الثلاثاء، 25 سبتمبر 2018


https://n.alquds.co.uk/%D8%B1%D8%AD%D9%8A%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%AD%D9%8A-%D9%84%D9%84%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%83%D9%88%D9%8A%D8%AA%D9%8A%D8%A9-%D8%A5%D8%B3%D9%85/ رابط المقال في القدس العربي

رحيل الأب الروحي للرواية الكويتية إسماعيل فهد إسماعيل

منذ 3 ساعات
رحيل الأب الروحي للرواية الكويتية إسماعيل فهد إسماعيل
إسماعيل فهد إسماعيل
رحل فجر يوم الثلاثاء 25/9/ 2018 في الكويت الروائي إسماعيل فهد إسماعيل عن عمر ناهز 78 عاما، بعد أن قدم للمكتبة العربية قائمة طويلة من الإصدارات الأدبية وصل عددها إلى 42 عملا إبداعيا، توزعت ما بين القصة والرواية والنص المسرحي، وقد نعته رابطة الأدباء الكويتيين في حسابها على موقع “تويتر”.
كانت آخر أعمال الفقيد رواية صدرت مؤخرا حملت عنوان “صندوق أسود آخر” تناول فيها قضية المواطنين الكويتيين الذين يطلق عليهم صفة (البدون) ولعل هذه القضية ليس من السهل على أي كاتب أن يتجرأ ويتصدى لها، نظرا لما تكتسبه من حساسية أمام المشرع الكويتي، وقد تركت بفعل تجاهلها وعدم معالجتها تداعيات عميقة في المجتمع الكويتي، دفع ثمنها أجيال من الآباء والأبناء والأحفاد، من بعد أن حملوا في داخلهم صراعا داخليا يؤرجحهم ما بين شعور بالانتماء إلى البلد الذي ولدوا فيه، وإحساسهم بأنهم مهمشون ولا ينتمون إليه طالما يتم التعامل معهم على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية. ومن المفارقات أن الراحل أطبق جفنيه بعد أن كان يصغي في الليلة التي سبقت رحيله إلى قراءات نقدية لروايته الأخيرة أثناء الاحتفاء ببدء الموسم الثامن للملتقى الثقافي في الكويت، الذي يتولى إدارته الكاتب طالب الرفاعي.
في العام الماضي 2017 ترشحت روايته الموسومة “السبيليات” إلى القائمة القصيرة ضمن جائزة البوكر العالمية بنسختها العربية، وهذه الرواية تبدو الأقرب في الكشف عن شخصية الراحل إسماعيل فهد إسماعيل، فمن المعروف أن سيرته الذاتية تشير إلى انه  من مواليد مدينة البصرة العراقية عام 1941 وقد انتقل مع عائلته للعيش في الكويت في مرحلة مبكرة من طفولته، فأكمل تعليمه هناك ونال شهادة البكالوريوس في الأدب والنقد من المعهد العالي للفنون المسرحية في الكويت.
قارئ رواية “السبيليات” لن يجد صعوبة في تلمس مساحة الحنين التي كان يحملها في داخله تجاه قرية “السبيليات “، المكان الأول الذي رأى فيه نور الحياة وجمال الطبيعة المطلة على شط العرب، وقد اختفى الكاتب الراحل خلف قناع أم قاسم، الشخصية المحورية لهذه الرواية، التي حملت عنوانا فرعيا “ما لم يرد ذكره من سيرة حياة أم قاسم”. وملخص متنها الحكائي يسرد قصة عائلة تعيش في قرية “السبيليات” تقع الى الجنوب من مدينة البصرة العراقية، بسبب الحرب التي نشبت بين العراق وإيران تضطر مرغمة على أن تغادر إلى مدينة النجف، بعد أن تصدر القيادة العسكرية العراقية بيانا ترغم من خلاله جميع سكان القرى القاطنين في القرى والبلدات القريبة من ساحات المعارك، بان يخلوا مساكنهم خلال مدة أقصاها ثلاثة أيام. وأشار بيان القيادة، الذي أذاعته سيارة جيب عسكرية كانت تحمل مكبرا للصوت، إلى أن حالة الاستنفار لن تستغرق أكثر من ثلاثة أشهر ثم تعود الأوضاع إلى ما كانت عليه، لكن وقائع الحرب ومجرياتها تطول وتدخل عامها الثاني ولم تتوقف طبولها عن القرع، فتقرر أم قاسم أن تعود إلى قريتها مع الحمار الذي يحمل اسم “قدم الخير” لأجل أن تنقل رفات زوجها من مدينة الناصرية التي دفن فيها أثناء رحلة نزوحهم. فتعود أم قاسم إلى القرية لتواجه الحرب بما تملكه من عشق للمكان الذي تنتمي له، فتنشأ بينها وبين الجنود العراقيين الذين يرابطون هناك علاقة وثيقة تحمل الكثير من الإشارات حول حقيقة الوشائج التي تربط الإنسان بالمكان الذي يولد فيه، وعن عمق مشاعر الفقدان التي تجتاحه ما أن يبتعد عنه، إضافة إلى التساؤل الجوهري الذي تطرحه الرواية حول جدوى الحرب.
لا شك في أن غياب إسماعيل فهد إسماعيل سيترك فراغا كبيرا في المشهد الإبداعي العربي، بعد أن كان واحدا من الأسماء التي تعد على أصابع اليد التي وضعت حجر الأساس في مسارالكتابة السردية في منطقة الخليج العربي. ولا يختلف اثنان من بين  النقاد ومؤرخي الأدب على أنه الأب الروحي للرواية في الكويت، حيث أصدر روايته الأولى “كانت السماء زرقاء” عام 1970 وتبعها بروايات أخرى أبرزها: “المستنقعات الضوئية، الحبل، الضفاف الأخرى، ملف الحادثة 67، الشياح، النيل يجري شمالا(البدايات)، النيل يجري شمالا (النواطير)، الطيور والأصدقاء، خطوة في الحلم، النيل الطعم والرائحة، إحداثيات زمن العزلة، الشمس في برج الحوت الحياة وجه آخر، قيد الأشياء، دوائر الاستحالة، ذاكرة الحضور، الأبابيليون، العصف، يحدث أمس بعيدا .. إلى هنا، الكائن الظل، سماء نائية، طيور التاجي في حضرة العنقاء والخل الوفي، الظهور الثاني لابن لعبون، السبيليات” .
سبق للكاتب الراحل أن نال جائزة الدولة التشجيعية في مجال الرواية عام 1989 وجائزة الدولة التشجيعية في مجال الدراسات النقدية عام 2002.

السبت، 22 سبتمبر 2018


http://www.alquds.co.uk/?p=1020197
تحولات الطبيعة في اساليب الفن التشكيلي العراقي المعاصر - مروان ياسين الدليمي - القدس العربي الاسبوعي

