كتابات نقدية في الرواية




الروايات :

                         ــ   لبنان  ــ
1- التائهون                                 أمين معلوف
2- الفراشة الزقاء                         ربيع جابر
3- بيروت مدينة العالم                   ربيع جابر
4- رحلة الغرناطي                        ربيع جابر
5- أنا،هي والاخريات                    جنى فواز الحسن
6- حقائب الذاكرة                         شربل قطّان *


                      ــ العراق ـ 

7-سيدات زحل                            لطفية الدليمي
 8- قتلة                                     ضياء الخالدي
9- وحدها شجرة الرمان                 سنان انطون
10- يوميات غياب الندى                أسعد الهلالي
11- طشَّاري                               انعام كجه جي
12- فرانكشتاين في بغداد              أحمد السعداوي
13- يامريم                                  سنان انطون
14- ملوك الرمال                           علي بدر
15-سقوط سرداب                        نوزت شمدين
16-فندق كويستان                       خضير الزيدي 




                         ــ الكويت ــ
17-ساق البامبو                           سعود السنعوسي




                       - السعودية ـ
18-- القندس                               محمد حسن علوان
19-- أبن طرّاق                             بدر ومحمد السّماري
20- تَرمي بِشرر ٍ                          عبده خال





                          ـ الجزائر ـ 

21- القريبة كاف                            ياسمينة خضرا

22- اكتشاف الشهوة                       فضيلة فاروق

  


                        ـ السودان ــ


22- رواية ... صائد اليرقات                أمير تاج السر






                       ــ المغرب  ــ 



23- تلك العتمة الباهرة                   الطاهر بن جلون  



                        ــ مصر ــ            
24-عزازيل                                   يوسف زيدان
25- مولانا                                   ابراهيم عيسى

                      ــفلسطين ــ 

27- حين كان للشوارع أسماء         رندة عبد الفتاح


http://makama2.blogspot.com/p/blog-page_15.html
مجموعة مقالات نقدية ..تناولت فيها عدد من الروايات العراقية والعربية ، وسبق ان نشرتها في الصحف والمجلات .



   
    علامات التَّحديثْ في آليات الكتابة السردية 
           


    
                       قراءة نقدية
              في روايات عربية
                    





                                        مروان ياسين الدليمي

 توطئة
إن ماحصل من تحولات في الكتابة السردية  كان عميقا،ولم يقتصر هذا التحول على البيئة الغربية الاوربية والاميركية التي كان لها قصب السبق في اطار الانتاج الروائي تاريخيا،بل تعداه الى اماكن جديدة  في اميركا اللاتينية وقارة اسيا وافريقيا،لذا لم تعد انظار القُّراء مشدودة  الى الامكنة التقليدية ــ اوربا واميركا ــ التي كانت مصدرا اساسيا  لانتاج الرواية،بل باتت تبحث عن اسماء اخرى جديدة في اماكن مثل تركيا،العراق،الكويت ،السعودية بنغلادش،افغانستان وغيرها من البلدان،خاصة بعد أن قدمت هذه البلدان  ـــ التي لم يكن لها حضور مهم في كتابة الرواية قبل اكثر من ثلاثة عقود مقارنة باوربا واميركا أو مصر على سبيل المثال ـــ مجموعة من الاسماء والاعمال الروائية التي فرضت حضورها الادبي بشكل لافت ،مما اثار جملة من الاسئلة دفعت الاوساط الثقافية التقليدية والقراء الى ان يعيدوا النظر في خارطة الاهتمام بالنتاج الروائي العربي والعالمي .
من هنا بتنا نشهد اهتماما لدى المؤسسات والفعاليات الثقافية العربية بالنتاج السردي العربي إذ بات يأخذ هذا الاهتمام مديات اكبر في مقابل تضائل الاهتمام بالشعر الذي ظل يشكل لعقود طويلة مسار الثقافة العربية وذاكرتها المثالية النرجسية .
يبدو لنا ان هذا التحول في الوعي لدى الوسط الثقافي هو امر يعكس في دلالاته ما حصل من متغيرات في الواقع العربي خاصة بعد غزو العراق للكويت 1990 وماتركه هذا الحدث من اثر تدميري لطبيعة البنية الثقافية التقليدية التي كانت تشكل حجراساس العقل العربي،وبما يحمله من اوهام واكاذيب كرستها منظومة الثقافة الرسمية التي كان تمجد الماضي بكل مافيه من علل وامراض وبطولات زائفة.
حدث الكويت ـــ بكل ماصاحبه من صدمة كبيرة في الوعي المجتمعي،وماتركه من تداعيات عميقة وخطيرة مازلنا نشهدها حتى هذه اللحظة ــ جاءنا بهذا التشظي الرهيب في جسد  ووعي الانسان في المنطقة العربية،ليحيلها الى جغرافيات وهويات  صغيرة تكرس الاحتفاء بنفسها وبهوياتها الفرعية،وليتحول الوعي الجمعي بالنتيجة الى وعي اقلياتي يحتفي ويدعو الى تقسيم الوطن الواحد الى اوطان متعددة تأخذ صفتها واسمائها من الاثنيات والعرقيات والاقليات،ولتحل بديلا عن الانتماء الى وطن واحد جامع لكل الفرعيات والهويات .
وعلى المستوى الابداعي كان لابد ان تسقط نتيجة ذلك السرديات الجمعية الكبرى،امام سرديات صغرى باتت تهيمن وتفرض حضورها في الثقافة والوعي الفردي والجمعي.
في العراق تعيش الرواية عصرها بامتياز،فمنذ العام 2003 بدأنا نشهد تحولا واضحا في مزاج الكتابة الابداعية يتجه نحو الكتابة الروائية بشكل اكبر مما كان عليه قبل العام 2003 ويظهر ذلك واضحا فيما لو دققنا بهذا الكم من النتاج الروائي الذي خرج من جعبة السرد قبل وبعد هذا التاريخ، فالاحصائيات التي عمل عليها عدد من الروائيين والنقاد العراقيين تشير الى ان مجموع ماتم انتاجه من اعمال روائية قبل العام 2003 وصل الى 140 رواية عراقية،بينما نجد هذا الرقم يتصاعد بشكل كبيرجدا بعد هذا التاريخ ليصل حتى  شهر تموز(يوليو) من العام 2014 الى 500 رواية عراقية .
 هذا التحول الكمي ليس بالضرورة ان يكون ـــ بكل مايحمله من عناوين ـــ في خانة الاعمال المستوفية للشروط الفنية للبناء السردي،ومن المنطقي ان كثيرا من تلك العناوين قد لاتحمل بين طياتها من العناصر الفنية مايمكن ان يضعها في عتبة مجاورة لما هو حديث ومعاصر من انتاج روائي سواء ماهو عربي او عالمي،هذا اذا ما اخذنا بنظر الاعتبار ماشهدناه من تحول وتطور كبيرين  في مشغل البناء السردي باتجاه محاكاة  ماافرزته الحداثة و ما بعد الحداثة من تغير وتطور في ادوات وتقانات المغشل السردي.


هنا ايضا لابد من التوقف بشكل خاص عند نماذج الرواية التي امست تخرج علينا خلال العقدين الأخيرين قادمة من  منطقة الخليج العربي  وباتت تفرض حضورا مثيرا للمتابعة عبر عدد من الاسماء الشابة ـــ كتَّاب وكاتبات ـــ بناء على ما تحفل به نتاجاتهم من انسجام وتفاعل مع ماتطرحه الكتابة السردية في اطار الثقافة العربية من اسئلة جديدة،تتعلق بتجديد لغة واليات السرد الروائي بعد أن شهد الواقع العربي جملة تغيرات ــ والاصح ان نقول انهيارات أو تصدعات أوانكسارات ــ  في كثير من الثوابت الراسخة في المنظومة القيمية للمجتمعات العربية.
هذا الوضع،فرض على المثقف والمبدع بشكل خاص أن يعيد النظر في آليات اشتغاله انسجاما مع حقيقة العلاقة الجدلية التي يرتبط بها ويتفاعل من خلالها مع الواقع بإطاره الثقافي والابداعي، للخروج بمقدمات فنية ابداعية تحمل فكرة تجاوز ماهو معطى من اساليب سبق للرواية العربية ان اشتغلت عليهاوقدَّمتها  في نماذج مهمة طيلة مسارها الذي قطعته خلال رحلة تأسيسها ومحاولات تجذُّرها في بنية الثقافة العربية التي تهيمن عليها الكتابة الشعرية.
انطلاقا من هذا التحول الذي  بات يفرض حضوره في آليات الكتابة السردية داخل اطار الرواية المنتجة في فضاء الثقافة العربية خلال العقود الثلاثة الاخيرة،يأتي هذا الاصدار الذي يجمع عدداً من المقالات النقدية كُنتُ قد كتبتُها حول مجموعة من الروايات الصادرة منذ نهاية تسعينات القرن الماضي وحتى العام 2014 وسبق ان نشرتُها في صحف عراقية وعربية.
وهنا ينبغي الاشارة الى ان ترتيب الروايات في الكتاب لم يأت حسب اولويةٍ روعي فيها القيمة الفنية،بقدر ماجاء وفقا للبلدان التي ينتمي اليها  الكُّتاب،لأجل ان تتوفر للقارىء فرصة تشكيل انطباع اولي لما يجري  انتاجه من انماط واشكال في الكتابة الروائية في كل بلد  من البلدان التي ينتمي اليها  مؤلفو الروايات .
      


           التائهون ...
للكاتب اللبناني الفرنسي الجنسية أمين معلوف

  

جدلُ الهوياتِ المُعَلّقة ِمابينَ الأنا والآخر                                     




ترجمة  :نهلة بيضون
الناشر :دار الفارابي –بيروت – لبنان
الطبعة الاولى :كانون الثاني 2013


