الاثنين، 31 يوليو، 2017

رواق 206







رواق 206
اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي
العناوين :
المطلوب الآن من حكّام العراق/ عدنان حسين
الفكر السياسي البابلي ومنجزه /د. حسين الهنداوي
الموصل..هل ستعود كما كنا نسميها "أم الربيعين"؟  / حسين عمران
انت ..لن تتكرر / د.احمد جارالله ياسين

الأحد، 30 يوليو، 2017

http://www.alquds.co.uk/?p=762677 دعشنة العرب السنة في الموصل
صحيفة القدس العربي

دَعشَنةُ العَرب السنَّة فِي الموصِل

مروان ياسين الدليمي

Jul 31, 2017

العرب السنّة في الموصل على وجه الخصوص أصبحوا في وضع لا يحسدون عليه طالما بات ينظر اليهم من قِبل بقية مكونات المجتمع العراقي على أنهم حواضن للمتطرفين والتكفريين والإرهابيين، ولم يعد أمرا غريبا ولامستهجنا أن تنهال عليهم في مواقع التواصل الاجتماعي الشتائم البذيئة التي يُقذف بها عناصر تنظيم الدولة بهدف النيل من كرامتهم الوطنية وهويتهم المذهبية والقومية.
في هذه الهجمة المستعرة لم يعد هناك من تمييز يفرزهم بمسافة بعيدة عن الدواعش، وبات أمرا طبيعيا أن يوصفوا أنهم وحوش ومتخلفون لا يعرفون معنى الشرف ولا الغيرة على عرضهم طالما أن مدنهم خضعت لسلطة تنظيم دولة الخلافة الإسلامية.
بداية الحملة
هذه الحملة الإعلامية المنظمة فرضت حضورها اليومي منذ أن سقطت محافظة نينوى تحت سلطة تنظيم الخلافة عام 2014 وتحديدا ما إن بدأت سياسة تهجير المسيحيين من الموصل وقتل الإيزيديين وسبي نسائهم في قضاء سنجار والقرى المحيطة به من قبل عناصر تنظيم الخلافة .
خلال الأعوام التي سيطر فيها التنظيم على محافظة نينوى تصاعدت وتيرة هذه الحملة الإعلامية يوما بعد آخر وانتظم في صفوفها طيف واسع جدا من العراقيين بمختلف انتماءاتهم الدينية والقومية وكلما ارتكب الدواعش جريمة ارتفعت وتيرة الشتائم واتسعت قاعدة الشاتمين وتعمقت مشاعرالكراهية ضدهم .
بدا واضحا أن هذه الحملة قد خرجت عن كونها مجرد رد فعل عفوي ازاء ما يرتكبه تنظيم (الدولة) من انتهاكات وجرائم بشعة بحق الأقليات وأتباع الديانات التي تدين بغير الإسلام، خاصة وأنها تبلورت واتخذت شكلا ممنهجا ومؤطرا في جيش الكتروني شبحي اصطف في صفحات ومواقع الكترونية، ويمكن ملاحظة ذلك في نمط محدد من العبارات والردود التي باتت تتكرر على ألسِنة رواد مواقع التواصل الاجتماعي، ويشير تكرارها على أنها بمثابة أجندة صادرة من جهات سياسية تتولى توجيه وقيادة جيش من الشاتمين الشامتين بتكرار استعمالها، وبطبيعة الحال فإن مثل هذا الوضع في المقابل لابد أن يثير قدرا من الريبة إزاء من يرددها في اللحظة التي تجده يعبر عن سخطه ضد همجية الدواعش طالما كان رد الفعل الجمعي المشخَّص في عبارات الشتم والشماتة يتعمّد عدم التفريق ما بين تنظيم الدولة وعموم العرب السنة ويضع كليهما في سلة واحدة، بمعنى أن وراء ذلك تختفي عملية ممنهجة لخلط الأوراق بهدف شيطنتهم وتجريمهم وتحميلهم المسؤولية مناصفة مع عناصر تنظيم دولة الخلافة عن كل الجرائم التي ارتكبت بحق بقية مكونات المجتمع.
وفق هذا السياق تمت عملية تزييف وتغييب للحقائق مع أن كثيرا منها موثق بالصوت والصورة بما يؤكد على أن العرب السنة قد دفعوا الثمن الأكبر قبل غيرهم في المدن التي سيطر عليها التنظيم والتي يشكلون فيها أغلبية سكانية كما هي مدينة الموصل نتيجة ما ارتكبه الدواعش بحقهم من جرائم بعضها يرتقي إلى مستوى الإبادة الجماعية، فعلى سبيل المثال في عام 2015 أقدم تنظيم دولة الخلافة في يوم واحد فقط على إعدام 2071 عربيا سنيّا من سكان الموصل، وكانت التهمة الموجهة إليهم هي التخابر مع القوات الأمنية الحكومية العراقية، وقد علق التنظيم قائمة باسمائهم على بوابة مبنى الطب العدلي الكائن في حي الشفاء الواقع في الجانب الأيمن من المدينة ولم يتم تسليم جثثهم إلى ذويهم وفي حينها اشارت التقارير الاستخباراتية إلى أن جثث المعدومين تم القاؤها في حفرة عميقة تقع خارج المدينة تم الوصول اليها فيما بعد وتصويرها من قبل القنوات الفضائية والطواقم الصحافية بعد تحرير الموصل.
التَّشفي من الضحايا
بلغت حملة دعشنة العرب السنة ذروتها مع بدء عمليات تحرير مدينة الموصل وتقدم القوات العراقية الحكومية وسيطرتها على مجريات المعركة وتحريرها للأحياء السكنية خاصة في الجانب الغربي حيث يشكل العرب السنة معظم سكانه. في هذه الحملة الإعلامية تجلت نبرة التّشفي إزاء ما يسقط من قتلى بين صفوف المدنيين نتيجة القصف المدفعي والصاروخي وقصف الطيران العراقي والتحالف الدولي هذا اضافة إلى تدمير البنى التحتية من جسور ومستشفيات وبنوك ومدارس ومبان حكومية ومساجد ودور عبادة.
من خلال حملة دعشنة عرب الموصل والتشفي بمآسيهم توحدت تعليقات عدد كبير من رواد مواقع التواصل الاجتماعي سواء بشكل فردي او من خلال جماعات منتظمة ولعل تدمير جامع النوري ومنارته الشهيرة الحدباء أبرز مثال على ذلك.
هذه الظاهرة الإعلامية كشفت عن نفسها بشكل صارخ في مواقع التواصل الاجتماعي بشكل أكبر من بقية القنوات الإعلامية الأخرى وذلك لسهولة استخدامها من قبل اي شخص لمجرد امتلاكه هاتفا ذكيا، وتستدعي هذه الظاهرة التساؤل عن الابعاد الاستراتيجية التي تختفي وراءها.
سقوط إعلامي
في كل الأحوال نجد أن الهدف الأقصى لهذه الحملة الإعلامية يتلخص في السعي لتمزيق النسيج المجتمعي وقطع آخر الخيوط التي تربط مكوناته الدينية والقومية مع العرب السنة على وجه الخصوص لأنهم يشكلون أغلبية سكانية وصولا إلى تهيئة المقدمات لإعادة تقسيم ما يعرف في المنطقة العربية، لم يعد غريبا ولا مفاجئا مثل هذا الاستنتاج بعد أن تم تداوله على نحو واسع في الأوساط السياسية والإعلامية خاصة بعد أحداث ما يعرف بالربيع العربي التي ابتدأت في مطلع العام 2011 والتي كان من أولى تداعياتها سقوط العديد من الدول والمجتمعات العربية في دوامة من العنف والاقتتال الداخلي لم تتوقف بعد مضي أكثر من ستة أعوام عليها كما في ليبيا وسوريا واليمن والعراق وليس هناك ما يشير إلى امكانية ايقاف هذا التداعي على المدى المنظور بل على العكس كل المؤشرات تذهب في اتجاه زيادة وتيرة العنف المجتمعي بما سيفضي إلى تغييب الانتماء الوطني الجامع للمكونات في مقابل تخندق قائم على أسس فرعية (عنصرية) وهذا المسار سيفضي بالتالي إلى تفتت الدول وتشظيها إلى دويلات قائمة على أسس مذهبية اودينية اوقومية.
برنارد لويس وخطة التفتيت
نحن الآن أصبحنا شهودا على نجاح الفرضيات التي سبق أن طرحها المفكر الأمريكي الجنسية والفرنسي الأصل (برنارد لويس) في الملف الذي قدمه عام 1978 إلى الرئيس الأمريكي جيمي كارتر لمواجهة العالم الإسلامي خاصة في منطقة الشرق الأوسط التي تجلس على بحيرات هائلة من النفط وتستحوذ على معظم ثروات العالم هذا اضافة إلى ما يشكله المسلمون من خطر على هوية الغرب المسيحي وجودا ومصالح حسب وجهة نظر (لويس) التي ركز فيها على فكرة حتمية صراع الأديان في منطقة الشرق الأوسط، ولكي يتم وقف هذا الخطر الإسلامي لابد من التركيز على تفتيت المجتمعات في العالم الإسلامي اعتمادا على استراتيجية دعم الهويات الفرعية الدينية والإثنية.
لو تتبعنا مجريات احداث الربيع العربي لوجدنا عديد الادلة التي تؤكد على ان المنطقة العربية قد ساقت نفسها بنفسها إلى الفخ الذي توصل اليه برنارد لويس ونصبته الدوائر الاستخباراتية في الدول العظمى.
الثمن الفادح
إن الخسارة الحقيقية هنا في هذه المسألة تكمن في حالة العداء والكراهية التي شاعت في مجتمعات الشرق الأوسط والتي لم يسلم منها الجميع دون استثناء، بل كانوا الأدوات الفاعلة لإدامة هذه المشاعر كما خططت لها الدوائر الاستخباراتية الإقليمية والدولية. ولعل اسوأ ما في هذه الحالة اعتبار العرب السنة جميعهم دواعش حتى اولئك الذين لا يرتبطون مع التنظيم بأية صلة والذين تضرروا منه كثيرا .
إن المعركة مع قوى الإرهاب ممثلة في المواجهة الشرسة ضد تنظيم الخلافة كان ينبغي أن تكون ذات بعد وطني حيث تتاح الفرصة فيها لجميع العراقيين أن يشاركوا فيها بمختلف مكوناتهم الثقافية والمذهبية لأنها معركة وجود للجميع ، للدولة وللمجتمع ولبلد اسمه العراق وعلى هذا الأساس لا يمكن القبول بفكرة أن هناك طائفة ليس لديها الاستعداد للمشاركة فيها بحجة تخاذلها او تواطئها مع الإرهاربيين.
هذه التخريجات التي يتم تداولها منذ ان بدأت معركة تحرير الموصل كانت بمثابة مقدمة لجملة إجراءات اقدمت عليها سلطة التحالف الوطني الحاكمة بزعامة حزب الدعوة فيما بعد لمنع مشاركة العرب السنة في معركة التحرير،ودليلنا على ذلك:عدم الموافقة على تأسيس تشكيل عسكري بأسم(الحرس الوطني) كانت قد دعت اليه القوى السنية لأجل أن يكون قوة محلية في المحافظات ذات الأغلبية السكانية السنيّة لكي يساهم في معركة التحرير ومواجهة الإرهاب، وحتى عندما تمت الموافقة بعد مخاض عسير على تشكيل قوة عسكرية أخرى من أبناء محافظة نينوى اطلقت عليها تسمية (حرس نينوى) تم التعامل معها بعدم الاهتمام ولم يتم تجهيزها باسلحة حديثة كما هو عليه الحال في ميليشيا الحشد الشعبي، كما لم يسمح لتشكيل حرس نينوى بالمشاركة في معركة تحرير محافظة نينوى عندما بدأت المواجهة العسكرية وبقيت عناصره تنتظر الفرصة وهي قابعة في مقراتها.
وفق هذا السياق ليس صعبا ملاحظة إصرار قوى التحالف الوطني الشيعي الحاكم على استبعاد العرب السنة في الموصل من المشاركة في تحرير مدينتهم والاكتفاء بتشكيلات رمزية مسلحة عشائرية يقف خلفها نواب سنة يمثلون محافظة نينوى في البرلمان العراقي ويرتبطون بعلاقة خاصة مع نوري المالكي نائب رئيس الجمهورية وزعيم كتلة دولة القانون الذي مايزال يملك نفوذا وسلطة على الأرض أكبر بكثير من سلطة رئيس الوزراء نفسه حيدر العبادي خاصة في ما يتعلق بحركة فصائل الحشد الشعبي، وهذا يعود إلى طبيعة العلاقة الوثيقة التي يرتبط بها المالكي مع طهران التي عبرت عن دعمها له وتأييدها القوي في أكثر من مناسبة وعلى لسان أكثر من مسؤول حكومي، وفي مقدمتهم علي خامنئي نفسه حتى ان هناك العديد من التقارير التي اشارت إلى ان طهران كان لها دور كبير في ايقاف الإجراءات القضائية التي اوصى بها التقرير النهائي للجنة التحقيق الخاصة باسباب سقوط الموصل التي شكلها البرلمان العراقي لأن اسم المالكي تصدر قائمة الاسماء التي وصلها عددها إلى 37 مسؤولا حكوميا وعسكريا وجدتهم اللجنة يتحملون مسؤولية سقوط المدينة.
تخوين الآخر
أمام عبارات الشكر والعرفان الموجهة للطائفة الشيعية التي أغرقت مواقع التواصل الاجتماعي باعتبارهم تحملوا ولوحدهم معركة التحرير الباهظة ودفعوا الدم غاليا من شبابهم ليستعيدوا محافظة نينوى من الإرهابيين ويحرروا الأسيرات المسبيات الإيزيديات ليس من الصعب اكتشاف ما تحمله هذه الحملة الإعلامية الممنهجة من هدف محدد يتلخص في الإيغال في تمزيق النسيج الاجتماعي بابعاده الدينية والقومية والوطنية من خلال الاصرار على فكرة التخوين والتسقيط الوطني والاخلاقي للعرب السنة وقد تكاتف على شن هذه الحملة جهات مختلفة دينيا قوميا، لعل في مقدمتها ماكنة الإعلام التي تملكها وتمولها احزاب الإسلام السياسي الممسكة بالسلطة.
انتهت معركة تحرير مدينة الموصل بهزيمة تنظيم دولة الخلافة الإسلامية وعادت سلطة الدولة العراقية إليها، وتعبيرا عن شعور سكانها بعظمة وأهمية ما تحقق من نصر كبير منحهم فرصة الخلاص من سلطة الدواعش عمت مظاهر الفرح شوارعها رغم الثمن الفادح الذي دفعته المدينة بتدمير 800 في المئة من ابنيتها التحتية وخسارتها لأكثر من 40 الف قتيل مدني ، إلا أن هناك نقطتين مهمتين تستوجب التوقف عندهما، الأولى تتعلق بالأسباب التي أدت إلى سقوط الموصل عام 2014.
والنقطة الثانية تتعلق بتداعيات نتائج النصر على واقع ومستقبل السكان والمدينة.
أمّا بخصوص النقطة الأولى فعلى ما يبدو أن السلطة في بغداد لم تخرج بما يكفي من الدروس لكي تتجاوز وتتلافى وتستبعد ما كان له صلة في انهيار العلاقة ما بين الجيش العراقي وبقية الأجهزة الأمنية مع سكان الموصل وادارتها المحلية نتيجة سوء تصرف وفساد الكثير من عناصر الجيش والأجهزة الأمنية مع المواطنين (هذا مااشار اليه تقريرلجنة سقوط الموصل البرلمانية)فالتجاوزات التي حصلت بعد التحريرخاصة في الجانب الشرقي (الأيسر) من المدينة والتي يتحمل مسؤوليتها عناصرمسلحة تنتمي إلى فصائل الحشد الشعبي (كتائب سيد الشهداء) قوامها من المكون الشَّبكي الشيعي الذي يقطن خارج مركز المدينة وتحديدا في منطقة سهل نينوى كانت قد وصلت إلى حد الاشتباك المسلح في منطقة المجموعة الثقافية مع عناصر حرس نينوى المكلفين بحفظ الأمن داخل المدينة وهذا ما يبعث رسالة قلق وعدم اطمئنان حول مستقبل الأمن والأمان لدى سكان الموصل ،كما يمنح الفرصة مرة أخرى للإرهابيين لكي ينفذوا من هذه الثغرة ليعاودوا نشاطهم في التفجيرات والاغتيالات وابتزاز المواطنين.
اما النقطة الثانية المتعلقة بنتائج النصر فإنها مرتبطة بدرجة كبيرة بقضية دعشنة العرب السنة التي نجح الإعلام الرقمي في ترويجها وكسبها إلى درجة بات فيها من الصعب عليهم أن يرفعوا صوتهم احتجاجا على سوء الأوضاع المعيشية التي يعانون منها أو أي تجاوزات قد تقع عليهم من قبل عناصر محسوبة على السلطة المركزية لأنهم وحسب أجندة هـذا الإعـلام:
- كانوا حواضن للدواعش مما مهد الطريق لسقوط المدينة.
- أساؤوا إلى كرامة الجيش العراقي في وقت سابق لمّا رموا عناصره بالحجارة ساعة هروبه من المدينة عندما سقطت تحت سلطة الدواعش.
- لم يعلنوا اية صورة من صور المقاومة المسلحة ضد الدواعش طيلة الأعوام الثلاثة التي كانوا فيها خاضعين لسلطتهم.
- لم يدافعوا عن الأقليات التي تم تهجيرها من المحافظة بل ساهموا فيها واستولوا على بيوتهم وأملاكهم.
- لم يشاركوا في القتال إلى جانب القوات الحكومية والحشد الشعبي في معركة تحرير الموصل.
كل هذه الأسباب التي هي بمثابة اتهامات تم الترويج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي تضع الموصليين من العرب السنة في عنق الزجاجة، بما تجعلهم يشعرون بالانكسار والذل رغم فرحتهم بالنصر على الدواعش.
ما بعد التحرير
وعلى ما يبدو فإن هذه النتيجة تقع في صلب ما كان يسعى إلى تحقيقه نوري المالكي من أجندة منذ أن كان يتولى رئاسة الوزراء، فالأجواء ما بعد تحرير الموصل أصبحت اليوم ملائمة جدا لإحداث ما كان يعد له من تغيير ديموغرافي في بعض مناطق محافظة نينوى على أسس طائفية مثل قضاء (تلعفر) الذي يتقاسمه الشيعة والسنة، كذلك بعض مناطق سهل نينوى مثل ناحية (برطلة) التي يتواجد فيها وفي القرى التابعة لها أقلية شبكية ينقسمون ايضا في تبعيتهم المذهبية مابين شيعة وسنّة هذا إضافة إلى تأمين خط بري لنقل السلاح والمليلشيات من إيران إلى سوريا بعد أن تمر قوافل الشاحنات من محافظة ديالى التي تجاور الحدود الإيرانية إلى الموصل التي لها حدود مشتركة مع الأراضي السورية.
كاتب وباحث من العراق

