الأحد، 25 مارس 2018

الجريمة والمجرم في حسابات السياسية
مروان ياسين الدليمي - صحيفة العالم الجديد
https://al-aalem.com/article/46978-%D8%A7%D9%84%D8%AC%D8%B1%D9%8A%D9%85%D8%A9-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AC%D8%B1%D9%85-%D9%81%D9%8A-%D8%AD%D8%B3%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9 رابط المقال في صحيفة العالم الجديد 



الجريمة والمجرم في حسابات السياسة

الجريمة والمجرم في حسابات السياسة



مبدأياً من الخطأ ان نختلف انا وانت في ادانة الجريمة (اي جريمة)، لكن هل من الخطأ ان نختلف في تحديد المسؤول عنها؟

أظن بأننا سنتفق أيضا مبدأياً، ولن نختلف في أننا نملك حق خيار الاختلاف في تحديد  المسؤول عن الجريمة.

ما يفصل بين رأيينا لتحديد ايهما قد أصاب كبد الحقيقة، يبقى مرهونا بقضاء عادل ينأى بنفسه بعيداعن اجندة السياسة واغطيتها العنصرية والايدلوجية والطائفية.

كل الجرائم التي ارتكبت بحق الشعوب مدانة من الناحية الاخلاقية وغير مقبول اية ذريعة يمكن ان يتم تسويقها لتبرير عملية ارتكابها، فالجريمة جريمة لا تقبل القسمة ولا التجزئة ولها معنى واحد: انها جريمة، ولن يكون لها معنى آخر غير ذلك، وينبغي محاسبة من كان مسؤولا عنها بما يقتضيه العدل والقانون والقضاء،وأن يلقى عقابا يتناسب  مع درجة مسؤوليته وحجم وخطورة الجرم الذي ارتكبه .فأن يتم اعدام  مجموعة جنود مكلفين باداء الخدمة العسكرية من قبل مجموعة مسلحة معارضة للنظام السياسي الحاكم المتهم بارتكابه جرائم ابادة جماعية وقمع الحريات لن يمنح افراد تلك المجموع المسلحة صفة البطولة ولن تكون فعلتهم عملا ثوريا انما جريمة ،فمهما كان النظام السياسي غارقا في الاجرام لن يكون ذلك تبريرا لان يعاد انتاج جرائمه من قبل اولئك الذين يدعون الثورة ضده.

وإذا ما اقدموا على ذلك انذاك سيكون الاثنان وجهان لمجرم واحد، وما من فرق بينهما حتى لو كان احدهما ابيض والآخر اسود .

في عالم السياسة ودهاليزها الموبوءة بصفقات مشبوهة عادة ماتكون على حساب القيم والمبادئ الانسانية، سيكون من الوارد جدا ان يتم تبييض صفحة المجرمين الحقيقيين عبر وسائل الاعلام والصحافة الرسمية، ويحظون بصكوك البراءة من الجريمة الى جانب حفلات التكريم التي تقام لهم والاحتفاء بهم طيلة الفترة التي تمر فيها العلاقات بين الدول أو الاطراف السياسية المعنية بالجريمة في مرحلة شهر العسل،فالمصلحة المتبادلة في المنافع تتقدم على  قيم الحق والعدالة والانصاف،وتضرب عرض الحائط حتى بالقيم التي تكتسب صفة القداسة لدى الوعي الجمعي باعتبارها جاءت في متن الكتب والشرائع السماوية  التي تؤمن بها ولاتحيد عن تقديسها، ومن الطبيعي في هذا السياق ان تطوى ملفات وقضايا تتعلق  باشخاص عليهم شبهات تورط  بجرائم طالما كانت العلاقات السياسية تشهد مناخا يسوده الدفء والتوافق والانسجام، والى ان تحين الساعة التي ينقلب فيها المناخ على نفسه فيرعد ويزبد بالعواصف والغبار ولينفرط  العقد مابين المتواطئين على طمس الجريمة والمتورطين فيها انذاك سنشهد فصلا آخر جديد حيث  تنقلب فيه صورة الملائكة الى شياطين والشياطين الى ملائكة عبر وسائل الاعلام الرسمية،والى ان تحين تلك الساعة فإن تهمة الادانة بارتكاب الجريمة سترمى بعيدا وبأدلَّة مزيفة وملفقة على مَن لم يكن متورطا بها ، عادة مايكونوا من خصوم المرحلة الراهنة،انطلاقا من دوافع وحسابات سياسية،وسيتكفل الاعلام بطبيعة الحال بهذه المهمة على اكمل وجه، ومن الممكن جدا أن تتغير هذه الافادة رأسا على عقب في قادم الايام إذا ما تغيرت العلاقات والمصالح السياسية ،ووفق هذا المنطق، ليس مستبعدا ان ينال شهادة البراءة غدا من كان مجرما اليوم في نظر السلطة الحاكمة، والعكس صحيح.

