حوار ات


 

مروان ياسين يجد نفسه في فضاءات مختلفة وصولا الى المتعة .

المسرح يجعلني اقاطع الماضي

حاوره – سامر سعيد الياس / الموصل
أسفار عديدة دونها مروان ياسين في رحلته مع الحياة حيث وجدها محطة لإعلان تمرده ، بعد تجارب مؤلمة استقاها من محطات حياتية حزينة مر بها افراد من عائلته، دعته لان يقول كلمته في هذا العالم ، فلم تكن كلمة،  بل كانت على خشبة المسرح صرخة خرقت حاجز الماضي وصالحته مع العالم ،عبر علاقة جديدية ، بينما كانت حروفه على صفحات الجرائد بمثابة بصمات تركها على رمال لم تكن متحركة ، بل بقيت راسخة بثباته راصداً للواقع الثقافي، تارة بالكاميرا ،او بالجلوس على كرسي المخرج ليحبك مشهدا ثقافيا لكن بكلمات مبدعيه من الادباء ،يرصدهم ياسين في محافلهم وعلى منابرهم، ليقولوا كلمتهم كما هو،  حيث قال ماجال في خاطره ازاء رحلته مابين المسرح والقصيدة في سياق حوارٍ تلك هي تفاصيله :
اقع
*ايهما ينبض اكثر في اعماق مروان ياسين المسرحي ام المخرج ام الشاعر ..؟
قبل كل شيىء اجد نفسي اشعر بالرضا وأنا اتنقل في خضم هذا التنوع والتوزع مابين انشعالات فنية وادبية وابدو مثل الذي يمتلك القدرة على التفكير والحديث  باكثر من لغة ، هذا الوضع المتحرك والحيوي يضعني امام حالة من الاحساس بالحرية الذاتية تمنحني اكثر من فرصة ٍ واختيار للتعبير والاكتشاف ، فأنْ تمتلك اكثر من لغة ٍمعناه انك تستطيع ان ترى ذاتك والعالم بطرق وادوات متنوعة وان لك فضاء واسع لبناء عوالم مختلفة ، رغم انني في بعض الاحيان تنتابني حالة من الضياع والتشتت نتيجة هذا التوزع الاجناسي في الانتماء والتعبير ، وهنا ينبغي المرور سريعا على سيرتي الذاتية التي كان لها الاثر الكبير بما اشرت اليه فلقد وجدت نفسي اخوض في تحولات كبيرة ، قادتني اليها معطيات خارجية هيمنت على الحياة بشكل عام خلال العقود الثلاثة الاخيرة التي مرت على المنطقة وعلى العراق تحديدا، وهذا ماشكل اطارا ومناخا عاما احاط بي ورمى بكل ثقله على كاهلي اضافة الى تجربتي الذاتية التي تحتشد فيها احداثا درامية ابطالها كانواافراد عائلتي التي انتمي اليها . فكان من الطبيعي لشاب في مقتبل العمر ان يلجأ الى المسرح حتى يستخرج كل مشاعر القهر السياسي التي تضج في داخله نتيجة للوضع الذي وجد عائلته فيه  بسبب موقفها المختلف والرافض للمنهج السياسي العام الذي كان مهيمنا على الحياة طيلة عقود الستينيات والسبيعنيات من القرن العشرين، اضافة الى  تجربة السجن المريرة التي مر بها معظم افراد العائلة بسبب عدم انخراطهم في حاضنة التدجين الفكري والسياسي الذي كان قد استوعب قطاعات واسعة من المجتمع ،  ثم جاءت فترة الحصار خلال تسعينيات القرن الماضي ، من هنا تشكلت لدي نظرة اخرى ومفهوم اخر لماينبغي ان اكون عليه بعد ان وجدتُ الحياة الانسانية ُتهانُ بطريقة بشعة ،فاأقتضى الموقف مني ان احافظ على ذاكرتي من الخَرَف والانهيار الذي بدا يترك بصماته واضحة على عقول الناس بعد ان بدأالجوع والاذلال يهتكها، لذا كان ينبغي ان تحدث مواجهة مع ذاتي ومع ماكان يجري.  فكان لابد من اللجوء الى الكتابة لمواجهة التدمير الذي بات يمتد ويزحف على الذاكرة مثلما كان يترك اثره في صور الحياة المادية ، فأنتعشت ذاكرتي بفعل الكتابة مقابل ذلك الانهيار الحاصل في الواقع الموضوعي حينها كتبت اول مجموعة شعرية لي، كما اعدت قراءة النشاط والتجارب المسرحية في مدينة الموصل خلال اكثر من نصف  قرن ،وكانت تلك القراءة ومازالت مثار لغط ورفض واستهجان شديد من قبل اجيال هرِمة ٍفي التفكير ،اعتادت على كلمات التبجيل والاعجاب المزيف ، مما جعلها تعيش وهما ًمضحكا يثير الرثاء عليها ، كان ذاك الوهم قد اوصلها الى حالة باتت فيها  تعتقد جازمة بريادتهاوانها قد انجزت تاريخا فنياً يستحق التبجيل والتعظيم ،بينما هي واقع الامر لم تترك شيئا يذكريستحق البقاء،فجاءت دراستي تلك والتي نشر بعض فصولها على صفحات جريدة الزمان بمثابة صدمة كبيرة لهم وغير متوقعة لكنها وللاسف الشديد بدلا من ان تجعلهم يستيقظون من ذاك الوهم ليتوقفوا لحظة امام انفسهم ليعيدوا النظربما قدموا  ازدادوا تعنتا وتمسكا بمنهجهم الفني المتهرئ والذي يعود في منظومته الى العصور الوسطى وهي اشد العصور انحطاطا في الوعي والتعبير الفني، المهم في هذا الامر انني فيما يتعلق بموضوع التنوع في الانتماء والانجذاب مابين المسرح والسينما والشعر اجد نفسي دائماً في فضاءات مختلفة وأنا في حالة من الاكتشاف والبحث ،وهذا بحد ذاته يجلب لي المتعة . 
*بدات مشوارك الابداعي من خشبة المسرح ،برايك ما تاثير المسرح على المكنون الابداعي  لمروان ياسين ..؟
المسرح كما اراه في تجربتي الشخصية كان  بداية القطيعة مع الماضي وتأسيس لعلاقة جديدة ومدهشة مع العالم كان فيها الكثير من الشجن والانعتاق والتارجح مابين الانا والعالم كانت انتمائي للمسرح نقطة فاصلة مابين انتمائي للواقع الملموس والواقع المتخيل ،مابين العزلة والبوح ،مابين الحقيقة العارية والحلم .  كان المسرح بمثابة توق الى العبور الى نقطة مجهولة لاأعرف اين تكمن والى اين ستؤدي بي . وماأن توغلت خطواتي شيئا فشيئا في عالم الدراما المسرحية وأنا في مقتبل العمر  بدأت بقراءة معظم النصوص الدرامية التي شكلت علامات اساسية في التطور الدرامي ابتدأً من الكتاب الاغريق ومروراً بكتاب الواقعية الاشتراكية السوفييت وصولا الى كتاب العبث واللامعقول  . هذه القراءة المبكرة للمسرح ايقظت في ذاتي مساحة واسعة من اليقظة في  كيفية تلمس واكتشاف الجانب الدرامي في صور الحياة ومظاهرها وكيفية التعبير عنها فانثالت الاسئلة المقلقة والمحيرة منذ اللحظة التي ارتبطت فيها بالمسرح . لذا حققت هذه العلاقة تحولا في الوعي والقدرة على رؤية الذات والعالم اضافة الى ان المحاكاة في المسرح كما يراها ارسطو ليست استنساخا بل خلقاً جديد للعالم المستعاد ، فاأنت  عندما تواصل التمرين المسرحي لعدة شهور معناه انك ستمر كل يوم اثناء التمرين بتحولات واكتشافات جديدة لان الممثل لايحاكي صفات الشخصية التي يمثلها كما يفترض ان تكون في الحياة الطبيعية انما يسعى بكل جهده من اجل محاكاة الفعل وهنا يكون للخيال والتخييل الدور الاساس في هذه العملية الانتاجية للفعل المسرحي ، لاننا خلال التمرين المسرحي نتوصل الى صور متعددة للشخصية وهذا يعني تمرينا عمليا في التفكيروالانصهار بحرية واسعة مع التنامي والتقابل والانشطار عن الذات ضمن منهج يعتمد الانزياح في الوصول القيم الجمالية في التعبير والبناء ولك ذلك يأتي في  اطار ديموقراطي نموذجي بين افراد المجموعة العاملة  لاتجده في اي نظام سياسي .  فليس اجمل من ان تعيش الحرية في التفكير والتعبير والخلق داخل المشغل المسرحي الذي يبقي الذهن والمخيلة في حالة من اليقظة والتوتر والانتاج ، وليس امرا غريبا ان يبقى الفن المسرحي قائما وصامدا حتى هذه اللحظة رغم مرور الاف السنين على ظهوره رغم المتغيرات التي حصلت وتحصل الان على مستوى التقنيات في السينما والتلفزيون وهذا يعود كما قلت الى ان المسرح يقدس الحرية ولايمكن ان يعاد العرض المسرحي في اليوم التالي بنفس ماعرض في اليوم السابق ففي كل يوم وفي كل عرض هنالك تغيير وتجديد ، وهذا مالاتقوى السينما وبقية الفنون على الاتيان به ومجاراته .
*بدات قصائدك في الاونة الاخيرة ترتدي ثوب التوثيق والارخنة  فلكل مناسبة اوذكرى صدى في نزيف الروح لدى مروان ياسين ،برايك ما مدى حضور المناسبة ورد فعلها في انتاج قصيدة..؟
انا لاأستطيع ان اكون بمعزل عن الحياة بمعناها الواسع وهي في حالة من الصيرورة ، والشعر بطبيعته لايتعامل مع ماهو ظاهر وعابر ، الشعر تجربة ونشاط معرفي وروحي يسعى لاعادة اكتشاف الذات والاشياء مرة اخرى للوصول الى الجوهر، الى قيم انسانية وجمالية جديدة ، وهذا يأتي من خلال اعادة الفحص والقراءة للوقائع والثوابت من جديد بعيدا عن هيمنة القيم المطلقة والثابتة التي تحكم الواقع بكل التباساته الاخلاقية وموروثاته ، بلاشك اي نظام سياسي واجتماعي لابد ان يقوم وينهض مستندا على اسس فلسفية يمررها من خلال الممارسات والاساليب والوقائع التي يحدثها في الواقع ، والشعر في واحدة من  مهماته الجمالية يسعى لتفكيك هذه الفلسفة ودحضها عبر رصده للصور والتجارب المعاشة والمتخيلة  في اللحظة الشعرية ، وله في ذلك اليات فنية تنهض من خلال المخيلة الشعرية التي تنتج تداعياتها الصورية . انا اجد ان النص الشعري العربي له خصوصيته التي  تجعله بمكانة خاصة  إذا ماقورن مع النص الشعري الذي يكتب في اوربا او في اميركا ، قد نجد له مشتركات كثيرة مع الشعر الذي يكتب في اسيا وافريقيا واميركا اللاتينية فمابيننا توجد قواسم مشتركة وزعتها علينا انظمة سياسية قمعية بتسميات مختلفة انتجت مجتمعات تتشابه في البؤس والتخلف ، اذن نصنا الشعري  نص ينتمي  الى بيئته التراجيدية رغم التطور الذي طرأ على بنائه الفني الذي  جعله منقطعا الى حد كبير مع كل الموروث الشعري الذي يمتد الى اكثر من الف وخمسمائة عام لكن التجربة الشعرية بقيت تعكس وعي الشاعر واسئلته وموقفه من الحياة بكل مستوياتها من خلال نسق فني خضع الى تغييرات كبيرة وفقا لمفاهيم مختلفة تسعى لاقتناص اللحظة الشعرية كما يسميها فوزي كريم  والنسق الفني الذي اطرح من خلاله قلقي وهواجسي يتوزع مابين قصيدة النثر  والنص المفتوح الذي اجدني انساق اليه اكثر من اي شكل اخر ومن خلاله  استدرج اليه اجناسا تعبيرية مختلفة انحتها داخل تجربتي لتكون ضمن السياق الفني العام، واذا كانت الفلسفة قد انقطعت علاقتها مع الاساطير التي شكلت اسئلتها الاولى فإن النص الشعري المفتوح اعاد اكتشاف هذه العلاقة مع الاسطورة من جديد عندما اسطر الواقع والوقائع التي يعج بها وانا هنا لاأكتب عن مناسبات عابرة كما  يكتب شعراء القصيدة العمودية انما احاول ان اكتشف الكليات التي تختفي وراء تفاصيل الاحداث اليومية التي تمر بي ومن حولي ، بحرية اسلوبية يتداخل فيها الغنائي والدرامي والملحمي .
*مادمنا في فلك القصيدة فهل لقصيدتك بيئة معينة تسعى لان تعيش خلالها اجواء المخاض والولادة ..؟
بما أن مانكتبه من نصوص نثرية معبأة بطاقة الشعر وجنوحه وخيالاته وصوره دون ان نستند الى العروض والقوافي ولم نتعكز على قواعد بلاغية توارثناها لعشرات السنين كالكناية والاستعارة الخ من المفاهيم التقليدية في الشعر الكلاسيكي فهذا معناه اننا نتحرك في بيئة اخرى جمالية جديدة نقطع فيها صلتنا مع الماضي الى الحد الذي ليس بالامكان ان نلتفت الى الوراء او ان نصغي لاصوات تنادي علينا ان نتريث حتى نحملها على اكتافنا. ان الشاعر المعاصر الان يسير في بيئة ليس من السهولة  السير فيها طالما فيها الكثير من المفاجأت التي قد تأتي بها ، فكل نص شعري ماهو الاّ تجربة قائمة بذاتها لاتسعى الى لاعادة انتاج نموذج سابق،  قد نجد بعض المشتركات هنا او هناك لكنها تأتي عرضا وليس قصدا مركزيا في سياق التجربة الذي يميل الى القطيعة مع ماسبق والتأسيس لشيء جديد مغايروالانفتاح الشعري على كل اساليب السرد . وبيئة النص الذي نكتبه ونتحرك في فضائه ليست واضحة المعالم والحدود أويمكن تتبعها من نقطة البدء الى نقطة الختام . فليس هنالك من نقطة بدء ولا نقطة ختام ، ولايمكن التكهن بمسار القول وماسيدرج فيه من صور ودلالات ، وهنالك الكثير من التداخل والتقاطع والانعطافات الحادة التي تصدم المتلقي وهو يقرأ النص بعينيه ويجد نفسه وسط بحر متلاطم من المفردات والصورالمزدحمة المتنافرة والمتداخلة ، مشكلة عالما شعريا مركبا وغامضا حتى في اشاراته التي تبدو مباشرة . وهذه البيئة التي يخلقها الشاعر في نصه تستدعي ان يكون الشاعر في قلب الفلسفة المعاصرة بكل اسئلتها المحيرة لتستحيل بمخيلة الشاعر الى طاقة شعرية .
*البرنامج الذي يحمل عنوان(المشهد الثقافي ) والذي يبث على قناة عشتار يوفر لك رؤية واسعة عن مديات الثقافة العراقية ، فمالذي استنبطته من معطيات ازاء واقعية المشهد الثقافي ؟
على المستوى العام المشهد الثقافي العراقي مرتبط بمايجري من تحولات في الواقع ومايجري فيه يشير في مجمله الى صورة هزيلة من الانغلاق والتردي والانحطاط في جوهر وشكل الخطاب الفكري العام للواقع الذي يبدو واضحا انه قد اصيب بكل امراض وعوامل الهزيمة الفكرية التي كانت قد ابتدأت منذ اكثر من نصف قرن بعد ان تجاهل المجتمع العربي اشارات النهضة التي كانت قد بدأت مع نهاية القرن التاسع عشر التي تحملها رواد النهضة العربية .وظلت عوامل الهزيمة تواصل تفاعلاته منذ النصف الثاني للقرن العشرين ولايوجد اية إشارة حتى هذه اللحظة  لتجاوز هذا الانحدار في الوعي العام . فصور الانغلاق مازالت  تمتد وتولد وتتكاثر في كل الاتجاهات وتكتسب صفة القداسة والتبجيل لكل مالايستحق التقديس والتبجيل وفي مجمله يكرس الماضي ويدور حوله بشكل يثير الرعب والريبة فيما ستؤول اليه الاوضاع الانسانية . فهل من المعقول ان نصل  الى ماوصلنا اليه من تقديس لبشر وطقوس تلغي وتعدم فرصة التفكير عند الفرد وتضعه في مسار القطيع  في دوامة من التخدير والتأنيب والتعذيب لنفسه عقوبة ًعلى ذنوب واخطاء لم يرتكبها ؟ وبما أن المثقف يخوض عملية جدلية في التواصل مع المحيط ماضيا وحاضرا ومستقبلا لذا امست الثقافة العراقية امام اشكالية كبيرة قائمة على الانقطاع لان مايمتلكه المثقف من رؤية نافذة وواسعة لشمولية الحياة تتقاطع مع ضيق الرؤية والاهداف لدى بقية القوى الاجتماعية والسياسية الفاعلة والمحركة للواقع بل ان الصراع بين الاثنين بات شرسا خصوصا مع الاطراف التي تقف في  الضفة الاخرى المواجهة للمثقف وهي لم تعد تخفي خطابها الذي يستهين ويحتقر الفعل الثقافي بكل اشكاله وتعبيراته . ودليلنا على مانقول مانشهده هذه الايام من صور تثير تساؤلات مخيفة سواء في مصر او تونس او غيرها من البلدان عما آل اليه الربيع العربي الذي انتظرناه طويلاً والمسار المُقلق  الذي وصل اليه بعدما قفزت الحركات السياسية الدينية المتطرفة الى الواجهة لتستلم  دفة القيادة .  
*لديك مشاركات في مهرجانات ومسابقات ثقافية وقد زخرت سيرتك بالعديد من الجوائز والشهادات التكريمية ،ماالذي تمنحه تلك الجوائز للمثقف  وهل هي فرصة لالتقاط الانفاس نحو خطوة اخرى توازي السابقة ام مرحلة للتامل فيما مضى..؟
هنالك جوائزبعينها  تستحق ان يسعى اليها المبدع،بعدما توفرفيها جملة من الشروط تضعها في مكانة عالية يتشرف الشاعر او الاديب ان يكون بين الساعين لنيلها مثلا جائزة نوبل ، فالكل في داخله يتمنى ان تصل اليه رغم كل الاقاويل التي يمكن أن تقال هنا وهناك عنها . والمهم هنا ان لايكون سعي المبدع الاول والاخير هو الحصول على جائزة . انا عن نفسي اعترف على تواضع تجربتي بالقياس الى اخرين لم اكن اتوقع مطلقا ان انال جائزة ادبية لانني كنت اشعر ومازلت بأنني لم اقدم شيئا مميزا ومتفردا يستحق جائزة  في اطار الشعر بالقياس الى اخرين  . ذلك لانني اجد ان الساحة تحتشد بالعديد من الاسماء الكبيرة التي اقف امامها منحنيا بكلل احترام وتقدير ، وكثير منهم  لم ينل جائزة ادبية في مسيرته ، فهل هذا ينتقص من مكانته وتجربته ؟ بلاشك هو يبقى كبيرا وشامخا رغم ابتعاده وابتعاد الجوائز عنه . ومعلوم ان هنالك حسابات كثيرة لاعلاقة لها بقيمة المنتوج الادبي تؤخذ بنظر الاعتبار في عملية التقييم من قبل اللجان المشرفة على التقييم في معظم الجوائز.وقد تكون حسابات سياسية في غالب الاحيان ، يمكن هنا ان نورد  بعضاً من الاسماء الكبيرة التي لم تحظى بجائزة  منهم : الشاعرالعراقي ابن مدينة الموصل رعد فاضل فهذا الصوت الشعري بتقديري وتقديرالعديد من الاسماءالنقدية الكبيرة من اهم الشعراء العراقيين الذين جاءوا مع مطلع سبيعينيات القرن الماضي ومازال مستمرا في الكتابة الشعرية ،ايضا شاكر سيفو وكرم الاعرجي وزهير البردى ومحمد صابر عبيد . اضافة الى ذلك ان الحصول على جائزة لابد أن  يضعك في واجهة المشهد لتكون تحت مرصد الاخرين نقادا وادباءً ينتظرون منك ان تقدم شيئا جديدا دائما تؤكد فيه استحقاقك للجائزة .ايضا يضعك في مواجهة شديدة مع نفسك حتى تتفوق على قدراتك بالطريقة التي لاتكررفيها تجاربك السابقة رغم تفوقها . فالجائزة اذن رغم طعم التفوق والنجاح الذي تمنحك اياه لكنها ترمي بثقل المسؤولية عليك  .
*ابداعك ينتشر في مجالات عدة فما بين الصحافة وحواراتك مع الادباء وتحليلاتك التي ترتدي في احيان كثيرة تناول الشان العام وفي الجانب الاخر يبرز مروان الشاعر والناقد المسرحي فهل هنالك مجال للتواصل ما بين تلك المحطات ؟
انا هكذا ولاأستطيع الاّ ان اكون بهذا الشكل ، ولانني اعيش في قلب المهزلة لذا لم يكن  بأمكاني ان اتفادها ، ولابد من اليقظة والحذر في  مثل هذه المواجهة ، والتعبير عنها باشكال تعبيرية متنوعة وفقا لما يفرضه عليك منطق الصراع الغير متكافىء وماتفرضه عليك طبيعة المعركة  وماتريد ان  تقوله ، ومحدوية وخطورة عقل  الطرف الاخر المتطرف الذي تخاطبه . كل هذا اضعه في اعتباراتي وانأ اتحمل مسؤوليتي كمثقف . . فأنا عندما اوجه خطابي الى طبقة السياسين اولئك الذين يملكون زمام الامور، وبيدهم يمسكون عصا السلطة التي  تحرك الاوضاع وتوجهها وفقا لما تشتهي مصالحهم الضيقة ، الجأ الى المقالة والتحليل السياسي الذي اجده يتناسب تماماً مع سطحية وضحالة المستوى الثقافي الذي يحيط بعقول هولاء الساسة عموما ، ولوتوفرت الفرصة لك وسألتهم  مثلا عن جاك دريدا  أوعلي بدر أو او سعدي يوسف أوغائب طعمة فرمان او سان جون بيرس أو عدنان الصائغ لما عرفوا الاجابة . لذلك من الخطأ وانت في مواجهة مع الاغبياء ان تلجأ الى لغة لايستوعبونها مثل اللغة التي تتواجد  في الشعر او الرواية او القصة عندها ستبدو انت امامهم احمقا ومجنونا مهما كان خطابك راقيا وساميا ومتفردا وحداثويا . لذا عليك ان تخاطبهم بلغتهم وأدواتهم وانت تسعى لايصال ماتريد قوله لهم في الوقت المناسب والمكان المناسب واللغة المناسبة .
*انطلقت من مدينة الموصل والان بحكم عملك فانت قريب من مشهد ثقافي اخر مكتنز بالكثير من الاسماء فما هو الرابط بين عالمي  محطة الخطوة الاولى  ومحطة العمل والترقب ؟
انا  هنا في هذا المكان والزمان البعيد عن الخطوة الاولى اشعر بخليط متناقض من المشاعر لكنني في العموم اشعر بالسعادة والامتنان لانني هنا . فلقد وفر لي الابتعاد عن مدينتي رؤيتها بشكل واضح بكل تفاصليها ، بجمالها الباذخ وعيوبها القاتلة ولولا هذه الفرصة لما استطعت ان اتحرر من عبئها واخطائها ومن ثم لاكتشافها من جديد وكأنني لم اعرفها ولم أعش ابدا فيها  ، كان الرحيل عنها ضروريا بعد ان امسكت بها مخالب الخوف والتخوين والترهيب ولم يعد بأمكانك ان تتمتع بلحظة من الحرية في التفكير والقول سواء كنت تنظر الى الماضي او تفكر في المستقبل ، في هكذا حال من الطبيعي أن تموت كلمة الحرية على شفاهنا قبل ان نتلفظ بها فما معنى ان تبقى سجينا ومعتقلا بمحظ اختيارك طالما  ان الفرصة متاحة امامك للخروج من المعتقل ؟
مامعنى ان تبقى صامتا ولاتقوى على الاشارة باصبعك على موطن الجرح ؟
مامعنى ان يحيط بك الكذب والكذابون اينما كنت رغم صور الهزيمة والخراب التي تحيط بك ولاتقوى على ان تقول شيئا من  الحقيقة ؟ إنَّ أنا الشاعر والفنان هاجسها التمرد ورفض الواقع بشكل دائم لان ذاته تحلم دائما بالغد وهي متواشجة بما فيها من قلق وافكار وتساؤلات مع عالم اخر متخيل .
*اسماء كثيرة كنت على تماس مباشر معها في خطوة الالف ميل ،وبعد هذه المحطات لمن توجه يد العرفان ..؟
انا مدين لاسماء كثيرة كان لها فضل التأثير على ذاتي الانسانية او شخصيتي الفنية سواء بشكل مباشر او غير مباشر . فهنالك اسماء لم التقي بها وكانت سببا ودافعا في بناء شخصيتي مثل العديد من الادباء والشعراء والفلاسفة الذين قرأت لهم، وهناك اسماء كانت قريبة جدا مني ورافقتني في محطات مهمة من حياتي ، مثلاً جدتي لأمي التي تعلمت منها معنى الكفاح والاعتماد على النفس وخالي الذي عدم عام 93 بسبب نشاطه السياسي المعارض والذي كان قد ايقظ في داخلي معنى الدفاع عن المبادىء حتى لو كان الموت هو الثمن . والمخرج شفاء العمري الذي من خلاله  ادركت معنى ان يكون الفنان مفكرا وحيويا في تفكيره وهو يقرأ العالم من خلال العمل الفني الذي يقدمه  .
*تتخذ القصيدة لديك طابعا مباشرا حينما تلتقي فيها ببؤساء وسياسيين فهل توجه دفة القصيدة الى القاريءدون منعطفات ؟
على المستوى الفني وضعتنا تراجيدية الحياة العراقية امام خيارات صعبة وقاسية فرضت علينا ان نقذف بانفسنا في بركة السياسة الاسنة رغماً عنّا لنسبح فيها دون ارادتنا بعد ان وجدنا مياهها القذرة تحيطنا بناوتحاول اغراقنا فلم يكن امامنا من  سبيل سوى أن نواجهها . لذا بعض القصائد التي اكتبها تجدها   تنعطف الى تناول ماهو يومي  ، وهذا يأتي عندما اكون مصاباً احياناً بحالة قاتمة من اليأس والاحباط نتيجة ماأرى من صور استهتار بحياة وكرامة الفرد رغم الحرمان الذي عاشه لعقود طويلة .ونتيجة لهذه الاوضاع  ترتسم في مخيلتي صور مخيفة عن الغد الذي سيمر على الاجيال اللاحقة والتي ستدفع هي الاخرى ثمناً باهظا من اعمارها واحلامها مثلما نحن دفعنا ،عندها لاأستطيع أن امنع نفسي من كتابة نص  تتسلل اليه تفاصيل كثيفة من الحياة اليومية لكنها لن تبقى في اطار صورتها المباشرة الفوتوغرافية التي اتلقاها في الوهلة الاولى انما اعيد انتاجها في مشغلي الشعري ولتأخذ بها مخيلتي الشعرية الى حدودها المطلقة والكونية ، لانني بكتابتي لها اوسس لعلاقة جدلية مابين الانا والذات ، الخاص والعام وبقدر ماأقترب من هذا اليومي فاأنا بنفس الوقت اسعى لافلات منه الى ماهو قرب الى التجريد الى ماهو متخيل رغم انني اريد ان اخاطب بهذه النصوص تحديدا عموم الناس وليس النخبة التي تربطني معها لغة اخرى وخطاب اخر .