المشهد الثقافي 505

المشهد الثقافي 506







المشهد الثقافي ح 506
اعداد واخراج : مروان ياسين
تقديم : ريتا البازي
تقارير : حسن البغدادي
23 / 7 / 2017
العناوين :
 تقرير عن معرض
فني  اقامته الكنيسة الكلدانية في بغداد.حوار
عن تردي الواقع المسرحي مع  الفنان  يحيى ابراهيم ، تقرير عن ندوة اقامتها  جميعة حقوق الانسان الاميركية في العراق عن
مفهوم المجتمع المدني.

السبت، 29 يوليو، 2017


  http://altaakhipress.com/viewart.php?art=8228
 صحيفةالتآخي


حرية المخرج المسرحي  

 
    مروان ياسين الدليمي/ اربيل        تاريخ النشر: الخميس 19-01-2012  
AddThis Sharing Buttons
بعد كل التجارب المسرحية التي تجلى فيها الدور الجديد للمخرج المعاصر بكل تحدياته وتحديثاته القيمية في اعادة صياغة مفهوم الاخراج المسرحي ومايتفرع عن ذلك من تأطير جديد للعلاقة مع النص الادبي والتي ابتدأت مع مطلع القرن العشرين  عبر اعمال عدد من الاسماء العاملة في المسرح الاوربي منهم على سبيل المثال راينهارت وبيساكتور واعقب ذلك اسماء اخرى توالت في نسف كل ماكان تلبّس التجربة المسرحية من ثياب ثقيلة كان قد اسقطها عليها كتاب النصوص المسرحية  لم يعد المخرج المسرحي المعاصر ينطلق عبر الابواب  والنوافذ التي يفتحها  النص  الادبي ، بل لم يعد المخرج يحتمل التعامل مع نفسه بصورة مشوهة،انما اخذ يتطلع من خلال دوره الخلاق لاخضاع النص الى مستلزمات الفضاء المسرحي وتقنيته المتحركة، وهو بذلك يضحي بسلطة النص ويغادر بهاالى مؤَلف جديد ،لان النصوص الادبية ما هي الا مشاريع عروض مسرحية تستدعي من المخرج ان يصحبها الى محترفه الذاتي ليسلط عليها مشرطه وفقا لمنطق :1-التصور 2-الافتراض ..حتى تستوفي اشتراطات الفضاء المسرحي وتستجيب الى فعل التمسرح مغادرة بذلك قوقعة اللغة الادبية .
ان مايخطط له المخرج في افتراضاته وتصوراته ماهي الا ّ:قراءة توليدية للنص ينتج عنها قراءة اخرى ، تجيءبعد انتهاء العرض من قبل مجموع المتلقين الذين بدورهم يتلقون العرض وهم يحملون مشارطهم بحثا عن اسئلة واجوبة جديدة بقيت خفية وبعيدة عن الظهور امام المؤلف والمخرج على حد سواء .. بمثل هذا المنطق سيتم تشييد زمن جديد يتسع لكل ماهو مستور ومستقر في انساق العرض السمعية والمرئية. والمخرج  في هذا المنظور ليس  بحاجة الى جمهور واسع طالما كانت فلسفته تنظر الى التجربة المسرحية على انها: مغامرة شاقة لتفكيك اللغة المتوارثة واقتحام عصيانها وهدمها ليشكل عرفا اخر ولغة اخرى. وهذا الفهم يتم الوصول اليه عبر تكثيف الجهد والبحث والتامل بشكل متواصل من اجل استنتاج تجارب فنية تنسف آلية العلاقة القائمة مابين الجمهور والتجربة المسرحية .
       الخروج من الدائرة المغلقة  . .  ان غايتنا الحرية، حرية الشكل ،حرية التلقي ، حرية القراءة. فلم يعد مجديا الركون الى ارتباطات فنية مسبقة لقيام التجربة المسرحية ، لان المسرح باعتباره فعل معرفة ، وتقنية تعبير عن الانسان وهواجسه  يمتلك الافق الواسع لاستيعاب المغامرة والتجريب بحثا عن حلول جديدة لاطلاق الاسئلة المتحركة في ذات الانسان.  والمخرج في تعامله مع النص الادبي يعيد اكتشافه من جديد متحركا في مواطن مغلقة لم تُستنطق من قبل المؤلف متجاوزا بذلك مايتحرك على السطح من مكاشفات مصحوبا بعدته المسرحية (التقنية  والمهارية) للخروج من النمذجة في التعاطي مع النص والتي لاينتج عنها الاحلقة مفرغة من التكرار والنمطية في بناء العرض .فالمخرج ينظر الى النص المسرحي على انه دائرة مغلقة من المعاني والدلالات المكتفية براهنيتها بل وجد فيه اشبه مايكون بخطين متوازيين لايمكن لهما ان يلتقيا، وهذان الخطان هما: 1- ( النص والمخرج) قبل العرض 2- ( والمخرج مع المتلقي)  بعد العرض..  لان هذا الصراع الثر قائم ولاينتهي مابين اضلاع  هذا المثلث.
من هنا تتسع وتتعدد زوايا الرؤيا الى الموضوعات والافكار مابين المؤلف والمخرج والمتلقي في انتاج التجربة المسرحية.. وعليه فان كل الصياغات الاجرائية في الحذف والتعديل والاضافة واعادة التركيب من جديد من قبل المخرج ماهي الا محايثة للنصوص بمعان جديدة للوصول بالعمل المسرحي الى ان يكون حركيا في آلية تعاملة مع النص ومشتبكا معه لامستسلما ولاينفكُّ هذا الاشتباك حتى بعد انتهاء العرض، بل تستدعي هذه العلاقة الجديدة كل عوامل التحريض على طرح الاسئلة والسير في طريق التامل والتاؤيل، ولعل المؤلفين سيجدون انفسهم غرباء داخل صالة العرض وهم يشاهدون نصوصهم وقد خرجت من ملكيتهم ومملكتهم وحلقت في زمن اخر ،  زمن شكلته الحرية المشاعة لكل اطراف اللعبة المسرحية. ولم يعد النص مُنغلقا على الزمن الذي أراده له المؤلف. بل تعداه الى زمن مفتوح بالدلالات التي شكلها ويشكلها المخرج والمتلقي بهذه الامكنة البكر التي دشنها المخرج المعاصر مع النص والتي لم تكن سوى عودة للروح الى الجسد الميت.
من هنا: ضاقت الارض تحت اقدام المؤلف التقليدي وانزوى خارج اللعبة المسرحية ومسارها الجديد وانطوت صفحته وليقفز عوضا عنه الى الخشبة: المخرج المؤلف.. الذي يشتغل مفكرا بلغة المعالجه الاخراجيه للمعنى الذي ينوي ترويجه على خشبة العرض ،فهو لا يستطيع الخروج من ثنائية : (التركيب + المعنى) ،عندما يخطط _للنص/العرض_  لان في ذلك يتجلى الدالين (النص+ العرض) في سياق واحد متراكب داخل انساق العرض السمعية والبصرية التي تملكها علاقة تجانس وتوافق في تشكيل الصوره /المشهد.
  الاجهاز على المؤلف . . ان هذا الحضور الفاعل لا ياتي الا من فهم مسوغات العمل المسرحي وعلاقته المتشابكة اثناء التمرين والتحضير للعرض. يقول كاندس دالنغ (ان النصوص تقول دائما لا اكثر و لااقل من مقاصد مؤلفيها او انها تقول ببساطة شيئا اخر )......... على ذلك عندما يرتبط المخرج مع نص ما فانه سيحاول ان يكمل النقصان الحاصل في النص ويستدعي ما هو غائب للحضور على خشبة المسرح عبر اقنية مختلفه عن لغة المؤلف وفقا لمشيئة الاجراءات الافتراضية داخل (مشغل التمارين ) الذي يفي حاجاته من خلال رحلة غامضة تسعى الى الاستعانة بعلاقة راسخة مع آلية الاستعارة في كتابة النص من جديد ليحرره من راهنيته ويعدو به الى احتمالات جديدة ومن ثم ليصبح ملحقا بقانون (الضرورة).
ان اجراءات هذه العلاقة الجديدة مع النصوص: اوقفت رحلة الكتابة الادبية للمسرح وفق المنهج الارسطي ولم يعد هذا الرهط من  الكتّاب قادرا على المصالحة مع استقلالية المخرج وتمرده على سلطة النص ومقترحاته بعدما اصبح النص خاضعا لاعادة توليده من جديد بعيدا عن مكتفيات المؤلف بل تم الاجهاز عليه وفق مقتضيات اللعبة المسرحية وفضائها الفسيح بانساقها السمعيه والبصريه ليستجيب لتقنية الفعل المسرحي المتحرك وفق الضروره الدرامية وبذلك سيتجه النص عبر العرض المسرحي نحو جهة اخرى لايرتضيها المؤلف التقليدي وسيصاب بالخيبة والخذلان.
  سلطة الخشبة . . ان المخرج حينما يتصدى لاي نص يسعى الى تحريره من عبودية المحددات التي فرضها المؤلف عبر لغته ليقوده  الى فضاءات الخشبة المفتوحة والمنتصرة لبلاغات: (الافتراض ،والتصور الاستعاري للفعل الدرامي).. هنا يضع المخرج نفسه امام اختيار حر وشائك في البحث عن الخفايا المستبعدة عمداً وسهواً من النص. ولم يعد المخرج في موقع المستهلِك المخدوع من قبل المؤلف بل يضع نفسه وتجربته في زمن ابداعي جديد يعيد فيه امتلاك وتغيير بنية النص.
 الى هنا وصل المخرج الى ايقاف مفعول النص الادبي باعتباره (بؤرة مركزية للعرض ) وتسلّم عصا السلطة الانتاجية لسينوغرافيا العرض بانساقها السمعية والبصرية. ليكتفي بها المخرج في استبعاد سطوة الاملاءات الاستعلائية الادبية وليحرر الفضاء المسرحي من غشاوة الجملة الادبية وغرورها ولتنعتق الطرق امام المخرج ،محققاً بذلك : الممارسة الاخراجية بلا وصاية مسبقة. ومؤسساً (نصا) مسرحيا تم تشكيله في فضاء (الخشبة / المكان) وليس على الورق.
لاشك ان ذلك اعطى للتجربة المسرحية خصوصية اجناسية لها صلة بامكاناتها الجمالية واخرجها من معتقل الادب الى فضاء (التمسرح) ولم يعد هناك قسرية كتابية مسجلة على الورق تفرض نفسها على المخرج بل خرج صانع العرض المسرحي من عزلته بندية ٍواضحةٍ ليفرض هويته الابداعية وليدجِّن المؤلف الادبي فيها..
بذلك عبر المخرج بالعرض المسرحي الى رهانات ِاللغة المسرحية التي خلخلت ارستقراطية النص الادبي وامتلك العرض براءته من خطايا الغرباء الذين اقتحموا بكارته.
في هذا الاطار التغييري كُشِفَ النقاب عن صيرورة بناء (النص/ العرض) بحركة اختزالية رمت بالكثير من الاستعراضات الاستطرادية اللغوية ليحل محلها بدائل ُمقاومِة. استعاريةٍ مجازيةٍ تشفيريةٍ عبَّاتها الصورة المسرحية بما تمتلكه من قدرة على تسريب الفعل المسرحي، ولم يعد المخرج مترجما ومكتشفا لافكار المؤلف بل خالقا وممارسا لحريته في التعبير عن افكاره هو ومحطما بذلك العلاقة غير الطبيعية والمخادعة مابين النص والعرض.
    كتابة جديدة . . وهنا ينفتح السؤال: مالذي يسعى اليه المخرج من وراء ذلك بعد ان ترك وراءه كل ذلك الارث الواضح الذي انتجته مؤسسة معرفيه قائمة منذ الالاف السنين ؟