من الممكن أن نضرب امثلة على ذلك من التاريخ العراقي المعاصر، وليس مثالا واحدا، فهناك عديد القضايا التي لازالت معلقة ولم يحسم القضاء امره فيها،وعلى ذلك تشظت مواقف الناس منها ومن الشخصيات المرتبطة بها مابين ادانة وتبجيل طالما انها بقيت مرهونة بالموقف من السلطة ومن موقف السلطة منها وسيبقى الموقف ازاءها يتارجح ما بين ضدها او معها، او ضد طرف مشارك فيها حسب طبيعة النظام السياسي الحاكم والقوى التي تقف معه،على سبيل المثال ماحدث في 14 يوليو/ تموز 1958 عندما تمت الاطاحة بالنظام الملكي عبر تمرد عسكري قاده مجموعة من الضباط ومارافق ذلك من عمليات قتل وسحل وتمثيل في شوارع العاصمة بغداد بجثث عدد من افراد العائلة الملكية ورموز النظام، فالاصوات التي ناصرت ماقام به الضباط وفي مقدمتهم الشيوعيون والبعثيون وبقية القوى القومية مازالت تطلق صفة ثورة على ذلك الحدث ولاتجد في عمليات القتل إلاّ استحقاقا منطقيا وطبيعيا ناله من تعتبرهم عملاء للاجنبي وخونة للشعب الى غير ذلك من الاحكام التي اتفقت عليها مخيلتهم الشعبية واضافت عليها توابل من الايدلوجيات الثورية، وانسحب هذا الموقف ايضا على عمليات القتل الشنيعة التي ارتكبت في مدينة الموصل عام 1959 بحق مدنيين وعسكريين محسوبين على الجنرال عبد الوهاب الشواف او على احزاب قومية عربية  وقوى ناصرية (نسبة الى الرئيس المصري جمال عبد الناصر) التي ايدته او ساندته بعد ان فشل التمرد العسكري الذي قاده الشواف من معسكر الغزلاني في المدينة ضد الزعيم عبد الكريم قاسم الذي كان يحكم العراق انذاك ، فلم يتم ادانة تلك الجرائم من قبل قيادة الحزب الشيوعي العراقي بشكل واضح على اعتبار ان الكثير ممن تورطوا بارتكابها  كانوا من المؤيدين للحزب وعدد آخر كانوا اعضاء فيه، ومايزال الموصليون يختزنون في ذاكرتهم تفاصيلها واسماء الضحايا ويتناقلوها جيلا بعد جيل، ولا أظن ان هناك فرق بينها وبين ما ارتكبه تنظيم داعش بحق المدنيين الذين اختلفوا معه أو الذين لم ينصاعوا لأوامره ، فقد مورست بعد فشل تمرد الشوّاف ابشع اساليب التنكيل والقتل بحق الضحايا من نساء ورجال على حد سواء.

على سبيل المثال كان يتم ربط الضحية بحبال الى سيارة  تسير في الشوارع  ليتم سحلها على الاسفلت، والبعض الاخر تم تعليقهم على اعمدة الكهرباء وهم عراة بعد ان تم تقطيع اطرافهم بالسكاكين بنفس الطريقة التي مورست مع الوصي على العرش عبد الاله ورئيس الوزراء نوري السعيد عند سقوط العهد الملكي.

ومن القضايا الاخرى التي مازالت تكتسب صفتها حسب النظام الذي يحكم البلاد ، ماجرى بعد العام 1963 عندما تم الاطاحة بالزعيم عبد الكريم قاسم من قبل البعثيين واعدامه في مبنى الاذاعة دون ان يحظى بمحاكمة عادلة وماتبع ذلك من عمليات اعتقال جماعية وتعذيب واعدام للعناصر المحسوبة على الحزب الشيوعي، وارتكب عناصر الحرس القومي (تشكيل ميليشياوي تابع لحزب البعث تم تأسيسه على اثر استيلائه على السلطة) انتهاكات وتجاوزات بحق المواطنين بنفس الطريقة التي سبق ان ارتكبها عناصر الشبيبة (تنظيم ميليشاوي تابع للحزب الشيوعي تم تأسيسه بعد سقوط النظام الملكي) ضد البعثيين والناصريين ايام حكم الزعيم قاسم.
واليوم ليس امرا غريبا ان نجد عناصر تنتمي الى ميليشيات (شيعية) تأسست بعد العام 2003  ترتكب انتهاكات وجرائم خاصة اثناء الحرب ضد تنظيم داعش الارهابي في مدن الانبار وصلاح الدين والموصل ربما لاتقل سوءا عن تلك التي ارتكبها شبيبة الشيوعيين او الحرس القومي البعثي او الدواعش، وإلا ماذا يمكن ان يقال عن عنصر مليشياوي يحرق شخصا وهو حي ومن ثم يستمتع بتقطيع اطرافه بحجة انه داعشي؟ (هذا المشهد موجود على موقع اليوتيوب) هل يعد ما ارتكبه بطولة ام جريمة؟ وفي ماإذا اطلق عليه البعض صفة بطل،هل سيبقى محتفظا بهذه الصفة أم سيكتسب صفة المجرم إذا ما تغير نظام الحكم بسلطة اخرى؟، اظن بأن الحال لن يبقى كما هو عليه، طالما ان سلطة القضاء مثلومة،ويمكن ان نقيس على ذلك قضايا اخرى مثل:

-        قضية سقوط النظام السابق في التاسع من نيسان 2003 على يد الاميركان.

