الأربعاء، 30 نوفمبر، 2016

http://www.raialyoum.com/?p=573164 رابط المقال في صحيفة راي اليوم

مروان ياسين الدليمي: محنة العرب السنّة في الموصل قبل سقوطها ومابعد تحريرها

marwan-yaseen-delimi.jpg777

مروان ياسين الدليمي

من ينسلخ عن فوضوية اللحظة الراهنة وهو يطل من شرفة التأمل في محاولة منه للخروج من قيد العواطف الشعبوية لتفكيك مشهد العرب السنة في مدينة الموصل منذ سقوطها في العاشر من شهر حزيران  عام 2014 ومانتج جراء هذا الحدث من تداعيات تراكمت بشظاياها ودمائها على صورتهم واصابتهم في كرامتهم ووطنيتهم وانسانيتهم،لابد له ان يخرج بنتيجة غير متوقعة لاتنسجم مع ماعُرف به عرب الموصل من خصال كريمة كرسّها تاريخهم الطويل في هذه المدينة منذ دخولهم اليها مع جيوش المسلمين عام637  م،لعل ابرز تلك الخصال التي وسمت حضورهم هي اعتدالهم في تدينهم وقدرتهم على التعايش مع اتباع الديانات الاخرى وابتعادهم عن الاساءة لمعتقدات الاخرين،إلاّ ان صورتهم اليوم قد اختلفت في كثير من تفاصيلها بعد ان اختطفهم تنظيم داعش لعامين ونصف،وبعد أن اصبحت خارطة المدينة وليمة مشتهاة من قبل قوى مختلفة الولاءات والهويات  اتفقت جميعها على تمزيقها كل حسب اجندتها اوالدور الموكل اليها.

أصبح العرب السنة في الموصل في حيرة كبيرة من امرهم بعد أن هبّت عليهم رياح التشرد والنزوح في مشهد آخر يضاف الى بقية فصول المحنة الانسانية التي لم يشهد العراق مثيلا لها منذ تأسيس دولته الحديثة عام1921 وكل المؤشرات التي يطفح بها المشهد العراقي ليس فيها مايبعث على التفاؤل،وعلى ان المحنة يمكن ان تصبح في يوم قريب من ذكريات الماضي طالما سلطة القانون قد تراجعت الى الخلف لصالح سلطة الميليشيات والتنظيمات الارهابية التي تقدمت عليها وتصدرت واجهة المشهد العام .

وبالاضافة الى صعوبة الاوضاع الانسانية التي يواجهها العرب السنة في الموصل هذه الايام بسبب الحرب الدائرة لتحرير مدينتهم  فإن محنتهم هذه سيتمخض عنها ماهو اشد قسوة مما يعانوه الآن، وهذا يعود الى غموض ماتم الاتفاق عليه من خطط مابين اطراف دولية واقليمية ومحلية حول الصورة التي ستكون عليها الموصل بعد تقسيمها،ومن المؤكد انها ستصيب ذاكرتهم بجرح عميق .

 إن مايشغل تفكير العرب السنة في الموصل يتعدى مسألة الخلاص من حكم تنظيم داعش الذي جثم على صدورهم لفترة تزيد على العامين ونصف الى ماستكون عليه مدينتهم بعد تحريرها،ودائما ما يطرح سؤال محدد بهذا الخصوص :هل ستعود المدينة مرة اخرى لتغرق في نفس الدوامة التي كانت تحكم حياة سكانها قبل العاشر من شهر حزيران  2014 بكل الامها ؟

 بمعنى هل ستعود العلاقة التي كانت تربط العرب السنة  بقوات الجيش العراقي والقوات الامنية الى نفس ماكانت عليه قبل سقوطها بكل ماشهدته تلك العلاقة من شرخ عميق حتى بدا الجيش بسببها وكأنه قوة محتلة وليس جيشا وطنيا مهمته  الاساسية حفظ الامن وصيانة كرامة المواطن ؟

هذا التساؤل  يتقدم على جميع القضايا الاخرى المعقدة التي ستواجه العرب السنة  بعد تحرير مدينتهم،لانهم ولوحدهم ــ من بين جميع مكوناتها ـــ كانوا بين مطرقة الجيش وسندان القوات الامنية،هذا اضافة الى وحشية الجماعات الارهابية التي طال اجرامها جميع المكونات دون استثناء .

من لم يعش في مدينة الموصل خلال الاعوام العشرة الماضية التي سبقت سقوطها تحت سلطة تنظيم داعش بما كانت تحمله من مشاهد تعج بصور الرعب والخوف لن يستوعب حقيقة القلق الذي يساور العرب السنة هذه الايام ،ولن يكون قادرا على تكوين رؤية موضوعية حول التحديات الحقيقية التي ستكون امامهم بعد ان ينزعوا عنهم الثياب الافغانية التي فرضها عليهم داعش ،وبقدر مايشعرون اليوم بفرح حقيقي يجتاحهم بعد ان نجحت القوات العسكرية العراقية من تحطيم الدفاعات الاولى لتنظيم داعش وسيطرت على عدد من الاحياء السكنية فيها إلاّ انهم لايستطيعون ان يخبئوا شعورا عميقا بالقلق بات يساورهم،وهذا الشعور لاصلة له بملفات ساخنة باتت تطرح على طاولة المفاوضات مابين اطراف محلية واقليمية والقت بظلالها الثقيلة على الحياة السياسية فيها مثل ملف تقرير مصير منطقة سهل نينوى الذي تسكنه اكثرية مسيحية الى جانب الايزيدين واقلية كوردية وعربية وشبكية،وسعي البعض من هذه الاطراف لأن يتحول هذا السهل الى محافظة مستقلة،واطراف اخرى تريد له ان يكون مرتبطا باقليم كوردستان،واخرى لاتخفي رغبتها في ان تصبح مدينة الموصل جزءا من تركيا.

في خضم هذا الجدل المحتدم بات مصير المدينة بمثابة بورصة يستثمر فيها جميع الفرقاء ملفات اخرى لاعلاقة لها بما يتطلع اليه جميع سكانها .

قلق العرب السنة الحقيقي ماعاد يتعلق بموضوعة المناطق المتنازع عليها  مابين بغداد وحكومة اقليم كوردستان حسب المادة 140  المثبتة في الدستور،ومن الممكن  حسم هذه القضية إن توفرت النية والارادة بعد تطبيع الاوضاع وعودة المهجرين اليها من سكانها الاصليين ومن ثم اللجوء الى خيار الاستفتاء الشعبي ليكون من خلاله الكلام الفصل لسكان هذه المناطق،مع اننا ندرك جيدا بان المفاوضات مابين الجانبين حول هذه المسألة ستأخذ حيزا كبيرا من الوقت والجهد،وعلى الارجح ستتأثر العلاقة مابين بغداد واربيل اثناء رحلة التفاوض الماراثونية وسيشهد خطها البياني تحولات وانعطافات مابين مد وجزر قبل ان يتم التوصل الى صيغة لحلها،وكلما تم التوصل الى تفاهم في وقت مبكر مابين بغداد واربيل كلما اصبحت الفرصة مؤاتية لكي تنعم المدينة واهلها بالسلم والامان والرخاء،والعكس صحيح ايضا .

إن حقيقة القلق الذي يراود العرب السنة في الموصل تعود اسبابه الى خطأ العلاقة التي كانت قائمة بينهم وبين قوات الجيش العراقي،وكان من نتائجها شيوع مناخ مشبع بمشاعر العداء والكراهية مابين الطرفين حتى ساعة سقوطها تحت سلطة داعش،تلك العلاقة بكل التباساتها كانت ثمرة تجاذبات متشنجة ومحتقنة كانت قائمة مابين الحكومة التي يرأسها المالكي وادارة محافظة نينوى،ثم ازدادت سوءا خلال الفترة التي تولى فيها اثيل النجيفي منصب محافظ نينوى حيث ارتفعت وتيرة الخلافات مابين بغداد والموصل بالصورة التي وصل فيها الشحن الطائفي الى مرحلة بالغة الخطورة بالشكل الذي تضررت بسببها علاقة الجيش العراقي بالعرب السنة الى الحد الذي اصبح فيه الاثنان في حالة عداء مستحكم،فكان من الطبيعي أن يصبح الطريق سالكا امام التنظيمات المتطرفة لكي تتمدد في المدينة ويصبح لها اذرعا طويلة وخفية للاستيلاء عليها قبل موعد سقوطها بعدة اعوام .

إذا لم تتوفر لدى جميع الاطراف السياسية سواء في بغداد او الموصل نية صادقة في عدم  تكرار اخطاء الماضي فإن الدماء التي نزفت لاجل تحرير محافظة نينوى ستذهب سدى،وسنكون امام مشهد سقوطها مرة اخرى تحت سلطة الجماعات المتطرفة .

لست اشك  في هزيمة تنظيم داعش عسكريا في الموصل امام القوات العراقية،لكني اشك في استتباب الأمن والاستقرار فيها بعد تحريرها ، لان الحكومة العراقية ومعها كافة القوى والاحزاب المشاركة في العملية السياسية لم تتهيأ للمرحلة التي ستعقب طرد تنظيم داعش منها.إذ لم نجد تحركاً فعلياً وجاداً لرسم صورة جديدة للحياة السياسية داخل المدينة بما يمنع تكرار الاخطاء التي تسببت في ما آلت اليه اوضاعها ، وعلى العكس من ذلك هناك اصرارا على تكرارها من قبل جميع الاطراف،فعلى سبيل المثال جميع المؤتمرات التي عُقدت في مدينة اربيل من قبل ادارة محافظة نينوى ومجلسها وبرعاية الحكومة العراقية إستعدادا لمرحلة مابعد داعش كانت قد دُعيت اليها نفس الوجوه التي تتحمل جزءا كبيرا من مسؤولية سقوطها،من رجال دين وقوى عشائرية واحزاب،لان هذه الرموز لم تفعل شيئا لمحاربة الافكار والتنظيمات المتطرفة طيلة الاعوام الثلاثة عشر الماضية، هذا إنْ لم تكن على قناعة بطروحاتها،فكان من الطبيعي ان تصبح حواضن فكرية واجتماعية لها ،وبهذا الصدد يمكن الاشارة الى ان احد الرموز العشائرية التي حضرت هذه المؤتمرات في اربيل سبق له ان بايع علنا وبشكل حماسي تنظيم داعش في اجتماع كبير داخل الموصل بعد ان استولى عليها التنظيم،وقد ضم ذاك الاجتماع عددا من زعماء ووجهاءعشائر مختلفة(يوجد في موقع اليوتب تسجيل مصور لهذه المبايعة )ولن يجد نفعا البيان الذي اصدره في اربيل هذا الزعيم العشائري في وقت لاحق،واعلن فيه تبرأه من تلك البيعة لانها جاءت حسب زعمه تحت الضغط والتهديد بالقتل من قبل تنظيم داعش. إن هذا الموقف الانتهازي مع السلطة ــ اية سلطة ــ الذي عبر عنه الشيخ العشائري المشار اليه ليس بجديد على المشهد العراقي تاريخيا،وسبق ان تورطت فيه معظم القوى الاجتماعية التقليدية،وفي مقدمتها القوى العشائرية ورجال الدين.

ولاجل تجريد كافة الجماعات التي تصطاد في ماء الطائفية والانتهازية ينبغي العمل في المرحلة القادمة على مقاطعة واستبعاد كافة القوى والشخصيات السياسية التي كانت تتصدر المشهد الموصلي قبل سقوطها. والأهم في هذا المسار استبعاد نموذج السلطة الغاشمة الذي سبق أن كرسه المالكي بعقليته الطائفية،لان هذه العقلية كانت سببا في كافة النتائج المأساوية التي شهدتها  المدينة وبقية مدن العراق التي توالى سقوطها تحت سلطة داعش.

الاثنين، 28 نوفمبر، 2016

http://www.raialyoum.com/?p=571236 صحيفة راي اليوم

أولاد الجّاه والأصول يُمكن أنْ يسقطوا في الخطيئة: لماذا ينضم اغنياء الموصل الى البغدادي؟  

 marwan-yaseen-delimi.jpg777

مروان ياسين الدليمي

أمس تناقلت وكالات الانباء نبأ مقتل وزير اعلام تنظيم داعش في ولاية نينوى المدعو(زياد خروفه)على اثر غارة جوية نفذتها طائرات التحالف الدولي .

الخبر للوهلة الاولى لايبدو بالنسبة للعالم خارج حدود مدينة الموصل يحمل بين تفاصيله ماهو مثير ويستحق التوقف عنده طويلا طالما ان المعركة حامية الوطيس هذه الايام عند اطرافها وتخومها،وبسبب القتال الدائر مابين قوات الجيش العراقي وطيران قوات التحالف الدولي من جهة وتنظيم داعش من الجهة الاخرى فمن الطبيعي ان يسقط من تنظيم داعش عشرات القتلى اضافة الى عناصر من قياداته .

إلاّ أن  الخبر كان له وقعه الخاص بالنسبة لسكان مدينة الموصل وحمل لهم بين طياته دلالة تستحق الوقوف امامها وتحليلها .

من المعروف لدى المجتمع الموصلي ان(بيت خروفه)من العوائل الشهيرة منذ القدم بثرائها في هذه المدينة ،حتى أن من يحاول أن يدّعي الثراء يقال له ” وهل انتَ من بيت خروفه ! ؟ “

هنا يمكننا ان نطرح تساؤلاً جوهريا من وحي هذه الحادثة التي شهدتها المدينة قبل يومين في خضم الحرب الدائرة بين ربوعها وفي جهاتها الاربع، قاصدين من وراء ذلك الاقتراب من ظاهرة الارهاب التي تجتاح المنطقة العربية والعالم لأجل  تفكيك العلاقة مابين التطرف والبيئة التي ينطلق منها .

الكثير منّا يعتقد جازما بأن المسحوقين طبقيا وحدهم لديهم الاستعداد الكافي في ان ينخرطوا بين صفوف التنظيمات المتطرفة والإرهابية للتعبيرعن حقدهم الطبقي تجاه الأثرياء،وهذا مايمكن ملاحظته في كثير من التقارير والدراسات التي تناولت ظاهرت التطرف الديني سواء بين اوساط الجالية المسلمة المقيمة في القارة الاوربية او في الدول والمجتمعات الاسلامية.

معظم تلك التقارير والدراسات تكاد ان تجمع في قراءتها لهذه الظاهرة على ان الشعور بالتهميش والاقصاء وانسداد فرص العيش بشكل عادل  كانت عوامل اساسية لنشوء ظاهرة التطرف بين الاوساط الفقيرة سواء في اوربا او في بقية البلدان العربية والاسلامية،وكأن اصحاب هذا الرأي يقطعون الشك باليقين بقناعتهم هذه التي يؤكدون فيها على ان الفقر هو الحاضنة النموذجية التي تنتعش فيها الافكار والتنظيمات المتطرفة،وعلى ان الارهاب قد لايجد له موطنا يتحرك فيه بحرية تامة افضل من الاحياء والاوساط المعدمة،وبذلك فإن اصحاب هذا الرأي يمنحون الاغنياء والمتعلمين صك البراءة من التلوث بفيروس التطرف والارهاب .

وإذا ماسلمنا جدلا بذلك فكيف يمكن لنا تفسير انخراط (زياد خروفه)بتنظيم داعش والذي كان يشغل بما يشبه منصب وزير الاعلام في ولاية نينوى والذي قتل يوم امس  الثلاثاء 23 نوفمبر وتم تشييعه في حي العربي  بالجانب الايسر من مدينة الموصل ؟

ونفس الحال ينطبق على شفاء النعمة مفتي تنظيم الخلافة في ولاية نينوى  وكما هو واضح ينتمي الى (بيت النّعمة)وهي عائلة موصلية عريقة لها سمعة طيبة جدا اشبه بليرة الذهب كما يقال،لكن هذا لم يمنع انخراط عدد من افراد هذه العائلة في تنظيم داعش وباتوا يشغلون مراكز قيادية في التنظيم حسب ما تسرّب من معلومات منذ الايام الاولى لسيطرة التنظيم على مدينة الموصل،مع ان عائلة(النّعمة)كانت ولفرط استقامتها تضرب بها الامثال، حتى انها وبسبب ماهي عليه من خصال حميدة تعد من ابرز واشرف العوائل الشهيرة في الموصل هذا إضافة إلى ثرائها والتزامها الديني المعتدل .

