الجمعة، 30 سبتمبر، 2016

http://www.alarab.co.uk/article/%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1/91141/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82..-%D9%85%D9%83%D8%A7%D9%81%D8%A3%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%A7%D8%B3%D8%AF%D9%8A%D9%86
صحيفة العرب
العراق : مكافأة الفاسدين


العراق.. مكافأة الفاسدين

لن يجد السراق زمنا أفضل من الزمن الذي يعيشونه هذه الأيام في العراق، فبالإضافة إلى أنه قد أتاح لهم الفرصة لكي يسرقوا دون حسيب ولا رقيب، فقد منحهم فرصة أن يصبحوا زعماء وقادة تاريخيين لطوائفهم.

العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 2016/10/01، العدد: 10411، ص(8)]

وقائع استجواب المسؤولين الحكوميين في البرلمان العراقي تعد على أصابع اليد، مقارنة بعدد الجلسات الاعتيادية التي اتسمت في معظمها باللا جدوى خلال الأعوام الثلاثة عشر الماضية، لأنها لم تفرز قوانين وقرارات حقيقية تمس حياة المواطن وتحدث فيها تغييرا ملموسا.
ورغم أن حجم الفساد بات كبيرا جدا في مؤسسات الدولة إلى الحد الذي دفع صحيفة “دايلي ميل” البريطانية عبر تقرير نشرته عام 2013 إلى اعتبار “البرلمان العراقي أفسد مؤسسة في التاريخ، إذ أن البرلمانيين العراقيين يحصلون على أكثر من ألف دولار للعمل لمدة عشرين دقيقة فقط من دون أن يضعوا قانونا واحدا يهم البلد، إضافة إلى حصولهم على راتب قدره 22.500 ألف دولار شهريا، ما يعني تقاضيهم راتبا أكبر من راتب عضو الكونغرس الأميركي”، فإن البرلمان العراقي وإزاء حالة الفساد المالي هذه لم يقدم على أي خطوة جدية لمحاربة هذه الظاهرة التي استشرت في كافة مفاصل الدولة وجعلتها عاجزة عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه مواطنيها حتى أن الحياة تموضعت في حالة من الفوضى ولم تعد فيها حدود قانونية تمنع عمليات النهب وسرقة المال العام.
ضمن مناخ كهذا مشبع برائحة الفساد ليس مستغربا أن تكون نتيجة الاستجوابات الاكتفاء بإقالة المسؤول الحكومي من منصبه، دون أن يتبع ذلك جرد لأمواله قبل وبعد توليه المنصب، ولو تمت هذه العملية لكانت نتيجتها إيداع العديد من المسؤولين المستجوَبين في السجن ومصادرة أموالهم المنقولة وغير المنقولة، لأن أكثريتهم قبل أن يتسلموا المسؤولية كانوا من الطبقة الفقيرة وأصبحوا من بعدها في عداد الأثرياء. بناء على ذلك ما جدوى الاستجوابات إذا كان المسؤول الحكومي حتى بعد إعفائه من المنصب سيحتفظ بما نهبه من أموال الدولة؟
من الضروري هنا استذكار عدد من الاستجوابات التي شهدها البرلمان العراقي خلال الأعوام العشرة الماضية لنكتشف من خلال نتائجها عدم جديتها، ولعل أشهرها عملية استجواب وزير التجارة الأسبق في عهد حكومة نوري المالكي، فلاح السوداني (في الفترة بين 2005 و2009) بعد أن ثبت تورطه هو وأشقاؤه في عمليات فساد مالية كبيرة جدا، ولكن لم تتخذ بحقه أي إجراءات لاستعادة ما سرقه من أموال، واستطاع أن يغادر العراق إلى بريطانيا التي يحمل جنسيتها ليعاود نشاطه التجاري وصفقاته من هناك، و قبله حازم الشعلان الذي تولى وزارة الدفاع، بين عام 2004 و2005، الذي اتهمه القضاء بسرقة 800 مليون دولار نتيجة صفقات وهمية عقدتها الوزارة في عهده وصدر بحقه قرار يقضي بسجنه لمدة سبعة أعوام، وهو الآخر غادر العراق إلى بريطانيا التي يحمل جنسيتها عبر مطار بغداد.
وهكذا الحال مع وزير الكهرباء أيهم السامرائي (2003 – 2005) الذي عاد هو الآخر إلى أميركا التي يحمل جنسيتها بعد أن كان القضاء قد اتهمه في قضية إبرام عقود شابها فساد بقيمة ملياري دولار لإعادة تأهيل الكهرباء. هناك أسماء أخرى غير هذه كانت قد غادرت العراق بعد أن ثبت تورطها بعمليات فساد مالي ولكن لم ينل منها القانون، ولعلّ طريقة انتهاء عملية استجواب وزير المالية في نهاية شهر سبتمبر 2016 بالطريقة ذاتها التي انتهت بها سابقاتها سوف لن تكون آخر المشاهد في هذا المسلسل.
من هنا تبدو عمليات الاستجواب في ظاهرها بمثابة فاصل هزلي للسخرية من العراقيين عبر أدوار تمثيلية أتقن البرلمانيون أداءها، وفي خلفياتها تحمل الكثير من التفاصيل حول صفقات وتسويات مريبة تتم بين الأحزاب والكتل لتمرير ما يتم ضبطه وإثباته على المسؤول المُستَجوَب من عمليات فساد مالي قد تورط فيها. مشهد استجواب وزير الدفاع خالد العبيدي ربما يكون قد خرج بعيدا عن سياق هذا السيناريو عندما انقلب عليهم جميعا وسمى الفاسدين بأسمائهم فكانت مفاجأة غير متوقعة، لم تكن في حساباتهم، إلا أن هذا الحدث الاستثنائي قد أفادهم بشكل أكبر مما أضرهم، فعادوا بعد إقالته أكثر وحدة وانسجاما في ما بينهم رغم ما يسود بينهم من خلافات حتى أنهم أصبحوا جبهة متراصة أمام أي صوت يشكك في نزاهتهم.
إن قرار إقالة أي مسؤول حكومي في العراق ثبت فساده من بعد استجوابه يعد بمثابة تكريم له وليس عقوبة على خطأ ارتكبه، لذا لن نفاجأ عنـدما نجد هذا المسؤول في اليوم التالي وهو يمشي متبخترا في مطار بغداد الدولي محاطا بزملائه وعملائه قبل أن يصعد إلى الطائرة عائدا إلى البلد الأجنبي الذي يحمل جنسيته ليقضي بقية حياته مستمتعا بما نهبه من أموال.
مقابل ذلك سوف لن نفاجأ أيضا عندما يصدر القضاء العراقي في منتصف هذا العام بمدينة السماوة (280 كم جنوب غرب بغداد) قرارا يقضي بسجن طفل نازح من محافظة الأنبار لمدة عام لأنه سرق أربع علب مناديل ورقية (كلينكس) لأجل أن يبيعها ويساعد عائلته المعدمة.
إنها فعلا مفارقات عجيبة غريبة تحدث في عراق يدّعي ساسته الحُكمَ وفق مفاهيم العدالة التي تتيحها آليات النظام القائم على الديمقراطية.
ولنا أن نسأل هنا، في مسار تحقيق العدالة وإنصاف الدولة والمجتمع، هل يمكن أن توضع مسألة التغاضي عن الأموال التي سرقها المسؤولون الكبار جنبا إلى جنب مع عقوبة السجن للطفل النازح؟
(هنا لا بد من الإشارة إلى أن القضاء اضطر إلى إطلاق سراح الطفل بعد حملة كبيرة أطلقها ناشطون على موقع فيسبوك استمرت أكثر من أسبوع).
لن يجد السراق زمنا أفضل من الزمن الذي يعيشونه هذه الأيام في العراق، فبالإضافة إلى أنه قد أتاح لهم الفرصة لكي يسرقوا دون حسيب أو رقيب، منحهم فرصة أن يصبحوا زعماء وأبطالا وقادة تاريخيين لطوائفهم، كما هيّأ لهم جمهورا واسعا تعطلت في داخله حاسة النقد وتوقف عن أداء دوره الفاعل في صنع قدره بفعل السياسات القمعية للأنظمة والعهود السابقة، ولتنتعـش داخـل رأسه أفكار وعقـائد نسجتها خرافات وحكايات تاريخية لا منطق يحكمها.
وبهذه المعطيات الثقافية “القطيعية” فإن مثل هذا الجمهور لن يتردد في أن ينبري مدافعا عن هؤلاء المسؤولين /الزعماء ما إن يجد صوتا يعلو لكشـف مساوئهم، تـدفعه إلى ذلـك أطر طـائفية واجتمـاعية ومناطقية سلبته ذاته وحريته في التفكير والتشخيص، وبهذا الخصوص ليس هناك أفضل من شخصية المالكي التي يمكن اعتمادها كنموذج، فرغم اختفاء 800 مليار دولار خلال فترة حكمه التي امتدت ثمانية أعوام كانت مخصصة لميزانيات الحكومة السنوية لم يظهر منها أي شيء ملموس في مشاريع لصالح المواطن، إلا أنه لا يزال قادرا على تحريك الشارع (الطائفي) ساعة يشاء، وهناك الكثير من المؤشرات القوية التي تؤكد عزمه العودة لتولي رئاسة الوزراء للمرة الثالثة استنادا إلى هذه الجماهير، إضافة إلى الدعم الذي يحظى به من قبـل طهران التي تمثل اللاعب الرئيس في المشهد السياسي العراقي.
لن يكون من قبيل المبالغة إذا ما توصلنا إلى استنتاج يضعنا في دائرة التشاؤم عندما نقر بأن لا مؤشرات واضحة لدينا تجعلنا نطمئن على أن العراقيين يمكن أن يلعبوا أي دور إيجابي في رسم مستقبلهم، وهذا التغييب لدورهم تقع مسؤوليته على عاتقهم أولا قبل أن يتحمله الساسة والأحزاب الطائفية المشاركة في العملية السياسية. وكأن العراقيين بهذا الحال أشبه بلاجئين يائسين سلموا مصيرهم لمُهرِّبٍ لا تعنيه حياتهم بشيء بقدر ما يهمه أن يقبض الثمن قبل أن يقذف بهم إلى عالم محفوف بالمخاطر.
العدالة ببساطة شديدة تعني أن يُحالُ المسؤول الفاسد إلى القضاء، ويُعاقب بالسجن بعد أن تستردّ منه الأموال ولا يمكن، بأي حال من الأحوال، أن تُفتح له الأبواب حتى يغادر بغنائمه معززا مكرما إلى خارج البلد، وغير ذلك لا يعدو إلا أن يكون سخرية من المواطنين.
كاتب عراقي

