السبت، 29 أبريل، 2017

http://www.raialyoum.com/?p=665621
April 29, 2017
مروان ياسين الدليمي: قطار على قضبان عارية رواية للكاتب كريم عبدالله تبئير المكان الواقعي والتوغل في البقع المظلمة للذاتhttp://www.raialyoum.com/?p=665621
 

مروان ياسين الدليمي: قطار على قضبان عارية رواية للكاتب كريم عبدالله تبئير المكان الواقعي والتوغل في البقع المظلمة للذات

marwan-delami77

مروان ياسين الدليمي

 آدم هي الشخصية المحورية في رواية(قطار على قضبان عارية)للمؤلف كريم عبدالله الصادرة في بيروت عام 2016 ،وكأن الأسم هنا(آدم) كناية عن الانسان بعد ان يختار مساره الذاتي في الحياة بعيدا عن خيارات السلطة بمفهومها المطلق(المجتمعي والسياسي والديني)ليواجه نتيجة موقفه هذا تحديات وصعوبات تستهدف كينونته الانسانية،وربما تشويهه وتدميره كما هوالحال في الصورة الاخرى المقابلة له مجسدة في شخصية(ديمتري جواد عبد الرضا)التي تتناصف معه المبنى الحكائي،وليشكل الاثنان وجهان لحقيقة واحدة .

ينفتح المبنى الحكائي خلال الرحلة التي يقطع فيها القطار المتجه من الموصل الى بغداد مسافة 400 كم بزمن لايقل عن عشر ساعات ليكشف لنا مبناه الدلالي ما يستتر خلف سطح الاحداث،وللوهلة الاولى يبدو مرتبطا بما تعكسه الحالة السياسية على اوضاع ومصائر الناس  خلال الفترة التي حكم فيها حزب البعث العراق منذ مطلع سبعينات القرن الماضي وصولا الى الحرب العراقية الايرانية،إلا أن دلالات المبنى تذهب الى ابعد من ذلك حيث تصدى المؤلف لموضوعات تحتل درجة عالية من الحساسية لدى الوعي الجمعي الى الحد الذي ليس ممكنا ولامسموحا الاقتراب منها ومناقشتها ومحاولة تفكيكها مثل مسألة الخَلقْ والكون والاديان والانبياء والذات الالهية والجنس.

الفضاء الحكائي

تخرّجَ آدم حديثا من الكلية باختصاص علم النفس،ليساق الى الخدمة العسكرية ايام الحرب العراقية الايرانية(1980 – 1988)،فتبدأ احداث الرواية عندما يصل آدم الى محطة قطار الموصل ويجلس في صالة الانتظار الى ان يحين الوقت فيُسمح للمسافرين الصعود الى عربات القطار المتجه الى بغداد حيث يروم الالتحاق بوحدته العسكرية(وحدة الطب النفسي التابعة لمستشفى الرشيد العسكري).

داخل صالة الانتظار يستعرض لنا المؤلف من وجهة نظر(آدم)السارد للاحداث تفاصيل مايجري في الصالة ويرسم لنا اطارا عاما لشخصيات الرواية قبل ان نلتقي بها فيما بعد،وعن قرب داخل عربة القطار،وكأن مايصفه لنا يتم عبر عدسة كامرة سينمائية،وهذا بطبيعة الحال يعود الى خبرة المؤلف الطويلة في مجال الكتابة الدرامية للتلفزيون والسينما حيث انتجت له شركات الانتاج في لبنان ودبي والعراق عدد من السيناريوهات، ومن هنا كان تأثير الكتابة الدرامية واضحا في البنية  المشهدية لكثير من الاحداث اضافة الى اهتمامه برصد ردود افعال الشخصيات كما لو انها تقف امام عدسة الكامرة،وهذا يبدو واضحا من الأسطر الاولى التي افتتح بها روايته :” تناثرت قطرات المطر بدون خجل،والرصيف يستجدي المارة،بينما غابة الإسفلت تعج بالسيارات التي كانت تقف لتلفظ راكبيها المسرعين نحو بوابة محطة القطار،علّهم يلحقون بما يخشون أن يفوتهم ،بينما صاحب النظارات السميكة يصرخ من خلف كابينته داخل صالة الانتظار: – ليلتزم الجميع بالصف وإلاّ سوف اغلق الباب ولتذهبوا جميعكم للجحيم ! النظام النظام ياهمج ! ” .

الصدفة وحدها تجمع آدم مع رجل دميم الخلقة(ديمتري جواد عبد الرضا) داخل القطار وفي غرفة منام واحدة تتسع لشخصين فقط .لم يكن آدم في بداية الرحلة قادرا على ان ينظر الى وجهه المليء بالدمامل التي تنزف دما،فحاول ان يفتعل الاسباب لكي يغادر الغرفة بين فترة واخرى ليبتعد عن وجهه البشع .

ديمتري:” اعرف مايدور في مخيلتك..لقد صُدمتَ حين شاهدتني أدخلُ عليك كالقضاء والقدر إلى هذه الغرفة،وحاولتَ الهروب من مواجهتي،تارة بالانشغال في قراءة المجلة وتارة بترك الغرفة لوقت طويل ..ولكن يبدو أنّ قدرك جرّكَ إلى حتمية مواجهته كما هو”.

إلاّ انَّ مسار العلاقة اخذ منحى آخر بعد أنْ اكتشف آدم ما تحمله شخصية ديمتري من ذكاء وثقافة وقدرة على الجدل في مسائل فكرية معقدة التقى الاثنان عندها،كما تختفي وراء هذا الوجه القبيح قصة تعكس جانبا من محنة الانسان في العراق عندما يختار التفكير والعمل خارج اطار ماتفكر به السلطة ليجد نفسه محاصرا ومطاردا وربما مقتولا كما حصل لوالد ديمتري الذي كان شيوعيا فلجأ الى الاتحاد السوفيتي ــ ايام كان الاتحاد قائما ــ هربا من ملاحقة السلطة له،فتزوج من شابة روسية انجبت له ابنة جميلة وولدا بشع الوجه(ديمتري)وتشاء الاقدار ان يُعدَم والد ديمتري من قبل السلطة في العراق بعد عودته لتصفية املاك العائلة،بينما ارملته تغادر البيت تاركة ولديها لتتزوج من شخص اخر،وليبقى ديمتري في بلدة (تومسك)الروسية وحيدا منبوذا يعيش في اسوأ الامكنة بسبب قبح منظره من بعد ان تزوجت شقيقته:”لم يقبلوني في اي مكان للعمل سوى قاعة غسل الموتى “.

فضاءالمكان

تشكل عربة القطار بعدا مكانيا محوريا لرحلة المؤلف مع الشخصية الرئيسة وبقية الشخصيات الاخرى التي تبقى دون ان تغادر عربة القطار الى ان تصل الرحلة مبتغاها،ولو تأملنا الدوافع التي اتت بكل الشخصيات الى هذه الرحلة لتوصلنا الى ان جميعها كانت محكومة بقوى قاهرة ارغمتهم جميعا على ان يكونوا معا في هذا المكان ،فكانوا اشبه بمجموعة منفيين الى لحظة زمنية لاإرادة لهم فيها .

ينطلق المؤلف في رحلته السردية مع شخصياته،من لحظة آنيّة عابرة ــ تشكل الحرب خلفيتها البعيدة ــ الى ماهو ابعد منها بكثير،لتكون رحلة القطار الطويلة مرتكزا مكانيا يخلق من خلاله حافزا مجازيا للكشف عن ماضي وحاضر شخصيات غريبة عن بعضها البعض جمعها في مكان واحد(عاهرة كبيرة في السن تبحث عن طريدة،جنود صغار مساقون الى جبهات القتال،طلبة جامعيون في رحلة الى بغداد،استاذ علم نفس يعجز عن ايجاد  حلول لما يواجهه من مشاغبات داخل العربة مصدرها جنود صغار ،باحثون عن متعة رخيصة عابرة يجدونها بكل سهولة مع العاهرة في عربات القطار).

شكَّل خيار تبئير المكان في(عربةالقطار) كيانا مزدوجا(داخليا وخارجيا) كان الهدف منه(داخليا)الكشف عن مايحصل من تحولات للشخصيات ضمن اطار مكاني محدد بما يفرضه من اشتراطات تفرض عليهم البوح والحديث في محاولة منهم للقضاء على الوقت الطويل،وخارجيا جاء التبئير المكاني حاملا علامات واقع خارجي تم التعبير عنه مجازيا  بكل تداخلاته وتقاطعاته،وقد انعكس ذلك بالقصص والحكايات التي استدعتها ذاكرة الشخصية الرئيسة.

تقنية الرحلة عبر القطار إرتكز عليها المؤلف في سبيل ان  يمنح مخيلته فرصة المغامرة داخل مغاور البقع المظلمة والخفية التي عادة ما تخفيها الذات الواعية للانسان خلف طبقات اللاوعي نتيجة ماتعرض له من قمع وقهر لرغباته،وعبر هذه التقنية(الرحلة) كشف الحقيقة الداخلية لشخصياته ،وهذا يتطابق مع وظيفة الشخصية المحورية(آدم)باعتباره باحثا نفسيا، وكلما كانت عجلات القطار تتوغل في العمق قاطعة المسافة الطويلة مابين مدينة الموصل وبغداد،تكون رحلة المؤلف في اعماق شخصياته قد وصلت الى مالم يكن ممكنا الوصول اليه خارج الرحلة،ولينكشف امامها وامامنا ماكان قد ارتحل منها بعيدا جدا في اقاصي الذاكرة واللاوعي.

