الخميس، 31 مايو 2018

رواق 250



 رواق  250
اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي
العناوين :
- النائب المُعَمَّم هُمَام حمّودي : الشعب العراقي هو الفاسد

- الانتخابات
تحيل  قادة الميليشيات الى  ساسة


الثلاثاء، 29 مايو 2018





الشاعر العراقي محمود جمعة:
خطورة قصيدة النثر في خروجها عن السلطة.



حاوره : مروان ياسين الدليمي 


رغم انحسار المساحة التي تتحرك فيها الكتابة الشعرية ضمن اطار المشهد الابداعي في الثقافة العربية، إلا أن أصواتا جديدة مازالت تعلن عن حضورها المميز بشكل مستمر في مشغل الشعر العراقي، وربما دلالة ذلك لا تتصل بمسالة صراع الأجناس أو الأجيال بقدر ما تعكس حساسية الذات المبدعة إزاء اللغة بعيدا عن التوظيف الظرفي العابر، وللاقتراب أكثر من هذه التجارب/ الأصوات الجديدة، كان الحوار مع الشاعر العراقي الشاب محمود جمعة رئيس تحرير مجلة "مسقى" التي تعنى بالشعر العراقي المعاصر. 
*مالذي ينبغي أن يجذبنا إلى النص الشعري، هل مايحمله من أفكار أم ما يفيض به من مشاعر وهواجس الشاعر وحدس إزاء الزمن والحياة والوجود، بمعنى: من أين يستمد النص قوته وجماله؟.
- ما يجذبُنا إلى النصّ الشعريّ هو الشّعرُ نفسُه، والشّعرُ مجموعُ الأفكار والمشاعر والهواجس والقلق والحدس والموقفِ من الحياة والوجود عموماً، محمولاً على ظهرِ اللغة والتّصوير، النصّ الشّعريّ يستمدَ قوّته مِن صدقه من حيثُ هو فنّ، ومِن حيث هو تعبيرٌ عن الموقف من الموت، وصدقُه مرهونٌ بمدى جدّيته في تناوله الحياة، بمعنى آخر – والجوابُ ينسحبُ إلى عمقِه – ما مدى إيمان النّاصّ بالفنّ/ الرّسالة؟!، هل نصّه تمرينٌ في اللاجدوى مع اللغة؟!، أم هو ذوبانُ الذات مع الوسائل التي تعينُ الشّعر على الظهور؟!، أظنّ الأمرَ مهمٌ في التفريق بين النّصوص التي تُكتب من أجل أنْ تُكتب، وبين النصوص التي تُكتب مِن أجل أنْ يكون الشّعرُ/ الحياة.
* أنت تحسب على جيل جديد من الشعراء الشباب، قدّموا أنفسهم خلال الأعوام القليلة، وكان مشروع مجلة (مسقى) التي ترأسُ تحريرَها يبدو بمثابة خطوة تتسم بالجرأة للتعبير عن حضوركم، فهل هذا يشير إلى أنكم تحتفون بقيم فنية معينة أردتم أن تعلنوها في مجلتكم؟!.
- ما تقولُه صحيحٌ، ولكنّه يحتاجُ إلى شيءٍ مِن التفصيل تضطرني المناسبةُ إليه، نعم، نحنُ نحتفي بقيمٍ فنّيةٍ، ولكنّها ليست الرئيسةَ التي ننشدها عبر (مسقى)، ما دعانا إلى (مسقى) كثيرٌ ومتداخلٌ، بيّنتُ مع أصدقائي الشّعراءِ/ كادرِ المجلّة كثيراً منه في حفل توقيع العدد الأوّل في بغداد/ مقهى كهوة وكتاب، مِنه أنّ الشّعر بعد انعطافةِ العراق التاريخيّة السياسيّة الجغرافيّة الثقافيّة عام 2003 غدا – مِن حيث ترويجه ووصوله إلى المتلقّي – مرهوناً بمدى تفاعل المؤسّسة أو انتماءِ الشّاعر إليها، والمؤسّسة لا يمكن أنْ تصنع فنّاً أو أنْ تقدّمه إلى الجماهير خالياً من الانطباع الشخصيّ أو الأدلجة؛ ذلك أنّها ما كانتْ مؤسّسة إلّا مِن أجل ما يدعو إلى التأسيس، لا سيّما أنّ الظرف الذي يمرّ به العراق حرِجٌ ومأزومٌ مِن كلّ النّواحي، حيث لا يمكنُ أنْ تكون نوايا المؤسّسة عفويّة أو بريئةً، وبالتّالي أرادت (مسقى) التّعبير عن أمورٍ كثيرةٍ، منها أنّ الشّعر جهدٌ فرديّ، وفي هذا نسفٌ لفكرةِ البيان الشّعريّ الذي درجتْ عليه الأجيال الشّعريّة العراقيّة، فضلاً عن تعبيرها عن أنّ الشّعر جمرةٌ، تمسكُ بها في أشدّ اللحظاتِ خطورةً؛ ذلك أنّ الشّعرَ تحدٍّ من حيثُ هو فنّ، ومن حيث هو همسُ مريضٍ في زمنٍ تسودُه البنادقُ والاغتيالُ والتّنكيلُ والتّنكيس، همسٌ جريءٌ يرى الحياةَ لعبةً تتقنها رؤوس الأموال والسّياسة، والأهمّ من ذلك: (مسقى) نافذةٌ في تقديم الأصوات الشّعريّة التي طالتها يدُ تهميشُ المؤسّسة، (مسقى) وسأنقل لك ما أثبتْناهُ على ظهر غلاف العدد الأوّل: (مسقى) مواكبةٌ لمسير الشّعر، وتكملةٌ لما مضى، وهي إيمانٌ بالصّوت الجماعيّ في الفعل الثّقافيّ، ولا تدعو إلى شيءٍ بقدر ما توثّق وتقدّم تجاربَ شعريّة بوصفها رسالاتٍ، (مسقى) محاولةٌ لكسر نمط المؤسّسة في تصدير الشّعر بعد أنْ سارَ جنباً إلى جنبٍ مع الإيديولوجيا والعواطف والرّوابط الاجتماعيّة، (مسقى) ليست ابتكاراً بقدر ما هي نتيجة تواصليّة، ونتيجةٌ اقتصاديّة في التّلقّي، تحاول – عبر كلّ هذا – أنْ تجعل الانتاج بمستوى مقدرة استهلاك القارئ، مراعيةً شروط الجمال والجودة الفنيّة، تلك التي لا تخطئها القراءة الحقيقيّة.
* مالذي يمكن أن تؤشره من ملاحظات إزاء ما تكتبه الأسماء الجديدة من نصوص شعرية؟!.
- إذا كان لي مِن مؤشّر أضعُه على ما تكتبُه الأسماءُ الجديدةُ مِن نصوص شعريّة، فأضعُه مِن حيث أنا قارئٌ أوّلاً، ومتابعٌ ومواكبٌ لما يُكتب بشكلٍ دقيق ثانياً، وأقول: لكلّ جيلٍ شعريّ ثقافتُه ومصادره ومراجعُه وقضاياهُ التي يستمدّ منها حضوره، ولكنّ الذي يمكن أنْ أضع عليه إمضائي من نصوص شعريّة وشعراء في الوقت الراهن، هو الخروجُ عن المألوف، والبرهانُ على أنّ الشّعر أكبرُ مِن التجنيس، وأكبر من الانتماءِ والايديولوجيا، ما يمكن أنْ أضعه من (تأشيرةٍ) لو صحّت العبارة، هو أنّ الأسماءَ الجديدةَ حطّمتْ فكرة الثوابت والمطلق كما لم تفعل الأجيال السابقة، وجعلتِ الشّعرَ احتفاءً بالموتِ والمسرّة على حدّ سواء، أسماءٌ شعريّة تكتبُ وتعي معنى (روح المغامرة) في الشّعر – عليه اللعنة – تلك التي تجعلُ مِن المحال ممكناً، والعكس صحيحٌ، ذلك أنّ القدرَ عبارةٌ عن اعتقادٍ شخصيّ، يجري وفق مستويات القناعة والارادة، ولو دخلنا أكثرَ في حانةِ الشّعر الآن، لوجدنا (إيهاب شغيدل) صاحب أكبر فأسٍ معرفيّ في تحطيمِ الثّوابت، ولوجدنا (إبراهيم الماس) مغنّياً في الرّيف البعيد على الجبال، بين السّهول والأودية يُمسرح الوجود، مقدّما صورة الوجوديّ العربيّ، الذي احتفى بالطّبيعة طريقاً إلى الحقيقة والجمال كما فعل طرَفة بن العبد، وأيضاً يشترك معه في هذا الوصف القّرائيّ وائل السّلطان مع فارق بيئتَي الشّاعرين، إلّا أنّ السّلطان يذوّب اللغة مع الشّعر، فلا تكاد تلمسُ اللغةَ في نصّه إلّا وقد علِق بإنسانِ عينك شِعرٌ كثيرٌ، منطلقاً مِن بيئةٍ يحفها المحظور، أمّا مهنّد الخيكانيّ فأجدُه منحازاً إلى الأنثروبولوجيا في نصوصه، يشتغلُ على ثيماتٍ شعريّة يمكن أنْ أصفها بأنّها من جزء الجزء، فضلاً عن تحطيمه فكرةَ التّوحيد في الكتابة، تلك الفكرة شبيهةُ فكرة الإله الواحد في الموروث العربيّ، ولو استقرأنا أكثر في مناطق اشتغال شعريّ أكثرَ جرأةً في (شعرنة الفلسفة) لوجدنا علي رياض صائغاً، لكنّه سرعانَ ما ييأسُ داخلَ النصّ، وهذه خصّيصته في نصّه، والمجال لا يتّسع لذكر أسماءَ شعريّة أخرى، ما زالت في طور النحت والمحو والتّجريب، ينتابها قلقٌ وحيرةٌ في الاستقلال، استقلال الكتابة والتفرّد، لكنّ الزمن كفيلٌ بإبرازهم وتقديمهم، لأنّ الشّعر دائماً ظاهرٌ بيّن.
*أين تكمن جرأتكم في الكتابة الشعرية ؟!
- تكمنُ جُرأتُنا في خروجنا عن المألوف إلى اللامألوف في الكتابة، فضلاً عن تحطيمِنا فكرةَ الثابتِ والمُطلق كما أسلفتُ لك قبل قليل، وتعاملنا مع النصّ تعاملاً معرفيّاً علميّاً، ذلك أنّ الشّعرَ العربيّ كان وما زالَ خجولاً في الدّخول إلى الحياةِ/ المُعادَلة، تلك التي تقرّب صورةَ الوجود الكبير رغم عبثيّته، إلّا أنّه يبقى محكوماً بنظامٍ دقيقٍ، تقف وراءه قوّةٌ خفيّة، الجرأةُ التي تسألني عنها أعرفُ ما تعني بها، لذا أضيف على ذلك: النصّ الشعريّ لم يعدْ مجرّد مغامرة لغويّة فلسفيّة روحيّة فنيّة، بل تعدّى هذه التوصيفات إلى أكثر من ذلك، الشّعرُ الذي نطمح في كتابته ونحاول هو الحياةُ التي سُرقتْ مِنّا غفلةً، وهو محاولةٌ لاستعادة مقدّراتنا – بأشكالها – التي سُرقتْ منّا في العدم، نكتبُ بالطريقة التي تُرجعنا إلى طبيعتِنا البشريّة، التي تشوّهت بفعل ولادتنا في بيئات مشوّهة ومجتمعات مُعاقةٍ، تُنشد الحداثةَ وهي غارقةٌ في الكلاسيكية التي نفهمها أنا وأنت، إذن: نحن نخوّض داخل هذا الاطار الجدليّ الكبير أو الثنائيّة: رفض/ خضوع، ألا ترى أنّ الجرأة تنسحب إلى تفاصيل كثيرة، قد تخطئها البصيرة، ولكنّ الزمنَ كفيلٌ بتقديم ما نكتبه، ليس بالضرورة اليوم أو غداً، طالما أنّ الفكرة تكبرُ باتّساع الأسباب، والحياةُ إلى نهاية.
*من وجهة نظرك، نودّ أن تشير إلى مغامرات شعرية مهمة شهدها العراق خلال العقدين الأخيرين؟!
- كثيرةٌ هي المغامرات الشّعرية التي شهدها العراق، لكنّها لم تكتمل، وهذا سببُ كونها مغامرةً، ذلك أنّ عدم اكتمالها يحصّنها من الوقوع في الابتذال، ومِن الوقوع في فخّ المعرفةِ مرّة أخرى، إذِ الشّعر سقوطٌ أوّل في فخّ المعرفة، أما الجديرُ من التّجارب الشّعرية المهمّة التي دخلت حيّز المغامرة فهي تجربة (عقيل علي)، الذي عاشَ بطريقةٍ غرائبيّة، وكتبَ بطريقةٍ أغرب كان يعي عبرَها مهازل اللغة وهو ينتجُ نصَّه، عبدالأمير جرص السّاخر الكبير، لمْ يكنْ مغامرةً فحسب، بل كان موضوعاً مستقلّاً لمْ يُحسن تناولَه كثيرٌ مِن القرّاء، ولو دخلنا إلى عمق نصوصه لوجدنا أنّه يمزجُ – عادةً – بين الممكن وغير الممكن والممنوع، فهو عبرَ هذه الثيمات أنتجَ نصوصاً شعريّةً تشبه في طريقة كتابتها رجلاً يمدّ رجليه إلى الحائط، بينما هو يتوسّد الأرض، كذلك جمال جمعة، منذ بداياته الموغلة في العمق والنضوج، وما زال يكتب بطريقةٍ تتصاعد معها وتيرةُ القلق الذي يأتي عن وعي، وليس الذي عن يأس، والأمر شبيهٌ مع رعد عبدالقادر، الشّاعرُ النّبيءُ، كتبَ الشّعر واستدارَ إلى نفسه في المرآة، فمات.
*ما شكل العلاقة التي ترتبط بها مع التراث الشعري العربي، هل تتسم بالانقطاع؟، أم أنّ لها شكلاً آخر ؟.
- علاقتي بالتراث الشعريّ العربيّ الكلاسيكيّ علاقةٌ تواصليّة، تتّسم بوصف التّراث خطوةً أولى في دخولي إلى الشّعر، أتذكّر أنّي في بداياتي الشّعريّة التزمتُ على وجه الخصوص بأدب ما قبل الاسلام حفظاً وقراءةً، حفظتُ منه آلافَ الأبياتِ، ثمّ تدرّجتُ إلى الشّعر الإسلامي ثمّ الأمويّ فالعباسيّ وصولاً إلى العصور المتأخرة انتهاءً إلى الحديث، لذا فعلاقتي به علاقة تمتدّ إلى جذور تكويني الأوّل مع شكّ طرفة، وحِكمة أميّة بن أبي الصّلت، وعنفوان امرئ القيس، وشِعريّة النابغة الطافحة، أما اليوم فأجدُ علاقتي به تزداد عمقاً، لسببٍ يحتاجُ إلى شيءٍ مِن التفصيل، لكنْ سأوجزه: الشّاعر العربيّ القديمَ كتبَ الشّعر على سجيّته، بمعنى آخر: كتبه دونَ تكلّف أو عناء أو بدافع الموت والموقف مِن السلطة كما طغت هذه السمةُ على شِعرنا العربيّ منذ عقود، الشّاعرُ العربيّ القديم كتبَ الشّعر وجهاً لوجهٍ مع الطبيعة، مع الله، مع الوجود، كتبه دون أنْ يخترمه التشوّهُ الذي اخترمَ حيواتنا اليوم، تشويه معرفيّ وثقافي وايديولوجيّ، فلذا نحن نقرأ اليوم ونكتبُ ونسمع الموسيقى ونتذوّق الألوان ونفعلُ أشياءَ كثيرة مِن أجل أنْ نعودَ طبيعيّين، نكتبُ الشّعر موقفاً مِن الحياةِ، فضلاً عن ذلك كلّه: التّراث الشّعري العربيّ غنيّ وسابقٌ لأوانه في مواضع كثيرة، ابنُ عربيّ مثلاً أثبتَ تفوّقاً على فلاسفة اليونان في حقل الخيال، والأمثلة كثيرةٌ، وحتى لا أخرج بعيداً أقول لك: أنا أمتدّ مِن الماضي، تسليماً مِنّي بأنْ ليس مِن ماضٍ مضى، وإنّما ثمّة ماضٍ حاضرٍ، وماضٍ سيجيء.
*هل من مقاييس فنية تضعها في الحسبان عند بناء أو تقييم نص شعري بالشكل الذي تتفق مع المدى الشعري الذي تبحث عنه؟!.