ان مايسعى اليه المخرج هو: البحث عن انتاج خطاب جديد يبلور نمطا تكنيكيا يتم استدعائه عبر الممارسة التجريبية ،وهي تتجلى من العلامات التي تاكسدت في متونِ ذلك الارث، كما ان هذا الخوض التجريبي يحمل في توغله بين ثنايا التجربة المسرحية مقصدا فنيا لابتكار اشكال ٍوستراتيجيات جديدةٍ ومتحركةٍ لتهشيم مفردات الذائقةٍ الجماليةٍ المتداولةٍ. والخروج من الوقائع الجاهزةٍ لايجاد بنيةٍ اختزاليةٍ ترتفع بالقيم والعلاقات التعبيريةِ الى خارج تشكيلات المؤسسةِ المعرفيةِ (التاريخيةِ) ومن ثم ليولَدَ الاختلاف في التلقي وتعدد القراءات للعرض المسرحي  بعيدا عن الثوابت والاطر المرجعية التقليدية المتوارثة، لنصل الى قطيعة معرفية وجمالية مع ماهو مسبّق من الافكار والنظم وصولا الى كتابةٍ جديدة لكل عرض وتجربة مسرحية.
من كل ذلك يسعى المخرج المعاصر الى التوغل الدائم في بناء خصوصية التجربة المسرحية ورسم تفردها وعصيانها عن كل ما يجاورها من الفنون الاخرى، كذلك تنويع خصوصية كل تجربة مسرحية وانغلاقها على نفسها. هنا يتحول العرض الى الدخول في تجربة متفردة بكل حقولها السرية بحثا عما هو مخبوء تحت الافخاخ التي نزرعها في زمن العرض المحتفل بعنصر التناقض القائم ما بين كل المفردات والاشارات المرفرفة في ذاكرة العرض .
 القبض على جمر الاسئله . . ان مانقيمه هنا على خراب السياق الطبيعي والمتوارث للعلاقات ماهي الا: رحلة انتشاء ـــ لكن بارتياب ــــ ضد الرماد وضد التآلف المقدس وارتماء تام في محنة ، والخروج منها ،  بزمان ومكان جديدين ، بفعل الانتهاك الدائم لرايات ميراثنا المتهرىء ،ذلك لان حقيقة علاقتنا الدائمة مع المسرح هي: حالة استياء دائم لما انجزناه من قيود.
عليه فان خصوصية هذه العلاقه تقتضي: صراعا دائما مع انفسنا الى مملكة الرفض لنقبض على جمر الاسئلة باحتفال مجنون .
ان غايتنا: المجابهة مع النفس،  مع الذات ،  مع الوجود.. فما الذي يمكن ان نقدمه اذا لم نتخلى عن مافي جعبتنا من مهارات مكدسة بين ايدينا مستندين الى  فعل الصدام والمجابهة المعرفية القائمة على الاسئلة .
    حرية اللعب . .     المسرح لعبة  ترتبط بتقنيات جمالية  تكشف في استقصاأتها عن حواريات تفكك كثافة الزمن وتعيد سرده بصيغ وبناءات تتوزع على خارطة مسكونة بالتعري تتأرجح مابين  ( النزول و الصعود)  الى منظومة معرفية جمالية  تتقصد ابتكار الفوضى المزحزحة لفساد المعايير . وهو يحتوي على صرامة نظامية متحرِرَة  بافتراضات مرئية ولا مرئية.
ان اصولية المدرسة الارسطية  اقتصرت اسئلتها على منظومة السرد القصصي للدراما ، المسوّر باللغة المصنّعة ، وبقي التجريب فاتحاً ذراعيه امام النصوص الادبية المسرحية فقط  وكانت تلك الرؤية  قد انجزت مغريات ادبية مسرحية كثيرة  الا انها لم ُتخضِع العرض المسرحي الى فضاء الحرية واحراز تقاليد التهديد والازاحة والتفجير في نطاق الممارسة الانجازية للرؤية الفنية - الجمالية - التي تواجه النص المكتوب على الورق ،وبقي العرض المسرحي  حتى اوائل القرن العشرين يتعثر باذيال النص الادبي المكتوب للمسرح .
الا ان التوازن في هذا السياق  اختل بفعل حركة مضادة  كانت خلاَصَاً  للعرض المسرحي من قيود المؤلف ونزعته المتفاقمة في الاستيلاء على كل شيء وقد حدث ذلك مع بداية القرن العشرين من خلال راينهارت ، وما يرخولد .. فشدد هؤلاء على ترجيح دور المخرج في نحت العرض المسرحي ، بلغته السينوغرافية.
وهكذا تشكّل موقفاً جمالياً جديداً في فهم (الحرية) الابداعية للمخرج المسرحي ، فكان (انتونان ارتو) بكل احلامه اللاعملية  واحداً من اولئك الذين قادوا حركية التحديث في قوانين ولغة العرض المسرحي ساحقاً كل الحدود الستاتيك التي تحجم الدلالات في العرض المسرحي في تشكلات مدلولية مقهورة وقاذفاً بها في معان تثير اسئلة لا تعرف طريقاً للاجابة.
ثم جاء بريخت وبروك وغروتوفسكي ليكشفوا عن ممارسات تمرّدية عن كل ما هو ينظوي تحت سلطة التقاليد ، وكانت رعشة الحرية ، هي التي تقودهم الى طرح الاسئلة  على الذات  ومحاكمة مقولات التراث الفني الجمالية واشعال الفتيل في كل الوقائع والاجابات الصياغية التي يقوم عليها العرض المسرحي الخارج من احشاء النص الادبي.
ان ما حدث وما يحدث في حركية الرسم التحديثي لمسار وبنية العرض المسرحي : ما هو الا فعل "صيرورة" ترتب عنها - وما زال - نتائج في جوهرية المنظومة النسقية للعملية الفنية البنائية للعرض المسرحي  وبالتالي تحوّلت مقولات الذائقة  النقدية لدى المتلقي بل صار المتلقي اقرب الى فعل المحاورة المتبادلة مع المشروع الفني الذي انتجه المبدع ليكون بذلك منتجاً للافكار وليس مستهلكاً لها وهنا تكمن نقطة التحول في فاعلية التجربة الابداعية المسرحية وكذلك فاعلية التلقي التي كانت قد ُغلّفت بالخمول والثقة المخادعة المتبادلة ما بين المنجز الفني والمتلقي.
ان ما يشتغل عليه المخرج الحديث هو : ازاحة سلطة النص الادبي وتقديم سلطة العرض المسرحي بانساقه الصورية والسمعية  وهو بذلك يمنح الحرية الكاملة للعرض لكي يحلق في فضاء الخشبة  بعد ان  كان كتاب المسرح قد تعمدوا ان يعتقلوا المسرح داخل حدود اللغة وتراكيبها البلاغية الا ان ما حصل من تحولات ثورية جمالية مع بداية القرن العشرين اعطى للمسرح فضاءات جديدة للعمل فيها ،وبدأ يشكل تهديداً متسارعاً لكل التاريخ المسرحي المُزيِّفَ للمسرح وفتحت الابواب واسعة امامه ليؤكد اختلافه عن باقي الفنون ، وحضوره بدأ يتاكد من خلال : القضاء التام على كل الصلات المُزَيَّفَة مع الفنون الاخرى وازاحتها عن كاهله واعادة قراءة العلاقات الايقونية مع كل مفردات العرض المسرحي اضـاءة ، ديكور ،موسيقى ،جسد الممثل ،صوته ومن ثم تكوين علاقات جديدة مع هذه المفردات تتحرك في حدود وفضاء الاختلاف عن وظيفتها المتوارثة اضافة الى تقويضها أي عزل (المدلول عن الدال)   عبر سلطة التاويل . لقد اثمرت جهود رجال المسرح (مخرجون ، ممثلون ،مصمموا ديكور ،ومصمموا اضاءة ) في اختراق متاريس وتحصينات الكُتّاب الذين وقفوا ضد حرية المسرح فاخترقوا حضورهم "اللغوي" باستحضار كل ما تم تغييبه ما بين السطور.
ان هذه القراءة الجديدة للعرض المسرحي بددت الظلمات التي غرق فيها المسرح فكانت جهود كل من مايرهولد ارتو،غروتوفسكي، بتربروك . تفكيراً وعملاً مُغايراً ، وتفجيراً لاسرار العرض المسرحي المتراكمة ذلك  لأنهم  عملوا على تحقيق - واستجواب كل التراث المسرحي الادبي وحاكموه لانه كان قد دخل ارضاً ليست أرضه . وانتهك فضاءاً ليس فضاءه.
فأثمرت جهودهم في جعل العرض المسرحي عصيّاً على الامتلاك ، ومبتعداً عن السهولة التي ادمنَ عليها المتلقي لمئات السنين فاصبح المسرح بجهودهم لايبوح باسراره للاغبياء والكسالى .
بل انطلق العرض الى تحقيق التجاوز ضد ماهو منطقي ومعقول وحلق في سماوات اللامعقول وصولاً لتاكيد ما هو منطقي ومعقول  ومن هنا تحرك العرض المسرحي من السكون الى الحركة المستمرة واحدث اضطراباً وقلقاً لذيذاً في عقل المتفرج اليقظ . وعلى الرغم من ان فناني القرن العشرين قد ازاحو كل الممارسات القمعية اللامسرحية /الادبية عن طريقهم وبدأوا اقرب  الى الارهاصات والافتراضات الجمالية للمسرح، الاّ ان مسرحنا تأخرنا  كثيراً في مسرحنا من الوصول الى اللحظة التي  نمارس فيها  وعينا في الخلاص من الوقائع اللامسرحية المشوشة التي تجلبها لنا اللغة الأدبية الفخمة، وهكذا بقينا مُعلقين في داخل التاريخ واختصرنا الامكنة في مكان ضيق ، وبذلك اصبح كل شيء متشابهاً واصبحنا نعيد تكرار ما أنتجه الذين سبقونا وبقينا ندور في حلقة مفرغة من الوهم ، وكنا نعتقد بان هذا الفعل :هو الحضور بعينه ، لكنه لم يكن الا غياباً ، وعلى هذا تأخرت الثورة المسرحية في العراق - اذا صح القول - حتى ثمانينات القرن الماضي عندما اخترق هذه الغشاوة الفنية المخرج صلاح القصب الذي بدأ معركته منذ منتصف سبعينات القرن الماضي وهكذا تمكن هذا الفنان ان يحقق الخلاص الفني للمسرح العراقي وبدأت من خلال تجاربه  : ملامح "ذات مسرحية مضادة " تتكون ، وتشكلت حلقة صراع جمالي على خشبة المسرح العراقي وبدأنا نشهد  اصواتا عديدة تعلن عن نفسها تمكنت من الخروج من عالم محدود الى عالم واسع الافاق وبدأت تمارس عملية التفكيك المنهجي لعربة المسرح العراقي المتهرئة وتعلن اختلافها عما سبق قوله وانجازه وسعت للتحرر من كل سلطة او مرجعية سابقة.  اننا هنا لا نخرج عن الصواب اذا قلنا ان فترة الثمانينات من القرن الماضي كانت علامة تحول في الفعالية الاخراجية اثمرت تحولاً نوعياً في المناهج الاخراجية وشكلت حساسية جمالية جديدة ذات طابع نقدي وتحليلي ، وهي محطة ستراتيجية مهمة جداً في مسيرة العطاء المسرحي العراقي  .
 ولن نتطرف في الاستنتاج فيما لو قلنا : لم يكن هنالك من اسم في المسرح العراقي  قبل صلاح القصب كان قد حاول ان يستثير المخيلة الاخراجية ليخرُج عن السكون الجمالي الحاصل في المشهد الاخراجي العراقي ، وفي هذا الاطار لايمكننا ان نتغافل عن ذكر  المخرج ابراهيم جلال ومحاولاته الفنية لاستثمار تقنيات المسرح الملحمي لتوصيل افكاره الماركسية وضخها الى المتلقي.