بمعنى آخر،الرحلة لاتأخذ بعدها الواقعي بما حفلت من تفاصيل واحداث وقعت اثناء سير القطار،بقدر ما تأخذ دلالتها الرمزية من احداث وقعت خارجها وخارج زمنها،بحثاً عن ذات ضائعة في سفر الحياة العراقية التراجيدي .

فضاء الزمن

لاشك ان التعامل مع الزمن هنا يكتسب خصوصيته على اعتبار انه يتشكل من خلال علاقته مع وحدة المكان/العربة ،هذا اضافة الى كونه محركا للاحداث داخل المكان ذاته بصيغته الآنية،بنفس الوقت باعتباره وعاء يتم فيه الانتقال الى امكنة اخرى بعيدا عن صورته الآنية،وهذا ما يتم في عملية الاستذكار والاستدعاء من قبل الشخصيتان المحوريتان(آدم+ ديمتروف).

يأتي التعامل مع وحدة الزمن في هذه الرواية في سياق علاقة ارتدادية تعود بالقارىء الى الخلف بين فترة واخرى وعبر صيغة(ضمير المتكلم)  للشخصية الرئيسة الساردة للاحداث(آدم) عندما يستعيد ما مرت عليه من ذكريات وتفاصيل ايام الطفولة والشباب والكلية .

نسق اللهجة المحلية

اما في ما يتعلق باستعماله اللهجة العراقية المحلية في بناء الحوارمابين الشخصيات الثانوية،خاصة تلك الالفاظ الجنسية المتداولة في الحياة اليومية بشكل شائع ومن غير ان يخضعها لعملية انتخاب اوتنقية اوتصفية،فقد سعى من وراء ذلك على مايبدو الى عملية تمثيل الخصائص المحلية للبيئة بما تفرزه من نسق لغوي خاص بها،وسيكون من الصعب استبداله بنسق لغوي اخر قائم على استعمال المفردة الفصحى،كما عمق اسلوبه هذا من التعبير عن طبيعة الشخصيات ورسم معالم حضورها الانساني بلغتها الخاصة بما فرضته عليها البيئة وجغرافيتها من معايير جمالية تعكس موروثاتها وماتتخصب به المفردة من روافد تصلها من الحياة بصورتها الفطرية والعفوية ،وكان لتلك المفردات المحلية بماتتركه من صدمة في الوعي الاخلاقي المحافظ حضور يلتقي ويتداخل في صلب قصدية المؤلف  القائمة على مواجهة قسوة الواقع وحياءه الزائف بنفس قسوته وخشونته ومن هنا جاءت عبارة (للكبار فقط )التي كتبها واضحة على الغلاف الاول للرواية ،وكان من الافضل ان يستغني عنها لان في ذلك سيكون انسجاما مع تطلعه الى احداث صدمة في وعي وذائقة القارىء.

الجمعة، 28 أبريل، 2017

مبروك للروائي السعودي محمد حسن علوان فوزه بجائزة البوكر 2017 .
عن روايته "موت صغير "
سبق لي ان كتبت عن روايته "القندس " في صحيفة الزمان بتاريخ 6 ايلول 2013 وادناه رابط المقال كما جاء في مدونة الكاتب نفسه .

http://alalwan.com/…/%d8%aa%d9%86%d8%a7%d8%b5-%d8%a7%d9%84…/
تناص الخطاب الروائي وانفتاح الدلالة في رواية القندس للكاتب محمد حسن علوانhttp://alalwan.com/review/%d8%aa%d9%86%d8%a7%d8%b5-%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8%b7%d8%a7%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%b1%d9%88%d8%a7%d8%a6%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%86%d9%81%d8%aa%d8%a7%d8%ad-%d8%a7%d9%84%d8%af%d9%84%d8%a7%d9%84%d8%a9/
ماهو شائع في وسطنا الثقافي والفني:
( من لم يعجبني نقده احكم عليه انطلاقا من نيته ، اي التشكيك بنواياه ) .
وهذا يعني ، الدخول في سجال شخصي متبادل لا قيمة له .
والسطحية هنا تكمن في محاولة الدخول (قسرا )في ذهن ونوايا صاحب النقد وليس النقد .
صورة الفنان
ما أن وصلت بغداد ودخلت كلية الفنون الجميلة أول مرة وذلك في نهاية عام١٩٧٩ فإذا بي اشاهد رجل ، بدا لي وكأنه يعمل حارسا في الكلية ، يجلس عند الدرج الحجري أمام بوابة العمادة ، كان يحمل بيده بايب للتدخين بدل السكائر، ولكن مااثار دهشتي وجود عدد من الطلبة يحيطون به، كما ان مظهرهم يعكس مدى احترامهم له وعمق الصلة والاريحية التي تربطهم به ..في البدء لم استطع ان اتعرف عليه خاصة وأن ملابسه كانت بسيطة جدا ولاتوحي بان الرجل من الممكن ان يكون أستاذا في أكاديمية الفنون الجميلة . ولما اصبحت على مسافة قريبة منه تفاجأت بأنني أمام الفنان التشكيلي الرائد فائق حسن .
كنت اتوقع - بسذاجتي - ان أرى فنانا بمستوى وسمعة وأهمية ومكانة فائق حسن ان يكون انيقا فيرتدي على سبيل المثال بدلة وربطة عنق ،لكنه كسر توقعي تماما ووضعني أمام صورة أخرى غير نمطية للنموذج الذي احمله في داخلي .
حينها أدركت معنى أن يكون الفنان رائدا وملهما للآخرين.


الأربعاء، 26 أبريل، 2017


http://www.alquds.co.uk/?p=710497
عن رواية "عشاق وفونوغراف وازمنة " للكاتبة لطفية الدليمي
القدس العربي
بقلم مروان ياسين الدليمي

تعدد الوحدات الأسلوبية في تقنية البوح واستعادة الزمن

«عشاق وفونوغراف وأزمنة» للعراقية لطفية الدليمي:

مروان ياسين الدليمي

Apr 27, 2017

العوالم البغدادية بخصوصية ملامحها المحلية، بما تحمله من سمات مدنية وإنسانية وبيئية تتحرك في فضاءاتها شخصيات الكاتبة لطفية الدليمي، من السهولة بمكان على القارئ المتابع للأدب الروائي في العراق أن يكتشفها، ولعل هذا ما يمنح تجربتها فرادتها، إضافة إلى أن استراتيجية توظيفها سرديا يأتي في سياق مشروع روائي بات من الممكن الإشارة إليه بعد أن اتضح الكثير من معالمه، في إطار ما أفردت له في مجمل نتاجها الإبداعي، قاصدة من وراء ذلك، على ما يبدو استعادة وجه المدينة المُغيّب خلف سحابة كثيفة من الدخان والغبار، بعد أن تعرض إلى عملية غزو قبلية شرسة مسخت ملامحه.
في عملها الروائي المعنون «عشاق وفونوغراف وأزمنة» الذي صدر عام 2016 عن دار المدى، والذي توزع على اثني عشر فصلا، وكل فصل تتصدره مقولة أو حكمة تعود إلى مفكر أو فيلسوف أو أديب أو شاعر.
من تتسنى له فرصة قراءة هذه الرواية لا بد أن يصل إلى نتيجة مفادها، أن لطفية الدليمي ما زالت تكتب بذاك الهوس الملتهب الذي عادة ما يستولى على المبدع وهو في عنفوان شبابه، وأنَّ عشق الكتابة السردية ـ تحديدا ـ يستولي عليها بدرجة كبيرة جدا، وكأنها لم ترتو من هذا الينبوع، رغم ما أنجزته خلال مسيرتها الطويلة والحافلة من أعمال مهمة تستحق أن توضع في صدارة الإنتاج الروائي العراقي والعربي، الذي تم إنتاجه خلال العقود الثلاثة الأخيرة، خاصة أن سياق تجربتها الإبداعية يشير إلى أنها لم تكن متأرجحة بين كتابة النص الشعري والنص السردي، كما هو شأن غالبية المبدعين العراقيين، حيث نجدهم يبدأون في القصيدة وينتهون في النص السردي، بذلك تبدو الدليمي وهي تبتكر شخوص وأحداث رواياتها التي تنبض بالحياة، خاصة النساء تكتب قصيدة عشقها للسرد وللحياة معا.
المبنى الحكائي
في هذه الرواية نقف أمام شخصية (نهى جابر الكتبخاني) وهي تخوض رحلة بحث وتنقيب عن الذات العراقية، بحثا عن ذاتها وحضورها الوجودي، عبر أجيال متعاقبة لعائلة (إسماعيل الكتبخاني) التي كان لها دور سياسي في فترة الاحتلال العثماني للعراق، وما أعقبه من أنظمة سياسية، وصولا إلى الأعوام التي أعقبت الاحتلال الأمريكي عام 2003.
تعود نهى الكتبخاني إلى بغداد عام 2013 لتجد نفسها منشغلة دون تخطيط مسبق في عملية تحقيق لمذكرات جد والدها صبحي إسماعيل الكتبخاني، بعد أن عاشت تجربة فاشلة في الحب والزواج خارج العراق استمرت لمدة شهر واحد، تركت في داخلها أثرا سيئا.
لم تكن عودتها اختيارا، إنما استجابة لرغبة والدها (جابر الكتبخاني) برؤيتها قبل أن يموت، بعد أن تدهورت صحته على أثر مقتل ولده فؤاد أمام بوابة الجامعة المستنصرية على يد جماعة مسلحة طائفية، لم تكن تتوقع نهى أن تجد الأوضاع في بغداد قد وصلت إلى ما وصلت إليه من انهيار أمني وإنساني، خلال الأعوام القليلة التي فارقتها: «كل شيء بلون الرماد، تصوَّري بدل المتسلقات المزهرة والجهنميات غرسوا رايات من أقمشة ملونة فوق السطوح، مثل رايات القبائل، النظام القبلي زحف على أحياء بغداد وكأنه كان يتربص بها وهو مختف تحت جلدها، كما المرض الخبيث الذي ينتشر بغتة».
يخبرنا الراوي العليم بأن نهى الكتبخاني مدرسة اللغة العربية كانت قد غادرت البلاد عام 2006 طالبة اللجوء في بلد آمن، بعد أن كانت قد تعرضت حياتها للخطر أثر محاولة فاشلة لاختطافها من قبل مسلحين بعد خروجها من المدرسة، فحطت بها الأقدار في مدينة غرينوبل في فرنسا، إلاّ أنها لم تستطع أن تقاوم قسوة الشعور بالاغتراب في بلاد الغربة: «بكى جسدها وارتج عالمها، تفجرت دموعها ونشجت أمام الحشد في صف طالبي اللجوء من الهنود والكوريين والكوبيين والأفغان والإيرانيين، الواقفين على سلم حديدي تحفه أشجار الليلك تحت المطر، تفوح منهم رائحة الخيبة والقنوط والقارات النائية يتوسلون رحمة الشرطية الفرنسية قاسية القسمات».
ورغم أنها قد شارفت على الأربعين من عمرها، ورغم مرارة تجربتها الفاشلة في الحب والزواج، إلاّ أن مشاعرها مازالت تنبض بالحب، وتأمل أن تجد رجلا يليق بقوتها وحيويتها وعنفوان حضورها: «من نافذة المترو المتباطئ، بين الأصوات المعدنية وهسيس اللغات، ينبثق طيف رجل طالما تراءى لها في أحلامها، يمر الآن كبرق خاطف على رصيف المحطة، يندغم في الزحام ويختفي مخلفا وراءه ومضة نور تتلاشى بين أنوار المحطة التحت أرضية، تاقت تلك اللحظة للمس وجهه المتغير الملامح».
ما كان في حسبان نهى أن دورة الأيام التي أخذتها بعيدا عن موطنها ستعود بها إلى نقطة البدء، لتلتقي بالطيف الذي ظل يلاحقها أينما اتجهت في غربتها، مُجسَّداً في شخصية (نادر) مدرس الفيزياء والرياضيات الذي اختار العزلة داخل جدران بيته، بعد أن استقال من وظيفته منذ عام 2009 ازدراءً لكل ما طرأ من قسوة وعنف وسقوط قيمي في العالم الخارجي، فكانت عزلته بمثابة الملاذ الذي سيحافظ من خلاله على أحلامه وتطلعاته العلمية التي لم تعد تجد مكانا لها في محيط خارجي يسوده العنف: «الحب هو القوة الدافعة لكل إنجاز بشري والكراهية تنطوي على بذرة الفناء».
حبكة البنية الحكائية
في ما لو أردنا الحديث عن القدرة العالية في الإمساك بخيوط الحبكة السردية لدى الكاتبة لطفية الدليمي، فما علينا إلا أن نتابع الكيفية التي رسمت بها ملامح العلاقة مع طيف الرجل الذي طالما حلمت به نهى الكتبخاني، ابتدأً من الصفحات الأولى للرواية، وبقيت محافظة على الحضور المحسوس لهذا الطيف، في خلفية الأحداث، وفي هواجس الشخصية وهي تمضي متوغلة في عملية بحثها بين طبقات الزمن وحكاياته، إلى أن تعود هذه العلاقة بين (نهى ونادر) لفرض حضورها الطاغي في الفصول الأخيرة من الرواية، وربما علاقة الحب التي تحمل قدرا من المجازفة ما بين المرأة والرجل (نهى ونادر، صبحي وبنفشة خاتون، وليد وسميراميس، جايا وفؤاد) التي تصل في كثير من صورها إلى حالة من التصوف والعرفانية، وسط مشهد تراجيدي عراقي تسرد تفاصيله حياة يومية ملبدة بمشاعر الخوف والكراهية والاقتتال البدائي على الهوية، هي من الموضوعات التي تأخذ حيزا من الاهتمام لدى لطفية الدليمي.
المشهد الإنساني في تجليات المبنى الحكائي يبدو فيها آيلا للسقوط بعد أن أصبح العالم يقف في مواجة تحولات كبيرة، منذ أن بدأت علامات التصدع تطرأ على جسد الدولة العثمانية، مع صعود جماعة «الاتحاد والترقي»، التي كانت تخوض صراعا حادا ضد السلطنة العثمانية، هذا ما تشير إليه شخصية (السارد صبحي الكتبخاني عبر مذكراته، عندما يشير إلى أنه عاش عدة أعوام في إسطنبول، قضاها في الدراسة تزامنت مع الأعوام الأخيرة من عُمْر السلطنة، عرف فيها الكثير من خفاياها وأسرارها وفسادها، ولهذا يقف في منطقة واضحة على غير ما كانت عليه غالبية أفراد عائلة الكتبخاني، حيث ينأى بنفسه عن السقوط أو الانحياز إلى جانب أي جهة سياسية، واختار أن يكون إلى صف حرية ومستقبل بلده والدفاع عن خياراته الشخصية، بعيدا عن سلطة الأب والتقاليد والأعراف الاجتماعية، ولم تعد الحياة بالنسبة له وسط عالم تتكالب عليه النفوس مندفعة وراء مصالحها الذاتية الأنانية، سوى الحفاظ على زوجته (بنفشة خاتون) الجارية والمغنية السمرقندية التي كانت قد اختطفت من بلدها أفغانستان وهي لم تزل طفلة صغيرة، فيسقط صريع حبها ويتزوجها وينجب منها ولده الوحيد (فؤاد) دون علم والده إسماعيل الكتبخاني، الذي اتضح في ما بعد وفي وقت متأخر جدا من الزمن، أثناء استماع نهى لاسطوانة فونوغراف عثرت عليها ضمن ما كان قد تركه جد والدها صبحي الكتبخاني من مذكرات واسطوانات فونوغراف، سجلت عليها نفشة خاتون اعترافا دون علم زوجها صبحي، حيث أقرت فيه بأن التاجر الذي اشتراها من النخاس وأهداها إلى الوالي نامق باشا الصغير هو إسماعيل الكتبخاني، بعد أن انجب منها ولداً سمّاهُ (بهجت) إلاّ أنه اخذه منها وحرمها من رؤيته، ليتربى في البيت الكبير تحت رعاية زوجته مع بقية أولاده، نشأت وصبحي وحكمت، وبذلك يكون بهجت ابن بنفشة خاتون أخاً لصبحي واخاً لفؤاد الذي أنجبته من صبحي، وكان ذلك سببا في عذاب نفسي شديد أصابها لم تستطع الخلاص منه، فتقرر التضحية بحبها وسعادتها مع صبحي والاختفاء من حياته نهائيا والعودة إلى قريتها، إلى المكان الذي اختُطفت منه في أفغانستان، وهذا ما أفصحت عنه في اعترافها المسجل على اسطوانة الفونوغراف.
تتفاجأ نهى الكتبخاني من تاريخ العائلة التي تنتمي لها بما يحمله من مواقف مخزية ارتكبها الجد الأول للعائلة إسماعيل الكتبخاني، بارتمائه في أحضان قوات الاحتلال العثماني، ومن بعدهم الإنكليز، لأجل زيادة ثروته وتوسيع مساحة الأراضي التي منحتها له سلطات الاحتلال جراء الخدمات التي كان يقدمها لها، ولم يسلم من هذا الانحدار معظم أفراد العائلة، باستثناء صبحي إسماعيل الكتبخاني الذي التزم بموقف آخر بعد عودته من الدراسة في اسطنبول وضعه في حالة تقاطع حاد مع والده المتسلط داخل البيت، والانتهازي مع السلطنة العثمانية والبريطانيين، ومع مقاتلي العشائر الذين انقسموا ما بين موالٍ للأتراك ومرحب بالإنكليز، ومع كل من يسلب حقوق الناس، ودفع ثمن موقفه هذا أن تم طرده من البيت الكبير ليعيش منعزلا مع زوجته بنفشه وابنه فؤاد بعيدا عنهم، وكانت الكتب الثمينة وفونوغراف الموسيقى اكثر ما تعنيه في الحياة بعد زوجته وابنه: «اعترف بأنني لست مصابا بجنون البطولة التي يسجلها التاريخ ويفخر بها الأحفاد، بطولتي الوحيدة هي رفض للظلم، ونجاتي بنفسي من أغلال ابي، وجدت في الكتب والحب حقيقتي وراحة روحي، بينما لم يجد أبي لنفسه أي دروب للنجاة، فهو متورط في عشق المناصب والمال والجاه والنساء».
تقانة السرد
اعتمدت لطفية الدليمي في تكوين بنيتها الفنية على عدد من الوحدات الاسلوبية (مذكرات، اسطوانات فونغراف، رسائل) هذا إلى جانب تناوب في تقنية الصوت السارد، مرّة باستعمال الضمير المتكلم ومرة باستعمال الضمير الغائب مابين شخصيتي نهى و صبحي، ومن خلال هذه الاستراتيجية في اللعب الفني اخذت بفعل السرد إلى مساحة واسعة من التحرك بين مستويات متنوعة من الحكي والبوح وهذا ما اتاح لها فرصة أن تستدعي وجوها وحكايات واصوات طالما طمرتها وغيبتها (ازمنة) الماضي والحاضر، بما فرضته متواليات الصراع السياسي والحروب من مشاعر تتسم بالقسوة والكراهية والاحقاد، نتيجتها كانت أن اقتحم (المكان/ بغداد)وجوه غريبة لاتحمل ملامحها ولاثقافتها: «نحن نحيا هنا خارج الزمن، كل شيء بلون الرماد، تصوّري بدل المتسلقات المزهرة والجهنميات غرسوا رايات من اقمشة ملونة فوق السطوح مثل رايات القبائل، النظام القبلي زحف على احياء بغداد وكأنه كان يتربص بها وهو مختف تحت جلدها كما المرض الخبيث الذي ينتشر بغتة».
نستالوجيا المدينة
هناك حالة عشق صوفي تسكن جميع شخصيات الروية ازاء مدينة بغداد (نهى، جابر، ميادة، سليم، نادر، حياة البابلي، هناء) ونستشعر هذه الحقيقة تسكن وجدانهم وذاكرتهم، بما في ذلك شخصية وليد (الجيولوجي) شقيق نهى الذي يتحدث عن الجيولوجيا وكأنها تاريخ الانسان ومستقبله، في مقابل ذلك يسيطر عليهم شعور جارح يجدون فيه انفسهم وكأنهم يقفون على رصيف محطة قطار يمر بها سريعا ليسحق بعجلاته ماتبقى من محطاتها، وهذا ماتكشف عنه شخصية جابر الكتبخاني الذي فقد ابنه الأول فؤاد في الحرب الطائفية التي اجتاحت بغداد ثم يفقد ابنه الثاني وليد بعد أن اختار الهجرة ومغادرة العراق:»الموت فقدان، والغربة فقدان، والبقاء فقدان محتمل، ولابد للمرء من التشبث باسباب الحياة فلينقذ كل امرء نفسه من دوامة الثقوب السوداء التي تدور في البلاد وتبتلع كل شيء».
لغة السرد
لعل رشاقة اللغة وشفافيتها مايمكن اعتباره سمة بارزة في اسلوب لطفية الدليمي، خاصة طاقة الشعر التي تفيض منها وهي تستبطن دواخل الشخصيات، ولافرق هنا بين الشخصيات النسائية والرجالية رغم أن المرأة تشكل وحدة محورية في معظم اعمالها ومنها هذا العمل، إلاّ انها ونتيجة لخبرتها الطويلة في الكتابة السردية بما تمتلكه من معرفة عميقة لاشتراطات الكتابة الروائية نجدها حريصة جدا على أن لاتخذل لغتها السردية أمام حالة التكثيف الشعري التي تختزنها مفراداتها وجملها، ولعل خاصية لغتها بما تندرج عليه من بنية تنهل بقدر محسوب من ضفاف التكثيف الشعري ابرز مايميزها في تشكيل رسالتها المفتوحة إلى المتلقي: «هاهو الآن يحيا وسط نبع رقراق من حنان نهى وحديثها وانوثتها التي تسطع من رائحة جسدها الشبيهة برائحة ثمار الكمثرى، هكذا تنشّق في حضورها رائحة كمثرى ناضجة حلوة، وعندما اقترب منها واخذ يدها في يده اكتشف أن لجسدها المتناسق رائحة ناعمة ومسكرة هي مزيج بين رائحة ياسمين ربيعي وصابون اطفال ماركة (جونسون اند جونسون) كانت امه الراحلة تحممه به وهو صغير».
عالم النساء
يأتي مشروع لطفية الدليمي السردي لمواجهة خبث النسيان ونواياه الشاحبة بوجه الانسان عموما والمرأة على وجه الخصوص: «لاتنساقي إلى قنوط الحشود، ابحثي عن نفسك وسط الحطام «وذلك بالسفر بعيدا في طبقات الزمن الكثيفة، ساعية إلى بناء عالم آخر خال من البشاعة والتصحر والحروب، لاستعادة جمال الحياة واستنشاق عطر الروائح البغداية في ورد الجوري والقداح والرازقي وفي حدائق البيوتات البغدادية ونسائها التائقات إلى العشق والحرية، وفي كفاح رجالات المدينة من أجل أن لاتغرق في عتمة التجهيل القبلي والغرائز البدائية.
 من لم يقرأ روايات لطفية الدليمي سيفتقر إلى ماينبغي أن يعرفه عن روح الشخصية البغدادية، خاصة النسائية منها، فهي تنتمي بحضورها الانساني والابداعي إلى هذه المدينة بكل جمالها الذي لن يراه ويكتشفه من جاءوا اليها من الريف وبقوا يعيشون حالة من الأسر لتلك البيئة التي قدموا منها. ولا نبتعد عن الصواب اذا ما قلنا بان عالم النساء في روايات لطفية الدليمي بقدر مايترك فينا من ألمْ وأسى على ما يواجهنه من تحديات مجتمعية وانسانية بقدرما يضعنا امام نماذج نسائية تحمل سمات عصرها من افكار ومشاعر واحلام وامنيات وتحديات واحباطات ونجاحات.
سيجد القارىء نفسه في هذه الرواية وهو يدخل إلى بغداد المدينة، بعائلاتها العريقة، والتفاصيل الحميمة لحياتهم الأسرية، بثقافة أبنائها وطقوسهم اليومية، وجلهم شخصيات تنتمي إلى عائلات لها جذور اجتماعية عريقة في المدينة مثل (عائلة الكتبخاني) وشخصيات تنتمي إلى الطبقى الوسطى المتعلمة وتملك قدرا عاليا من الحساسية المرهفة ازاء الثقافة والفنون (حياة البابلي، جابر الكتبخاني) وتشارك في صنع بهجة الأيام ومسراتها بانتمائها وعشقها إلى متع الحياة في الموسيقى والقراءة واللقاءات الأسرية التي تكشف تفاعلهم العميق مع تحولات الزمن البغدادي على الرغم مما يشهده من انحسار مخيف في ملامح الحياة المدنية وسقوطها في غبار الترييف والتصحر القبلي والهوس العنفي.
كاتب عراقي