- الشّعر عندي ما يأتي عفوَ الخاطر إثر تفاعلٍ مع جزئيّة حياتيّة، كأنْ أرى صورةً لامرأةٍ تسحبُ أذيال نكبتها خارجةً مِن مخيّم، أو... شِلواً مِن منارة الحدباء، أو طفلاً ترك أهله تحت الأنقاض في (المدينة القديمة)، الشّعر يعلو على شيءٍ اسمُه مقاييس أو معايير، إذ دائماً ما أبحثُ عن مهملٍ أو محظورٍ أو غيرِ مألوف، أحدّثك في هذا عن تجاربَ كثيرة، منها أيّام اقتحام المدينة القديمة ومنارة الحدباء، لمْ أكنْ أفكّر بشيءٍ، كنتُ أكتبُ فقط، حتّى نبّهني بعضُ الأصدقاء إلى أنّي كتبتُ قصائدَ جيّدة، علماً أنّي كنتُ في غيبوبةٍ تامّة، غيبوبةٍ غيّبتْ عني لحظة الوعي باللغة والتّصوير والبحثِ عن دهشةٍ كمعادلٍ موضوعيّ أقنعُ القارئَ عبرهُ بما أريد، الشّعر عندي من حيثُ كتابتُه وقراءتُه (تفاعل) مع الحياةِ، محكومٌ بنظامٍ لغويّ وفقَ مستوياتٍ مِن التّفكير والوعي.
*هل الشعر يعيش أزمة حقيقية، ربما تشير إلى انحساره من اهتمامات الانسان عموماً على اعتبار هيمنة التقنيات الحديثة عليه، إلى الحد الذي لم يعد لديه وقت للتوقف أمام قراءة نص يحلق في عالم الترميز والتكثيف اللغوي والصوري، أم أنّ المسالة ليست بظاهرة جديدة؟!.
- ليس الأمرُ جديداً يا صديقي، الشّعرُ لا يعيشُ أزمةً كما تقولها أنتَ، بل أُرِيدَ له أنْ يكون هكذا، عبرَ تبنّي كثيرٍ مِن المؤسّسات الثقافيّة جوائزَ كبيرة لفنون أخرى، مع توفيرِها إعلاماً جيّداً يدعم مشروعَها، ولكن: هل يفقدُ الانسانُ علاقتَه بالشّعر مجرّد أنّه لم يقرأ نصّاً لانشغاله بالتقنيات الحديثة؟!، بالطّبع لا، التقنيات الحديثة خدمتْ كثيراً أوساطَ الكُتّاب والمُثقّفين، إذ (بضغطة) زرّ واحدةٍ يمكن أنْ يحصل على كتاب منشورٍ في بيروت مثلاً، ولكنّ ما تعنيه بسؤالك أكبرُ مِن التوصيف والاختصار، ولكنّ ما حصلَ ويحصلُ خليطٌ ممّا أثرتَه هنا، وأقول لك عن قناعةٍ: لقد فقد الشّعرُ العربيّ جماهيريّته بعد انتكاسةِ حزيران 1967، تلك التي أفقدتْه ثقتَه بمرؤوسه، وأفقدتْه ثقته بالأنظمة الحاكمة آنذاك على تعدّد أشكالها، لا سيّما أنّ العصرَ – ذلك الوقت – كانَ عصرَ تثبيتٍ لايديولوجيات جديدةٍ، وإزالةٍ لايديولوجيّات أخرى، كانَ الجوّ محموماً بالتّسابقِ مِن أجل البناء والهدم والتّسليح والاقصاءِ والتنكيل، كان عصراً غرائبيّاً بامتيازٍ أسفرَ عن هجراتٍ كثيرةٍ، وبالتّالي: الشّعرُ، الفنّ، الأدبُ عموماً والقراءةُ، ما قيمتُها أمام مجازرِ (وادي حجر) ؟!، الشّعر اليوم يمثّل نقطةَ عودةٍ إلى الأصل، لكنّ الحياة تفاجأ الجميع بما هو أكبرُ من التأويل في أحيان كثيرة، إذن: الشّعرُ مناضلٌ، ذلك أنّك لو رأيتَ طفلةً تبيعُ المناديلَ في (المجموعةِ الثّقافيّة)، وأثارتْ فيكَ ما أثارت، أتكتبُ قصّةً حينها أم قصّيدةً؟!، يبقى الشّعرُ أكثرَ الأجناس الأدبيّة تفاعلاً مع الحياة، لخفّة حمولتِه الثقافيّة على عكس الرّواية مثلاً..
* إلى جانب القصيدة العمودية التي مازالت تكتسب حضورها في المشهد الشعري العراقي، تكاد قصيدة النثر أن تتسيد المشغل الشعري، فهل يعني هذا أنّ الصراع مع الموروث ما يزال يمتلك حراراته وديموته، ثم ألا تخشى من أن تتحول الشكلية في قصيدة النثر إلى سلطة توازي سلطة العمود ؟؟.
- شخصيّاً لستُ مؤمناً بشيءٍ اسمُه صراعُ الأشكال الشّعريّة، أو الصّراع مع الموروث، لأنّ الشّعرَ شِعرٌ، لا يمكنْ أنْ يحدّه شكلٌ أو تنتظمَه صيغةٌ تعبيريّة، إذ الحدّ تأطيرٌ للشيءِ ومنعٌ لسواهُ مِن الدّخول فيه، والشّعرُ لا حدودَ له، وبالتّالي فإنّ ما يحدّد قيمةَ الشّعر هذا هو مدى تفاعلهِ مع الحياة صدقاً وروحاً وإحساساً ومعرفةً، أمّا الصّراع مع الموروث الذي يتقوّل به كثيرون هذا اليوم، فهو ليس صراعاً بالشّكل الذي يطرقُ أذنَ السّامع أوّل الأمر، التراثُ تراثٌ، باقٍ ويستمدّ حيويّته مِن تفاعل الأشكال الشّعريّة الحديثة معه، ولكنْ ما يصفونه بالصّراع اليوم، هو مسوّغٌ ضعيفٌ لسقوطِهم في فخّ التّقليد والتكرار والاعادة، وحتّى أكونَ منصفاً مُحافظاً على دقّة متابعتي للشّعر العراقيّ أقول: لستُ مؤمناً بشيءٍ اسمُه (قصيدة العمود) على مستوى ما يُكتبُ في العراق، مع وجودِ أسماء قليلة جدّاً حافظتْ على شيءٍ مِن روح القصيدةِ العموديّة، فمعظمُ ما يُكتبُ اليوم هو (أنساقٌ صحراويّة)، حيث لمْ يستطع الشّاعرُ في القرنِ الحادي والعشرين أنْ يتفاعلَ مع معطياتِ عصرِه، بلْ لمْ تؤثّر فيه إلّا أنساقُ البداوةِ والصّحراء وهو يعيشُ في المدينةِ، بتعبيرٍ آخر: شاعرٌ يسكنُ حيّاً يوفّر عليه الكهرباءَ والهاتفَ المحمولَ والإنترنت، ثمّ يكتبُ نصّاً يستدعي فيه (الرّبابة، النّاي، العصا، الرّمل، النّاقة، الودق...) إلخ مِن الألفاظ التي تنكّل به من حيث لا يدري، وإنْ خرجتُ قليلاً عن مقصد السّؤال، لكنْ لا بدّ مِن التّفصيل الذي يضطرّني الانصافُ إليه، ولأصلَ معكَ – أيضاً – إلى نتيجةٍ إجرائيّة، فقصيدةُ النّثر لا خِشيةَ مِنها إذا تسيّدت المشهد، فهي شِعرٌ كما قصيدة العمود، التي تسيّدت تراثَنا العربيّ على مدى قرونٍ وقرونٍ، فِلَمَ هذا التّحسّسُ مِنها؟!، ألأنّها قصيدةٌ مستقلّة عن السّلطة على عكسِ قصيدة العمود التي رافقتها عصوراً طويلةً فأنتجت المديحَ مثلاً؟!، ألّانّها قصيدةٌ ابتعدتْ عن تداوليّات الشّعر (المُترفة) التي سيطرتْ زمناً طويلاً على مقدّرات الجماهير العاطفيّة والذّهنيّة واللغويّة كـ(الغزلِ) مثلاً؟!، لِمَ التّحسّس مِن قصيدةٍ تُخرِجُ الحياةَ مِن ضيقِ النّظمِ والقوالبِ الوزنيّة واللعبِ باللغةِ إلى فضاءِ الفِكر؟!، وإنْ قال أحدٌ: هل كانَ امرؤ القيس والنّابغةُ والمُتنبّي وأبو فراس يكتبون هكذا؟!، أقول: لا، إنّما كتبوا شِعراً بدواعي عصرِهم ومعطياتِه لا تكلّف في ذلك ولا مشّقّة، ولكنّ التّكلّف كلّه في مَن يكتبُ بأسبابِ العصور السّالفة في عصرٍ مُختلفٍ تماماً، والأمرُ هذا شبيهٌ بمَن يريدُ لأصبعهِ أنْ يكونَ على قدر الخاتم، وبالتّالي...فقصيدةُ النّثر تفرضُ نفسَها بما تمتلكُه مِن تفاعلٍ وصِدق وموضوعٍ، بينما (قصيدة العمود) في العراقِ أضاعت الموضوع منذ سنوات طويلة، وأعتقدُ اعتقاداً جازماً أنّ التّحسّس الذي يُثار تجاهَ قصيدةِ النّثر، نابعٌ عن عجزٍ في استيعابِ الحياةِ الحديثةِ، تلك التي لمْ يعد النّظمُ مُتّسعاً لها، الحياةُ اليوم بكلّ معطياتها الجميلة والقبيحة صارتْ أكبرَ مِن أحلافِ الكناياتِ والاستعاراتِ والتّشبيهات التي دائماً ما تُشكّل حِلفاً ضدّ المُتلقّي، وكلّ حِلفٍ مكيدةٌ، قصيدةُ العمود تستدعي كثيراً مِن لوازمِ اللغةِ والايقاعِ والتّصوير، تلك التي تضيّق الخناقَ على فكرةِ الشّعر داخلَ النّصّ، فإذا ما أزلنا كلّ هذه التّزويقات، ما الذي سيبقى مِن الشّعر؟!.