نشر في صحيفة الزمان الخميس 25/ 12/ 2011 السنة الرابعة عشرة العدد 4076                               


 *
ـلمجلة عيون حاورته : نغم طلال الحيالي .


  *إذا  أردنا ان نقدم مروان ياسين الدليمي الى القارىء فماذا نقول عنه  : هل هوأديب أم مخرج ؟
- انا اتنقل  دونما حيرة وقلق فيما بين  الفضائين الادبي والفني ، واتحرك في مساحات واسعة حتى  استطيع من خلالها ان اعكس تجربتي الذاتية في قضية ما ، قد تأخذ شكلاً ابداعياً ادبياً او عملاً فنياً . ، ليست لدي اية مشكلة في هذا الصدد،  فأنا انتمي الى عالم الكتابة وعالم التجربة الفنية ، والاثنان يلتقيان في جوانب جوهرية مشتركة غير متقاطعة،  فالخيال، والتجربة الحياتية المعاشة،  يشكلان عنصران مهمان فيما بينهما . لكن لكل واحد منهما ادواته الفنية التي يشتغل بها ومن خلالها لايصال الفكرة والرؤية الفنية لاية موضوعة يتم الاشتغال عليها . والكتابة عموماً أمست بالنسبة لي عملاً يومياً امارسه بشكل دائم ،وصار بمثابة طقس يومي لاأستطيع الاستغناء عنه خلال الاعوام الاخيرة ، فأمّا ان اكتب مقالة في النقد الفني او السياسي او اكتب نصاً شعرياً . بينما الانشغال في العمل الفني يعد جزءً منه عملاً كتابياً والجزء الاخر فنياً صرفاً وذلك عندما تنتهي مرحلة الكتابة وتبدأ مرحلة التنفيذ .  
* هل امتهنت الكتابة  قبل ان تعمل في الاخراج ؟
-بكل اسف اقول انا استهلكت من عمري الكثير من السنين دون جدوى ودون فائدة عندما كنت منشغلاً  بالعمل كممثل في الميدان المسرحي ، والمسرح شكل مساحة كبيرة من هذ العشق لكن عندما انظر الان الى تلك الاعوام اجدها قد ضاعت مني فعلاً دون ان تترك في داخلي اثراً عميقاً ومهماً مثلما كنت اتوقع او كما ينبغي ان تكون عليه النتيجة فيما لو كنت في بلد اخر ومارست ذاك النشاط وذاك الحب للفن المسرحي . للاسف الشديد انا عندما اقيم تجربتي الفنية في الموصل منذ مطلع السبعينات في القرن الماضي اجد ان المدينة لم يكن فيها تجربة مسرحية مهمة تستحق الوقوف عندها وتأمل حيثياتها ودلالاتها بأستثناء تجربة شفاء العمري . اما ماعدا ذلك فلايوجد تجربة مسرحية تستحق التأمل والدراسة وهذا يعود الى غياب المشروع الفني لدى معظم العاملين في المدينة بدلالته النظرية اولاً وملموساته العملية مع احترامي لشخوص كل العاملين الاخرين فيها . فأنا لم  اجد سوى شفاء العمري من بين جميع الاسماء التي عملت في المسرح داخل مدينة الموصل حتى مطلع تسعينات القرن الماضي كان يحمل هماً نظرياً يستوعب فيه ومن خلاله  تجارب العالم المسرحية قديمها وحديثها ويحاول من خلال هذا الهم ان يؤسس له مشروعاً فنياً فيه ملامحه الذاتية التي تستجيب لتحولات العالم ولكل التجارب الفنية التي تنتج خارج العراق . لذلك وصلت في مطلع تسعينيات القرن الماضي الى قناعة تامة بضرورة التوقف عن ممارسة التمثيل المسرحي التركيزعلى الكتابة . .لكن الصورة اختلفت مابعد مطلع تسعينيات القرن الماضي . عندما بدأت مجموعة من الاسماء الشابة تظهر على المشهد المسرحي في المدينة . وكانت تمتلك الفهم الاكاديمي السليم للتجربة المسرحية على سبيل المثال بشار عبد الغني ، عصام سميح ، عادل محمود ، بيات محمد مرعي ، فارس جويجاتي ، عبد القادر الحلبي الذي لم يتواصل مع العمل المسرحي مع انه طاقة كبيرة . واخرين
* تنقلت كثيراً مابين العمل في الاذاعة والتلفزيون كيف تقيم طبيعة العمل بين هذه الاختصاصات ؟
-لاشك ان  العمل الفني بشكل عام فيه جانب كبير من المتعة التي تأتي من كونه عملاً يعتمد  على التخييل والابتكاربشكل كبير  في محاولة لايجاد صورة اخرى للتجربة المعاشة وللفكرة الواقعية التي ننوي ايصالها . وجمال العمل الفني بتواجد هذه الطاقة الكبيرة التي يمنحك اياها الخيال لكي ترسم الصور التي تبني معمار العمل الفني الذي يحتاج الى صبر وتأمل والى عمليات شطب وبناء وهدم مستمرة الى ان يأخذ في اخر الامر شكله النهائي . وهنا تكمن المتعة في العمل الفني في عملية الهدم والبناء المستمرة اثناء عملية الخلق والبناء . وهذا ماتجده في التلفزيون والاذاعة والسينما والمسرح لكن الصعوبات في العمل السينمائي هي الاكبر والاكثر اجهاداً لانها تحتاج الى فترة طويلة من التحضير والاستعداد لكل العوامل الانتاجية قبل البدء بالتنفيذ .
* في مسيرتك الفنية هناك  افلام وثائقية . كيف تقيم العمل في الفلم الوثائقي؟
-العمل في الفلم الوثائق قديكون اصعب من العمل في الفلم الروائي . لانك عندما تعمل في الفلم  الوثائقي عادة مايكون ليس لديك اي سيناريو تعمل بموجبه وتتوجد فيه كل التفاصيل الدقيقة المتعلقة بالموضوع  كما هو الحال في الفلم الروائي . بينما في الفلم الوثائقي انت لاتملك سيناريو جاهزاً بين يديك عندما تبدأ العمل والتنفيذ ، فقط انت تملك فكرة ما عن موضوع ما وتحاول جاهداً البحث عن تفاصيل متناثرة لكي تشكل الموضوع ، وكأنك هنا  تبحث عن ابرة في كومة من القش . لذا فأن الوصول الى الفرضيات التي كنت قد وضعتها قبل البدء بالعمل يحتاج الى جهد مضني من التفكير والصبر وقد يطول انتاج الفلم الوثائقي الى فترات طويلة . فأنت لاتستطيع ان تحدد تاريخاً محدداً للانتهاء من الفلم .
* هل يمكن ان تقيم تجربة الافلام الوثائقية العراقية ؟
-في الاعوام الاخيرة بدأ الاهتمام بالافلام الوثائقية اما قبل ذلك فلم تكن هذه الافلام تشكل اهمية سواء للمعنيين بالانتاج الفني او الجمهور . وكان الامر كله يُختصر بالفلم الروائي بينما كانت هنالك نظرة دونية الى الفلم الوثائقي . لذا لم تكن ترصد له اي ميزانية او اي اهتمام من قبل الجهات الفنية المعنية سواء كانت شركات انتاج قطاع خاص او جهات حكومية . اضافة الى ان عملية تسويقه قبل بدء البث الفضائي كانت ميتة تماماً ولم يكن هنالك من سوق لهذه الافلام ولاأحد يفكر بشرائها . بينما الان ونتيجة لهذا الكم الهائل من القنوات الفضائية اصبح الطلب على الافلام الوثائقية كبيراً . وبدأت شركات انتاج القطاع الخاص تحرص على انتاج الافلام الوثائقية وذلك لوجود طلب كبير عليها من القنوات الفضائية . هذا اضافة الى المهرجانات الاقليمية الكثيرة التي شهدتها المنطقة العربية  لهذا النوع من الافلام . من هنا يأتي ظهور الاهتمام بالفلم الوثائقي لدى الشباب في العراق بعد العام 2003 . ورغم ذلك مازال الانتاج من حيث النوع ليس بتلك الاهمية الكبيرة التي تستحق ان نندهش بها الاً عدد محدود من الافلام . والسبب يعود برأي الى ان الفلم الوثائقي في جانب منه يحتاج الى الجرأة في الرؤية والطرح واذا اخذنا بنظر الاعتبار المخاوف الكثيرة التي تعترض حرية الرأي في العراق لتوصلنا الى معرفة الاسباب التي تمنع من ظهور فلم وثائقي مهم وكبير . لكن لاأستطيع ان احجب الاعجاب بعدد من الافلام الوثائقية  التي سبق أن  شاهدتها مثال على ذلك تجارب مهمة  لهادي ماهود . تناول فيها من خلال عدسته الجريئة  الاوضاع في مدينة السماوة في الفترة  التي اعقبت دخول الامريكان الى العراق ، وفلم اخر تناول معاناة وتجربة الغجر الذين كانوا يسكنون في جنوب العراق وماحصل لهم  بعد التغيير الذي شهده العراق عام 2003  .
* هل من جديد لديك في مجال الكتابة ؟
-انا الان مازلت اكتب سيرتي الذاتية بشكل روائي احاول من خلالها اكتشاف ازمنة عشتها بكل ابعادها وظلالها السياسية والاجتماعية  واكتشفت وانا اكتب هذه السيرة ، انني عشت تجارب قاسية وغنية على المستوى الشخصي وهي تعكس في وجهها الموضوعي الاخر ماكان قد عاشه العراق من تجارب مريرة خلقت مانحن نعيشه الان من ازمات واختناقات واحقاد وكره . فالعقود التي مرت علينا كانت حافلة بالاخطاء الجسيمة التي يدفع المجتمع ثمنها الان باهظاً من حريته وامنه واستقلاله . ولولا تلك الاخطاء لما كنا كما نحن الان . وأنا اراهن على ماأكتبه الان من قراءات للماضي لانني اجدها ضرورة لاكتشاف الذات بكل ابعادها وللوصول الى النقاط المظلمة والمضيئة في مسيرتنا الانسانية .
* في المستقبل اين سنراك في اي حقل ابداعي ؟
-اينما يقودني شكل واداة التعبير عن الفكرة والرؤية التي انوي طرحها لايصال موضوعة ما تشغلني في حينها . لذا انا لاأستطيع الاّ ان اكون  حراً في التنقل فيما بين الادب والفن والصحافة، من اجل ان اكون حاضراً وفاعلاً في الازمنة التي اكون فيها . القضية هنا لايمكن اختصارها في شكل واداة التعبير انما في الانتماء الى الذات التي تتشكل عبر هذه المخاضات والاعاصير الحياتية التي تعصف وتحيط بنا ، انا اؤكد بعملي المتعدد والمتنوع بين حقول مختلفة شرعية واهلية وجودي الانساني في الحياة وعلى البقعة التي اتواجد فيها لحظتها سواء بالصدفة او بالاختيار .
* كلمة اخيرة تود ان تقولها لعيون ؟
-اتمنى ان تكون الصحوة العربية التي نشهدها في العديد من البلدان العربية صحوة حقيقية . وان يكون هذا التوق العارم لدى الشعوب العربية  الى العيش في ظل ألحرية التي تم تغييبها لعقود وازمنة طويلة عن المواطن العربي مشروطاً بوعي حقيقي بأهمية حرية الاخر مهما كان دينه او لونه او جنسه . فالحرية مفهوم مطلق وواسع لايمكن تجزئته وتأطيره  وفقاً لغايات ومصالح فئوية . .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




                                                                     
 حاوره : شاكر مجيد سيفو
الفنان مروان ياسين الدليمي :
الفن ماهو الاّ نزوع انساني من اجل تمثل التجربة الحياتية وأعادة قراءتها وتأملها واأكتشافها من جديد .

تتعدد اشتغالات الفنان مروان ياسين وتتنوع ثيمات الاجناس الفنية والادبية التي يعمل على انتاجها وارسالها في ومن مشغله الفني . . فمروان ياسين نراه في المسرح ممثلاً ومخرجاً . . وفي حقل الشعر ينتج الامثولة الشعرية وفي السينما ذلك الحالم الاثير بسينما راقية بكل معنى الكلمة وفي مجال الاعلام يجتهد ليرى العالم كله من خلال كامرته الاخراجية والانتاجية وهل نتحدث اكثر عن مروان . . سأكتفي الى هنا لاترك للقراء متابعة سيرته الثقافية والفنية . من هذه المحاور كان لنا هذا الحوار مع مروان ياسين الفنان والشاعر . .

*لنبدأ من العلامة الاولى في مشغلك الفني ، سنوات التكوين هي المشاعل
لتي تضيىء المستقبل ، كيف تحدثنا عن بداياتك ومن اين ؟