تحولات الطبيعة في أساليب الفن التشكيلي العراقي المعاصر

مروان ياسين الدليمي

Sep 22, 2018
في نهاية القرن الثامن عشر بدأ فن الرسم يقف عند أعتاب مرحلة جديدة في رؤية الأشياء وخاصة الطبيعة التي انفتحت على أفق يحمل في أساليبه دعوة ملحة إلى توقع قراءة مختلفة للجمال في عناصرها، يمكن ان ينعطف بها الفنان إلى ذاته فيحمّلها ما تفيض به روحه من مشاعر وأحاسيس. ولم تكن وسيلته إلى ذلك سوى مخيلته، التي أحدث من خلالها قطيعة مع الماضي من الناحية الفنية، بأساليبه ومدارسه، فأضيفت إلى تاريخ الفن التشكيلي لحظة تعبيرية ثورية أطلق عليها مصطلح «الرومانتيكية» فكانت انفتاحا على علاقة جديدة بين الفنان وما يراه من تفاصيل في الطبيعة.
حرية الرؤية
عبر فضاء الرومانتيكية تشكَّلت علامة بارزة تعاملت مع الطبيعة برؤية استظلت بمخيلة الفنان حيث باتت تميل إلى غواية التفاصيل المرئية والتحليق بها إلى أزمنة تكتسب حضورها من ذاته وتحولاتها الشعورية، ولعل الرسام الانكليزي جوزيف تيرنر(1775-1851) أبرز من وظف الطبيعة في أعماله وكانت بمثابة منطلقه الذي منحه فضاء واسعا لاستعراض قدراته في تشكيل الضوء والظل.
على الرغم من ان الرومانتيكية كانت قد اجتاحت أوروبا انطلاقا من ألمانيا لتمتد إلى فرنسا واسبانيا وانكلترا حتى مطلع القرن التاسع عشر، إلاَّ ان الحركة التشكيلية شهدت في ما بعد ظهور مدارس أخرى مثل الانطباعية وما بعد الانطباعية والوحشية والواقعية والرمزية والمستقبلية والسريالية والتكعيبية وغيرها من الأساليب. كل هذه المدارس الفنية الحديثة أخذت الفن التشكيلي إلى مفترق الحداثة حيث نأت به عن المحاكات الفوتوغرافية للأشياء والتفاصيل الواقعية، وأخذته إلى مرحلة جديدة انفتحت فيها مخيلة الفنان على تقنيات التجريد، لينعطف بالتالي الفن التشكيلي إلى مسار مفتوح من حرية الرؤية الإبداعية في تناوله للأشياء والأفكار بما في ذلك موضوعة الطبيعة، فخضعت هي الأخرى إلى تصوراته الذاتية، وانعكست عليها المدارس الفنية الحديثة، وهذا ما أعاد الطبيعة إلى واجهة المشهد التشكيلي. ولكن الفنان في هذه العودة لم يعد منشغلا في إعادة رسمها كما تراها عينه، بل أصبح ومن خلال تقنيات المدارس الفنية الحديثة يعبر عن مستويات جديدة من الأفكار تتجلى في حركة الخطوط والألوان والأشكال الهندسية والتكنيك، بذلك لم تعد الطبيعة في اللوحة على تلك الوظيفة التي احتفت بها المخيلة الثورية للرومانتيكيين.
المشهد التشكيلي العراقي
في تاريخ الفن التشكيلي العراقي الذي بدأت أولى علاماته تتضح في أربعينات القرن الماضي، كانت الطبيعة مقاربة فنية أولى للفنان العراقي، وشكلت معطى أساسيا في المنتوج التشكيلي حتى بعد ان انفتح المشهد الفني على التجارب الحديثة مع الرواد الأوائل أمثال جواد سليم وعطا صبري وفائق حسن وحافظ الدروبي وفرج عبو واسماعيل الشيخلي ونــوري الراوي ومحــمــود صبري، إلا ان الطبـيعة لم تعد تشـكل هاجـســا أســاســـيا لــدى الفنان العراقي بعد ان اتخذت المدارس الحديثة تحدد الإطار العام لمعطيات الفن التشكيلي العراقي.
جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين التي تأسست عام 1955 ما زالت تتحمل مسؤولية كبيرة في ان يحتفظ الفن التشكيلي العراقي بحيويته، وذلك بإصرارها على ان يبقى مشغله متوهجا بكل ما يشير إلى انه معبأ بشحنة التحديث المستمر وهذا ما تعكسه المعارض الثمانية التي تقيمها الجمعية خلال العام الواحد والتي تتوزع ما بين النحت والرسم والخزف، وما يلاحظ في نشاطها حرصها على ان يكون هناك معرض سنوي يقام في الشهر السادس أو السابع من كل عام يخصص لموضوعة الطبيعة يشارك فيه فنانون من جميع مدن العراق، ودائما ما تكون المشاركة كبيرة حتى ان العدد وصل هذا العام إلى 100 لوحة. وقد شاركت في المعرض أسماء بارزة أمثال فاخر محمد وقاسم سبتي وحسن ابراهيم وخليف محمود وأخرى لا تقل أهمية عن هؤلاء. ومما يلاحظ على هذا المعرض السنوي انه يفتح الأبواب لكل الأساليب المختلفة في تناولها للطبيعة، وهذا التنوع والاختلاف في التكنيك والأسلوب والعلاقات اللونية يظهر من فنان إلى آخر كل حسب رؤيته، لان الثيمة العامة تتمحور في كيفية رسم الطبيعة كلٌّ حسب أسلوبه. الفنان خليف محمود يجد في رسم الطبيعة العراقية «مصدر إلهام له»، ويضيف بهذا السياق «أجد فيها نقطة استراحة، للتمتع بجمال طبيعتنا الزاخرة بالتنوع اللوني، حيث يعبّر كل منّا بأسلوبه الخاص سواء عن طريق الواقعية أو الانطباعية أو الكلاسيكية أو الواقعية الحديثة، ومعارض الطبيعة تعد متعة كبيرة لإظهار مهارة الفنانين وتنوع أساليبهم حسب انتماءاتهم الجغرافية».
تجارب ذاتية
ربما يتوهم البعض بان رسم الطبيعة يبدو عملية تتسم بالبساطة مقارنة مع الموضوعات التي تشتغل عليها الأساليب الحديثة في الرسم. بينما ما تخبئه العملية الإبداعية من أسرار أثناء عملية الخلق الفني تشير إلى ان رسمها يندرج في إطار الخيارات الصعبة، فالخروج إلى الطبيعة يفرض جملة اشتراطات في مقدمتها، يتوجب على الرسام ان يحدد المنظر الطبيعي الذي ينوي رسمه، كما لو انه مصور أو مخرج سينمائي يفترض به ان يمتلك حسا عاليا على اختيار الزاوية التي يريد من خلالها تصوير الموضوع، وهذا ما عبر عنه الرّسام طلال غانم إذ يقول ان «الكيفية التي يتعامل بها الفنان العراقي مع الطبيعة تحددها ثقافته أولا واتجاهاته الاسلوبية» أما مسألة الخروج إلى الطبيعة والرسم فيجدها «تشكل صعوبة لدى الرسام لأنه يشعر بضآلة حجمه الفني أمام جمالها باستثناء المتمرسين والضالعين برسمها» ويضيف طلال غانم «الفنان التشكيلي العراقي المعاصر لم يتخل عن رسم الطبيعة، لكونها المدرسة الأم وهي مصدر الإلهام لكل الفنانين والمثقفين كما انها تحقق التوازن في المشاعر والأحاسيس في داخله».
ما يزال رسم الطبيعة يمتلك حضوره في المشهد التشكيلي العراقي ولكن الرؤية الفنية تغيرت ولم تعد بذاك النسق الفوتوغرافي، وعلى ذلك لا يجد الفنان التشكيلي بلال بشير في موضوعة الطبيعة مجرد استراحة للفنان إذ يقول «الطبيعة لا تختلف عن أي موضوع تشكيلي آخر يتم تناوله عبر مدارس الفن المتنوعة، فهي تعتمد أيضا على التكوين والبناء واختيار الإنارة والظلال»، ويستدرك الفنان بشير فيضيف «الطبيعة في المشهد التشكيلي العراقي غالبا ما كانت واقعية كلاسيكية كما هي أعمال عبد القادر الرسام، أو واقعية دراسية كما في أعمال فائق حسن، أو انطباعية كما في أعمال عطا صبري وحافظ الدروبي، وكل هذه الأساليب تجمعها صفة الواقعية، بمعنى ان الشجرة تعرّف عن نفسها وكذلك جدول الماء أو الجبل، انها واقعية أخذت صفة انطباعية لكون هؤلاء الفنانين الرواد قد تأثروا بالمناخ الانطباعي أثناء دراستهم في أوروبا، والطبيعة التي تعرف باللاندسكيب، في العراق لها خصوصية حيث تأخذ التكوين والإخراج اللوني من واقع بيئة العراق واختلافها بين الشمال والجنوب، بين الجبال والأهوار وكذلك اختلاف لون الأرض والسماء».
هذا التنوع في أساليب التناول يمكن ملاحظته كما أشرنا سابقا في معارض جمعية الفنانين التشكيليين العراقيين حيث تم تناول الطبيعة في عديد اللوحات وفق المدارس الفنية الحديثة من حيث الألوان والتكنيك والخطوط والأشكال، كما في أعمال الفنانين قاسم سبتي وحسن ابراهيم وعدنان عباس واسعد آزاد ورائد حسن، وهذا ما يؤكد على ان الفنان التشكيلي المعاصر في رؤيته لموضوعة الطبيعة يسعى إلى ان يكون مغايرا ومختلفا عن الأسلوب الواقعي والرومانتيكي من حيث التكنيك والرؤية.
الفنان التشكيلي منهل الدباغ يؤكد على ان «طبيعة البيئة العراقية أثرت على المشهد التشكيلي منذ أربعينات القرن الماضي بداية من الفنان عبد القادر الرسام وصولا إلى الفنانين المحدثين على مختلف أساليبهم ومدارسهم»، ويستدرك في هذا السياق قائلا «ومن أجل البحث عن علاقة الانتساب للمدرسة الواقعية، أصبح الفنان باحثا في تمثيل الأجواء العراقية على اللوحة بما يوازيها من قيم بيئية خاصة مع الاحتفاظ بالمنحنى الشخصي وهذا ما يبدو واضحا على المتغيرات اللونية والحسية للطبيعة العراقية من جنوبها المتميز بترابية وحساسية ألوانه وصولا إلى شمالها الذي يزهو بألوانه المبهرة ومساحاته المضيئة». أمّا الرسام خالد حسين فيؤكد في وجهة نظره على ان «الطبيعة هي المتنفس الحقيقي للفنان عموما والتعامل معها بمثابة تعامل مع جوهر الأشياء، لأن كل الأشياء مشتقة من مفردات الطبيعة، فالشمس ومساقط الإضاءة ونقاء الألوان وانبثاق الألوان الأخرى الثلاثية والرباعية وتجانساتها كلها تجدها أمامك بكل بهائها».
إن مفردة الطبيعة التي يتم التعامل معها في الأكاديميات الفنية باعتبارها مادة مدرسية لابد من وجودها في المنهج التعليمي، ما زالت موصولة بتجارب الفنانين المعاصرين العراقيين على الرغم من ان مدارس الحداثة التشكيلية وما بعدها، قد اغتربت عن محاكاة مفرداتها وانتقلت بفن الرسم من حيث موضوعاته ومعالجاته وتكنيكه إلى مستويات من التمظهر الأسلوبي إلى الحد الذي لم يعد في اللوحة ما يشير إلى ان هناك موضوعا محددا يمكن الامساك به.