*ماذا عن الثقافة العربية، أين تجدها تقف بين ثقافات العالم، في المتن على الهامش، أم إنها تمتلك حضوراً فاعلا؟!.
- في الحقيقة، هذا السّؤالُ يحتاجُ إلى بحوثٍ ودراساتٍ طويلةٍ، ولكنْ أقولُ على سبيل الايجاز: الثّقافةُ العربيّة ثقافةٌ أصلٌ، وليستْ طارئةً على الوجودِ أو ناشئةً أو وليدةً أزمات، وبالتالي فشأنُها شأنُ جميع الثّقافات العالميّة، ولكنّ ما يؤخذُ عليها كما أُخِذ على ثقافاتٍ أخرى أنّها لمْ تتخلّص حتى اليوم مِن سدَنة السّلطةِ والخوفِ مِن المُتخيّل والمُفترض، الثّقافةُ العربيّة اليوم ثقافةُ تدويرٍ وتكرارٍ وإعادةٍ مُملّةٍ، لمْ تأتِ بالجديدِ الذي يُفسح المجال لأفرادِها أنْ يضعوا خطواتِهم في طريق العالميّة، لكن: هل هذا مأخذٌ على الأفراد؟، لا، بل هو مأخذٌ جماعيّ مؤسّساتيّ، ينسحبُ إلى الهرمِ الأعلى في كلّ بلد: (السّلطة)، وقد يقول قائلٌ: لِمَ أصبحت الثّقافةُ العربيّة ثقافةَ كالّةً على مولاها؟!، أقول: لقد تأخّر العربُ كثيراً عن العالمِ الحديث، ذلك أنّ أوربا وأمريكا تخلّصوا مِن سطوةِ (التّديّن) منذ سنوات بعيدةٍ، فاشتغلَ العربُ بها مِن بعدهم حتى جنوا ما جنتْه على نفسِها (براغش)، الثّقافةُ العربيّةُ وقعتْ في مطبّاتٍ كثيرةٍ، أُرِيد لها أنْ تقع فيها بفعلِ ضرائبَ تاريخيّة وسياسيّة يدفعها الأبناءُ عن الأجداد، بيننا وبينهم (أندلساتٌ) كثيرةٌ، فمتى تستقرّ هذه الثّقافة وهي بين جارٍ مُحاربٍ وشريكٍ في الدّار مُشاغب؟!، أحدّثك عن الثّقافة العربيّة بوصفي قارئاً، أحدّثك عنها وقد أصبحتْ تحتفي بـ(النّكوص) و(الإيديولوجيا)، كتابٌ يُمنع لأنّه ضدّ ثقافةِ الطّغمة الحاكمةِ، وشاعرٌ يُودع في السّجن لأنّه رأى الله بعينين تخصّانه، مثلما رأى (كُثَيّرُ) حبيبتَه، الثّقافةُ العربيّة طالت غيبوبتُها، ذلك أنّ المدّ الأصوليّ مُسيطرٌ على عواطف النّاسِ ومقدّراتِهم بأنواعها ومستوياتها، الثّقافة العربيّة اليوم تحتاجُ إلى خطوةٍ جريئةٍ لإنزالِها مِن المثالِ إلى الأرض، كما فعل سقراطُ مع الفلسفةِ، ذلك أنّ (الثّقافة العربيّة) اليوم مشغولةٌ بِالمثال ومحكومةٌ بالغيبيّاتِ، ألا ترى أنّ عامّة النّاس تنظرُ إلى المُثقّف بوصفهِ كائناً هلاميّاً؟!، لأنّه انشغل بما وراء الحياةِ تقاعساً وتخاذلاً، ألم ترَ شاعراً يقرأ قصيدةٍ في محفل يُعطّل فيه الدّوامُ يوماً كاملاً؟.
*مالذي ينبغي استبعاده من ظواهر في المشهد الثقافي العراقي؟!.
- كثيرةٌ هي الظّواهرُ التي حرفت مسارَ الثّقافةِ والجمال إلى مساراتٍ أخرى اتّصفتْ بالقُبح والبشاعة، ينبغي استبعادُ ظاهرةِ (الاخوانيّات)، التي ترفعُ أناساً وتخفضُ آخرين بحسب درجة قرابةِ المسؤول الثّقافيّ، ينبغي استبعادُ ظاهرةِ (المُثقّف المؤدلج) الذي يفرضُ على الآخرين أدبيّاتِه وثقافتِه الضّيّقة، ينبغي استبعادُ (عمّال الثّقافةِ) مِن المؤسّسات التي امتلكوها، حيثُ أنّ الدّرجة الأكاديميّة أصبحتْ تديرُ مؤسّسةً بأكملها فقط لأنّها (دكتوراه)، ينبغي كذلك إنْ يُعادَ النّظرُ في هيكليّة التّعليم، تلك التي أنتجتْ مجتمعاً كثيرَ التّعلّم قليل الثّقافة، المشهدُ الثّقافيّ العراقيّ اليوم وليدُ أزمةٍ ثقافيّة سياسيّة تاريخيّة إثرَ تحوّلات عراق ما بعد 2003، فلا تنتظرْ حلّاً مِن (أهرامٍ) مأزومةٍ، تسيّدت مشهداً كاملاً، كأنْ تطبعَ كتاباً في الفِكر، أو تطبعَ مجموعةً شعريّة لشاعرٍ لا يمتلكُ ثمنَ الطّباعة على النّفقة الخاصّة، وكما أسلفتُ لك: المشهدُ العراقيّ – أيضاً – جزءٌ مِن الثّقافةِ العربيّة القائمةِ على الاعادةِ والتّدوير، لذا – أنا شخصيّاً – أنتظر هزّة أخرى تُزيلُ ما خلّفته الأصوليّة والايديولوجيا المستوردة، ليكونَ المشهدُ أنقى، وأجمل.
*دائما ماكان الشعراء العرب خلال العقود الماضية مؤدلجين، وانسحب ذلك على البنية الفنية لنتاجهم، وباعتبارك شاعراً: هل لديك موقف أو اهتمام بما هو سياسيّ أو إيديولوجي؟!.
- ليس لديّ إلّا الشّعرُ والقراءةُ بغية المعرفةِ مِن أجلِ أنْ أتّقي ذلك، أمّا إنْ كانَ لديّ اهتمامٌ بما هو سياسيّ أو إيديولوجيّ فهذا يحتاجُ إلى إيضاحٍ، إذْ بمجرّد أنْ تحبّ أرضكَ ووطنَك وتخلصَ إليه في وقتٍ يحتاجُ مِنك إلى ذلك، سيُقال عنك: مؤدلجٌ!، موقفي ممّا جرى وما يجري موقفُ أيّ مواطنٍ عربيّ عرِف السّيناريو التّاريخيّ للوجود/ لعبةِ الحضارات، أكرهُ السّياسةً والأدلجة مِن حيثُ هي عدوّة الفِطرة والطّبيعةِ، وأحبّ العراقَ والعربَ، علماً أنّي أعرفُ ثمنَ المحبّة هذه، موقفي ليس بالضّرورة أنْ يكونَ مُعلناً كما ليسَ ضرراً أنْ يكونَ صامتاً، ولكنّي قلتُه في مواضع كثيرة: إنّي أكره السّياسةً وأصحابَها، أكرهُ الحكوماتِ التي تستمدّ سلطتَها مِن خارج أرضِها، وأكرهُ كلّ مَن لا يحبّ أرضه ووطنَه، اهتمامي وعنايتي الأولى والأخيرة أنْ أرى العراق معافىً مِن الموت والخراب والتّدمير، اهتمامي وعنايتي أنْ أرى مَن دمّر العراقَ في قفصٍ مِن حديدٍ، مِن أجل عيونِ الأمّهات ودموع الأيتام والمُشرّدين والقتلى بلا سابق، كلّ هذا باعتباري شاعراً، وباعتباري شاعراً أقول: السّياسةُ قبيحةٌ وبشعةٌ، والإيديولوجيا قناعٌ مِن أقنعةِ المثال، إذ حالما تصطدمُ بالحقيقةِ تنتحرُ، لأنّها وهمٌ، بينما الشّعوبُ حقيقةٌ.