تناوبُ السَّرد 
اختار أمين معلوف آليّة كتابة اليوميّات رهانا ً تقنيا ً أساسيا في شكلانية بناء السياق العام لمخطوطته السردية(التائهون)واليوميات تمتد على مساحة  زمنية محددة ومؤرخة بستة عشر يوما ً،تبدأ من 19 نيسان،وهو اليوم الذي سبق سفرآدم الى لبنان قادما من باريس حتى يوم الجمعة 5 أيار،أي قبل يوم واحد من فقدانه الذاكرة بعد انقلاب السيارة التي يستقلها في وادي على طريق الجبل.كما لجأ معلوف الى تقنية ضمير الغائب بصيغة الماضي أو كما يسميهاالناقد نورمان فريدمان "وجهة النظرالقائمة على المعرفة الكلية المحايدة،وفيهالايتدخل الكاتب مباشرة بل يتحدّث بشكل لاشخصي،وفي نفس الوقت تُقدَّم الاحداث وتُحلل بطريقة يراها الكاتب ولكن بشكل يختلف عن الطريقة التي تراها بها الشخصية".بجانب ذلك لجأ أيضا إلى تقنية ضمير المتكلم،بصيغة الحاضرفي بناء وسرد الاحداث من بين عديد التمييزات والتصنيفات كخيارات مطروحة أمام الكاتب لإيصال وجهة النظراو كما يسميها فريدمان "الأنا المُشارِك،وهي حالة الراوي بضميرالمتكلم حيث يتساوى السارد والشخصية الرئيسية".
كان خيار تناوب السرد الذاتي مع الموضوعي في إيصال محمولات الخطاب الفني في هذا العمل سليم جدا ً.فحضور ضمير المتكلم في اليوميات جاء منسجما مع موضَعة الحياة الذهنية لشخصية آدم المحورية بصيغة مشهدية،كما أن حضورالضميرالغائب المتناوب في سرد الاحداث كأجراء تقني منح مساحة واسعة بانورامية لها فاعليتها في السرد الذاتي. من هنا بقيت اللعبة قائمة حتى النهاية كما أرادها أمين معلوف،فالمؤلف السارد يغيب تماما ًفي العرض المشهدي ويصبح جزءاً مُدمَجا ومُندمِجا في الحكاية،بينما يحضر بهيمنته العارفة بكل شيء في العرض البانورامي.وقد ساعد هذا التناوب على تحقيق الانسجام في البنية السردية للعمل من حيث تطابق الشكل والموضوع،وهذا هو مايؤكده بيرسي لوبوك في كتابه المعنون فن الرواية "الشكل الارقى هو الذي يُطوِّر بشكل أفضل الدعائم الاساسية للموضوع ". فالروائي الناجح هوالذي يمتلك القدرة على بناء سياق فني واضح للحكاية المسرودة،ويبقى مُمسكا به وفق المسار والرؤية التي أرادها أن تكونَ مَخرجا ً إجرائيا ًفي إيصال محمولات خطابه.
حكاية الحرب والحنين
آدم ــ المؤرخ والاستاذ الجامعي في مدينة باريس ــ حين خلد للنوم في الفراش يوم الخميس والى جانبه صديقته دولوريس لم يخطر بباله أن الطائرة ستقله في اليوم التالي إلى الوطن،بعد سنوات من الاغتراب الطوعي،لزيارة صديقه القديم مراد،فالكلمات المفحمة التي سمعها عبرالهاتف من تانيا زوجة مراد والتي عَرفَت أن تختارها "صديقك يُحتضر،ويريد أن يراك ". جعلت دولوريس تقنعه بأنْ لاخيارأمامه سوى السفر.وليس بوسعه التخلي عن صديق الصبا. يطير آدم على وجه السرعة لرؤية صديقه الذي كان قد أقسم مع نفسه قبل عدة أعوام على أن لايكلمه بعد أن تحول مراد الى واحد من اثرياء الحرب وتجارها."لكن كل الاسباب لاتساوي شيئا حين تقترب ساعة المنون.ولو رفض الذهاب لرؤية صديقه على فراش الموت،فسينهشه الندم آخرحتى آخر يوم في حياته ".
آدم ينتمي الى "صنف من البشرلايستطيع التفكيرإلاّ وهو يكتب،فكان لابد له من الشروع في الكتابة لكي ينتظم حبل افكاره،فالتفكيرعنده بمثابة نشاط يدوي ". وبعد أن بلغ السابعة والاربعين كان عليه التسليم بأنه سيكون المؤتمن على أحزان وخيبات أحبته المتراكمة،بل وعارهم وخزيهم.والفرق بينه وبين صديقه القديم مراد يكمن في الموقف الوجودي من الحياة.فمراد يُقرُّ بأنْ خيارهُ الوحيد هو:الحياة في المكان الذي ولد فيه،وعليه أن يختارالانخراط في هذه الحياة.بينما آدم كان يخشى أن يفوتَهُ عصره دون أن يعيشه بشغف مثلما يريد ويختار"الولادة هي المجيء إلى العالم،لا إلى هذا البلد أو ذاك،لاإلى هذا البيت أو ذاك،وهذا الأمر لم يستطع مراد أن يفهمه أبدا".آدم ينتمي إلى الطبقة الوسطى التي يقول هو عنها"بوسعها أن تنظرإلى العالم نظرة متبصِّرة" وبما أن هذه الطبقة لاتعاني من قِصَر النظر يعود ليكتشف ماضيه الذي تخاصم معه،وانسلخ عنه،بعد أن حاول طيلة اكثر من عشرين عاما أن يتجاهله،لكنه لم يستطع الافلات منه،ولم يكن سعيه هذا لأكتشاف ماضيه الشخصي انطلاقا من أسباب تعود لشخصيته المهنية بأعتباره باحثا ًومؤرخا ًواستاذا ًأكاديميا ًهاجسه الدائم في الحياة العودة الى الوراء لنفض الغبار والتراب عن احداث وشخصيات طواها الزمن،بل كانت العودة أشبه بالسقوط داخل متاهة،حاول قدر مايستطيع أن يتناسى أنها متاهة،وسعى للتعايش والتفاعل معها،وكان لحضوره المادي داخل الوطن جسدا ًوروحا ًبعد غياب طويل تأثيرا ًوقوة ً لتدعيم التفاعل مابين ذاته المغتربة المُعافاة وذاته الجريحة من الوطن،فخرجت أفكاره من إطارالزمان والمكان،وتركزت على سؤال هام ٍ ووحيد ظل يردده مع نفسه:" ماهو السبب الحقيقي لعودتي إلى هذا البلد الحبيب الذي أخشى كتابة اسمه ؟". بقي آدم وفيا ًمع نفسه ومع المبادىء التي حملها جيله لأجل تغيير العالم :"فالمبادىء هي بمثابة الركائز أو المراسي،حين يقطعها المرء يتحرر،إنَّماعلى نسق كرة ضخمة ممتلئة بغاز الهليوم، ترتفع،وترتفع،وترتفع،موحية بأنها ترتفع نحو السماء،فيماهي ترتفع نحو العدم ". ارتباط آدم الوثيق مع مبادئه تتمحورحول تغيير صورة الغد،لذلك هو يدينُ أهلَ بلده،ويصفهم بأنهم متساهلون بشكل يبعث على اليأس مع من يتخلى عن مبادئه ليذهب الى الضفة الاخرى،بل يجدهم يمتلئون إعجابا بشطارة هؤلاء الذين يَصِلونْ،أيّا ً كانت الوسائل التي وصلوا بها،وهم بذلك يطبقون المثل الانكليزي عن روما"حين تكون في الغابة إفعل ماتفعله الضواري ".وهذايُشكل بالنسبة لآدم جزأ ًمن ثقافة الوطن / الماضي الذي لايشعر بالحنين إليه :"أنْ يَضمَحِلَّ عالم الامس،هو سنّة الحياة،وأنْ يشعر نحوه بشيء من الحنين كذلك من سنّة الحياة،إننا نجدُ بسهولة ٍالعزاء لفقدان الماضي،ولكن مامن شيء يعزِّينا لفقدان المستقبل،فالبلد الذي يحزنني غيابه ويؤرِّقني ليس ذاك الذي عرفته في شبابي،بل ذاك الذي حلمت به،والذي لم يُقَّدرْ لهُ أنْ يُبصِرَ النَّورأبدا".
لعبت الحرب الاهلية الطائفية في لبنان دورا كبيرا في الكشف عن البقع العمياء والمظلمة في المجتمع:"في كل ماجرى لامُذنب سوى الحرب ". وتمكَّنت بفعل استمرارها وطول مدتها أنْ تقولِب أسوأ الغرائزالانسانية لتصبح ممارسات ٍوعادات ٍوطقوس مجتمعية:"فكم من الاشخاص تحولوا إلى مهربين وسارقين وخاطفين وقتلة وجزارين،وكان بوسعهم أن يكونوا أفضل الأشخاص على وجه البسيطة لو لم يتقوّض مجتمعهم ". وللخروج من هذه البقعة العمياء أضطرالاصدقاء،آدم وألبير ونعيم،الابتعاد عن الوطن،بل عن المشرق كله،لكي يحافظوا على نظافة الكف رغم إقرارآدم بأن ّ"سلوك طريق المنفى كحل ِّوحيد لمعضلاتنا الاخلاقية سيكون منافيا ً للمنطق.ويجب أن نجد يوما ما،حلاً هناك ".
الحلمُ بالثورة وتغيُّرالافكار
قبل أثنتين وسبعين ساعة من قرارالسفرالى لبنان لم يكن آدم يفكر بالقيام بهذه الرحلة،ومع وصوله الى الوطن تكوّنت لديه رغبة كبيرة في جمع شتات الماضي،رغم ماحصل من متغيرات جوهرية خلال عقدين من الزمان تفرق خلالها الاصدقاء بين أماكن وخيارات ومصائر مختلفة،وبات من الصعب أن تعود تلك العلاقة بينهم مرة أخرى كما كانت عليه قبل أن يتفرقوا،إلاّأنّه لم يبخل على نفسه شرفَ محاولةِ جمع شمل اصدقاء كانوا لايفترقون ابدا ً،كان مراد أبن العائلة الارستقراطية حريصا على أن يجمعهم في سهرات ليلية بشكل دائم في شرفة بيتهم الواسع عند الجبل،وقد شكلوابأنتماءاتهم الدينية المختلفة صورة عن مجتمع تواطىء مع بعضه البعض على استمرارالسِّلم الاجتماعي بين مكوناته رغم الانقسمات العميقة بينها،فكان طبيعيا ًأن تكونَ هذه الصحبة بين خليط غير متجانس ٍ دينياً يتألف من مسيحيين(آدم  والبير ومراد وتانيا ورمزي وسمير أميس) ومسلمين(بلال ورامز)واليهودي( نعيم ).كان القاسم المشترك الذي يجمعهم هو الحُلم الرومانسي بالثورة والتغييروفق ماكانت تعكسه الافكارالماركسية ايّام كانت تعيش ذروة عصرها مثلما هي الآن الافكار الدينية الاسلاموية المتطرفة تعيش ذروة عصرها حسب التعبير الذي إستخدمه آدم وهو يستعرض تحليلاته للواقع أمام نضال الاسلاموي المتشدد،وحقيقة التحولات التي طرأت على الافكار في المنطقة وانتقالها من ذروة العصر اليساري الماركسي الى ذروة العصر اليميني الاسلامي المتشدد.وأثناء سعيه لجمع شمل الاصدقاء القدامى يلتقي بنضال الشقيق الاصغرلصديقه بلال الذي كان يطمح أن يكون كاتبا كبيرا ًيستلهم وعيه وافكاره من وحي التجربة الحقيقية المعاشة في الحرب،ليدفع بالتالي ثمن ذلك روحه،فيسقط قتيلا وراء أحد المتاريس في مطلع الحرب الاهلية وليترك جرحا عميقا خلفه في قلب عشيقته سمير أميس لم يندمل هذا الجرح رغم السنوات التي مضت.وعلى عكس ماكان عليه شقيقه الاكبربلال أصبح نضال اسلاميا متشددا، واللقاءمعه أحدث خلخة وارتجاجا عميقا لدى آدم المسيحي اللبناني المغترب،ووضعه في حالة مواجهة جدلية مع ذاته وهويته الممزقة بين أنتماءين،انتماء للشرق العربي الذي هرب منه ومن حروبه،وانتماء للغرب الذي لجأ إليه بجلده وحياته.فالحوار مع نضال جعله يشعر بهشاشته من الداخل،ذلك لأنَّ طبيعة وجديّة الحوارذهبت به بعيدا عن هدف اللقاء الذي هوجمع شمل الاصدقاء لينعطف بشكل حاد إلى تقييم واستعراض حقيقة وجوهرالعلاقة مابين الحضارة والهمجية،الدين والمدنية،الغرب والشرق،المستعمِر والمستعمَر،الضحية والقاتل،الأنا والآخر.فالعَرب ــ كما ردد ذلك نضال بأنفعال واضح اثناء حديثه ــ وخلال اربعمائة عام مضت تعرَّضوا للغزو والأذى ودفعوا الثمن باهظا ً لكل الذين استعمروا بلادهم .فهل الموقف هنا بين الضحية والقاتل متساوٍ ؟. وهل كانت الاذيّة مُتبادلة كما ردَّدَ آدم اثناء حديثه ؟. وهل منطق ألأذيّة المتبادلة ــ الذي جاء به آدم في سياق حديثه ــ يأتي من باب الاستقامة العلمية في أن يكون محايدا ً؟.
لمْ يكن اللقاء بين نضال وآدم مجرد إعادة صلة مقطوعة بماضي شخصي بقدر ما كان تصفية حساب مع التاريخ،تاريخُ المنطقة وصراعاتها مع الغرب،فكانت التساؤلات التي جاءت على لسان آدم بمثابة محاكمة للهزيمة والتراجع والخسارات والاندحار الدائم والتخلف عن الحضارة،لكنها بنفس الوقت تركت أثراً بالاستفزاز داخل نضال الذي يمثل جيلا آخر يحمل عقيدة دينية متشددة،ولم يكن بين الاثنين مايربطهما أويجمعها معا ًسوى خيط واه ٍهو بلال الأخ الاكبر لنضال،فأكتشف آدم بعد هذا اللقاء انَّه ينتمي الى عَصر ٍآخر،عَصرٌأمست طليعته في المؤخرة،ومن كان في المؤخرة أمسى في الطليعة.
أفضى لقاء آدم مع أصدقاءه القدامى ومع بقية الشخصيات الأخرى التي كان يعرفها قبل هجرته إلى تصفية حسابات مع مرحلة زمنية ماضية ينتمون لها جميعا،بما لها وماعليها،ليصل معهم إلى نتيجة مفادها أنَّهم :كانوا يحملون أنبل الاحلام،وكلما التقى بواحد ٍمنهم يجدهُ متأسفا ًعلى مامضى من الايام،ويتمنى لوعادت بكل ماكانوا عليه من شغف بالتغييروالانتماء للانسانية والنأي عن الانتماءات الطائفية والدينية.وفي دوامة الاسئلة التي تؤرجحه،يجد نفسه أمام َجواب غريب يفرض حضوره عليه،كان الجواب واضحا في صيغته بقدر ما هو غامض في دلالته:"لمْ أرجع إلاّ لقطف الزهور.وتبيَّن لي أن تلك الحركة التي تقوم على قطف زهرةٍ وإضافتها إلى الباقة التي نحملها أصلاً في يدِنا ونضمها إلى صدرنا،هي الأجمل والأقسى في آن واحد،لأنها تكرِّم الزهرة إذ تخطف منها حياتها ".
تقانة الرسائل
الاسئلة الجوهرية التي يطرحها آدم على نفسه،يعيد طرحها برسالة على صديقه اليهودي نعيم:"كيف تفسِّرأننا لم نُحدِث أثرا ً يُذكَرعلى مسيرة بلدِنا ومنطقتنا بصرف النظرعن مسيرة العالم !؟. كيف تُفسر أننا أصبحنا حاليا في معسكر الخاسرين والمهزومين ؟".هذه التساؤلات تخصُّ جيلا بأكمله عاش في سبعينات القرن الماضي،كان يحدوه ُأمل كبير بتغييرالعالم وتحقيق السلم والعدالة الاجتماعية والحرية الانسانية،لكنه يكتشف بأنْ لاجدوى من ذلك بعد أن جاءت الحرب اللبنانية الاهلية في منتصف العقد السابع من القرن العشرين وعصفت بكل شيء،فتفرَّق معظم الاصدقاء في بلدان وقارات عِدَّة واصبحوا مهاجرين يحملون جنسيات أوطان أخرى،وماعاد صوتهم يكاد يُسمع .والبعض منهم تماهى مع اخلاقيات مجتمعاتهم الجديدة مثل ألبير الذي أمسى مثليّا ً بعد أن لجأ الى الولايات المتحدة الاميركيةعلى أثر تجربة خطف غريبة تعرّض لها قبل خروجه من لبنان،والمفارقة أنها حدثت في نفس اليوم الذي قرر فيه الانتحار خلاصا من الحرب،المتورط بعملية الخطف كانت عائلة مكونة من رجل وأمرأة،ولم يكن ألبيرهو المقصود،إنما جاءت عملية خطفه نتيجة مروره صدفة في الشارع الذي يفصل بين طرفين متنازعين،أحدهما تورّط في خطف الولد الوحيد لهذه العائلة،فما كان منها إلاّأن تردَّ بالمِثل،حتى لو كان المخطوف شخصا لاصلة مباشرة له بعملية خطف ابنهم،فالمهم أن يكون من سكان الحي الذي يتخندق فيه الطرف الاخر،وهذا هو القانون المقدس للحرب الاهلية. ألبير"ظل يبتسم مثل الأبله " أمام تهديد الخاطفين بماينتظره من مصيروماسيلقاه من تعذيب قبل الموت وتم اكتشاف حقيقة هذه اللامبالاة  في رسالة وداعية كان قد كتبها على ورقة صغيرة،فطلب منهم أن يخرجوها من جيب سترته الداخلي ويقرأوها"حين تكتشفون هذه الرسالة،أكون قد أقدمت على ماقررت الاقدام عليه.لاأريد أن يشعرأي منكم بالمسؤولية عن موتي،ولايتصورأحدكم أنّه كان بوسعه الحيلولة دون حدوثه لو تدخل أبكر من ذلك بقليل.قراري ليس وليد الأمس.فلقد فات الآوان منذ وقت طويل.." وبعد أن تلاشت صدمة الخاطف واستوعب الموقف تحول الى متعاطف معه ومع محنته،لأنَّ الخاطف لايشبه أي خاطف آخر،فهو لم يكن سوى مواطن صالح أمضى حياته يعمل ميكانيكيا ويتطلع فقط لرؤية ابنه الوحيد يتخرج مهندسا ً وتحقق له ذلك. لذا اطلق سراح البير بشرط أن يبقى على تواصل معه،وهذا ماتم بالفعل بينهما.
في الرسائل المتبادلة عبرالانترنت،بين آدم ونعيم المُقيم مع عائلته في البرازيل مُذ خرجوا من لبنان ايّام الحرب الاهلية في منتصف سبعينات القرن العشرين يتم الذهاب بعيداً في رسائلهمالاستكشاف الدواعي والاسباب التي عصفت بتلك الصحبة والألفة الجميلة التي كانت تجمع أبناء البلد الواحد وهم على ماكانوا عليه من تنوع ديني وقومي ومذهبي وايدولوجي،خاصة فيما يتعلق بصديقه نعيم،ليتوصلا إلى أنّ النزاع مابين العرب واليهود الذي قلب حياتهم رأساً ًعلى عقب،ليس خلافا مثل غيره من الخلافات الاقليمية.وهنا لابد لنا أن نشير إلى طول هذه الرسائل،والمنحى الاستطرادي الذي ذهبت به باتجاه التحليل السياسي،فجعلتنا نشعر وكأننا نقرأ محاضرة حول تاريخ الصراع القائم مابين اسرائيل والعرب وطبيعته،وبذلك نأت هذه الرسائل بعيدا ًعن تقانات البناء السردي للرواية وما تفرضه من توظيف آليات فنية يلجأ اليها الكاتب الخبير في مثل هذه الحالات لبناء وصياغة متراكمات الاستطرادات الوصفية والتحليلية القائمة في بنيةالرسائل،وذلك بإحالتها الى رؤية فنية تجعلها في صلب الخطاب السردي وليست طارئةعليه وطاردة له.
شخصية آدم هي المعادل الموضوعي المعاصرلشخصية أتيلا التاريخية التي يكتب عنها بحثا منذ عدة أعوام .أتيلا  المهاجر الى روما الذي يسعى ألى الاندماج في الوطن الجديد لأجل أن يكون مواطنا رومانيا ً،وكان لديه كل الاستعداد لأن يتحوّل الى بربري يسعى لغزوها عندما يشعر أن روما سوف لن تفتح ذراعيها له.لكن آدم يجد مدينة باريس تفتح له ذراعيها،مثلما فتحت له سميراميس ذراعيها بعد عشرين عاما على لقائهما الاول الذي لم تكتمل فيه قصة الحب بينهما بسبب خجله وتردده انذاك،مقابل ذلك تكتمل قصة الحب مابين سمير أميس وبلال.وبعد عشرين عام سيتخلى آدم عن تردده،لتصبح سمير أميس عشيقته مرة اخرى.
تعكس سمير أميس في شخصيتها جانبا حيويا وجوهريا من طبيعة الطبقة البرجوازية اللبنانيةالتي تنتمي لها ومايتداخل في تكوينها من ثقافات متنوعة خاصة الثقافة الفرنسية،فوالدتها دمشقية،ووالدها من منطقةجبيل اللبنانية،أمّا هي فقد ولدت في مصر وغادرتها ولم يكن عمرها قد تجاوزعاما واحداً.والداها كانا يحرصان على أن يتكلما اللغة الفرنسية فيما بينهما وبين بقية افراد العائلة والاقارب،بأستثناء الحديث مع الطباخ والسائق فعادة مايكون باللغة العربية،وحين يشيران في أحاديثهما الى أهل البلد،من أبناء جلدتهم،من اللبنانين،كانا يقولان عنهم العرب،وكأنهما من البريطانيين أواليونان.ولكي يعكس المؤلف بشكل واضح انفتاح الحاضنة الثقافية لهذه الطبقة على الأخرين،يقدم لنا حدثا ً ثانويا بطله والد سمير أميس الكاثوليكي المتعصب الذي لم يتردد أيام كانوا يقيمون في مصر مِن إخفاء شاب صغير ينتمي لحركة الاخوان المسلمين تورّط مع آخرين في محاولة فاشلة لأغتيال جمال عبد الناصرعام1954وخوفا ًمن افتضاح الأمر مُستقبلا يبيع بيته وشركته ويصفّي كل مصالحه التجارية ويغادر مصرعائدا ًإلى لبنان قبل أن يصدرعبد الناصر قراره بالأستيلاء على أملاك اليهود والاجانب والطبقة الأقطاعية ويؤممها،وهذا ماأتاح له أن يحافظ على ثروته ويشتري بها املاكا ً واراض في لبنان.
ينهي أمين معلوف أحداث روايته بانحراف السيارة التي تقل آدم وصديقه رمزي وسقوطها في وادٍ بينما هما متجهان الى لقاء بقية الاصدقاء الذين وصلوا الوطن قادمين من اربع قارات،الكل كان ينتظرعودة آدم لتبدأ الجلسة،لكنه تأخرا كثيراً ولم يحضر.فبدأوا في رحلة للبحث عنه بعد أن كان هو الذي يبحث عنهم طيلة الايام الماضية ليجمعهم،فيتم العثورعليه وهو في غيبوبة تامة،وليبقى هكذا مُعلقا ًمابين الحياة والموت،قبل أن ينكفىء إلى هذا الجانب أو ذاك،وكما تقول عنه صديقته دولوريس"انه محكوم مع وقف التنفيذ مثل بلده،ومثل ذلك الكوكب مع وقف التنفيذ،مثلنا جميعا ً". هذه الخاتمة بدلالتها العدميّة تلتقي مع كلمة الاهداء التي إستعارها المؤلف من سيمون فايل(1909– 1943) وقدَّمها في مستهل عمله السردي بأعتبارهاعتبة فلسفية يطأها القارىء قبل الدخول إليه:"كل ماتمسه القوة ينحط ّقدره أيا ً كان التَّماس .. فاللطخةُ هي نفسُها سواء ٌ إعتدى المرءُ أمْ تعرَّض للاعتداء ".  