اداجيو ..
ربما قصص الحب التي تجمع المرأة والرجل،من اهم عناصر المتن الحكائي التي ينبغي ان تتوفر في اي عمل روائي .
فكيف اذا جاء البناء السردي كما لو انه مقطوعة موسيقية تتسلل الى الوجدان بايقاع مشبع بمشاعر الفقد كاشفا المؤلف من خلاله عن عمق العلاقة التي تجمع بين "سامر" تاجر الاثاث وزوجته "ريم " عازفة البيانو الشهيرة التي تعيش ايامها الاخيرة وهي في حالة من الغيبوبة التامة نتيجة اصابتها بمرض السرطان !
عمل كبير للكاتب المصري ابراهيم عبد المجيد ، صاحب "اسكندرية في غيمة،وقطط العام الفائت،وعتبات البهجة، ولااحد ينام في الاسكندرية،واعمال اخرى تضعه في قائمة اهم الروائيين العرب المعاصرين .
سبق ان فازت رواية اداجيو عام ٢٠١٥ بجائزة كتارا للرواية العربية

الثلاثاء، 11 سبتمبر 2018


http://www.iraqicp.com/index.php/sections/literature/10038-2018-09-09-19-10-40
رابط المقال في صحيفة طريق الشعب
في رواية "أبناء الماء" للكاتب عواد علي جاء البناء الفني لمسار السرد محلقا في فضاء رواية ما بعد القص، حيث تزاح الحدود ما بين الخيال والواقع في بنية النص، ليمارس المؤلف فعل التعرية وكشف أسرار الكتابة بالشكل الذي يضع المتلقي امام خفايا العالم الذي نسج خيوطه، لأجل أن يمارس القارئ دوره في هذه اللعبة المكشوفة وهو في حالة من اليقظة الممتعة بعد ان ازيحت من امامه الحدود التي تفصل ما بين الواقع والمتخيل، فالاثنان يتبادلان الادوار "الواقع والمتخيّل" فما هو متخيل ينتقل الى منطقة الواقعي وما هو واقعي ينتقل الى منطقة المتخيل، وهذا ما ينطبق تماما على شخصيات الرواية التي تمارس دورها في توجيه الاحداث وفقا لرؤيتها التي تتعارض مع رؤية المؤلف، الذي لا يجد مفرا من الخضوع لها، وبذلك لم تعد شخصيات متخيلة انما شخصيات واقعية "ولما انهيتُ كتابتها عرضتُها عليهم لقراءتها، فاعترض اربعة منهم على تلاعبي بالاحداث وعدم حياديتي، واشترطوا ان انشر تنبيها بأسمائهم فوافقت على الفور دون مناقشة".لعل ابرز ما في بنية هذه الرواية تعددية الاصوات الساردة للأحداث، حيث منح المؤلف جميع الشخصيات الرئيسة فرصة ان تتولى سرد الاحداث التي مرت بهاولأجل تمرير هذه اللعبة استخدم تقانة المذكرات الذاتية التي تناوبت شخصيات الرواية على كتابتها.
ما بعد القص
يستتر المؤلف الاصلي خلف قناع المؤلف الضمني لكي يواصل لعبته القائمة على تحطيم عالم التخييل الروائي والحاق القارئ في عملية تواصل حقيقي مع الشخصيات باعتبارهم حيوات واقعية وليست متخيلة، حيث يشير في ملاحظة تنبيه مبكرة وجهها الى القارئ على لسان جميع الشخصيات الرئيسة قبل ان يباشر في سرد احداث الرواية، "نحن: افرام جبرائيل، تيريزا صليبا، سامان الجاف، مهدي انصاريان نلفت انتباه قراء هذه الرواية الى ان اغلب ما وضعه مؤلفها على السنتنا قد حرفه عن الاصول التي دوناها له بطلب منه وهي موثقة عندنا ومن يرغب في الاطلاع عليها الاتصال بنا بواسطة البريد الالكتروني او وسائل التواصل الاجتماعي لنزوده بها وإلا فنحن لا نتحمل مسؤولية الفصول التي تحمل اسماءنا". بهذا التنبيه الذي جرّد المؤلف من سلطته على نصه لصالح شخصيات الرواية يكون المؤلف الاصلي قد وضع القارئ في عالم متخيّل على انه عالم واقعي أو عالم واقعي على انه متخيل، وفي الحالتين ليس هناك من فرق.. وحسب الناقدة "باتريشيا واو فإن هذا التكنيك يأتي في اطار بناء رواية عن الرواية وعلى ان اسلوب ما وراء القص ما هو إلاّ "كتابة رواية تُلفت الانتباه بانتظام ووعي الى كونها صناعة بشرية لتثير اسئلة عن العلاقة بين الرواية والحقيقة".إن اختفاء المؤلف السارد وراء قناع شخصية المؤلف الضمني السارد للأحداث تأتي هنا في اطار محاولته إدخالنا لعبته التي حاك خيوطها باتقان، "حين خططتُ لكتابة هذه الرواية كنتُ عازما على حماية نفسي من إثم الكذب بأن اتوارى خلف احداثها واترك للراوي سردها بضمير الغائب ينسج خيوطها وفقا لما تمليه عليه مخيلته ويحرك شخوصها كما يشاء لا كما يشاؤون هم، موظفا مدوناتهم التي ادعّوا انهم وثقوا فيها احداثا عاشوها حقيقة. لكني نزولا عند رغبتهم غيرت خطتي وتركتهم يسردون فصولها بأنفسهم".هذا الاسلوب الذي ارتكز عليه عواد علي في بنية النص يأتي متوافقا مع سعيه الى ايصال حقيقة الوقائع التي عاشتها شخصيات الرواية على اعتبار انهم شخصيات واقعية وليست متخيلة.نحن اذن امام عمل سردي يستجيب في تقانات صنعته الى شرط "الانعكاسية الذاتية او وعي الرواية بكونها تركيبا خياليا"، وبقدر ما يضعنا النص امام تجربة سردية تكشف لنا خفايا تركيبتها الفنية، فهي تتصدى لواقع عراقي بات لا إنسانيا بهدف تعريته وفضح آليات وحشيته.
تقانة المدوَّنات
اعتمد المؤلف على صيغة المدونة الذاتية كوحدة فنية في سرد المتن وتشكيل المبنى الحكائي، حيث تَطلبُ المدرِّسةُ الافغانية "زهرة خان" في نهاية الفصل الدراسي الاول من جميع اللاجئين الذين تدرِّسهم أن يكتبوا قصص الاضطهاد التي تعرضوا لها في بلدانهم، وابلغتهم ضرورة ان ينجزوها خلال فترة شهر واحد، وأن المدرسة قد خصصت جوائز ثمينة لأفضل ثلاث قصص مؤثرة وبليغةفشرع كل واحد منهم في كتابة قصته بطريقته الخاصة، وبما ان القصة التي كتبها اللاجئ الصابئي "ميران السبتي" الشخصية المحورية في هذه الرواية هي التي فازت بالجائزة الاولى فقد ابتدأ بها المؤلف عواد علي مخطوطة روايته "لا يوجد في داخلي سوى الصقيع.. دوَّنت هذه العبارة في يومياتي وانا في المرحلة الاولى من دراستي الجامعية، استعذبتها فظلت عالقة في ذهني مدة طويلة مثل نغمة جميلة".إن زاوية الرؤية او وجهة النظر "التبئير" هي التي تُقنِّنُ الشكل الفني للبناء السردي، وفي هذا العمل سنكون ازاء فضاء روائي اعاد المؤلف من خلاله الصلة مع الدراما اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار انه قد ركز في بنية الرواية على الزمن والشخصية وهذه من خواص الرواية الدرامية حسب ما يؤكد على ذلك الناقد ادوين موير، كما لجأ الى تحييد صوته ما أنْ مَوضَعَه وراء الاصوات الساردة لتتقدم هذه الاصوات وكأنها شخصيات مسرحية تعبِّر عن نفسها بطريقة الفعل الدرامي بتلقائيته ومباشرته امام الجمهور، من غير ان يتدخل المؤلف بشكل مباشر بأفكاره.