وبناء على ذلك لاينبغي ان نعلق اسباب التطرف اوالانخراط في صفوف التنظيمات الإرهابية على شماعة الفقراء والمسحوقين فقط إذا ما أردنا ان نكون منصفين وموضوعيين في رؤيتنا وتقييمنا لهذه القضية المعقدة في تكوينها وإلاّ سنقع في فخ التسطيح والابتعاد عن ملامسة تشابكات العوامل التي تقف وراء نشوئها واستفحالها بين مختلف الاوساط على الرغم من تباين مستوياتها الاقتصادية والتعليمية.

وهذا  يستدعي من  الناخبين في العراق عندما يتجهون الى صناديق الانتخاب في الايام القادمة لانتخاب المجالس المحلية أن لاينخدعوا ولايكونوا على درجة من السذاجة بما تجعلهم سذاجتهم يختارون ودون تفكير أبناء العوائل الثرية والشهيرة فيمنحوهم اصواتهم بذريعة أنهم(قد شبعوا تربية وفلوس) ولايمكن تصور سقطوهم في فخ الفساد او الجريمة أو الارهاب كما هو متداول وشائع في الثقافة العامة.

إن كل شخص لايمثل إلاّ نفسه ولاذنب لبقية أفراد عائلته بما يقترفه من اخطاء،ولن تستطيع اي عائلة مهما كان مركزها الاجتماعي والاقتصادي على درجة عالية من الرفعة والسمو أن تمنع أحد أبنائها من السقوط في الخطأ إذا ما حكَمَ القدر وتظافرت عوامل عدة على الإسراع في انحداره نحو الهاوية .


السبت، 19 نوفمبر، 2016

http://www.alarab.co.uk/article/%D9%85%D9%8A%D8%AF%D9%8A%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%88%D9%86%D9%84%D8%A7%D9%8A%D9%86/94721/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%82-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82%D9%8A-%D8%A3%D8%B3%D9%8A%D8%B1%D8%A9-%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D8%A7%D8%B5%D8%B5%D8%A9 رابط المقال في صحيفة العرب

لحقائق في الإعلام الرسمي العراقي أسيرة نظام المحاصصة

  • يمارس الإعلام العراقي الرسمي دور الضحية والجلاد في آن واحد، فهو خاضع لنظام محاصصة طائفية يفرض عليه صنفا معينا من الصحافيين والعاملين، ما انعكس على خطابه الإعلامي الذي أصبح يعاني من طائفية مزمنة في بلد يحتاج إلى أكبر قدر ممكن من الحياد الإعلامي والخطاب العقلاني.

العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 2016/11/14، العدد: 10455، ص(18)]

الخطاب الإعلامي الراهن الابن الشرعي للنظام السياسي

لم يشهد خطاب الإعلام الرسمي العراقي بعد عام 2003 تغييرا ملموسا في محتواه رغم استبدال الطاقم الذي كان يدير ماكينته منذ الأيام الأولى لتغيير النظام السياسي، ابتداء من الحلقات الصغرى التنفيذية وانتهاء بالحلقات الأوسع حيث الرؤوس الكبيرة التي تتولى عملية رسم الخطط والبرامج الاستراتيجية لكافة المؤسسات الإعلامية.
وأصبح المعيار الأساسي في أحداث هذا التغيير، اصطباغ المؤسسات الإعلامية الرسمية بالهوية المذهبية الواحدة لغالبية العناصر العاملة فيها، والانغماس في خطاب أحادي يفتقد إلى المعايير المهنية المعمول بها في المؤسسات الإعلامية الرصينة في العالم، وهو ما يعود بالدرجة الأولى إلى أن المنظومة الفكرية التي تعشش في أدمغة من يمسك بزمام إدارة المؤسسات الإعلامية الحكومية كانت ومازالت محكومة بهواجس الخوف من فقدان السلطة السياسية طالما أن عملية الوصول إليها قد تمت بطريقة غير شرعية.
ويمكن، بناء على هذه المعطيات، فهم أسباب عدم توفر قيم مثل الموضوعية والمهنية في خطاب إعلامي رسمي يعبر عن سلطة سياسية؟ وسيكون من المنطقي غياب المعايير الصحافية في السياق العام لهذا الخطاب، وبدلا عنها يتم تكريس التزييف والتزوير والتحريف، لأن النظام القائم لا يملك حجة وجوده وبقائه التي يواجه بها منتقديه وخصومه وأعداءه، سوى من خلال هذه الأساليب الإعلامية التي لا تجد بيئة نموذجية صالحة يمكن أن تعيش وتنتعش فيها سوى المجتمعات الشبيهة بمجتمعاتنا الشرقية، التي تنعدم فيها المسافة الفاصلة بين الخرافة والعلم، وتختلط صورة الفارس البطل مع صورة المجرم والسفاح، التي يضيع فيها صوت الحقائق في فوضى الأصوات النشاز.
ويصبح من المنطقي جدا أن النموذج الذي سينخرط في العمل الإعلامي حتى وإن توفرت فيه الحرفية العالية، سيكون أبعد من أن يحمل في داخله قيما إنسانية يدافع عنها ويستبسل من أجل إيصالها إلى المتلقي، فالحقائق لا تعني له أي شيء بقدر ما يكون حرصه منصبا على أن يكون خطاب السلطة فاعلا ومؤثرا.
ويفرز هذا الوضع نموذجين من الإعلاميين، فإما أن يكونوا جزءا من منظومة السلطة السياسية وعادة ما يتولى هؤلاء المناصب العليا التي تتحكم في تقرير ما ينبغي أن يكون عليه الخطاب، وإما أن يكونوا نماذج حرفية ينحصر فهمها المحدود لدورها في إطار تنفيذ ما هو مطلوب منها بأفضل ما يكون من الناحية الشكلية، وهذا النموذج يكاد يكون القاعدة العريضة التي تعتمد عليها مؤسسات السلطة الرسمية الإعلامية، ومن الطبيعي جدا أن تكون بينهم عناصر يتوفر فيها مستوى مميز من الذكاء والموهبة والحرفية بغض النظر عن مسألة افتقادهم إلى شرط المهنية، وقد حفل المشهد الإعلامي خلال الأعوام الثلاثة عشر الماضية بنماذج كثيرة من هذا الصنف بعضهم جاء من المنافي الأوروبية بعد أن تعلم هناك إلاّ أنه مارس دورا اعلاميا سيئا تساوى فيه مع آخرين لم تكن أمامهم أيّ فرصة لكي يعيشوا خارج العراق ويتعرفوا على تجارب البلدان المتقدمة في كيفية تعاطي مؤسساتها الإعلامية مع الوقائع والأحداث بقدر كبير من المهنية.
القاعدة العريضة من الإعلاميين ينحصر دورها في تنفيذ ما هو مطلوب منها بأفضل ما يكون من الناحية الشكلية
لقد ارتكب الإعلام الرسمي العراقي العديد من الانتهاكات والإساءات في حق المجتمع عندما تحول إلى منصة لإشاعة مشاعر التطرف والإرهاب وهذا يمكن ملاحظته في العديد من البرامج والفقرات خاصة في البث الفضائي، فكان أخطر حلقة مؤثرة في الواقع العراقي من ضمن حلقات ودوائر نظام المحاصصة الطائفية.
وكان آخر وأحدث نموذج لانحراف الإعلام الرسمي العراقي عن جادة المهنية، ما قام به مراسل لقناة العراقية الرسمية الناطقة باسم الحكومة والممولة من المال العام، خلال تغطيته لحرب تحرير الموصل من سلطة داعش.
كان المراسل، قد دعا صراحة ومن مقر إقامته في باريس قبل عام، وعبر صفحته في موقع تويتر إلى قتل جميع سكان الموصل من العرب السنة بالسلاح الكيميائي لأنهم جميعا دواعش حسب زعمه.
وكافأته قناة العراقية الرسمية، بمرافقة القوات العراقية عند أطراف المدينة، بدل أن يعاقب بالطرد، ليرتكب في مهمته الجديدة خطأ آخر لا يقل فداحة في نتائجه عن دعوته السابقة ولا يمكن لمراسل تتوفر فيه أبسط شروط المهنية أن يرتكبه.
وأخلّ المراسل بشرف المهنة ولم يحافظ على سرية المصادر التي ترفده بالمعلومات، فبعد أن وعد رجلا موصليا مُسنّا بأن لا يظهر صورته على الشاشة، مقابل أن يرشده إلى أحد البيوت التي تعاون ساكنوها مع تنظيم داعش في أحد الأحياء السكنية التي دخلتها القوات العراقية، لم يف المراسل بوعده وكشف صورة الرجل المسن في التقرير المصوّر.
ووضع المراسل حياة المسن في خطر، نظرا إلى أن المعركة لم تنته ومازالت في مرحلة الكر والفر، وهو ما يعتبر استهتارا بأخلاقيات المهنة، وكان من الواجب على الجهة الرسمية التي يعمل لديها ويمثلها في مهمته أن توجه له عقوبة قانونية تتناسب مع ما ارتكبه من انتهاك لضوابط العمل الإعلامي.
ولا يبدو أن أزمة الثقة بين خطاب الإعلام الرسمي والمتلقي العراقي، ستخرج من الزاوية الحرجة التي توجد فيها، طالما أن منتجي هذا الخطاب قد أقفلوا أبوابهم ونوافذهم على ما لديهم من معلومات ومعارف أكل الدهر عليها وشرب، ولم يعيروا أهمية لتجارب الآخرين الناجحة في استقطاب المتلقي، ومازالوا يستعملون اللغة ذاتها والمفردات الميتة المستندة إلى قانون “اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الآخرون” متجاهلين بذلك ما حصل من تطور هائل في لغة ووسائط الإعلام بالشكل الذي لم يعد فيه المتلقي أسير القنوات الإعلامية الرسمية للحصول على المعلومة.
http://www.raialyoum.com/?p=564285رابط المقال في صحيفة راي اليوم