  





الفراشة الزقاء
للكاتب اللبناني ربيع جابر     
   
          





            قصديةُ الشّكلِ،وتحطيمُ العلاقةِ مابينَ المَرئي والمُتخيَّلْ
                                                          



الطبعة الثانية 2013
عدد الصفحات 192
الناشر:التنوير/ للطباعة والنشر والتوزيع/لبنان
تفكيك البنى  
أيّ عمل إبداعي يصل الى مرحلة متقدمة من النضج الفني،هذا يعني أن: المؤلف قد تمكن خلال رسالته الفنية الامساك بالخيط الرفيع الذي يفصل مابين عالمين متناقضين ومتقاطعين ــ الواقع والخيال،المنطق واللامنطق، المرئي واللامرئي،الحقيقة والوهم ــ في لحظة جمالية يكون فيها مُستقبِلُ العمل مُوزعاً بين خليطٍ من مشاعر مختلفةٍ تتوزع مابين الدهشة والغموض والمتعة والتأمل والاستفزاز،متأرجحاًعند نقطةٍ تتقاطعُ وتتداخلُ فيها الوقائع والاوهام في آنٍ واحد.والنص الروائي(الفراشة الزرقاء)سار المؤلف فيه بهذاالاتجاه،وبدامُنسجماً مع ماجاءت به كتابات ماوراء القص التي تمظهرت في"اهتمامها بالعلاقة بين الواقع والتخييل.فالواقع لم يعد قابلا للفهم،والتاريخ ليس أكثر من رواية.كماأهتمت بقضية اللغة وعدتَّها نظاماً اعتباطياًاستبدادياً.وناقشت الحالة المفارقيةلسلطةالمؤلف،وجعلته بلاسلطة أحيانا.وأبرزت إلى الواجهة خيالية الروايةوالواقع على حد سواء". هذا ماوردفي كتاب الناقدة د.أماني ابو رحمة المعنون (ماوراء القص). من هنا لم يكن من السهل إستقبال مايُسرَدُ من تفاصيل داخل الحكاية الرئيسية التي بَنى عليها ربيع جابر عمله،وهذا يعود الى " رفضه للوسائط البنيوية التقليدية في سرد الحكاية ." كما يقول شانون وليامز ومايتبع ذلك من تغير جوهري في وظيفة السرد، ليذهب المؤلف في مخطوطته السردية الى انعطافات حادة ".
 قصد المؤلف أن يضَعَنا أمام تجربة جمالية تكون فيها ذائقتنا أمام تحدٍ،وهذا يستوجب منّا تفكيك ماتكدّس لدينا من اتفاقيات فنية في السرد في منظومتنا النقدية،فلم يكن من السهل علينا ونحن نقرأ النّص التوصل بسهولة الى معرفة أسم السارد/المؤلف الروائي داخل النص،وهو بنفس الوقت شخصية الحفيد الذي أُطلق عليه نفس الاسم الذي كان يحمله جده الاسكافي انطون الذي وجد مقتولا في دكانه يوم الاثنين 12 تشرين الثاني عام 1877 في بيروت،بعد ثلاثة أيام على مقتله من قبل رجالٍ من أهالي الجبل،أخذاً بثارٍقديم عليه. " خَالةٌ من خالاتي،لاأعرف مَنْ بالضبط، إقترحت أن يسمّوني سليم.لكن أبي حسم الموقف،فأطلق عليّ إسم نورعلى سبيل الدعابة ". وبعد أن يكتشف صدفةً خبر مقتل جدِّه في أرشيف مكتبة الجامعة الاميركية التي يَدرُس فيها،يطلب من صديقه الذي يشاركه الغرفة في البناية المخصصة لطلبة الجامعة أن يناديه بأسم انطون." ألأحساس الذي انتابني،عقب قراءة تلك الكلمات المرسومة على الشاشة الخاصة بآلة الميكروفيم،كان شديد الوطأة.فجأة بدا لي أن العالم كلّه مزيّف.كأن أنطون الصغيرالذي أسموهُ على أسم جدِّه المقتول في بيروت لم يولد قط.كأنّ بلدتنا بلدة خيالية.كأنّ غرفة الميكروفيلم ليست موجودة داخل حرم الجامعة بل فوق سطح القمر.كأنّ الجامعة ذاتها هي غير حقيقية.واستمرذلك الإحساس للحظات معدودة.فكأنّ كل شيء مزيَّف،ولا شيء حقيقي إلاّ هذا الاحساس للحظات معدودة الذي يستولي عليّ بسبب من هذه الكلمات المنشورة في صحيفة من القرن الماضي " .
تفكيك اتفاقيات القصة
المؤلف جابرلايتردد في استفزازالقارىءعندما يأخذ بنية خطابه الروائي نحو منطقة يستثمر فيها تقنية الاسطورة ليصبح المنجز الفني بالتالي تجسيداً وتشخيصاً منطقياً لكل ماهو غير منطقي.هنا تكمن الحرفية العالية للمبدع في التعامل مع أزمنة متناثرة متباعدة بأحداثها ووقائعها وشخصياتها.فالكتابة الابداعية وهي تدخل مشغل السرد الروائي لاسبيل امامها للوصول الى جوهر الاشياء والدلالات إلاّ أن تنطلق فيها مخيلة المبدع من عتبة الحرية وهو يصبو إلى بناء عالمه السردي وفق منطق التصور والافتراض على اتساع مخيلته.وهنا يشير (شانون وليامز) في مقالته المعنونة(خصائص الرواية في مابعد الحداثة):"أدب مابعد الحداثة يطبِّق فوضى الوجود المعاصر على اشكاله ويسعى إلى تفكيك اتفاقيات القصة من أجل فضح زيف الاسطورة التي تروج لنظم عقائدية مستندة إلى الوهم "  .
تخطى ربيع جابر أساليب السرد التي راكمتها الرواية العربية التقليدية عندما لجأ إلى آلية بناء المشغل السردي في كتابات ماوراء القص،وفيها يطل السارد بين فترة وأخرى ليعلن عن حضوره ." أقرأُ الجملة الاخيرة فلا أعرف ماذا سأكتب بعدها،وأحسُّ بألمٍ في صدري،وأفكِّر بأن عليَّ أن أرمي القلم من يدي وأن أمضي إلى السرير ". وفي مكان  آخر من الرواية ."أراقب البُخار يتلوّن بضوء اللمبة الصفراءأفكِّر أني وصفت هذا المشهد في رواية سابقة ".. وبهذا الصدد تقول  ليندا هتشيون:"رواية عن الرواية،أي الروايةالتي تتضمن تعليقاًعلى سردها وهويتهااللغوية ". 
انطون/السارد/المؤلف الروائي داخل الرواية،إلى جانب كونه طالب ماجستيرفي الجامعة الاميركية في بيروت،هو كاتب روائي. " كتبتُ تسع روايات ونشرت ثلاثا ًمنها ". وهوعلى وشك البدء بكتابة روايةجديدة.فالذاكرة تختزن الكثيرمن الحكايات منذ ايام الطفولة.  " هناك في البداية حكايات جدتي عن أخيها الصغير،وعن جوزف وجورجي بابازواغلي،وعن معمل تحرير الحرير من دودة القز وصاحبه الفرنساوي بروسبر بورتاليس.حكايات سكنتني منذ ايام الطفولة " . ولأنَّه لم يكن مستعداً للبدء بمشروع روايته الجديدة طالما لم يجد أنَّ ماتختزنه الذاكرة غيركافٍ لكي يصنع منها رواية إلاّ أنّ لحظة الشروع جاءت بعد فشل تجربة عاطفية عاشها مع س. "وبعد أن تركتني(س)ومضت بعيدا اكتشفت فجأة انني قد وصلت إلى البداية لتوّي.....سأكتب رواية،قُلتْ.وقلتُ إنني سأبدأها بجنازة جدتي " .
بنية الزمن
استثمر ربيع جابر مهنة الشخصية المحورية ــ بأعتباره يعمل مؤلفا روائياً ــ ليرسم مُخطَطَاً هندَسياً شيَّدَ على أساسه بنية النص،عبرمعمارفني إنشطرت فيه الحكايةالى شظايا،توزعت على أربعةأزمنة:الماضي، الحاضر،المُتخيَّل،الحُلم.هذه الازمنة تقاسمت الحضوربشكل متدفق وسريع قائم على استثمارالبناء المتوالي الذي تتيحه آلية المونتاج السينمائي في البناء السردي للحكاية بكل تشظياتها الزمنية والمكانية،لتتوالى حركة الازمنة(تقدماً ورجوعاً)في سرد الحكايات على لسان أبطالها أو على لسان(السارد/المؤلف الراوي داخل النص/الشخصية الرئيسة)،أو على لسان(السارد/المؤلف/الضمير الغائب).وتم تقطيع النص إلى حكايات كما لوأنها مُقاربة شكلية مع التقطيع الحاصل في المعالجة الادبية لبناء سيناريو الفلم السينمائي قبل مرحلة(السِّكْرِبْت) أي المخطوطةالتنفيذية:حكاية دخول جدتي في معمل بورتاليس /كيف تحولت جدتي من عاملة بسيطة الى/ جملة اعتراضية/حكاية الفراشة التي طارت/جدتي تداعبني / جوزف/ لكنه ليس انطون / الرؤية في الظلام /حياة وموت جوزف بابا زغوالي .
فالرواية حبكة فنية لمجموعة من الحكايات المرتبطة والمتشظية مِنْ مَتنٍ واحد:حكاية يوسف وابنه سهيل/حكاية سهيل وابراهيم البخعازي/حكاية الشقيقان جوزف وجورجي وصديقهما سليم/حكاية حب جوزيف لزهيّة/حكاية زواج زهيّة من سليم/حكاية زهيّة ودخولها معمل بروتاليس لتحرير الحرير/عودة جورج من الغربة بعد اربعين عاما .
الحكاية
مع منتصف القرن التاسع عشر وعلى اثر تداعيات انهيار الامبراطورية العثمانية شهدت مستعمراتها العربية ومنها بلاد الشام جوعا كبيراً إضافة الى أن هذه الفترة كانت بدايةً وصول علامات النهضة الحديثة إليها،جاء بها مبشرون ومستثمرون مغامرون غربيون سبقوا الجيوش الفرنسية والانكليزية في الدخول اليها.بنفس الوقت كانت هذه الفترة بداية الهجرة الاولى للعديد من ابناء الشام الطامحين الى الثروة والعمل الى أميركا وافريقيا،وكان من بينهم جبران خليل جبران،كذلك يعقوب صروف وفارس نمر اللذان اصدرا مجلتي (المقتطف والمقطّم)في مصر،إضافة الى جورجي زيدان الذي كان ينشر مقالاته في المجلتين المذكورتين،وزيدان يرد ذكره في النّص بأعتباره صديق الطفولة والشباب لسهيل بابازواغلي قبل أن يسرق الاسوارة من الصائغ الاعرج ويودع في السجن.أيامها كان زيدان يعمل مع والده في ادارة فندق في منطقة بتاتر،في لبنان ويحرص على قراءة الكتب التي يجلبها له سهيل بعد أن يسرقها من المكتبات،أي قبل أن يهاجرالى مصر ليصبح فيما بعد أحد اشهر الذين لعبوا دورا أساسياً في النهضة الفكرية التي شهدها العالم العربي مع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين في مختلف شؤون الفكر والمعرفة والادب مشاركةً مع آخرين من ابناء جلدته.
مُقدّمات أحداث الروايةــ التي تلعب الوِراثة والصُدَفُ دورا حاسماً في تقرير احداثها ومصائر شخصياتها ــ تعود بنا الى تلك الفترة العاصفة(منتصف القرن التاسع عشر)وفيها كان العالم يشهد قيام عالم جديد،تقوده قوى وآليات جديدة،على انقاض عالم آخر،كان قد وصل إلى مرحلة بدا فيها هَرِماً وماعاد قادرا على رؤية الحياة ومتغيراتها العلمية بوضوح،لذا لم يعد قادراً على المواجهة والبقاء.في تلك الفترة أراد يوسف بابازواغلي أن يصبح أبنه سهيل طبيباً أوموظفا حكوميا كبيراً مثله،لذا يرسله الى مدرسة الفرنسسيكان الداخلية.لكن الاقدارجَرت على غير ماكان يحلم.فبينما كان الأب يوسف يقضي وقته بين المعاملات الحكومية وقراءة آخر الكشوفات العلمية التي قام بها داروين وجد سهيل لنفسه طريقا ً آخرى ستفضي به إلى مستقبل غامض وخطر،عندما مدّ يده وسرق اسوارة ذهبية من دكان صائغ اعرج.فلحق به وتمكن من القبض عليه.فيتم إيداعه السجن فيتبرأ منه والده الى الابد.وليقضى ثلاث سنوات في السجن وهو يلعب الورق مع ابراهيم بخعازي المُصاب بالسّل والمحكوم لمدة عشر سنوات بتهمة قتل مراقب العمال طَعناً بالسكين اثناء عمله في أشغال جرِّ مياه نهر الكلب الى بيروت مع شركة تونان الفرنسية عام 1871. فكانت الاعوام تمر متشابهة على بخعازي لكنْ بمجيء سهيل تبدل كل شيء،فقد عرف في شخصية سهيل شاباً صادقاً.وإكراماً لطيبته معه،بعد أن كان معزولا من قبل جميع السجناء،ترك له بخعازي قطعة أرض صغيرة كتبها في وصيّة قبل أن يموت،واحتفظ بها سهيل في صندوق خشبي كَصَك ملكية في الكوخ الذي بناه على ارض الحقل بعد خروجه من السجن.وبعد عقود من السنين يموت سهيل بابازواغلي بشكل تراجيدي وهوفي حقل الحنطة وحيداً يدافع عن السنابل التي هاجمتها اسراب من الجراد بعد أن كان قد اتفق مع حفيديه على حصدها في اليوم التالي . ينتقل الصندوق الى عهدة حفيديه جوزيف وجورج اللذان يتشابهان بشكل كبيرالى الحد الذي لايمكن التفريق بينهما رغم أن جوزيف أكبرمن جورج بعام واحد.وكان جوزيف على وشك أن يتزوج من زهيّة التي أعجب بها بعد أن شاهدها تخرج من معمل بروسبر بورتاليس لتحريرالحريرالطبيعي من دودة القز،لكن الجَّراد الذي قضى على محصول الحنطة،ومن ثم القحط الذي مرعلى البلاد في تلك السنة واصابها بالمجاعة،دفع الاخوين ــ مثل كثير ٍمن ابناء الشام ـ لأن يتخذا قرارهما بالسفر الى مصروكان سفرهما قد تمَّ بعد نهاية الحرب العالمية الاولى مباشرة.عند ذاك أصبح الطريق سالكا أمام صديقهما سليم لكي يتزوج من زهيّة التي كان هو الآخر يحبها بصمت دون أن يكشف ذلك لجورجي وجوزيف،لذا كان رحيلهما عن البلاد فرصة سانحة له لكي يرتبط بمن يحبُ. وبعد اربعين عاما من الغياب يعود أحد الاخوين الى القرية ويلتقي بصديقه سليم مرة اخرى الذي لم يكن متأكدا إن كان العائد هو جوزيف أم جورجي،فالشبه الكبير بينهما أدخل سليم في حالة من الحيرة والقلق رغم ادعاء العائد بأنه جورج وأن شقيقه جوزيف قد توفي قبل عدة اعوام في المانيا على اثر اصابته بمرض السّل. "منذ اللحظة التي بدأ فيها جورجي حكايته عن حياة وموت جوزف بابازواغلي إستدارت سوسةٌ صغيرة تحت اضلاع جدي،وأخذت تنخرصدره من رأس معدته حتى حنجرته،ففقد الأمان الذي كان يملؤه،وأستعاد أرق تلك الليالي التي سبقت زواجه من جدتي". وبعد أن ينتهي جورجي بفترة قياسية لاتتجاوز الشهرين من بناء نزل واسع بغرف متعددة على نفس الارض التي كان عليها  كوخ جده سهيل بابا زواغلي وبنفس معمار النزل الذي كان محبوسا فيه لمدة ثلاثة اعوام في بيروت،يغادر سليم القرية فجأة بعد أيام على افتتاح النزل وامتلائه بحياة صاخبة دون أن يخبر أحدا عن وجهته،حتى زوجته لم يخبرها بذلك لكنها كانت قد لاحظت تحولا مفاجئا طرأ على شخصيته قبل اختفائه،فلم يعد رقيقاً معها ولامع بناته،وبات يغضب لأقل كلمة،ويفضل دائما أن يتناول طعامه وحيداً.وبعد ثلاث سنوات تعلم زهيّة بخبر  غرق سليم  في مياه البحر مع ستين راكبا،كانوا جميعاًيستقلون باخرة قادمة من اوربا إلى مرفأ بيروت وكان هو عائداً من رحلته،بعد أن إستلم مكافأة نهاية الخدمة من الجيش الفرنسي الذي عمل معه إسكافياً لأكثر من 25 عاماً. بعدها اقفل جورجي النزل نهائيا،وجلس أمام المرآة وبدأ يتكلم مع صورته: " هاأنا وحدي ياجوزيف،وأنتَ وسليم هناك.هل تفكران بي كما أفكربكما؟ ". وفي المرآة كان جورجي يرى وجهاً أصفر.ويتسائل مع نفسه. "هل هو وجهه أم وجه جوزيف ؟ ". ليُدخلنا النّص مرة اخرى في لعبة الشك والتأويل التي تنساق إليها كتابات ماوراء القص،والتي انعكس حضورها الواضح في تركيبة الحبكة التي اتقن نَسْجَها المؤلف جابر وماشَحَنَ به نصَّهُ من تعليقات،إضافة الى القصدية الواضحة في تصدير الشكل وتحطيمٍ واضحٍ للعلاقة الفاصلة مابين المرئي والمتخيل.لم يعش جورجي أكثر من عام بعد خبر وفاة سليم فمات هو الآخر وحيداً في نزله المهجور.وترك وصيّة تنازل فيها لزهيّة عن النَّزل،وبعد موتها هي الاخرى يصبح النزل ملكا لحفيدها انطون مؤلف الروايات الذي يرفض هو الآخر بيعه مثلما كان عليه موقف جدته رغم الحاح بناتها واحفادها لأنهم كانوا يفكرون بالفائدة المادية التي ستعود عليهم فيما لو تم البيع . "النَّزل يجب أن يبقى كي لاتموت الحكاية.أمّاالآن وقد كَتَبتُها،فما الضرورة من بقاء النزل ؟ "
الجنوح الى اللعب
يبقى أن نشير إلى أن الرواية عندما صدرت عام 1996 في طبعتها الأولى كانت تحمل اسم المؤلف "نور خاطر"وليس ربيع جابر!؟ وهذا بتصورنا كان جزءاً اساسياً يدخل في منظومة كتابات ماوراء القص التي انخرط فيها المؤلف بذكاء وحرفية عالية أطّرَ سرديته فيها،بالشكل الذي أباح له ابتكارعوالم داخل عالم النص،لأَجل توريط القارىء في لعبة الوهم، مما يجعله غير قادر على التَّوقع والتمييز مابين الحياة الحقيقية والحياة المُتخيّلة داخل الرواية،طالما قد جنح المؤلف الى تجاوز الحدود التي يفرضها البناء الفني الكلاسيكي المتماسك.وهذه الآلية الشكلية التي تثير البلبلة والشك سترتقي بالتالي بمستوى المهارات القرائية التي ينبغي أن يكون عليها القارىء،وتضعه هو الآخر إلى جانب المؤلف في مسؤولية المشاركة الواعية والفاعلة في تفكيك المعنى وصناعته .