مروان ياسين الدليمي

الخميس، 29 سبتمبر، 2016

http://www.sasapost.com/opinion/when-the-law-becomes-a-fortress-sheltering-behind-him-militias/ ساسة بوست


لن نكون في منتصف الطريق، بل في نهاية مساره المظلم، عندما يصل بنا الحال لنجد أنفسنا ونحن نتلقّى بالتصفيق الحار من يسعى عَلنا وجهارًا إلى أن يقذف بنا داخل دهاليز حالكة العتمة، لا نستطيع فيها التمييز ما بين الأشياء لتختلط علينا فلا نقوى على التفريق بين ما هو نظيف، وما أصابه العفن؛ لنكون أشبه برعايا زمن كانت قد شطبته الذاكرة البشرية، منذ قرون بعيدة، بعد أن تجاوزت عصورها الوسطى حيث التقديس كان قانونًا مسلطًا على الناس، ومن خلاله تنتهك الحرية الإنسانية.
هذا ما تشي به أيامنا العراقية المؤثثة بالأفاقين والدجالين وشهود الزور من محترفي السياسة والدين والوطنية.
في الأيام القريبة القادمة سيتم إقرار قانون يُشرعِن الجريمة، ويمنحها صكًا على بياض، تولى طرحه نواب عن كتلة المواطن البرلمانية والمنضوية تحت عباءة التحالف الوطني في البرلمان العراقي، ويهدف مشروع هذا القرار إلى توفير الحماية والحصانة للحشد الشعبي من أية مساءلة قانونية قد يتعرض لها، وكانت النائبة عن كتلة المواطن «حمدية الحسيني» قد أعلنت في بيان صحفي يوم الأربعاء من الأسبوع الماضي أنه «تم رفع مقترح قانون إلى البرلمان وقع عليه أكثر من 70 نائبًا لوضع الإطار القانوني لحماية حقوق الحشد الشعبي».
وفيما لو أقرَّ هذا القانون وتمت المصادقة عليه، ستصبح الأبواب مشرعة لارتكاب المزيد من الجرائم والانتهاكات (الطائفية) من قبل عناصر معينة تنتمي إلى الحشد الشعبي، دون خشية من عقاب أو سلطة؛ لأنها ستكون محمية ومصانة بهذا القانون الذي يشرعن ما قد يُرتكب من انتهاكات وتجاوزات تصدر عن إفراد وجماعات ينتمون لفصائل الحشد، وسيبدد هذا القانون كل الدماء الطاهرة التي أريقت من قبل الكثير من أبناء العراق الذين انتموا إلى الحشد ليدافعوا عن وجود مستقبل العراق.
يذكر بهذا الصدد أن عدد الفصائل المنضوية تحت ما يعرف بالحشد الشعبي قد وصل إلى 81 ميليشيا، وكان فصيل «مسلم بن عقيل» أحدث ما تم الإعلان عن تشكيله في منتصف شهر أغسطس (آب) 2016، والمفاجأة هنا أن من يقود الفصيل الجديد محامية شابة اسمها «إيمان السويعدي»، وهي بذلك ستكون أول امرأة في التاريخ العراقي الحديث تقود ميليشيا مسلحة.
ليس هنالك ما يدعو إلى الغرابة أو الدهشة، عندما نحصر الهدف من طرح مثل هذا القرار في إطار السعي إلى تحقيق ضربة استباقية من قبل التحالف الوطني الحاكم لقطع الطريق أمام أية جهة  تحاول أن تقيم دعوى قضائية أو تفتح ملف جرائم الإبادة الجماعية التي ارتكبتها ــ أو سترتكبها ــ عناصر تابعة للحشد، حيث سبق أن  ارتكبت جرائم طائفية بحق مدنيين من قبل فصائل محسوبة على الحشد بحجة محاربة العناصر الإرهابية في المحافظات العراقية ذات الأغلبية العربية السنية مثل «ديالى، وصلاح الدين، والأنبار»، خلال الأعوام القليلة الماضية، أثناء عمليات تحريرها من سلطة «تنظيم دولة الخلافة» (داعش) الإرهابي.
لعل أحدث تلك الجرائم وأكثرها دموية كانت قد ارتكبت بحق عشيرة «المحامدة» في ناحية الصقلاوية ( 10كم شمال الفلوجة) في مطلع شهر يونيو (حزيران) 2016 أثناء عملية تحرير محافظة الأنبار، حيث أقدمت عناصر من ميليشيا الحشد على إعدام أكثر من 50 مدنيًا كانوا يحملون رايات بيضاء، وهم يتجهون إلى ممرات آمنة سبق أن حددتها السلطات الحكومية والجيش العراقي لخروج المدنيين المحاصرين في المدينة مع عوائلهم؛ نتيجة للقصف المتبادل، واشتداد المعارك الدائرة ما بين الجيش العراقي وتنظيم داعش، إلاّ أنهم، وبدلًا من أن يتم استقبالهم ورعايتهم تم اعتقالهم والتنكيل بهم بطرق وحشية، بعد أن تم عزلهم عن النساء والأطفال الصغار. وبالإضافة إلى أولئك الذين نُفِّذ فيهم حكم الإعدام تم اختطاف أكثر من 610 شخص اقتيدوا مكبلين إلى جهة مجهولة، ولم يعرف مصيرهم حتى الآن، بالرغم من المطالبات الكثيرة التي أطلقها نواب من محافظة الأنبار، إضافة إلى البيان الذي كانت قد أصدرته عشيرة المحامدة بعد أيام معدودة على تلك الحادثة؛ لأن جميع المعدومين والمختطفين ينتمون إليها. وما يفسر البعد الطائفي للجريمة أن أغلب شباب ورجال هذه العشيرة كانوا يقاتلون إلى جانب الجيش العراقي ضد تنظيم (داعش)!
إضافة إلى ذلك، فقد أشارت مصادر رسمية من داخل محافظة الأنبار إلى اختفاء أكثر من3000  مدني من سكانها، بعد أن تم اختطافهم في نهاية العام2015  عند معبر سيطرة الرزازة (50  كم جنوب الفلوجة) كانوا قد وصلوا إليه بعد أن نجحوا في الخروج من المدينة والإفلات من قبضة تنظيم داعش الذي كان يسيطر عليها، والمعبر المذكور كان تحت إمرة إحدى الميليشيات المعروفة والتابعة للحشد الشعبي.
آخر ما يمكن الاقتناع به أن يكون لهذا القرار دواعي وطنية تستدعي من الحكومة العراقية والأحزاب التي تتشكل منها الإقدام على إصدار مثل هذا القرار الذي سيفتح جرحًا عميقًا في خاصرة العراقيين جميعًا، دون استثناء، وليس من السهولة أن يندمل.
ومهما حاولنا أن نجد له من المسوغات التي قد تمنحه المشروعية من باب الحفاظ على الجهد العسكري في مرحلة مواجهة قوى الإرهاب، فلن نفلح في إقناع أنفسنا قبل أن نقنع الآخرين.
لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نصل إلى مرحلة نُشرعِنُ فيها القتل المجاني ونمنح القتلة وسامًا وطنيًا يعلق على صدورهم؛ فقط لأنهم ينتمون إلى مؤسسة أمنية أو عسكرية رسمية أو حتى دينية، ومن الطبيعي جدًًا أن يكون هذا القرار بمثابة حجة دامغة سيرميها تنظيم داعش بوجه كل من يعترض على جرائمه  التي يرتكبها في حق الآخرين الذين ينتمون إلى غير المذهب الذي يدعي انتماءه له، وليبرر به جرائمه.
إن  مشروع هذا القرار يمكن أن يكون أرفع وسام سيحظى به المجرمون والقتلة ــ ومن كل الأطراف ــ وبموجبه سنقف جميعًا نحن المدنيين العزل، ومن كل الطوائف والأديان والقوميات، وأيادينا خلف ظهورنا؛ لنتلقى منهم الصفعات والركلات، دون أن نتمكن من رفع حواجبنا، وليس أيادينا.
إن الذي فكر في شرعنة هذا القرار، وسوّق له، لا أشك في أنه يحمل في داخله نوايا شريرة يريد من خلالها أن يأخذنا مع البلاد إلى مستوى آخر من العنف والجريمة، يفوق ما كنا قد شهدناه في الأعوام الماضية من تصفيات جسدية وتفجيرات ومقابر جماعية.
وإذا لم يكن يحمل مثل هذه النوايا، فإلى أية طريق سننزلق إذن من خلاله، بعد أن وصلنا إلى مفترق طرق موحش لا نعرف فيه أي اتجاه نختار للخروج من محنتنا.
العراقيون تُسرق أعمارهم وأحلامهم في مطحنة أمراء الحرب، وأولئك الذين يجلسون تحت قبة البرلمان، ويتاجرون بالوطن، مع أن أيادي الكثير منهم  ليست بيضاء أبدًا، ودائمًا كانت مشرعة لنهب ثروات البلاد وسرقة أحلام الأجيال، مثل هؤلاء لم  يتبق لديهم سوى أن يجعلوا من الجريمة قانونًا، ومن القانون جريمة، عندما يتمكنون من تمرير هذا القانون؛ ليصبح بالتالي المجرم الذي يتفنن في قتل المدنيين وحرقهم ــ فقط لأنهم من غير طائفته ــ  كائنًا مقدسًا لايجرؤ أحد على أن يرفع نظره في وجهه.
فهل علينا أن نستعد لمرحلة قادمة سنصبح فيها «خرسان وطرشان وعميان» ما أن  نصادف في طريقنا جريمة يرتكبها عنصر ميلشياوي بحق مواطن أعزل، خاصة ونحن على اأبواب مدينة الموصل التي ينتظر أبناؤها ساعة التحرير لحظة بعد لحظة.
فهل علينا أن ندفن رؤوسنا في الرمال، فيما لو تم التعدي على أعراضنا من قبل عناصر مسلحة؛ لمجرد أنها تنتمي لفصائل مشمولة بهذا القانون.
أي شعب حر يرتضي لنفسه أن يقبل صاغرًا بمثل هذا القرار، وكيف يمكن أن تستثار حمية هذا الشعب ووطنيته لينتفض دفاعًا عن وطنه عندما يتعرض إلى عدوان خارجي.
الشعب الذي يقبل أن يُسحق رأسه بواسطة عنصر مليشياوي (قدَّسه قانون) سيُقبِّلُ حذاء الغازي والإرهابي.