مروان ياسين الدليمي: العراق: تغييب المهنية في الخطاب الاعلامي الرسمي  

marwan-yaseen-delimi.jpg777

مروان ياسين الدليمي

لم يشهد  خطاب الاعلام الرسمي العراقي بعد العام 2003 تغييراً ملموسا في محتواه رغم ان عملية استبدال  الطاقم الذي كان  يدير ماكنته قد تمت بنسبة عالية جدا منذ الايام الاولى لتغيير النظام السياسي ربما تصل الى  100% ابتدأ من الحلقات الصغرى التنفيذية وانتهاء بالحلقات الاوسع حيث الرؤوس الكبيرة التي تتولى عملية رسم الخطط والبرامج الستراتيجية لكافة المؤسسات الاعلامية.

ويمكن القول ان عملية تغيير القوى البشرية العاملة في الاعلام الرسمي العراقي لم يسبق لها ان شهدت مثل هذا الحراك  وعلى  هذه الصورة في جميع الانظمة التي تعاقبت على حكم العراق منذ الاطاحة بالنظام الملكي عام 1958وحتى سقوط نظام البعث بفعل الاحتلال الاميركي في 9ابريل 2003 خاصة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار العامل الطائفي بعد أن اصبح المعيار الاساسي في احداث هذا التغيير،وليس ممكنا انكار ذلك بعد ان اصطبغت المؤسسات الاعلامية الرسمية بالهوية المذهبية الواحدة لغالبية العناصر العاملة فيها  .

لعل بقاء الاعلام الرسمي على هذا المستوى من النمطية في بنية متنه الخطابي خاصة في مسألة افتقاده الى المعايير المهنية المعمول بها في المؤسسات الاعلامية الرصينة في العالم يعود بدرجة اساسية الى ان المنظومة الفكرية التي تعشعش في ادمغة من يمسك بزمام ادارة المؤسسات الاعلامية الحكومية كانت ومازالت محكومة بهواجس الخوف من فقدان السلطة السياسية طالما ان عملية الوصول اليها قد تمت بطريقة غير شرعية.

وفيما لو تجاوزنا مرحلة العهد الملكي التي لها ظرفها الخاص وبموجبها وضعت اللبنات الاولى لتأسيس الدولة العراقية الحديثة فإننا سنجد من تولى حكم العراق مثل حركة الضباط بزعامة عبد الكريم قاسم وحزب البعث والدعوة لم يصلوا الى سدة الحكم عبر السبل الشرعية التي تتيحها صناديق الانتخابات،بل  اختار الجميع  طريقا واحد واسلوبا واحدا في الوصول الى هذه الغاية وذلك بالاعتماد على القوة العسكرية،وليس مهما هنا هوية هذه القوة سواء كانت اجنبية ام محلية،فالمهم افتقارها  للشرعية القانونية والدستورية،وعلى هذا الاساس كيف يمكن القبول بفكرة توفر قيم مثل الموضوعية والمهنية في خطاب اعلامي رسمي يعبر عن سلطة سياسية استعملت طرقا غير شرعية لاجل أن  تستولي الى الحكم ؟

سيكون من المنطقي وفق هذه الصورة غياب وتغييب هذه المعايير في السياق العام لهذا الخطاب،وبدلا عنها سيتم تكريس التزييف والتزوير والتحريف،لان النظام القائم لايملك حجة وجوده وبقائه التي يواجه بها منتقديه وخصومه واعدائه سوى هذه الاساليب التي لاتجد بيئة نموذجية صالحة يمكن أن تعيش وتنتعش فيها سوى المجتمعات الشبيهة بمجتمعاتنا الشرقية لانها مازالت تعيش منفصلة عن الزمن الانساني العام وتقبع منعزلة في دهاليز واقبية زمنها الخاص حيث تنعدم فيه الرؤية الواضحة لحقيقة ذاتها وموقعها،ولتنعدم بالتالي المسافة الفاصلة مابين الخرافة والعلم وتختلط في مشاهد وفصول هذا الزمن الخاص صورة الفارس البطل مع صورة المجرم والسفاح،وصورة الدجال الافّاق مع صورة المفكر والفيلسوف،وليس افضل من هذه البيئة الموبوءة بالدجل حتى يضيع صوت الحقائق في فوضى الاصوات النشاز .

من هم الذين يشكلون عماد المؤسسات الاعلامية الحكومية ؟

من المنطقي جدا ان النموذج الذي  سينخرط بالعمل فيها حتى وأن توفرت فيه الحرفية العالية فإنه سيكون ابعد من أن يحمل في داخله قيما انسانية يدافع عنها ويستقتل من اجل ايصالها الى المتلقي،فالحقائق لاتعني له شيئ بقدر ما يكون حرصه منصباً على أن يكون خطاب السلطة فاعلا ومؤثرا.

في هذه الحالة سنكون أمام نماذج من الاعلاميين إما ان يكونوا جزءا من منظومة السلطة السياسية وعادة مايتولى هؤلاء المناصب العليا التي تتحكم في تقرير ماينبغي ان يكون عليه الخطاب،أو ان يكونوا نماذج حرفية ينحصر فهمها المحدود لدورها  في اطار  تنفيذ ماهو مطلوب منها بافضل مايكون من الناحية الشكلية،وهذا النموذج يكاد ان  يكون القاعدة العريضة التي تعتمد عليها مؤسسات السلطة الرسمية الاعلامية،ومن الطبيعي جدا ان نجد بينهم عناصر يتوفر فيها مستوى مميز من الذكاء والموهبة والحرفية بغض النظر عن مسألة افتقادهم الى شرط المهنية،وقد حفل المشهد الاعلامي خلال الاعوام الثلاثة عشر الماضية بنماذج كثيرة من هذا الصنف بعضهم جاء من المنافي الاوربية بعد ان تعلم هناك إلاّ انه مارس دوراً اعلاميا سيئا تساوى فيه مع آخرين لم يكن امامهم اية فرصة لكي يعيشوا خارج العراق ويتعرفوا على تجارب البلدان المتقدمة في كيفية تعاطي مؤسساتها الاعلامية مع الوقائع والاحداث بقدر كبير من المهنية .