                          
بيروت مدينة العالم
للكاتب اللبناني ربيع جابر

          


       تجاور وتداخل الازمنة في بنية السرد






الناشر:المركز الثقافي العربي ودار الاداب للنشر والتوزيع /بيروت 





ماوراء القص
مابعد الحداثة طرحت آليات جديدة في معالجة البنية السردية داخل العمل الروائي كانت افتراقا فنياً عما طرحته الحداثة في منظومتها التي اتسمت الياتها بالصرامة والوضوح.
يأتي مصطلح ماوراء القص خياراً فنياً من بين خيارات متعددة طرحتها فنون مابعد الحداثة، وقد تم طرحه أول مرة في مطلع العالم 1970من قبل الناقد الاميركي (وليام غاس) انسجاماً وتماهيا وتعبيراً عن الفوضى العامة التي باتت عليها الحياة المعاصرة.
جاءت مجمل الكتابات السردية المنضوية تحت هذا العنوان وهي تحمل سمات تتمحور حول فكرة بناء مشوش غير متماسك،واحتوائها على ادوات فنية تُعزِّز وتكرَّس اللاتماسك والانفراط،على عكس ماكانت قد طرحته الحداثة وماقبلها من انضباط.
نصوص ماوراء القص كما يشير الى ذلك الناقد ماك كافري:"موجهة شكليا،وتتضمن استراتتيجيات توظف ادوات لتوضيح الاحتمالات الشكلية".
رواية (بيروت مدينة العالم )للكاتب ربيع جابر يمكننا اعتبارها منجزاً  تطبيقياً ـ إن صح القول ـ  لسياق المعمار الفني الذي يطرحه مفهوم ماوراء القص،وقد شخصت الناقدة ليندا هتشيون بعض الخصائص الفنية في هذا النمط من الكتابة السردية كما جاء ذلك في الكتاب المعنون - ماوراء القص – للناقدة الاكاديمية د.اماني ابي رحمة :" توظيف البناء غير المتماسك،في تحدي الحدود التي تقبّلنا وجودها بين الادب والخطابات السردية فوق الادبية،التي تحيط به مثل:التاريخ،السيرة الذاتية،السيرة الذاتية التاريخية، التي تجعل القارىء يستجوب الحدود بين التخيلي واللاتخيلي ".
تعدد مستويات السرد 
تعامل جابر في عمله الروائي هذا مع مادة وثائقية تألفت من نصوص وسجلات رسمية ورسائل شخصية ومخطوطات،اضافة الى ماتبقى من اطلال لشواهد معمارية مازالت باقية في مدينة بيروت،تعود الى الفترة التاريخية التي تدور فيها احداث روايته مع مطلع القرن التاسع عشر.
هذا الخليط المتنوع من الوثائق والخطابات وقصاصات الورق،الذي ينتمي الى عوالم مختلفة،تعامل جابر معها ليخلق أزمنة وعوالم تجاورت وتداخلت وتماهت مع بعضها،في إطار السياق السردي للبنية الروائية،وقد أعطى هذا لعمله خاصية سردية مُركبة لها عدة مستويات لغوية وفنية .
السارد هنا يتقاسم دوره إثنان:الاول ضمير الغائب بصيغة الماضي، والثاني ضمير المتكلم بصيغ الماضي.ويجسد الضمير الثاني شخصية مزدوجة في دلالتها،فهي تشير إلى المؤلف ذاته،بنفس الوقت تشير الى شخصيةِ كاتب روائي يعمل بمكتب صحيفة الحياة في  العاصمة اللبنانية،نجده مشغولاً ومهموماً في كتابة رواية يتصدى فيها للتحولات العميقة التي مرَّت على مدينة بيروت خلال أكثر من قرن ونصف من الزمان.
يعود المؤلف/السارد في مخطوطته الروائية التي لم ينتهي بعد من إتمامها الى العام في 1821محاولة منه لأن يستعيد ذاكرة مدينة بيروت خلال حقبة بعيدة من الزمن،كانت فيها محاطة بسور مستطيل له اربعة ابواب،وعدد سكانها لايتجاوز خمسة الاف نسمة،حينها وقعت عام 1831 تحت الأحتلال،وذلك عندما غزاها الجيش المصري الحديث أيام الوالي محمد علي الألباني وبقيادة ابراهيم باشا،ومن ثم خروجه منها مندحراً على يد العثمانين بمساندة المدافع البحرية البريطانية والنمساوية عام 1840.
هذه الحقبة تشكل خلفية تاريخية لمسار الحكاية الرئيسة التي تُكتبُ من قبل شخصية المؤلف / السارد الذي يعمل في صحيفة الحياة البيروتية،من خلالها يتم متابعة شخصية عبد الجواد البارودي ابن ال25 عاما ما أن خرج هارباً من مدينة دمشق بعد أن طعن شقيقه في لحظة غضب بسكين في بطنه،معتقداً أنه قد تسبب في موته،ليصل ذات شتاء عاصف إلى بيروت مُلطَّخاً بدم أخيه،وليستقر فيها 18 عاما حتى يموت ويدفن في ترابها.
يتزوج البارودي خلال هذه المدة أربع مرات.رُزِق بسبع بنات من ثلاث زوجات،ومن زوجة رابعة ثلاثة أبناء ذكور.واقتنى جارية شركسية ايضا قضت نحبها بينما تلد له توأمين لم تكتب لهما الحياة.
تنوع آليات المشغل السردي
إبتدأً مِن الجملة الأولى التي افتتح بها جابر روايته،نواجه استثماراً واضحا لِما تتسم به لغة السيناريو السينمائي من خاصية اختزالية،لجأ من خلالها لرسم تفاصيل كثيرة في بنيتة الروائية،مَرَرَها عبر شخصية السارد،وكأننا نرى تلك التفاصيل من خلال عدسة الكامير:"وضع الكونت كوب الماء من يده،وسألني متى انتهي من تأليف الكتاب. نور الثالثة بعد الظهر سطع على سطح الطاولة،على زجاج المطاعم،على برج ساعة العَبد،على رصيف ساحة البرلمان.بعيدا في اسفل شارع عزيز الاحدب المنحدر،بانت غيوم بيض تعبر نوافذ بلدية بيروت وتلقي ظلالاً سابحة على شارع ويغان المرصوف بالحجر البركاني الأسود.خرير المياه في نوافير الحديقة المواجهة للبلدية كان يبلغنا خافتا " .
ولأن ماوراء القص يتيح للمؤلف أن يكون حاضراً بتعليقاته التي تقطع الحكاية في لحظة ما،لذا كانت هذه الخاصية واحدة من الادوات التي اخضعها المؤلف في عمله،خاصة وأن الشخصية الساردة في واحدٍ من وجهيها كانت تمثل مؤلفاً يكتب رواية عن بيروت:"بعد أن كتبتُ ذلك المقطع رفعت رأسي ونظرت عبر النافذة إلى المطر يهطل على بيروت القرن الحادي والعشرين،على مدينة يجاوز عدد سكانها المليون نسمة ويبقع المطر حيطانها بالرطوبة.أجراس الكنائس تقرع في حي الأشرفية،وصوت تراتيل (لحن لاتيني )يبلغ أذني.كانت أصابعي تؤلمني.توقفت عن الكتابة وتأملت انهمار المطر وإقبال المساء " .
الوعي الماوراء قصّي بعمليات القراءة والكتابة وصنع المعنى كما يشير الناقد ونش مندسن:"يمكن أن يتضح بجلاء في الاساليب التي توضفها النصوص الماوراء قصيّة للإشارة إلى الأنظمة التخيلية وتركيب النصوص والمعاني داخل النص أو خارجه،ومن خلال تثيّم قضايا القراءة والكتابة والتأويل، وأيضا بوساطة تضمين النص تعليقات على العمل نفسه وعلى روايات أخرى وإظهار إشتغالاتها بالشكل وبالعلاقة بين الواقعي والتخيلي " .
العلاقة مابين التخييل والواقع تطرح بشكل دائم في الادب الروائي طالما هنالك شخصيات يقف الكاتب وراء خلقها على  الورق بأعتبارها شخصيات واقعية ومن غيرأن يكون لها كينونة في الواقع،ومع هذا فالقارىء يتفاعل معها وكأنها شخصيات واقعية.فشخصيات مثل عبد الجواد البارودي التي هيمنت بشكل كامل على المسار السردي إضافة الى شخصية الكونت ده بسترس والناقد السينمائي المعروف ابراهيم العريس صديق المؤلف/ السارد وزميله في العمل الصحفي،تقود القارىء الى أن يكون في منطقة رمادية تتداخل فيها حدود الواقع والتخييل.
فما اورده جابر من وثائق وتواريخ في مقابل الافتراضات السردية التي انتجتها مخيلته يصل بنا الى هذه الاشكالية التي تتحرك فيها منظومة السرد الروائي الماوراء قَصّي وهي تلقي بمجساتها لفحص وتأمل العلاقة الشائكة مابين الواقع والتخييل .











رحلة الغرناطي ..