المتن الحكائي
مِيران السبتي الذي يكتب الشعر، يستدعي في قصته الفائزة احداثا مخزونة في ذاكرته تبدأ من لحظة لقائه داخل المَنْدِي "المعبد" الخاص بطائفة الصابئة المندائيين بالأم "تيريزا" الراهبة التي فازت بجائزة نوبل للسلام نتيجة الخدمات الكبيرة التي قدمتها للفقراء خاصة في القارة الهندية، إذ يلتقي بها اثناء زيارتها العاصمة العراقية بغداد عام 1991، ثم يستدعي من الذاكرة علاقته الحميمة مع الفتاة المسلمة ابنة الجيران، وليتوقف عند الفترة التي وقع فيها العراق تحت الاحتلال الاميركي عام 2003 وكان من نتائجه تعرّض الطائفة الصابئية مع بقية الاقليات والطوائف الدينية للتهديد بالقتل او التهجير، ووسط هذا الظرف يُختطف والده وشقيقه ومن ثم يتم قتلهما وهذا ما يدفعه الى ان يغادر العراق مع والدته وشقيقته باتجاه الاردن وهناك في مكتب الامم المتحدة لشؤون اللاجئين يلتقي "تيريزا" الفتاة المسيحية التي تعزف على آلتي الكمان والبيانو والهاربة من الموصل مع خطيبها "افرام" ووالدتها "سارة" مدرسة اللغة الانكليزية واخويها الأصغر منها "بهنام وفاديا" من بعد ان تعرَّض والدها "بولص صليبا" الذي يحمل شهادة عليا في الفلسفة واللاهوت من جامعة اثينا الى الخطف ومن ثم القتل مع آخرين امام باب الكنيسة بعد خروجهم من القداس.. تتشكل صداقة قوية بين "تيريزا" وعائلتها مع "ميرانوعائلته وصديقه "يوسف" الصحفي الشيوعي الذي يحمل شهادة بكالوريوس في الادب الانكليزي والذي هرب هو الآخر من العراق بعد ان تعرض للتهديد بالقتل من قبل الميليشيات نتيجة نشره لمقال لا يتفق مع قناعاتها في صحيفة "طريق الشعب"، ومن ثم تتعمق هذه الصداقة العائلية بشكل اكبر بعد ان شاء الحظ ان توافق الحكومة الكندية على توطينهم جميعا في العاصمة "اتوا" وهناك في كندا تكتمل دائرة العلاقات مع اكتمال شخوص الرواية، فيلتقي "ميران السبتي" ببقية الشخصيات وكلهم من اللاجئين: "إيهان ساسون" السورية اليهودية من ام تركمانية والتي يقع الصحفي يوسف في حبها حتى بعد ان اخبرته بانها قد سبق لها ان عملت راقصة تعرّي في النوادي الليلة وارتبطت بزواج عرفي مع ثري عربي من اجل ان تجمع ما يكفيها من المال حتى تكمل دراستها الجامعية.. "ايجونالشابة الاذربيجانية الزرادشتية التي تنشأ بينها وبين ميران السَّبتي قصة حب تتوج بالزواج الاّ انه ينتهي بالفشل بسبب جشع والدتها التي كانت في يوم ما ممثلة مشهورة في بلدها الاصلي.. "سامان" الشاب الكردي العراقي الذي يحمل شهادة ماجستير في الترجمة والمتخصص في اشكاليات ترجمة الشعر والذي جاء لاجئا الى كندا بعد نجاته من عمليات الأنفال التي قام بها الجيش العراقي في نهاية ثمانينيات القرن الماضي ضد الاكراد وبسببها قُتِل عدد من افراد اسرته ومن ضمنهم حبيبته شيلان "مِن بين أعزّ مَن فقدتهم في ذلك الهجوم حبيبتي شيلان… لم تقتل شيلان بسلاح المهاجمين، بل انتحرت عندما اغتصبها احد المرتزقة امام اهلها واقاربها، فقد قتل بعضهم واعتقل بعضهم الآخر".مع تعدد الشخصيات وتنوع هوياتهم وحكاياتهم نقف امام سرد متوال يشظى فيه الزمن وهو ينتقل من حدث الى آخر معبأ بشهادات انسانية ضد ازمنة وانظمة سعت الى ان تشوه ملامح الانسان من بعد ان تقتلعه من جذوره الدافئة، ومع ذلك تبدو نظرة التفاؤل لدى عواد علي اقرب الى المثالية، وهذا ما يمكن ملاحظته في اكثر موضع في الرواية، على سبيل المثال وجدناه في حديث الشابة المسيحية "تيريزا" عن موقف والدها وهو يصف حال المسيحيين بعد الاحتلال الاميركي للعراق خاصة بعد ان افرج عنه الخاطفون المتشددون وامهلوه مدة اسبوع لكي يغادر هو وعائلته المدينة "في تلك الليلة التي لم نَنَم فيها حتى الصباح، هيمن علينا شعوران متناقضان، غبطتنا برجوع ابي سالما، وخوفنا مما سيؤول اليه مصيرنا إذا غادرنا الموصل، وأتذكر ان أبي شبَّه يومها محنتنا بمحنة مسلمي الاندلس بعد سقوط دولتهم في غرناطة، هؤلاء الذين خيّروا بين امرين لا ثالث لهما: إمَّا التنّصر وإمَّا الطرد خارج اسبانيا".استنادا الى استراتيجية البوح الذاتي عبر القصص التي دونتها شخصيات الرواية يتوغل السرد وبصيغة ضمير المتكلم في بقع داكنة ذاتية من حياتها تفتح نافذة واسعة على تراجيديا الحياة العراقية خلال العقود الاربعة الاخيرة التي مرت على هذا البلد وما شهده من حروب طويلة مهلكة وصراعات سياسية داخلية دموية دفع ثمنها العراقيون جميعا بكافة انتماءاتهم العرقية والدينية.ورغم أن جميع شخصيات الرواية كانوا لاجئين ينتمون الى جنسيات واديان وقوميات مختلفة سبق ان تعرضوا الى تجارب قاسية في بلدانهم شكلت خطرا وتهديدا على حياتهم فغادروها مرغمين ليجمعهم المنفى الكندي إلاّ ان المؤلف وعلى ما يبدو سعى الى ان يبعث لوطنه برسالة قاسية في محبتها، من بعد ان تشظى ابناؤه في ارجاء المعمورة وفي المقدمة منهم ابناء الطبقة الوسطى فكان خروجهم نزيفا مرعبا افرغ العراق من نخبه المثقفة والمتعلمة بكافة هوياتهم الاثنية والدينية.