لكننا نؤكد هنا مانذهب اليه من أن  نزعة (التشكيل والتشكيك)  لم تظهر بشكل واضح وعلني على سطح الخشبة العراقية حتى مجيء صلاح القصب ، مع ان العالم المسرحي خارج العراق خاصة في اوربا واميركا كان يتحرك وفق تكوينات عمودية جديدة تصيب المتابع بالذهول ،إذ كانت تتشكل هناك في اوربا تحديداً "ذاكرة جديدة للمسرح " يغلب عليها النزعة التحويلية لهيكلية مفردات الوعي الجمالي المسرحي ،وبدأت القدرات والخبرات الجمالية تنمو باتجاهات مؤرقة لاساطير المسرح ، فكان غروتوفسكي البولدني وهو يقيم (مملكته الفقيرة) وينحو الى اعادة صياغة الطقوس المسرحية لنجدة المتلقي من اشباح الحضارة المعاصرة التكنولوجية التي اصابت المسرح بالعطب ،وبيتر بروك الذي اقام (مكانه الخالي) ليعكس فيه رموزه واساطيره واشاراته وهو يخاطب الروح الانسانية على ايقاعاتها البدائية سواء في ايران او في غابات افريقيا او فوق جبال الالب وما زال السطح الخشبي للمسرح يتسع للكثير من البصمات التي كشفت العتمة في الزمن المسرحي العتيق .
رياح التغيير تطرق ابواب المسرح في الموصل .  انعكست التحولات الجمالية التي شهدها المسرح العراقي في بغداد مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي والتي جاءت بتأثير من صلاح القصب  بشكل ما على الحركة المسرحية في مدينة الموصل  . وانكشفت تلك التحولات بعد افتتاح معهد الفنون الجميلة في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي  مبتدئة بجهود الفنانين العرب وفي مقدمتهم المخرج التونسي المنجي بن ابراهيم ومتواصلة  مع الجهد الذي كان قد ابتدأه الفنان شفاء العمري مع مطلع سبعينيات القرن الماضي في تشييد منظومة مفاهيم متحركة ومفتوحة لبناء العرض المسرحي .
لقد كان لجهود المنجي بن ابراهيم الاثر الكبير في اضفاء الديناميكية في الانشاء العلاماتي للصورة المسرحية وتحميل اللغة والنص المعمول به دلالات اخراجية  تحلق في فضاء التأويل ، وهذا ما عبرت عنه جهوده في مسرحية (البدلة) و(الفدية) ثم جاء الفنان عصام سميح ليشكل مع المنجي ثنائياً رائعاً في تجديد لغة الخطاب المسرحي الموصلي وصياغته وفق اشكالية فنية مشفرة وهذا ما تحقق مع مجموعة الطلبة الذين تخرجوا من تحت ايديهم والذين سيشكلون مع نهاية القرن العشرين الوجه الجديد للمسرح العراقي في المدينة.
قداسة المفاهيم الارسطية لدى رواد المسرح في الموصل  .  . . قبل ان نتوغل في صور الفهم الجديد لدور المخرج في المسرح الموصلي ينبغي ان نعود الى الوراء الى خمسينيات القرن الماضي ونتوقف قليلا مع تجارب الرواد الاوائل وهم يؤسسون للخطوات الاولى في بناء النشاط المسرحي .   لقد كان اسلافنا رواد المسرح  الموصلي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي ابعد مايكونون عما كان يجري من تحولات في المفاهيم الفلسفية لمجمل التجربة المسرحية والعناصر التي تنسج شكلها ومحتواها ؟ اين كانوا من هذا التوهج الفكري والجمالي وهذا  الاشتعال الجليل الذي كان قد فرض حضوره في اعادة صياغة  البنية الجمالية للتجربة المسرحية  ؟ كيف فكر وا ؟ وكيف كان  فهمهم لشكل  الدور الذي يلعبه المخرج  في العملية المسرحية  (عزالدين ذنون النون ، عبدالله زكـي ، عبد القادر الحلو ، ومن ثم الجيل الذي رافقهم وتتلمذ على ايديهم واكمل بعدهم ، ابرزهم محمد نوري طبو ، علي احسان الجراح ، راكان العلاف ، حكمت الكَلو ، عصام عبد الرحمن .)   ؟  لقد قبع كل هؤلاء في مكان واحد ولم يتزحزحوا عنه وهم في حالة من الاستقرار الفني ، يعيدون دائماً تشكيل ما يشيدونه من هياكل عظمية ، وظلت الصورة غارقة في ركود التقاطيع الارسطية عبر جميع اعمالهم الاخراجية والنصوص الجاهزة التي استجابوا لها وقدسوها ،  وغابت عن ارواحهم لذة الاكتشاف وكشط السطوح وتأمل الذاكرة باضاءات جديدة تزيح عنها كل التراكمات الفنية والرؤيوية وبقي انجازهم في حدود الاستقرار والتشكيل الخطابي العقائدي الذي يستجيب لسطوح اللوحة المجتمعية (سياسياً واجتماعياً) ولا يخرج عنها ، فكان بذلك اسيراً للنظام الشمولي الذي يحكم الحياة بـعقيدة العبودية السياسية طيلة فترة النصف الثاني من القرن الماضي . وحتى الذيـن كانوا ضمن تكوينات المعارضة السياسية والمجتمعية اليسارية وذاقوا جراء ذلك مرارة السجون والمطاردة (كالمخرج يسن طه) بقوا مجردين من حالة الارتماء في لهيب القلق الفني  والبحث والترقب واكتفت اعمالهم ان تكون صدى عقائدياً لانتماءاتهم السياسية لا اكثر ولم تملأ المشهد الفني بطروحات حداثوية تمد الوعي والخيال الانساني الى التنامي وتشكيل منظومة جديدة للخطاب المسرحي  كردِّ فعل جمالي على خطاب السلطة ورموزها الفنية.
وعلى ذلك لم يواجه السلفيون الرواد انفسهم بالاسئلة التي تخترق بوابة الواقع ولم يسألوا انفسهم عن طبيعة القداسة التي تحكم منظورهم الفني الُمُلطَّخ بتلافيف مجترة من تجارب وتعاليم تشمًّعت في معمارية ارسطية ، مرة ًتتدلى بخيوط طبيعية ٍواخرى بواقعية ٍفوتوغرافية . ان رؤيتهم الفلسفية للخطاب المسرحي ظلت وحتى هذه اللحظة تتموضع في دائرة ضيقة مفادها :"ان المسرح مرآة عاكسة للحياة!" ان الكل يردد هذه المقولة التي تشكل تجريداً لغوياً لخلاصة تجربتهم الثقافية بكل امتدادها الافقي والذي يمتد على مدى اكثر من خمسين عاماً ولم ينتبهوا على ان ما يتشكل على وجه المرآة لا يمثل الاّ السطح ، كما ان المرآة لا تعكس ما يجري من دماء ودلالات واحلام وعواطف واحباطات ومشاعر سرية واقبية وصرخات خلف ابواب مقفلة وجمال اخاذ يتشكل خلف غشاوة الواقع المرئي .
 وظل وجودهم المسرحي  يشكل تراتباً عددياً لا اكثر ولم يشكل اشتغالاً على اسئلة الثقافة التي تحاور المنجز الثقافي: ما مدى اضافته ؟ جِدتهُ ؟ موقفه من الماضي ؟ من المستقبل ؟ على اعتبار انهم  يشكلون جزءاً مهماً من حقولها الثقافة المتعددة.
ودليلنا على ذلك: اننا لم نجد أي حوار كان قد  استيقظ فيما بينهم ليتشابك مع ما هو مستقر ومتشكّل في نظام الحياة المعرفي سواء في صحيفة او مجلة او كتاب ، بل انعزلوا بانفسهم عما كان يجري في ميادين اخرى للثقافة من تحولات وصراعات وازاحات منهجية واسلوبية ، سواء في الشعر او الفن التشكيلي او الرواية  او القصة القصيرة وبقوا لوحدهم فرحين بالعيش في زمن آخر ،زمن استورثوه وأمنوا به قبل عشرات السنين.
ان ما جعل البشرية تتحرك في سياق التمرد الفلسفي ابتداءاً من صور الصمت الاولى للانسان وهو يحدق في ارجاء الطبيعة مروراً بكل الفلسفات ووصولاً الى ما نحن عليه هو البحث عن جوهر الاشياء  واعادة النظر في المفاهيم والتسميات واعادة صياغتها من جديد وفقاً لمدلولات جديدة ،وظل الانسان يعيد طرح الاسئلة وانتاجها على مدى تاريخه الطويل ليتحول هذا السؤال الى خفقات انتاجية وخطوات ثابتة تجوس على الجمر لتزيح التقاطعات المقدسة التي تحكم الطريق بالظلمات.
لقد استسلم الرواد الاوائل عبدالله زكي وعبدالقادر الحلو وعزالدين ذو النون لما استورثوه واحتضنوه من تعاليم ولقى ممهورة باصابع من زمن السلالات (القرونسطية)حتى وان كانوا قد قدموا نصوصاً كلاسيكية عالية الصنعة (هاملت) مثلاً عام 1947 من قبل عبدالله زكي في جمعية اليقظة الا انهم ارتكنوا في انجازهم الارسالي الى غبار المناهج الصامتة في القرون  الوسطى التي جاءت مع مجيء الاباء الدومينيكان الى الموصل الذين يعود لهم الفضل في استقدام الفن المسرحي الى الموصل في نهاية القرن التاسع عشر). لقد راهن رواد المسرح الموصلي  على تواصلهم المعرفي مع من سبقوهم لا اكثر رغم ما كان يتمتع به عزالدين ذو النون من اعلان حالة الانذار امسرحي الدائم ، سعياً منه لفهم الجديد القادم واستيعابه ، وهذا ما تأكد في مسرحية (الرجل الذي نكر نفسه) التي قدمها عام 1969 محاولاً في هذا العرض الركض وراء ما جاء به المخرج الشاب انذاك علي احسان الجراح بعد ان اكمل دراسته الفنية في معهد الفنون الجميلة/بغداد مع مطلع ستينيات القرن الماضي  إذ بعثر ذنون  على سطح الواقع النائم  بين اليات وتخريجات المنهج الطبيعي مفردات فنيةجديدة لكنها لم تكن جديدة اذ كانت محشورة بين صفحات الكتب الاكاديمية (كالتكوين - الدوافع والمبررات العلمية للحركة ، الخروج عن الذائقة العفوية في التكوين والتشكيل). كذلك تحركت تجليات ستانسلافسكي في قراءة وتحضير الدور ،كما انطلق الديكور في طاقة جديدة للتعبير الدرامي من خلال المناهج الفنية الاكاديمية التي دفع بها علي احسان الجراح الى الخشبة المسرحية . مما دفع عزالدين ذو النون الى ان يصمم ديكور المحكمة ليكون مستوعباً للحركة الاخراجية التي بدت غير تقليدية انذاك . وذلك بالاعتماد على بناء حركة الممثل وفقاً للمنطق الدرامي داخل المحكمة وليس تقيلداً منضبطاً لآلية الحركة الواقعية ،  ايضا  تفرد علي احسان الجراح هو الاخر بالقدرة على اختيار النصوص لخلق تكوينات وتشكيلات حركية تقف عند حدود الشكل لا غير دون ان تؤسس هذه الاختيارات الى تحقيق مرتكزات تكون بمثابة مثابات للانطلاق نحو تكوين منجز مسرحي ينتمي الى ذات المبدع  اولاً وحركية العالم ثانياً.
 ان جيل الرواد في المسرح الموصلي التحق بسفينة العرض المسرحي وهي تشق الامواج العاتية لكن بقدم واحدة لذلك لم يقتربوا من طروحات المشاريع والانجازات ،فأنسحبوا الى الظل ولم يدخلوا منطقة الضوء ولذلك  لم يصلوا الى غيمة المبدعين الشاردة أي لم يصلوا الى ممارسة الرؤية الاخراجية بمفهومها الواسع ، انما بقوا في إطار مسار دائري يدور حول نفسه ، في اطار الترجمة الحرفية لافكار المؤلف ،  لان عيونهم بقيت معصوبة على نصف الذاكرة.