الثلاثاء، 27 سبتمبر، 2016

http://www.alarab.co.uk/article/%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1/90890/%D9%87%D9%84-%D8%AE%D8%B3%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%B9%D8%B1%D9%83%D8%AA%D9%87%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82
رابط المقال
هل خسر الاميركان معركتهم في العراق

هل خسر الأميركان معركتهم في العراق

هل بعد هذا الخراب الشامل الذي أصبحنا عليه يحق لدعاة المقاومة الإسلامية، وخاصة المشاركين في العملية السياسية، أن يصدعوا رؤوسنا وهم يرددون على مسامعنا أن الأميركان قد خسروا معركتهم في العراق؟.

العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 2016/09/28، العدد: 10408، ص(9)]

تعوّدنا منذ أن غادرت القوات الأميركية نهاية عام 2011 العراق -بشكل رسمي وليس فعليّا- أن نسمع في وسائل الإعلام العراقية جملة مفادها أن “الأميركان خسروا معركتهم في العراق أمام صلابة المقاومة الإسلامية”.
غالبا ما تتردد هذه الجملة على لسان قوى وشخصيات مشاركة في عملية سياسية أسّسَ لقواعدها الطائفية -وهنا تكمن المفارقة – الاحتلال الأميركي نفسه، فهو الذي قننها في دستور جاءت الكثير من بنوده وفقراته لتنسف الهوية الوطنية وتروج لهويات فئوية.
تبدو المعركة مع المحتل الأميركي بالنسبة إلى هؤلاء الذين يرددون هذه الجملة وكأنها تحمل بعدا عسكرياً لا غير، وأنها قد انتهت بالنصر مع خروجه الرسمي.
هذا الخطاب يحمل قدرا من السذاجة بقدر ما يبعث على السخرية، ذلك لأن الأميركان لم يخرجوا من العراق، اليوم هناك ما يزيد عن 4000 جندي أميركي يوجدون على أرضه، وهذا العدد سيكون قابلا للزيادة في الأيام القادمة مع اقتراب معركة تحرير الموصل، خاصة أن قاعدة القيارة العسكرية الجوية (300 كلم شمال بغداد وعلى بعد 60 كلم جنوب محافظة نينوى) التي تم تحريرها في 9 يوليو 2016 بعد أن كان تنظيم داعش قد سيطر عليها في شهر يونيو 2014، ستكون بمثابة قاعدة أميركية أساسية حسب ما تشير إليه التقارير الدولية، وستتضح هذه الصورة بعد الانتهاء من معركة تحرير الموصل من سلطة داعش والتي سيكون للأميركان الدور الرئيس في إدارتها والمشاركة فيها مع الجيش العراقي وقوات البيشمركة وقوات مؤلفة من عشائر نينوى.
واقع حال البلاد وبعد أكثر من خمسة أعوام على الخروج المزعوم للجيش الأميركي من العراق يشير إلى خطأ هذه الجملة (المقاومة الإسلامية هزمت المشروع الأميركي في العراق) وهناك الكثير من الدلائل التي تؤكد على أن العراقيين قد أكلوا الطعم وسقطوا في الفخ الذي نصبته لهم واشنطن قبل عام 2003 بدعم وإسناد الأحزاب السياسية العراقية التي كانت تُحسب في خانة القوى المعارضة للنظام السابق. وما هو أهم في هذا الموضوع، كيف يمكن لنا التسليم بهذه الفكرة، خاصة أن الذي يروّج لها قد جاء به المحتل على ظهر دباباته إلى سدة الحكم.
أيضا ستبدو هذه الفكرة لا معنى لها حتى لو جاءت على لسان ما يدعى بالمقاومة التي لم تشارك في العملية السياسية وواجهت المحتل في عدد من المدن العراقية، ذلك لأن المشروع الأميركي وبعيدا عن قضية إسقاطه لمفهوم السيادة العراقية وسيطرته التامة على ثروات البلاد، قد نجح في تدمير الضمير الجمعي وإحالته إلى شظايا متناثرة بعد أن كان يحمل في داخله ممكنات العيش المشترك ما بين مكونات المجتمع العراقي، وأصبح من الصعب لملمته مع استمرار العوامل والقوى التي أوجدت هذه الحالة. وهل كانت الإدارة الأميركية تسعى إلى أبعد من هذا الهدف؟
لقد خسر العراقيون وطنهم باعتباره فكرة تجمعهم تحت ظلالها، قبل أن يخسروه باعتباره أرضا تكالبت على اقتسامها حفنة من تجار الدم الذين تستروا بشعارات الديمقراطية والعدالة والحرية، وحتى شعاراتهم الطائفية التي رفعوها لم تكن سوى خديعة لجأوا إليها لتضليل العوام من الطوائف التي ينتمون إليها، بهدف الاستمرار في مشروع تدمير فكرة الوطن وتشظيتها داخل الوجدان الجمعي قبل أن يتمكنوا من تحويلها إلى حقيقة ملموسة على أرض الواقع.
المشروع الأميركي نجح في تدمير الضمير الجمعي بعد أن كان يحمل في داخله ممكنات العيش المشترك بين مكونات المجتمع العراقي
إن معركة الأميركان العسكرية للسيطرة على العراق بلدا وشعبا وإمكانات، إذا ما نظرنا إليها من خلال الحسابات العسكرية ومقارنة مع معارك أخرى سواء في التاريخ الحديث أو القديم سنجدها من أبسط المعارك ليس بالنسبة إلى الأميركان فحسب بل بالنسبة إلى غيرهم أيضا، لأنها حُسمت خلال أقل من أسبوعين (21 مارس – 9 أبريل 2003).
وفي الحقيقة فإن الأميركان أنفسهم لم يكن في حساباتهم أن المعركة ستنتهي بهذه السرعة بعد أن كانوا قد جندوا لها دعما وإسنادا من قبل أكثر من أربعين دولة شاركت أغلبيّتها بجيوشها، فإذا بالعالم يصحو فجأة على حقيقة لم يكن يتوقع أن يراها أمام عينيه عندما وجد العراق يهزم عسكريا وكأنه بلد بلا جيش ولا شعب، وإلا كيف يمكن تفسير هذا السقوط السريع الذي تفاجأ به الأميركان مثلما تفاجأ به العراقيون وكأنه صدمة. وسيكون سقوط الموصل بعد 12 عاما الصدمة الثانية التي ستكمل بنتائجها تدمير ما تبقى من روابط بين العراقيين، وليصبحوا الأقرب إلى أن يكونوا قبائل منعزلة لا يعرف بعضها البعض وكل واحدة منها تنتهز الفرصة للنيل من الأخرى.
إن معركة الأميركان الحقيقية ضد الشعب العراقي بدأت في اللحظة التي غطى فيها ذاك الجندي الأميركي في 9 أبريل 2003 تمثال صدام حسين الشاخص في ساحة الفردوس وسط بغداد، قبل أن تسحب التمثال دبابة أميركية بالسلاسل وتسقطه على الأرض.
كانت تلك أول خطوة أقدم عليها الأميركان في معركتهم الحقيقية ضد العراقيين، ولم تكن أسلحتهم فيها أسلحة تقليدية من طائرات ودبابات وأسلحة متطورة أخرى، إنما اعتمدوا على سلطة سياسية مصطنعة أشد فتكا دفعت المجتمع العراقي المحبط والمصدوم نتيجة ما شهده من حروب وكوارث إلى انتهاج أنساق سلوكية طفيلية أشاعت في منظومة الفرد الأخلاقية أبشع صور الفساد المالي والإداري، واستبعدت منه الفاعلية السياسية التي يمكن أن يلعبها في تحقيق السلم والأمن الاجتماعيَّيْن.
خلاصة ذلك أنهم تمكنوا من الإجهاز على فكرة الوطن في داخله، لتحل بدلا عنها مشاعر انتماء فئوية منفلتة لا تقف أمامها أي حدود أخلاقية أو قانونية أو وطنية، حتى أصبحت فكرة التوسع والتمدد والاستيلاء على حقوق الآخرين مسألة شائعة وقابلة للتداول والنقاش بين القادة والزعماء، مثلما هي شائعة بين المواطنين.
تكفل بإنجاح هذه المهمة قادة الأحزاب، بكل انتماءاتهم الدينية والقومية، حتى أصبحت قطاعات واسعة من الشعب تردد وراءهم مثل الببغاء قاموس مفرداتهم وتحولت يوما بعد آخر من مفاهيم لفظية إلى قناعات وممارسات ومشاعر يومية، بذلك تمكنت من أن تقسِّمهم وتجزئهم إلى إخوة أعداء، وما عادوا يشعرون بتعاطف متبادل إزاء ضحايا ينتمون إليهم، كانوا يسقطون هنا وهناك بفعل عمليات إرهابية طالما ليسوا على ملتهم ومذهبهم ودينهم، حتى أن السخرية من معتقدات الآخرين باتت أمرا طبيعيا في ما بينهم، ولعل مواقع التواصل الاجتماعي أفضل عينة لهذا الانحدار والاحتدام المجتمعيَّيْن.
في مقابل ذلك وجدنا، ومن باب النكاية بشركاء الوطن، تعاطفا واحتراما ومراعاة لمعتقدات جماعات وشعوب أجنبية البعض منها تعبد روث البقر أو تقدس زواج المرء من الكلاب رغم أنها تعيش في مناطق بعيدة جدا عن العراق.
رمزية حركة الجندي الأميركي وهو يغطي وجه تمثال صدام حسين بالعلم الأميركي كانت في لحظتها تشير إلى أن العراق بملامحه الواضحة التي كنا نعرفه بها قد اختفى تماما وأصبحنا أمام عراق آخر يشوب ملامحه غموض موحش ومريب، واكتشفنا بعد عام 2011، بما شهدته منطقة الشرق الأوسط من اضطرابات سياسية وعسكرية، أن العراق كان نسخة البروفة النهائية قبل الطبع (كما في لغة الصحافة) لتُستنسخ منها في بلدان عربية نسخ أخرى كما في سوريا وليبيا واليمن، وربما القائمة ستطال غير هذه البلدان، فالأيام مازالت حبلى بالكثير من الأحداث والمفاجآت.
فهل بعد هذا الخراب الشامل الذي أصبحنا عليه يحق لدعاة المقاومة الإسلامية، خاصة المشاركين في العملية السياسية، أن يصدعوا رؤوسنا وهم يرددون على مسامعنا أن الأميركان خسروا معركتهم في العراق؟
كاتب عراقي