- الصدفة الجميلة هي التي جمعتني بالمخرج شفاء العمري عام 73 وأنا لم أزل في الصف الاول المتوسط ، عندما بدأبتشكيل فرقة مسرحية في اتحاد شباب العر اق  بعد ان وجد نفسه  محاصراً من قبل جهات وفرق فنية في المدينة . وبما أن العمري رجل يتسم بالعناد التام اي بمعنى الاصرار على تحقيق مايصبو اليه مها وضعت امامه المعرقلات . فما كان منه الاّ ان يتجه الى تشكيل فرقة من الهواة لكي يستمر فيما مشروعه المسرحي التجديدي  الذي كان قد بدأه في مدينة تتسم بالمحافظة والتزمت وتشيع فيها ثقافة مسرحية رثة وهشة انذاك حتى من قبل اولئك  الذين كانوا قد تخرجوا من معهد الفنون الجميلة . وهنا تكمن  الطامة الكبرى فأنت لاتستطيع ان تكون قاسياً في نقدك لمن لم تتوفر لديهم  فرصة الدراسة الاكاديمية ، لكن عندما تجد ان من درس وتعلم اكاديمياً في معهد الفنون الجميلة فارغ الرأس تماماً من اي مشروع فني ولايتحرك في  داخله اي قضية فنية يمكن من خلالها ان نرسم صورة  جمالية مثيرة قد يكون فيها خروج عما هو سائد ومستهللك من مفاهيم وعروض،  عندها  لن تتردد في الاندفاع بكل ماتملك من عشق  الى الوقوف مع  تجربة العمري الذي كان في حينها متسلحاً بوعي نظري واضح المعالم مستجيباً فيه لكل التحديثات التي مرت في تاريخ المسرح العالمي . اضافة الى قراءته السليمة للمشهد المسرحي العراقي انذاك وتفاعله معها . ولم يكن متخلفاً عنها بل كان  في خضم جدليتها مع اهمية الاسماء التي كانت تعمل في العاصمة بغداد  انذاك مثل ابراهيم جلال وسامي عبد الحميد وقاسم محمد وحميد محمد جواد . هذه الاسماء كانت ترسم صورة جديدة للمسرح العراقي في مطلع العقد السابع من القرن العشرين تجري فيها اهم التيارات والاساليب الفنية العالمية من المسرح الملحمي عند ابراهيم جلال الى الفضاءات التجريبية عند قاسم محمد الى التحولات الاسلوبية لدى سامي عبد الحميد في كل عمل يخرجه . لم يكن شفاء في تلك الاعوام الاّ واحداً من تلك الاسماء التي كانت تشكل تلك الصورة ،لكن من داخل مدينة الموصل وليس في بغداد . ولو كان قد اختار شفاء البقاء في بغداد والعمل هناك لكان واحداً من اهم الاسماء  في تاريخ المسرح العراقي  . لكنه وللاسف الشديد كان ولم يزل موصلياً حد العظم وليس لديه الاستعداد للخروج من اسر شرنقة الموصل التي اخذت منه ولم تعطه شيئاً ، كما ان بقاءه فيها قد حرمه من فرصة المشاركة في المهرجانات الدولية المسرحية التي كان المسرحيون في بغداد قد احتكروها لانفسهم . وحرموا منها بقية المسرحين الاذكياء الذين كانوا ضائعين في محافظاتهم كما هو الحال مع شفاء . ولذلك نجد ان  تاريخ المسرح العراقي المدوّن في الارشيف والكتب والمطبوعات تم تزويره واختصاره على  الحركة المسرحية في العاصمة بغداد وهذا الخطأ الجسيم تتحمله الدولة  اولاً انذاك لانها كانت لاتمتلك مشروعاً ثقافياً حقيقياً يهدف الى بناء اسس صحيحة لنهضة ثقافية في عموم البلاد بل  كانت كل الانشطة ارتجالية تخضع في قيامها الى الاجندة السياسية  لمن كان يدير دفة البلاد . في وسط هذه الاجواء التي كان شفاء يعمل فيها بوعي حاد انتميت الى فرقة شفاء العمري الشابة التي تأسست  عام 73 . وكنا نتلقى منه محاضرات يومية  اكاديمية في كل شؤون الفن المسرحي .وكأننا في معهد اكاديمي . وهذا ماأكتشفته بعد عشرة اعوام عندما تم قبولي في اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد عام 79 . حينها تفاجأت ان الاكاديمية لن  تضيف لي شيئاً عما تعلمته قبل عشرة اعوام عند شفاء العمري . مع العلم ان شفاء رجل لم يتخرج من اي معهد او كلية فنية .
* اين ترى اخصب المراحل التي مر بها المسرح العراقي . ؟
- انا اختلف مع الكثيرين من الذين يبكون على  المسرح في فترة سبعينيات القرن الماضي . ولكن اجد ان ماتم تأسيسه من وعي جمالي بالعرض المسرحي في تلك الفترة من قبل الاسماء التي ذكرتها اضافة الى المتغيرات الدراماتيكية التي شهدها الواقع العراقي خلال ذاك العقد من انهيار الاحلام الوردية على اثر  تحطيم مشروع الجبهة الوطنية التي انخدع بها الكثير من المثقفين اضافة  الى المجتمع العراقي . كان له دور كبير في وضع المقدمات الاولى والاساسية لتغير المفاهيم والقناعات الفنية لدى المسرحيين والذين هرب الشطر الاكبر منهم خارج العراق  ومن بقي آثر الصمت والمراقبة من بعيد او ابتلعته الحرب العراقية الايرانية . . لذا كانت فترة الثمانينيات فترة مخاض حقيقي وصعب على المجتمع العراقي والنخبة المثقفة منه كان المشروع الثقافي العراقي مهدداً بالموت بسبب الحرب التي سحقت سرفاتها كل شيىء امامها من اجل ان يصبح عموم الشعب مجنداً تماماً بكل طاقاته واحلامه وامنياته لخدمة عجلة الحرب التي داست على كل شيىء .ولم تصل بالمجتمع الى اي شيىء مما كانت قد وعدته به بل على العكس من هذا عدنا بعد ان وقفت الحرب الى نقطة قبل الصفر . سنوات الحرب تلك اسقطت  تلك المقدمات الجمالية لصور المسرح العراقي . لكن بالمقابل كانت تلك الاعوام تحمل في داخلها جيلاً جديداً بدأت ارهاصات حركته تظهر بين فترة واخرى في هذا العرض وذاك  وكانت تعني ان جيلاً غاضباً جداً وذكياً جداً يملك مشروعاً مسرحياً معبأً باحتجاجاته ورفضه  للحرب ولكن استطاع ان يمررها  بأطر تشفيرية  . كما في عدد من الاعمال لعصام محمد وحيدر منعثر وعبد الامير شمخي وعبد الحميد الصائح وعوني كرومي وهاني هاني ،  وكانت تلك الاعمال المعدودة تعرض على النقيض في خطابها  من  اعمال كثيرة اخرى كانت تنتجها الدولة في الفرق التابعة لها . ثم لتأتي فترة اخرى تعقبها في العقد التاسع من القرن العشرين بعد أن غزا العراق الكويت ومن ثم خروجه مهزوماً منها امام الولايات المتحدة ، كان ذلك الخروج ماهو الاّ سقوط مريع لكل الشعارات والايدولوجيات الوطنية والقومية التي خدعت بها الجماهير كما كانت تسمى في ادبيات الاحزاب القومية . ومع ذاك السقوط بدأت مرحلة جديدة وخطيرة من تاريخ المسرح العراقي . ولاشك في نظري من انها اهم فترة في تاريخ المسرح العراقي بكل المقاييس الجمالية والفكرية .فبدأنا نشهد  حركية مسرحية تحتدم فيها تيارات واساليب فنية جريئة جداً في توجهاتها التجريبية التي يقف ورائها عرابها الاول صلاح القصب  مقابل صورة اخرى لمسرح  اخر غايته الاضحاك والتهريج فقط تحت اسم المسرح التجاري سواء في الفرق الاهلية او الفرق الرسمية التي دخلت هي الاخرى على هذا الخط الذي كانت تسنده وتدعمه ثقافة السلطة المنكسرة بعد هزيمتها في الكويت فكانت تسعى من وراء دعمها لهذا المسرح  امتصاص النقمة والشعور بالهزيمة من داخل المواطن وتفريغ المجتمع من احتمالات الثورة والاحتجاج مرة اخرى بعد ان استطاعت  وبتواطىء مع الاميركان ان تقمع انتفاضته عندما انسحب الجيش العراق فاراً من الكويت , لكن المسرح الاخر الذي كان يعرض في منتدى المسرح في شارع الرشيد كان يعني صورة اخرى وزمناً اخر يتشكل على خشبة المسرح العراقي يحمل في داخله وعياً بالتجربة المسرحية فيه الكثير من سمات القطيعة عما ورثه من الاجيال السابقة وعما يقدم من عروض مسرحية ابطالها لم يكونوا سوى راقصات في الملاهي احتضنهم هذا المسرح الرخيص بعد أن تم غلق الملاهي الليلية تحت شعارات زائفة اعلنتها السلطة بعنوان  الحملة الايمانية . المهم ان ماتم انتاجه من عروض مسرحية في بغداد تحديداً في تلك الاعوام  وخصوصاً في منتدى المسرح اضافة الى عدد من العروض في كلية ومعهد الفنون الجميلة .يعد في تصوري اهم مرحلة خصبة وناضجة بكل المقاييس في تاريخ المسرح العراقي بدأت فيه العناصر المسرحية الشابة بتفجير البنى المتكلسه في العرض المسرحي وامست منظومة العرض السمعية والبصرية تأخذ اهميتها السينوكرافية وصار الشغل  الجمالي على تحطيم الايقونية في الدلالات واضحاً جداً وبهذا اعاد  المخرج العراقي  تقييم دوره كثيرا في بناء منظومة العرض المسرحي .
*يقيناً هناك علاقة جدلية بين الحياة والفن ، كيف هي قراءتك لتمظهرات هذه العلاقة ومدياتها ؟
- هنالك علاقة وثيقة مابين الحياة والفن ولايمكن ان يتم فصلها تعسفياً ، وأنا اجد ان لاحياة انسانية دون تعبير فني . والفن ماهو الاّ نزوع انساني من اجل تمثل التجربة الحياتية واعادة قراءتها وتأملها ولاكتشافها من جديد . اي اننا نعيد اكتشاف حياتنا وذواتنا من جديد عبر الفن وقد يكون الفن هو الاجمل والاكثر قدرة على تحقيق هذا الهدف الانساني . الفن فيه من الحرية ونشوة اللعب مساحة واسعة تتحرك فيها وانت تعيد اكتشاف التجربة . وهذه التجربة المستعادة في الفن ماهي الاّ حصيلة جدل بين لحظة انية بكل عناصرها الجديدة ولحظة ماضية في حضورها المستعاد. دائماً كان الفن مرافقاً لمسيرة الانسان منذ المراحل البدائية الاولى . فالتجربة  الفنية كانت حاضرة  مع الانسان على طول مسيرته الشاقة في الحياة والاهم ان يكون التناول جدلياً لدى الفنان وهو يخوض تجربته الفنية اما إذا  خلت التجربة من ذلك فأن العلاقة مابين الفن والحياة تصبح ميكانيكية ولن يكون لها اي تأثير وانعكاس مابين الاثنين .
*المشغل المسرحي الحداثوي يتحرك في مسارات حريّة اللغة والرمز والتشكيل ، هل يعني هذا تخصيب للعمل المسرحي ؟ وماقيمة هذه الانساق الجمالية والمعرفية فيه ؟
- حتى بدايات القرن العشرين كانت التيارات الفلسفية التي تنظر للادب والفن بما في ذلك المسرح تتمحور في الكلاسيكية التي تتسم بنظرتها المحافظة ومحاكاتها الموضوعية للواقع والرومانسسية التي تنظر للفن باعتباره نشاط فردياً  من خلاله يعكس الفنان رؤيته الخاصة . لكن حصل تغير كبير بعد ذلك . هذ ا التغير اعاد قراءة العمل والتجربة الفنية لنصل بالنتيجة الى رفض العمل الفني باعتباره انعكاس سلبي لشيىء خارجي . بل اصبح العمل الفني عالماً بذاته له قوانينه الخاصة وبات  نشاطاً انسانياً يعكس ويؤثر في المجتمع . وكرست نظريات النقد الحديث في طروحاتها مفاهيماً عدّت العمل الفني عالم عضوي مستقل بذاته ويمنح المتلقي تجربة لها مدلولها الموضوعي والجمالي . لقد كان لجهود الشكلانيون الروس وماتبعهم دور كبير في التركيز على الشكل والاقرار بانفصاله التام  عن المضمون وأصرّوا  على انه كلما تشابه العمل الفني والتجربة  الفنية مع الانماط السائدة في المجتمع  كلما ابتعد عن كونه فناً  واصبح جزءاً واستمراراً للعادات والتقاليد السائدة في المجتمع وماعاد يكتسب صفة الفن ،  وعلى العكس من ذلك كلما اختلف  عن الانماط والتعبيرات والعلامات السائدة  كان فناً . هنا في هذه المفاهيم الفلسفية التي كان الشكلانيون الروس قد اشتغلوا عليها  اعيدت  الطاقة الابتكارية والتوليدية والاكتشافية للفن عندما كانت  تتجلى في لحظاتها الاولى مع الانسان البدائي في تعبيراته الفنية في الكهوف وفي الرقصات وغيرها من اشكال التعبير  فلم يكن امامه في تلك الفترات ارثاً فنياً ولامجتمعياً يستعير منه علاماته ولغته بل كان يشكل لغته الفنية من وفي تجربته الفنية الذاتية وليعيد طرحها الى العالم الخارجي . اي اننا نعود هنا  الى التجريب والتأكيد على نسبية القيمة والمعنى . لكن ينبغي التوقف هنا قليلاً للاشارة الى اننا  في المسرح  ونحن نتحرك في مساحات التجريب الحرة لانستطيع ان نضع العلامات التي تتواجد في العمل المسرحي ــ كما يقول  البنيويون ـــ في حالة استقلال تام عن اي شيىء خارجها ،  اي نقصي معطيات الواقع الخارجي عن العلامات داخل العمل الفني . وعموماً فأنني اتفق مع سارتر  حين اشار الى محنة الكاتب في القرن العشرين فهو لم يعد  يدري تماماً من يخاطب ، على العكس مما كان عليه وضع الكاتب في القرون السابقة عندما  كانت  تربطه علاقة واضحه مع مجتمعه ضمن اطار من المعتقدات والعقائد المشتركة. . والان بعد كل الفلسفات التي طرحها القرن العشرين وماتلاه من ماركسية  ووجودية  وبنيوية وتفكيكية الخ ،  تم فيها احتضار الرؤية الى الوجود  والتاريخ والعالم والكون  من منظور المطلق  وباتت الرؤية نسبية ومتغيرة . بتنا نطرح على انفسنا سؤالاً ملحاً ماهو الهدف من الفن والادب . ونحن هنا بهذا السؤال نحطم كل الثوابت المطلقة الارسطية  التي شكلت منظومتنا الفنية . وتجاربنا الفنية ونعيد تشكيل وعينا وقيمنا الفنية والمعرفية داخل اطار التجربة الفنية التي  لاتكرر نفسها . واصبح الشغل الشاغل للمبدع هو اللغة اذ لم تعد اللغة مجرد اداة لصياغة العمل الفني بل اصبحت هي العمل الفني . وعندما وصلنا الى الضفاف في رؤيتنا للغة في التجربة الفنية معناه وصلنا الى نقطة الافتراق عن الواقعية . وكا أشار رولان بارت في ان اللغة ليست تعبيراً عن الواقع بل صياغة فعلية لهذا الواقع . وازاء هذا الفهم للغة في بناء التجربة كان لابد ان نشهد  دائماً تجارب فردية دائمة داخل المشغل المسرحي تكتسب تفسيرها من علاماتها نفسها .