لقد ارتكب الاعلام الرسمي العراقي العديد من الانتهاكات والاساءات بحق المجتمع عندما تحول الى منصة لاشاعة مشاعر التطرف والارهاب وهذا مايمكن ملاحظته في العديد من البرامج والفقرات خاصة في البث الفضائي ،فكان اخطر حلقة مؤثرة في الواقع العراقي من ضمن حلقات ودوائر نظام المحاصصة الطائفية.

وفيما لو اردنا ان نستعرض نماذج لهذا المسار الذي انحرف فيه الاعلام الرسمي العراقي عن جادة المهنية فبامكاننا ان نختار الكثير  لكننا آثرنا أن نكتفي بآخر وأحدث نموذج افرزه خلال حرب تحرير مدينة الموصل من تحت سلطة داعش،ويعمل هذا النموذج بصفة مراسل لقناة العراقية الرسمية الناطقة باسم الحكومة العراقية والممولة من المال العام،ولاننا لانهدف من وراء ذلك التشهير بشخصه بقدر ما سيكون بالنسبة لنا بمثابة عينة واضحة نستعين بها للاشارة الى ماوصل اليه خطاب  الاعلام الرسمي من طائفية وتطرف بالشكل الذي اصبح ينهل مفرداته من نفس البركة التي ينهل منها خطاب التحريض الطائفي للقوى والجماعات الاسلامية المسلحة المتطرفة مثل تنظيم داعش سنرمز له بالحرف(س).

المراسل المعني بالموضوع وانطلاقا من دوافع طائفية كان قد دعا صراحة ومن مقر اقامته في باريس قبل عام من الآن وعبر صفحته في موقع تويتر الى  قتل جميع سكان الموصل من العرب السنة بالسلاح الكيمياوي لانهم جميعا دواعش حسب زعمه ! . وبدل ان يعاقب بالطرد نتيجة دعوته هذه، كافأته قناة العراقية الرسمية في مرافقة القوات العراقية المتجحفلة عند اطراف المدينة وليرتكب في مهمته الجديدة خطأ آخر لايمكن لمراسل تتوفر فيه ابسط شروط المهنية ان يرتكبه وذلك عندما أخلّ بشرف المهنة ولم يحافظ على سرية المصادرالتي ترفده بالمعلومات،فبعد ان كان قد وعد رجلا موصليا مُسنّاً بأن لايظهر صورته على الشاشة في مقابل ان يرشده الى احد البيوت التي تعاون ساكنوها مع تنظيم داعش في احد الاحياء السكنية التي دخلتها القوات العراقية لتطهيرها منهم،وجدنا المراسل(س)لم يف بوعده وكشف صورة الرجل المسن في التقرير المصوّر،بذلك وضع حياة هذا المسن في خطر شديد نظرا لان المعركة مع الارهابيين داخل مدينة الموصل لم تنتهي بعد ومازالت في مرحلة الكر والفر، وكان من الواجب على الجهة الرسمية التي يعمل لديها وكذلك نقابة الصحفيين العلااقيين ان توجها له عقوبة تتناسب مع مارتكبه من انتهاك لضوابط العمل الاعلامي .

إن ازمة الثقة مابين خطاب الاعلام الرسمي والمتلقي العراقي لايبدو انها ستخرج من الزاوية الحرجة التي هي  فيها طالما كان منتجو هذا الخطاب قد اقفلوا ابوابهم ونوافذهم على مالديهم من معلومات ومعارف اكل الدهر عليها وشرب،وعلى مايبدو فإنهم  لايعيرون اهمية لتجارب الاخرين الناجحة في استقطاب المتلقي،ومازالوا يستعملون ذات اللغة والمفردات الخشبية المستندة على قانون “اكذب ثم اكذب حتى يصدقك الاخرون ” متجاهلين بذلك ماحصل من تطور  في لغة ووسائط الاعلام بالشكل الذي لم يعد فيه المتلقي اسير القنوات الاعلامية الرسمية للحصول على المعلومة.

الخميس، 17 نوفمبر، 2016

http://www.alarab.co.uk/article/%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1/95071/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82-%D9%85%D8%B1%D9%87%D9%88%D9%86-%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%AA%D9%8A%D9%86 رابط المقال في صحيفة العرب

العراق مرهون بين سلطتين

مشكلة النظام السياسي القائم في العراق تكمن في أنه قد رهن مستقبل البلاد بخارطة طريق عنوانها المحاصصة الطائفية.

العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 2016/11/18، العدد: 10459، ص(12)]