سيرة ذاتية:
عضو الاتّحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق.تولّد 1991.بكالوريوس في اللغة العربيّة وآدابِها– كلية الآداب/ جامعة الموصل 2017.رئيس تحرير مجلة (مسقى)، مجلة تعنى بالشعر العراقي المعاصر.
اصداراته الشخصية:ما لمْ تُؤوّله المرايا (شِعر) 2014.المُتعاليات النصية في شعر سامي مهدي 2017.
اصدارات مشتركة:أيقظت رصاصتُك قلبي (إصدار مشترك مع مجموعة شعراء عرب)، 2016. ارتجافةٌ لموجٍ أوّل(إصدار مشترك مع الشعراء الشباب/ الموصل)، 2014. قصائد فوق الجسر العتيق (مجموعة شعرية مشتركة لثلاثين شاعراً من الموصل)،أعدها بالاشتراك مع الشاعر أحمد جارالله.

الجمعة، 25 مايو 2018


لسنا بحاجة الى دموع
https://al-aalem.com/article/47134-%D9%84%D8%B3%D9%86%D8%A7-%D8%A8%D8%AD%D8%A7%D8%AC%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%89-%D8%AF%D9%85%D9%88%D8%B9 رابط المقال - صحيفة العالم الجديد
لسنا بحاجة الى دموع

لسنا بحاجة الى دموع

 

ساقف احتراما وتقديرا لكل فنان يزور منطقة الموصل القديمة (المنكوبة) اذا لم يكتف بان يظهر لنا حزنه الشديد ونحيبه على اطلالها .لان الدموع لن تبني بيتا ولاتعيد الموتى الى الحياة.

واذا كان صادقا فعلا في مشاعره يتوجب عليه ان يتخذ موقفا عمليا لاعادة الحياة اليها، وذلك بالعمل الجاد على طرق ابواب الدول والمنظمات واللقاء بزعمائها وباصحاب رؤوس الاموال والشركات من اجل حثهم على المساهمة في تمويل مشاريع بنائها ودعم سكانها، فالناس التي نكبت باعزائها وممتلكاتها لم تعد تثق بوعود الساسة العراقيين،وادركت ان من يمارس التدمير الممنهج لايمكن ان يبني بيتا لمحتاج ويمسح دمعة مبتلى .

وعليه نرفض ان يتحول اهلنا المنكوبين الى مجرد شخوص خيالية في فلم ميلودرامي يكتفي المتفرجون بان يذرفوا الدموع على ماساتهم، وما ان ينتهي الفلم ويغادروا صالة العرض حتى يقذفوا بتلك المشاعر في سلة المهملات مع مناديل الكلينكس .

اهلنا بشر كرام، من لحم ودم ومشاعر، وهم اشرف من ان يتحولوا الى سيرك لحيوانات اليفة منقرضة يستمتع العالم بالتفرج عليها في اوقات الفراغ، وهذا ما سعى ويسعى اليه المسؤولون الحكوميون بان يتحول اهلنا الى سلعة رخيصة في سوق المتعة العابرة .

بامكان الفنانين والرياضيين العراقيين وكل الشخصيات الشهيرة وفي مقدمتهم الموصليين ان يقدموا الكثير من سبل الدعم والمساندة ،وهم وحدهم من يستطيع ان يبعث الامل في نفوس مات الامل في داخلها.

هناك الكثير من الاعمال التي يستطيع الفنانون والرياضيون ان يوحدوا جهودهم فيها ويمكن من خلالها ان تجعل الضمير الانساني في بقية دول العالم ان يتحرك ليمد يد العون لمن هم بامس الحاجة اليها .

انا لست بمعرض التشكيك بالنوايا ولكن حجم الماساة اكبر من ان نستعرض صدمتنا امام عدسات الكامرة مما نراه امام اعيننا من خراب ونحن ندور في الازقة التي مزقت الحرب بيوتها ومعالمها وحولتها الى اشلاء ، المحنة اكبر من ان نتلقى كلمات الاعجاب من الاخرين تقديرا وتثمينا لمشاعرنا الرقيقة .

فهل سنجد تجمعا او تجمعات لشخصيات شهيرة عراقية وهي تقيم فعاليات ومبادرات خارج العراق تكشف للعالم حجم الكارثة وضرورة ان تتكاثف جهود فاعلي الخير لاعادة الحياةالى بقعة كانت تنبض بالحياة ؟

والكرة اولا في ملعب الشخصيات الموصلية التي تتوزع في الكثير من بلدان العالم وتحتل مراكز مهمة ،فنية ورياضية واعلامية ، ومن لاينفع اهله لانفع منه .

ماذا بعد تزوير الانتخابات ؟
https://al-aalem.com/article/47130-%D9%85%D8%A7%D8%B0%D8%A7-%D8%A8%D8%B9%D8%AF-%D8%AA%D8%B2%D9%88%D9%8A%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D9%86%D8%AA%D8%AE%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D8%AA%D8%9F رابط المقال في صحيفة العالم الجديد
ماذا بعد تزوير الانتخابات؟

ماذا بعد تزوير الانتخابات؟

 
انتهت الانتخابات بعد ان تركت انطباعا سيئا جدا لدى غالبية من تابعها وشارك فيها نتيجة ما رافقها من عمليات تزوير بما يؤكد على أنها كانت مسرحية هابطة في مستواها الفني، أُشرفت على اعدادها القوى السياسية التي تمتلك السلطة والمال والميليشيا بعد أن انفقت عليها اموالا طائلة اقتطعتها من فم الاطفال الجائعين في المخيمات ومن مخصصات البحث العلمي، ومن الاموال التي كان ينبغي ان تذهب لمن فقد داره بسبب الحرب على داعش، ومن الاموال المخصصة لعلاج مرض السرطان والكلى والسكر، بعد ان اصبحت المستشفيات خاوية وفي حالة يرثى لها.

ما يجري خلف الكواليس في المشهد السياسي العراقي هو الذي يحدد حياة العراقيين وليس صندوق الانتخاب، ولم يكن التزوير مقصورا على هذه الدورة الانتخابية بل شمل كل الدورات التي سبقتها، إلا ان الفضيحة هذه المرة فاحت رائحتها ولم يعد ممكنا التستر عليها. ومع ذلك يمكن القول بأن الوعي المجتمعي المصاب بحالة من الغيبوبة طيلة الاعوام الماضي شهد  تحولا ايجابيا لدى طيف لاباس به من العراقيين، وقد تم التعبير عنه بموقفين، الاول تمثل في حالة المقاطعة للانتخابات من قبل عدد كبير من العراقيين. والثاني تمثل في اصرار غالبية الذين شاركو فيها بعدم منح اصواتهم للوجوه المستهلكة.

هذا اضافة الى ردود الافعال المتشنجة الموجهة  ضد اولئك الذين قاطعوا الانتخابات الى الحد الذي أُلصِقت بهم تهمة الخيانة، أما من ذهبوا الى مراكز الاقتراع فقد وصفوا بالسذج والمخدوعين.

بكل الاحوال ينبغي احترام  خيارات الناس السلمية في التعبير عن خياراتها، فمن ذهب وأدلى بصوته كان يحمل في داخله قناعة شخصية بان التغيير لن يكون الا بالمشاركة ،ومن لم يشارك كان يحمل قناعة بان التغيير لن يتم طالما ان التزوير سيقطع الطريق امام الحالمين به .

القوى السياسية العراقية الكبيرة اصبحت  تدرك جيدا ماحصل من متغير في وعي المواطن،وانه  ناقم عليها،ولم تعد تنطلي عليه شعارات مثل  "المظلومية الطائفية والنضال ضد الدكتاتورية"، ولم تعد تنطلي عليه خطب العمائم وما تنتجه من تضليل وخرافات، ولم يعد يعير اهمية لنسب وعائلة الزعيم الفلاني طالما هو يرتكب الاخطاء تلو الاخطاءويفرط بحقوق الناس المحرومين، كل هذه البراقع سقطت بعد ان تهرأت امام بؤس الواقع الذي يعيشه المواطن منذ اكثر من خمسة عشر عام،لم تعد تصمد هذه الاكاذيب امام انهيار التعليم والصحة وفساد جهاز الدولة في كافة المؤسسات والدوائر الحكومية،وامام طوابير المواطنين وهم يقفون لساعات وايام دون جدوى من اجل الحصول على هوية الاحوال المدنية، انهارت امام الرشوى التي اصبح الموظف العراقي يتعامل بها دون خجل، من المدير الى الحارس إلاّ في حالات نادرة، انهارت امام رئيس وزراء الأسبق نوري المالكي وهو يكذب علنا عندما يسأله المذيع الذي كان يحاوره عن مصير 800 مليار تبخرت في عهده (2006- 2014 ) فكانت اجابته" اننا صرفناها على بناء المستشفيات والمدارس والطرق"، بينما لم تبنَ مدرسة ولا مستشفى ولم يرصف طريق جديد منذ ان سقطت الدولة عام 2003.