رواق 266





عناوين رواق 266
اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي
6 / 9 / 2018
العناوين :
‏- لماذا لم تشكل الكتلة الاكبر / علاء اللامي
- قوات مكافحة الوطنية !! /علي حسين
- العبادي إذ يُنكر../ عدنان حسين
- ماذا بعد جنازة مكي عاشور؟/ طالب عبد العزيز





https://n.alquds.co.uk/المسرحي%e2%80%ad-%e2%80%acالعراقي%e2%80%ad-%e2%80%acبيات%e2%80%ad-%e2%80%acمرعي%e2%80%ad/   رابط المقال في صحيفة القدس العربي

المسرحي‭ ‬العراقي‭ ‬بيات‭ ‬مرعي‭: ‬ أبحثُ‭ ‬دائِماً‭ ‬عن‭ ‬شيفراتٍ‭ ‬تُسحرُ‭ ‬المُتلقي‭ ‬

المسرحي‭ ‬العراقي‭ ‬بيات‭ ‬مرعي‭: ‬ أبحثُ‭ ‬دائِماً‭ ‬عن‭ ‬شيفراتٍ‭ ‬تُسحرُ‭ ‬المُتلقي‭ ‬
العراق‭ ‬ـ‭ ‬‮«‬القدس‭ ‬العربي‮»‬ ‭ ‬: ‬ تواجه‭ ‬محترفو‭ ‬المسرح‭ ‬العربي‭ ‬تحديات‭ ‬واضحة‭ ‬تضع‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬أمام‭ ‬مأزق‭ ‬تشير‭ ‬علاماته‭ ‬إلى‭ ‬انحسار‭ ‬دوره‭ ‬وفاعليته‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬الثقافية،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬مايزال‭ ‬هنالك‭ ‬من‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬من‭ ‬الأسباب‭ ‬الكافية‭ ‬التي‭ ‬تدفعه‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يبقي‭ ‬المسرح‭ ‬رهانه‭ ‬الجمالي‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬ما‭ ‬يطرح‭ ‬من‭ ‬أسئلة‭ ‬تتعلق‭ ‬بوجوده‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬نظرا‭ ‬لما‭ ‬يتفرد‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬تقنيات‭ ‬خاصة‭ ‬تمنحه‭ ‬علاقة‭ ‬مباشرة‭ ‬وحميمية‭ ‬مع‭ ‬المتلقي،‭ ‬بالتالي‭ ‬تضعه‭ ‬في‭ ‬مكانة‭ ‬متميزة‭ ‬عن‭ ‬بقية‭ ‬الفنون‭ ‬الأخرى،‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬تمتلكه‭ ‬من‭ ‬تقنيات‭ ‬ووسائط‭ ‬حديثة،‭ ‬والفنان‭ ‬المسرحي‭ ‬بيات‭ ‬مرعي‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬يجدون‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬منصة‭ ‬للانفتاح‭ ‬على‭ ‬تجارب‭ ‬جمالية‭ ‬وإنسانية‭ ‬بأساليب‭ ‬وأدوات‭ ‬تسعى‭ ‬دائما‭ ‬إلى‭ ‬كسر‭ ‬التوقع‭ ‬داخل‭ ‬التجربة‭ ‬ذاتها،‭ ‬وكذلك‭ ‬لدى‭ ‬المتلقي،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬كان‭ ‬مفتاح‭ ‬حوارنا‭ ‬معه‭.  
‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عمل‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬شكله‭ ‬أو‭ ‬مضمونه‭ ‬يبقى‭ ‬الإنسان‭ ‬قضيتي‭ ‬التي‭ ‬ابحث‭ ‬عنها
■‭ ‬أنت‭ ‬تكتب‭ ‬نصوصا‭ ‬مسرحية‭ ‬وتمارس‭ ‬عملية‭ ‬الإخراج‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬قرن،‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تسعى‭ ‬إليه‭ ‬فنيا،‭ ‬هل‭ ‬هناك‭ ‬مشروع‭ ‬محدد؟‭ ‬أم‭ ‬أنك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عمل‭ ‬لديك‭ ‬افتراضات‭ ‬خاصة‭ ‬بالتجربة‭ ‬ذاتها؟‭ ‬
□‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬المسرح‭ ‬متعتي‭ ‬ورسالتي،‭ ‬كتابةً‭ ‬وعرضاً،‭ ‬فالكتابة‭ ‬عالم‭ ‬ساحر‭ ‬لا‭ ‬تنفك‭ ‬رموز‭ ‬وأسرار‭ ‬ذلك‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬أحلق‭ ‬فيه‭ ‬إلا‭ ‬عندما‭ ‬تتحول‭ ‬تلك‭ ‬الأفكار‭ ‬التي‭ ‬دونتها‭ ‬إلى‭ ‬عرض‭ ‬مسرحي،‭ ‬إنها‭ ‬رحلة‭ ‬إلى‭ ‬معبد‭ ‬تصوفي‭ ‬وخلوتي‭ ‬التي‭ ‬أستطيع‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الغور‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬أتخيله‭ ‬وأحلم‭ ‬به‭. ‬لذا‭ ‬أشعر‭ ‬هناك‭ ‬بأنني‭ ‬أجالس‭ ‬قريني،‭ ‬أحدثه‭ ‬ويحدثني‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬المشروع‭ ‬الذي‭ ‬رسمته‭ ‬في‭ ‬خيالي‭ ‬ومخيلتي،‭ ‬والذي‭ ‬أبحث‭ ‬فيه‭ ‬،عن‭ ‬هموم‭ ‬الإنسان‭ ‬ومظلوميته،‭ ‬أين‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم،‭ ‬عن‭ ‬الحلول‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬إيجادها‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬الواقعي،‭ ‬عن‭ ‬افتراضات‭ ‬وبديهيات‭ ‬وبدائل‭ ‬لهذا‭ ‬العالم‭ ‬المشتبك‭ ‬بشتى‭ ‬ألوان‭ ‬الهموم‭ ‬والاضطرابات،‭ ‬لذا‭ ‬أجد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬عمل‭ ‬مهما‭ ‬كان‭ ‬شكله‭ ‬أو‭ ‬مضمونه‭ ‬يبقى‭ ‬الإنسان‭ ‬قضيتي‭ ‬التي‭ ‬ابحث‭ ‬عنها‭.‬علما‭ ‬أن‭ ‬لكل‭ ‬تجربة‭ ‬رؤيتها‭ ‬وخصوصيتها،‭ ‬لكنها‭ ‬تبقى‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬قاسمها‭ ‬المشترك‭ ‬مع‭ ‬التجربة‭ ‬التي‭ ‬سبقتها،‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬الإنسان‭ ‬وتحرره‭.‬
■‭ ‬العناصر‭ ‬الفنية‭ ‬والتقنية‭ ‬التي‭ ‬ينهض‭ ‬عليها‭ ‬العرض‭ ‬المسرحي‭ ‬متنوعة،‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬العناصر‭ ‬تراهن،‭ ‬الممثل‭ ‬أم‭ ‬النص‭ ‬أم‭ ‬الشكل‭ ‬الفني؟‭ ‬
□‭ ‬سؤال‭ ‬مهم‭ ‬جداً،‭ ‬أنا‭ ‬إنسان‭ ‬أنتمي‭ ‬لهذا‭ ‬العصر،‭ ‬لكنني‭ ‬أتطلع‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬آخر،‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬يتكون‭ ‬بعد،‭ ‬شكلا‭ ‬ومضمونا‭. ‬لذا‭ ‬أجد‭ ‬صعوبة‭ ‬بالغة‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬عتبة‭ ‬لأقف‭ ‬عليها‭ ‬شرط‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬عتبة‭ ‬لم‭ ‬يقف‭ ‬عليها‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المكان‭ ‬الآخر،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬يجعلني‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬بحث‭ ‬عن‭ ‬تلك‭ ‬اللعبة،‭ ‬لا‭ ‬أخفي‭ ‬سراً‭ ‬وهذا‭ ‬رأيي‭ ‬الخاص،‭ ‬أن‭ ‬الممثل‭ ‬في‭ ‬أعمالي‭ ‬ليس‭ ‬امتيازا‭ ‬مطلقاً،‭ ‬والظل‭ ‬عندي‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬شأنا‭ ‬عن‭ ‬أصله،‭ ‬وكذلك‭ ‬النص‭ ‬ليس‭ ‬إلا‭ ‬منصة‭ ‬انطلاق‭ ‬إلى‭ ‬بحر‭ ‬هائج،‭ ‬أما‭ ‬الشكل‭ ‬فهنا‭ ‬العقدة‭ ‬التي‭ ‬أحاول‭ ‬تفكيكها‭ ‬للبحث‭ ‬في‭ ‬متنها‭ ‬عن‭ ‬الدهشة‭ ‬والصدمة‭ ‬والانبهار‭.‬
■‭ ‬المسرح‭ ‬ظاهرة‭ ‬ثقافية،‭ ‬ويأتي‭ ‬ضمن‭ ‬أدوات‭ ‬التواصل‭ ‬والتراسل‭ ‬الإنساني،‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬الحضور‭ ‬في‭ ‬البيئة‭ ‬العراقية؟
□‭ ‬مازال‭ ‬المسرح‭ ‬العراقي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬كونه‭ ‬ظاهرة‭ ‬ثقافية‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬طور‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬التطوّر،‭ ‬إلى‭ ‬قفزة‭ ‬نوعية‭ ‬أخرى،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتخذ‭ ‬مكانة‭ ‬خاصة‭ ‬له‭ ‬بين‭ ‬مسارح‭ ‬الأمم‭ ‬المتقدمة،‭ ‬إن‭ ‬المسارح‭ ‬التي‭ ‬تتبوأ‭ ‬مكانة‭ ‬خاصة‭ ‬بين‭ ‬مسارح‭ ‬الأمم‭ ‬الأخرى،‭ ‬هي‭ ‬مسارح‭ ‬ذات‭ ‬ملامح‭ ‬وسمات‭ ‬وتقاليد‭ ‬خاصة‭ ‬بها‭. ‬على‭ ‬المسرحي‭ ‬عندنا‭ ‬أن‭ ‬يناضل‭ ‬بلا‭ ‬هوادة،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬بلورة‭ ‬وصياغة‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الخصوصية‭ ‬المتمثلة‭ ‬بالمعاصرة‭ ‬في‭ ‬الطرح‭ ‬والهموم‭ ‬من‭ ‬جانب،‭ ‬والحِرفية‭ ‬في‭ ‬الخلق‭ ‬والتجسيد‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬آخر،‭ ‬وبما‭ ‬أن‭ ‬مجتمعنا‭ ‬يخوض‭ ‬مخاضاً‭ ‬سياسياً‭ ‬جذرياً‭ ‬وشاملاً،‭ ‬فإن‭ ‬تطور‭ ‬المسرح‭ ‬أمر‭ ‬حتمي،‭ ‬لأنّ‭ ‬رياح‭ ‬التغيير‭ ‬تشمل‭ ‬المسرح‭ ‬أيضاً‭.‬
■‭ ‬هل‭ ‬يكفي‭ ‬وجود‭ ‬مكان‭ ‬خال‭ ‬أو‭ ‬فضاء‭ ‬مفتوح‭ ‬لتقديم‭ ‬عرض‭ ‬مسرحي؟
