإثنان.
السؤال الذي قد يطرح الآن؛ إلى أي مدى سيكون الموقف التركي ملتزما بالصمت والتغاضي إزاء القصف العنيف الذي ترتكبه الطائرات الروسية بحق قوى المعارضة السورية بما فيها التي تتلقى دعما منها، وكيف ستكون العلاقة مع هذه الأطراف المسلحة من الناحية العسكرية بعد أن تبدأ تركيا بتطبيق الاتفاق الذي أبرمته مع الروس، والذي يفرض عليها أن تغلق الحدود أمام دخول وخروج الجماعات المعارضة المسلحة وعدم السماح بأن تكون الأراضي التركية الشريان الذي يمدها بالسلاح.
بعد هذه الزيارة التي قام بها أردوغان إلى روسيا وما أعقبها من زيارة محمد جواد ظريف وزير خارجية إيران إلى تركيا، والتي لا تخرج بدورها عن إطار الهدف الذي ذهب من أجله أردوغان إلى موسكو، لا بد أن نتوقع متغيرات جديدة ستشهدها الحالة السورية.
بنفس الوقت يأتي هذا التحرك الثلاثي، روسيا وإيران وتركيا، في مسعى جدّي من قبل هذه القوى لإيجاد تحالف دولي يقف أمام التحالف الغربي الذي تقوده أميركا وأوروبا في منطقة الشرق الأوسط بما تشكله هذه المنطقة من أهمية سياسية واقتصادية لكل واحدة من هذه الدول الثلاث، كما يعني أيضا أن لدى هذه القوى استعدادا كافيا لكي تلتقي عند مشتركات التفاهم في ما بينها والعمل على إنضاجها وعدم التفريط بها في مقابل تنحية ما بينها من نقاط خلافية.
في خضم هذه الأجواء الساخنة والمتسارعة يلاحظ على العرب أنهم غائبون تماما عما يجري وفي المقدمة منهم السعودية ومصر، وكأن ما يجري لا يعنيهم ولن ينعكس بنتائجه عليهم. بكل الأحوال فإن هذه المؤشرات تعني لدى المراقبين فشلا واضحا في السياسة العربية الدولية خاصة ما يتعلق بالقضية السورية.
كاتب عراقي

222 رواق

رواق 222 اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي 2/ 11 / 2017 - المحكمة العسكرية تقرر اعدام مهدي الغرواي قائد عمليات نينوى الاسبق . - سيارات موني...