مروان ياسين الدليمي

الخميس، 22 سبتمبر، 2016

http://www.alarab.co.uk/?id=90468

قداسة الوطن أم المذهب

الدولة التي تؤمن بأفكار مريضة على هذا النحو ستفتح أبوابها على مصراعيها ليعبث بها طائفيون ومجرمون، من الممكن أن يحملوا أي صفة إلا أن يكونوا أبطالا، طالما تحركهم مشاعر الكراهية والاستعلاء إزاء شركائهم في الوطن.

العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 2016/09/23، العدد: 10403، ص(9)]

هل يمكن أن نتصور عراقا آخر تخلو شوارعه ومدنه من تنظيمات وميليشيات إرهابية؟ هل يمكن أن يكون في يوم قريب أو حتى بعيد، بلدا آمنا مطمئنا لأبنائه؟ هل يمكن أن يكـون محكوما بقوانين صارمة تضع الأمور في نصابها الصحيح، فلا تعَدّيَ على حقوق الآخرين، ولا تراجع عن حفظ كرامة الإنسان وآدميته؟ هل يمكن أن نرى عراقا على هذه الصورة بعد أن يتم القضاء على تنظيم الخلافة (داعش) الذي أصبح شماعة تعلق عليها كل الخروقات والتجاوزات التي ترتكب بحق الوطن والمواطن؟
أسئلة تدور في دواخلنا ليل نهار خاصة بعد أن وجدنا تقدّما ملموسا في العمليات العسكرية ضد تنظيم داعش في الفترة الأخيرة، وبسببها انحسرت من تحت أقدامه الأرض التي يسيطر عليها، ولم يتبق سوى محافظة نينوى.
حتى هذه اللحظة تبدو الإجابة على هذه الهواجس/الأسئلة حاملة في داخلها قدرا كبيرا من التشاؤم، طالما لا يوجد في الأفق ما يشير إلى إمكانية أن يختفي التطرف والإرهاب في العراق حتى بعد هزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) عسكريا وبشكل نهائي.
هذا التشاؤم مَرَدّهُ أن الدولة التي تأسست على أنقاض دولة تم تدميرها بعد إسقاط النظام السابق عام 2003 لم تقدم بديلا أفضل مما كان، بل قدمت نموذجا أسوأ منه بكثير، وفيما لو أجريت مقارنة بينهما ستكون غير منصفة، وسيبدو الأمس أجمل من اليوم.
وبعد الذي شهدناه من مسلسل طافح بصور العنف والقتل والتهجير لسنا بحاجة بعد اليوم إلى أدلة لنثبت صحة ما نقول، فهنالك الكثير من الوقائع أمست وثائق متداولة في سجلات المنظمات والهيئات الدولية، لذا لن تكون إعادة سردها مجدية، وسنكتفي بالإشارة إلى قضية واحدة، لتكون شاهد إثبات على عدم إمكانية أن يكون العراق بلدا خاليا من الإرهاب والتطرف والعنف حتى بعد زوال تنظيم الدولة الإسلامية.
القضيـة ببساطـة وجدنـاها في الاستمـارة الخاصة بوزارة الدفاع العراقية التي تم توزعيها على الطلبة الراغبين في التطوع للكلية العسكرية هذا العام ليتخرجوا منها ضباطا مؤهلين لخدمة بلدهم، فالاستمارة تلزمهم أن يذكروا دينهم ومذهبهم!
وبعد أن تخرج من صدمة هذه الفقرة لا بد أن تتبادر إلى ذهنك مجموعة من الأسئلة: ما علاقة الدين والمذهب بمسألة تتعلق بالمهنية العسكرية؟
وهل سيحسم دين ومذهب الطالب المتقدم قدرته على اكتساب العلوم والمعارف؟ وهل سيحددان استعداده النفسي والأخلاقي إزاء امتثاله للأوامر العسكرية؟
وهل سيكون لهما القول الفصل في تقرير شجاعته على تنفيذ خطط المعارك التي سيخوضها ضد أعداء بلده؟ وهل سيمنحانه فرصة أن يكون بطلا؟ وهل سيكونان معيارا لاختبار مدى إخلاصه لوطنه؟
إن الدولة التي تؤمن بأفكار مريضة على هذا النحو ستفتح أبوابها على مصراعيها ليعبث بها طائفيون ومجرمون، من الممكن أن يحملوا أي صفة إلا أن يكونوا أبطالا، طالما تحركهم مشاعر الكراهية والاستعلاء إزاء شركائهم في الوطن لا لشيء إلاّ لكونهم يختلفون عنهم بالدين والمذهب، وستدفعهم طائفيتهم إلى تخوينهم، لكونهم ليسوا على ملتهم.
ولأنهم سيتخرجون ضباطا وفق الفقرة المثبتة في استمارة وزارة الدفاع العراقية فلن يترددوا في ارتكاب الانتهاكات والجرائم بحق من لا يشبهونهم في الدين والمذهب، وإذا لم يكونـوا على هذه الصورة، ساعتها لن يكونوا مخلصين للقوانين التي سمحت لهم دون غيرهم بالانتساب إلى الكلية العسكرية ومنحتهم هذه الفرصة التي منعتها عـن غيرهم.
ولهذا لا بد لهم أن يكونوا مخلصين وأمناء لهذا القانون الطائفي طالما رفعهم إلى مستوى أعلى من غيرهم، وإلاّ سيكونون خونة في نظر الدولة والنظام.
وزارة الدفاع العراقية بهذه الفقرة لا تصنع رجالا مخلصين للدولة والوطن والمجتمع، بل تصنع كائنات ممسوخة وأمثال هؤلاء سيكونون في مقدمة من يهدم الدولة التي مدت يدها لهم ومنعتها عن غيرهم.
وما أهمية أن يكونوا ضباطا على درجة عالية من الاحتراف، إذا كانت قداسة المذهب لديهم تتقدم على قداسة الوطن؟
كاتب عراقي

مروان ياسين الدليمي

الجمعة، 16 سبتمبر، 2016

http://www.alarab.co.uk/article/%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1/90010/%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%88%D8%B5%D9%84-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%86%D9%91%D8%A9
صحيفة العرب ،

لعبة الإعلام في حكاية الإرهاب والموصل والعرب السنّة

زمن افتراضي متخيل أنتجته مخيلة مريضة تناوب على نسج حكاياتها كهنة ورجال دين وساسة وتجار حروب وقتلة محترفون، فأتقنوا نسجها بعيدا عن حقائق الواقع، وقريبا من رغباتهم ونواياهم ومصالحهم الذاتية.

العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 2016/09/17، العدد: 10397، ص(9)]