الجمعة، 28 يوليو، 2017

رواق 205

رواق 205
اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي
العناوين :
رواق 205
اعداد وتقديم : مروان ياسين

رفاهية  الرفحاويين وبؤس عراقيو الداخل .
بعـد تحريـر المـوصـل/ عدنان حسين

الأحد، 23 يوليو، 2017

   في القدس العربي http://www.alquds.co.uk/?p=758063

­­الحرب في الموصل مقاربة فنية بين تقارير المراسلين الأجانب والمحليين

مروان ياسين الدليمي

Jul 22, 2017

الحرب ضد تنظيم «الدولة» في الموصل التي ابتدأت في17 تشرين الأول/أكتوبر الماضي حظيت بتغطية صحافية كبيرة تتناسب مع أهميتها وخطورتها ساهمت فيها وسائل وقنوات إعلامية عراقية وعربية وأجنبية عبر مشاركة عدد كبير من المراسلين كانوا يتابعونها لحظة بلحظة، رافقوا فيها القطعات العسكرية العراقية منذ انطلاق المعركة في الجانب الشرقي من المدينة.
والمتابع لمجريات هذه التغطية يمكن له أن يخرج بجملة ملاحظات مهمة تتعلق بمستوى المهنية والاحترافية في صياغة التقارير المصوّرة التي ميَّزَت عمل المراسل الأجنبي عن بقية زملائه من العراقيين والعرب على حد سواء، والنتيجة تحسب بكل الأحوال لصالح المراسل الأجنبي، وتشير إلى بون شاسع بينهما في مستوى الأداء وأسلوب التغطية وعمق التناول، رغم ما فرضته قيادة الجيش العراقي من تعليمات صارمة بموجبها منعت وسائل الإعلام كافة من الوصول إلى العديد من الأحياء والمناطق السكنية، التي سبق لها أن حررتها نظرا لحجم الدمار الذي لحق بها والخسائر الكبيرة في صفوف المدنيين نتيجة القصف الشديد المتبادل بين الطرفين المتحاربين، خاصة من ناحية القوات العراقية، وتحديدا قوات الشرطة الاتحادية التي لم تتوان عن استخدام المدفعية الثقيلة والصواريخ الغبية غير الموجهةــ إضافة إلى سلاح الطيران الذي استعمل بكثافة عالية من قبل قوات التحالف الدولي، وكذلك الطيران العراقي، بما لا يتفق مطلقا مع طبيعة هذه المعركة التي تجري داخل أحياء سكنية ذات كثافة سكانية عالية، تقتضي تحييد مثل هذه الأسلحة والاكتفاء بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة التي تفرضها حرب الشوارع والمدن.
زاوية الرؤية
إن عمل المراسل المحلي والعربي في تعامله مع الوقائع، يبدو كما لو أنه ينقل لنا ما نشترك جميعا في رؤيته، وكأننا نجلس في قاعة عرض مسرحي نتابع معا ما يتم عرضه علينا ضمن إطار خشبة المسرح، ولا خيار أمامنا في تغيير زاوية الرؤية أو حجم اللقطة. بينما عمل المراسل الأجنبي مقارنة بذلك يبدو كما لو أنه يقترب من طبيعة الفن السينمائي، حيث ينقل لنا ما لم نتمكن من رؤيته من الحدث، لأنه حريص على أن يتنقل ما بين هذه الزاوية وتلك مع حرص دائم على تغيير حجم اللقطات، وهذا يعود إلى أنه ينظر للحدث من زاوية فنية ذاتية، إضافة إلى قيمته الواقعية، بمعنى لا تقتصر رؤية المراسل على لقطة عامة ( long) كما اعتاد المراسل المحلي أن ينظر إلى الحدث من خلالها.
إن أهمية الأسلوب وزاوية النظر في صياغة مسار التقرير وبنية خطابه تنعكس بالتالي على الشكل الفني الذي ينبغي أن يكون بالتالي مشوَّقا ومثيرا للاهتمام، رغم أهمية احتفاظه بالقيمة الوثائقية.
ذاتية الأسلوب
مقتضيات العمل الإعلامي في المؤسسات الصحافية العالمية تفرض على المراسل الذي يعمل باسمها أن يكون عمله على درجة عالية من الاحتراف والمهنية والتميز، وفي مقدمة ذلك أن يحمل بصمته الذاتية في رؤيته للحدث في سياق فني أشبه ما يكون بلقطة (Close) حسبما هو متداول في المصطلحات السينمائية، عند تقسيم أحجام اللقطات، وهذا ما عكسه عدد من التقارير التي أنتجتها قنوات أجنبية استطاع فيها معدّوها أن ينقلوا لنا عوالم غريبة في هذه الحرب الدموية التي أصبح فيها المدنيون ساحة يتقاتل فوقها الطرفان، وكان عدد من تلك التقارير لها وقع صادم ومؤلم، إضافة إلى كونها مدهشة من الناحية الفنية (تصويرا، مونتاجا وتعليقا) وللأسف لم نجد ما يوازيها من حيث الصياغة الفنية والتأثير في معظم التقارير التي أعدها المراسلون العراقيون والعرب على حد سواء، ولكن هذا أكثر شراسة ورعبا وهلعا، وأبرز ما يظهر من خلالها تلك المشاعر الإنسانية التي رصدتها عدسة الكاميرا من خوف وقلق وفرح داخل مشهد الحرب بكل فوضويته، سواء لدى المقاتلين العراقيين أو المدنيين العُزّل.
بروز هذا الجانب الإنساني في السياق العام لتقرير المراسل الأجنبي يعني إيجاد صلة حميمية مع المتلقي، عبر إيصال هذه المشاعر إليه، وهذا ما يجعله متسمَّرا في مكانه وغير قادر على أن يحيد بنظره عما يشاهده، ولا غرابة بعد ذلك أن تتغير قناعته حول عدد من التفاصيل التي تتعلق بهذه الحرب ما أن ينتهي من مشاهدة التقرير وهنا تكمن القيمة الفنية للتقرير عندما يساهم في خلق مناخ عام بعيدا عن سلطة المناخ الإعلامي الذي تسعى القنوات الرسمية أن تعممه في محاولة منها للتغطية على الأخطاء والانتهاكات التي تقع على المدنيين من قبل القوات الحكومية.
في مقابل ذلك نجد عمل المراسل المحلي متشابها مع عمل زملائه في المجمل العام وليس هناك من علامات تميزه في إطار التناول الفني أو المحتوى، وهذا يعود إلى غياب الرؤية الذاتية التي ينظر من خلالها إلى الحدث، بالتالي سنجد أنفسنا أمام تقرير يضاف إلى ركام التقارير التي تستنسخ بعضها في صيغة التناول والأسلوب، وهي في مجملها أشبه ما تكون بلقطة عامة خالية من التفاصيل وتلتقي في المحصلة النهائية مع الخطاب الرسمي بكل ما يحمله من عمليات تجميل وترقيع للحقائق. ولهذا نستطيع القول بأننا قد اطلعنا من خلال تقارير المراسلين الأجانب على قسوة الحرب ووحشيتها على المدنيين المحاصرين، وعلى حجم الدمار الهائل في مدينة الموصل القديمة، التي مُحيت تماما عن الوجود مع أن تاريخها يعود إلى مئات السنين. ويبدو أن القوات العراقية أعادت استنساخ أسلوب قصف المدن نفسه، الذي اتبعه النظام في سوريا خلال أعوام الحرب الستة التي خاضها وما يزال ضد الفصائل المسلحة التي تعارضه.
حجم اللقطة
إن الفرق بين اللقطتين (Close ) و( long) أنَّ الأولى تضعنا أمام تفاصيل صغيرة لنرى ما ليس باستطاعة العين ان تراه في لقطة بحجم ( long) من مشاعر وأحاسيس، وهذا ما يمنح التقرير بعده الإنساني المؤثر، وسط فوضى الأشياء المتناثرة هنا وهناك، بفعل القذائف التي تساقطت على الأبنية المتهالكة التي تُطل على نهر دجلة في حي الميدان والشَّهوان والقليعات، والتي كانت تعد من أبرز معالم المدينة المعمارية منذ عشرات السنين.
هنا يكمن الجانب الإبداعي للعمل الإعلامي، بينما اعتماد اللقطة العامة (long) باعتبارها وحدة فنية أساسية في بناء التقرير، سيقدم لنا بالتالي صورة سطحية عن الحدث من غير أن تلامس عمقه، بذلك تغيب عن المتلقي تفاصيل صغيرة تكمن في ملامحها دلالات تعكس حقيقة ما جرى ويجري خلف واجهة الحدث.
هذا البون الشاسع بين أسلوب الاثنين في تعاملهما وتفاعلهما مع الواقع يعود إلى طبيعة المنظومة الفكرية التي تحدد إطار عمل القنوات والوكالات الإخبارية، إذ يلاحظ أن القنوات المحلية والعربية، سواء الخاصة منها أو العامة تكاد أن تخضع غالبيتها لإطار سياسي عام يحدده النظام السياسي القائم، وليس من السهولة بمكان أن تخرج عنه تقارير مراسليها بالشكل الذي تتقاطع معه، لأنها بذلك ستضع نفسها في حالة مواجهة مع خطاب السلطة بما يفتقده هذا الخطاب من شفافية وموضوعية في تناول الحدث.
السّياق المهني
إزاء هذا الواقع الإعلامي كان لابد أن يضيق هامش الحرية الذي يتحرك فيه مراسلو القنوات المحلية، بما ينعكس سلبا على مصداقية تقاريرهم ومستواها الفني، ولنا في الأزمة الأخيرة التي حصلت بين قطر وبقية دول الخليج العربي، مثال على ذلك، حيث انقسم الخطاب الإعلامي بشكل حاد وواضح بين كافة القنوات الإعلامية العاملة بين ليلة وضحاها وفقا لهذه الأزمة وتداعياتها، وبذلك تحددت ملامحه بناء على تبعية الموقف السياسي لإدارة القناة لهذا الطرف أو ذاك.
في الجانب الآخر نجد الصورة مختلفة إلى حد كبير عندما نذهب باتجاه القنوات والوكالات الأجنبية، حيث لا تخضع إلى حد كبير في منظومة عملها للاستراتيجية الإعلامية التي يرسمها ويفرضها النظام السياسي الحاكم، إنما يحدد ذلك ما تضعه إدارة القناة من ثوابت وقيم، وفي مجملها لن تخرج عن السياق المهني الاحترافي، ولن يكون للنظام السياسي فيها من تأثير ملموس على ضوابط عملها. ما زالت ماكنة القنوات الإعلامية العراقية، ومعها القنوات العربية تدور وفق وصايا وتعليمات من يحكم سلطة البلاد وإنْ بشكل غير مباشر، بالتالي لم يصل العمل الإعلامي ــ المحلي والعربي ــ إلى مرحلة يبدو فيها موضوعيا ومهنيا في تعامله مع الحدث، وقد انعكس ذلك على المحتوى والشكل في صياغة تقارير المراسلين، لذا سيكون من المنطقي أن تلامس سطح الحدث ولا تتوغل بين تفاصيله المطمورة خلف ركام الأشياء، خشية الاصطدام بالخطوط الحمر التي وضعتها السلطة السياسية.