 للكاتب اللبناني ربيع جابر
           

           انزياح التاريخ في المشغل السردي   



                                                   
الطبعة الثانية 2013
الناشر:دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع






حضور اللامرئي
ربيع جابر في عمله الروائي المعنون"رحلة الغرناطي"كما في اعماله الروائية الاخرى يستند الى انسجامه العميق مع منظومة البناء السردي الحديث،فهو عادة مايتحرك وفق مخيلة ذاتية تعيد تركيب الواقع وتستحضر اللامرئي وتقف على مسافة بعيدة جدا عمّا يفرضه المرئي،ولافرق في هذا لديه بين أن تكون المادة ذات مرجعية تاريخية بعيدة كما في رواية رحلة الغرناطي والفراشة الزرقاء أو واقعية معاصرة كما في اعماله الاخرى طيورالهولداي إن وبيروت مدينة العالم على سبيل المثال.
المتن الحكائي
رحلة الغرناطي رواية ينهض متنها الحكائي على رحلة طويلة تبدأ من مدينة غرناطة يقوم بها محمد  بحثا ً عن أخيه الربيع الذي كان قد توغل في الغابة في آخر يوم من شهر آب من العام 1091 بحثا عن خروف خرج في غفلة عنهما ومضى بعيداً عن  مسار قطيع كبير من الغنم كانا يرعيانه لكن الربيع اختفى في الغابة ولم يخرج منها،ولم يعرف له من اثر..ضاع الابن البكر لعبد الرحمن أبي الربيع بن سليمان المازني القيسي الغرناطي . بحثوا عنه عشرة ايام متواصلة ولم يقعوا له على اثر،لاهو ولا الخروف الملعون: "ثلاث سنوات بعد حدث اختفاء الربيع والجد سليمان المازني الستيني الهرِم يخرج الى الغابة يومياً بحثاً عن حفيده لعله يعثر عليه.وفي أحد الايام لم يرجع الجد مساءً الى البيت كعادته،وبعد البحث عنه في الغابة وجدوه صباحاً جالسا على الارض وظهره يستند على شجرة،عيناه مفتوحتان،يده اليمنى تقبض حفنة تراب وورق سنديان يابس والنمل يغطي وجهه،كانت يده زرقاء كأنها نُقِعَت في حجر نيل،وفي باطن كفه علامات من أظافره".
في نفس العام الذي اختفى فيه الربيع ذي الاثني عشر عاما وقبل شهر من هذا الحدث كان المرابطون قد دخلوا غرناطة بعد أن اعتقلوا والي اشبيلية المعتمد بن عباد مع حريمه واهله وارسلوهم جميعا الى مراكش بعد أن كان المعتمد قد استنجد بهم قبل خمسة اعوام من هذا التاريخ،اي عام 1085باعتبارهم اصحاب الدولة الاقوى في افريقيا لمساندته في مواجهة ملك قشتالة الفونسو السادس الذي استولى على مملكة طليطلة الاسلامية وبدأ يستعد للسيطرة على الاندلس كلها.وبعد أن تمكن المرابطون من الحاق الهزيمة بالاسبان اختلفوا مع امراء المسلمين في الاندلس وانقلبوا عليهم فسيطروا على غرناطة وقرطبة وملقى وأرسلوا امراء هذه المدن اسرى الى مراكش .
بعد عدة أعوام يقرر محمد أن ينطلق في رحلة من غرناطة الى بلنسية بحثا عن شقيقه الربيع وذلك بعد أنْ وصل الى مسامعه وعبر احد العشَّابين القادمين من مدينة قرطبة والمعروف بأبي يوسف العشّاب والذي التقى به محمد وأكد له بما لايقبل الشك انَّ في بلنسية رجل يشبهه تماما يتاجر بالقرمز وعشب الامراض بين بلنسية ومدن الاندلس،له نفس المواصفات التي كان عليها اخوه الربيع..يرحل محمد تاركا خلفه والده عبد الرحمن الذي كان طريح الفراش منذ نصف سنة مصابا بشلل نصفي بسبب اصابته بالفالج..يقع محمد أسيرا لدى القوات الاسبانية اثناء رحلته الطويلة،إلاّ أنّه ينجو من الأسر بعد أن اختلط الامر على احد الفرسان الاسبان لمّا ظنَّ بأنه قد رآه سابقا في بلنسية قرب كنيسةٍ خارجا من قداس فأخبرالحراس بذلك،فأعتقدوا هم ايضا بأنه رجل مسيحي وليس مسلماً،وبعد رحلة شاقة، يصل الى تونس ومنها الى الاسكندرية،ومن ثم القدس.فكانت رحلة طويلة اجتازفيها قارات وهو يتتبع اثر أخيه الذي لم يعثر عليه أبداً إلاّ في مخيلته التي تبقى تلاحقه في اليقظة والمنام بمشهد لقاءه بأخيه : "الآن،قبالة قناديل تتوهج في دكان عميقٍ كبئر تتوغل افقياً بين كنيستين ضخمتين في انطاكية،إنتظرَ أن يسمع صوت الربيع من جديد.سمع حركة خلفه. استدار. رأى وجهاً مظلماً.اقترب الوجه.أحسَّ محمد الغرناطي بالخوف.بعد آلاف الفراسخ،بعد كل هذه السنين،كان يرى قبالة عينيه،على بعد خطوة واحدة، وجه أخيه الربيع.ارتجفت أصابع محمد الغرناطي.ارتفعت يده في الهواء. أراد أن يلمس وجه اخيه.كان الربيع مازال في الثالثة عشرة.كان في مئزره الاحمر القديم."


التاريخ في مشغل السرد
الرواية تركيب تخييلي للواقع بكل مفرداته تُخضِعُ وفقا لاشتراطاتها الفنية المادة التي تتناولها – التاريخ والواقع والشخصيات الواقعية- الى مشغلها الفني،لتكتسب بالتالي خصائص جديدة وفقا لمخيال الصنعة الروائية وادواتها التقنية واجتراحاتها لتصبح بالتالي لاعلاقة لها بالتاريخ ولاالواقع ولاالشخصيات الواقعية.
في رواية رحلة الغرناطي وإن كان التاريخ مرجعية أساسية إعتمد عليه المؤلف في تركيب بنية عمله السردي إلاّ انَّهُ أخضعه لمشرطه التخييلي،لينتج لنا في مخطوطته السردية تاريخا جديدا لاصلة تجمعه  بخاصيته الوثائقية.
التاريخ هنا في رواية رحلة الغرناطي ومن خلال تأؤيلات واشتغالات مخيلة الكاتب اكثر تشخيصا وأكثرصدقا في التعبير عن جوهره مما هو مسجل في المخطوطات والوثائق والحفريات.
فالصلة التي تربط التاريخ بالتاريخ نفسه تتغير جوهريا عندما تنزاح الى حقل الرواية لتصبح صلة غير مباشرة،طالما تبقى رهينة ادارةِ وموجِّهات الكفاءة السردية للكاتب،الذي لايتعامل معه بأعتباره مؤرخاً،بل بأعتباره مُبدعاً يأخذ به إلى  مساحة حريته الابداعية،ليتحركُ بين احداثه مُتحررا من اشتراطات الخارج التاريخية والواقعية،مستجيبا لمخيلته الواسعة وهو يتحرك في فضاء الازاحة والتأويل.
تقنية السرد
من خلال هذه الرحلة التي نسج ربيع جابر مسار بنيتها مارس لعبته الفنية بمهارة واضحة مستندا فيها الى وجهة نظر السارد الغائب/بصيغة الماضي.
وجهة النظر هذه تجعل"السارد لايتدخل بشكل مباشر ويتحدث بشكل لاشخصي،وبنفس الوقت تُقدم الاحداث وتُحلل بطريقة كمايراها الكاتب " 1
من خلال اختياره لوجهة النظر هذه  توغل جابر مستعيناً بمخيلته في صفحاتِ تاريخٍ غني وعاصف من للعرب المسلمين في بلاد الاندلس.وليقترح متناً حكائياً مُحَمَّلاً بوجهة نظره المختفية وراء السارد الغائب : "الفتى الغرناطي لايعود غرناطيا .الشيخ العشّاب قال إن صاحبه البلنسي عنده بيت في بلنسية .بيت وأمرأة وأولاد .ويحمل لهم من قرطبة ،مع قرمز تجارته ،الثياب وأصناف البضائع الغربية .الغرناطي الذي كان يرعى الخِراف مع أخيه الصغير ،عند حافة غابة من سنديان الفلين ،نسي من يكون .ذهب يبحث عن خروف ضال،فأضاع نفسه ".
كان اختيار ربيع جابر لوجهة النظر السارد /الغائب العالم بكل شيء قد شكل مقترباً تقنيا إستحضر من خلاله آلية القَص الشفاهي الموروث حتى يتمكن من الامساك بصيرورة بناء الحكاية والتحكم بها عن طريق الايهام الكثيف بالواقع المتخيل من دون أن يخرج عن إطارها التاريخي،خاصة وأن هذا السارد لم يكن مُشَّخَصَاً ولم يحمل أي صفات شخصية(أي بمعنى غياب الانا الثانية)فلم يكن هنالك من علاقة بينه وبين شخصيات الرواية،وهذا اجراء تقني تنكَّر خلفه الكاتب بقصد تحديد المسافة الجمالية ــ كما يصفها الناقد واين بوث ــ وتقريبها مع القارىء لأجل إيصال مايبغي طرحه من افكار وقيم : "رائحة الخصوبة تتصاعد كالبخار من التراب،وهو كأنه ليس هو.بينما بيوت قرطبة والرصافة والربض، وقناطرالقصور وأبراج الاسوار ،تبتعد وتغيب وراء ظهره،تسلل إليه – كأن من الهواء الذي يزداد خفة كلما تقدم في الطريق المحاذية لنهر الوادي الكبير – شعورٌ بالانشراح لم يعرفه منذ أمد بعيد " .
بهذا الاختيار التقني تواصل الكاتب مع المتلقي في تكوين معمارية عمله الفني فمنح فاعلية خطابه السردي بنيته الجمالية،ومن خلالها وقف السارد متموضعا عند العتبة التي تفصل عالم الرواية التاريخي المتخيل عن الواقع المعاصر للكاتب والقارىء.
1-      نورمان فريدمان – نظرية السرد من وجهة النظر الى التبئير – ترجمة ناجي مصطفى – منشورات الحوار الاكاديمي .


















أنا،هي والاخريات
للكاتبة اللبنانية .. جنى فواز الحسن  
         


    
                   تَعرية الأنَا





إصدار الدار العربية للعلوم ناشرون
الطبعة الثانية 2013  م
تم ترشيحها لجائزة البوكر العربية لعام 2013القائمة القصيرة.                                       

وضعت الروائية جنى فوازالحسن تقانة المنولوج أداة فاعلة ومهيمنة تحت في نصِّهاالروائي(أنا،هي الأخريات)،معتمدة على الساردالذاتي بصيغة ضميرالمتكلم، لتمكِّن سحرالشخصية الساردة عبرهذه الآلية تمريرافكارهاومشاعرها،بأعتبارها أمرأة تعيش حالة انتظار دائم لذاتهاالتي كانت تهرب منها إلى البعيد:"لطالما وقفتُ على مسافة من حياتي وتركتُها تحدُث.لعبتُ دورالمتفرج فيها.انفصلتُ،بشكل أوآخرعن الواقع،كأنه لايعنيني،وكأن هذه الأنا التي تعيش فعلاً،تقابلها أنا أخرى تراقب الأحداث وتسجلها" .
إنَّ ضميرالمتكلم تولى سرد الحكاية بكل تشظياتها دون أن يكون هنالك ضميرآخر يقاسمه لعب هذا الدورالسردي،من هنا كان خياراللجوءالى هذه التقانة بهدف تحقيق قدرعال ٍ من التفاعل والتواصل بين القارىء والشخصية،دون أن يكون هنالك حواجزتمنع الوصول بهذا الهدف إلى ذروة ماكانت تصبو إليه جنى الحسن.
سحر :"أحببت ألأشياء التي أقامت فقط في داخلي.وكنتُ أشعربالأمان حين أنسج الوقائع في خيالي،وأحيا تفاصيلها حينا ً،ثم أنهيها وقتما أشاء. وبرغم أني لم أميّز متى أصبحتُ فعلا موجودة ومتى كنتُ غائبة،عرفتُ أنّها أنا التي تتحكم بزمام الامور. "
في كتابه المعنون(في نظرية الرواية ) يورد الدكتورعبد المللك مرتاض بهذا الصدد،عددا ًمن الخصائص التي ينفرد بها ضميرالمتكلم، منها :"إن ضمير المتكلم أكثر تحكما ًمن الضميرالغائب في مجاهل النفس،وغياهب الروح،إذ أن ضميرالسردالمناجاتي يستطيع التوغل إلى أعماق النفس البشرية فيعرّيها بصدق،ويكشف عن نواياها بحق ويقدمهاإلى القارىء كما هي لاكما يجب أن تكون."
وضمن هذا الإطار تأتي عتبة الاهداء التي استعارتها المؤلفة من أقوال المناضل الافريقي نيلسون منديلا :" إلى أمي .. إني أتجوّل بين عالمين،أحدهما ميت والآخرعاجزأن يولد،وليس هناك مكان حتى الآن أريح عليه رأسي ".
بلاغة مدلولات هذه الجملة فتحت الباب أمام القارىء لكي يكون متهيأ ًفي استقبال النص قبل الدخول الى فضاء سردي تتشظى فيه الشخصية الساردة إلى عالمين متقابلين ومتداخلين حد التماهي،من غيرأن نغفل عتبة العنوان ألذي شحنَت فيه المؤلفة الاشكالية التي تعيشها سحر. ليعكس التركيب اللغوي للجملة أنشطارها الواضح : أنا /هي والاخريات.

سلطةُ البَوح
البوح لم يكن إلاّ رد فعل على الصمت المطبق الذي فرض حضوره على كل شيء في المنزل الذي تربّت فيه :"سأواصل الحكي لأمرواحد لاغير،متعة القول،وربما متعة البوح أومتعة الكذب ."
تبدو ستراتيجية البوح لدى سحر أشبه "بمسدس مكتوم الصوت،به ضغط متواصل على الزناد. تنطلق منه الطلقات وتنغرس عميقا ً فينا من دون أن تحدث أي ضجيج ". . فألوحدة التي فُرِضت على سحر منذ طفولتها كانت عاملا أساسيا ً دفعها للبحث عن وسيلة في ذاتها كي ترى ذاتها المقموعة،وذلك من خلال السعي للاتصال بذات الاخرين حتى لوكان ذلك عبر آلية التخييل :"عندما كنت طفلة . . كنت أطل من شباك غرفتي،المَحمي بشبكةحديدية،وأتأمل الطرقات والمارّة،وأبدأ بنسج حكاياهم،أو أحاول تخمين إتجاهاتهم ومشاغلهم.كان ألآخردوما ً لغزا ً مُحيرا ً بالنسبة إلي،عَالمَا ً يجب اختراقه ومعرفة مايدورفيه،ليس من باب الفضول وحده . كانت رغبة أحسبُها أبصَرَتْ النورقبلي وتلقتني عندما لفظتُ أوّل أنفاسي لتسكنها .عاشت الأنا التي كانت تخبرني الحكايا مع ذاك الآخر وبَقيتْ الأنا الأخرى حبيسة قفص تتفرج من خلف قضبانه على أحوال الدنيا ."
حضوركينونة المرأة المقهورة والمُستَلبة والمُغَيّبة،جاء طاغيا ومهيمنا ًفي البنية السردية،سَعَت من خلالها جنى الحسن لكشف الخيبات والاحزان التي تعصف بالمرأة العربية ممثلة بالنماذج التي طرحتها في نصها هذا (سحر،هالة،سامية،أم زينب،الأم) وهي تعيش في بيئة مشروطة بقيود وموروثات ثقيلة تتداخل فيها الخرافات مع القيم السماوية،وتتهشم تحت عبئها احلام وامنيات انسانية،لتصبح المرأة بالتالي كيانا ً هشا ً،ضائعا ً، تائها ً.
في كل الحالات المطروحة في هذا النص، تبدو النماذج النسوية كائنات مأزومات يخضعن للعبودية :سحر،تقع تحت رحمة عنف واغتصاب دائم لها من قبل زوجها :"كان يرصد تحركاتي بتعجرف ويقترب لمضاجعتي،كأني ذاك الجسد الذي لامأوى له سواه،فأرضخ فاقدة أيّة لذة ،لأني أثناءها أكون ذاك الجسد،اللاشيء الذي يحوّلهُ هو عبر التواصل معه إلى صورة ربما،أو مجرد إطار."
سحر مع بقية نساء الرواية كنّ بحاجة إلى الآخر،حتى لوكان مجرد وهم ٍ أو شبح ٍ ليخفف عنهن وطأة الوحدة.فأستغرقن بأحلام ٍ مثالية عن الحب والعطاء لاوجود لها في حياتهن.
سحر:"أغرمتُ برجال مختلقين كلياً وتحركت في سريري في تنفس خفيف ومتباعد وأنا أراهم يعبرون في داخلي .كان من الممكن ألاّ يكون ذاك الآخر واقعا ً،ولكن لم يكن ممكنا ً ألاّ أوجده،فقد كان كغيمة ِدخان ٍ يتجسد أمامي في كل لحظة،ويكسو فضاء الغرفة،لإبدأ في مطاردته حتى يتبخر.والأن وأنا أسأل نفسي كم من الرجال عَرَف خيالي،عشرة أو أكثر؟لم أعد أدري ."
 تكتشف سحر في وقت متأخر،بعد سنوات من ارتباطها بسامي بأن الزواج ليس سوى تحوّل تام إلى كل ماكانت قد هربت منه،فصارت تتملكها رغبة صاخبة بالضحك أوربما بالبكاء.فأصبَحتْ نسخة من والدتها وبشكل اقسى، الى الحد الذي تحولت فيه الى أداة متعة لسامي بعد أن حولها الى جسد رمادي يلتهمه بسرعة ويعوّدهُ على الاساءة.
نماذج النساء في هذا النص كنّ هاربات نحو الآخر/الرجل ليتدثرن به وليعثرنَ من خلاله على انفسهن وعلى حقهن المسلوب وبأنهن ذوات موجودات في مكان ما.
(ساميّة)عمّة سحر،هي الاخرى،تقع ضحية خيانةغيرمتوقعة،ألحقها بها عشيقها الذي عاندت الدنيا من أجل أن تكون له،لكنه ضعف في منتصف الطريق ولم يصمد مثلها في رحلة تحدي الاهل والاقارب المعترضين على ارتباطهما فاختار بدلاً عنهاأمرأة أخرى. .هالة صديقة سحرالحميمة إختارت أن تكون سلعة بإرادتها يستمتع بها من تختارهم من الرجال العابرين بنفسها ليناموا معها،لمّاسقطت أسيرة مشاعرخيبة ٍ عميقة تسبب بها حبيبها(أحمد) بعدما كانت قد منحته روحها قبل جسدها لكنه غاب عنها فجأة دون سابق انذار ليتزوج بأمرأة مُحجّبة ! فوجدت هالةحقّها في أن: تخوض بذاتها كل يوم تجربة جديدة مع رجل جديد دفاعا ً عن ذاتها وحريتها .