مع مطلع الألفية الثالثة أصبح العرب والمسلمون السنّة عنوانا وحيدا للتطرف والإرهاب، وبدأت الإدارة الأميركية في تسويق هذه النظرية بعد حادث تفجير برجيْ التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001، ومنذ ذلك التاريخ نجحت وبشكل كبير شبكة إعلامية واسعة ملحقة بالمجتمع الدولي في تقديم قراءة مغلوطة محملة بالأكاذيب وبمشاعر الكراهية ضد العرب والمسلمين، الذين عجزوا، لأسباب كثيرة حتى هذه اللحظة، عن تقديم خطاب عقلاني وممارسة دور سياسي فاعل وناجح يؤكد بطلان هذه التهمة وبراءتهم منها.
من هنا كان عليهم أن يدفعوا الثمن باهظا دون أن يكون أمامهم أي أمل قريب للخروج من هذا النفق المظلم، فسقطت دول وأنظمة ما كان متوقعا أن تكون نهايتها على الصورة المدمرة والسريعة التي انتهت إليها، ومازال مسلسل التدمير مستمرا بشكل متصاعد وربما يأتي بنتائج أشد خطورة مما شهدنا.
الغرابة في الأجندة الإعلامية التي تشتغل على شيطنة العرب والمسلمين السنة تكمن في اشتراك قوى محلية بتنفيذها، وإصرار هذه القوى على ترديد مصطلحاتها بشكل متكرر، وكل واحدة منها ربما لها أسبابها الذاتية التي تدفعها إلى أن تضع نفسها في هذا الموضع، حيث تصبح شريكة بهذه الأجندة، سواء كانت تعلم بما تخفيه من أهداف أم لا تعلم.
ومهما كان لها من الأسباب الموضوعية بالشكل الذي يجعلها تشعر بالظلم أو التهميش أو الإقصاء سواء من الناحية القومية أو الدينية إلى غير ذلك من الأسباب، إلا أن هذا لا يبرر انخراطها في لعبة قائمة على تزوير الحقائق أو القفز عليها، وأن تسمح لنفسها بالتورط في عمليات نزع الثقة والتشكيك بنوايا العرب والمسلمين السنة إزاء غيرهم من الجماعات والطوائف الدينية، لأنها بذلك تتجاهل تاريخا طويلا من العلاقات الإنسانية في ما بينها وبينهم، وهي تعلم قبل غيرها أن في سياق هذا التاريخ هناك الكثير من المحطات المشرقة التي كانوا فيها شركاء في ابتكارها، وعلى ذلك فهي بهذا الموقف الذي لا تُحسد عليه تضع نفسها في حالة من التوافق والتماهي مع إستراتيجية مجتمع دولي انكشف زيفه بما أفرزته مواقفه وتدخلاته من صراعات دموية بين شعوب منطقة الشرق الأوسط، ربما كان العراق أول شاهد عليها عام 2003 ومن ثم سوريا ومن بعدها اليمن، وفي جميع هذه البلدان ثبت بطلان ادعاءات المجتمع الدولي بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان والأقليات بعد أن جند للترويج لها منظومة إعلامية واسعة اشتركت فيها قنوات إعلامية غربية واصطفت معها شبكة من القنوات والوسائل الإعلامية المحلية.
الأخبار الشحيحة الهاربة من الموصل كانت تعيد إلى الأذهان الصورة الحقيقية لأهلها، حيث المسلمون والمسيحيون كانوا شركاء في صنع سفرها الحضاري عبر العشرات من السنين
ولأجل استكمال مفردات نجاح هذه الإستراتيجية تم تأهيل عناصر محلية وفق منظورها ولغتها ومصطلحاتها في ورش تدريب وتطوير لإمكاناتها، وكان العراق النموذج الأول الذي طُبِّقت عليه هذه الإستراتيجية مبكرا، أي قبل سقوط بغداد تحت الاحتلال الأميركي في 9 أبريل 2003. آنذاك تحركت الدوائر الأميركية المعنية بهذا الموضوع بين أوساط العراقيين المهاجرين واللاجئين في أميركا وأوروبا فاستجاب للدعوة شعراء وكتاب وصحفيون بعد أن أجابوا على أسئلة موجهة إليهم تضمنتها استمارات وزعت عليهم لمعرفة الأعمال التي يرغبون في الانخراط فيها بعد سقوط نظام البعث والرواتب التي يطلبونها، وأصبح هؤلاء في ما بعد أدواتها الناعمة التي تولت المسؤولية والعمل في العديد من القنوات والوسائل الصحافية والإعلامية، وبعضهم ارتقى ليصبح نائبا في البرلمان، وهذه المعلومات أشار إليها بالتفصيل الروائي العراقي المغترب في النرويج حمزة الحسن في منشور كتبه على صفحته في فيسبوك لكونه أحد الذين عرضت عليهم تلك الاستمارات لكنه، وحسب زعمه، رفضها.
إن جميع الأطراف المحلية التي تروّج لفكرة شيطنة العرب والمسلمين السنة وتحميلهم مسؤولية ما يشهده العالم من إرهاب في مناطق واسعة ومتفرقة منه، هي بالنتيجة تمارس دورا، سواء بوعيها أو بغيره، يرتبط بمنظومة يقف خلفها مجتمع دولي كان سعيه يتمحور في إشاعة مناخ من مشاعر الكراهية وعدم الثقة يهيئ الظرف الملائم لتنهار من خلاله الأسس والروابط التاريخية التي تجمع العرب والمسلمين مع بقية المكونات الدينية والإثنية والقومية.
تنظيم داعش بدوره كان له النصيب الأوفر في توفير أبرز عناصر النجاح لنظرية شيطنة العرب والمسلمين، وليس مهما هنا في ما إذا كان هذا التنظيم من صنع دوائر استخباراتية أميركية أو إيرانية كما تزعم بعض الآراء، أو كما تشير آراء أخرى على أنه تنظيم جهادي استند في بنائه على نصوص دينية وتأويلات فقهية يصل الإيمان بها لدى عموم المسلمين السنة إلى درجة أقرب إلى التقديس، بل المهم أن حصيلة ما أقدم عليه من أعمال جاءت بجميع نتائجها الدموية في مصلحة هذه النظرية، فهو على سبيل المثال قد فرض طوقا من العزلة التامة على سكان مدينة الموصل منذ أن احتلها يوم 10 يونيو 2014، وبالإضافة إلى أنه قد احتجزهم داخل حدود المحافظة ومنعهم من مغادرتها، لجأ إلى قطع صلتهم بالعالم الخارجي عندما أوقف خدمة الاتصالات الهاتفية والإنترنت، وفرض عقوبات شديدة على أي شخص يتم ضبطه وهو يجري اتصالا عبر الهاتف، بذلك قدم للعالم نموذجا بشعا للحكم باسم الدين الإسلامي لا يمت بصلة إلى الواقع الإنساني المعاصر بكل متغيراته، ويعبر عن فهم منغلق للدين يتقاطع مع جوهره الذي يدعوا إلى الانفتاح والتفاعل بين الشعوب والأمم.
إلاّ أن زمن العتمة والتجهيل الذي فرضه داعش على سكان الموصل لم يمنعهم من أن يحاولوا إيصال صوتهم الرافض لما يجري من عمليات تدمير ممنهج لبنيتهم المدنية والإنسانية رغم خطورة المحاولة التي ستجعل من يُقدم عليها يدفع حياته ثمنا لها في ما لو كُشف أمره، وهذا ما حصل لعدد كبير من الصحافيين الذين تم اعتقالهم وخضعوا لأقسى أنواع التعذيب خلال سجنهم قبل أن يتم الإعلان عن إعدامهم، كما شملت عقوبة الإعدام مواطنين عاديين لنفس الأسباب.
كانت الأخبار القادمة من الموصل والتي تشير إلى حرص الناس هناك على ألا تُهزم قيمهم الإنسانية أمام وحشية تنظيم الخلافة، تأتي وسط حالة من الفوضى سادت بقاعا كثيرة من العالم مما يعني صعوبة ما يمكن أن تحدثه من تغيير في قناعات الأغلبية أو”القطيع الضال” حسب المصطلح الذي أطلقه عليهم عميد الصحافة الأميركية أثناء الحرب العالمية الثانية والتر ليبمان.
وفي جانبها المؤلم كانت الأخبار تحمل بين سطورها ألما عميقا نتيجة ما يدفعه الموصليون من خسائر فادحة في الأرواح معظمها كانت لأسماء تنتمي إلى النخبة العلمية والمثقفة، مِن أطباء ومحامين وقضاة ومهندسين ومدرسين، هذا إضافة إلى ما تشهده المدينة من حملة تدمير تجري بعيدا عن أعين العالم طالت موروثها الحضاري العريق المتمثل بآثار مدينة نينوى الآشورية وأطنان من المجلدات والمخطوطات النادرة والنفيسة تم حرقها وإتلافها تعود إلى عصور وحضارات مختلفة مرت على المدينة كانت محفوظة في مكتبات تعود لجامعة الموصل والأوقاف الإسلامية والمتحف الحضاري والمكتبة المركزية، إضافة إلى الكنائس والأديرة والجوامع.
الأخبار الشحيحة الهاربة من الموصل كانت تعيد إلى الأذهان الصورة الحقيقية لأهلها، حيث المسلمون والمسيحيون كانوا شركاء في صنع سفرها الحضاري عبر العشرات من السنين، وكانت نينوى ومركزها مدينة الموصل إلى جانب مدن عراقية أخرى مثل النجف والبصرة تنافس العاصمة بغداد على تأسيس تاريخ وبنية الثقافة العراقية.
وتؤكد لمن يتابع الأحداث أن الموصليين مازالوا على طبيعتهم الإنسانية ولم يتراجعوا عن قيم المدنية التي كانت عنوانا لهم ولم يتمكن تنظيم داعش رغم القسوة المفرطة التي أبداها ضدهم من أن يجعلهم قتلة ومجرمين على الصورة التي يشبهونه فيها، وبقدر ما كانت الأخبار معبأة بمشاعر القهر والظلم إلاّ أنها كانت تحمل دلالة رمزية تكرس ثقة كبيرة لم تُعدَم في نفوس المنصفين من كتاب ومحللين كانوا يحاولون على قدر ما يستطيعون تقديم رؤية موضوعية تعكس خطابا معتدلا في التحليل والتقييم لما يجري من مواجهة مجتمعية صامتة خلف جدران من العزلة القسرية ما بين سكان المدينة وتنظيم داعش ردا منهم على مناخ إعلامي يقوده مجتمع دولي سعى بكل أدواته إلى أن يكرس الهزيمة في بنية المجتمعات التي يشكل فيها العرب والمسلمون السنّة النسبة الأكبر بهدف دفع شعوبها ناحية التطرف والتشدد ضد بعضها الآخر، وبذلك تنفتح أبواب هزيمتها على مصراعيها.
إحصاءات منظمات ومؤسسات معنية بحقوق الإنسان تشير إلى أن عدد الضحايا الذين أعدمهم تنظيم داعش في الموصل وصل إلى أكثر من خمسة آلاف شخص بينهم أكثر من 800 امرأة، إضافة إلى عشرات تعرضوا إلى عقوبات جسدية توزعت بين الرجم والجلد وقطع اليد والرمي من فوق أسطح البنايات العالية.
المنهج الإعلامي الذي يدور في فلك الأحزاب والقوى الطائفية المهيمنة على المشهد السياسي العراقي تمحور حول فكرة ترحيل أي صوت ينتقد سياساتهم الطائفية إلى الماضي البعيد
ومع ما تشير إليه هذه الأرقام والأحداث من تفاقم مأساوي للأوضاع نتيجة حدة المواجهة ما بين سكان الموصل وتنظيم الخلافة إلاّ أن المجتمع الدولي والمؤسسات الإعلامية المرتبطة به تعاملوا معها بما لا تستحقه من اهتمام في القراءة والتحليل والتصويب للكشف عن طبيعة ما يجري من مواجهة غير متكافئة بين مجتمع مدني أعزل وبين تنظيم إرهابي دموي يمتلك من الأسلحة المتطورة والفتاكة ما يفوق قدرات الجيش العراقي نفسه، وغالبا ما مرت تلك الأحداث بشكل عابر مثل أي خبر يتعلق بانفجار وقع هنا أو هناك وهذا ما قد يطرح العديد من علامات الاستفهام حول طريقة التفاعل معها.
على المستوى المحلي فإن المنهج الإعلامي الذي يدور في فلك الأحزاب والقوى الطائفية المهيمنة على المشهد السياسي العراقي تمحور حول فكرة ترحيل أي صوت ينتقد سياساتهم الطائفية إلى الماضي البعيد، خاصة إذا كان الصوت من العرب السنة، فقد أصبح من الثابت التعامل مع وجهة نظره باعتباره خصما طائفيا وليس خصما سياسيا وليتم حشره في زاوية ضيقة من التاريخ البعيد كما لو أنه جندي في جيش يزيد بن معاوية تورط في قتل الحسين بن علي قبل أكثر من 1400 عام.
هذا الاختزال في رؤية الآخرين من قبل التحالف الوطني الحاكم والذي انعكس في سياسة المؤسسات والقنوات الإعلامية التي تملكها أحزاب وشخصيات تنتمي له، يعني بأن ثقته معدومة بمن يشاركونه العملية السياسية التي يقودها، لا لشيء إلاّ لكونهم ينتمون إلى غير طائفته ومذهبه.
وهنا يمكن أن تطرح مجموعة من الأسئلة: لماذا يتم تحميل الملايين من السنة الموزعين على الكرة الأرضية وينتمون إلى جنسيات وقوميات مختلفة جريمة لم يرتكبوها؟ ومتى سينتهي هذا الشوط الدامي؟ وكم من الأرواح البريئة ستُزهق من قبل الطائفيين ثأرا لجريمة قتل الحسين؟ وكم من مدينة ستسقط بيد الإرهاب بعد الموصل؟
على هوى أجندة المجتمع الدولي التي جمعت في سلة واحدة بين الإرهاب والعرب والمسلمين (السنّة)، شاء الطائفيون المحليون أن يكيّفوا خطابهم الإعلامي بما ينسجم معها ويدور في فلكها. هؤلاء بهذه العقلية المستلبة من زمنها يستمدون حضورهم من خارج إطار الوعي الاجتماعي المتراكم عبر التاريخ، ويعيشون زمنا خاصا بهم لا تربطه صلة بالزمن الإنساني حيث يقبعون في كهوفه، إنه زمن افتراضي متخيّل أنتجته مخيّلة مريضة تناوب على نسج حكاياتها كهنة ورجال دين وساسة وتجار حروب وقتلة محترفون، فأتقنوا نسجها بعيدا عن حقائق الواقع، وقريبا من رغباتهم ونواياهم ومصالحهم الذاتية.
إن المحنة بهذا المسار المهلك تتسع يوما بعد آخر لتطال شظاياها جميع الأطراف، وما ينبغي تذكُّره أن الأكاذيب لنْ تصنع تاريخا ولا مجدا ولا أبطالا، ومن يراهن عليها لكي يسقط مدينة من ذاكرة الإنسانية سيكتب له الفشل في نهاية الأمر.
كاتب عراقي