* هناك رأي يقول بتراسل كل الاجناس الادبية والفنية . المسرح يقتبس من الشعر والقصة تقتبس من المسرح والتشكيل والرواية تمتص شعرية العالم ماتعليلك ؟
- لو تحدثنا عن المسرح نجد ان كل الفنون والاشكال التعبيرية تدخل الفضاء المسرحي لتتماهى فيه وتختفي ولن تتاح لها فرصة التعبير عن شكلها وحضورها الخاص . فالمسرح يمتلك طاقة تحويلية . من خلالها تتحول الاجناس الفنية التي يتم تنصيصها فيه  الى هويته المسرحية لتفقد عذريتها التجنيسية وتختفي في جنس اخر هو المسرح . ولاشك ان الشعر كان الطور الجنيني الاول الذي تنفس فيه المسرح  قبل الاف السنين لكنه بمرور الزمن افترق عنه وأكتسب خصوصيته التحويلية وهويته وملامحه  ليعيد هو صياغة الاجناس الادبية والفنية وفق منظومته دون ان يبقي على ملامحها وهويتها .
* هل تميل الى السرد في المسرح ام الى التكثيف في بناء الصورة والصوت ؟
- المسرح الحديث في كثير من تجاربه ابتعد كثيراً عن السرد والحوار  وباتت الصورة بكل الدلالات التي تعبأ فيها هي البؤرة التي تنفتح فيها اللحظة الدرامية وتتشظى  في المنظمومة السمعية والبصرية . ماعاد الحوار يشكل الحاضنة الاساسية لمحمولات الخطاب الفني للعرض المسرحي وان يكن موجوداً فهو قد وصل الى مرحلة  بعيدة من البناء التلغرافي . ذلك لان الانشغال والاستغراق في تحقيق المعمارية السينوكرافية اخذت تشغل الحيز الاكبر في بناء اللحظة الدرامية جمالياً على الخشبة وفي الفضاء الدرامي . وتراجع الحوار بمفهومه الارسطي الى  الخلف ليكون مفردة من بين العديد من العلامات التي تحتشد في بناء التجربة المسرحية داخل العرض المسرحي . وهذا الامر ليس جديداً بل يعود الى بدايات القرن العشرين االذي شهد العديد من التجارب الثورية التي اقصت السرد الى الخلف وتقدمت بعناصر الصورة والدلالة الى الامام .
* أجمل من اشتغل مسرح الصورة هو الدكتور صلاح القصب ، كيف تنظر لهذا المسرح ؟
- صلاح القصب علامة فارقة في تاريخ المسرح العراقي ان لم يكن في المسرح العربي . وظهوره على المشهد المسرحي اول مرة في مطلع السبعينات عندما كان طالباً يحضر لاطروحته في الماجستير عندما قدم عرضاً مسرحياً صورياً لكلكامش كان اعلاناً عن مفترق طرق سيدخل به المسرح العراقي .. وهذا ماتم فعلاً بعد ان عاد الى العراق من رومانيا وهو يحمل شهادة الدكتوراة . جاء  وجاء معه زمن اخر لاصلة له بماسبقه . وكان لي شرف ان أكون احد تلامذته في كلية الفنون الجميلة  واكتشفت الكثير من ملامح تجربته وخصوصيتها عن قرب  اثناء الدروس العملية التي كنّا نحضرها معه . وكذلك اثناء حضورنا للتمارين والبروفات التي كان يجريها لاعماله المسرحية مثل مسرحية الخليقة البابلية وهاملت والخال فانيا . . ان صلاح قبل كل شي يختلف عن الجميع في زاوية الرؤية التي ينظر بها الى  دور المخرج في بناء العمل واكتشاف المسار والسياق الي يذهب به اليه . اذ يعتمد صلاح ابتدأً من اول يوم تمرين ،  وحتى اخر يوم من ايام  العرض الى منطق البناء والهدم الدائمين ويتعامل بشعرية  عالية مع موضوعة الحرية التي يتحرك فيها خيال الممثل . ولن تجد اي مخرج اخر في العراق  يمنح الممثل حرية تامة ليتحرك ويفكر ويشكل ويبني ليس دوره فحسب بل مجمل تفاصيل العرض ، ان التمرين عند صلاح  ساحة  مفتوحة للتأمل والتأويل انطلاقاً من تحريك مخيلة الممثل لكي تعمل دون توقف  وليبحر بخياله يومياً في بناء وهدم الصورة الدرامية للفكرة . لاأحد غير صلاح يعيد الاعتبار للممثل ليكون خالق العرض كما كان يفعل ثسبس  اول ممثل اغريقي  قبل كذا الف  سنة قبل الميلاد عندما كان لوحده يتولى تقديم عروضه المسرحيةوهو يتنقل  على عربة يدور بها بين المدن الاغريقية  قبل ان يتوصل الاغريق الى تقديم ممثل ثانِ  . لقد اعاد صلاح قراءة التجربة الفنية  في بناء العرض المسرحي  فلسفياً  بكل عناصرها  لتكون الصورة هي  البؤرة التي ينطوي عليها  تشكيل الفعل الدرامي ومنها تتشظى الرسالة الفنية . انا اجد أن كل الذين يعملون في مشغل التجريب المسرحي في العراق منذ مطلع الثمانينيات وحتى الان ليسوا إلاّ صدى لصلاح القصب .حتى الذين لم يعملوا معه يحاولون ان يقتفوا اثار تجربته . صلاح اصبح ايقونة التجريب  في المسرح العربي . لايمكن تجاوز تجربته دون التوقف عندها طويلاً لاستجلاء خصوصيتها وتأثيرها على مجل الاجيال التي جاءت بعده . هو شخص مغامر لايخشى الدخول في المناطق المجهولة في التجربة المسرحية لانه يملك خيال الشعراء الحداثويين ويتعامل مع اللغة على اساس هذا الفهم ليس باعتبارها اداة للتوصيل بل هو يشك دائماً في قدرة اللغة على التوصيل لذا لايعول عليها ابداً وهي تبدو امامه قاهرة للمعنى وللحرية التي دائماً ينشدها . لذا فهو يرى اللغة ماهي الاّ تحريف وتزييف للمخيلة التي تقف امامها المفردة ،  هي بمثابة هوة تسقط  في ظلمتها،  ان مسرح صلاح يستثمر العناصر المرئية والسمعية بديلاً عن اللغة القياسية والحوار لبناء شفرات العرض بعيداً  عن دائرة معارفنا واساليبنا المعيارية  التي نتداولها في فهم وتفسير العالم .
* هل المسرح الاحتفالي حقق ماكان يصبو اليه،  وكيف يتجلى هذا المسرح في تصورات النص الفلسفية والجمالية والمعرفية ؟
- كل الدعوات المسرحية  التي راجت في مطلع عقد الثمانينيات في المنطقة العربية والتي كانت تتمحور حول  استلهام اشكال وفعاليات تراثية كمسرح السامر والبساط والمسرح الاحتفالي كان الهدف منها التأكيد على مايسمى بالهوية والاصالة . وانا في تصوري جاءت تلك الدعوات بعد انهيار منظومة المشاريع الايدولوجية للاحزاب القومية الحاكمة في المنطقة العربية وبداية صعود المد الديني التكفيري المتطرف الذي بدأ يعلن عن نفسه صراحة في تلك الفترة بدعم من ابرز مراكز القوى التي تملك مفاتيح الابواب في عالم السياسة العربية . هنا كان  من الطبيعي ازاء هذا الانهيار وهذا التراجع المريع في العقلية والمنظومة الثقافية السائدة في المجتمع ان تطفو على السطح دعوات بالبحث عن الاصالة بين كتب التراث القديمة والعادات والتقاليد التي كاد المجتمع العربي ان يتجاوزها مع مطلع العقد الخامس من القرن العشرين وحتى نهاية العقد السابع منه . انا لاأجد تلك الدعوات قد توصلت الى شيىء مهم على المستوى الفني . ولم تسطتع ان تؤسس لمسرح عربي يملك شكلاً متفرداً كما هو الحال عند المسرح الياباني الكابوكي او الهندي او حتى الغربي بمعناه الارسطي . . انا افسر تلك الدعوات على انها ليست الاّ احساساً بالهزيمة والعجز كان المثقف العربي يشعر به بشكل حاد وهو يرى هزيمة مجتمعه وانكسار احلامه التي سار وراءها منذ  صعود الانظمة الوطنية وقادة العسكر بعد خروج قوى الاستعمار البريطاني والفرنسي والهولندي والبرتغالي من كل المنطقة العربية . كانت  دعوة  المسرح الاحتفالي وغيره من الدعوات الاخرى التي كانت تدعو الى العودة الى التراث  ماهي الاّ  عودة الى الوراء ليس بهدف المراجعة والنقد واعادة تقييم ماترسخ في العقول من صنمية فكرية .  ولوكانت كذلك لما وصلنا الى ماوصلنا اليه من ظلامية في التفكير والتخوين واقصاء للاخر على اساس الدين والطائفة والقومية داخل المجتمع الواحد والمدينة الواحدة بل داخل الحي الواحد . لكن لانها كانت عودة لتمجيد الماضي والتغني به بكل علاته واكاذيبه وابطاله الخارقين . لذا عدنا بتلك الدعوات الى  انتاج عوامل الهزيمة مرة اخرى داخل مجتمعاتنا . لنصل بالتالي الى فتاوى تحرم الفن المسرحي والموسيقي والنحت كما حصل ويحصل في العراق الان  وفي العديد من البلدان العربية التي اعادت محاكمة اعمالاً ادبية وفنية قديمة ،  واصدرت حكمها عليها بالحرق والمنع بعد ان كانت متداولة بين ايدي القراء طيلة عقود الخمسينات والستينيات والسبعينيات والامثلة على ذلك كثيرة . ولو كانت العودة الى التراث في المسرح الاحتفالي  حقيقية من اجل استعادة الوعي مكانته  في المجتمع ، لصدر عليه  هو الاخر حكم شبيه بالحكم الذي صدر على المفكر نصر حامد ابوزيد !
* هل تعتقد ان التجريب هو اخر حلقات الحداثوية في الفن عموماً ؟
- لاشك ان اللغة ماهي الاّ مستودع للخبرة التاريخية والاجتماعية للجماعة  والمجتمعات وتتطور هذه اللغة باتساع العمل وتطوره . والعمل الفني منظومة لغوية قائمة بذاتها تحتاج الى عمل وتفكير وانتاج مستمر لكي تتطور هذه اللغة ولكي يتمكن الفنان من صياغة العالم بلغة جديدة . هكذا بدأ الانسان في خطواته الاولى يشكل لغته من الاشارات ويطورها الى كلمات ودلالات لها مفاهيم ومدلولات وتشكلت بالتالي ذاكرته الاجتماعية . فالتجريب رافق الانسان منذ ان تحول العمل من اطاره النفعي  ليدخل في الاطار الجمالي . لذا لن يكون التجريب اخر حلقة في اطار الحداثوية قد يتخذ تسميات اخرى لكنه يبقى هاجس الفنان والمبدع الى تطوير ادواته ولغته وهو يعيد النظر في قراءة الاشياء واكتشاف ازمنة جديدة تتحرك بها لغته .
* ما الاليات المطلوبة لتأصيل المسرح العربي العربي ؟
-  لاقيمة للدراسات التي تصر على ان الاولوية لدى المسرحيين هي البحث عن جذور المسرح العربي في التراث والحضارات القديمة . ونحن نعلم ان هنالك العشرات من الدراسات والاطاريح الاكاديمية التي ذهبت في هذا الميدان ولم تستطع ان تقدم شيئاً مهماً يزحزح المفاهيم والاسس الفنية والجمالية التي وصلتنا من الاغريق . ليس عيباً ان يكون المسرح فناً اجنبياً دخل الى حياتنا الثقافية لان الثقافة الانسانية ملك مشاع لكل البشرية وليس حكراً على مجموعة بشرية . المهم هنا في هذا الموضوع كيف نستثمر هذا الفن الوافد الينا لكشف اخطائنا وعقدنا المستعصية ، هنا تكمن القضية في تأصيل المسرح العربي فكلما  تصدى المسرح للقضايا التي تشغل الفرد والمجتمع  بجرأة عبر اسئلته التي يطرحها كلما اقترب من مفهوم الاصالة . وكلما كان واعياً بنظرته الى التراث والماضي  وناقداً لهما كلما كان مسرحاً اصيلاً . وليس بالضرورة ان يلبس زيا وشكلاً محلياً مستمداً من الماضي البعيد الموغل في القدم حتى يكون اصيلاً . المهم ان يقف مع الانسان ولايقف مع السلطة بكل اشكالها . هنا تكمن اصالته . 