وكثير من القوى السياسية لم تعد تخشى ان يفتضح امرها اذا ما مارست التزوير، وبالامس التقى مقتدى  الصدر (زعيم كتلة سائرن التي نالت اعلى الاصوات) مع عمار الحكيم (زعيم تيار الحكمة الذي دائما مايتهم الكثير من اتباعه بتورطهم بعمليات فساد مالي) التقى الاثنان دون ان يعيرا اهمية للتزوير الحاصل، وكأن العملية الانتخابية شيء وتشكيل الحكومة شيء آخر.

ألا يعني ذلك أن إرادة الناخب لا قيمة لها في حسابات ساسة المنطقة الخضراء، وليس لديهم الاستعداد لسماع الاصوات القادمة من خارج اسوار منطقتهم؟

رغم التشاؤم المسبق من العملية الانتخابية إلا ان سقوط اسماء بقيت تطرح خطابا طائفيا طيلة الاعوام الماضية مثل "حنان الفتلاوي، وموفق الربيعي وكاظم الصيادي"، يعد درسا قاسيا يؤكد لها بان خطابها مرفوض حتى من الوسط الجماهيري الذي كانت تستند عليه.

وهناك اسماء اخرى كانت تتاجر بالمدنيّة وترفع شعاراتها ولكنها في الحقيقة لم تفعل اي شيء في البرلمان من اجل المواطن، بينما صوتها كان  يلعلع فقط  في القنوات الفضائية مثل "فائق الشيخ علي".

هناك العديد من الادلة (صورة وصوت) التي أكدت على ان الفاسدين نالوا معظم اصواتهم من خارج العراق، حيث صوت لهم اصحاب الهويات المزورة ممن يحسبون على فصيلة "المجاهدين والمناضلين وجماعة مخيم رفحاء"، معظم هؤلاء منحوا اصواتهم لرموز الفساد امثال المالكي رداً لجميله عليهم لانه سبق ان منحهم امتيازات مالية ماكانوا يحلمون بها.

اليوم يتسائل العراقيون:هل ستلغى نتائج الانتخابات؟ هل سيعاد التصويت؟ هل سيتم اعتماد النتائج رغم ماشابها من عمليات تزوير؟ هل ستُعاقب مفوضية الانتخابات على ما ارتكبته من اخطاء وانتهاكات؟

هذه الاسئلة تطرح اليوم وبقوة، لان الشارع إنتظر الاصلاح خمسة عشر عام ولم يأت، فهل فجاء الوقت الذي لم يعد فيه السكوت ممكنا؟

شخصيا اجد ان الامور ستذهب بالشكل التالي: ستُعقد تحالفات بين الكتل الكبيرة وسيتم تقديم بعض الوجوه الجديدة من داخل بطانتها لاجل خداع الناس وايهامهم بان التغيير قادم.

الشيء المهم الذي ينبغي الحديث عنه، ان مايشهده العراق من خراب  تعود اسبابه الى تبعية الذين يسكنون المنطقة الخضراء لسياسات الدول المجاورة، وفي مقدمتها ايران، ومن حق ايران ان تدافع عن مصالحها، ولكن ليس من حق سكان المنطقة الخضراء ان يجعلوا من العراق بلدا تابعا لهذه الدولة او تلك، وليس من حقهم ان يرهنوا مصير العراقيين واحلامهم ومستقبل اجيالهم بقرارات يتخذها اخرون  بالنيابة عنهم.
ميليشيات إيزيدية تترتكب انتهاكات خطيرة وتختطف عشرات المدنيين من العرب السنة في القرى المحيطة بسنجار التابعة لمحافظة نينوى / الموصل ومصيرهم مجهولا May 25, 2018


مصير عشرات العراقيين مجهول بعد اختطاف ميليشيات إيزيدية لهم

May 25, 2018

الموصل ـ «القدس العربي»: لا تزال الميليشيات الإيزيدية تمارس عمليات الخطف ضد العرب في جبل سنجار، أوفق ما أفاد به شهود عيان لـ«القدس العربي».
وبينوا أن «الميليشيات اختطفت في الفترة الأخيرة عشرات المدنيين، الذين لايزال مصيرهم مجهولا ًحتى الآن».
مصادر أمنية، أكدت أن «مناطق كبيرة من قضاء سنجار لا تزال خاضعة لسيطرة الميليشيات الإيزيدية التي تمارس أعمال انتقامية وتصفيات بحق المكون العربي في تلك المناطق بعد أن أصبحت شبه خالية، وتعرضت لعمليات تغيير ديموغرافي».
وقال أبو يوسف، من سكان مناطق جبل سنجار لـ«القدس العربي»: إن الميليشيات الإيزيدية قامت باختطاف ابنه لأنه عربي، مبينا أنه لا يعرف مصيره حتى الآن، لكن الميليشيات تلك تمارس عمليات قتل وتصفيات جسدية ضد المختطفين لديها.
وأشار إلى أن عرب سنجار يتعرضون لحملات تطهير عرقي وبشكل علني من قبل الميليشيات الإيزيدية المنتشرة في جبل سنجار ومناطق أخرى من القضاء، داعياً إلى تدخل منظمات دولية، وفتح تحقيق حول الانتهاكات التي تعرض لها العرب على يد تلك الميليشيات التي باتت تقتل وتنهب وتسلب دون رادع أو محاسبة للأفراد الذين يتسببون بتلك الانتهاكات.
وطالب، الحكومة العراقية إلى التدخل ونزع سلاح الجماعات والعصابات المسلحة التي تمارس عمليات قتل وتطهير عرقي ضد المكون العربي.
مصدر أمني خاص، أوضح لـ«القدس العربي»، أن «الميليشيات تمارس عمليات تطهير عرقي ضد العرب في جبل سنجار»، مضيفاً: «وصلتنا بلاغات حول تلك الانتهاكات، حيث لايسمح بعودة العرب إلى قراهم بعد أن تم تجريفها واحتلال ما تبقى منها لصالح تلك الميليشيات».
وأضاف أن «تلك العصابات غير مرتبطة بالحكومة المركزية أو حتى الحشد الشعبي بل تمارس أعمالها ونشاطاتها الإجرامية بمفردها».
ولفت إلى أن «عمليات الاختطاف تلك طالت الأبرياء، والذين لم يثبت انتماؤهم للتنظيم حسب قاعدة البيانات المسجلة لدى القوات الأمنية»، محذرا من «انفجار الوضع الأمني مجددا في تلك المناطق إذا مابقي الحال على وضعه مع استمرار الجماعات تلك باحتلال القرى العربية ومواصلة نصبها الكمائن واختطاف العرب فيها».
وسبق للميليشيات الإيزيدية أن ارتكبت مجازر مروعة حسب ما كشفته منظمات محلية ودولية، لكن «الوضع لم يتغير ولم يتم نزع سلاح تلك الجماعات ما جعلهم مستمرين بأعمالهم تلك بحجة أخذ الثار من الذي قاموا بعمليات تطهير ضدهم»، وفق المصدر.

الثلاثاء، 22 مايو 2018

(دولة المكونات) مصطلح ملغم بالعنصرية ،من خلاله بدات عملية هدم دول ومجتمعات المنطقة.
وفي اللحظة التي سيشطب فيها نهائيا من دستور ( بريمر ) ومن قاموس مفرداتنا اليومية، ومن ثم يصار الى اصدار قانون يجرم من يتلفظ به انذاك يمكن ان يعود الوعي والضمير الانساني الى شعوب المنطقة وتعود الدولة بقوتها وحضورها وسيتبخر زعماء الطوائف والميليشيات من الوجود .

وصلتني هذه المناشدة من احد ابناء حي باب لكش في الموصل القديمة الذي سبق ان تعرض للتدمير اثناء تحرير المدينة ، يناشد فيها باسم اهالي الحي كافة المعنيين بالامر ،خاصة المنظمات الخيرية ،والمسؤوليين الحكوميين ، لايقاف سرقات مختار الحي والمنشورة صورته اسفل المناشدة وهو يحمل العلم العراقي .
انا من ناحيتي انشرها كما وصلتني دون ان اجري عليها اي تعديل.واذا كان لدى المختار "علي جلعوط " اي رد على ماجاء من اتهامات بحقه فليرد.

"المختار الفاسد في باب لكش " :
يا ناس يا خيرين خلصونا من الحرامية 
المختار شامل دلومة
علي جلعوط
منظمات جت دتبني بيوتنا باب لكش الفقراء ونحن اصحاب شهداء والمختار مثل كرسي الحكم ما يقبل يسلمها بنا بيتو ورجع بنا بيت اخوه وبيت اختو وهسع بيت اهلو عينزلو وعيبنيه وكلشي ما بيه ونحن الفقراء لنا الله والما يصدك خلي يجي ع باب لكش ويشوف البوق مالهم من المنظمات اتجيب مساعدات نريد المنظمات هي مسؤولة ما نريد هذا المختار الحرامي ولله دمرنا هو اخوه مختار ومات وهو استلمها ما يقبل يعوفها
علي جلعوط ع اساس مسؤول ع بيوت الايتام كلفوه ديبنيها اول شي بنا بيتو وبعدها بنا بيت بنت عمتو وهسع عيتاجر بلناس الفقراء النا الله بشاه هذا شهر رمضان الكريم تطلع بيكم وباولادكم 
حسبنا الله ونعم الوكيل..