التحدي الأكبر الذي يواجه القوى السياسية في العراق ينحصر في قضية بناء دولة تقف على مسافة واحدة من الجميع، وهذا يعني العمل على بناء أرضية واقعية توفر الفرصة لتحقيق عيش مشترك، ونتيجة لانحسار مشاعر الثقة بين مكونات المجتمع العراقي فإن الأصوات التي باتت تنادي بخيار التقسيم أخذت تلقى آذانا صاغية لدى أوساط واسعة ومن مختلف المكونات ولم يعد الأمر مقصورا على المسيحيين والأيزيدية الذين تعرضوا لعمليات تهجير جماعية، بل تعدى ذلك ليشمل العرب السنة الذين كانوا طيلة الأعوام التي أعقبت الاحتلال الأميركي يعارضون أي صوت يدعو إلى فكرة إقامة فيدراليات.
إلاّ أنهم وبعد أن تعرضوا إلى عملية تقويض لوجودهم الاجتماعي والسياسي رغم الثقل السكاني الكبير الذي يشكلونه وجدنا بينهم من يدعو إلى الفدرلة أو التقسيم وحتى الانفصال؛ فالتشكيك في إخلاصهم لبلدهم من قبل السلطة واتهامها لهم بتقديم ولائهم للمملكة العربية السعودية على حساب ولائهم لبلدهم، واختزال شعورهم في القهر والاضطهاد، تعود أسبابه إلى أنهم قد فقدوا سلطة الحكم وليس لأنهم أصبحوا تحت ظلم السلطة وقهرها.
كل هذه العوامل وأخرى غيرها كانت كافية لكي تدفع أصواتا من بين العرب السنة إلى إعلان تأييدها لمشاريع تقسيم العراق إلى أقاليم تدير شؤونها بعيدا عن هيمنة النظام القائم في بغداد، أيضا يأتي تأييدهم لمثل هذه الدعوات في إطار مواجهتهم لكل ما شرعنه النظام السياسي القائم من قرارات تفوح منها رائحة الطائفية كان الهدف منها إزاحتهم باعتبارهم مكونا اجتماعيا من المشهد السياسي، إضافة إلى تدمير فرص التعايش ما بينهم وبين بقية مكونات المجتمع،. لعل أبرز تلك القرارات على سبيل المثال ما يتعلق منها بدمج الميليشيات (الشيعية) في الأجهزة الأمنية والعسكرية، في مقابل تصفية ما يسمى بعناصر الصحوة (ميليشيا عشائرية سنية أسسها ودعمها الأميركان) التي أخذت على عاتقها محاربة تنظيم القاعدة في صحراء الأنبار ما بين عامي 2006 و2008 وتمكنت من هزمه.
أضف إلى هذا ما يتعلق بسلسلة إجراءات تم بموجبها استبعاد الضباط العرب السنة والجنود من العودة إلى صفوف الجيش العراقي، إلى غير ذلك من القرارات التي طالت أساتذة وأكاديميين منعتهم من تولي مناصب إدارية في الجامعات التي يدرّسون فيها.
لا شك في أن كلفة الحرب على تنظيم داعش باهظة، ونظرا لأهمية ما ستتمخض عنه من نتائج ستضع العراق أمام تحديات صعبة سيكون فيها أمام مفترق طرق فإما أن يكون بلدا موحدا قويا وإما ينتهي به المطاف إلى حالة من التشرذم ومن ثم الزوال.
من هنا سيكون من الصعب القول إن هذه الحرب لا جدوى منها حتى لو تحقق النصر إذا لم يترافق معه موقف واضح تبديه السلطة العراقية باتجاه نزع فتيل الاحتقان الطائفي والقومي بين مكونات المجتمع، بعد أن وصل الاحتقان إلى مرحلة بات فيها التعايش غير ممكن على الأقل ما بين السنة والشيعة.
وإذا سلمنا جدلا بتوفر النية الصادقة لنزع فتيل هذا الاحتقان فإن ذلك يفرض على الحكومة أن تتخذ سلسلة خطوات في هذه المرحلة المصيرية التي تخوض فيها البلاد حربا ضروسا ضد تنظيم داعش، أولاها أن تكون حازمة في معاقبة كل من يثبت تورطه في ارتكاب انتهاكات تتعرض لحقوق الإنسان وكرامته، خاصة وأن هناك حوادث كثيرة بهذا الخصوص قد وقعت سواء في الأنبار أو في صلاح الدين أثناء عمليات المواجهة مع تنظيم داعش. وكانت قد أشارت إلى هذه الحوادث تقارير المنظمات الدولية المختصة بحقوق الإنسان. ولعل أحدث مشهد من هذه الانتهاكات ما تم تداوله هذه الأيام على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وفيه يظهر جنود عراقيون يقتلون صبيا صغيرا ومن ثم يسحقونه تحت عجلات دبابة عسكرية.
بصرف النظر عما جرى من انتهاكات فإن السلطة العراقية قادرة على أن تحد منها بشكل كبير فيما لو اتخذت إجراءات قانونية رادعة بحق من يتورط في ارتكابها وهي بذلك ستبعث برسالة واضحة للجميع مفادها أن الحرب موجهة ضد تنظيم داعش وليست ضد طائفة بعينها.
العراقيون بحاجة إلى سلطة تحترم القانون بقدر احترامها لكرامة الإنسان، ولو كان النظام السياسي في بغداد قد كرس ثقافة احترام القانون بين أجهزته الأمنية والعسكرية لما تمكنت التنظيمات الطائفية المسلحة من أن تستثمر هذه الثغرة للنفاذ منها والتوغل بين صفوف المتضررين جراء سياسات التمييز الطائفي وتجذب منهم الكثير إلى صفوفها.
وبقدر ما يتحمل الفكر الذي تتبناه التنظيمات الطائفية المسلحة مسؤولية ما يشهده العراق من عنف وتدمير يتحمل النظام السياسي هو الآخر جزءا كبيرا من هذه المسؤولية لأن ممارسات أجهزته الأمنية والعسكرية الطائفية خاصة في المدن التي تقطنها غالبية عربية سنية قدمت لهذه التنظيمات فرصة لم تكن تحلم بها فاستثمرتها أفضل استثمار وتمكنت من أن تبني لها حواضن بين سكانها.
حتى هذه اللحظة لم يصدر عن السلطة في العراق ما يشير إلى أنها عازمة على مراجعة سياساتها الخاطئة التي أوجدت هذا الشرخ الطائفي رغم ثقل التحديات التي باتت تواجهها الدولة بسببها، وفي مقدمتها تلك التركة الثقيلة من الجروح الاجتماعية المتمثلة في قائمة طويلة من القتلى والعاطلين عن العمل والمعوقين والأرامل والأيتام والأطفال المحرومين من التعليم.
مشكلة النظام السياسي القائم في العراق تكمن في أنه قد رهن مستقبل البلاد بخارطة طريق عنوانها المحاصصة الطائفية، كانت قد تواطأت على تكريسها كافة القوى والأحزاب المشاركة في العملية السياسية، ومن هنا باتت أبواب الجحيم مفتوحة في وجه العراق، حتى أن مصطلح “المجتمع الرهينة ” أصبح ينطبق عليه كما ورد في كتاب د.فارس كمال نظمي “الأسلمة السياسية في العراق”، وسيكون من المنطقي أن تخضع الرهينة لإرادة خاطفها، ولن يبقى لديها سوى الحلم بالحرية الإنسانية، إلاّ أن هذا الحلم سيتضاءل يوما بعد آخر طالما تمادى الخاطف في أساليب القهر وطالما الرهينة مالت إلى الرضوخ والاستسلا
كاتب عراقي

مروان ياسين الدليمي

الاثنين، 14 نوفمبر، 2016

رواق 172



رواق 172
اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي
العناوين:
- أولوية تأهيل الاطفال الهاربين من تحت سلطة داعش
- منشور يخص ولايعم   /     محسن ضمد
- مواطنون يسدّون فراغ الحكومة بإعمار المدارس/ صحيفة المدى
- مستقبل الموصل والعراق بعد هزيمة «داعش»؟ / هشام منّور
- اجراءات لابد منها لقطع الطريق امام التنظيمات الارهابية



الأحد، 6 نوفمبر، 2016

http://alarab.co.uk/article/search/93915/%D9%87%D8%B2%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A8%D8%BA%D8%AF%D8%A7%D8%AF%D9%8A-%D9%88%D8%A2%D8%AE%D8%B1%D9%8A%D9%86-%D9%81%D9%8A-%D8%AE%D8%B7%D8%A7%D8%A8%D9%87-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%8A%D8%B1



هزيمة البغدادي وآخرين في خطابه الأخير

لماذا هاجم البغدادي تركيا والسعودية من بين جميع الدول الإسلامية، ولم يتعرض على سبيل المثال إلى إيران؟ فهل كانت خطورة أنقرة والرياض على تنظيمه أكبر من خطورة طهران؟ ومن هي القوى التي ستكون مستفيدة من دعوته إلى تدمير هاتين الدولتين؟

العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 2016/11/04، العدد: 10445، ص(9)]