سلطة المكان
لم يقتصر تأثير المكان الذي تدور فيه أحداث الرواية (مدينة طرابلس في شمال لبنان) بكل قيمها المحافظة والافكارالدينية المُتطرفة التي باتت تهيمن عليها بعد العقد التاسع من القرن العشرين،على المرأة فقط،بل تعدى ذلك التأثيرليطول الرجل أيضا ً،فوالد سحر،المناضل اليساري،باتت تحكمه  مشاعرهزيمة ٍمُرَّة ٍلايُقرُّها بعد أن شهد سقوط الاتحاد السوفيتي،الذي كان يعدّه نموذجا ً يحتذى به لمجتمع ثوري مثالي،نجح في أقام العدالة الاجتماعية وأزال الفوارق بين الطبقات،فتسبب هذا السقوط في دخوله مرحلة من العجزالتام،فقد فيهاالقدرة على الاستمتاع بأي شيء،حتى مضاجعته لزوجته. فتحول قضيبه إلى عضو ٍمنسي وعَصيّ على الانتصاب،رافضا ولوجَ امرأةٍ،عداعن أرملته / الثورة.منزويا ًمع أوهامه الشيوعية وخيالاته الثورية بعيدا ًعن نبض الحياة،منفصلاعنها،مُكدِّسا ًخيباته المتواصلة التي أوقع اللوم فيها على الله " ذاك الذي لم يُشِرْ إليه في أيّة مناسبة ".مهزوما ًأمام فكر ٍ ديني متطرف،أشير إليه عبر شخصية إبراهيم الذي انتهى المطاف به التوجّه للعراق من أجل القتال تحت راية الجهاد،ولتختفي أخباره هناك.
عنصرالمكان في هذالنص يشكل فضاء حاضنا للشخصيات،بموجبه تحددت العلاقات الملتبسة التي إرتبطت بها حيوات الشخصيات مع بعضها البعض ومع المحيط بكل مفرداته وتفاصيله الانسانية والمادية،فكانت صلة المكان  وثيقة بالمكونات السردية،احداثاً وشخصيات.وضمن هذا الاطار يبرز سامي زوج سحرالذي لم يكن مواظبا على أداء الطقوس الدينية اليومية، لكنه بات حريصا على تأكيد انتمائه لهويته الاسلامية بعد أن شاعت الافكار الدينية المتطرفة في المدينة ليمنحه هذا الأنتماء إحساسا ًبالفوقية تجاه الطوائف الاخرى .
سحر:"اكثرماكان يضايقني ويثيرالنقمة في داخلي كان الزيف الذي رأيته في كل مكان .وقد بدا لي أن جميع من حولي لايعيشون فعليا ً،إنما يتظاهرون بالعيش،وأنهم ولدوا في قوالب معدنية جاهزة،وفضلوا البقاء فيها متخاذلين ومتقاعسين عن الخروج من تلك العلب.وكنت أسأل نفسي هل لهم مثلي منازل في الخيال وحيوات أخرى،أم أن رغباتهم ميتة،وهل جميعنا ننساق إراديا ً تحت سطوة التقاليد والعيب والحلال والحرام،أم أن البعض مستفيد من نمط العيش المرتكزعلى الحياة - الموت،لأنه يعزز الخمول ويوجد مبررا ً له ؟ وهل الرضى والسكوت نعمة نعيش تحت ظلالها آمنين أم أنّه نقمة تقتل كل مافينا من شرارة وتشعرنا دوما ً أننا لانملك مايكفي لمواجهة الحياة ؟ "
كبرت الهوّة بينها وبين الحياة وتاهت منها نفسها،لتمسخها علاقات مُلتبسة مع كل شيء،مذ كانت طفلة،وقد حسبتها حقيقة،ولم تدرك كونها مختلفة إلاّ في مرحلة متأخرة من عمرها،وأن ّلهذا الاختلاف ثمنا ًباهظا ًوضريبة مؤلمة تدعى الوحدة،سواء كانت طوعا ًأو قسرا ً،ولم تعد تذكرأين ترَكَت ذاتها،تلك التي كانت تهرب من اعماقها وتجول في الخارج،كان عجزها وفشلها شديدا حتى أنها لم تجروء على أن تعلن ثورتها بوجه والدتها ووالدها بعد أن فشلت محاولتها بالانتحار وتم أنقاذها فبقيت ثورتها أمنية مكبوتة في داخلها .
سحر:"ولمّا دخلوا ليطمئنوا عليّ،انتابتني نوبة مريرة من الذعر وأردت أن اصرخ،أنه يدعى أرنستو جيفارا ياأمي،ولقد إنهارالاتحاد السوفياتي ياأبي.ونحن لسنا عائلة سعيدة،ولامثالية.نحن بؤساء.وأنا أريد أن أحيا.لاأريد أن أحيا بأقل مايمكن،بل بأكثرمن كل ّذلك بكثير.أريد مشاعر حيّة.سئمت جدرانكم الباردة.ألاتدركون كم نحن تعساء ؟متى سمعتم الموسيقى؟أريد أن أشعر بالفرح.هل ماأطلب كثير؟ أريد بعضا ً من الطمأنينة والسكينة.أريدكم أن تخرجوا مني جميعكم .أريد أن أكون أنا .أريد أن أكون مُطلّقة.لاأريد أن يضربني رجل.أريد أن أفتح روحي لغد متجدد بالامل والاشراق. "
 عجزت سحر عن التقاط ذاتها  في يوم من الايام،فاستسلمت لكل الخواء لاإراديا ً،بل تواطأت مع والدتها على ضرورة إخفاء أيّة علاقة لجسدها مع الحياة،فلم يكن مسموحا لها أن تخفف من سماكة حاجبيها أو أن تغيرمن تسريحة شعرها عندما كانت تدرس في الجامعة،فقدضمن بذلك والديها أن تبقى في معزل عن الانوثة .
هذا السياق البنائي لمأزوميّة الشخصية الرئيسية تشابكت ظلاله مع بقية الشخصيات نساءً ورجالا ًوفرض حضوره حتى السطور الاخيرة من الرواية،عندما تخاطب سحرمسؤول الأمن في مطار بيروت بعد أن إقترب منها ليختم جواز سفرها وهي تهمُّ بالسفر: أرجوك لاتفعل ...لقد حصل التباس ياسيدي .أدعى هالة ولاأريد السفر،لدي أبنة تدعى فرح في انتظاري". . ليست سحر في هذا النص سوى شهرزاد أخرى،لاعلاقةلها بشهرزاد الف ليلة وليلة ، تلك التي استثمرت ذكاءها وقدراتها لمواجهة سلطة تسعى لتغييبها،وتمكنت من النفاذ بذاتها من سلطة الآخر.. بينما سحرفي هذا النص،لاتنتمي لنفسها،وآثرت الأنزواء خلف زمنها، فمضت بها حياة طويلة من دون أن تعرف إن كانت حيّة فعلا ً:"في مرات كثيرة،كنتُ أشعر برغبة فعلية في الغياب والاختفاءوالتحول إلى ذاك العدم الذي لم أعرف سواه منذ طفولتي ".




حقائب الذاكرة
للكاتب اللبناني :شربل قطّان *
                    





                 البحث عن الذات في رماد الحروب
                                                       



الناشر : مؤسسة نوفل
الطبعة الاولى 2010





حقائب الذاكرة مع أنها أول عمل للكاتب شربل قطان إلاّ أنها ترشحت لنيل جائزة البوكر للرواية العربية عام 2011، وكان ذلك،مفاجأة للأوساط الأدبية العربية آنذاك .
المنحى الذي تعامل به قطان مع التاريخ في هذا العمل تناغم مع وجهة نظر رولان بارت :" الرواية هي الجنس الادبي الذي يعبّر بشيء من الامتياز عن مجموعة مؤسسات اجتماعية ". أيضا بنفس الوقت هي ليست رواية تاريخية،فالكاتب هنا مدرك تماماً ماينبغي عليه أن يفعله عندما يتكىء العمل على التاريخ باعتباره خلفية يضىء من خلاله الزمن الحاضر، ويُحرِّك عناصر الفنية بين تفاصيله،وهو في ماذهب إليه في البنية الفنية للرواية لايخرج عن إطارالمشغل السردي للرواية الحديثة التي إستثمرت العديد من تقنيات الكتابة واشكال السرد التي تسرّبت اليها من مصادر متنوعة أثمرت بالتالي عن تحريرانماط الكتابة السردية من قوالبها وآليتها التي تقوقعت بها عبر مسيرتها. . وفي حقائب الذاكرة بدا ذلك واضحا في بناء الاحداث الذي تم بطريقة متراكبة تجاوزت تقليدية البناء السردي اضافة الى تجاوز القيود التي تفرضها الديباجة بما تحتمله من استطرادات .
"هنالك شيء اكيد : كل منّا يبحث عن شيء ما. والاكتمال في الحياة يأتي من معرفة هذا الشيء،ثم من تحديد الغاية من ايجاده" تتحدث الروايةعن شاب لبناني إسمه إيهاب يبحث عن والده أحمد علام الذي انقطعت اخباره في ظروف الحرب الاهلية اللبنانية :"في حالتي عرفت بسهولة،ومذ وعيت على الدنيا موضوع بحثي ،إني أبحث عن شخص.أمّا سبب بحثي عنه فالجواب ليس بالسهولة ذاتها ولا بالوضوح ذاته .. أنا أبحث عنه حتى أراه..كي أقول له..لأسأله..لأستشكشف معه أماكن..أريد الثروة به، أريد السعادة معه،أريد المعنى منه،خمسة عشرعاما وأنا أبحث،خمسة عشرعاما قضيتها في اروقة المطار ومكاتبه،مشاعري دوما في ظل مسيرتي،فأغمض عيني عن الحياة وعمّن أحاط بي،كل هذه السنين وأنا أسأل عنه أتحرى عن سفراته،أرسل بأسمه إلى أرشيفات مطارات العالم،علني أكتشف ماحل به ، مازلت مصرا ،بالرغم من انقطاع أخباره منذ سنين عديدة،. "
لم يكن ايهاب يعرف شيئا عن أمه ايضا والتي كانت قد تركته مرغمة بعد أن قرر والده الانفصال عنها مُرغما هو الاخر نتيجة الضغط الذي وقع عليه من قبل والدته واقاربه والسبب يعود لان زوجته من طائفة دينية غير طائفته وكان قد تزوجها دون رغبة اهله بعد أن وقع في حبها ، فتكفلت جدته بتربيته وكان كلما يسأل عنها تقول له :" إنها عند الله ". لم يكن إيهاب يملك حتى صورة لها ولاوجود لها في سجل قيد العائلة ولافي الملفات القانونية ولايعرف حتى اسمها وكأنها لم توجد اصلا ً.. سافر والده عدة مرات إلى المانيا والدول العربية،ويوم مقتل جدته كان والده في احدى رحلاته الطويلة الى المانيا،كان بحثه عنه قد قطع فيه شوطا طويلا من التحريات الخاصة عبر الاتصال بمدينة ميونخ الالمانيةالتي كانت آخر مدينة أقام فيهاعام 1975 لأنه كان يعمل في المكتب الرئيسي  لشركة هرجز الالمانية في بيروت لصناعة مكائن الخياطة.أصيب إيهاب بالذهول عندما أكتشف ان والده قد سافر الى فرنسا عام 1978 لذا إشتد إصراره على معرفة ماحصل، فوظف مكاتب تحريين من أجل اقتباس معلومات عنه من مختلف البلدان وشركات السفر.
لم يكتب قطان رواية تاريخية،بل آثر أن يسرد مصائر افراد لعبت الحرب دورا حاسما في تقريرها فكان عمله مُنطلقا فنيا لرؤية الماضي ولم تكن تلك الرؤية في مسارها تقليدية ً، فهي لم تخضع للتسلسل الزمني الطبيعي في سرد الاحداث، بل ابتعدت عن هذا المنحى  كثيرا لتستجيب لبنية فنية شاء الكاتب أن يعبث بهذا الترتيب التقليدي وأن لايكون تحت وطأته، فكانت تقنية الكتابة لجوءا ً الى آلية البحث والاستقصاء لأستدعاء الشخصيات والاحداث، وبهذه الآلية تمكن قطان من التوغل في مسارب المجتمع اللبناني الذي عصفت به الحرب الاهلية ومزقت نسيجه الاجتماعي الى كانتونات طائفية مغلفة بأيدولوجيات شتى حتى أن الكاتب نفسه إختار أن  يعيش في جنوب افريقيا بعيدا عن وطنه لكنه ظل يسكن ذاكرته .
فالحرب الاهلية اللبنانية التي ابتدأت في النصف الاول من سبعينات القرن الماضي تشكل خلفية احداث العمل (حقائب الذاكرة) ،إذ يقول إيهاب عن الحرب التي يطلق عليه تسمية الوحش وهو يعلق على مصائر بقية الشخصيات التي عرفها في حياته :" " فاأنت ياوحش مَن أخذ جدتي، مَن حرمني مِن أبي ، ومَن جعل شادي يتيما يبكي في الليل،أذللتَ الكاتب، أدخلتَ الحرب الى بيت نبال، ظلمت البواب، وأضعت أبن أم رامي " ..
عندما بدأت الحرب الاهلية اللبنانية في منتصف سبعينات القرن الماضي كان إيهاب في السادسة من عمره فكانت محطته الاولى مع الظلمة. . كان ابن جيرانهم المسيحيين قد أمضى الليل إلى جانبه،حيث تركه أهله مع بعض الثياب وهربوا من منطقة الشيّاح الى شرقيّ بيروت..بدأت أصوات الشرشقات التي لم تنقطع  طوال الليل تصبح اكثر وضوحاً وهدير المجنزرات غطى على كل الاصوات،اهتز البيت بعنف فسقط إبريق الشاي على الارض وتحطم زجاج الباب الامامي، خرج ايهاب وجدته وابن الجيران من البيت الذي تعرض للقصف ، وتمكنوا من الوصول الى السيارة لكنه غادرها عائدا الى البيت بعد ان تذكر انه قد نسي علبة معدنية يضع فيها اشياءه.لكنه وبعد أن التقط العلبة وعاد الى السيارة وجدها بمن فيها قد تفحمت وتحولت الى حطام. . ومن داخل سيارة الصليب الاحمر التي نقلته الى مستشفى اوتيل ديو ودّع آخر مشهد له لحي ّ ألشياح وللمنطقة التي اصبحت تعرف فيما بعد بيروت الغربية،وبعد ايام قليلة جاء رجل الدين المسيحي الاب نعمان بطلب من ادارة المستشفى ليأخذه الى دار للأيتام المسيحيين في منطقة كفر شيما والاب نعمان رجل دين مسيحي لم يعرف معنى الطائفية،وهو مُرشد من دون استبداد ، وقد حافظ على اسلامية إيهاب في زمن عنوانه التطرف .. في دار الايتام يتعرف ألطفل إيهاب على شادي الخجول والمنكسر،لأنه، يتبول على نفسه كل ليلة، مما يجعله عرضة للسخرية والاهانة النفسية والجسدية من قبل زميلهم في الميتم روني عبود الذي يكبرهم بعدد قليل  من السنين .
تمضي الاعوام ويكبر مع ايهاب إصراره في العثورعلى والده وهذا  مايدفعه الى أن يحصل على وظيفة ضابط أمن  في مطار بيروت حتى يتمكن بموجب ذلك من الحصول على تصريح يخوله تناول معلومات الرحلات واسماء المسافرين ويدرجها في حاسوبه الخاص: "التحقتُ بأمن مطاربيروت حتى أحصل على تصريح يخولني تناول معلومات الرحلات واسماء المسافرين وأكتسب هيئة رسمية أتحرك عبرها .. لم أعمل من أجل ترقيات أو امتيازات وابتعدت قدر المستطاع عن كل ماحولي من احداث " . حرص إيهاب على البقاء في مركزه الوظيفي حتى لايبتعد عن ماحوله من احداث . . لم يكن معتمدا ً في معيشته على راتبه من هذه الوظيفة، لذا ، وجد من الضرورة أن يؤمِّن له دخل ثان، فتعمق في دراسة البورصة وعملها حتى برع فيها وجنى منها عبر السنين مبالغ أمّنت له استمرارية البحث عن والده الذي كان قد اختفت اخباره عنه مع بدء الحرب الاهلية .
لم يكن ولاءه سوى لنفسه، فتسبب هذا في كره المدير له واستدعائه اكثر من مرة وتوبيخه لأنه كان يتجاوز تعليمات المديربعدم تفتيش المسافرين بعد أن  تمكن من القبض على عدد من مهربي المخدرات وهذا ماكان يثير غضب المدير عليه وبنفس الوقت يثير استغراب ايهاب ــ وسيظهر فيما بعد العلاقة الوثيقة التي تربطهم بمدير أمن المطارــ  لذا كان لابد للمدير من اتخاذ قرار بنقله من شعبة المسافرين الى شعبة الكمارك على الرغم من أن إيهاب كان قد حصل على وظيفته هذه نتيجة قسمة التوزيع الطائفية التي تحكم لبنان.
وقبل أن يغادرمكتب وظيفته التي نقل منها تمكن من إدراج برنامج خاص في حاسوبه يتيح له أن يتلقى عبره يوميا سائر المعلومات عن حركة المسافرين. .وفي مستودع مكتب وظيفته الجديدة التي نقل اليها بقسم الكمارك لفت نظره خمس حقائب ضائعة أودعت فيه إلى ان يأتي اصحابها أو يتم الاتصال بهم أو أي شخص من أقربائهم .وسبب ضياعها يعود لحالات مختلفة وأوقات غير طبيعية،وبقيت هذه الحقائب منسية في مستودع الحجز سنين طويلة ولم يُعرف أصحابها كما لم يأت أي ّأحد يسأل عنها ،اقدم الحقائب يعود تاريخ حجزها الى عام 1975، فيما بعد ستصبح هذه الحقائب سببارئيسيا في تغيير مجرى حياته إلى الابد عندما بدأ رحلة البحث عن أصحابها واحدا ًبعد الاخر ونجح في الوصول اليهم،المفاجأة الكبرى كانت في الحقيبة الاخيرة،عندما فتحها ، فقد وجد من ضمن الاشياء التي كانت بداخلها ورقة صغيرة محشورة في لعبة أطفال على شكل حصان مكتوب عليها عدد من الاحرف والكلمات هي نفسها التي كانت مكتوبة في الفاكس الذي كان قد وصله منذ ايام من مكتب التحريات في المانيا والمحتوي على رقم سجل الاقامة الدائمة التي كان قد حصل عليها والده أحمد علام عمر عام 1975 وليكتشف أن الحصان هو نفسه الذي كان قد وعده به والده عندما كان طفلا صغيراً. من هنا تدخل رحلة البحث عن والده مرحلة الختام ،عندما يعثرعن طريق الصدفة أثناء بحثه في إحدى القرى على والدته وهي تعيش مع زوجها الثاني وإبنتها وحفيدها، ولتبدأ بكشف الاسرارالتي كانت تؤرق إبنها إيهاب لأكثر من ثلاثين عاما حول أسباب اختفائها واختفاء والده.
*شربل قطان (من مواليد بلدة مغدوشة ، لبنان الجنوبي ، 1970 ، انتقل الى جمهورية جنوب افريقيا عام 1990 ، حيث تابع دراسته العليا في جامعتها وحاز إجازة في المعلوماتية ، يقيم ويعمل حاليا في مدينة جوهنسبرغ ، متأهل وله ولدان ، حقائب الذاكرة هي روايته الاولى .