الأحد، 20 مايو 2018

 جرعة أمل في ملامح جيل جديد من السينمائيين العراقيين

مروان ياسين الدليمي

May 19, 2018
http://www.alquds.co.uk/?p=938012رابط المقال في صحيفة القدس العربي



 جرعة أمل في ملامح جيل جديد من السينمائيين العراقيين

مروان ياسين الدليمي

May 19, 2018



مشكلة الانتاج السينمائي في العراق ولمدة تزيد على النصف قرن لم تكن  في قلّة عدد الافلام المنتجة منذ ان بدأ الانتاج السينمائي الوطني قبل اكثر من 67 عاما،فالمسالة تتعدى حدود الارقام الى ماهو مرتبط بضعف الاهتمام  بجماليات الفن السينمائي،والعجز عن ايصال هذه الحساسية الجمالية الى الشاشة،بمعنى ان الخلل كان بنيوياً طالما بقي متحوراً ولفترة طويلة  في ضعف الادوات الفنية(الرؤية + التقنيات)مع غياب الحرفية العالية  لدى طاقم العمل السينمائي،ابتدأ بكاتب السيناريو ومرورا بمدير التصوير وانتهاء بالمخرج،بنفس الوقت لو عدنا الى عدد الافلام التي تم انتاجها وتأملناها لخرجنا بنتيجة ليست في صالح العراق إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار ان الفن السينمائي قد ابتدأ تدريسه في كلية الفنون الجميلة منذ العام 1973 حيث تم تأسيس قسم السينما في ذلك العام من قبل المخرج السينمائي "جعفرعلي" ولكي ينهض القسم على اسس قوية وسليمة تم الاستعانة باساتذة أكفاء من مصر ولبنان وبولونيا يمتلكون بالاضافة الى المعرفة الاكاديمية خبرة عملية في ميدان العمل السينمائي امثال المونتير اميل بحري والمخرج توفيق صالح والناقد هاشم النحاس ومدير التصوير محمد ابراهيم عادل واخرين.
عتبة البدايات
من حيث الكم  بلغ عدد الافلام المنتجة حتى العام 2003  مايقارب 100 فلم،وما ينبغي الاشارة اليه ان عجلة الانتاج السينمائي العراقي كانت بدايتها سليمة لانها قد استندت في انطلاقتها على  القطاع الخاص عام 1950 من خلال فلم" فتنة وحسن"وهو من اخراج حيدر العمر،ويتفق نقاد ومؤرخو الفن السينمائي على ان بداية الانتاج السينمائي في العراق تؤرًّخ مع هذا الفلم باعتباره  خرج الى دور العرض بجهود عراقية خالصة دون الاستعانة باي جهد اجنبي من بعد ان سبقته خلال اربعينات القرن الماضي مجموعة افلام مشتركة وقف خلفها مخرجون وكتاب وممثلون مصريون.
إذا تأملنا الفترة التي بدأ فيها الانتاج السينمائي في العراق سنصل الى ملاحظة مهمة ينبغي اخذها بنظر الاعتبار إذا ما أردنا ان تكون قراءتنا موضوعية  حيث تشير الذاكرة السينمائية العالمية  الى ان مطلع خمسينات القرن الماضي كان علامة فارقة في تاريخ الفن السينمائي وتحديدا في اوربا واميركا حيث تخطى الفلم عتبة مهمة جدا من تاريخه شكلت مفصلا جوهريا في تغيير بنيته الجمالية،وذلك عندما ظهرت المدارس الطليعية في الفن السينمائي،وفي مقدمتها الواقعية الايطالية ومن بعدها السينما الفرنسية الجديدة،لتاخذ به الى افاق جديدة في رؤية عناصر الفلم السينمائي على المستوى التقني والمعالجة الفنية وفي مقدمة ذلك الخروج من اطار الاستديوهات والديكورات المصنّعة الى فضاءات الواقع  بشخوصه واماكنه وحيوية حركته الطبيعية وحرارتها الانسانية ويكاد ان يمتد تأثير هذه التحولات الثورية الى معظم الانتاج السينمائي في العالم وإن بدرجات متفاوتة،بما في ذلك حتى صناعة الفلم في هوليوود رغم صرامة آليات انتاجها بكل خصوصيتها وامكاناتها الضخمة إلا أن هذا التحول لم يترك اثرا مهما في الانتاج العراقي باستثناء عدد محدود جدا من الافلام، بالكاد يمكن ان نعدها على اصابع اليد الواحدة حاول فيها مخرجوها أن يقلدوا اسلوب الواقعية الايطالية وقد تجسد ذلك في الافلام(سعيد افندي 1958،الحارس 1967،الجابي 1968،بيوت في ذلك الزقاق1977) .
بقيت الافلام العراقية حتى مطلع سبعينات القرن الماضي اسيرة المنظومة الفكرية لشركات القطاع الخاص،التي يقف خلفها منتجون لاعلاقة تربطهم بعالم السينما من الناحية الفنية،وربما يعد ذلك عاملا مشتركا مع بقية الدول العربية،وجل ماكانوا يطمحون اليه ان يقدموا افلاما يقلدون فيها افلاما مصرية ميلودرامية، إلا انها جاءت بمستوى ضعيف في كافة النواحي الفنية مقارنة بها،ولهذا كان من المنطقي أن لاتحقق ماكان يصبو اليه المنتجون من ارباح،وأن لاتجعل اي واحد منهم لايكرر التجربة مرة اخرى .   
غسل الأدمغة  
في بداية العقد السابع من القرن العشرين استوعب النظام السياسي الحاكم انذاك اهمية الشريط السينمائي في السيطرة على الجمهور من الناحية العاطفية،وتم توظيف ذلك لتمرير ايدلوجيا الحزب الحاكم بنفس النسق الذي كانت قد شهدته السينما في بقية البلدان التي حكمتها انظمتها شمولية مثل  بلدان المعسكر الشيوعي في اوربا الشرقية وماكان يعرف سابقا بالاتحاد السوفياتي،وبناء على ذلك لم يعد للشركات الاهلية اي وجود يذكر في عجلة الانتاج السينمائي العراقي،بعد ان  دخل الفلم في سياق اجندة التزييف والتضلييل التي كانت تمارسها ماكنة الاعلام الرسمي بالشكل الذي اخرج الفلم عن سياقه الفني والجمالي وأنخرط في سياق دعائي ،ولهذا لم يشهد العراق طيلة اكثر من ثلاثة عقود ابتدأت من العام 1968 وحتى العام 2003 (وهي الفترة التي كان فيها العراق تحت سلطة حزب البعث) اية نهضة في اطار الفلم السينمائي خاصة في الجانب الفني ،إذ لم يستطع ان يؤكد وجوده في المهرجانات الدولية،ولم يفرز موهبة سينمائية ذات ملامح مميزة يمكن ان تُعلق عليها الامال في صناعة فلم عراقي،وبقي يستحوذ على الانتاج طيلة تلك الفترة الطويلة خاصة في اطار الاخراج اسماء معينة لاتنتمي في نمط تفكيرها الفني الى ماكان يشهده الفن السينمائي من متغيرات جمالية لها صلة جوهرية في بنية الفلم ولم تكن تلك الاسماء تحمل حساسية ذاتية تعكس خصوصية فردية في رؤيتها للشريط السينمائي بقدر ماكانت ثقافتها تعكس منظومة تقليدية اكل الدهر عليها وشرب سواء من حيث الشكل الذي تدور في فلكه اوالمضامين ،مثل محمد شكري جميل وصاحب حداد وعبد الهادي مبارك ،  وبطبيعة الحال يلتقي هذا النمط من العاملين في الميدان السينمائي  مع منظومة الخطاب الرسمي الغارق في اساليب الاطناب والثرثرة بما يتماشى مع عملية غسل الادمغة التي كانت تمثل جوهر الانظمة الشمولية والتي تتقاطع مع خاصية الفلم السينمائي باعتماده على مفرادت الايجاز والاستعارة والترميز والتكثيف ،ولو اجرينا عملية فحص شامل لجميع الاشرطة التي انتجت خلال تلك الفترة لما وجدنا فيها فلما واحدا قد ترك اثرا مهما في ذاكرة النقاد والجمهور بما ذلك افلام مثل "الظامئون" 1972 اخراج محمد شكري جميل ، "المنعطف" 1975 اخراج جعفر علي ،رغم اهمية المضامين الانسانية التي طرحت من خلال هذين الفلمين،فالاول تحدث عن الفساد السياسي خلال خمسينات القرن الماضي،والثاني تناول كفاح قرية عراقية يعاني اهلها من شحة مصادر المياه .