□‭ ‬يقول‭ ‬بيتر‭ ‬بروك‭ ‬‮«‬إن‭ ‬المكان‭ ‬المثالي‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحقق‭ ‬تواصلاٌ‭ ‬حقيقياٌ،‭ ‬مازال‭ ‬لم‭ ‬يُعثر‭ ‬عليه‮»‬‭. ‬إن‭ ‬البحث‭ ‬والاندفاع‭ ‬نحو‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬جديد‭ ‬ومقت‭ ‬التكرار،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬ثابت‭ ‬غير‭ ‬متحرك،‭ ‬والابتعاد‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مؤكد،‭ ‬وإن‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يخضع‭ ‬للامتحان‭ ‬والتطبيق‭ ‬لكي‭ ‬يعاد‭ ‬اكتشافه‭ ‬من‭ ‬جديد‭. ‬وعدم‭ ‬التقيد‭ ‬بأي‭ ‬اتجاه‭ ‬أو‭ ‬مذهب‭ ‬مسرحي‭.‬ه‭ ‬ذا‭ ‬يعني‭ ‬في‭ ‬النتيجة‭ ‬أنه‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتناول‭ ‬أي‭ ‬مكان‭ ‬خال‭ ‬فنسميه‭ ‬مسرحا‭ ‬عاريا‭. ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يقتضيه‭ ‬الفعل‭ ‬المسرحي‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يمشي‭ ‬شخص‭ ‬عبر‭ ‬تلك‭ ‬الفسحة‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬يراقبه‭ ‬شخص‭ ‬آخر،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬رأي‭ ‬بيتر‭ ‬بروك‭ ‬حيث‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬كافيا‭ ‬اليوم،‭ ‬لقد‭ ‬تقادم‭ ‬عليه‭ ‬الزمن،‭ ‬لأننا‭ ‬نحتاج‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬يكتمل‭ ‬الفعل‭ ‬المسرحي‭ ‬ويتفجر،‭ ‬إلى‭ ‬شخص‭ ‬ثالث‭ ‬يراقب‭ ‬عملية‭ ‬المرور‭ ‬والمراقبة‭ ‬التي‭ ‬يشترك‭ ‬فيها‭ ‬الشخص‭ ‬الأول‭ ‬والثاني،‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬بفعل‭ ‬المراقبة‭. ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المنطلق‭ ‬أجد‭ ‬أن‭ ‬التركيز‭ ‬ليس‭ ‬على‭ ‬المكان‭ ‬وإنما‭ ‬ما‭ ‬يتقدم‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المكان‭ ‬وتطويع‭ ‬المكان‭ ‬للشكل‭ ‬الجديد‭ ‬وضمن‭ ‬جوهر‭ ‬مصاغ‭ ‬بدقة‭ ‬لاحتواء‭ ‬رسالة‭ ‬العمل‭ ‬وشكله‭ ‬المطواع‭ ‬للتغير‭.‬
■‭ ‬مكانة‭ ‬المسرح‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وفي‭ ‬عموم‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬كفعل‭ ‬وممارسة‭ ‬ثقافية‭ ‬وفنية‭ ‬بدأت‭ ‬تنحسر‭ ‬بشكل‭ ‬كبير،‭ ‬ما‭ ‬الأسباب؟
□‭ ‬هنا‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬النـزوع‭ ‬إلى‭ ‬تأصيل‭ ‬المسرح‭ ‬العراقي‭ ‬وفي‭ ‬عموم‭ ‬المنطقة‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬استلهام‭ ‬التاريخ‭ ‬أو‭ ‬المادة‭ ‬التراثية‭. ‬لغناهما‭ ‬المعرفي‭ ‬ولاحتوائهما‭ ‬على‭ ‬طاقة‭ ‬درامية‭ ‬هائلة‭. ‬كذلك‭ ‬كسر‭ ‬القيود‭ ‬التي‭ ‬لأجلها‭ ‬تحدد‭ ‬خطوات‭ ‬التقدم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مراوغة‭ ‬الرقيب‭ ‬ومؤسسته،‭ ‬بما‭ ‬تمتلكه‭ ‬المادة‭ ‬المستلهمة‭ ‬من‭ ‬مرونة‭ ‬في‭ ‬التأويل‭ ‬وقدرة‭ ‬على‭ ‬تغليف‭ ‬المعنى‭ ‬الباطني‭ ‬المكتوم‭ ‬بالمعنى‭ ‬الظاهري‭ ‬المعلوم،‭ ‬كذلك‭ ‬التجول‭ ‬في‭ ‬القدرات‭ ‬التي‭ ‬تعمل‭ ‬على‭ ‬إرضاء‭ ‬الجانب‭ ‬النفسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬للجمهور‭ ‬لانطوائها‭ ‬على‭ ‬شحن‭ ‬ترغيبية‭ ‬وتشويقية‭ ‬وانحيازية‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬التفاعل‭ ‬ربما‭ ‬نستطيع‭ ‬فتح‭ ‬أبواب‭ ‬عتبات‭ ‬ثقافية‭ ‬جديدة،‭ ‬ربما‭ ‬غير‭ ‬نمطية‭ ‬استاتيكية‭. ‬
ليس‭ ‬غريبا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حواراً‭ ‬ونقاشاً‭ ‬بين‭ ‬الممثل‭ ‬والجمهور‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التأثير‭ ‬فيهم
■‭ ‬المراهنة‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬ما‭ ‬يقدمه‭ ‬المسرح‭ ‬مقابل‭ ‬التطور‭ ‬الهائل‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬الحديثة،‭ ‬هل‭ ‬مازالت‭ ‬قائمة‭ ‬وممكنة؟‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬استحداثه‭ ‬أو‭ ‬التركيز‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬أساليب‭ ‬لمواجهة‭ ‬هذه‭ ‬التحديات؟
□‭ ‬ربما‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬من‭ ‬أعقد‭ ‬ما‭ ‬يواجهه‭ ‬العمل‭ ‬المسرحي‭ ‬اليوم‭. ‬وهنا‭ ‬الأمر‭ ‬يتطلب‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬شيفرات‭ ‬وأليات‭ ‬تسحر‭ ‬المتلقي‭ ‬المسرحي‭ ‬بالقدر‭ ‬المتحقق‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الوسائل،‭ ‬والأهم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬أن‭ ‬الوسائل‭ ‬الحديثة‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬مشاهدة‭ ‬تقليدية‭ ‬للمتلقي،‭ ‬فهل‭ ‬يستطيع‭ ‬المسرح‭ ‬أن‭ ‬يقدم‭ ‬مشاهدة‭ ‬غير‭ ‬تقليدية‭ ‬أيضا‭.. ‬هنا‭ ‬تبدو‭ ‬الإشكالية‭.. ‬وأنا‭ ‬اؤكد‭ ‬أن‭ ‬المسرح‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬خلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التفاعل‭ ‬مع‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال‭ ‬الحديثة،‭ ‬وجعلها‭ ‬ضمن‭ ‬مقتربات‭ ‬العمل‭ ‬المسرحي‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬انفتاح‭ ‬العمل‭ ‬المسرحي‭ ‬على‭ ‬تجارب‭ ‬جديدة‭ ‬تخضع‭ ‬لمفهوم‭ ‬التمرد‭ ‬أو‭ ‬كسر‭ ‬المألوف‭ ‬لأجل‭ ‬تقديم‭ ‬مشاهدة‭ ‬جديدة‭ ‬للمتلقي‭. ‬وأخيرا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تطويع‭ ‬وسائط‭ ‬الاتصال‭ ‬الحديثة‭ ‬بشكل‭ ‬جمالي‭ ‬مدروس‭ ‬بعناية‭ ‬فائقة‭.  
■‭ ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬تتيحه‭ ‬لنا‭ ‬عملية‭ ‬التلقي‭ ‬في‭ ‬العرض‭ ‬المسرحي‭ ‬من‭ ‬متعة‭ ‬ومعارف‭ ‬وممكنات‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬نجدها‭ ‬في‭ ‬بقية‭ ‬الفنون‭ ‬الأخرى‭ ‬مثل‭ ‬السينما‭ ‬أو‭ ‬التلفزيون‭ ‬وبقية‭ ‬الحقول‭ ‬الفنية؟
□‭ ‬المسرح‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التفاعل‭ ‬المباشر‭ ‬مع‭ ‬المتلقي،‭ ‬لذا‭ ‬نجد‭ ‬المسرح‭ ‬منذ‭ ‬أول‭ ‬ظهوره‭ ‬جعل‭ ‬المشاهد‭ ‬طرفا‭ ‬في‭ ‬تفاعله،‭ ‬وتنامى‭ ‬ذلك‭ ‬التفاعل‭ ‬في‭ ‬المسرح‭ ‬الحديث،‭ ‬حيث‭ ‬ركز‭ ‬على‭ ‬العملية‭ ‬التفاعلية‭ ‬بين‭ ‬المرسل‭ ‬الممثل‭ ‬والمرسل‭ ‬إليه‭ ‬المتلقي،‭ ‬فليس‭ ‬غريبا‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬حواراً‭ ‬ونقاشاً‭ ‬بين‭ ‬الممثل‭ ‬والجمهور،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التأثير‭ ‬فيهم‭. ‬المسرح‭ ‬عملية‭ ‬خلق‭ ‬وتواصل‭ ‬مباشر،‭ ‬أما‭ ‬السينما‭ ‬والتلفزيون‭ ‬فلا‭ ‬يحظى‭ ‬المتلقي‭ ‬منهما‭ ‬بذلك‭ ‬التماس‭. ‬
٭‭ ‬من‭ ‬إصداراته‭ ‬الأدبية‭: ‬‮«‬الخيول‭ ‬الجريفونية‮»‬‭ ‬مجموعة‭ ‬قصصية،‭ ‬‮«‬ما‭ ‬أتلفته‭ ‬الرفوف‮»‬‭ ‬مجموعة‭ ‬قصصية،‭ ‬‮«‬طعنة‭ ‬برد‮»‬‭ ‬رواية،‭ ‬‮«‬هذيانات‮»‬‭ ‬ويضم‭ ‬مجموعة‭ ‬مسرحيات‭ ‬منها‭ ‬‮«‬الجان‭ ‬والمجنون‮»‬،‭ ‬‮«‬خيط‭ ‬من‭ ‬تراب‮»‬،‭ ‬‮«‬الضباب‭ ‬يقظ‮»‬،‭ ‬‮«‬هذيانات‭ ‬معطف‮»‬،‭ ‬‮«‬حلم‭ ‬الفناجس‮»‬،‭ ‬‮«‬القضية‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬تُرجم‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬المسرحيات‭ ‬إلى‭ ‬عدة‭ ‬لغات‭ ‬وتم‭ ‬تقديم‭ ‬أغلبها‭ ‬ولأكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬على‭ ‬مسارح‭ ‬داخل‭ ‬وخارج‭ ‬العراق،‭ ‬وفازت‭ ‬مسرحيتا‭ ‬‮«‬الجان‭ ‬والمجنون‮»‬‭ ‬و«هذيانات‭ ‬معطف‮»‬‭ ‬بجائزة‭ ‬أفضل‭ ‬عرض‭ ‬متكامل‭ ‬للعامين‭ ‬2012‭ ‬و2013‭. ‬كما‭ ‬فازت‭ ‬مسرحية‭ ‬‮«‬الرقم‭ ‬السري‮»‬‭ ‬بالجائزة‭ ‬الثانية‭ ‬في‭ ‬مسابقة‭ ‬الشاعر‭ ‬أحمد‭ ‬باكثير‭.‬