رواية ..سيدات زحل
للكاتبة لطفية الدليمي



                          اشتباك الأزمنة في بنية السّرد

  








                                                      
بتسعة فصول تنهض رواية سيدات زحل مستندة على 35 كراسة شخصية تجمعها الصحفية حنان البابلي، وهي سليلة اسرة بغدادية عريقة تمتد جذورها عميقا في تاريخ المدينة الاجتماعي والانساني، والكراسات ماهي إلاّ مذكرات تولى كتابتها عدة شخصيات في المقدمة منهم حياة البابلي وهي الشخصية المحورية الساردة للأحداث وعدد من صديقاتها،واشقائها بالاضافة الى عمها الشيخ قيدار،ترتبط هذه الكراسات بسياق مشترك قائم على استعادة صور الحياة في بغداد عبر كتابات شخصية من بعد أن تشظت المدينة بفعل الحروب التي توالت عليها : " غدت سماء المدينة سوادا موشحا بلطخات دموية واتخذ الدخان اشكال تهاويل ووحوش وتنانين تقذف اللهب من افواهها وبغداد تتنفس هواء مسموما والناس تشرب من ماء الجحيم وتهرس تحت العقب الساحقة لجيش الغزاة " .
تقودنا الكراسات الى الدخول في عوالم ذاتية لهذه الشخصيات من خلالها نتوغل في عالم آخر يزداد اتساعا وعمقا كلما توغلنا فيه لتصبح رؤيتنا مفتوحة أمام ازمنة وشخصيات اخرى كثيرة تشكل مدينة بغداد مدارا لها  تدور فيه.
صورة بغداد المدينة،وما كانت عليه  من انفتاح وتنوع في الاعراق والاصول طيلة تاريخها،يعكسها بشكل واضح المسار الحياتي لجَدِّ جَد حياة البابلي رشيد ابن الشيخ نعمان التميمي وكذلك ابناءه، فقد تزاوجوا من نساء ينتمين لأصول واعراق مختلفة،مصرية وتركمانية  وكوردية وارمنية وعربية. وعمها الشيخ قيدار خصَّها هو الآخر بكراسته التي أرَّخ فيها جوانب مضيئة من تاريخ بغداد الثقافي،وذلك برصده لمسيرة علمائها ومتصوفيها،فترك لها الكراسة محفوظة في سرداب بيته قبل أن يهجر الدنيا بعد أن اختطفت زوجته فتنة من قبل حماية احد المسؤولين الكبار في الحكومة قبل العام 2003،وبعد أن اعتقل هو الآخر بذريعة انتمائه لمنظمة سرية.
المتن الحكائي
من الجملة الاولى تضعنا لطفية الدليمي في محنة الشخصية الرئيسة(حياة)إبنة الاستاذ الجامعي البرجوازي اليساري عدنان رشيد البابلي،التي باتت تعاني ذاكرتها من التباس وتشوش كبير،وبسبب ذلك أمست عاجزة عن تحديد هويتها وحضورها الانساني،وهذا مايشكل من الناحية الفنية معادلا موضوعيا لما اصاب مدينة بغداد ـــ التي تموت عشقا بها ـــ من التباس وتشويه في هويتها وحضورها الانساني،وهي تغرق في زمن اشبه بمتاهة بات يلفُّها كل لحظة بدخان من الجحيم:" أأنا حياة البابلي،أم أنني أخرى ؟؟ ".
تعيش البابلي لحظة نفسية ووجودية قلقة لامكان فيها للشعور بالهدوء على وقع انغام حرب مجنونة تسحق المدينة ما أن تجتاحها الدبابات الاميركية ويستبيحها مسلحون ملثمون متتطرفون.ورغم هذا تبقى حياة مُصرَّة على الاحتفاء بالأمل :"مالذي يمنح الروح قدرتها على مجالدة الألم ؟ أهو الحب ؟ أم جرثومة الحياة العنيدة ؟أم هي الأحلام التي نستولدها من شحنات الأمل والحب ".
الاسماء هي أول ضحايا هذه الحرب،وفيها تكمن معاني الاشياء كما اشارت الينا الجملة التي وضعتها الدليمي في الصفحة الاولى قبل بدء الفصل الأول لتكون عتبة دخول الى عالم الرواية،كانت قد استعارتها من فيلسوف التصوف عبد الجبار النفري:"وقال لي لكل شيء شجر،وشجر الحروف الأسماء،فاذهب عن الأسماء تذهب عن المعاني.وقال لي إذا ذهبت عن المعاني صلحت لمعرفتي ".
البابلي فقدت القدرة على معرفة حقيقة الاسماء التي تختلط في ذاكرتها،فلم تعد نعرف من هي(راوية)التي تبعثت لها برسالة تعبر فيها عن دهشتها بعودة حياة من قبرص وهي بين يدي حبيبها ناجي الحجالي الى بغداد مرة اخرى بعد أن كانت قد بذلت مجهودا كبيرا في سبيل الخروج من جحيمها ؟ ومن هي  مَها ؟ ولمى ؟ وحامد المدرس ابو الطيور؟ وآمال ؟ وناجي ؟ وحازم ؟ 
من هؤلاء الذين يتكررون في الاحداث التي تُستعاد في ذاكرة مشوشة عاجزة عن التمييز،حتى أنها تخيلت نفسها وكأنها فقدت القدرة على الكلام،مثلما هي فقدت الاحساس بالزمن:"هل مر يوم ؟ يومان أم ثلاثة وأنا عاجزة عن الكلام ؟ " .
عالم شاسع بات محجوبا عن حياة بعد أن لفَّتها الكوابيس في عتمة سرداب البيت محتمية به من موت همجي يدور بين الازقة والشوارع بحثا عن ضحايا وقد يطرق بابها في اية لحظة،فالذاكرة خذلتها وهي خط دفاعها الأخير،وباتت تتوسل إليها أن تكف عن أن تكون نشيطة:"توقفي عن تعذيبي،إهمدي إلى الأبد ودعيني ..".
كانت تنطق عبارات طويلة ضالة وحكايات مبتورة واغان واشعار وعبارات عشق لارابط بينها يتخلل ذلك عشرات الاسماء وهي في حالة من الهذيان،فايقظها من تشوشها اسم الشيخ قيداروصوته الذي كان يتردد في وحدتها الموحشة وهي تقف أمام المرآة،ويحثها على عدم الاستسلام للموت،وان تقاوم،وان لاتدع هذا الجنون المستفرد بالحياة يفسد حلمها،فاضاء لها ذاكرتها في عتمة السرداب،ومن خلال اسم عمها الشيخ قيدار انكشف عالم شاسع كان محجوبا عنها وهي مختبئة في وحدتها خلاصا من الموت والجنون:"لاتيأسي،إبحثي عن عمك الشيخ قيدار، ابحثي عنه في الجهات والكتب والاسماء والرؤى ..." .
الحرب تمر على كل شيء جميل في بغداد يؤرخ نبرة النهار وفيء النخيل ورائحة الحب فيها،وتتداخل بذات البابلي مشاعر مختلفة ومتناقضة تتأرجح،مابين التوق الى الاستفاقة من هذا الكابوس أوالبقاء في اللحظة الغائبة المغيبة من الذاكرة .
شخصية حياة البابلي حملت في داخلها تحدي كبير وحبا صادقا،هو بمثابة أمل بلقاء قادم مع الحبيب المنتظر ناجي الحجالي المقيم خارج العراق ،فالحب كما تراه "إعادة خلق الزمن والمصير بأصابعنا المشتعلة " .
كان لديها اصرار على البقاء في لحظة لابقاء فيها للحب،كل شيء مهدد بالموت بالرعب بالتوحش بالخيانات،فكانت هي ايضا مهددة ومطاردة من قبل المتشددين بسبب ماتكتبه من تحقيقات صحفية،لكنها كانت تزداد اصرارا على البقاء وعلى الامل،لعلها تلتقي بحبيبها الذي لم تكف عن الايمان بلقاءه:"كلانا كان بانتظار الآخر،كلانا كان يبحث عن روح تكافىء روحه،وتغض الطرف عن نقائصنا الانسانية ".
حياة البابلي كائن له ذاكرة وحلم،كانت تؤمن بأن الجمال هو حقيقة الانسان الوحيدة في الحب وفي الموت،لذلك كان يقول لها حبيبها ناجي الحجالي:" انت تملكين مزيجا متساويا وغريبا من البراءة والغواية ".
كانت تعيش على امل كبير لاخلاص منه،كما هي متشبثة بحبها الذي لن تتخلى عنه،ومثلما هي متشبثة بعشقها لبغداد:"لبثت احرس الصمت وكراسات الغائبين وقصص البنات،متشبثة بيقين حبي وانتظاري لناجي وأمل ظهور عمي الشيخ قيدار".
تقانة السرد
في كتابه المعنون (الزمان والسّرد)يقول بول ريكور:"إن وجود الزمن في السرد حتمي،إذ لايوجد سرد من دون زمن،وهذه الحتمية هي التي تجعل من الزمن سابقا منطقيا على السرد،إذ انَّه بالإمكان رواية قصة من دون تحديد المكان الذي تدور فيه الاحداث،واستحالة اهمال العنصر الزمني في النص السردي الذي تنتظم بوساطته العملية السردية". وفي تعاملها مع الزمن وهي تبني مسار الاحداث ومصائر الشخصيات عمدت الدليمي الى ايجاد إطارين من الزمن لسرد الوقائع :
 1-زمن فيزيائي ( خارجي)  2- زمن نفسي ( داخلي ).
في اطار الزمن الفيزيائي /الخارجي انتظم ترتيب الكراسات،فجاء سياقه منتظما بشكل تراتبي تراجعي،منطلقا من لحظة الحاضر مرتدا الى الخلف لان ذاكرة الشخصية الساردة حياة البابلي كانت تحاول الهروب مِن الحاضر،من النهارات والليالي المروعة :"كان الشَّر يتنزه حولنا ويسخر منّا،يغير سحنته كل برهة،يصير صاروخا أو رجلا ملتحيا،أو عبوة ناسفة أو صديقا يخون ماأن نحدس اقترابه ونتحسب له حتى يغير سيماءه كحرباء ويكمن لنا بهيئة لانتوقعها ".
الدليمي اختارت أن تتخفى خلف قناع الشخصية المحوررية مستعيرة صوتها وضميرها المتكلم في بناء رحلتها  السردية الطويلة المتشعبة في تاريخ وحيوات مدينة بغداد،منطلقة من الزمن الحاضر المؤرخ في اعلى الصفحة الأولى  للكراسة الاولى  بشهر نيسان 2008 ولترتد الى الوراء كراسة بعد أخرى مارّة بالاعوام التي شهدتها بغداد من خلال ما شهدته الشخصية التي كتبت الكراسة من احداث ذاتية،ولتستمر رحلة السرد باصوات ووجهات نظر مختلفة مع تعاقب الكراسات، رجوعا في مسار الرحلة الزمنية التي يتداخل فيها الزمن العام/ الفيزيائي/ الخارجي مع الزمن الخاص/النفسي /الداخلي،حتى تصل الرحلة الى اللحظة التي لم تكن فيها مدينة بغداد موجودة بعد على الارض،إنما كانت في مخيلة ابو جعفر المنصور فقط عندما كان يحلم بها ويفكر في بنائها،ومن ثم تعود بنا رحلة السرد الزمنية من حيث انطلقت بعد أن  سردت لنا حكايا عن  الحب والموت،تعود بنا الى نقطة البدء،الى السرداب،حيث حياة تقف امام المرايا تتساءل مع نفسها في محاولة منها لمعرفة "أين الجهات ؟ أين الاصوات ؟ خرست الساعات ووجدتني في عراء والزمن عماء ،المكان معتم لكنني ابصر ضوءا " .
في اطار الزمن الداخلي/النفسي انتظمت الاحداث داخل كل كراسة لوحدها،وهيكلت  الدليمي مساره بصورة يبدو فيه للقارىء مشوَّشا وغير منتظم فيزيائيا،معتمدة في بنائه ــ وفق هذا الشكل ــ على ماأصبحت عليه ذاكرة حياة البابلي من تشوش واختلاطات بسبب مايحيطها من عنف وقتل باتت تشهده مدينة بغداد،فماعادت بسبب ذلك تملك قدرة على فك اشتباك الازمنة والاحداث حسب تسلسها الفيزيائي ،لذا جاء بناء الزمن السردي  على هذا الشكل الداخلي /النفسي  .
آلية البناء السردي
استعانت لطفية بتقانة المذكرات أوالكراسات الشخصية،وهي صيغة بنائية حميمة في آليات السرد،وهي اقرب التقانات الى الذات لكشف مكامنها وعوالمها الداخلية،لذلك تعددت الاصوات الساردة بصيغة ضمير المتكلم  في كشف المشاعر والاحاسيس المخبوءة،بعدد الاشخاص الذين كتبوا الكراسات،فجاءت عديد من الكراسة تحمل عنوانا يشير الى شخصية محددة تشكل محور الكراسة.وكانت الاصوات النسائية القاسم الأكثر حظورا وهيمنة في مسار السرد(التبئيري)حسب  مصطلح الناقد جرار جينيت.
سيدات زحل مصابات بلعنة زحل تطاردهن من ارض الى ارض ومن زمن إلى زمن ــ  كما تقول حياة البابلي ــ عكسن وجهة نظر نساء حالمات في زمن لامكان فيه للأحلام،وكل الرجال الذين مرَّوا باحلامهن كانوا مجرد أطياف،فالمرأة في زمن تسوده صور الحرب والعنف والقتل على الهوية تصبح فيه طريدة وفريسة سهلة لأمراء الحرب،يتم التعامل معها بابشع صور الاذلال والاحتقار الجنسي والانساني، وهذا ماكانت عليه مصائر سيدات زحل فشخصية هالة المهندسة المعمارية على سبيل المثال كان لها حلم كبير ظل يراودها:أن تصمم مَرقداً مُبهرا في معماريته للحلاج،لكن غزو الكويت اوقف المشروع،والنتيجة ان ضاعت الاحلام في مسافات التشرد بين البلدان بعد أن فقدت عذريتها داخل سجن ابو غريب من قبل الاميركان،وشخصية راوية التي انتظرت حبيبها نديم اعواما طويلة على أمل أن يعود في يوم ما من بريطانيا بعد أن يسقط النظام لتتفاجأ به وقد تحول الى مسخ،بل إلى قواد،بعد أن تخلى عنها وتزوج من بريطانية لعبت دورا كبيرا في مساعدة فصائل المعارضة العراقية قبل العام 2003 في تحقيق اتصال مع الحكومة البريطانية،ولايجد نديم حرجا في ان يعرض على راوية استعداده لتزويجها من مجنَّد اميركي شاهد صورتها وابدى رغبته  بالزواج منها ومكافأة نديم فيما لو اقنعها بذلك .
مفارقة اللغة  
لغة لطفية كما يعرفها جيدا قراءها منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي تنتمي الى مناخ سردي له معطيات انثوية بامتياز يتماوج بشفافيته مابين وقع الجملة الموسيقية في بنائها الهارموني وتجليات العشق الصوفي، وفي هذا العمل يتدفق شلال مفرداتها منفتحا على عالم الزهور والنباتات في مواجهة عالم بشع متوحش:" أشذاء الورد والياسمين وعبير طلع النخل يضوع من الحدائق والمتنزهات المهجورة وبساتين الضواحي في مناطق الدورة والتاجي والفحامة وسبع ابكار،موَّهت الأشذاء لبعض الوقت روائح الجثث المتحللة الملقاة على الارصفة ثم فضحت الشمس نتانة الموت".
الدليمي اعتمدت المفارقة في ازاحة الدلالة بمعناها اللغوي عندما نثرت في بنيتها السردية زهورا ونباتات باصناف وانواع مختلفة كانت جزءا من ذاكرة بغداد نثرتها بين سطور الرواية وفصولها وهي تتحدث عن زمن يمتد فيه الموت والرعب متوغلا في  الهواء والاصوات والاشياء،وكأنها كانت تحاول عبر صوت حياة البابلي أن تعيد لبغداد حياتها المفقودة بنكهتها والوانها ورائحتها التي تعرفها كما لو انه لم يعرف بغداد بهذه الصورة  كاتب عراقي آخر :"احترقت اشجار اليوكالبتوس والصفصاف والارجوان،بعضها قاوم الإهمال والظمأ،المروج جفت وتحولت بعض الشجيرات إلى لون ذهبي محروق،أتراها ماتت ؟؟ ألوانها النورانية تجمل الخراب الذي حاق بالمتنزه،جذوع اشجار التوت العتيقةكانت رحيمة ومتينة ليتوارى وراءها عاشقان يتبادلان القبلات تحت المطر أو غسق الخريف قبل أن يضبطهما شرطي أو عابر متشدد ".