الثلاثاء، 25 أبريل، 2017


http://www.raialyoum.com/?p=662996
في صحيفة راي اليوم


مروان ياسين الدليمي: شظايا فيروز.. رواية للكاتب العراقي نوزت شمدين اشتباك الواقعي بالمُتخيّل

marwan-yaseen-delimi.jpg777

مروان ياسين الدليمي

البنية الحكائية في رواية “شظايا فيروز″ الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات 2017 تكتسب دلالة خاصة في اهميتها،أولاً لأنها تستمد ايحاءات خيوط نسجها من حدث واقعي راهِنْ يتعلق بقضية سبي النساء الايزيديات من قبل تنظيم دولة الخلافة(داعش)،وثانيا لأن الحدث نفسه مايزال الواقع يسرد تفاصيله النازفة ولم تنتهي بعد .

راهنية الحدث الواقعي واستمراريته بموازة ماهومتخيّل في النص السردي ،سيطرح اشكالية  تتعلق بالرواية نفسها اثناء عملية القراءة، بما يضعها في حالة مقاربة مابين السرد المكتوب والسرد المنطوق على لسان الواقع، ولامحالة ستجري هذه المقاربة بحثا عن المتخيّل في الواقع،وعن الواقع في المتخيّل.هذه الاشكالية ستفرض سؤالاً اساسيا لامناص من طرحه:

اين  ستنعكس  الحقيقة بتأثير اعمق،في الحدث الواقعي أم  في المتخيّل ؟

سينتج عن هذا التساؤل أسئلة اخرى ربما يعجز القارىء عن استبعادها امام محاولته البقاء في حدود مايوفره المتخييل الروائي من متعة في عملية التلقي الفني للحدث عبر وجهة نظر المبدع،وهنا ليس مهما الوصول الى الاجابة،بقدر ما تقتصر الاهمية في عملية طرح الاسئلة ذاتها .

الوجه الآخر من الاشكالية يتعلق بالمؤلف طالما هو يتصدى لموضوع لم يحسمه الواقع بعد،فمن المرجح سيجد نفسه اثناء عملية الكتابة امام مايفرضه  حضور الواقع  من سطوة في مسارات المبنى الحكائي.

ورغم ما سيخرج به القارىء من ملاحظات بعد قراءته لهذا العمل وما سيجريه من مقاربات إلاّ ان النتيجة على الارجح ستكون الى جانب المؤلف الذي اختار ان لايتوقف في مغامرته السردية وتصدى لحدث واقعي بما يملكه من ادوات تقنية،حاول ان يستنطق مايخفيه تحت جلده من قسوة مفرطة معتمدا على مخياله السردي في اعادة تركيبه من جديد وفق رؤيته التي قرأه بها،رغم ادراكه خطورةالمغامرة التي وضع نفسه في مواجهتها.