-        الجهة التي تتحمل مسؤولية الابادة الجماعية التي تعرض لها سكان مدينة حلبجة بعد ان قصفت  بالاسلحة الكيمياوية.

-        دخول تنظيم داعش الى مدينة الموصل واحتلالها وانسحاب الجيش العراقي والشرطة الاتحادية منها دون قتال .

-        جريمة سبايكر التي راح ضحيتها عشرات المتطوعين الصغار في الجيش العراقي .

-        مذبحة المدنيين المعتصمين في الحويجة عام 2013  من قبل قوات تابعة للجيش العراقي .

-        تصفية العشرات من المصلين الخارجين من جامع سارية عام 2013 في محافظة ديالى على يد عناصر امنية عراقية... الخ.

في جميع ماتم ارتكابه من انتهاكات وجرائم اشرنا اليها كانت سلطة القضاء غائبة ومغيبة،بمعنى ان العدالة لم تأخذ مجراها الطبيعي القانوني في الحكم على الاشخاص المتهمين او المشتبه بتورطهم بالجرائم المنسوبة اليهم والفصل في مسؤوليتهم ازائها.ومن هنا سيكون من الطبيعي ان يكتسب صفة البطل او الثائر المناضل في ظل نظام حكم ما، بينما تنتزع منه هذه الصفة في ظل حكم آخر يعقبه ليوصم بالمجرم او الخائن او الجاسوس.

عالم السياسة دائما تتشكل مفرادته خارج المنطق الانساني فيتحرك في مناخ خاص من غير ان تمر عليه الفصول الاربعة في دورتها الطبيعية، عالم له قوانينه الخاصة التي تقترب وتتشارك في جوهرها مع قوانين رجال المافيا والعصابات، وإن بدا الشخوص العاملين فيه اكثر رقة منهم، إلاّ ان الجميع يلتقون في نقطة اساسية لايختلفون فيها وعليها بأن لاصداقات دائمة في هذا العالم السفلي المليء بالمؤمرات والقتل ،فالكل يتربص الكل ويبحث عن سقطات ونقاط ضعف الآخر ليضعها في ملفات يتم تخزينها في ادراج بعيدة عن الاعين الى ان تحين ساعة التلويح بها لكسب النقاط او لكسر اذرع من كانوا في عداد الاصدقاء.

السياسة زمن لا أخلاقي أبعد مايكون عن القيم، ولم يكن في يوم ما دار عبادة تفرض طقوسها الصارمة على من يدخلها بأن يقمع شهواته وغرائزه وكل ماله صلة بالحياة الدنيا،بما فيهم رجال الدين والاحزاب الدينية الذين اختاروا بارادتهم الانخراط في العمل السياسي باعتبارهم رجال دين او يحملون ايدلوجية دينية  يسعون الى فرضها على المجتمع  عن طريق العمل في السياسة، فهؤلاء سيتصرفون باعتبارهم  ساسة اولا وآخرا وسيكونون مرغمين بارادتهم او بغيرها على ان يبيعوا ويشتروا ويعقدوا الصفقات، وهذا يعني انهم سيضعون جانبا القيم الاخلاقية انسجاما وتماهيا مع طبيعة العمل السياسي ومايفرضه من تتقاطع مع القيم الدينية،وليقدموا عليها لغة التواطئ والتغاضي والتنازل والتخاذل وتبادل المصالح حتى لو كان في ذلك  نسفا للقيم الدينية.

على ذلك يبدو العمل السياسي أشبه بميدان للقتال على ارضه يسقط الضحايا من هذا الطرف وذاك ومن الممكن ان يلتقي اطراف النزاع في لحظة ما لتغيير مسار القتال وسيكون من الطبيعي ان يجلسوا معا حول مائدة الطعام وكأن شيئا لم يكن ، فمن كان عدوا مجرما يصبح صديقا امدُّ له  يدي حتى وإن كانت ملوثة بدم شقيقي.


إرسال تعليق

المشهد الثقافي 599

المشهد الثقافي ح 599 اعداد وتقديم : مروان ياسين  تقارير حسن البغدادي العناوين : محاضرة عن علاقة الفلسفة بالفن والشعر والادب للدكتور معت...