*مجلة شانو العدد 22 السنة الرابعة  2011 

التعليقات كما جاءت في موقع ادب فن الالكتروني    :

بولس ادم في 26/ 4/ 2011
يشترك الفنان مروان ياسين مع الفنان الراحل عوني كرومي مثلا في دفاعهما كل من زاوية تناوله لفن المسرح عن اهمية الفن في حياة الناس هناك وهنا وفي كل ارجاء العالم ، ليس من خلال التذوق والترويج او الأنتاج فقط ، بل بالأيمان بأهمية علم الفن المسرحي في ثقافة البشر ، نسمع في الحوار هنا صدى اخر لأجابة بريخت عن السؤال حول الواقع والفن المسرحي ، فهو وبتصميم كبير يفهم التجربة على انها جرأة التغلب على الواقع فنيا ، مروان ياسين كممثل ، اثبت موهبته ورسخها بمجهود كبير وطموح كبير في حالة حلم فني متواصل على خلفية مشروع الرقي والتطور والبحث والتعلم .. كان خلال مرحلة الأكاديمية مثلا كتلة حماس ورغبة هائلة في الولوج غمار اي تجربة فنية متحضرة ، في تلك الفترة قدم اعمالا مهمة قليلة عددا غير انها مهمة جدا فنيا.. لم يكن مروان متملقا او محابيا او زرزورا او لقلقا ، ولم يكن مطبلا ولا مزمرا ، لم يكن واطئا من اجل نيل دور او فرصة بل ان التنوع والفرص هي التي اتت اليه لأنه كان جديرا لذلك ، للأسف كانت الأكاديمية تحت سطوة الأنتهازيين والخ .. ولم تتح لمروان بعد ذلك الظروف الطبيعية التي من خلالها يتم تقديم المخزون على الخشبة واسباب وظروف ذلك معروفة ومرتبطة بفاجعة العراق المعاصر .. كتب مروان عددا من النصوص المسرحية ، لايمكن قرائتها دون اغفال اللغة الداخلية المتحررة من كل معيار كلاسيكي يحاكي الواقع فقط ، حاول مروان وتمكن من التحليق بالقضية كمعيار للتخمين الفني والطرح الجمالي في مستوى جارح وحارق بل وخارق لكل ملمس وتعبير على وجه اللحظة وتدفقهاوديمومتها .. للأسف مرة اخرى ، لم يكن مروان قد لعب على اللغة وسخرها لتكون حلا وسطا بين تجار العقائد من متسوسي اسنان الفهم ، ولذلك تم تجاهل تلك النصوص ولأسباب قديمة تم انتاجها في معمل عصري .. اي ان الأسباب والعوائق القديمة استمرت بقالب جديد وان كانت بالنهاية الثانية للزاوية المنفرجة ... اثبت الزمن بأن مروان ياسين من المبدعين الذين يؤمنون بنظرية التشابه العائلي في الفن ، اي ان الحدود بين الفنون ليست شديدة السمك والأرتفاع بين افراد تلك العائلة التي تجمع فنون اللغة والتجسيد حرفا او صورة او لوحة .. الحياة مازالت مفتوحة امام مروان ونحن في اتم الثقة من ناحية عطائه وانجازه المقبل .. تحياتي لك ايها العزيز وشكري المفعم بالمودة والتقدير لمحاورك الصديق شاكر ودمتم .


Josée Helou - France في 24/ 4/ 2011

*
تتعدد اشتغالات الفنان مروان ياسين وتتنوع ثيمات الاجناس الفنية والادبية التي يعمل على انتاجها وارسالها في ومن مشغله الفني . . فمروان ياسين نراه في المسرح ممثلاً ومخرجاً . . وفي حقل الشعر ينتج الامثولة الشعرية وفي السينما ذلك الحالم الاثير بسينما راقية بكل معنى الكلمة وفي مجال الاعلام يجتهد ليرى العالم كله من خلال كامرته الاخراجية والانتاجية وهل نتحدث اكثر عن مروان . . سأكتفي الى هنا لاترك للقراء متابعة سيرته الثقافية والفنية . من هذه المحاور كان لنا هذا الحوار مع مروان ياسين الفنان والشاعر.*
*شاكر سيفو.. 

 .. أحبُ جوانب عديدة من شخصيتكَ عزيزي الفنان والشاعر مروان ياسين الدليمي وأولها وأهمّها ولَعُكَ بالشعر والمسرح (بيلبقلك) أشكر أدب فن لأن من خلاله قرأتُ لأول مرة إبداعكَ المسرحي وكلماتكَ الغريبةعن الأوطان وجروحها وجذورها والإصلاحات شبه المستحيلة حالياً حيث الأحداث الدامية دامت زمناً طويلاً (وما زالت)وغير هذا ؟؟؟
أهلاً بكَ وبالأستاذ شاكر مجيد سيفو وبحواركَ العميق الذكي العفوي
شكراً لكل فلسفاتكَ التي طرحتها بجدية وبأهمية عزل وعزلة حرية الرأي والعيش بأمان

دمتَ ...
..........
الشاعرة جوزيه حلو ـ فرنسا
 
مروان ياسين الدليمي في 25/ 4/ 2011
سيدتي جوزيه : متابعتك الدائبة والدائمة لما ننشره على صفحات ادب فن . وملاحظاتك الدقيقة التي تشعرنا بمسؤولية مانكتب . تضعني شخصياً في موقف من الاحترام الكبير لروحك النبيلة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ



الشاعر مروان ياسين الدليمي يتحدث لـ (الزمان) عن المسرح الهزلي علي أرض الواقع 

                                    مسرحيو بغداد أقصوا مبدعي المدن الصغيرة

حوار: بسام الطعان
مروان ياسين الدليمي مخرج ومسرحي وشاعر عراقي، يحمل شهادة البكالوريوس في الإخراج التلفزيوني. يعمل مدرسا لمادة التمثيل العملي وتاريخ المسرح والديكور والإضاءة، حصل علي جائزة أفضل مخرج سينمائي في مهرجان اربيل الأول للأفلام القصيرة عام 2004 عن فلمه (اكسباير) صدرت له الأعمال التالية: ـ رفات القطيعة ـ مجموعة شعرية 1999 / ـ سماء الخوف السابعة ـ مجموعة شعرية2004 / ـ شعر مستعارـ مسرحية 1997 / ـ استدراج النهار حتي نافذتي ـ مسرحية 2001 / ـ قيامة التأويل ـ دراسة نقدية 2004 / التقينا به وأحببنا أن نقدمه للقارئ من خلال هذا الحوار:


ما الذي قادك إلي عالم الشعر . وهل الشعر قادر علي التعبير عن تشابكات الحياة وتعقيداتها اكثر من المسرح؟ 

- أ
ولا علي الاعتراف بأن ارتباطي بتجربة الكتابة الشعرية جاءت متأخرة . أي في مطلع التسعينات من القرن الماضي . رغم أنني كنت أكتب قبل ذلك التاريخ بعشر سنين . إلا أنني كنت منشغلا في العمل المسرحي الذي أخذ مني نصف عمري . ذلك أنني بدأت الظهور علي خشبة المسرح ابتدأ من سنة 1973 . مع المخرج شفاء العمري وهو واحد من أهم المخرجين المجربين في العراق إلا أنه لم يحظ من الاهتمام الإعلامي الذي يستحقه . وانتهت علاقتي بالمسرح عام 1992 بعد انتهاء مهرجان المسرح العربي الأول في بغداد ..بعد أن اكتشفت أن الكثير من جوانب الحركة المسرحية مكرس لابناء العاصمة بغداد وأن لا فرصة لأي مبدع من خارج بغداد لان يكتب اسمه في تاريخ المسرح العراقي وأنا بطبعي أميل إلي التمرد ولا ارتضي لنفسي أن يهمشني الآخرون .. من هنا بدأت أكرس كل جهدي للكتابة الشعرية . في محاولة مني لممارسة حريتي في اللعب واكتشاف هذا الغموض المثير في التجربة الإنسانية .وفي محاولة مني لمقاومة هذا الإرث السلطوي الذي يوشك أن يجهز علينا.من هنا كان الشعر يقظتي الدائمة أمام المذبحة والموت المبيت لي ولطفولتي . طيلة سنوات الحصار الظالم علي العراق لم اكن املك إلا الشعر لمقاومة ذلك الموت اليومي البطيء. الذي خيم علي أيامنا . كنت أقرا كثيرا واكتب قليلا . ولم اندفع للنشر حتي اكتملت لدي مخطوطة شعريه مع بداية عام 1999 فأصدرتها علي نفقتي الخاصة . كانت بعنوان (رفات القطيعة) وكانت مفاجأة للوسط الأدبي في مدينة الموصل . احتفي بها من له شان( بالنصوص المفتوحة ). ومنذ ذلك التاريخ وأنا حريص علي تجاوز ما أكتب في أي نص جديد اكتبه. وكان آخر نص كتبته هو ( المهمل .. سهواً أو عمدا ) والذي نشر في موقع أدب فن الإلكتروني . الشعر كما افهمه تجربة إنسانية لاعادة صياغة العالم المرئي وخلقه جماليا بشكل آخر . من هنا الشعر يمنحنا القدرة علي الدخول إلي ما هو لا مرئي وما هو غامض،الشعر هو كتابة أخري للتاريخ . كتابة تمارسها الذات الإنسانية ضد الواقع . الشعر هو النزوع إلي التحول الجمالي في رؤية الواقع ومشاكسته وتحطيم أيقوناته تحت راية الحرية التي يمضي بظلها الشاعر ويحلق عبرها في أسطورة الحياة.

û ما يجري في العراق من احتلال ودمار هو مسرحيه هزلية . ماذا فعل الاحتلال بالثقافة والمثقفين في العراق . هل المثقف العراقي قادر علي الإبداع في ظل الاحتلال؟ 

-
السيرك السياسي في العراق أصبح مقرفا ومكشوفاً، ولم تعد القوي التي جاءت مع المحتل تستحي أو تخشي من ارتكاب أية جريمة بحق الشعب العراقي . طالما كان المحتل الأمريكي راضيا عنها وغطاء لها . إن الخطوة الأولي للمحتل والذين تعاونوا معه كانت في وضع عشرات المثقفين العراقيين التقدميين والذين كانوا منفيين سنين طويلة في عهد النظام السابق . في قائمة سوداء ومنعتهم من دخول العراق خوفا من أصواتهم .وفي مقدمة هؤلاء سعدي يوسف ومظفر النواب . كيف يمكن لوطن أن يكون حرا عندما يكون شاعر مثل سعدي أو النواب تعتقله الغربة القسرية . وغير مسموح له بدخول الوطن . لقد انتج الاحتلال ثقافة طائفية . وهنالك العديد من الأسماء التي بدأت تمارس دورا تخريبيا في الثقافة العراقية . وإلا ما معني الهجوم علي سعدي يوسف لا لشيء إلا لأنه هاجم المحتل الذي دمر البلاد . وأثني علي مشروعية المقاومة للمحتل . كنا ننتظر اللحظة التي يسقط فيها الفكر الشمولي لنمارس حريتنا في التفكير دونما خوف من الاعتقال . إلا أننا بدأنا نواجه التكفير والتصفية الجسدية من كل أطراف اللعبة، في الفوضي العراقية بلا استثناء دونما حاجة لان يتعبوا أنفسهم في إصدار أوامر الاعتقال. ومع ذلك فأنا أجد أن ما يكتب في العراق من أدب في ظل الاحتلال الأمريكي وبعيدا عن مؤسسات حكومة المنطقة الخضراء. هو اكتشاف جديد ومهم لمعني الكتابة، خصوصا وانك تكتب وسط عالم صاخب وغاضب وعنيف . لا يمكنك أن تكتب دون أن تطالك شظايا المفخخات ورصاص الغدر والاحتلال. في العراق يكتب زمن أخر للشعر وللحرية وللإنسان .