دلالات المبنى الحكائي

تشكل قضية سقوط مدينةالموصل تحت سلطة تنظيم الخلافة(داعش)في شهر حزيران من العام 2014 الحدث الواقعي بدلالته التاريخية الذي اقترحه المؤلف ليكون الوحدة الزمكانية التي يتهيكل فيها المبنى الحكائي ، وحسب الناقد جيرارجينت “حكاية النص مقطوعة زمنية” من خلالها بَلوَرَ المؤلف نوزت شمدين تركيبة الزمن من حدث السقوط نفسه وما ترتب عنه من تداعيات وضعت الانسان امام صورته دون رتوش،وبتاريخه الاجتماعي،ومايخفيه من قبح وجمال وقسوة وقوة وضعف في آن واحد ، كما دفع المؤلف بشخصاياته الى ان تخوض تجربة مواجهة مع نفسها،بنفس الوقت كانت المواجهة مابين كينونتها الانسانية ومحيطها المعبأ بالغام من عقائد وايدلوجيات تسربت من كهوف التاريخ الى حاضر بات يعيش ارتدادا الى الخلف وانسلاخا عن المستقبل .

شمدين في روايته هذه كتب مقطوعة سردية احتفاء بالعشق،اراد بها ان يحتفي الحياة،في مواجهة طقوس تمجد الموت بات الناس فيها يركعون امام تماثيلها وايقوناتها .

نحن امام قصة حب مستحيلة،تم وأدها قبل أن تبصر النور في طريق عام شهد على نبضات قلب مراد وهي تتسارع  ماأنْ أبصَرَ الفتاة الايزيدية فيروز وهي تجلس عند ناصية الشارع تبيع البصل،لم تكتمل قصتهما معا لانها جاءت في غير زمانها ومكانها،بعد ان امست علامات التحريم مزروعة امام البشرجميعهم،في صحوهم ومنامهم :”كاد أن يلتفت عائدا أدراجه إلى القرية لحظة أن لمحها،كانت جالسة يلوح ُ وجهها المستدير من فوق كومة بصل أبيض على جانب الطريق في الجهة الاخرى ،حدث الأمر بسرعة فائقة،إذ تمكنت قيود شبحية من تعطيله تماما وشيء ما شطب الطريق والسماء والحقول والجبل وابقى صورتها تشع نورا وتشده إليها بجاذبية مغناطيسية عجز عن مقاومتها ” .

يتابع الرواي العليم سرد  ماالحقته نظرة عابرة للشخصية المحورية(مراد) رأى فيها الفتاة فيروز،وعلى الرغم من قلة خبرته في شؤون الحب وعدم انزلاقه في اية نزوة طوال حياته القروية والجامعية،إلاّ ان هذه النظرة ستقوده الى مسار حياتي ماكان في حسبانه ليجد نفسه وهو يخوض حربه الخاصة،مسلحا بالحب وحده،وباحثا عنه بين اروقة تنبعث منها رائحة القهر والعبودية والموت .

مراد هو الوحيد الذي نجح من بين شباب قرية أم نهود في ان يتخرج من كلية طب البيطرة بجامعة الموصل وعاد الى قريته ليبدأ منها مشروع حياته،وإذا به يسقط صريعَ عشقٍ من طرف واحد،ولأنَّ للاعراف والتقاليد سطوة في قمع وكبت المشاعر كان عليه ان ينتظر طويلا بينما هو يراقبها من بعيد وهي تبيع البصل ليعرف بأنّ اسمها فيروز،ولكي يمنح لنفسه العذر في أن يبدد المسافة الفاصلة بينهما ويراها كل يوم،تمكن من اقناع اهل قريته باهمية البصل وشرائه لمايحمله من فوائد غذائية،فباتوا يشترونه ويأكلونه في جميع وجباتهم:” قطف مراد ثمرة خطته،بالتطوع لشراء حصص امه وزوجتي ابيه من البصل،وكان هذا امتيازا عائليا جديدا حصل عليه بسهولة تامة،لثقة الجميع برجحان عقله واستحالة ارتكابه حماقة عشق ايزيدية كافرة كما فعل عدد من مخابيل قرية ام نهود في فترات متباعدة وعلى راسهم عبود الشقيق الاصغر لوالده”.

ستكون تلك النظرة الاولى بمثابة القدر لكليهما،وسيدفعان ثمنها باهظا من وجودهما دون ان يتيح لهما القدر ان يلتقيا مرة ثانية من بعد ان يتم سبيها من قبل تنظيم دولة الخلافة مع اعداد كبيرة من النساء الايزدييات والاطفال   بينما تم اعدام من لم يستطع الهرب من الرجال،وهذا ما سيدفع مراد الى ان يصنع قدره بنفسه،فيتخلى ظاهريا عن قناعاته الشخصية ليخادع مجتمعا ماعادت قناعات الانسان الذاتية تعني له اية اهمية،فيجري باحثا عن فيروز ليعيد اليها الحرية،ولأجل ذلك ينتمي الى تنظيم دولة الخلافة ويحظى بعمل مع الحاج بومَه الذي كرس حياته من اجل تسجيل اسماء واعداد الموتى في المدينة مذ كان  صغيرا، فجاء عمله معه منسجما مع ماكان يسعى اليه في ان يكلف بمهمة توفر له فرصة التنقل في ارجاء الموصل لعله يحظى  بفيروز،ورغم سعيه في البحث عنها مع الحاج بومه إلاّ انه لم يفلح في الوصول اليها: “وصل الى قريتها بعد يوم واحد فقط من سقوط سنجار والقرى والمجمعات المحيطة بها بايدي مقاتلي الدولة الاسلامية وانتشار اخبار قتل الايزيديين الجماعي،واخذ نسائهم سبايا،ولجوء الناجين منهم الى قمة الجبل،توسل في سرِّه وهو يترجل من سيارة البيك آب ومعه ضياء المندهش ان تكون فيروزعلى قيد الحياة ومختبئة في مكان ما.كان مستعدا لحظتها ان يمسك بيدها ويذهب بها بعيدا،متحديا العالم باسره ” .

تأخذنا رحلة مراد وهو يبحث عن فيروز الى العوالم السرية التي باتت تحكم الحياة في مدينة الموصل تحت سلطة تنظيم دولة الخلافة،حيث القتلة جاءوا اليها من كل جهات الارض ليجتمعوا حول مائدة واحدة مع اللصوص وتجار الرذيلة باسم الدين،ولعل شخصية عمّ مراد(عبود ابو رواحة)افضل من يمثل هذا العالم السفلي،حيث كان بعثيا عندما اختطف فتاة ايزيدية ايام شبابه،وبعد ان هددت فعلته هذه القوانين الاجتماعية التي تمنع الفتاة الايزيدية من ان تتزوج مسلما والاّ فإن القتل سيكون مصيرها،ما كان منه  إلا ان يهرب بها الى مدينة البصرة ومنها الى ايران بعد ان تخلى عنها وتركها مع ماانجبه منها من اطفال،مثلما تخلى عن  حزب البعث ليصبح عضوا في حزب الدعوة الاسلامية،ومن هناك سيهرب الى بريطانيا ومن ثم يعود الى العراق والى قريته بعد ان اصبح قائدا في تنظيم دولة الخلافة.

تقنية السرد

اخذ الكاتب نوزت شمدين الحدث الواقعي الى عتبة المتخيل السردي ليتناوب على  السرد  ضمير الغائب وضمير المتكلم ،من خلال ثلاث  وجهات نظر: الرواي العليم ، فيروز ، مراد .

ومع اهتمامه الشديد بما ينطوي عليه الحدث الواقعي من تفاصيل إلاّ انه طوّعه ليلامس طرائق وتقنيات السرد،بمعنى ان اهتمامه لم يكن منصبا على الحدث  بواقعيته بقدر ماكان  انحيازه متجها  الى عملية  السرد الروائي:”اتى شخص بلحية بيضاء يدعى امير الصحراء وحوله الكثير من الحراس،القى علينا بمكبر صوت من فوق مركبة ملطخة بالطين كلمة بالعربية ترجمها الى الكردية بلهجتنا نفسها رجل بلثام اسود وقف الى جواره.قال بان حياتنا الجديدة تبدأ من الان،فالاطفال سيتربون مسلمين عليهم الواجبات نفسها ولهم الحقوق نفسها وان على النساء ان ينسين ازواجهن وآبائهن واخوتهن،ويقبلن إما العيش سبايا مملوكات لرجال الدولة الاسلامية يعملن على خدمتهن ويلتزمن بطاعتهم او يؤمنَّ بإله واحد لاشريك له فيسلِمن ويصبِحن معززات مكرمات ” .

مهما حاولنا ان نقرأ هذا العمل باعتباره عملا فنيا مكتملا بذاته فإن ذاكرتنا المعبأة بالوقائع التي هي جزء مكمل لأحداثه ستقودنا لاإراديا الى خارج النص السردي،الى وقائع اخرى موثقة بالصورة والصوت مازال يمدنا بها واقع معاش،ومازالت اجزاء من تلك الوقائع  تتشكل امامنا،من هنا سيكون التخييل والواقع في حالة اشتباك دائم اثناء عملية التلقي للنص الروائي  من قبل القارىء،بذلك ستكون ذاكرته ومخيلته في حالة اشتغال مستمر،مرّة يجد نفسه يسخِّر المخيلة لاستنطاق الواقع واخرى يسخِّر الواقع لاستنطاق المخيلة .