الأحد، 9 سبتمبر 2018

محمد علوان في لماذا تكرهين ريمارك؟: سلطة التخييل الروائي في تفكيك سردية التاريخ

مروان ياسين الدليمي

Sep 08, 2018

http://www.alquds.co.uk/?p=1012531 رابط المقال في صحيفة القدي العربي الاسبوعي

محمد علوان في لماذا تكرهين ريمارك؟: سلطة التخييل الروائي في تفكيك سردية التاريخ

مروان ياسين الدليمي

Sep 08, 2018
على الرغم من ان الواقع بشخصياته وأمكنته وأزمنته يستيقظ شاخصا على طول المبنى الحكائي في رواية «لماذا تكرهين ريمارك؟» الصادرة عن دار الحكمة في لندن 2018، إلاّ ان مخيلة المؤلف محمد علوان، تنفرد بسلطة إجراءاتها السردية، وقد أمسك من خلالها بكل الخيوط التي تفرضها لعبة السرد، بذلك تحققت شكلانية البناء إلى الحد الذي أصبح من الصعب التمييز بين الواقع والواقع المتخيل، بمعنى ان بنية السرد قد استلهمت طاقتها في تحريك كافة العناصر الروائية على ما تمتلكه مخيلة المؤلف من حرية لا حدود لها في التعامل معها.
ما بعد القص
اعتمد محمد علوان في هذه الرواية على ما تختزنه تقنيات ما بعد القص من امكانات في بناء خطاب روائي يمنح تقنيات السرد مساحة من الحركة والحضور، وقد عبر عن ذلك بتفكيك سرديات التاريخ وذاكرته بسرديات تتحرك من وحي المخيلة، لخلق ذاكرة روائية مضادة، حيث تم تفكيك بنية الزمن الموضوعية لتأخذ شكلا قائما على التداعي الحر، عندما تولت شخصيات الرواية الرئيسية مسؤولية القيام بمهمة الصوت السادر، فالزمن لم يعد خارجيا انما تحول إلى زمن داخلي ذاتي اكتسب شكله الدرامي من تعدد الأصوات الساردة له، والتناول وفق هذا الإطار الانعكاسي للتاريخ يأتي في سياق نسف ادعاءات الحقيقة في الزمن الواقعي.
انفتحت الرواية على التاريخ العراقي عندما تعرضت لسلطة القمع في نظام دكتاتورية الحزب الواحد أثناء حكم حزب البعث، وهذا ما دفع شخصية برهان، إلى ان يهرب في اتجاه بيروت. كما تناولت الحرب العراقية الإيرانية عبر شخصية رزاق شقيق برهان وثريا، الذي قتل في تلك الحرب، لتصل الرواية في تناولها للتاريخ إلى ما وقع من عنف طائفي ومذهبي بعد العام 2003 وهيمنة الملثمين والميليشيات على الحياة. إلاّ ان العلاقة بين سلطة الحدث التاريخي وأحداث الرواية، أخذت مسارا معقدا تداخل فيه المتخيل الروائي مع الحدث الواقعي، وهذا ما يبدو في اعتماد المؤلف على تقنية النص داخل النص، حيث تم تضمين الرواية ما كتبه من سيناريوهات أكرم عبد الرحمن، الصديق الوحيد للشخصية المحورية برهان، متناولا فيها موضوعة الحرب من بعد ان فقد ساقه على إثر انفجار سيارة مفخخة، ليقرر بعد هذا الحدث ان يتفرغ للكتابة ويسلم مسؤولية إدارة ما ورثه عن والده من عقارات إلى وكلاء يتولون هذه المهمة، فأحدث التوظيف التناصي لتلك السيناريوهات مفارقة تهكمية ساخرة من الحدث الواقعي وتهشميا لرواية الحدث التاريخي.
هذا العمل الروائي تمركز على رؤية فنية تزيح الفجوة التي تفصل الأدب عن التاريخ، بمعنى انها تنسف العلاقة التقليدية ما بين الاثنين من خلال سلطة التهكم بالماضي وإحداث علاقة تضادية تتقصد إحداث قطيعة معه ومع الواقعية باعتبارها أسلوبا وتقنية بنائية في تناول الواقع، ومن خلال هذا التداخل القائم ما بين المتخيل والواقعي، لم تعد هناك من مسافة بينهما.
اللجوء إلى تقنية النص الضمني منح المبنى الحكائي جنوحا واضحا في بنيته الشكلية، وكان ذلك مراهنة تقنية من قبل المؤلف محمد علوان، قصد من خلالها كسر الرتابة الكلاسيكية في البناء السردي، وهو اختبار ضمن اختبارات أخرى باتت تفرض حضورها في مسار النتاج الروائي العراقي الحديث تتوخى السير في بنية فنية تعيد صياغة العلاقة بين المؤلف والمتلقي والنص الروائي، وقد بدأنا نشهد محاولات حثيثة لتشكيل هذا المبنى التضادي للبنية التقليدية، مع إقرارنا بان هذا المسار ما يزال في حالة من الصيرورة، وبلاشك سيفضي إلى تجارب واضحة وربما مهمة .
أنسنة المكان
دلالة المكان هنا ليست بقيمته الفيزيائية أو الجغرافية، انما بما يحمله من مخزون روحي وإنساني، وهذا ما تشير إليه الأسطر الأولى في الرواية عندما يصف الراوي العليم البيت الذي تسكنه شخصية باجي ثريا، شقيقة برهان «ها هي تقف وحيدة الآن، إلاّ مِن روائح تنتشر في كل زاوية من زواياه. تضع رأسها على الكتل الصماء للجدران المشبعة بهذه الروائح».
على ذلك لم تكن مدينة بيروت باعتبارها «مكانا» بديلا اختاره برهان ليكون ملاذا آمنا له، قد امتلكت تلك السلطة التي تتوهج الروح من خلالها رغم الطمأنينة التي وجدها فيها بعد ان نجح في الهروب من العراق باسم مزوَّر حيث استعار اسم صديقه «أكرم» ليتمكن من الإفلات والخلاص من متابعة الأجهزة الأمنية «ثمة ذاكرة كبيرة في داخله، دائما، هي مدينة الثورة، وهي أكبر من ان تسعها كل ذاكرات العالم».
هنا في هذه الرواية يكتسب المكان دلالته وأهميته لأنه يحدد طبيعة الشخصيات وردود أفعالها وفقا لما تحمله من عمق وتجربة إنسانية وتواصل مع الآخرين من خلال المكان ذاته، فالحي السكني الشعبي المسمى «قطاع 18» في مدينة الثورة، الذي احتوى الشخصيات الرئيسية (برهان وشقيقته ثريا وصديقه أكرم عبد الرحمن) كان مسرحا لسيرهم الذاتية وتجليات علاقتهم الثنائية مع العالم التي تأرجحت ما بين الحضور والغياب. والمكان بهذا السياق الدلالي سيفرض اشتغالاته السردية المتواترة وتراسله الرمزي بالقدر الذي يكون فيه مشفَّرا بمحمولات الهوية الإنسانية، بأبعادها الاجتماعية.
ثريا: «لست وحدي في بيت ضاج بحياة ما زالت كل جدرانه موشومة بذكريات عشرات السنين، فثمة، برهان، الذي هرب بعد ان ضاق عليه الخناق. وثمة، رزاق، الذي هرسته مخالب أشرس حرب، وأطولها، ولم تترك بيتا إلا أقامت فيه مناحة».
تقنية التناص
التناص المتكئ على السيناريوهات السينمائية التي كتبها أكرم عبد الرحمن، حققت سردية صغرى في مواجهة سرديات التاريخ والواقع، والغاية من اللجوء إلى هذه التقنية، الوصول إلى تفكيك الترابطات القائمة بينهما، وبناء سرديات جديدة للأحداث، تضع المتلقي في حالة من الرفض والتأمل والتأويل، تأخذ به إلى مستوى عال من القراءة تسعى إلى ان تفتح مدارات مغلقة في آفاق النص الذي يتركب من زمنين روائيين، على اعتبار ان الرواية تحمل في داخلها نصا روائيا ضمنيا يتداخل ويتوازى ويتقاطع مع النص الروائي الأساسي. ومع هذه البنية الفنية المركبة من التاريخ والسيرة الذاتية والمتخيل الروائي نقف أمام فضاء سردي يتواجه فيه الحب والجمال والفن مع الحرب والموت والواقع.
اعتمد المؤلف محمد علوان في بناء عالمه الفني على تقنيات متنوعة: الرسائل والأفلام والنصوص القصصية والمذكرات والأغاني، ليقدم لنا عالما روائيا تحتشد فيه مجموعة من الشخصيات تحمل في داخلها طاقة هائلة على مقاومة الموت والقهر والقمع والاستلاب، ولم تكن هذه المقاومة تستند على أي سلاح سوى الحب.
إذن هي رواية عن الحب بقدر ما تتصدى لموضوعة الحرب التي تطارد الإنسان وترسم مصيره التعس كما هي رواية «للحب وقت وللموت وقت» للكاتب الألماني أريش ريمارك، الذي استعار منه المؤلف عنوان روايته من بعد ان وضعه عنوانا لإحدى اللوحات التشكيلية التي رسمها برهان نوري عبد العزيز، فالحب كان الجدار الذي استندت عليه جميع الشخصيات الرئيسية، برهان وثريا وأكرم وهالة وسميرة ورندة.
محمد علوان:
«لماذا تكرهين ريمارك؟»
دار الحكمة، لندن 2018
180 صفحة.

الأحد، 2 سبتمبر 2018


الأغنية العراقية: تكريس لسياق اللوعة والنّدم وتحطيم لعلاقتها مع المدينة

مروان ياسين الدليمي

Sep 01, 2018

http://www.alquds.co.uk/?p=1007155 رابط المقال في القدس العربي الاسبوعي

الأغنية العراقية: تكريس لسياق اللوعة والنّدم وتحطيم لعلاقتها مع المدينة

مروان ياسين الدليمي

Sep 01, 2018

دائما كان الغناء حقلا فنيا يحمل عبر أنغامه وكلماته وأشكاله الموسيقية شفرة وجدانية تنسج خيوطها السرية بشكل مباشر مع المتلقي من غير ان تشكل الهوية القومية التي تنتمي لها الأغنية حاجزا معه. والغناء كان أول خلجات الإنسان الفنية التي توصل إليها في مرحلة الطفولة البشرية تحسس من خلاله رعشة ذاته أمام الطبيعة بصورها وأصوات عناصرها، وربما سيبقى الأقرب إليه من بقية الفنون الأخرى في لمس أحاسيسه بمختلف لحظاته الشعورية، وهذا لان الإنسان في أولى صور وجوده على كوكب الأرض كان صوته في مقدمة أدواته التي اكتشف ما يحمله من امكانيات للتعبير وبشكل عفوي وفطري عن خلجاته النفسية ومشاعره الغامضة، من خوف وفرح ودهشة وحزن ازاء ما كان يحيطه من مظاهر طبيعية يقف عاجزا عن تفسيرها، فالهمهمات والأصوات التي كانت تصدر عنه على شكل صرخات، شكلت أبسط صور التعبير الذاتي التي توصل إليها عفويا للكشف عن خبايا روحه القلقة في لحظة مبكرة من وجوده في هذا العالم.
افول أغاني الحياة
أسوق هذه المقدمة الموجزة وأنا بصدد الحديث عن مساحة غائبة من الغناء العراقي لم تحظ بأي اهتمام من قبل العاملين في هذا الحقل، وأقصد بها، ذلك النمط من الغناء الذي يبتعد أولا في موضوعات نصوصه عن علاقة الحب التي تجمع الرجل والمرأة، بصورها التقليدية التي طالما كرستها الأغنية العراقية والعربية على حد سواء، وتقترب تلك المساحة المغيبة إلى ما هو أعمق وأشمل في علاقة الإنسان بهذه الحياة، ولا تتوقف عند ما استقر من ملفوظات في سياق المبنى الغنائي المتوارث. وثانيا تنسج تلك المساحة قيميا لحنية لا تتجاور مع الذائقة السائدة التي استقرت على جماليات محددة وباتت تترك أثرها في وجدان المتلقي كما لو انها جزء من العادات والتقاليد والأعراف.
فالأغنية العراقية من حيث النصوص بقيت مجساتها تتوالى في سرد قصص الحب والهجران بين الحبيب والحبيبة لا أكثر، ولم يحاول المشتغلون في الحقل الغنائي الخروج بها إلى رؤى شعرية تتجه لملامسة مشاعر إنسانية تتفاعل مع الأشياء والموجودات بعيدا عن المنظومة الدلالية المكررة والمستهلكة في سياق ما هو متراكم من منتوج غنائي حافل بصور الحزن واللوعة بين العشاق.