û ما هو تاريخ المسرح العراقي؟ 

-
ابتدأ المسرح العراقي المعاصر قبل أكثر من مائة عام في مدينة الموصل . وكانت كنائس الموصل هي السباقة في إنبات هذه الظاهرة في الحياة العراقية . وذلك من خلال الدور المهم الذي لعبه الآباء الدومينيكان في كنيسة الساعة في تحريك الحياة الثقافية بالكتب والمجلات والترجمات التي ساهموا بها من خلال أولي المطابع التي جلبوها وادخلوها لأول مرة إلي العراق . في نهاية القرن التاسع عشر . ومن ساحات الكنائس ظهر أول كاتب مسرحي عراقي معاصر وهو (حنا حبش ) وظهرت أولي العروض المسرحية العراقية لتنتشر بعد ذلك في عموم العراق . 


الحركة المسرحية في العراق كيف تراها؟ وأين موقع المسرح العراقي علي خارطة المسرح العربي؟ 

-
في ظل ثقافة طائفية يروج لها في العراق. لا يمكن قيام حركه مسرحيه . المسرح يزدهر في الزمن الذي تحترم فيه الحرية الإنسانية و التفكير والاعتقاد . دونما خوف .. الذي يجري في العراق عوده إلي الوراء إلي محاكم تفتيش جديده،إلي زمن الكهوف واللطم والدفوف .إلي زمن الفرمانات والسلاطين الذين لا يرد لهم أمر،ليعلم العالم اجمع : إننا نعيش في القرن الواحد والعشرين قبل الميلاد . هكذا ندفن ونحن أحياء . أرجو أن تقف معي لنتأمل هذه الحادثة . رجل فقد ستة من أفراد عائلته في التفجير المروع الذي حدث في حي الزنجيلي الفقير في مدينة الموصل قبل أسابيع والذي أزال الحي عن وجه الأرض . بعد أيام علي هذا الحدث جاءت مجموعة مسلحة إلي موقع الحدث لتقتل هذا المنكوب بعائلته فوق أنقاض داره . هل يعقل هذا؟ هل يمكن حدوث مثل هذا الأمر في أية بقعة علي الأرض إلا إذا كان الاحتلال موجودا هناك . هذه هي ثقافة العنف والقتل بدم بارد، المتاحة للأجيال العراقية الناشئة . كيف يمكن للمسرح أن ينشا في مثل هذا الجنون . المسرح خطاب ارتقاء بالعقل في مجتمع عاقل يصغي لما تقول ويفهم ما تقول ويختلف معك في ما تقول لكنه لا يتورط في قتلك والاستمتاع بقتلك. منذ سقوط النظام والي هذه اللحظة كل العروض المسرحية ما هي الاتتمة لمهرجانات اللطم والقتل التي قضت علي آخر ما تبقي من شظايا الوعي لدي الإنسان البسيط الذي دمرته الحروب الطويلة . اليوم وغدا لاوجود لمسرح عراقي في الداخل طالما الاحتلال وشركاؤه يجثمون علي ارض العراق، المسرح العراقي سيكتب سطوره المضيئة بعد زوال المحتل. حتي في زمن صدام حسين ورغم الرقابة الشديدة والصارمة،إلا أن المسرح العراقي كان في ذروة مجده وعطاءه . وكان للفنان العراقي مساحة واسعة للتفكير والقول والنقد رغم قسوة السلطة وجبروتها علي المواطن .كان الفنان المسرحي قادرا علي اللعب وتوسيع هامش الحرية بتشفيرية عالية وغاية بالذكاء لتوصيل خطابه الفني رغم انف السلطة، من هنا نشا آنذاك مسرحا مهما علي درجة عالية من النضج في لغة الخطاب الفني مما أهله لاقتناص الجوائز الكبري في معظم المهرجانات المسرحية التي شارك فيها . أما الآن فان السيوف المسلطة علي الرأس كثيرة جدا . وقائمة المحرمات لا تعد ولا تحصي . فقط إذا أردت أن تشتم النظام السابق فان لك كامل الحرية و كامل الإمكانات . هل هنالك مهزلة اكبر من هذه المهزلة. وحتي لو كنت متضررا من النظام السابق فأنت في ظل هذا الوضع المخزي عليك أن تحترم نفسك وتسكت . لان دور الفن اكبر من أن يتحول إلي شتائماً. وطعنا في جثة ميته. هذا ليس فنا وليس شجاعة ولا رجولة û كيف تري واقع 

 القصيدة العراقية بشكل خاص والعربية بشكل عام .وأين مكانها بين الأجناس الأدبية الأخري؟ 

-
يبدو أن جذوة الكتابة الشعرية لن تموت في العراق رغم شبح الموت الذي خيم علي الحياة العراقية ولعقود طويلة . ومع هذا ظهرت أجيال شعرية متعددة منذ مطلع خمسينات القرن الماضي . أي مع ظهور السياب ونازك والبياتي والنواب والصائغ وسعدي يوسف والحيدري . ثم جاءت أجيال أخري . جيل ستيني وجيل سبعيني وجيل ثمانيني وجيل تسعيني . لقد عاشت كل هذه الأجيال مرارة الواقع السياسي العراقي بكل تناقضاته وتعقيداته . وانعكس التناحر السياسي والأيدلوجي علي الشعراء وألقي بظلاله علي المفاهيم والثقافة الشعرية العراقية . التي اغتنت وتأثرت بنفس الوقت بفعل هذا الصراع . وأنتجت شعرا عراقيا من السهولة الإمساك به والتعرف عليه . من بين كل شعراء الأرض . ذلك أن الشعر العراقي كتبه ومازال يكتبه شعراء ذاقوا مرارة وقسوة الحروب . كما أن محاولات التجريب في الكتابة الشعرية لم تتوقف منذ أن ابتدأت مع جيل السياب . بل ازدادت مغامرات التجديد والتجريب مع كل جيل جديد يولد في فضاء الشعر العراقي الرحب .. أما عن مكانة النص الشعري بين الأجناس فأنا اعتقد أن الشعر قد استولي علي مساحة واسعة من نتاج الثقافة العراقية وان هنالك قصور في مجال الكتابة الروائية بالقياس إلي النتاج الشعري . رغم أهمية بعض الأسماء وثقل تجربتها سواء في ميدان كتابة القصة القصيرة أو الأدب الروائي .

û من هو الشاعر العربي النجم في الوقت الراهن برأيك ولماذا؟

-
النجومية يا سيدي الكريم مفهوم سلعي تقف وراءه مؤسسات إنتاجيه لها أهداف نفعيه و ربحية هدفها السيطرة علي السوق عبر الترويج الإعلاني المحموم للسلعة المراد بيعها . وهذا الأمر ليس له صلة بالكتابة الشعرية . لان الشعر ليس سلعة تباع وتشتري ويروج لها عبر الإعلانات المصنعة . وإذا كان هنالك شاعر نجم فما هو إلا سلعه مصنعه من قبل الآخرين لغايات واهداف ليس لها صلة بالفعل الثقافي والمعرفي .للشعر وهو يتلمس طريقه في اشتباكات الظلمة والنور . إن الشاعر خالق ومبتكر لعوالم أخري. ولا يبتكره الآخرون . هو مغامر يذهب في مغامراته واستكشافاته إلي مديات بعيدة لا يعرفها . وهو في كل ذلك يمشي علي حافة الهاوية قابضا علي جمرة الكتابة. وعلي ذلك فان من يحيا علي هامش الأضواء يكون في قلب المغامرة والاكتشاف .

û العصر الأدبي الحالي إذا جازت التسمية لمن هو، هل هو للمسرح أم للرواية أم للشعر، وأنت كمخرج مسرحي وشاعر أين تجد نفسك أكثر في المسرح أم في الشعر

ـ ب
اعتقادي أن العصر الأدبي الحالي للرواية. هنالك تحول كبير باتجاه الكتابه الروائية في عالمنا.وكأننا نعيد اكتشاف الفن الروائي والمساحات الكونية التي يمكنه أن يفتحها لنا . لقد كان لظهور كتاب أميركا اللاتينية بأساليبهم المدهشة والساحرة . ثورة حقيقية أشعلت جذوة الكتابة الروائية في العالم . وأمست الرواية عالما من الدهشة والغرابة والسحر والواقعية . وتبلورت حماسة لاحدود لها لدي الشعراء أنفسهم لكتابة الرواية بعد أن تلاشت الحدود الاجناسية بينهما .ليتواجد الشعر والسحر والخرافة والثورة والفلسفة في الرواية .أما بالنسبة لي : فان متاهتي الجمالية التي أجد نفسي مقذوفا إليها بكل يقظتي هي / السينما... كان لدراستي الأكاديمية للسينما. اثر كبير في تطوير مخيلتي الشعرية . ودفعي إلي كتابة الصور الشعرية علي بياض الورقة . وكأنني ارسم علي شاشة العرض السينمائي .

û ما هو المناخ الأفضل لينمو فيه الأدب، وما هي الظروف التي يجب أن يترعرع فيها?

- ا
لحرية دون قيد أو شرط . فهي المناخ الطبيعي والصحي للوصول إلي المعرفة . وقول الحقيقة . وغياب الحرية معناه منع المعرفة عن البشر . وشيوع الكذب والتظليل والخوف وغياب وتغييب الحقيقة . كيف يمكن نشئ حركة أدبيه ونمو لقدرات الإنسان والمجتمع في ظل الرعب والخوف . ينبغي أن يصل النتاج الأدبي للقارئ بشكل طبيعي . لا أن يتم استنساخه خلسة و بعيدا عن أعين رقابة المجتمع المتزمت والمتطرف، أو أجهزة السلطة الرقابية والأمنية . العرب خسروا موقعهم الحضاري
لان السلطات الرسمية غيبت الحرية عن الإنسان وعن المجتمع .ولن تقوم لهم قائمه طالما هنالك اعتقال لمواطن بسبب رأي أمن به .أ ي مهزلة هذه التي مضي عليها عشرات السنين .


û برأيك ما أسباب الفجوة الثقافية الهائلة بين الدول الغربية وبين كل الدول العربية مجتمعة، إسبانيا مثلا تكون الإصدارات أكثر بكثير من كل الإصدارات التي تصدر في الدول العربية؟ 

-
يا سيدي نحن مازلنا نقبع في المربع الأول . نحن شعوب كنا فيما مضي شعوبا زراعية .وكنا ننتقد أنفسنا ونسعي بل نحلم أن نصبح شعوبا صناعية معاصره . ما لذي حدث؟ الذي حدث أن إنتاجنا الزراعي اصبح متخلفا جدا . وبتنا نستورد كل شي . ولا ننتج أي شيء . إننا مجتمع استهلاكي هجين،يحيا علي جهد الآخرين ونشاطهم . رغم انهم يسرقون ثرواتنا الطبيعية . المشكلة ليست في الغرب، المشكلة فينا نحن .. إن معركتنا ليست مع الغرب بل مع كل رموز التجهيل والتغييب والقهر الفكري التي ازدادت شراسة وقوة وإرهابا ضد مجتمعاتنا المتعبة .هذه هي أسباب الفجوة .

û كيف هو النقد في العراق.. هل يرسم للعمل الإبداعي خطا مستقيما أم يشتته، وهل الصوت النقدي الجاد غائب ومنوّم مغناطيسيا؟

û أظن أن الحركة النقدية في العراق . تمتلك مجسات مهمة في إغناء التجربة الإبداعية وقراءة التأسيسات الجمالية الغارقة خلف الإشارات .

û الكثير من المبدعين العراقيين تركوا العراق قبل بعد الاحتلال، ما السبب في ذلك وهل الغربة والمنفي وحالات من العيش بعيدا عن الوطن تشكل منهلا وينابيع للإبداع؟

-
الهجرة أو الهروب من الوطن - وهذا هو الأصح-.كانت قبل الاحتلال كذلك.هذه ليست هجره. ألان الجميع يغادر مرغما، خوفا علي حياته من بطش العصابات التي بدأت تحكم الشارع العراقي، لايمكن أن يكون هذا المنفي المميت اختيارا، انه قتل آخر للإنسان، بعيدا عن وطنه... قد توفر الغربة والعيش بعيد ا عن الفوضي القاتلة في العراق فرصة للتأمل والكتابة . ولكنها ليست شرطا للإبداع . 
نشرت في جريدة الزمان بتاريخ: 
Azzaman International Newspaper - Issue 3422 Date 17/10/2009

جريدة (الزمان) الدولية - العدد 3422 - التاريخ 17/10/2009

AZP09


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
                                                       

                                                                الشعر ،حريتي المفقودة في وطني . .

اجرت الحوار : ريتا البازي


س/ في سطور قليلة نود أن نعرف من هو الشاعر والمخرج مروان ياسين الدليمي.؟ ومتى كانت البداية . . وهل أبتدأت بكتابة مقال صحفي ام بقصةٍ ام بقصيدةٍ ؟ .
ج/ انا من مواليد مدينةالموصل . وبدأت نشاطي الفني والثقافي ابتدأ من العام 1974 . في البداية كنت مولعاً بالعمل المسرحي واستغرق مني العمل في هذا الميدان عدة اعوام . اما عن البداية في ميدان الكتابة النقدية للمسرح فقد جاءت عام 1984 إذ نشر لي اول مقال عن المسرح العراقي في صحيفة القادسية انذاك . وفي ميدان الكتابة الشعرية فأنا بدأت بالكتابة مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي . لكني لم انشر اي نص من تلك النصوص التي كنت اكتبها . لانني لم اكن على عجلة من امري فيما يتعلق بالنشر . كما انني اعتقد ان تجربتي لم تزل غير ناضجة بالشكل الفني الذي يمكن ان اكون ملفتاً لنظر النقاد والمهتمين . حتى وصلت عام 1982 الى قناعة تامة بأهمية احد النصوص التي كتبتها وكان بعنوان (ماتبقى من دويّنا المبتور ) ومع ذلك لم انشر هذا النص رغم أنني كنت مقتنعاً به تماًماً باعتباره نصاً شعرياً تتوفر فيه عناصر فنية ولغوية وصوراً شعرية ويستحق ان اعده بمثابة بداية لي . اقول في هذا النص :
كُنا نَعلمُ ، أنَّ سواحلَ موجعة ُ للمعنى
سننقُش فوق ثَراها رنينَ تشرُّدِنا
كنا نَعلمُ ، بانّا نتصفّح غَفلتنا قبل مجيئِها
لكنّّا ازحنا صوتَ الماء
وشرِبنا ظلامَ الطرقات .


ما تبقّى ، صرخةُ تقاومُ النّخرَ
ضد هامةٍ يستويها التعري
أمام كابوس الدم ْ .


في وقت ٍٍ من ضَبابِ السُّم
انا بذرةُ انتباهٍ في غابةٍ من خَرَس.
خطوةٌ لامعةُ باصابع ٍمن دهشة ٍ
تتلمُس فجراً شاهقاً.