الرواية في مبناها الرمزي بحث عن زمن انساني ضائع في متاهات واقع متوحش اقرب الى الخيال،مكانه الحدث في مدينة الموصل وزمنه الآن ،لذا سيكون من الصعوبة بمكان امام الناقد ان يفلت من طوق الواقع وهو يضع الرواية على مصطبة التشريح النقدي،من غير ان يخرج عن النص السردي المكتوب امامه ليقابله بنص الواقع،مادامت الاحداث لم تكتمل بعد،وعليه ستبقى عملية القراءة للنص السردي المتخيل(شظايا فيروز) مفتوحة طالما الحدث في الواقع  لم يكتمل بعد: ” كان ابو رواحة منتشيا باصداء ظهوره في نشرات الاخبار العالمية وهو يقطع بمنشار كهربائي ثور مجنح في مدينة النمرود الاثرية قبل تفجيرها،وأهم تلك الاصداء قاطبة إشادة شفهية نقلها إليه والي نينوى عن الخليفة نفسه ” .

تحليل الخطاب السردي في هذا العمل يفرض علينا ان نفك الاشتباك القائم مابين النص والواقع في المبنى الحكائي،باعتبارهما يتداخلان فيه،وهذا يحيلينا الى موضوعة العلاقة مابين زمن الحكاية وزمن الخطاب في النص السردي،وما يلاحظ هنا ان المؤلف لم ينسحب في رؤيته لهذه العلاقة بالخوض بعيدا في عملية تفتيت الزمن السردي،وهذا لانه  حاول ان يبقي العلاقة الزمنية متقاربة مابين الحكاية وزمنها السردي ولم يسمح لها ان تتشظى في مستويات معقدة  .

رواق 190

رواق 190
حلقة خاصة عن قضية خطف الصيادين القطريين في العراق
اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي رواق

الاثنين، 24 أبريل، 2017

http://www.raialyoum.com/?p=662477
صحيفة راي اليوم

من الرابح في قضية اختطاف الصيادين القطريين

marwan-yaseen-delimi.jpg777

مروان ياسين الدليمي

انتهت مسرحية اختطاف الصيادين القطريين في العراق وبقيت الشبهات تحوم حول الدور الذي لعبته فيها اطراف عراقية حكومية خاصة داخل التحالف الوطني الحاكم ابتدأ من عملية الاختطاف وانتهاء بعملية التفاوض والافراج عن المختطفين .

عملية الاختطاف من بدايتها كانت تحمل اكثر من علامة تشير على انها مجرد لعبة اقليمية تأتي في اطار الضغط والابتزاز ،يقف خلف ادارتها اطراف سياسية تسعى من ورائها الى تحقيق اهداف مرتبطة بطبيعة الصراع القائم في المنطقة حول سوريا والعراق واليمن والبحرين، مابين محور ايران ومحوردول الخليج العربي، وليست مسألة الاختطاف مرتبطة بعملية ابتزاز مالي،على اعتبار ان المختطفين رعايا دولة خليجية ،عددهم 26 ومن بينهم اثنان من افراد الاسرة الحاكمة.

معظم الاسئلة التي تم طرحها من قبل المراقبين تمحورت في الاطار الاتي :كيف يمكن ان تتم عملية الاختطاف مع ان الصيادين دخلوا العراق بطريقة رسمية،بمعنى ان الحكومة العراقية كانت تعلم بكل تحركاتهم ابتدأ من اللحظة التي دخلوا فيها الحدود العراقية،ومن المؤكد ان هناك عدد من العناصر الذين جندتهم لمرافقة الصيادين كانوا على اتصال دائم مع المسؤوليهم في بغداد ليخبروهم بتحركاتهم خطوة اثر خطوة.

من هنا فإن اي مراقب للحالة العراقية يدرك جيدا ان عملية الاختطاف تقف ورائها ميليشيات تتلقى دعم ومساندة من قبل جهات عليا لها رصيد مرتفع في الحكومة.

ينبغي هنا التذكير بأن بعض قادة الميليشيات العراقية لم يكن يخشى التصريح علنا بين فترة واخرى بانه لن يتردد في ان يغزو اراض دول مجاورة سماها بالأسم في ما  لو طلبت  منه مراجعه الدينية سواء التي في العراق او ايران،وبعضهم كان يتفاخر من على شاشة الفضائيات بانه اطلق صواريخ على اراضي تلك الدول من غير ان يراعي القوانين التي تنظم العلاقات ما بين الدول وتصون سيادتها.

تلك التصريحات كشفت حقيقة التواطىء القائم مابين الميليشيات والحكومة العراقية إن لم يكن تقاسم ادوار متفق عليه بينهما في اطار الصراع الاقليمي الدائر مابين طهران ودول الخليج ،وإلا كان يتوجب على الحكومة العراقية ان تتخذ موقفا واضحا وتصدر امرا بموجبه يتم محاسبة من يطلق مثل هذه التصريحات .

في مطلع الاسبوع الماضي كانت  الحكومة العراقية قد اقدمت على رفع شكوى الى نظيرتها الحكومة الاردنية مطالبة اياها بمحاسبة ومعاقبة مواطنين  اردنيين اساءوا الى شخصيات سياسية ورجال دين عراقيين، وكان من باب اولى على الحكومة العراقية ان تبادر في  محاسبة ومعاقبة مواطنين عراقيين تعمدوا الاساءة لدول مجاورة قبل ان ترفع شكواها الى الاردن .

وبنفس السياق اعقب تلك الشكوى ايضا تنديدا من قبل السيد رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي ونائب رئيس الجمهورية نوري المالكي طال الرئيس التركي رجب طيب اردوغان بعد ان انتقد فيه الحشد الشعبي واعتبره ميليشيا طائفية وطالباه بالاعتذار واعتبرا ماجاء على لسانه يعتبر تدخلا في شؤون العراق .

وإذا كان موقف اردوغان يوضع في باب التدخل والاساءة للحكومة والدولة العراقية،ماذا يمكن ان نسمي عملية اختطاف الصيادين ؟

في العراق نرى العجب العجاب في مواقف  يعبر عنها غالبية القوى الفاعلة في المشهد السياسي العراقي،فمن جهة يصبح لديك تصور وكأنهم لايفهمون شيئا في الدبلوماسية والعلاقات الدولية وفي ابسط صورها، ومن جهة اخرى يتشكل لديك اعتقاد بانهم لاينطقون بما تمليه عليهم مصحلة بلدهم،بقدر ما ينفذون مصالح دول اخرى،وإلا مامعنى ان يتم خطف صيادين دخلوا بصورة رسمية ويختفون لمدة تزيد على العام والنصف  (منذ شهر كانون الاول 2016 )ومن ثم نكتشف ان شروط  الخاطفين التي تم تسريبها الى الصحافة لاعلاقة لها بمصالح العراق وامنه الوطني بقدر ما كانت تعبر عن مصالح ميليشيات تابعة لدول اقليمية،وكانت كالاتي :

‏- فك الحصار عن اربع مدن سورية محاصرة من قبل القوات المعارضة للنظام والسماح لدخول أهالي مدينتي كفريا والفوعة (الشيعيتان )من دخول مدينة حلب0

-اطلاق سراح بعض المقاتلين الايرانيين الاسرى لدى جبهة النصرة

– استلام حزب الله اللبناني فديه قدرها مليار دولار ونصف مع اطلاق سراح بعض مقاتليه الاسرى لدى بعض الفصائل السوريه

الا يكفي ما يعيشه العراق من ورطة كبيرة مع قوى الارهاب لكي تصبح اعلى مؤسسة سيادية وسيطة لصالح  قوى تمارس الارهاب داخل وخارج العراق؟

واين ستذهب الفدية التي تبلغ قيمتها مليار ونصف دولار ،هل سيتم بها اعادة بناء الجسور والمستشفيات والمدارس والبيوت التي دمرت في العراق نتيجة للحرب الدائرة ضد قوى الارهاب ؟

هل ستذهب لتتعويض المهجرين والنازحين ام انها ستذهب الى لتمويل الميليشيات ؟

اخر ماصرح به  زعيم احدى المليشيات العراقية التي تقاتل في سوريا الى جانب النظام في دمشق “لن نخرج من سوريا حتى لو ذهب بشارعن سدة الحكم  ” .

وقد جاء هذا التصريح متزامنا مع تطورات سياسية باتت تشهدها منطقة الشرق الاوسط بعد مجيء ترامب الى البيت الابيض ودعوته الى ضرورة انهاء الملف السوري ورحيل بشار عن الحكم.

وهذا الموقف الذي عبر عنه الزعيم الميليشياوي يفنّد مااعتاد ان يصرح به وزير خارجية العراق ابراهيم الجعفري عندما يسأله الصحفيون خارج العراق حول موقف الحكومة العراقية من المليشيات التي تقاتل في سوريا فكان يجيب دائما”نحن لاعلاقة لنا بكل الذين يذهبون للقتال في سوريا،ولن نستطيع ان نمنع احد”..هذا الجواب يضع الحكومة العراقية في مأزق اكثر مما يجنبها المسؤولية بما يجعلها لاتملك الحق في ان تدين اية دولة يتسلل عدد من مواطنيها الى داخل الاراضي العراقية لقتال القوات الحكومية .