الثلاثاء، 18 يوليو، 2017

مُختصر مُفيد :
دستوريا ، اصبحت خيرات البلد حقّ إلهي مقدّس للمغتربين العراقيين (المجاهدين) في جنائن اوربا المقدّسة الى عاشر ظَهر .
أمّا العراقيين الذين بقوا في محرقة الوطن واكتووا بنارها المستعرة ،ولم تتوفر لهم الفرصة حتى يغادروا بلدهم طيلة اربعة عقود مضت ، واضطروا لأن يأكلوا العلف الحيواني خلال 13 عام من الحصار الدولي ، فهؤلاء في نظر ابناء (بريمر) من احزاب وازلام السلطة الاسلاموية الحاكمة ، مجرد بعثيّة خونة للوطن ، ولذلك لايستحقون الحياةَ ولا الرحمةَ ولاالكهرباءَ ولاالمدارسَ ولاالمستشفيات....الخ الخ الخ .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ولكم السلام ايضا من خلفائه على الارض .
(صورة العمل النحتي المرفقة بالموضوع تعود للفنان الكويتي الكبير سامي محمد)

الاثنين، 17 يوليو، 2017


http://www.alquds.co.uk/?p=755316


نجا من مجزرة الموصل وأحرق أكثر من 2500 لوحة خوفا من «داعش»: العراقي حازم صالح العبدلي: الرسم أكثر الفنون هشاشة إزاء الظروف التاريخية الفاصلة

صحيفة القدس العربي 

Jul 18, 2017








بغداد ـ «القدس العربي» من مروان ياسين الدليمي: 