خطاب زعيم تنظيم الخلافة الأخير الذي تم تداوله الخميس 3 نوفمبر 2016 على مواقع التواصل الاجتماعي كشف عن وضع نفسي متأزم يمر به البغدادي، وعلى الأغلب فإن ذلك يعود إلى طبيعة ما يواجهه تنظيمه من تراجع كبير في مساحة الأرض التي بات يتحرك عليها في العراق وسوريا وليبيا، فالخسائر العسكرية التي تكبدها خلال عام 2016 أفقدته الكثير من مصادر قوته التنظيمية والبشرية والمالية وما عادت الأبواب مفتوحة أمامه كما كان عليه الحال قبل عامين من الآن عندما اقتحم بضعة أفراد تابعين للتنظيم لا يتجاوز عددهم العشرات مدينة الموصل في 10 يونيو 2014 ومن ثم اكتسحوا دون مقاومة تذكر مدن صلاح الدين والأنبار وديالى.
لعل أبرز ما يواجهه تنظيم الخلافة هذه الأيام الخسائر التي بات يتكبدها وهو يواجه القوات العراقية التي ابتدأت مع عمليات تحرير محافظة صلاح الدين ثم الأنبار، ولتكون مسك الختام مدينة الموصل حيث اشتد الطوق حول عناصره وباتوا مدركين أن سقوط دولة الخلافة التي سبق أن أعلنوها بات أمرا غير قابل للنقاش، خاصة بعد أن دخلت طلائع الجيش العراقي عددا من الأحياء السكنية في مركز مدينة الموصل نهاية هذا الأسبوع، ولم تعد مسألة حسم المعركة سوى مسألة وقت، قد يقصر أو يطول تبعا لمجريات القتال لكن النتيجة ستكون هزيمة التنظيم.
في الخطاب المشار إليه كرس البغدادي هجومه على الدول الإسلامية السنية ممثلة بالمملكة العربية السعودية وتركيا، وألقى عليهم باللائمة والمسؤولية إزاء ما يجري على المسلمين من ظلم مصدره الغرب الصليبي، حسب زعمه، لأنهم تحالفوا معه ضد جند دولة الخلافة، ومن ثم ليطلب من عناصر تنظيمه أن يضعوا تركيا والمملكة السعودية نصب أعينهم لإشاعة الفوضى والدمار فيهما.
دعوة البغدادي هذه كانت بمثابة دليل على أن كل ما تم تداوله من تقارير تفيد بوجود علاقة وثيقة تربط بين حكومتي البلدين مع تنظيم داعش لم تكن ترقى إلى المصداقية، ولم تكن إلا جزءا من حرب إعلامية روجت لها دوائر صحافية واستخباراتية غربية وإيرانية، كان الهدف منها خلط الأوراق وجعل هذين البلدين في موقف ضعيف ومحرج بالشكل الذي يلتقي فيه هذا المسعى مع الجهود التي بذلت من قبل أميركا وإيران وبشتى السبل لإشاعة الفوضى في منطقة الشرق الأوسط على إثر تصاعد موجة الربيع العربي مطلع العام 2011، بغض النظر عن الأنظمة التي تحكم دول المنطقة وصولا إلى إعادة ترسيم حدودها من جديد.
لماذا هاجم البغدادي تركيا والسعودية من بين جميع الدول الإسلامية، ولم يتعرض على سبيل المثال إلى إيران؟ فهل كانت خطورة أنقرة والرياض على تنظيمه أكبر من خطورة طهران؟ ومن هي القوى التي ستكون مستفيدة من دعوته إلى تدمير هاتين الدولتين؟
لا شك أن إيران هي المستفيد الأول لأنها ومنذ مجيء نظام الملالي إلى السلطة عام 1979 أعلنت عزمها صراحة على تصدير الثورة الخمينية إلى العالم الإسلامي، وخاصة الدول العربية بما يعني سيطرتها عليها بعد إسقاط أنظمتها والمجيء بأنظمة على شاكلة نظامها، وهذا ما دفع صدام حسين إلى أن يتواجه مع نظام طهران في حرب مهلكة دامت ثمانية أعوام (1980 – 1988).
ومثلما كشف هذا الخطاب زيف الادعاءات بوجود علاقة بين أنقرة والرياض مع تنظيم الخلافة، فقد أثار أيضا علامات الاستفهام حول طبيعة العلاقة التي يرتبط بها أبوبكر البغدادي مع نظام طهران بالشكل الذي منعته هذه العلاقة من أن يذكره بسوء ولو بحرف واحد، وهذا ما يدعونا إلى التساؤل عن أسباب التزام البغدادي السكوت إزاء سياسات إيران الطائفية في المنطقة العربية وتدخلاتها السافرة في شؤون أنظمتها الداخلية كما هو في سوريا ولبنان واليمن.
كان من الممكن أن تتبدد هذه التساؤلات فيما لو توقف البغدادي ولو بكلمة واحدة أشار فيها إلى حجم النفوذ الإيراني وتمدده في المنطقة لكنه لم يفعل.
سيبقى الباب مفتوحا لتنهال منه الأسئلة التي سترسم دائرة من الشك والغموض حول حقيقة العلاقة التي يرتبط بها تنظيم الخلافة، والبغدادي شخصيا، مع نظام طهران، ولن تتوقف هذه الأسئلة إلا بعد أن يخرج علينا مرة أخرى بخطاب جديد يكشف فيه حقيقة علاقته بنظام طهران، ضده أو معه، مثلما كشف خطابه الأخير زيف الادعاءات بوجود علاقة تربطه بأنقرة والرياض.
ونظن أن الوقت قد حان بعد هذا الخطاب حتى تتقدم الحكومة العراقية بخطوة جديدة إلى الأمام تعيد فيها النظر إلى سياساتها المتشنجة مع تركيا والمملكة العربية السعودية، وأن تضع في حساباتها توظيف هذه العلاقة في إطار مواجهة تنظيم داعش وهزيمته، لأن المعركة مازالت طويلة وتحتاج إلى تضافر الجهود الإقليمية مثلما تحتاج إلى تلاحم أبناء البلد الواحد.
كاتب عراقي

مروان ياسين الدليمي

https://www.alaraby.co.uk/texts/2016/11/5/%D9%85%D8%A7-%D8%AA%D8%A8%D9%82%D9%89 العربي الجديد

ما تبقّى
مروان ياسين الدليمي
5 نوفمبر 2016

مضى صمتُنا في كينونةِ المطر
عزمُنا بات على دكّةٍ بلهاءَ لم تعد تذكّرنا
بضغائنِ ليلٍ لا يملكُ نافذة
غُرباء كُنّا
نَحملُ جماجمَ ضَجرة
في مُدنٍ مُتخمةٍ بالموت.
كُنّا نعلمُ أنّ للمعنى سواحل موجعة
سننقشُ فوق ثراها رنينَ تشرُّدِنا
كُنّا نعلمُ بأنّنا نتصفّح غفلتنا قبل مجيئِها
لكنّا أزحْنا صوتَ الماءِ
وشرِبنا ظلامَ الطرقات.
ما تبقّى صرخةٌ
تقاومُ النّحر
ضدَّ هامةٍ يستهويها التّعري أمام كابوسِ الدّم.
في وقتٍ من ضَبابِ السُّم
أنا بذرةُ انتباهٍ في غابةٍ من خَرَسْ
خطوةٌ لامعةٌ
بأصابعَ من دهشةٍ
تتلمّسُ فجراً شاهقاً.

* شاعر من العراق        

الأربعاء، 2 نوفمبر، 2016

http://www.alarab.co.uk/article/%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1/93826/%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AF%D9%86%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82رابط المقال في صحيفة العرب

الحرب على الحريات المدنية في العراق

المواجهة العسكرية مع التنظيمات التكفيرية والإرهابية مثل تنظيم داعش تبدو أبسط بكثير من مواجهة الأفكار والمعتقدات التي لا تحترم حرية الإنسان في التفكير والقول والمعتقد والممارسة.

العرب مروان ياسين الدليمي [نُشر في 2016/11/03، العدد: 10444، ص(9)]