التقارير الصحفية والاستخباراتية  تشير الى ان عملية نقل الميليشيات تتم عبر مطار بغداد الدولي وبرحلات يومية الى دمشق ويتقاضى هؤلاء  رواتب وامتيازات اعلى بكثير من المقاتلين في صفوف الحشد الشعبي او الجيش العراقي الذين يقاتلون داخل العراق ،وعندما يقتلون في سوريا يتم دفنهم في العراق بمراسيم رسمية وشعبية يحضرها مسؤولون وزعماء وبرلمانيون .

مامصلحة العراق من ذلك ؟

مالذي يجنيه عندما يتحول ابنائه الى مقاتلين بالوكالة للدفاع عن مصالح انظمة ودول اخرى تتجنب الدفع بمواطنيها الى تلك الحروب ؟

العراق غارق بالدم نتيجة مايرتكبه تنظيم داعش من جرائم،فلماذا لم يتعظ ساسته ويجنبوا بلدهم سياسة الوقوع في شراك الاخرين وصراعاتهم ؟

والسؤال الاهم : مالذي خرج به العراق من عملية خطف الصيادين ؟

آن لساسة العراق ان لايصدعوا رؤوسنا بموضوعة السيادة التي دائما ما يرددونها بمناسبة ومن غير مناسبة،لانهم اول من فرط بها، فلاعتب على اي سياسي اجنبي عندما يتجاوز عليها، فالحديث عن السيادة العراقية بات مضحكا بقدر ماهو مؤلم .

 احد العراقين علق حول موضوع خطف الصيادين في صفحته على الفيس بوك قائلا “عملية الخطف ايجابية ،لان قطر داعمة للارهاب !” .

وعلى افتراض ان قطر داعمة للارهاب،فهل هناك مايدعونا الى ان نقتنع بأن هناك خطف ايجابي وخطف سلبي ؟

الخطف يعني الخطف والقتل يعني القتل بغض النظر عن الاسباب والدوافع والظروف،فكيف اذا كان الخطف او القتل يتم خارج اطار القانون بمعنى ان عملية القتل اوالخطف لم تقدم عليها قوات حكومية ضد مجموعة مطلوبة للعدالة،بل تمت ضد رعايا دولة اجنبية دخلوا بطريقة رسمية،فاين الايجابي بعملية الخطف ؟

عملية الاختطاف بكل مراحلها اضرت كثيرا بالعراق،شعبا ودولة..العراق الذي يقاتل ويدفع الدم وهو يواجه قوى الارهاب،الذي تهجر شعبه وخسر الكثير الكثير من مستقبله وفرص بنائه،كما ان هذه العملية منحت الميليشيات فرصة أن تتغول على حساب الدولة التي اصبحت خادمة لها ولزعمائها.

اظن بان علينا ان نعيد قراءة المفاهيم من جديد واولها مفهوم السيادة ،لكي نعرف فيما إذا كان من الممكن تطبيقها على العراق.

 كاتب عراقي

الجمعة، 21 أبريل، 2017

http://al-aalem.com/%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A9-%D9%88%D8%AC%D8%A7%D8%A6%D8%B2%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D8%B9/


السلطة وجائزة الابداع


مروان ياسين الدليمي

هل يمكن لسلطة سياسية تنتهك الحريات الانسانية أن تمنح جائزة لمبدع لطالما كان موقفه منها يقلقها، وصوته المميز عن اقرانه مبعث ازعاج دائم لها ولمؤسساتها؟

من هي تلك السلطة التي شذت عن هذه القاعدة الراسخة التي تكاد ان تكون مقدسة في منظومة العمل والتقييم في كثيرمن البلدان، شرقا وجنوبا (خاصة في عالمنا العربي) فكرّمت مبدعا كبيراً اعتاد أنْ يغرّد خارج سربها؟. هذا إذا لم تتجاهله وتركنه بعيدا في زاوية النسيان لتجعله يلعن اليوم الذي ولدته فيه أمّهُ. وعلى الارجح في هذا السياق ــ الشرق اوسطي بامتياز ــ  ستلجأ الى مطاردته اينما حطت به رحلة الهروب، سعيا لاعتقاله، وفيما لو نجحت سيقضي بقية عمره خلف القضبان لايرى الشمس، وغالبا ماتتخلص منه بطريقة ما، وكأنه لم يكن موجودا على قيد الحياة.

والسلطة بهذا الخصوص تملك من الدهاء ما يجعلها تتجنب التورط بشكل مباشر وصريح في اعلان الحرب ضد هذا المبدع، ولهذا عادة ماتلجأ الى اسلوب الإيحاء والتلميح،فتخاطب مريديها ووكلائها السريين العاملين في الوسط الثقافي لينوبوا عنها في حربها، تشويها وتسقيطا واساءة واعتداءً، وليس غريبا ابدا ان يلعب مثل هذا الدور افرادا يحسبون على خانة الادباء والكتاب والمثقفين والفنانين، فالوسط الثقافي والفني مثل غيره من الاوساط الاخرى، يضم اصنافا شتى من البشر،منهم اقرب مايكونوا الى الملائكة في حضورهم الانساني ومنهم الاقرب الى الشياطين ولاغرابة ان يكون من بينهم  مرتزقة.

تاريخنا وبلا فخر - البعيد منه والقريب - فيه الكثير من الأدلة ما تؤكد على رسوخ هذا السياق في منظومة عمل الكثير من الأنظمة والحكومات التي تعاقبت على كرسي السلطة وإنْ بدرجات متفاوتة وعلى اختلاف عناوينها وايدلوجياتها.

وحتى لو حاولت بعضها أن تمارس الخديعة، كأنْ تمنح جائزة الدولة لمبدع مخلص لفنه لاغير، فإنها لن تفلح في لعبتها ،لالشيء إلاّ لأنَّ المبدع الحقيقي ذاته لا يرتضي ان يضع نفسه في مثل هذا الموقف، فيخون ضميره وجمهوره الذي يحترمه في مقابل جائزة تعبر عن تواطئه مع سلطة  سُجِّل على ممارسات اجهزتها نقاطا سوداء، وهذا ما كان قد اقدم عليه الروائي المصري  صنع الله إبراهيم عندما رفض استلام جائزة الدولة عام 2003 ايام حكم الرئيس حسني مبارك، وكانت قيمتها النقدية تساوي 16 ألف دولار، وفي حينها قال صنع الله: "لم يعد لدينا مسرح أو سينما أو بحث علمي أو تعليم، لدينا فقط مهرجانات ومؤتمرات وصندوق أكاذيب، لم تعد لدينا صناعة أو زراعة أو صحة أو عدل، تفشى الفساد والنهب، ومن يعترض يتعرض للامتهان وللضرب والتعذيب. وفي ظل هذا الواقع لا يستطيع الكاتب أن يغمض عينيه أو يصمت، لا يستطيع أن يتخلى عن مسؤوليته".

وذات الموقف اتخذه ايضا الروائي الاسباني غويتسولو عندما رفض استلام جائزة معمر القذافي للآداب عام  2009 وقيمتها النقدية 150 ألف يورو. وقد علل موقفه هذا الى ان "المبلغ المالي المخصص للجائزة أتى من الجماهيرية الليبية التي استولى فيها القذافي على الحكم بانقلاب عسكري، كما اعتبرنفسه ليس شخصا ينساق مع القضايا دون قيود أو شروط، ولا يتردد في انتقاد الأنظمة السلطوية، سواء كانت دينية أو جمهوريات وراثية، التي تحكم شعوبها وتبقيهم في الفقر والجهل."

الانظمة التي تطالها الشبهات خاصة في اطار حريات التعبير وحقوق الانسان تسعى دائما الى ان تستر عورتها باطلاق فعاليات ومهرجانات فنية كبيرة تغدق عليها ميزانيات ضخمة حتى لو كانت ميزانيتها تعاني ضائقة مالية وشعوبها ترزح تحت ظل بطالة وامية وشظف العيش، ولعل مسألة منح الجوائز للمبدعين تأتي في اولويات خططها التي تهدف من ورائها الى تحسين صورتها امام المجتمع الدولي لتبدو امامه راعية للثقافة والفنون نظرا لما تشكله هذه الانشطة والفعاليات من اهمية لدى الشعوب والبلدان المتحضرة، وربما تنجح الى حد ما في خديعتها هذه لكنها لن تستطيع ان تمارس هذا الدور الى آخر الشوط طالما الامر برمته قائم على الكذب، وحبل الكذب قصير مهما طال الزمن.

لا قيمة لأية جائزة تمنح لمبدع اذاكانت تقف ورائها جهة سياسية،لانها ستجردها من اطارها الثقافي لتضعها في سياق مشروعها السياسي (ايدولوجي، ديني، مذهبي)، وبالتالي ستصدر حكما بحق المبدع ونتاجه لتضعهما معا  في خانة ضيقة اشبه بزنزانة انفرادية مدى الحياة بدل ان يحلقا في فضاء واسع لاتحده حدود ولاجدران.

كثيرة هي الجوائز التي اطلقتها انظمة وحكومات اختفت مع سقوطها، وبعض من نال تلك الجوائز حاول ان يتبرأ منها ومن النظام الذي منحه اياها ايام جبروته ومجده ولكن بعد فوات الآوان (مثلما فعل البعض ممن استلموا جائزة القذافي على سبيل المثال)، وكان على هؤلاء ان يدركوا في حينه بأن الجائزة ليست قيمتها بذاتها مهما كانت قيمتها المادية عالية،بل بالجهة التي تقف ورائها.