في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، وبينما كنت أتجول داخل أروقة معهد الفنون الجميلة في مدينة الموصل، للاطلاع على المعرض السنوي لأعمال طلبة قسم الفنون التشكيلة، لفت انتباهي عدد من اللوحات بتوقيع الطالب حازم صالح العبدلي، أيقنت لحظتها من أنني أقف أمام فنان يملك خصوصية ذاتية تجعله يقف هائما لوحده بعيدا عن السّرب، بالشكل الذي يتفرد بموضوعاته ومعالجاته الفنية، خاصة في نزعته التمردية وهو ينظر إلى العالم الذي يحيطه، بدا لي ساعتها وكأنه يحمل تقويما جديدا في رؤية العمل الفني سيترك أثراً واضحا إذا ما استمر بجذوته هذه على مسار حركة فنية محلية اتسمت بالجمود طوال مسارها، رغم ارتفاع المستويات التقنية لدى غالبية المشتغلين فيها. ولم يخب ظني بما توقعت، حيث واصل العبدلي كسر رتابة المشهد العام متوكأ على قلق لا يغادره أبدا، ويدفعه دائما نحو التوغل في مستويات الحكاية الإنسانية بأبعادها الملحمية والتاريخية والأسطورية، وما يحسب له في مساره الفني أنه لم يكتف بالموهبة، ولا بما تعلمه من تقنيات تحت إشراف أساتذة كبار في معهد الفنون، أمثال راكان دبدوب، نجيب يونس، ماهر حربي، منهل الدباغ، حازم جياد…وغيرهم. فكانت قراءاته المستمرة في الأدب والفنون رافدا جوهريا في تعميق وعيه والارتقاء بذائقته الجمالية بالشكل الذي انعكس ذلك على نصّه البصري، فبدا مكتنزا بمحمولات رمزية أخذت بمنجزه الفني إلى منطقة التأويل، حيث تتفاعل فيها انطباعات مختلفة تتنوع بين الدهشة والمتعة والغموض، لما تحمله اللوحة من دلالات. ما تجدر الإشارة إليه أن فناني الموصل عموما يتميزون عن بقية فناني العراق بحرفيتهم العالية في فن البورتريت والرسم بالمائيات، إلاّ أن الفنان حازم العبدلي ينفرد عنهم في قدرته المميزةعلى إنشائه للموضوع في بنية تكوينية، تتسم بحيوية الإيقاع وتنوع في توزيع الكتل وحركة الخطوط، إضافة إلى الحضور الطاغي لرموز الموروث الشعبي والرافديني على حد سواء..
هنا نص الحوار الذي أجــــــرته «القدس العربي» مع العبدلي بعد تجربة مريرة عاشها في مدينة الموصل لمدة ثلاثة أعوام تحت سلطة «داعش» معزولا عن العالم الخارجي.
■ هل اللوحة في الفن التشكيلي ميدان لطرح أفكار؟ أم أنها تجربة فنية تخرج عن إطار استعراض إمكانات الفنان الذاتية في التعامل مع الأشياء من حيث اللون والتكوين والإنشاء؟
□ هذا السوال يطرح على الدوام كلما نوقشت مسائل الفن التشكيلي، ولكن الاختلاف يأتي في الطرح حسبما يمتلكه الناقد من خلفية بأصول الفن التشكيلي وأسسه، وعليه فقد أصبح هذا الطرح عرفا بين النقاد، والإجابة تاتي مضحكة ومبكية أحيانا، فنحن لدينا ما يكاد أن يكون إجماعا يقينا على أنه من الممكن أن يكون هناك شاعر أعمى أو روائي أعمى والدلائل موجودة وما أكثرها، مثل عبدالله البردوني أو طه حسين، وهناك أيضا ملحنون ومطربون مصابون بعمى فيزياوي، لكنهم أحدثوا فرقا في تخصصهم، في مقابل ذلك لن تجد رساما أعمى، إجابة على التساؤل في أن الفنان التشكيلي يقاد من الخارج، أي من خلال حاسة البصر إلى دواخل ذاته الإنسانية ومن ثم يعاود الكرة بعد التجربة من ذاته إلى محيطه الإنساني الأوسع.. إن الانفعالات إزاء أحداث معينة وما يحيط به من أجواء وألوان هذه الامور هي التي تستفز وتحرك وتشكل التحدي للفنان التشكيلي، وهنا نستذكر بيكاسو حين سئل عن «الجورنيكا»، لِمَ لمْ تلوّنها؟ أجاب ببساطة شديدة «المصائب لا تلوَّن أو لا لونَ لها»، وإذا شئت إسمع قول محمود درويش «علّمني لون الدم القاني أن اللون الاحمر أشرف الألوان»، في النهايه لديّ قناعة راسخة بأنْه لا يوجد شيء في الحياة ليس وراءه فكرة أو دافع، وإلاَّ لماذا يدفعني تشريف محمود درويش مِن لون الصبغة وصولا إلى استحضار الميول اليسارية في فكره وطروحاته، أن الفن التشكيلي بدون طرح أفكار يكون مجرد براعة حرفية بعيدة عن دائرة الإبداع.
الفنانون التشكيليون كلهم استمنائيون يمارسون الحياة الفعلية من خلال جمود اللوحة فهي إما مستطيلة أو مربّعة.
■ ما الذي تنشده فنيا وأنت تُقدم على إنجاز تجربة فنية؟
□ يتوهم كثيرون ومنهم فنانون كبار بأن التجربة الفنية التي تتبلور مع الوقت تتكون من الخط واللون والأسلوب. ما ذكرناه ما هو إلاّ أدوات للولوج إلى التجربة الفنية، وسأضرب لك مثالا على ذلك، هناك الكثير مِمَن استهجنوا تجربتي مع مفردة الثور المجنح الآشوري، وبالذات حين أضفت إليه يدين وحولته إلى حيوان داجن، على الرغم من كونه يمتلك جناحين كبيرين، فرسمته حاملا على ظهره قربة بيّاع السُّوس ويحمل بيده الطّاسة النحاسية اللمّاعة ويدور في أزقة الموصل القديمة مع إشعار المشاهد بأن هذا المخلوق يتعب ويتعرّق ويشعر بالجوع. وفي عمل آخر جعلته يبرك على الأرض في إيوان بيت موصلي قديم يحتضن بين يديه آلة العود الشرقية مستغرقا في العزف والغناء، وأمامه إبريق شاي على النار، وأجلست قبالته مجموعة من النِّسوة ينصتنَ إليه وهنَّ في حالة من السكون، وكان ذلك محاولة مني لسحب المتلقي إلى حالة من التماهي مع الثور المجنَّح، فهو يمتلك أجنحة ضخمة (خيال) ولكنه لا يستطيع التحليق وأتذكّر أن أحد أساتذة جامعة الموصل بعد أن شاهد العمل قال لي بالحرف الواحد «في اليوم الثاني لزيارتي للمعرض كنتُ أرى نصف أهل المدينه ثيرانا مجنّحة بمن فيهم أنا يا حازم»، قالها ذاك الاستاذ وهو يضحك. أنا أرى أنَّ أي لوحة تحمل مضمونا متميزا ومشغولة بحرفية متقنة تلامس الحس الإنساني وبالنتيجة تصبح ملكا لِمن يشاهدها ويتفاعل معها، حتى لو لمْ يقتنها، بمعنى أنها تنتقل بسلاسة كي تصبح تجربه المتلقي ذاته، بل حتى أنتَ يا مروان حين رسمتك ذات مرة جعلتك تقود مظاهرة وخلفك جماهير تسير متراصة وتحمل لافتات فارغة، وكل تلك الجماهير تحمل ملامحك أنت، فمروان هنا قائد متمرد، يقود تظاهرة من مئات المروانات، فأنت كما عرفتك منذ زمن طويل انِّما تقود نفسك. الفنانون التشكيليون كلهم استمنائيون يمارسون الحياة الفعلية من خلال جمود اللوحة فهي إما مستطيلة أو مربعة. إن التجربة هي التي نحياها من بدايتها إلى نهايتها بكل ما تحمل من تفاصيل وتفرعات دقيقة وليست التي تجمد داخل إطار، وما أنشده أنا أشدُّ تواضعا من ذلك، فتجربتي تتلخص في ما يلي.. أنا لديّ بعض الأجوبة ولكنني أبحث لها عن أسئلة، أي عكس ما يفعله الآخرون.
القيادة في الفن
■ يبدو لي وكأنك تعيش في مناخ ذاتي من التمرد على المستوى الفني، بالشكل الذي يجعل التشابه بينك وبين المحيط العام بعيدا؟