مروان ياسين الدليمي

http://www.alarab.co.uk/article/%D8%A7%D8%AE%D8%A8%D8%A7%D8%B1/89947/%D8%B3%D8%B9%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%84%D8%AA%D8%AD%D8%B5%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B4%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B4%D8%B9%D8%A8%D9%8A-%D8%B6%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B3%D8%A8%D8%A9-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%AC%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%85%D9%87 سعي لتحصين الحشد الشعبي ضد المساءلة 
صحيفة العرب .
بقلم :مروان ياسين الدليمي


سعي في العراق لتحصين الحشد الشعبي ضد المحاسبة على جرائمه

  • تقدّم الحرب ضد داعش في العراق واقترابها من نهايتها، سرّع عملية التفكير بـ”مستقبل” الحشد الشعبي الذي بات قوّة ضاربة بيد كبار قادة الميليشيات والأحزاب الشيعية يمكن استخدامها في مهمات أخرى غير مواجهة التنظيم المتشدّد، وينبغي بالتالي حمايتها بكل الطرق بما في ذلك تحصينها بقانون.

العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 2016/09/16، العدد: 10396، ص(3)]

التوحش المنظم

أربيل (العراق) - أثار مقترح تقدّمت به جهات سياسية عراقية شريكة في الحكم بسنّ قانون لتحصين ميليشيات الحشد الشعبي المشاركة في الحرب ضدّ تنظيم داعش من المساءلة القانونية على الجرائم التي اقترفتها وقد تقترفها خلال تلك الحرب، موجة من الاستياء، كون مثل ذلك القانون سيمثل غطاء لممارسة الجريمة على أوسع نطاق وحتى المنظّم منها.
وإذ يمثّل مثل ذلك المقترح خطوة استباقية لحماية الميليشيات من محاسبة يفترض –نظريا- أن تكون حتمية نظرا لكثرة ما اقترفته تلك التشكيلات الطائفية من جرائم متنوعة ومتعدّدة منذ انخراطها في محاربة داعش بعد أن تم جمعها في هيكل كبير عرف بالحشد الشعبي، فإنّ تقديم المقترح في هذه المرحلة بالذات التي تقترب فيها الحرب على داعش من نهايتها، يأتي ضمن عملية التفكير التي انخرطت فيها شخصيات وأحزاب شيعية مستفيدة من الميليشيات بـ”مستقبل” ميليشياتهم التي مازالت لها أدوار كبيرة ستلعبها غير دور الحرب على التنظيم المتشدّد، وفي مقدّمتها السيطرة على السلطة في البلاد وضمان بقائها في أيدي الأحزاب الشيعية، بعد أن ظهرت أصوات كثيرة منادية بالدولة المدنية بعد إفلاس تجربة الحكم القائمة حاليا بشكل كامل وعلى مختلف الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية.
وينتظر أن تبدأ خلال الأيام القادمة إجراءات إقرار قانون اقترحه نواب عن كتلة المواطن البرلمانية والمنضوية تحت عباءة التحالف الوطني في البرلمان العراقي، ويهدف إلى توفير الحماية والحصانة للحشد الشعبي من أي مساءلة قانونية قد يتعرض لها.
وكانت النائبة عن كتلة المواطن حمدية الحسيني قد أعلنت في بيان صحافي أصدرته في وقت سابق “رفع مقترح قانون إلى البرلمان وقّع عليه أكثر من 70 نائبا لوضع الإطار القانوني لحماية حقوق الحشد الشعبي”.
وبحسب عراقيين معترضين على القانون فإنّ من شأن المصادقة عليه فتح الأبواب لارتكاب الحشد المزيد من الجرائم والانتهاكات على خلفية طائفية دون خشية من عقاب أو سلطة لأن الميليشيات ستكون محمية ومصانة بهذا القانون الذي يضفي “مشروعية” على ما يُرتكب من انتهاكات وتجاوزات تصدر عن أفراد وجماعات ينتمون إلى فصائل الحشد.
ويتخوّف قسم هام من العراقيين مما يسمونه تغوّل الميليشيات الشيعية بفعل انتمائها إلى الحشد الشعبي، ويرون في ذلك خطرا كبيرا على مستقبل البلد حيث سيكون من المستحيل نزع سلاح الحشد بعد نهاية الحرب على تنظيم داعش، وقد يتم تحويل الآلاف من المسلّحين للقيام بمهمات أخرى من ضمنها حماية نفوذ قادتهم، وحتى تصفية الحسابات السياسية بين الأطراف العراقية المتنازعة على السلطة والمتنافسة على تحصيل المكاسب السياسية والمادية.
الميليشيات ضمانة لإبقاء السلطة في أيدي الأحزاب الشيعية بعد أن ظهرت أصوات كثيرة منادية بالدولة المدنية
وتقول مصادر عراقية إن عدد الفصائل الشيعية المنضوية ضمن الحشد الشعبي وصل إلى 81 ميليشيا، وكان أحدثها فصيل “مسلم بن عقيل” الذي تم الإعلان عن تشكيله في منتصف شهر أغسطس الماضي وكانت المفاجأة إسناد قيادته لمحامية شابة اسمها إيمان السويعدي ستكون أول امرأة عراقية تقود ميليشيا مسلحة.
ويصنّف متابعون للشأن العراقي عملية تحصين ميليشيات الحشد الشعبي بقانون ضمن مساعي التحالف الوطني الحاكم لقطع الطريق أمام أي جهة تحاول أن تقيم دعوى قضائية أو تفتح ملف الجرائم الكبيرة التي ارتكبتها -أو سترتكبها- عناصر تابعة للحشد والتي سبق لها الضلوع في جرائم ذات طبيعة طائفية بحق مدنيين تحت يافطة محاربة الإرهاب في المحافظات العراقية ذات الغالبية السنية مثل ديالى وصلاح الدين والأنبار خلال الأعوام القليلة الماضية أثناء العمليات العسكرية التي شهدتها تلك المناطق بهدف استعادتها من تنظيم داعش.
واستهدف أحدث تلك الجرائم وأكثرها دموية أبناء عشيرة المحامدة بناحية الصقلاوية شمال مدينة الفلوجة في مطلع شهر يونيو الماضي خلال معارك استعادة مناطق الأنبار، حين أقدمت عناصر من الحشد على إعدام أكثر من 50 مدنيا كانوا يحملون رايات بيضاء وهم يتجهون إلى ممرات “آمنة” سبق أن حددتها السلطات الحكومية والجيش العراقي لخروج المدنيين المحاصرين في المدينة مع عوائلهم نتيجة للقصف واشتداد المعارك الدائرة بين الجيش العراقي وتنظيم داعش، إلاّ أنّ هؤلاء النازحين الباحثين عن ملاذ آمن تم اعتقالهم والتنكيل بهم بطرق وحشية بعد أن جرى عزل الرجال عن النساء والأطفال. وبالإضافة إلى أولئك الذين أعدموا بدم بارد تم اختطاف أكثر من 600 شخص اقتيدوا مكبلين إلى جهة مجهولة ولم يعرف مصيرهم حتى الآن رغم المطالبات الكثيرة والمناشدات المحلية وحتى الدولية بالكشف عن مصير المختطفين وإطلاق سراح الأحياء منهم.
كذلك أشارت مصادر محلية من داخل محافظة الأنبار إلى اختفاء أكثر من 3000 مدني من سكان المحافظة بعد أن تم اختطافهم في نهاية العام 2015 عند معبر الرزازة على بعد 50 كيلومترا إلى الجنوب من مدينة الفلوجة وكانوا قد وصلوا إليه بعد أن نجحوا في الخروج من مناطق سيطرة داعش. وكان المعبر المذكور خاضعا آنذاك لميليشيا فرقة العباس.
ويرتبط صعود الميليشيات في العراق بشكل وثيق بتراجع هيبة الدولة. وحتى دون تشريع قانون يحصّن تلك الفصائل الطائفية، فإن تلك الحصانة متحقّقة فعلا على أرض الواقع، إذ أنّ الميليشيات ذاتها تشارك بطريقتها في “فرض القانون” عن طريق نشر السيطرات على الطرق وتسيير الدوريات في المدن بما في ذلك العاصمة بغداد بحدّ ذاتها.
وبرزت ظاهرة الميليشيات في العراق في مرحلة ما بعد 2003 لكنها دخلت منعطفا جديدا من التغوّل بمشاركتها في الحرب ضدّ تنظيم داعش ضمن الحشد الشعبي الذي تأسس استنادا إلى فتوى من مرجعية النجف ما أضفى هالة من القدسية على هذا الجيش الموازي حتى أن دوائر شيعية عراقية سياسية وإعلامية تطلق عليه تسمية “الحشد المقدّس”.
وقد أتيح للميليشيات الشيعية في نطاق الحرب الجارية قدر كبير من التسليح والتمويل من داخل العراق وأيضا من إيران، فيما اكتسب قادتها سلطات تفوق سلطة الحكومة بمن في ذلك رئيس الوزراء.
وبدأت الميليشيات تدخل معترك الصراع السياسي في العراق من الباب الكبير، وكان للبعض منها دور مفصلي في حماية أشخاص مطلوبين للمحاسبة في ملفات فساد وجرائم كبيرة.
ويرى المعترضون على إقرار قانون تحصين ميليشيات الحشد الشعبي من المساءلة القانونية، أنّ ذلك سيجهز على ما بقي من سمعة الدولة العراقية وهيبتها، حيث سيشرّع الجريمة ويكرّس العنف المستشري أصلا في البلد حين يجد الناس أن القانون بات في صفّ القتلة والمجرمين، وأنه لا مناص من حمل السلاح لحماية أرواحهم وممتلكاتهم.