ومازالت جائزة نوبل ــ رغم انها ارفع جائزة عالمية ولاعلاقة لها بدولة او نظام سياسي ــ يدور حولها الكثير من اللغط بسبب الدور الذي سبق ان لعبه مؤسسها الصناعي السويدي الفريد نوبل 1895، في اختراع الديناميت، فكيف بنا امام جوائز تمنحها انظمة متورطة حتى العظم في سياسات القتل والتهجير الطائفي والعرقي  لشعوبها.


الأربعاء، 19 أبريل، 2017

رواق 188







رواق  188
اعداد وتقديم : مروان ياسين  الدليمي
عنوان الحلقة :
قرار عودة النازحين الى مدنهم يتارجح مابين سلطة الدولة والمليشيات .


الثلاثاء، 18 أبريل، 2017

http://bashtabya.com/%d8%a7%d9%84%d9%81%d8%b6%d8%a7%d8%a6%d9%8a%d9%88%d9%86-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%a7%d9%86%d8%a8-%d8%a7%d9%84%d8%a3%d9%8a%d9%85%d9%86-%d9%85%d9%86-%d8%a7%d9%84%d9%85%d9%88%d8%b5%d9%84-%d8%a3/  موقع باشطابيا الالكتروني

الفضائيون في الجانب الأيمن من الموصل أيضا


مروان ياسين الدليمي

بعد تحرير الجانب الأيسر لمدينة الموصل بشكل نهائي في نهاية شهر يناير (كانون الثاني) 2017 من تحت سلطة تنظيم الخلافة (داعش)شاهد المواطنون، هناك ، عناصر تحمل أسلحة فردية متطورة اضافة الى أسلحة اخرى تُحملُ على سيارات(بيك اب) حديثة وبملابس عسكرية مألوفة لدى المواطنين،عادة ماترتديها قوات عراقية مختلفة،منها حكومية واُخرى غير حكومية،وترفع رايات بألوان متنوعة لاعلاقة لها بالعلم الوطني العراقي .
مالفت انتباه المواطنين أنّ أية جهة رسمية سواء كانت  أمنيّة أو عسكرية (رغم كثرتها وتنوع عناوينها)لم تبد اعتراضاً على تواجدهم أينما حلّوا ولا أنْ تحد من انتهاكاتهم بحق سكان المدينة،فمارسوا بكل أريحية عمليات اعتقال واعتداء على مواطنين مدنيين،كما سرقوا ممتلكات عامة وخاصة، منها على سبيل المثال:سرقة محلات قطع غيار وأدوات احتياطية للسيارات في الحي الصناعي . اربع مضخات كبيرة لتوفير ماء صالح للشرب من قبل بلدية الموصل لسكان الجانب الأيسر. مخازن حكومية تحوي مئات الاطنان من الحبوب(حنطة وشعير)تقدر قيمتها بملايين الدولارات تكفي لسد احتياجات المدينة لمدة تزيد على عام كامل حسب تقدير موظفين في تلك المنشاءات . اعتدت تلك العناصر على شباب احدى منظمات المجتمع المدني بالضرب المبرح اثناء تقديمهم مساعدات للناس المنكوبة(نشر الشباب صورا لهم على الفيس بوك تبدو فيها واضحة اثار الضرب على اجسادهم). اقتحموا مركزا أمنيّا واعتدوا بالضرب والشتائم على القوة الحكومية التي تتولى ادارته وافرجوا عن اثنين من اللصوص كانا قد تم ايداعهما في السجن بعد ان تم القبض عليهما بالجرم المشهود بسرقتها سيارة نوع نيسان تعود ملكيتها لأحد المواطنين واطلقوا سراحهما مع السيارة المسروقة . كما شوهدوا وهم يسرقون بيوت النازحين في وضح النهار( عيني عينك ) !
الأخبار الواردة مؤخرا من سكان هذه المدينة المنكوبة تشير الى ان صلاحيات هؤلاء الفضائيين على مايبدو قد اتسعت،لتشمل المناطق التي تم تحريرها من قبل القوات العراقية من سلطة (داعش) في الجانب الأيمن، فكانت صولتهم الاولى يوم الاثنين 11 / 4 / 2017 في وضح النهار ، حيث سرقوا مخازن ومحلات كبيرة في سوق بيع اطارات السيارات بالجملة بعد ان حملوها في شاحنات كبيرة امام أنظار القوات الحكومية .
ماينبغي الإشارة اليه ان الناس كانوا شهودا على معظم أنشطتهم في جانبي المدينة،وباتوا يتداولنها فيما بينهم على صفحات الفيس بوك،إلاّ انهم لايستطيعون الإدلاء بشهادتهم امام السَلطات المختصة حول صحة حدوث هذه الجرائم،ليس لأنهم يخشون(اقصد الناس وليس السلطات)من انتقام تلك العناصر منهم ومن عوائلهم،إنما لأن هؤلاء الجنود(فضائيون)لاوجود لهم على كوكب الارض في نظر السلطة  إلا في مخيلة اعداء الوطن .
وفيما لو تم طرح مثل هذا الموضوع من قبل اَي شخص حتى لو كان مسؤولا حكوميا رفيعا ويتمتع بقدر معقول من المصداقية فلن يلقى آذانا صاغية،وعلى الإرجح سوف يتعرض لحملة تشنيع وتشكيك في وطنيته من قبل أوساط حكومية اضافة الى جهات حزبية وشعبية محسوبة عليها،وربما سيُتهم بالاساءة للدم العراقي الطاهر الذي ينزف من اجل القضاء على الارهابيين وتشويه سمعة مقاتلين ابطال يضحون بارواحهم دفاعا عن شرف العراقيات .
يذكر بهذا الصدد ان(الفضائيين)ذاتهم سبق لهم ان سرقوا مصفى بيجي بالكامل في وضح النهار بعد ان تم تحريره من قبضة تنظيم الخلافة، فحملوه في شاحنات كبيرة بقيت لعدة أسابيع تنقل معداته على مدى ساعات النهار والليل(حسب تصريحات ادلى بها محافظ صلاح الدين وعدد من مسؤولي المحافظة كانوا قد اعلنوها من على شاشات عدد من الفضائيات ولأكثر من مرة لكن دون ان تلقى اذانا صاغية من قبل الحكومة والبرلمان)وتولى طاقم هندسي خاص ليس عراقيا،تم الاستعانة به من دولة مجاورة لتفكيك معداته(على الأرجح من ايران) لم تشر في حينه تصريحات مسؤولي المحافظة الى حقيقة هويتهم .
وحسب رأي خبراء في مجال النفط يعد مصفى بيجي من اكبر المنشاءات في الشرق الاوسط من حيث السعة والطاقة الإنتاجية .
لاأدري اذا ما كان لهؤلاء الفضائيين الذين باتوا يسرحون ويمرحون في مدينة الموصل هذه الأيام يرتبطون بصلة ما ، قريبة أوبعيدة ، بأولئك الذين سبق لهم أن اختفوا فجأة من المدينة(يقدر عددهم 60 الف عنصر) ساعة تقدَّم نحوهم بضعة أنفار من تنظيم داعش فتمكنوا من احتلالها دون قتال في 10 حزيران 2014 ؟

الى الحكومة العراقية :حاسبوا رعاياكم اولا
مروان ياسين الدليمي لكم كامل الحق في أن تطالبوا الحكومية الأردنية بمحاسبة مواطنيها الذين أساءوا لرموز عراقية سياسية ودينية ومعاقبتهم . ولكن ، كان عليكم أولا أن تبادروا بمحاسبة ومعاقبة(مواطنين عراقيين) تعمدوا التحريض علنا على قتل أكثر من ثلاثة ملايين عراقي،في مقدمتهم مراسل قناة العراقية (الحكومية) في باريس (سيف الخياط ) الذي  لم يتردد في ان يكتب بوست صريح نشره على صفحته في موقع (تويتر) مع بدء عمليات تحرير الموصل من سلطة داعش،طالبكم  فيه بأن تضربوا المدينة بقنابل نووية وإزالتها عن الوجود .! ! وتم تداول البوست  من قبل رواد مواقع التواصل الاجتماعي بعد أن لاقى حملة ازدراء واسعة كما طالب معظم  المعلقين  في حينه بمحاسبته قانونيا من قبل القضاء والحكومة العراقية لان ما كتبه يعد دعوة صريحة على القيام  بإبادة جماعية بحق مواطنين مدنيين عزل . فإذا كنتم -والكلام موجه للحكومة العراقية- ترفضون الإساءة الموجهة من مواطنين (غير عراقيين) ونحن معكم في هذا ،كان من باب اولى أن تبدأوا (بالعراقيين ) ومن يحسب  عليكم ويمثلكم أمام العالم .على الاقل كان ينبغي إنهاء عمله كمراسل ومنعه من الظهور على شاشة القناة الرسمية التي تمول من المال العام . ( الشخص المعني بالتحريض مايزال يعمل مراسلا لقناة العراقية من باريس ، وسبق له قبل عدة اعوام أن رشق منتظر الزيدي بالحذاء - انتقاما لبوش الابن  - أثناء مؤتمر كان الزيدي قد دعي اليه في سويسرا  )

مُختصر مُفيد : دستوريا ، اصبحت خيرات البلد حقّ إلهي مقدّس للمغتربين العراقيين (المجاهدين) في جنائن اوربا المقدّسة الى عاشر ظَهر . أمّ...