تقف الحريات المدنية في العراق عند مفترق طرق، تبدو فيها وكأنها باتت على المحك، ربما ستشهد الأيام القادمة انحسارا واضحا في المساحة التي تتحرك فيها سواء في صيغ التفكير أو في ممارسات يومية يعبر فيها الأفراد عن حرياتهم الشخصية، بما يعني أن العراق سيشهد انتكاسة كبيرة في هذا الإطار، وأن منظومة الحريات ستعود أدراجها إلى ما قبل عام 2003.
تصاعد هذه المخاوف لدى المراقبين يأتي بعد كلمة نوري المالكي الأمين العام لحزب الدعوة الحاكم التي ألقاها في مؤتمر الصحوة الإسلامي الذي عُقد في بغداد، السبت 22 اكتوبر 2016، بحضور رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي وعدد من الشخصيات العراقية والإسلامية، وممثلين عن 26 دولة إسلامية. وقد جاء في نص كلمته “إن العدوّ له مخططات ولنا مخططات، ومخططات العدوّ هي إشاعة الأفكار المنحرفة. في العراق اليومَ هناك حركات ومنظمات مرتبطة بأجندات ومخابرات ومشاريع أجنبية بدأت تشيع في المكتبات وفي الكتب وفي أحاديثهم ما يجعل الشاب المتطلع إلى الدور الإسلامي يبدو يائسا”.
واضح جدا، عودة النغمة ذاتها التي سبق أن تعودنا عليها في لغة الأنظمة السابقة التي حكمت العراق، ولعل غالبية الأنظمة في المنطقة العربية التي عادة ما يحكمها حزب واحد أو سلطة عسكرية تتشارك جميعها في تصدير مثل هذه اللغة التي يتم فيها التركيز على وجود أجندات أجنبية تقف وراء نشاط المثقفين ومنظمات المجتمع المدني، بمعنى التشكيك في ولائها للوطن وعمالتها للأجنبي، إلى غير ذلك من هذه الصيغ الجاهزة والمستهلكة التي يتمّ رميها على كل صوت لا يتفق مع منهج وخطاب السلطة أو الحزب الحاكم.
من يراقب المشهد السياسي العراقي بموضوعية ويتابع ما يصدر عن أصحاب القرار من تصريحات وقوانين سيجد إمكانية أن تحدث مثل هذه الردة في العراق أمرا متوقعا، طالما أن من يحكمه لم يأت إلى عرش السلطة محمّلا بأفكار ليبرالية فيها ما هو قابل للمناقشة أو التعديل أو التبديل، بل جاء وهو يحمل عقائد وأيديولوجيات دينية وطائفية منغلقة على نفسها وعلى زمنها، وأمثال هؤلاء مهما ادّعوا إنصافهم للحريات المدنية فإنهم في لحظة معينة يكشفون عن احتقارهم لها ولأيّ فكر لا ينسجم مع فكرهم الذي عادة ما يسبغون عليه هالة من التقديس، لأنه، حسب اعتقادهم، مستلهم من فكر له صفة القداسة.
ما يدعو إلى التساؤل أن مؤتمر الصحوة الإسلامية الذي عقد في بغداد نهاية الشهر الماضي والذي تصدر جلساته نوري المالكي، جاء توقيت افتتاحه قبل ساعات معدودة من إعلان البرلمان تصويته على قانون حظر الخمور والذي غطت أصداؤه على أحداث الحرب التي يخوضها الجيش العراقي لتحرير مدينة الموصل من سلطة داعش.
فهل كان تزامن الحدثين اعتباطيا، أم أنه جاء وفق حسابات مدروسة خاصة وأن الهدف من عقد المؤتمر يأتي ردا على الأفكار التي تهدف إلى النيل من الأحزاب الدينية كما جاء في نص كلمة المالكي التي ألقاها في افتتاح المؤتمر؟
من المؤكد أن الربط بين الحدثين أمر وارد، لأننا أمام جهة دينية واحدة تقف وراء إقامة المؤتمر وكذلك قانون حظر الخمور، ولا أحد غير هذه الجهة يستشعر بالخطر وبشكل دائم ومرضي كلما تعالى الصوت مطالبا بالدفاع عن الحريات الفردية، لا أحد غيرها يكره حرية الاختلاف والخروج عن مسار القطيع، لا أحد غيرها مهووس بالسلطة لأجل السلطة وليس لأجل إحداث التغيير الملموس في حياة المجتمعات التي تحكمها، ولأنها عاجزة عن إيجاد حلول سليمة ونافعة للأزمات التي تعيشها شعوبها تشعر بقلق دائم على مستقبلها السياسي وعلى سلطتها، وهذا يعود بطبيعة الحال إلى أنها تدرك جيدا عجزها عن إيجاد وتوليد أفكار ومعالجات واقعية تؤهلها لزيادة رصيدها الشعبي بما يضمن بقاءها على رأس هرم السلطة، من هنا تلجأ إلى سلطة الخوف والرعب والتخوين والتضييق على الحريات المدنية، ابتداء من شرب الخمر وانتهاء إلى الزج بالذين يختلفون معها في المعتقلات أو تصفيتهم.
لا شك أن البلاد ستدخل مرة أخرى في نفس النفق المظلم الذي كانت عليه قبل عام 2003 من حيث التضييق على حرية التعبير بعد أن كـان المناخ العام قد شهد خلال الأعوام الثلاثة عشر الماضية انفراجا واضحا، حيث غابت الرقابة تماما عن الكتب ولم تعد هناك عمليات مصادرة لأي عنوان سواء ما يأتي من خارج العراق أو التي يتم طبعها في الداخل، بل على العكس وجدنا السوق الثقافي يشهد حركة وازدهارا إذا ما قورن بالفترة التي سبقت سقوط نظام البعث، وربما لن نجد ما ينافسه في بقية الـدول العربية بهـذا المنحى، لأن كـل ما يسعى إليه القراء يجدونه مطروحا في المكتبات، وما من رقيب على أي عنوان، إلاّ أن الخوف بات يلازم العاملين في المشهد الثقافي هذه الأيام وأصبحوا يتوقعون المزيد من الإجراءات التي ستقيد الحريات، ولعل حرية الكتابة والمطبوعات ستكون في مقدمتها وهذا ما كشفته كلمة المالكي في المؤتمر المشار إليه، بما يعني أن المواجهة حول الحريات بين السلطة والمجتمع قادمة، خاصة بعد أن تهدأ الحرب ضد تنظيم داعش.
السؤال الذي يطرح هنا: كيف سيكون شكل هذه المواجهة؟
من الطبيعي أنها لن تكون مواجهة عسكرية بل ستعبر عن حضورها في قرارات وقوانين على شكـل فرمانات وفتـاوى ستصدر عن السلطة، بموجبها ستوضع الكثير من الأنشطة والفعاليات الفنية والثقافية في خانة المنع والتحريم خاصة تلك التي تعكس صور الاختراق أو الغزو الفكري الأجنبي، كما يتصور دعاة مؤتمر الصحوة الإسلامية.
لم يعد خافيا على أحد أن المالكي لم يبد مرونة كـافية في شخصيته بما يجعـل التكهـن بإمكانية أن ينفتح على أفكار الآخرين ويتراجع عن قناعاته ومواقفه المتصلبة والمتزمتة، وقد كشف عن ذلك في أكثر من موقف خاصة إذا ما وجد شخصية سياسية مشاركة في العملية السياسية تقاطعت معه، فسرعان ما يحوك لها مؤامرة تطيح بها، ولأجل ذلك عمل خلال سنوات حكمه التي امتدت لثمانية أعوام على أن يجعل من سلطة القضاء العراقي خاضعة لنفوذه، ولو عدنا بالذاكرة إلى الوراء قليلا واستعـرضنا عـدد الشخصيـات التي نال منها المالكي لمجرد أنها اختلفت معه في الرؤية سنجد أسماء كثيرة، منها ما كانت تتـولى مناصب رفيعـة في الحكـومة، ولـم يكـن هنـاك أيّ شبهـات حولها طيلة مشاركتها في العملية السياسية إلى أن وضعها في دائرة أعدائه ليطيح بها وبمستقبلها السياسي ولتصبح في خبر كان، وليس هنالك ما يدعونا إلى أن نستعرض الأسماء التي اختفت تماما من المشهد السياسي بعد أن كانت فاعلة ومهمة فيه، لعل أبرزها طارق الهاشمي نائب رئيس الجمهورية، ورافع العيساوي وزير المالية والنائب في البرلمان أحمد العلواني، وواضح جدا، الصبغة الطائفية في عملية استهداف الخصوم حيث أن معظمهم ينتمون إلى العرب السنة.
إزاء ما يجري من تطورات علينا إذن أن نأخذ كلام المـالكي في هذا المؤتمر مأخذ الجدّ، لأننا سنرى ما ستفصح عنه الأيام القادمة من انحسار واضح في الحريات المدنية.
إن المواجهة العسكرية مع التنظيمات التكفيرية والإرهـابية مثـل تنظيم داعـش تبدو أبسط بكثير من مواجهة الأفكار والمعتقدات التي لا تحترم حرية الإنسان في التفكير والقول والمعتقد والممارسة، ومن المؤكد أن المواجهة العسكرية ستنتهي بهزيمة داعش لا محالة، لكن المواجهة مع أولئك الذين يعتقدون بأنهم أوصياء على عقول وأفكار الآخرين ستبقى الأشد خطورة، وليس هناك من إشارات تبعث على التفاؤل، بل على العكس من ذلك، هنالك الكثير من الوقائع التي تؤكد على أنها ستزداد حدة في قادم الأيام بحجة مواجهة المنظمات والتجمعات المدنية المرتبطة بقوى وأجندات أجنبية تسعى إلى تخـريب الحكم الـذي تقوده أحزاب الإسلام السياسي وإشاعة الأفكار الغربية الهدامة والمنحلة، ولعل أبرز علامات هذه الحرب صدور قانون منع الخمور.
كاتب عراقي

مروان ياسين الدليمي

رواق 171









رواق 171
اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي
العناوين :
- الحريات الشخصيىة  باتت
في خطر  .
- كلّهم محمود الحسن
!/ علي حسين
- الدروس الحصوصية وتدمير التعليم .

مُختصر مُفيد : دستوريا ، اصبحت خيرات البلد حقّ إلهي مقدّس للمغتربين العراقيين (المجاهدين) في جنائن اوربا المقدّسة الى عاشر ظَهر . أمّ...