س/ مالذي قادك الى عالم الشعر ؟ وهل الشعر يستطيع التعبير عن مجمل مايحدث في الحياة من تشابكات وارهاصات اكثر مما هو في عالم المسرح ؟

ج/ انا نشأت في وسط عائلة تعد من الطبقة الوسطى فيها المتعلم والقارىء والمثقف وفيها من ينتمي الى الطبقة العاملة . كانت الثقافة حاضرة بقوة في البيت الذي نشأت فيه والحوارات الساخنة والمحتدمة دائماً مابين الفكر الديني والفكرالعلماني . والبيت تزدحم فيه الرفوف بالكتب الدينية السلفية وكتب اخرى علمانية تتوزع مابين الفلسفة المادية والفكر الماركسي والاشتراكي والقومي العروبي والناصري وغيرها مما كان سائداً خلال النصف الثاني من القرن العشرين . كما أن عائلتي انغمست في النشاط السياسي الذي كان يسود العراق انذاك ودفعت ازاء ذلك الثمن باهظاً في السجون والمعتقلات . وتم اعدام اثنين من خيرة شبابهافي تسعينيات القرن الماضي بسبب هذا النشاط السياسي المعارض للسلطة . حتى جدّتي التي كان تبلغ من العمر ستين عاما اعتقلت من قبل الاجهزة الامنية عام ستة وسبعين ولمدة عام كامل ولم نكن نعرف في اي سجن هي حتى تم اطلاق سراحها . لذا كانت هذه الاجواء المشحونة بالسياسة والنقاشات والصراعات الفكرية داخل وخارج البيت هي الارضية التي ايقظت الوعي مبكراً لدي وجعلتني دائماً اتسلح بفكر نقدي معارض ولاأرتضي لنفسي ابداً ان اكون في يوم ما جزأ من ماكنة السلطة الدعائية . من هنا كنت ابحث عن آلية فنية للتعبير عن تمردي واعلان صوتي فكان المسرح، ثم التحول بعد ذلك الى الكتابة الشعرية التي منحتني الحرية الواسعة لقول ماأريد دون الخضوع للاشتراطات الموضوعية التي تكبل العمل في الميدان المسرحي . لذا كان الشعر حريتي الشخصية المفقودة في وطني.

س/ انت فزت بجائزة الابداع التي تمنحها مؤسسة ناجي نعمان لعام 2010 عن مجموعتك الشعرية سماء الخوف السابعة . لماذا هذا العنوان؟

ج/ بعد التغيير الرهيب الذي حصل في العراق في التاسع من نيسان عام 2003 . شهدنا مالم نشهده كبشر من صور مرعبة للعنف والقسوة والقتل فيما بين افراد الشعب العراقي . وكأننا كنّا نحيا طيلة عقود وازمنة طويلة في عالم من الكذب والنفاق والرياء فيما بيننا، وكأننا كنّاننتظر اللحظة المناسبة التي تغيب فيها سلطة القانون لنكشف عما كنّا نحمل في دواخلنا من احقاد وكره وضغينة ضد بعضنا . وامتد مشهد الموت المخيف على طول خارطة العراق في الشوارع والمدرارس والبيوت والجوامع والكنائس ولم يستثني احد، والكل كان ولم يزل متورطاً بالخيانة والقتل ، ولاأحد بريء من دم اخيه ، حتى الصامت منا يتحمل جزءاً كبيراً مما يحدث من موت مجاني . ماحدث ويحدث في العراق خلال الاعوام السبعة التي عشناها كان صدمة كبيرة لكل الشرفاء والمثقفين الذين افنوا كل اعمارهم وهم يرسمون ويحلمون ويكتبون ويغنون لغد اجمل ولانسان اجمل ووطن اجمل . الكل كان ينشد حرية الانسان وكرامته المهدورة على ايدي الانظمة العسكرية التي قادت العراق طيلة عقود من القرن العشرين . لكن ماأن جاءت تلك اللحظة التي حلم بها الناس الشرفاء . انفجر الكره والحقد بدلاً عن الحب والحرية والامان بصو رًٍ يخجل منها الضمير الانساني المتمدن وعاد الانسان مرة اخرى الى الوراء الاف السنين متخندقاً وراء شعارات مظلمة متهرئة تتستر بعباءة الدين والطائفة ، لتحقيق مكاسب دنيئة لاتخرج عن تدمير العراق المعاصر بكل مخزونه الثقافي والفني والحضاري المعاصر. في ظل هذه الاجواء المخيفة التي بتنا نعيشها والتي تشرد بسببها الملايين من العراقيين خارج البلاد وداخل وطنهم ايضاً جاء عنوان مجموعتي الشعرية الاخيرة ( سماء الخوف السابعة ) ، كما أن الرقم سبعة له من الدلالات المقدسة في الموروث الديني في المنطقة العربية ولدى كل الاديان السماوية . فالخوف الذي يحاصرنا هو من السّعة والدرجة الكبيرة التي يصل فيها الى اخر درجة واخر طبقة سماوية وهي الطبقة السابعة . وهنا في هذا الصدد اقول :
نحن، لم نعد نُشْبِه ُمانحنُ ، نحن من إقترفَ من حماقات ٍتحت نجوم ِنامت ْفي ثيابنا ،نحن ماصنعنا من طغاة ، ونحن ايظاً ماقتلنا ومابكِينا من اولائكَ ألطغاةِ، نحن اختلفنا عن الامسِ ِ، واختلف الامس ُعنا ، الليل ُُهنا لم يغادرنا ثملاَ بالفؤوس يركضُ خلفنا ، بحروب ٍقصيرة ٍجداً ، وحروب ٍطويلة جداً، محترقا بنا، بخيباتِنا المفخخةٍ، بالرصاصاتِ الطائشة ِبالشهوات ِالعابرة .ِ


س/ ماجدوى الشعر في زمن الحروب والفقر والعولمة ؟

ج/ الانسان يحكمه الامل دائماً . ولن تستمر الحياة دونما امل مهما كانت قسوة الظروف التي تحيط به . ولم يعش الانسان مذ وجد على كوكب الارض بلا صعوبات ومواجهات قاسية وتحديات تهدد وجوده وحياته واحلامه . دائماً كان الانسان ينهض من جديد كالعنقاء من تحت الرماد .
رغم مايتعرض من ظلم وابادات فردية وجماعية . لكن طاقة الحلم والامل لدى الانسان اكبر من ظلم السلطات والقتلة والمجرمين الذين هم ايضاً يتوالدون ويتكاثرون ويتعاضدون ويتكاتفون مع بعضهم ضد احلامنا وامالنا والمعركة قائمة ولن تنتهي ابداً وهذا هو قدرنا في الحياة . وعلينا ان نبقى هكذا نتسلح بالوعي والمعرفة والقيم الانسانية ولانتخلى عنها مهما اشتدت علينا المصاعب ، والشعر واحد من اساليبنا الجمالية البالغة الخطورة والتأثير للتعبير عن مواجهتنا ضد قوى التّيئيس والتكفير والتجهيل التي تحاصرنا اينما نكون . والشعر هو جزء من هويتنا الانسانية التي لن تكتمل بغياب الشعر كما هي الفلسفة و المسرح والسينما والاغنية والرواية وغير هذا من فنون التعبير التي تعمق الاحساس بالجمال والخير والقوة وكل القيم الانسانية التي احالت الكرة الارضية الى عالم من الابتكارات والحضارات العظيمة بينما بقيت الكواكب الاخرى كما هي لاأثرفيها للحياة .

س/ ماهو تقييمك للمشهد الثقافي في العراق ؟

ج/ العراق بلد حي ينبض بالحركة الدائمة مهما اشتدت عليه النائبات . وليس من قبيل المصادفة ان تنشأ اولى الحضارات على ارضه وليس من قبيل المصادفة ان تشهد ارضه ظهور الحضارة الاشورية بكل عظمتها وقوتها واتساعها وكذلك الحضارة الكلدانية . وليس مصادفة ان تكون بغداد وسامراء والكوفة والبصرة والموصل مدناً تنتج المعرفة والثقافة والفلسفة لعقود طويلة ايام الخلافة العباسية وليس مصادفة ان تنهض بغداد مرة اخرى بعد ماجرى عليها من قتل وتدمير للحرث والنسل بعد دخول المغول والسلاجقة والعثمانيين عليها . وماعاشته بغداد وكل مدن العراق طيلة تلك القرون المظلمة كان من الممكن ان يطويها الى الابد في ذاكرة التاريخ . لكن العراق بلد عنيد وهو بقدر مايحوي من قسوة ومآسي بقدر ما يحمل طاقة هائلة من التوق الى الحياة والحرية والابداع . لواستعرضنا المشهد الثقافي العراقي طيلة الازمنة المظلمة التي مرت عليه سابقاً لوجدنا ان الانتاج الثقافي لم يتوقف ولم يمت وكان المثقفون دائماً يكتبون بعيداًُ عن أعين السلطة والرقابة اكثر مما كانوا يكتبون في الازمنة التي تتسم بالهدوء والاطمئنان . اعتقد ان طبيعة العراقي فيها شيىء من الغرابة والعجائبية مما تجعله اهلاً للتحدي واهلاً لمواجهة الصعوبات، ولو واجه اي شعب اخر ماواجه شعب العراق لما كان قائماً حتى هذه اللحظة . ولو واجه اي مثقف اخر ماواجه ويواجه المثقف العراق من ملاحقة ومطاردة وتهميش وارهاب طيلة القرن العشرين لما استطاع ان يكتب حرفاً واحد يمجد الحرية الانسانية . . فرغم مايواجه المثقف العراقي الان من صعوبات تضعها امامه قوى سياسية ودينية متعددة لكنه لم يزل يكتب الشعر والرواية والمسرحية بكل جنون . ضارباً عرض الحائط بكل حماقات وتهديدات قوى التخلف التي تتسيد الشارع . لذا اقول ان المشهد الثقافي الان قوي جداً وحركي جداً ويضم في طياته اعمالا مهمة جداً على المستوى الفني والفكري كما هو الحال على سبيل المثال في كتابات علي بدر الروائية ولطفية الدليمي ووراد بدر السالم وخضير ميري ولوحات لوثر ايشو التشكيلية ونصوص بولص ادم الشعرية ورعد فاضل وموفق محمد ومسرحيات صلاح القصب وشفاء العمري واخرين .والقائمة تطول جداً فيمالو استعرضنا الاسماء الكبيرة في عطائها في هذه الايام .

س/ هل يمكننا أن نلمس ثقافة عراقية جديدة ؟

ج/ من المؤكد ان اي متغير يحصل في الميدان الثقافي لن يتم بين ليلة وضحاها ، فالامر اعقد من ذلك بكثير، والزمن كفيل بأظهار النتائج على المدى البعيد . طالما هنالك مؤشرات في الواقع تعطي دلائل على ان ثمة شيىء ما يتحرك تحت الذي تكدس على السطح . مايشهده العراق الان هو تحول كبير وخطير على المستوى المجتمعي والسياسي . لقد تعرى المجتمع تماماً، ولم يعد هنالك من شيىء يستر عيوبه ،وعورته ، واخطاءه، وسيئاته واصبح الكل يعرف الكل، ولم يعد الكذب والنفاق يجدي نفعاً بيننا ، وهنا اصبح المثقف امام زمن جديد يقتضي منه ان يكون شاء ام ابى ان يكون جريئاً وواضحاً مع نفسه وهو يعبر عن افكاره ولايمكنه الان ان يخفي مايضمره في ذاته . لذا بدأنا نشهد اعمالا ادبية تتسم بالجرأة العالية في نقد الذات اولاً ونقد الواقع والتاريخ القريب والبعيد ثانياً ولم تعد سلطة التابوهات والمحرمات التي كبلت الثقافة العراقية والمبدع العراقي لعقود طويلة بذاك الثقل وتلك الهيمنة .

س/ برأيك هل يستطيع المثقف ان يبدع في ظل الاحتلال الاجنبي لبلده ؟

ج/ دور وفاعلية المثقف غير مشروط بالظرف . انه ينطلق من ذاته المسؤولة . من رؤيته اليقظة للحياة بكل تجلياتها وصورها . ودور المثقف لن ينتهي ولن يتوقف تبعاً للظروف . لكنه يأخذ اشكالاً متنوعة للتعبير عن وجوده وفاعليته تبعاً لطبيعة مايواجهه . والاحتلال قد يكون اقل قسوة من الانظمة الوطنية الفاسدة التي لاتتردد في انتهاك الحرمات الشخصية للفرد . ولاتترد في حرمان الانسان من ابسط حقوق العيش بكرامة . . المحتل ياعزيزتي شاء ام ابى سيغادر اليوم او غداً هكذا هو منطق التاريخ القريب والبعيد . العثمانيون احتلوا العراق اكثر من اربعمائة عام والفرنسيون اكثر من مائة عام احتلوا الجزائر . اين هم الان ؟ والامثلة كثيرة . لذا ليس امراً غريباً ان يكتب وينتج المثقف في ظل هيمنة المحتل . ولكن المعركة الحقيقية والطويلة التي يواجهها المثقف هي مابعد خروج المحتل . فالمعركة انذاك هي الاشد والاخطر والاكثر صعوبة . لان المحتل عندما يغادر بقطعاته يترك وراءه فكراً وثقافة وانظمة واساليباً اودعها امانة لدى العديد من القوى السياسية والفكرية التي ستسعى لابقاء الاوضاع على ماهي عليه من فوضى .

س/ الكثير من المبدعين والمثقفين تركوا العراق بعد الاحتلال . بأعتقادك هل الغربة أو المنفى والعيش بعيداً عن الوطن يشكل دافعاً مهماً على الابداع ؟

ج/ اي بقعة جميلة في الارض لن تكون بديلاً عن الوطن . والكتابة فعل لايتشكل في الفراغ . انت عندما تكتب فأنت محاط بزمن ماضي وحاضر ومستقبل . ومحاط بمكان فيه الكثير من الاصوات والوجوه والملامح والذكريات البعيدة والقريبة . كل هذا يتم استدعائه في لحظة الكتابة لانه منغرس في وعي ولاوعي الانسان منغرس في شعوره واحساسه في فرحه وحزنه منغرس في اعصابه وانفعالاته . من كل هذا تتشكل هوية وصورة الانسان التي يطلع بها الى العالم . هذه الصورة تتشكل منذ اللحظة الاولى التي يخرج بها الى النور من رحم امه لتبقى لصيقة به. لذا مهما ابتعد الانسان عن موطنه فإن موطنه بكل مافيه لن يبتعد عنه هو ملتصق به هو جلده ودمه وصوته الذي لايمكن ان يتخلى عنه مطلقاً . لكن الابتعاد عن الوطن له من المحاسن بقدر مافيه من العذاب اذ يوفر للمبدع فرصة كبيرة لرؤية الاشياء والاحداث بوضوح كبير لاتتوفر له عندما يكون في قلبها . وعليه فأن ماينتج من اعمال فنية وابداعية عن الوطن من قبل مبدعين يعيشون في الغربة تتسم في غالب الاحيان باحتوائها على قدر من الرؤية والجمال قد لاتتوفر في الاعمال التي تكتب داخل الوطن التي هي الاخرى تتسم بخصوصية لاتتوفر في الاعمال التي تكتب في الغربة .

س/ مارأيك في من يقول بأن المثقفين مجرد دمى تحركها اياد سياسية لاغراض ومآرب لاعلاقة لها بالفعل الثقافي ؟

ج/ هذا قول فيه الكثير من التعميم . لاشك هناك الكثير من المثقفين او العاملين في الميدان الثقافي ممن لايخرج دورهم عن ان يكونوا مجرد دمى وابواق للسلطة القائمة . وهذا امر ليس بجديد ، فمنذ ان وجدت الانظمة على الارض كان هناك من يروج لها من من كُهّان وعرّافين وشعراء ومغنين وفلاسفة وطبّالين . وبالمقابل هنالك صورة اخرى للمثقف الذي ينساق دائماً وراء البحث عن المعرفة والجمال وهو ينشد الحقيقة تحت اكداس من الاكاذيب والاظاليل التي يروجها دائما المثقفون المرتبطون بعقيدة واجندة السلطات القائمة . . وإلاً مامعنى بوريس باسترناك . وسولجنستين . وديستويفسكي وتولستوي . وغارسيا ماركيز . وصنع الله ابراهيم . وغائب طعمة فرمان . ومظفر النواب . ومحمد مهر الدين . واحمد فؤاد نجم . وسعدي يوسف . الخ من الاسماء التي دفعت الثمن باهظاً من عمرها وحياتها دفاعاً عن شرف الكلمة وصوناً لحرية القول والتعبير .