الثلاثاء، 13 سبتمبر، 2016

http://www.alarab.co.uk/article/%D9%81%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%82/89765/%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%AE%D9%84%D9%81-%D8%AA%D9%87%D8%AF%D9%8A%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D9%85%D9%8A%D9%84%D9%8A%D8%B4%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AE%D9%84%D9%8A%D8%AC-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A

ماذا خلف تهديد الميليشيات لدول الخليج العربي

  • على المدى المتوسط والبعيد، تجهز طهران حزمة من الخطط العملية التي تخدم استراتيجية التوسع الساكنة في هواجس نظام الخميني، وترتكز تلك الخطط على عدد من الميليشيات الطائفية المكونة وفق منظور قومي متعصب ومتطرف يكن العداء للعرب، ويتخفى وراء ستار من المظلومية الطائفية الشيعية التي يستعملها مسؤولو النظام للحشد والتجميع من كل الأصقاع التي يمتلكون فيها أمكنة للتفريخ.

العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 2016/09/14، العدد: 10394، ص(6)]

المقاربة الطائفية صارت علنية

أن يصر نظام طهران على أن يلعب بشكل صريح دون مواربة بورقة التحريض الطائفي ضد الدول والأنظمة التي تتقاطع مع منهجه في الحكم فهذا أمر لم يعد يثير الاستغراب لدى أيّ مراقب موضوعي يرصد ما يجري من أحداث متلاحقة يشهدها العالمان العربي والإسلامي، فاللعب بات مكشوفا بعد أن تمكنت المخالب التي زرعها في أكثر من بلد عربي من أن تفرض وجودها بقوة السلاح والإرهاب، وباتت تملك ما يكفي من الإمكانات البشرية والمادية لزعزعة استقرار الأوضاع السياسية والأمنية في البلدان التي تنتمي إليها وتحمل هويتها حتى أنها أمست قادرة على أن تجهض أيّ جهد وطني يسعى دعاته إلى تصحيح الأوضاع الخاطئة وقطع الصلة بما له صلة بماض بائس.
إيران اليوم لم تعد تلتزم السريّة في تحركاتها وبما تعقده من صفقات مع قوى وأحزاب وشخصيات سياسية على طول خارطة البلاد الناطقة باللغة العربية بما في ذلك تلك البلدان التي تكاد تخلو إلى وقت قريب من أيّ تنوع طائفي ملموس لا يسمح لأجندة طهران أن تحظى بفرصة سحب مجتمعاتها إلى دوامة مشروعها القائم على إشاعة الانقسام الطائفي وتغذية تداعياته كما هو الحال على سبيل المثال في مصر وتونس والجزائر والسودان، إلاّ انها تمكنت من أن تؤسس فيها قواعد مذهبية ستكون ورقتها التي ستراهن عليها مستقبلا لإشاعة الفوضى وتعميق مشاعر الكراهية الطائفية وعدم الثقة بين الاطراف المختلفة.
ودخول إيران إلى هذه المجتمعات ارتكز على أساليب تقليدية لم تعد خافية على أحد، في مقدمتها يأتي حرصها على تشجيع تبادل الوفود السياحية بينها وبين تلك البلدان، والعمل على تأسيس مراكز ثقافية وجمعيات خيرية توفر لها مناخا ملائما لكي تخترق بخطابها الطائفي نسيج هذه المجتمعات بطرق ناعمة وصولا إلى الهدف البعيد بتفتيتها وانقسامها مذهبيا وعلى نار هادئة.
إيران لم تعد تلتزم السرية في تحركاتها وبما تعقده من صفقات على طول خارطة البلاد الناطقة باللغة العربية
إيران لديها مشروع سياسي يمثل تهديدا خطيرا لكل المجتمعات العربية والإسلامية، وتسعى من ورائه إلى اختطاف وعي المسلمين وغسل أدمغتهم عبر منظومة معقدة من الأجندة تتداخل فيها سلطة المال والإعلام والتنظيمات الميليشياوية، وما كان ادّعاؤها بالسعي إلى تحرير المسجد الأقصى من الاحتلال والدفاع عن آل بيت الرسول محمد ومظلومية الشيعة إلا غطاء لتمرير هذا المشروع، والنقطة البعيدة التي ترمي إلى الوصول إليها في آخر المطاف هي أن تجد نفوذها السياسي قد امتدّ على مساحة جغرافية واسعة خارج حدود خارطتها.
سبق لإيران أن جرّبت مبكرا زرع بذرة هذا المشروع مع عدد من الأحزاب العراقية الشيعية خلال فترة الحرب التي خاضتها ضد العراق في ما بين 1980 و1988، فكانت بمثابة حقل تجارب مارست عليها عمليات التسقيط وغسل الأدمغة، ثم تصاعد نشاطها هذا بوتيرة أوسع بعد سقوط بغداد تحت الاحتلال الأميركي عام 2003 عندما فتحت أمامها واشنطن (وبشكل مريب) كل الأبواب والنوافذ التي كانت مغلقة في وجهها طيلة فترة نظام حكم البعث، وبدا للمراقبين ما يحصل من تمدد مخيف لنفوذها في بلد سبق له ان أذاقها أقسى الدروس والهزائم العسكرية، وكأنه جزء من عملية شراكة أو تقاسم أدوار بينها وبين الأميركان بهدف تدمير بنية الدولة والمجتمع العراقي.
خلال فترة حكم حزب البعث للعراق (1968 – 2003) احتضنت إيران أحزاب الإسلام السياسي الشيعي على أرضها وساهمت في إعدادها وتنظيمها وتدريبها وتمويلها إلى الحد الذي وجدت هذه الأحزاب نفسها وجها لوجه ضد بلدها فوقفت تقاتل إلى جانب الجيش والحرس الثوري الإيراني في معظم المعارك التي دارت بين البلدين ولمدة ثمانية أعوام، لم تجد حرجا عندما تلطخت أياديها بدماء الجنود العراقيين، وهناك الكثير من القصص المؤلمة، التي رواها الأسرى العراقيون الذين عادوا إلى الوطن بعد انتهاء الحرب، تقدم لنا أدلة بما يكفي على أن عناصر تلك الأحزاب كانت الأشدّ قسوة وعنفا عليهم من الإيرانيين في أقفاص الأسر. العديد من الرموز السياسية التي تحكم العراق هذه الأيام كانت في مقدمة من شارك الجيش والحرس الثوري الإيراني القتال ضد الجيش العراقي خلال فترة ثمانينات القرن الماضي، ابتداء برئيس الوزراء الأسبق وزعيم حزب الدعوة الحاكم نوري المالكي وانتهاءً بزعيم ميليشيا بدر هادي العامري الذي يحتفظ له موقع اليوتوب على الإنترنت بلقاء قصير كان التلفزيون الإيراني قد أجراه معه في مطلع ثمانينات القرن الماضي عند الخطوط الأمامية لجبهة الحرب وهو يقاتل إلى جانب الإيرانيين ضد الجيش العراقي، وفي هذا اللقاء يقول بصريح العبارة “نحن تحت رهن إشارة الإمام الخميني، إذا قال لنا حرب فهي إذن حرب، وإذا قال سِلم فهي سِلم”.
إزاء ما يجري من عملية تجييش طائفي بدأت تمارسه إيران بشكل غير معهود يتوجب على العربية السعودية ودول الخليج ألّا ينساقوا إلى ساحة هذا الخطاب
لم يكن عناصر حزب الدعوة والمجلس الأعلى مرغمين على قتال جيش بلدهم، بل على العكس كانوا يقاتلون بإرادتهم انطلاقا من قناعة أيديولوجية وطائفية هي امتداد لتركيبة النظام الحاكم في طهران، بمعنى أنهم كانوا ومازالوا جزءا منه ويعبرون عنه.
طهران ومن خلال ماكنتها الإعلامية الهائلة التي تتشكل من العشرات من القنوات الفضائية التي تبث أجندتها الفكرية الطائفية عبر القمر نايل سات وأقمار أخرى، استطاعت أن تسحب البساط من تحت أوساط شعبية لا بأس بحجمها، سواء في العراق أو الخليج العربي أو لبنان أو اليمن، وتمكنت من أن تسقط هذه الأوساط في فخ الولاء المطلق للمذهب على حساب انتمائها الوطني، وإلا ما معنى السكوت المطبق لهذه الأوساط عن الجرائم البشعة التي ترتكب في حق الشعب السوري منذ خمسة أعوام من قبل النظام الحاكم في دمشق ومن تحالف معه من الميليشيات الأفغانية والباكستانية والعراقية واللبنانية إضافة إلى الطيران الروسي وكأن لا شيء يحدث على الأرض السورية، في مقابل خروج هذه الأوساط نفسها في تظاهرات حاشدة منددة بما كانت قد تعرضت له من اعتداء بالضرب على معمم شيعي نيجيري من قبل سلطات بلده، مع أنه لم يسبق لها أن سمعت باسم هذا المعمم من قبل، ولم تعرف ما إذا كان متورطا في جرم يستحق عليه العقاب من قبل سلطة بلده باعتباره مواطنا نيجريا قبل أن يكون حاملا لهوية مذهبية.
بناء على ذلك اصبحت الجرائم البشعة التي ترتكب يوميا منذ خمسة أعوام في حق المدنيين السوريين لدى هذه الأوساط على هذا المستوى من الرخص واللامبالاة لمجرد أنهم ليسوا على نفس مذهبها، مع أنهم إخوة في الدم والعرق والهوية والتاريخ، بينما تقوم الدنيا لديهم ولا تقعد لمجرد أن شخصا على نفس مذهبها في أقصى القارة الأفريقية تمّ الاعتداء عليه.
من يتابع الإعلام العراقي المحسوب على السلطة يجد قد أناب مهمة ترويج الخطاب الطائفي الموجه ضد دول الجوار إلى عدد كبير من القنوات الفضائية والمواقع الإلكترونية التي حرصت إيران والتحالف الوطني على تأسيسها، إضافة إلى جوقة كبيرة من المثقفين (شعراء وكتاب وأدباء) اصطفوا في هذا الطابور والمئات من الحسابات الشخصية الوهمية في مواقع التواصل الاجتماعي لا تكف عن الترويج للعنف والخطاب الطائفي خاصة ضد دول الخليج.