اهم الاسباب التي تقف خلف هشاشة مسار الانتاج السينمائي  في هذه المرحلة يعود الى ان الدولة  كانت هي جهة الانتاج ولم يكن هدفها الارتقاء بالفن والوعي السينمائي بقدر ما كانت غايتها كتابة التاريخ وفق منظور السلطة،وعلى ذلك تم تخصيص ميزانيات هائلة للافلام المنتجة وصلت الى ملايين الدنانير العراقية وبعضها لم يعرض على الجمهور وتم رفضه من قبل السلطة نفسها،وكان ذلك خلال فترة حكم صدام حسين،رغم الميزانيات  الضخمة التي خصصت لها، ومن هذه الافلام  على سبيل المثال "العد التصاعدي ..العد التنازلي" اخراج محمد شكري جميل حيث بلغت ميزانيته 100 مليون دينار عراقي،وفلم آخر بعنوان "حفر الباطن " اخراج عبد السلام الاعظمي بكلفة 93 مليون دينار عراقي.  
سينمائيو مابعد الغزو الاميركي  
بعد العام 2003 حصلت تحولات مهمة لصالح الانتاج السينمائي العراقي،اذ وصل عدد الافلام المنتجة الروائية والوثائقية الى مايفوق 300 فلم حتى العام 2013 حسب احصاءات موثقة من دائرة  السينما والمسرح العراقية،وفي الجانب الاخر المتعلق بالناحية الجمالية وسبل بناء الخطاب الفني للفلم يمكن القول بأن ما قدمه المخرجون الشباب الجدد الذين ظهروا في هذه الفترة وضع الانتاج السينمائي العراقي على المسار السليم،وابرز ما تحمله تجارب هؤلاء انهم قد افترقوا عن الاجيال التي سبقتهم قبل العام 2003 في مسائل جوهرية تدخل في صلب الوعي بجوهر الفن السينمائي خاصة وان معظمهم كانوا يعيشون في اوربا بصفة لاجئين وهناك تلقوا تعليما اكاديميا في كليات ومعاهد متخصصة  في الفن السينمائي مثل "محمد الدراجي وعدي رشيد "وهذا ما منحهم فرصة ان يفهوا اسرار العملية الفنية وفق اسس علمية واحترافية بالشكل الذي لم يتوفر لدى غالبية من سبقهم من اجيال معظمهم جاء الى ميدان الاخراج السينمائي من بوابة التلفزيون او المسرح او من باب الهواية باستثناء المخرج "كامران حسني"الذي سبق أن درس الاخراج السينمائي في الولايات المتحدة الاميركية في منتصف خمسينات القرن الماضي وأخرج عام 1958 فلم "سعيد افندي" الذي يعد أهم فلم عراقي اقتفى اثر الواقعية الايطالية.
مايحسب للمخرجين العراقيين الشباب بعد العام 2003 انهم بدأوا بالاعتماد على انفسهم في البحث عن جهات تدعم وتمول مشاريعهم السينمائية دون ان يتكئوا على الدولة،فطرقوا ابواب الجهات المانحة الدولية واستطاعوا ان يكسبوا ثقة العديد منها،وقدموا افلاما حظيت باهتمام وتقدير النقاد،كما شاركت في مهرجانات دولية عديدة ونالت جوائز ذات قيمة ،على سبيل المثال فلم "ابن بابل "للمخرج محمد الدراجي،حيث نال  32 جائزة وشارك في  100 مهرجان دولي واقليمي وعرض في اكثر من 25 بلدا.وهناك مخرج شاب آخر "يحى العلاق"سبق ان حصل على نجمة "الجونة الذهبية"لأفضل فيلم عربي في مهرجان الجونة المصري في دورته الأولى عام 2017،وهناك اسماء اخرى تمكنت من تخطي حدود المحلية فوصلت افلامها الى مهرجانات دولية وحظت بجوائز واهتمام ملفت من قبل النقاد والجهات الراعية للمهرجانات منهم على سبيل المثال:مهند حيّال،هاشم العيفاري،هادي ماهود،لؤي فاضل،ليث عبد الامير ،امجد حميد ، واخرون .
دوائر الفساد التي استشرت في جسد الدولة العراقية بعد العام 2003 طال تأثيرها السيء احلام السينمائيين الشباب وقطعت الطريق امامهم بينما فتحته واسعا امام نفس الاسماء القديمة التي كانت تبتلع الفرص طيلة العهود الماضية وقد تجسد ذلك عندما اختيرت بغداد عام 2013عاصمة للثقافة العربية،ومن ضمن 600 مليون دولار تم رصدها لمجمل الفعاليات المخصصة لهذه المناسبة ذهب منها بمايزيد على  20 مليون دولار لانتاج اكثر من 23 فلما سينمائيا جميعها كانت من نصيب اولئك المخرجين القدماء واخرين لااحد يعرف لهم تاريخا في الاخراج السينمائي،بينما حرم منها  السينمائيون الشباب.والمفارقة المضحكة والمبكية في آن واحد ، ان جميع الافلام التي تم انتاجها دون استثناء لم تعرض على الجمهور لرداءتها الفنية ، وتم تكديسها على الرفوف وفي مخازن الادوات المنتهية الصلاحية في دائرة السينما والمسرح .  
لماذا يصنعون افلامهم
الجيل السينمائي الجديد اضافة الى ماذكرناه من خصائص يحملها، هو يصنع افلاما ليس بقصد التسلية العابرة انما بهدف احداث تغيير في وعي المتلقي وهذا يعود الى ان مجمل افلامهم تتصدى للواقع العراقي الراهن ولاتهرب منه الى التاريخ البعيد فكان اهتمامهم منصبا على تفكيك الشخصية العراقية بكل ماتحمله من تراكمات قهرية والتباسات في وعيها نتيجة الحروب التي توالت عليها،وما يعصف بها من عنف وارهاب سواء من قبل السلطات المتعاقبة او من قبل الجماعات الدينية المتشددة،ويمكن ملاحظة هذه الثيمات مطروحة في معظم افلامهم،حتى انهم لم يترددوا في ان يشتبك اسلوب الفلم الروائي مع الوثائقي في لحظة الخلق الفني لانهم يجدون في قصص الواقع مايفوق الخيال الروائي كما عبر عن ذلك المخرج محمد الدراجي في اكثر من حوار اجري معه ،ومن هنا يمكن تفسير عدم اعتماد الكثير منهم على ممثلين محترفين في تجسيد شخصيات افلامهم وبدلا  عنهم استعانوا باناس عاديين من الواقع سعيا منهم الى ان يتعاملوا بإمانة مع الواقع حتى وإن  جاء تعاملهم وفق منظور الفن السينمائي .
الجيل الجديد تجاوز ماسبقهم من اجيال عندما صححوا مسار العمل في الفلم السينمائي وبدل ان يكون خطابهم الفني  منخرطا في سياق التسلية او الترويج لاجندة السلطة اخذوا به الى ناحية  تحفيز وعي المتلقي لطرح اسئلة ملحة حول قضايا وازمات انسانية تحيط به مثل قضية العمليات الانتحارية والتشدد الديني واطفال الشوارع والمقابر الجماعية والمفقودين وفساد الاحزاب السياسية وغيرها من الموضوعات الساخنة التي تعصف بالانسان والمجتمع العراقي .
كما عبروا عن عشقهم للفن السينمائي  باكثر من طريقة واسلوب حاولوا من خلالها تنشيط وتعميم الوعي السينمائي وذلك عبر اقامة المهرجانات في اكثر من مدينة عراقية منها مهرجان  3X 3 للافلام القصيرة التي لايتجاوز طولها 3 دقائق والذي ينظمه منذ ثلاثة اعوام المخرج د. حكمت البيضاني ،ومهرجان بغداد الدولي، والنهج في كربلاء،والقمرة في البصرة ،هذا اضافة الى اقامة الورش لتعليم هواة الفن السينمائي كيفية صناعة الفلم وهذه المهمة اضطلع بها المخرج محمد الدراجي من خلال المركز العراقي  للفلم المستقل الذي يتولى ادارته  .
من المعلوم ان  التمويل هو المفتاح السحري الذي يمكن من خلاله ان تنتعش الامال في قيام صناعة سينمائية ،وإذا لم تتوفر جهات منتجة او ممولة او داعمة سيواجه الحالمون حتى ذوي الارادة الصلبة عقبات كثيرة ومتعبة قبل ان يتجاوزوا اول عتبة في مشوارهم الطويل،إلا ان السينمائيين الشباب في العراق الذين ظهروا بعد العام 2003استطاعوا ان ينفتحوا على عديد الجهات الداعمة الاجنبية لغرض تمويل مشاريعهم وهذا ما يمنح عجلة الانتاج العراقي جرعة أمل .


المشهد الثقافي 599

المشهد الثقافي ح 599 اعداد وتقديم : مروان ياسين  تقارير حسن البغدادي العناوين : محاضرة عن علاقة الفلسفة بالفن والشعر والادب للدكتور معت...