س/ شخصية من الماضي كنت تتمنى الالتقاء بها ؟

ج/ هنالك العديد من الاسماء التي كنت اتمنى ان التقي بها، منها شخصيات سياسية ومنهم من كان شاعراً او ثائراً . مثلاً سبارتكوس قائد ثورة العبيد في روما او حمدان القرمطي او الخليفة عمر بن عبد العزيز . او نوري السعيد .أو جيفارا او الشاعر الاميركي والت ويتمان . لكن اكثر شخص كنت اريد ان التقي به هوالمفكر العراقي علي الوردي . وكنت سأقول له : شكراً لك ياسيدي ، لانك انصفتنا تماماً ،وايقظت وعينا مبكراً جداً بحقيقة انفسنا وبحقيقة مجتمعنا . اما من الشخصيات المعاصرة التي اود الالتقاء بها والتي عاشت معنا في الزمن الحاضر، فهو المخرج المصري يوسف شاهين .وكنت سأقول له: لقد كنت خير أنموذج للمثقف والفنان الشجاع الذي يدافع عن حريته وافكاره رغم انف كل القوى المتخلفة التي تخنق حريات الناس ورغم رقابتها الشديدة . وأن مسيرتك الفنية تؤكد بما لايقبل الشك على قدرة المبدع والمفكر على ايصال افكاره باجمل الاساليب مهما فرضت عليه من رقابة . وانك اثبت بعملك الفني ان السلطة غبية جداً فيما لوأعتقدت ان بأمكانها ان تقتل التوق الى التعبير بحرية لدى الفنان .

س/ لقد غادرت مدينتك الموصل وحطيت الرحال في اقليم كوردستان العراق .. حدثنا عن هذه التجربة ومالذي اضافته اليك ؟

ج/ للاسف الشديد اكتشفت اننا نعاني من جهل كبير تجاه مكونات مهمة في مجتمعنا . ووجدت ان من العيب علينا نحن العراقيين العرب ان نجهل التحدث باللغة الكوردية بينما الاكراد يتعلمون بسرعة لغتنا العربية . وهذا الامر نتحمله نحن كأفراد وكمجتمع بقدر ماتتحمله السياسات الخاطئة للانظمة التي حكمت العراق ولم تسعى لكي تكون اللغة الكوردية وكذلك اللغة السريانية لغة اساسية في حياتنا وفي مناهجنا التربوية والتعليمية . كيف يمكننا ان نسامح انفسنا على جهلنا بلغة من يسكن معنا ونتشارك معه العيش منذ عشرات السنين . اننا اغمضنا اعيننا عن جزء مهم من ثقافتنا العراقية المكتوبة باللغة الكوردية والسريانية بينما نعرف الكثير عن ثقافة شعوب بعيدة عنا . من العيب ان لانفهم مايقوله الكوردي والسرياني حينما يخاطبنا بينما نحن نتشارك سوياً في العيش والهم .فالتجربة هنا والعيش بين الشعب الكوردي بما يمتلكه من بساطة وقيم انسانية نبيلة قد خففت عني الكثير من الاسى والغربة التي اعانيها وانا بعيد عن اهلي .

س/ كلمة اخيرة نود ان تقولها للقارىء
ج/ رغم انني غير متفائل على المدى البعيد فيما ستؤول اليه الاوضاع في العراق بعد الذي نشهده من فوضى ودمار في عقول الساسة العراقيين الذين يمتلكون زمام الامور . إلاّ انني اتمنى ان يأتي ذلك اليوم الذي ترجح فيه كفة العقل على العصبيات الاثنية والقومية لتعاد الامور الى نصابها الطبيعي . ونبدأ في التخلي عن انتماءاتنا الطائفية والمذهبية والعرقية ،
مقابل الانتماء الى القيم الانسانية العظيمة التي تجمعنا مع بقية البشر .
نشر الحوار في صحيفة الزمان .   2010
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


 حاوره : نشوان جورج

يقول المخرج مروان ياسين لموقع قناة عشتار الفضائية : 
ان البدايات الاولى لنشؤ الظاهرة المسرحية في العراق كانت في مدينة الموصل شمال العراق ويعود الفضل في ذلك الى رجال دين مسيحيين واضاف ياسين خلال لقاء مع موقع قناة عشتار الفضائية بمناسبة يوم المسرح العالمي ان الشماس حنا حبش هو اول مسرحي في العراق يكتب نصا مسرحيا ويخرجه ويقدمه في باحة الكنيسة وقد كتب حبش ثلاث نصوص مسرحية كوميدية وهي  ادم وحواء / ويوسف الحَسِن / وطوبيا
المزيد في متن الحوار التالي:

س/ هل بالامكان تعريفنا ببدايات المسرح في العراق ؟
ج/ لايختلف اثنان على ان البدايات الاولى لنشؤ الظاهرة المسرحية في العراق كانت في مدينة الموصل شمال العراق . ويرجع الفضل في ذلك الى رجال الدين المسيحيين ( الاباء الدومنيكان) الذين كانوا يتولون الرعاية الدينية في كنيسة(  اللاتين ) او ماتعرف به من قبل عامة الناس كنيسة (الساعة ) نسبة الى الساعة الجدارية الكبيرة التي تعلو برج الكنيسة والتي يعود تاريخها الى الربع الاول من القرن التاسع عشر . في هذه الكنيسة كانت البدايات الاولى ألاولى العروض المسرحية في العراق وذلك عام 1880 . وكان الشماس حنا حبش هو اول مسرحي في العراق يكتب نصاً مسرحياً ويخرجه ويقدمه في باحة الكنيسة . وقد كتب حبش ثلاث نصوص مسرحية كوميدية وهي ( ادم وحواء / ويوسف الحَسِن / وطوبيا) وقد تبنت الكنيسة منذ تلك اللحظة الفن المسرحي ووظفته من اجل اغراض تربوية دينية . والمسرحيات التي كتبها حبش لم تكن تدخل في باب الترجمة عن اصول اجنبية فرنسية او مقتبسة عنها كما اشار البعض . بل هي نصوص استفادت فقط من حيث الشكل الفني للكتابة المسرحية الاجنبية لاأكثر بينما بقيت الموضوعات والافكاروالشخصيات المطروحة  محلية ومستقاة من الواقع المعاش ومن الحكايات والقصص المتداولة . وعلى هذا تعد محاولة حنا حبش محاولة اصيلة في ولوج عالم الكتابة المسرحية ,وبعد ذلك استمرت المحاولات داخل الكنيسة حتى نهاية العقد الاول من القرن العشرين وبداية العقد الثاني منه عندما بدات اول ملامح تشكيل الفرق المسرحية العراقية الاهلية وقد تزامن ذلك مع وصول فرق عربية مسرحية الى العراق لغرض عرض اعمالها ومنها فرقة جورج ابيض المصرية عام 1926، وقد شارك في حينها رائد المسرح العراقي المعاصر الفنان حقي الشبلي بدور صغير في ذلك العرض الذي قدمته فرق جورج ابيض وليقوم هو بعد ذلك بتأسيس الفرقة الوطنية التمثيلية . وتأسست بعد ذلك عدد من الفرق الاهلية التابعة الى جمعيات ونوادي ثقافية واجتماعية لكن تأسيس قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة في بغداد في عام 39 كان نقلة مهمة في مسيرة بناء المسرح العراقي وليكون هذا الصرح العلمي المنطلق الحقيقي لنشؤجيل جديد  يحمل معرفة اكاديمية في الفن المسرحي بعد ان كان الفهم السائد قبل ذلك يعتمد على الارتجال والعفوية . ونعود مرة اخرى لاقول ان لولا رجال الدين المسيحيين ( الاباء الدومنيكان ) في كنيسة اللاتين لما عرف العراق المسرح .
س/ كيف تنظر الى واقع المسرح العراقي اليوم ؟
ج/ الصورة الان غير واضحة وملتبسة ولايمكن تحديد ماستكون عليه وهذا يعود الى طبيعة الوضع السائد في العراق بعد عام 2003 فهنالك الكثير من المتغيرات التي حصلت في المجتمع العراقي ولم تنضج الصورة العامة لهذا المجتمع بعد التغيير المذكور والمسرح هو الاخر انعكست عليه هذه الاوضاع بشكل كبير وانحسر الانتاج المسرحي كماً ونوعاً والاخطر في هذا الموضوع هو طبيعة الموضوعات التي بدأت تطرح على خشبة المسرح العراقي . اذ لم يعد بالامكان ان التطرق الى الكثير من الموضوعات بالحرية الكافية خوفاً من سلطة جهاتٍ سياسيةٍ وحزبيةٍ ودينيةٍ متعددة ومتنوعة . وهذه الجهات تدعي مناصرة الديموقراطية وحرية التفكير والى اخره من هذا الكلام المستهلك لكنها ساعة الحقيقة عندما يمسها اي طرح لايعجبها ويتقاطع معها لاتتردد في معاقبة الجهة الفنية التي انتجت العمل . لذا هنالك تردد وحذر لدى الكثيرين عندما يقدمون على اختيار اي عمل مسرحي لتقديمه وعليهم ان يراعوا بحذر كل الاوضاع والقوى السياسية والدينية الفاعلة والمتحكمة في الشارع العراقي . انا اعتقد في ظل هذه الاوضاع السائدة في العراق حالياً التي يغيب فيها القانون في اغلب الاحيان لايمكن ان يحيا المسرح وينتعش بصورة طبيعية . لان المسرح يحيا في الازمنة الطبيعية التي لايسود فيها الارهاب ولايسود فيها التكفير والتخوين الوطني . ولاأقصد بالاوضاع الطبيعية ان يكون المجتمع مرفهاً اقتصادياً انما اقصد ان حرية التعبير متاحة ومكفولة للناس لقول ماتريد بالطريقة التي تريد دون ان تتعرض للتهديد والقتل . لذا لايمكن لي ان اقبل او اوافق البعض بالعمل وسط اجواء محفوفة بخطر الموت المجاني لا لشيء فقط من اجل ان تقدم عرضاً مسرحياً . هذا في تصوري مقامرة بالحياة وليس مغامرة تستحق الخوض فيها . لان الفن المسرحي رسالة جمالية يقدمها الفنان من اجل خلق عالم اخر اجمل وليس معركة دموية يخوضها ضد الاخرين . المسرح جدل وحوار ساخن بين طرفين يتّسمان بالعقل والحكمة وليس بين طرف عاقل واخر مجنون ومتهور . هذه معادلة خاطئة و الخاسر فيها هم العقلاء .
س/ برأيك ماهي السبل او الخطوات التي تؤد الى تطوير المسرح العراقي
ج/ لكي نخرج مما نحن فيه لايمكن ان نعمل بمعزل عما يدور حولنا من ارهاصات تتشكل لتكوين نظام سياسي وحياتي جديد يحيط بنا . نحن الان امام تحول جديد ومختلف في نمط النظام الذي يحكمنا . لقد تعودنا ان نحيا في ظل انظمة يقودها حزب واحد او يقودها العسكر على مدى ستون عاما بعد سقوط التجربة البرلمانية للنظام الملكي في العراق عام 1958 . وطيلة تلك السنوات تعودنا ان نفكر وفقاً للطريقة ووفقاً للنظام الذي كان يأسر حياتنا بقيود رقابية ايدلوجية صارمة . والان نحن ايضاً نخضع لقيود ثقيلة وان كانت بشكل اخر رغم الشعارات البراقة  المطروحة . لكنني مع ذلك اتمنى ان تستقيم الحياة بشكل او بأخر بعد هذا المخاض الصعب الذي يخوضه الشعب العراقي منذعام 2003. من اجل ان يحيا في ظل نظام سياسي يحترم التعددية والحياة النيابية ويتم فيها تداول السلطة بين الفرقاء بطريقة سلمية . هذا في الحقيقة مايرجوه جميع الناس لانهم ذاقوا الكثير من العذاب جراء سياسات ارتكبها قادة حمقى ومتهورون واحزاب لم تكن تفكر الا في مصالحها . وفي حالة وصولنا الى مستوى من القبول للسياسات السلمية في تداول السلطة في الاعوام القادمة القلية ـ كما اتمنى  ــ  يمكن عند ذاك ان تنتعش الحياة بكل صورها ومنها الثقافة بكل حقولها بما فيها المسرح الذي يعد الطليعة في استجابته لكل المتغيرات التي تحصل في المجتمعات . هذا إذا ما نسينا مايمتلكه المسرح العراقي من طاقات فنية فردية هائلة قادرة على تحقيق نهضة كبيرة جداً في الميدان المسرحي .
س/ ماهو موقفك من المسرح التجاري ؟
ج / المسرح التجاري الان لاوجود له في العراق . ووجوده حقيقة لايشكل ذلك بالنسبة لي اي حساسية . ولاأتفق مع الاراء التي تدعو الى منعه وعدم السماح لوجوده . ذلك لانني اؤمن ان الحياة تحتمل التنوع في كل شيىء وينبغي ان نترك الحرية المطلقة للناس لكي تختار ماتريد ان تتطلع عليه ولايمكن القبول بفكرة ان نكون اوصياء على الناس نحدد لهم مايشاهدون ومايقرأون ومايأكلون . ينبغي الايمان بحرية الانسان كاملة في الاختيار ولانجزءهذه الحرية وفقاً لما نشتهي او وفقاً لماتشتهي السلطات والقوى التي تملك زمام السيطرة على الامور . كما ان الانسان الان بما شهده من تحولات حضارية وتطور في وسائل الاتصالات لم يعد بتلك العقلية وتلك المحدويدة في الفهم .ليس بأمكانك الان الان ان تمنع المعلومة ان تصل الى الناس مطلقاً لانه قادر على الحصول عليها بطرق عديدة لايمكن السيطرة عليها والتحكم بها . لذا ليس من المقبول الان منع المسرح التجاري . او اي مسرح اخر اذا اردنا ان نمنع الناس من الذهاب الى تلك العروض علينا ان نبحث عن السبل التي نطور بها ادواتنا الفنية التي تتمكن من استقطاب الناس الينا وهم بكامل حريتهم ووعيهم وليس بالقوة .
س/ هل نستطيع ان نتحدث عن فترات ازدهر فيها المسرح العراقي ؟
ج/ في فترة التسعينيات من القرن الماضي شهد المسرح العراقي ازدهاراً ملحوظاً للظاهرة المسرحية بشكل عام فكان هناك العديد من العروض التجريبية التي يقدمها عدد من المسرحيين ومن اجيال مختلفة صلاح القصب وشفيق المهدي وكاظم نصار وحيد منعثر وناجي عبد الامير وباسم عبد القهار وبشار عبد الغني وعادل محمود . واخرين وبنفس الوقت كان هنالك العديد من العروض الاخرى التقليدية التي تتوزع مابين العروض الترفيهية او مايسمى المسرح التجاري وعروض اخرى لمسرحيات جادة تقدم موضوعات تستقطب اهتمام المتلقي العراقي رغم خلوها من التجديد على مستوى الشكل الفني . لكن بشكل عام المسرح كان في حالة من النمو والعمل والكل كان يعمل والكل له من يشاهده وله من يرفضه . وهذا هو الوضع الطبيعي رغم اننا كنا نحيا في ظل ظرف غيرطبيعي في تلك الايام التي كان الحصار الدولي قد القى بظلاله قاسية على حياتنا لكن مع ذلك كان المسرحيون بكل تنوعهم يعملون .
س/ كلمة اخيرة
ج/ اتمنى ان تدرك جميع القوى الفاعلة في العراق ان الفرصة مؤاتية لخلق صورة جديدة لمجتمع جديد إذا ما أمنّا بحرية الانسان وبحرية التعبير .



اجري الحوار في موقع قناة عشتار الفضائية . 2009



ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

https://www.alquds.co.uk/%D9%82%D8%A7%D9%84-%D8%A5%D9%86-%D9%85%D8%AB%D9%82%D9%81%D9%86%D8%A7-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D9%85%D9%88%...