بدا واضحا هذه الأيام أن طهران قد وضعت نصب عينيها تسييس موسم الحج في مكة من خلال دعوتها إلى تدويل عملية تنظيمه تحت ذريعة أن المملكة العربية السعودية عاجزة عن إدارته بشكل جيد، مع أن المملكة تتولى إدارة وتنظيم الحج وبشكل سلس منذ العشرات من السنين، إلا أن طهران ترى غير ذلك لأنها تحمل في أجندتها مشروعا لتسييس طقوس الحج والدفع بها إلى أن تكون ميدانا لصراع مذهبي سيحمِّلُ المسلمين من ممكنات الاحتراب الدموي أكبر مما هم عليه. ومع الأخذ بعين الاعتبار حالة التشرذم والتشظي التي أصبحت عليها أحوال العرب والمسلمين، فلو نجحت إيران في مسعاها فإن المنطقة ستكون ساعتها قد دخلت نفقا مظلما لا أحد يمكنه أن يرى نهاية له.
إزاء ما يجري من عملية تجييش طائفي بدأت تمارسه إيران بشكل غير معهود يتوجب على العربية السعودية ودول الخليج ألّا ينساقوا إلى ساحة هذا الخطاب، لأن الانزلاق إلى هذا المسار سيدفع الجميع إلى ما لا تحمد عاقبته، وهذا ما يسعى إليه المسؤولون في طهران. في مقابل ذلك ينبغي العمل على رفع مستوى الوعي المجتمعي لمواجهة الخطاب الطائفي عبر خطط وبرامج تشتغل على تكريس مفهوم المواطنة، ويأتي الإعلام في مقدمة هذه الوسائل.
وفي نفس الوقت، يتوجب التعامل بجدية تامة مع التهديدات باجتياح دول الخليج التي يطلقها بين فترة وأخرى البعض من قادة الميليشيات، لأنها ليست تصريحات عابرة إنما تحمل بين سطورها رسائل تستدعي الحذر الشديد وإلا سنجد أنفسنا أمام تفاصيل مستنسخة من المشهد السوري أو اليمني أو الليبي.
تعكس هذه التهديدات حقيقة المواقف التي يضمرها التحالف الوطني الحاكم إزاء الدول التي تجاور العراق، وليس بعيدا عمّا جرى في اليمن من عملية انقلاب مسلح قامت بها ميليشيا الحوثيين ضد النظام الشرعي، وبموجبها تراجعت عن التزامها بمخرجات العمل الوطني التي سبق أن وافقت عليها مع النظام وبقية الأطراف اليمنية، وما كان تمردها إلاّ جزءا من مقدمة المشروع الإيراني في منطقة الخليج.
ولن تخرج هذه المناورات السياسية في صورة من صورها عن حالة الشراكة القائمة بين الأميركان والإيرانيبن في التعامل والضغط غير المباشر على الأنظمة في المنطقة العربية من قبل واشنطن عن طريق طهران، ولربما هذه الشراكة هي ثمرة الاتفاقية الخاصة بمراقبة مشروع إيران النووي التي سبق أن وقعتها مع مجموعة 5+1.

الأربعاء، 7 سبتمبر، 2016

قنينة من زجاج في مياه الاطلسي https://www.alaraby.co.uk/texts/2016/9/3/%D9%82%D9%86%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D9%85%D9%86-%D8%B2%D8%AC%D8%A7%D8%AC-%D9%81%D9%8A-%D9%85%D9%8A%D8%A7%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B7%D9%84%D8%B3%D9%8A-1




قنّينة من زجاج في مياه الأطلسي


مروان ياسين الدليمي
3 سبتمبر 2016


هذا المساء
بعد أن قَطَعَت عنك أحدث النشرات الإخبارية سُحب الظلمة القابعة أمام النافذة وجَلدَت حائط منفاك ببضعة سطور، تبدو المسافة بينكَ وبين المدينة المطحونة بالخذلان غابة خضراء مفتوحة أمام عينيك، مع أنك تتأمّل ما يشتبك من أسئلة في وجهك وأنت تنظر في مرآة لا تحدّق فيك.
هل باتت الطريق أقرب ممّا ينبغي إليك، فأصبحتَ تشمّ رائحة ملوكٍ تشققّت محابسهم وهم ينفخون طيلة الليل في ناياتهم.
لم يعُد حلماً بعيد المنال
أن تُمسِك الهواء بكفّيك
أن تعود بشخابيط الطفولة لتجمع شظايا أشجار تُشبه وجهك وتستشنق هواءً بلون البنفسج على ذاك الجسر العتيق
وأنت كما لو أنكَ قنديل يبعث برسائل ضوء لصيّادين
ينامون في قواربهم ويحسبونها أحضان عشيقاتهم
مِن
بعد
أن
خذلهم
الانتظار.
بصوته العميق يهمس النهر في صحراء شرايينك بنسغ الحياة:
الفقهاء يحشرون حجج البيوت في قنّينة من زجاج بعد أن سقطت أسنان الحرب ثم يقذفونها في مياه الأطلسي
لا يشطح بك الخيال بعيداً وأنتَ في متحف من رمال
تبصر النوارس وهي تلهو
ما بين الماء والسماء
غير عابئة بما سيأتي.
تبدو على هذا الحال كلّما قرأت في صحف الصباح تصريحاً لمسؤول حكومي يؤكّد فيه أن الاستعداد لتحرير المدينة يجري على قدم وساق، إلاّ أنّك سرعان ما تصحو بعد نشرة أخبار أخرى، يعلن فيها مسؤول أميركي رفيع المستوى عدم جاهزية القوّات
تتراجع منكسراً إلى الخلف كندبة سوداء
بعيداً عن خرائط اليقظة
محشوراً في زاوية من الوقت الهارب منك أنّى يشاء.
أولئك الذين ينتجون نشرات أخبار من ماراثون فجائعنا
تشبه سقفاً كنسته الريح
بأيِّ أرضٍ سيدفنون ترابنا.
تعتصرنا الأخبار من حناجرنا
تحرمنا البوح بما نخبّئه من ألمٍ كُلّما هرستنا شجاعتنا

محرّرو النشرات الإخبارية يتعكّزون على سعاداتنا المهجورة
ليكسِروا ما تبقىّ من وطن نازح بين أضلعنا
ونحن هنا
نتضاءل بأحلامنا في مدن لن تعرفنا.

لعلّ الحياة بما فيها من حياة
ستزيد من شهوتنا إليها
أو تنحت فينا حياة أخرى تحكي قصّة الحياة
أو تترك فينا أثراً ستكفّ من بعده شهرزاد عن البوح في كلامها المباح.

السماء منذ ألف عام وأكثر تقطن هنا
فلماذا تاهت عنّا ولم تعد تحتفي بنا
ولا بالورد في حدائقنا
لماذا قصائد اللوعة ما عادت أعجوبة أشعارنا
ربما نجلس على الدكّة الخطأ
أو للصورة وجهٌ آخر.

مُختصر مُفيد : دستوريا ، اصبحت خيرات البلد حقّ إلهي مقدّس للمغتربين العراقيين (المجاهدين) في جنائن اوربا المقدّسة الى عاشر ظَهر . أمّ...