□ أنا أبعد الناس عن التمرّد، ودليلي على ذلك أنني موظف حكومي منذ ما يقرب 25 عاما ، من هنا يمكنك أن تكتشف أن التمرد ليس متوفرا في نفسيتي، وليس ترفاً أدّعيه، ولكن العيش في محيط اجتماعي يحمل صيغة متشابهة من الصفات والسلوكيات والمعايير التي تثير ما لدى الإنسان من غرائز، بالتأكيد ستجعل المرء يبدو متمردا ومغايرا، إذا كان رافضا لهذا العقل الجمعي المعوج في فهم الحياة، ففي المحيط الذي عشت فيه ما زالت كل المفاهيم الحياتية المتعارف عليها تبدو معكوسة، فالغدر والجبن والمراوغة تعتبر رجولة، والسرقة والرشوة والكذب تعتبر شطارة ومراقبة الاخرين وزلاتهم ونقاط ضعفهم تعتبر قوة شخصية، هنا في مثل هذا المحيط لابد أن تبدو متمردا، إذا ما حاولت التملص أو أعلنتَ الرفض صراحة، وفي محيط الفن التشكيلي يبدو الأمر أكثر إغراقا في النرجسية، فإذا ما رسم أحدهم بورتريت بشكل جيّد استرعى انتباه الآخرين، فإنك ستجد على صفحات الفيسبوك في اليوم التالي الكل يستعرض عضلاته في فن البورتريت، وإذا ما رسم أحدهم حصانا بشكل جيد ستجد الجميع يصبحون ساسة للخيل، أمّا أنا فأقولها ببساطة شديدة ،أنا أتقبّل أن أُقَاد في كل مجالات الحياة، حتى لو لم أكن مقتنعا بمن يقودني، ولكنني أرفض رفضا قاطعا أن أقاد في الفن، ولذلك لا يستطيع أحد أن يدّعي بأنّهُ قد علمني فن الرسم، ومثال ذلك تجربتي مع الرائد الراحل فائق حسن، فعندما كنت طالبا في معهد الفنون الجميلة في الموصل في ثمانينيات القرن الماضي كنّا نسمع باسم الفنان فائق حسن وكانَ مُهيمنا على الجيل بأكمله، في حينها كنت طالبا في المرحلة الثانية أو الثالثة لا أتذكر بالضبط ، لكنني أذكر ذات يوم ذهبتُ إلى العاصمة بغداد ودخلت إلى القاعة الخاصة بالفنان فائق حسن في كلية الفنون الجميلة، ومن حسن حظي أنه كان حاضراً وقد أجلس طلبته على شكل هلال وهم يرسمون موديل فتاة جالسة وخلفها قطعة قماش حمراء كبيرة، استأذنت وقدمت إليه نفسي بلهجة هجينة وكنت حقيقة في حالة ارتباك، كنّا نسمع عن خشونته في التعامل، إلاّ أنني تفاجأت ووجدته غاية في اللطف والتهذيب والتواضع، حينها سألني بلهجة بغدادية فاقعة «انتَ مِن أي كوكب جئت ياولدي» أجبته، أنا من معهد الفنون الجميلة في الموصل، عندها طلب مني الجلوس وبقيت في بغداد لمدة ثلاثة أيام هي الفترة التي استغرقتْ جلسات رسم وتلوين ذلك الموديل، وحين جاء موعد مغادرتي بغداد عبّرت عن شكري وتقديري الكبير له مستأذنا منه العودة إلى الموصل فطلب مني التريّث ثم أحضر لوحة صغيرة وفرشاة، وطلب مني أن أخططه، ففعلت ذلك بكل بساطة ودون تردد، وأنهيت اللوحة في وقت قياسي، فنظر إليها مطوّلا، ثم ضحك ضحكة مجلجلة وهو يقول «أنتَ إمّا شخص مغرور أو مجنون، وأنا أنصحك أن تترك الدراسة في المعهد وستصل إلى ما تريد»، ثم غادرت عائدا إلى الموصل، لكنني لم أستمع إلى نصيحته، وبعد مرور كل هذه السنين أدركت كم كان مصيبا في تلك النصيحة. وأحب هنا أن أؤكد على أنني لست أفضل من الآخرين أبدا، ولا أحب ذلك ولا أدّعيه، ولكنني لا أشبههم في شيء.
العود إلى القديم
■ هل من جديد في الحركة التشكيلية العراقية لا يدخل في باب استنساخ تجارب عالمية؟
□ الجديد في الحركه التشكيلية العراقية أجده في هذه العودة إلى القديم، وأقصد بذلك ألف باء الرسم. وأقصد العودة إلى البورتريت والصورة الشخصية وتسطيح المضامين، ويبدو وكأن لم يعد هناك ما نجرؤ على تسميته الاستنساخ من تجارب الآخرين، بل أحيانا سرقة علنية، والمقصود بذلك سرقة الأسلوب الفني، في الوقت نفسه هذا لا يعني أن الجميع كذلك، بل هناك تجارب فنية كبيرة، ولها بصمات واضحة على التجربة التشكيلية العراقية والعربية، وأستطيع القول بأنها تضاهي أعمال فنانين عالميين، إن لم يكونوا أفضل منهم، ولكنني أرى أن الفن التشكيلي في العالم كله يبدو في حالة أشبه بالانحسار والنكوص، وربما أكون مخطئا في هذا الرأي ولكنني لا أستطيع أن انكر أن الفن التشكيلي لم يعد موضع ترحيب كما كان في السابق.
اللوحة أقرب إلى المشهد السينمائي
■ إذا ما حاولتَ أن تمارس نقدا ذاتيا لتجربة حازم صالح العبدلي كيف ترسم ما حصل لديه من تحولات في الفهم إزاء تعامله مع اللوحة؟
□ أنا من مواليد الستينيات ولطلما كنت عالقا في الوسط، وفي أوساط الفن التشكيلي داخل مدينة الموصل، كنت حلقة وصل بين الجيل الذي ولد في الخمسينيات والأجيال الشابة التي ولدت في السبعينيات والثمانينيات، وما من جديد إذا ما قلنا بان الجيل الذي ولد في السبعينيات والثمانينيات هو بداية ضعف أو سقوط الفن التشكيلي في العراق، لأنهما يرسمان فقط وعلاقتهما بالقراءة ضعيفة، لهذا لا نجد لديهم توظيفا للموروث الشعبي والتاريخي، وهذا يعود إلى غياب القراءة العميقة لحركة الحياة، هم مشغولون فقط في الرسم باعتباره حرفة وليس رؤية، وأنا أجده جيلا ناكرا للجميل، لأنه يستأسد على من يعلمه بمجرد أن يتمكن وبمجرد انتفاء الحاجة إليه، وليس هناك أي احترام أو تقدير للصداقة الحقيقية، وهنا حديثنا يتعلق بالقيم.. وفيما يتعلق بسلبياتي فهي كثيرة جدا على صعيد فن الرسم، ولاشك في إن المآخذ عليّ كثيرة، منها ما يقال عني بأني لا أرسم ما يرغب فيه الآخرون ولأا ألوّنُ كما يرغب الآخرون، بل حتى يُقال بانّي لا أجيد فن الرسم أساساً، وأنيّ أُنشِّزُ في الطّروحات والمضامين، ومنها انّي ابالغ في استخدام أبسط التقنيات في طرح مضامين معقدة، ولكني اعود وأكرر، أنا حلقة وسطى، والوسطية دائما ما تكون مستهدفة. ولست مصابا بإسهال فني كما هي الحال لدى البعض، وعندما تسألني عن تقييمي الشخصي لتجربتي فأنا أسعى جاهدا أن أحوّل اللوحة إلى عمل يجعلها أقرب إلى سرد القصص بداية ووسط ونهاية في صورة أقرب إلى المشهد السينمائي، ولذلك تجدني أفضل السينما على الرسم، لأن فيها حركة، والحياة حركة، واللوحة مشهد متجمد وكثيرا ما أستعين بتعليقات كتابية أسفل العمل أو فيه، إمّا أن تكون موضِّحة للمضمون أو أن تضيف إليه مفاتيح يستعين بها المتلقي لفهم العمل الآخر، الذي لم يره بعد، شيء يشبه الوصايا التي تقترن بالابناء ويبدو أني سأظل عالقا في الوسط ولن يكون ذلك مربكا لي في أي حال من الأحوال.
الرسم أكثر هشاشة إزاء التاريخ
■ ثلاثة أعوام كنتَ فيها داخل مدينة الموصل أثناء سيطرة «تنظيم داعش» كيف تصف لنا حياتك اليومية، وهل من مشروع فني سيولد عن هذه التجربة بكل مرارتها؟
□ إن خسارتي نتيجة هذه التجربة لا تقدر بثمن، فبسبب المداهمات والتفتيش أقدمتُ على حرق ما يناهز 2500 إلى 3000 تخطيط للوحات تشكيلية هي نتاج العمر كله، ولكن هذه التجربة التي استمرت ثلاثة أعوام أثمرت في المقابل عملا روائيا مكونا من 450 صفحة من الحجم الكبير، والعمل عبارة عن قراءة لما حدث وسيحدث لاحقا، ومن ناحية فنية هي أقرب إلى شكل أسطورة تجري أحداثها في مدينة الموصل، وقد شكل العمل عبئا كبيرا عليّ لأنني ومنذ أن انتهيت من كتابتها أبحث عن سبيل لطبعها ونشرها، وإذا ما عدنا إلى الفن التشكيلي فإن تأثير هذه السنوات الثلاث كان كبيرا جدا، لأن الرسم كان في نظر الدواعش من المحرّمات، فقد اغلقوا معهد فنون البنين والبنات وكذلك كلية الفنون الجميلة، وبذلك أجلسونا في بيوتنا لمدة ثلاثة أعوام وقطعت عنّا الرواتب، في الوقت نفسه نحن منعنا ابناءنا من مواصلة الدراسة أثناء حكم الدواعش، ولو فهم أهل الموصل أن مقاومتهم السلبية هي التي هزمت هذا الفكر قبل أن تهزمه المعارك والجيوش لكانت بداية رائعة بعد هذه الحقبة المأساوية المريرة، ولكنني أشك في أنهم فهموا ذلك، فما زالت تشغلهم التفصيلات اليومية والتفرعات الجانبية، وهذه أمور لا تصنع حياة جديدة..
فن الرسم هو أكثر الفنون هشاشه إزاء الظروف الصعبة والتغيرات التاريخية الكبيرة فهو بحاجة ماسة دوما إلى حماة ومغذين بالمال والاستقرار والوقت، وهذه كلها لم تكن متوافرة، يضاف إلى ذلك أنه قبل مجيئهم لم تكن قد تشكلت أو تبلورت ما نستطيع تسميته بمدرسه تشكيليه موصلية.
■ حازم صالح خلف العبدلي، مواليد 1963، دبلوم معهد الفنون الجميلة موصل 1987، بكالوريوس فنون جميلة موصل 2002، عضو نقابة الفنانين العراقيين بغداد، عضو جمعية الفنانيين التشكيليين بغداد، حاليا يعمل مدرسا في قسم الرسم في معهد الفنون الجميلة للبنات في الموصل، شارك في معظم المعارض الجماعية لنقابة الفنانين العراقيين وجمعية الفنانين التشكيليين.

222 رواق

رواق 222 اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي 2/ 11 / 2017 - المحكمة العسكرية تقرر اعدام مهدي الغرواي قائد عمليات نينوى الاسبق . - سيارات موني...