تجارب لم تكتمل
إذا ما أردنا ان نكون منصفين في قراءتنا لتاريخ الغناء العراقي الحديث، لابد ان نتوقف أمام تجارب يتيمة خرجت عن السياق العام، وعلى الرغم من انها لم تتوسع وتتجذر في تمظهرات المشهد الغنائي إلا انها تركت أثرا في سجل الذاكرة الغنائية، قد يصعب العثور عليها وسط كثافة المنتوج المتكدس على أرصفة الأغنية العاطفية المسرفة بالدموع والشكوى والأحزان، بالوقت نفسه من السهولة بمكان العودة إليها واستدعائها من قبل المتابعين والنقاد إذا ما كان الأمر متعلقا بالحديث عن محطات أقام فيها مبدعوها خارج انطولوجيا الأغنية العراقية، وأبرز الأمثلة على ذلك ما قدمه المطرب عزيز علي، من نتاج غنائي خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، حيث كانت مجمل نصوصه تنبجس منها رؤية نقدية ساخرة للأوضاع العامة، وقد شكل حضوره الفني في المشهد الغنائي بنية فنية متمردة تستمد طاقتها المؤثرة لدى المتلقي من نزوعها إلى التحرر الكلي من الجمل الغنائية المخزونة في ذائقته، ولا يمكن الحديث عن تجربة عزيز علي، إلا باعتبار هذا الفنان نموذجا رائدا ومتفردا، بناءً على ما قدمه من فن غنائي منقطع عن ما هو سائد، وللأسف لم يتكرر في الأجيال اللاحقة.
في هذا السياق من البحث في خزائن الأغنية العراقية المعاصرة عن نماذج غير مألوفة اتخذت من الأغنية منصة للتعبير عن مساحات جديدة من الأفكار والمشاعر لابد ان تستوقفنا أيضا تجربة الفنان جعفر حسن، التي توهجت وبقوة في مطلع العقد السابع من القرن العشرين، حيث جاء حضوره اللافت في تلك الفترة من خلال ما قدمه من أغان كانت نصوصها تتغنى بالفقراء والكادحين لعل أبرزها أغنية «يا بو علي» هذا إضافة إلى عديد الأغاني الناجحة التي قدمها، وقد ساعدت الظروف المحلية والدولية آنذاك على ظهور تلك التجربة، خاصة تشكيل الجبهة الوطنية من قبل حزب البعث الحاكم والتي ضمت عددا من الأحزاب العراقية في مقدمتها الحزب الشيوعي الذي ينتمي له الفنان جعفر حسن. وشكل الحضور اللافت للفنان جعفر حسن تجربة فنية سرعان ما قلدها آخرون، فظهرت عدد من الفرق الغنائية التي حاولت تقديم نمط من الأغنية أطلق عليها في حينه مصطلح «الأغنية السياسية» وإن كنت أجده مصطلحا غير موفق في تأطير تلك التجربة لأنه وضعها في قراءة وتوصيف أقرب إلى المنشور السياسي منه إلى التجربة الفنية.
بالوقت نفسه يعاب على هذا النموذج الذي قدم ذائقة جديدة في مسار الغناء العراقي انه كان مؤدلجا، بمعنى ان الأغاني تم استثمارها من قبل جهات سياسية كانت تدعمها لأجل الترويج لأفكارها وأجنداتها وليس من أجل خلق تجربة فنية جديدة، ولهذا لم تستطع ان تتمدد في عموم الوجدان لدى المتلقين وبقيت تتحرك وبنجاح كبير بين جماهير الأحزاب التي ينتمي لها المطربون والفرق الموسيقية التي تقدمها، ولهذا لم تتطور ولم تستطع البقاء والصمود في أركولوجية الذائقة العراقية وانتهت بانهيار الظرف السياسي الذي أوجدها عندما تداعت الجبهة الوطنية، رغم ان العديد من الأغاني التي قدمها الفنان جعفر حسن كانت تحمل ما يكفي من عناصر نجاحها سواء من حيث النصوص والألحان، وما زالت تتمتع بذاك التأثير والحضور عندما يتم استذكارها في مناسبات معينة يتم فيها التطرق إلى تجربة الأغنية السياسية في العراق.
انتكاسة هذه المفردة التجديدية في تجربة الأغنية العراقية المعاصرة، تكمن أسبابها في انها كانت مرهونة بما هو سياسي، بمعنى، ان تلك التجارب لم يكن حضورها متأتيا من عملية بحث وتأمل في سياق تجربة الفنان المبدع ذاته وتطلعه إلى اقتحام منطقة غير مأهولة بحثا عن أفق ومذاق جديد يمنح التجربة الغنائية يقظة شعورية تعيد اكتشاف أوجها جديدة في الحياة.

تغييب أغنية المدينة
في إطار ما هو منتج في الأغنية العراقية المعاصرة منذ خمسينات القرن الماضي وحتى ما بعد العام 2003 كانت هنالك تحولات اسلوبية واضحة في بنية الجملة النصية واللحنية، فبعد ان كانت الأغنية تتعالق مع ملامح المدينة في خصوصية مفرداتها وشفافية ما يرسله خطابها اللفظي واللحني خلال خمسينات وستينات القرن الماضي، نجدها ترتهن في سبعينات ذاك القرن بطاقة تعبيرية يمتزج فيها الشجن الذاتي مع ما هو موضوعي حيث يتداخل التعبير عن لوعة الحب والشكوى من الحبيب مع جمل تتغنى بأناشيد الحياة وهي تتجلى بين ربوع الوطن المتجه إلى الغد بتفاؤل، ثم بدات في العقد الثمانيني مرحلة أخرى حيث انحسرت المفردة المعبرة عن هوية المدينة وملامحها الضاجة بالحركة لصالح ما يعكس البيئة الريفية الجنوبية حتى وصل الحال بعد العام 2003 إلى ان اصطبغت الأغنية العراقية بملامح الموروث الصوتي المتراكم في الذاكرة الشيعية بفعل ما يتم ترديده من قراءات بكائية في طقوس عاشورا وهي تستعيد مقتل الحسين حفيد النبي محمد.
هذه التحولات مارست عملية تجريف لكل المحمولات المدنية التي كانت تخصب الأحاسيس الجميلة بكل شفافيتها في الأغنية العراقية، وبذلك أغلقت الأبواب أمامها في ان تدخل مرحلة من الوعي الفني يصل بها المبدع إلى منطقة التجريب الفني، والتحليق في فضاء المغامرة بحثا عن أشكال وأساليب جديدة تعكس جوهر الحياة المدنية ومتغيرات بنيتها الثقافية في ذات الفرد، وعلى العكس مما جرى في الأغنية نجد حقولا فنية أخرى مثل الرسم والمسرح والشعر والعمارة قد شهدت توغلا في مغامرات الحداثة حاول فيها المبدعون ان يحاكوا ما أفرزته التجارب العالمية من تحولات في فهم ورؤية التجربة الفنية، هذا يعني ان ذائقة المدينة بكل ما تحمله من توق وارهاص إلى التجديد والمغامرة والتجريب قد انتكست وتراجعت لصالح الموروث الريفي بما هو عليه من سكونية وثبات في قوالبه وانماطه المتوارثة منذ عشرات السنين. بذلك خسرت الأغنية العراقية فرصة ثمينة في الانفتاح على مناطق جديدة كان من الممكن ان تزيد من تنوعها وتفاعلها مع متغيرات الحياة وما يشهده الواقع من تحولات وانعكاس في وعي وثقافة الإنسان.
وعلى العكس مما شهدته التجربة العراقية نجد ان الأغنية وخلال الخمسين عاما الماضية في عدد من البلدان العربية كما في المغرب ومصر، قد أثمرت عن تجارب فردية وجماعية متنوعة حاولت كسر النمطية القائمة في السياق العام الغنائي، وتمكنت من الاستمرار والتواصل مع الأجيال اللاحقة وأبرز الأمثلة على ذلك فرقة «جيل جيلاله وناس الغيوان» في المغرب العربي «والشيخ إمام واحمد فؤاد نجم» في مصر، وإذا ما اقتربنا من ظاهر المشهد الغنائي في تلك البلدان واستغرقنا في تجلياته، سنجد ثمرة تلك التجارب ما زالت يانعة في عدد من الفرق والاصوات التي استلهمت حضورها المميز منها، بينما انقطعت تجربتا عزيز علي وجعفر حسن عن شجرة الأغنية العراقية.

السبت، 1 سبتمبر 2018

رواق 264



رواق 264
اعداد وتقديم : مروان ياسين الدليمي
23 / 8 / 2018
العناوين :
- سرقة "خزينة داعش" تُشعل حرباً مع إحدى عشائر الموصل.
- الطفل حسن ،يختصر حكاية العراق /ماجد السامرائي
- حين
تسقط المبادئ..
/ حسن حامد سرداح

المشهد الثقافي 599

المشهد الثقافي ح 599 اعداد وتقديم : مروان ياسين  تقارير حسن البغدادي العناوين : محاضرة عن علاقة الفلسفة بالفن والشعر والادب للدكتور معت...