قتلة ...
للكاتب العراقي ضياء الخالدي

   
               تدميرُ الوطن المُقدَّس




الطبعة الاولى 2012
الناشر:التنوير للطباعة والنشر والتوزيع







في حيثيات بنيته الفنية يشير النص الروائي المعنون (قتلة) للكاتب ضياء الخالدي،إلى مستوى النضج الذي باتت عليه نماذج عديدة من الرواية العراقية التي صدرت خلال الاعوام العشرة الاخيرة،منذ العام 2004 .
تعود اسباب هذا المتغير النوعي في المستوى التقني،الى طبيعة التحولات التي شهدها مستوى الوعي لدى جيل جديد من كتاب الرواية في إطار رؤيتهم لمفهوم السرد واجراءاته الفنية داخل المشغل الابداعي .
من هنا وجدنا انفسنا أمام نماذج عديدة من الرواية العراقية وقد تحرر معمارها السردي من معطيات القوالب والاعراف المألوفة مُتّجها نحو فضاءات سردية تنحاز في خياراتها بشكل واضح الى ذاتية المبدع     وخصوصية تجربتة،وبذلك ابتعدت عن النمط(الفلوبيري:نسبة الى فلوبير) واقتربت من النمط(البروستي:نسبة الى مارسيل بروست)مثلما اصطلح عليها الناقد بشير حاجم في سعيه النقدي الدؤوب لتشخيص هذه التحولات. هذا التحول اضفى أوجُهَاً جديدة للمشغل السردي العراقي،سابغا عليه سمة الحيوية والتجديد.


مخزونات الألم
في كتابه المعنون(فن الرواية )للناقد ب.لوبوك يقول:"الروائي فنان،وعلى الناقد أن يفهَمه من داخل عمله"..وهذه الاشارة من ناقد كبير تعني في جانب من تشظيات مدلولاتها  على أننا في عالم  الرواية ازاء تجربة فنية تنهض بحضورها الشكلاني من خلال وجهة نظر شخصية واحدة ــ كما هو الحال في رواية قتلةــ أو عدة شخصيات يعتمد عليها الروائي لتمرير خطابه السردي.
الخالدي في رواية (قتلة)قد أمسك في مسار بنيته السردية بمهارة واضحة،لمْلَمَ فيها شظايا حياة متناثرة لمدينة بغداد، بوصفها بؤرة مكانية موضوعية،وبنفس الوقت شكلت ذاكرة للذات الساردة.
ومع ذلك لابد من الاشارة إلى أن المكان في نص القتلة لم يكن مرتبطاً بالتفاصيل الجغرافية،بقدر ماجاءت دلالة المكان علامة على مخزونات الالم والخوف،سواء في الذاكرة الفردية أوالجمعية داخل احداث الرواية. 
إستند الخالدي على صوت واحد ليكشف من خلاله عالما مرعبا يَنسجُ تفاصيل حكاياته الدموية مجموعة من القتلة الممسوخين،كانوا في يوم ما ينتمون الى الحركة اليسارية،وبعد سنين طويلة قضوها في المنافي تحولوا إلى محترفي قتل لايعرفون الرأفة.
عودتهم الى الوطن كانت بمثابة قَدَر أعمى سقط على رؤوس الناس،ليفرض الموت حضوره في لعبة عبثية بين احياء العاصمة العراقية بغداد. " كل رصاصة تنطلق،بعبثية أو بقصد،في سماء حي من احياء بغداد يعني قتلاً لملامحها. تشويه متعمد يبعث على تغيير صورة قديمة الى صورة أكثر بشاعة ".
اختار الخالدي موظفا متقاعدا مصابا بالعقم تجاوز العقد السادس من عمره   وعمل طيلة مشواره المهني موظفا حكوميا في قسم الارشيف،إختاره ليكون الشخصية المحورية الساردة للأحداث،ولينفرد(عماد الغريب) ولوحده في أن يكون محركاًوموجها لمسار احداث الرواية.
بهذه القيمة الاجراءية تم تغييبُ السارد الكلّي العِلم،لصالح السارد الضمني. "الحزن تاريخ ممتد لاينقطع.إننا مثل الارانب الخائفة التي ترفع اذنيها وتحدق بشتى الاتجاهات.هناك خطر محدق.ينبغي الاختباء والسّير بحذر ،وحين نسمع صوت اطلاقة نفرّراكضين صوب مخابئنا " .
عماد الغريب ــ الشخصية المحورية/الساردة ــ تم رسمها لتكتسب حضورها النفسي والاجتماعي من كونها تنتمي الى الطبقة الوسطى،فحمَّلها هذا الانتماءتركيبة قلقة،كشف ترددها وتأرجحها مابين ثوريتها وانتهازيتها. فبدا لنا نموذجاً للمثقف البرجوازي بالمعنى الايدولوجي وليس بالمعنى الطبقي،الذي عادة مايتحصن بالأفكار حول تغيير العالم،لكنه لايملك استعداداً للمغامرة دفاعا عنها،بل يتراجع الى الوراء متخليا عن رغبته في إسعاد الناس حالما يشعر أن الاذى يوشك أن يصل الى جسده،لينتقل الى قناعات اخرى بكل سهولة."أخشى أن تكون جلساتناهذه،أشبه بالجلسات التي كنت اشارك فيها في زمن الاخوين عارف،واخشى ايضا ان تشبه جلسات فرقة الحمزة في زمن الوحدة والحرية والاشتراكية،واخشى ان تكون مثل حلقات العقيدة في الشهور الاولى بعد السقوط ".
ثنائية الدين والسياسة
احداث الرواية التي اتسمت بتنوع التفاصيل،تنمو وتتطورمن خلال الشخصية المحورية،وقد إستحوذت بحضورها على المسار العام للحكاية، فكشف المؤلف من خلالها عن خفايا مدينة بغداد بعد أن سقطت تحت الاحتلال الاميركي عام 2003.وليسقط سكانها أسرى عصابات اجرامية منظَّمة يقودها رجال دين ــ الشيخ مؤيد نموذجا ــ ومناضلون سياسيون سابقون ـ ديار وعبود ــ قضوا اكثر من ثلاثين عاما في المنافي ليعودوا بعدها الى بلدهم وهم يحملون مشاريع غامضة أحالت شوارع العاصمة واحيائها الى مساحات من الخوف والوشاية والقتل على الهوية الطائفية. "هكذا أدوّن ماتختزنه ذاكرتي من مدَّخرات عن محلات العاصمة،التي أغلقت الآن بأسوار الخوف والنهايات.بغداد التي مدّت رأسها لكي تتجمّل من غبار سنواتها العجاف،تعود اليوم مصابة بمس من الجنون،لاتعرف مايُدبَّر لها..تسير بين عواصم العالم وهي تستنجد بتاريخها وحضارتها ".
في هذا النص الروائي نجد الدّين والسياسة يتقاسمان الادوار في لعبة الموت بين احياء مدينة مات ليلُ العشاق فيها "وتحول شعراؤها إلى كتابة مدونات الرثاء..جدران كونكريتية عالية أغلقت المدن ورُصفت أمام واجهات الدكاكين ".
يتورط عماد في لعبة قتل عبثية يقف خلفها أناس لم يبخلوا على أنفسهم أيّة وسيلة إلاّ واستثمروها لأجل ذلك،بما فيها استثمار الجن والشعوذة،كما في  شخصية شكرية المرأة العجوز التي تجاوزت العقد الثامن من عمرها والتي كانت تعمل عاهرة فيما سبق من الايام قبل أن تتقاعد من هذه المهنة لتصبح قارئة للغيب.
حينما تفقد الحياة اليومية صفائها وتتهشم تلقائيتها لم يعدالهروب ممكنا أمام شخصية عماد الغريب،خاصة بعدأن يصَّل إلى نتيجة مؤلمة يدين بها نفسه:" أنا قاتل ضمن مجموعة،توقعتُ أنها لاتنتمي لأي حزب أو عقيدة سوى عقيدة الوطن والدفاع عنه.فكانت العقيدة هي المال والنزعة إلى تدمير الوطن المقدس.نزواتنا تحكُم،والعقيدة قشرة أو غلاف يخفي ذلك السواد القابع في داخلنا.نعم كل المولعين باليوتوبيا والجنَّات الخضر على الورق،يتحولون إلى وحوش عند استلامهم السلطة".
عندما يصبح  أمر العودة الى الوراء مستحيلا يجد عماد نفسه وقد امسى هو الآخر مطاردا من قبل رفاق الامس/القتلة. فما كان منه إلاّ أن يهرب منهم،متنقلا مابين احياء بغداد،لينتهي به الحال جالسا في العراء في منتصف الطريق مابين بغداد وكركوك منتظراً أن يتحرك الرتل الطويل لأليات مدرعة محملة بالجيش الاميركي،فما كان منه إلاّ أن يحتسي الخمر مستجيبا لدعوة سائق التاكسي الذي استأجره ليعود به الى بغداد. "جسدي أنهكه الإعياء.أرض جرداء موحشة تطبق علينا،فنبدو ضئيلين وسطها. كحجارة مرمية،أو كفئران مذعورة تبحث عن مخبأ ".
ومابين قرار العودة إلى بغداد أواستمرارالهروب منها نحو كركوك تقتله الحيرة.بينما القتلة يربضون داخل سيارة اخرى  تقف خلف الرتل الاميركي من الجهة الاخرى،وهُم ينتظرون تحركه  لملاقاته وتصفية الحساب معه.
تنتهي الرواية عند جملة مفتوحة على احتمالات شتى،مشحونة بكل الغموض المترشح من زمن قاتم يهيمن على سماء بلاد يخيم الظلام عليها. "أنهينا قنينة العرق والاميركان لم يتحركوا.تمددنا على حصيرة القش وغرقتُ في نوم لم أذق مثله منذ زمن طويل ".
تأتي هذه الجملة التي أختُتمت بها أحداث الرواية لتضيء عبارة  بليغة إختارها الخالدي من الفيلسوف نيتشه،وضعها في اولى صفحات الرواية لتكون عتبة اولى تواجه القارىء بمحمولاتها وتأويلاتها،أضاءت بدلالتها قلق وهواجس المؤلف  ازاء مايجري من عنف وقتل في بلده،ومن خلالها رسم المناخ العام لخطابه السردي قبل الدخول  الى تفاصيله :" من ينازع وحوشاً يجب أن ينتبه جيداً ألاّ يتحول إلى وحش.فحين تطيل النظر إلى الهاوية،تنظر الهاوية إليك .. "



















وحدها شجرة الرمان
للكاتب العراقي سنان انطون

     


 مشهدية المكان في احتوائه عوالم انسانية سحقتها الحروب













خلال الاعوام العشرة الاخيرة طالعتنا العديد من العناوين الروائية التي انشغلت بموضوعة الحرب بما انطوت عليه من  مساحات واسعة داكنة سلبت الكثير من عمر المجتمع العراقي منذ مطلع  العقد الثامن من القرن العشرين والى مابعد سقوط بغداد تحت الاحتلال الاميركي عام 2003.
جماليات الفوضى
يأتي هذا النص الروائي  ــ وحدها شجرة الرمان ــ ليضاف الى تلك القائمة من الاعمال،فالحرب تتموضع هنا في خلفية الصورة المشهدية لتكون مرجعية واقعية يتشكل من ضراوتها السياق السردي العام للرواية،عبر تواريخ محددة تترشح من دخانها،ولتتداخل تداعيات الاحداث في سياق المبنى الحكائي وفق رؤية تنهض على الخروج من صرامة اشتراطات التسلسل الزمني ــ ماضي، حاضر، مستقبل ــ ومرتهنة بجماليات لاتتيحها إلاّ تركيبية الفوضى ــ بارتداداتها للخلف واندفاعاتها للأمام ــ لتقطيع مسار الزمن الطبيعي.من هنا بدا شكل تبادل المواقع الزمنية مهيمنا في البنية السردية للأحداث كما نظَّر له الشكلانيون الروس في نظرية (التحريف الزمني) لقطع التعاقب الطبيعي للأحداث .
لم تكن حكاية جواد كاظم الفنان التشكيلي ــ وهو الشخصية المحورية والساردة للأحداث بنفس الوقت ــ الاّ ذريعة أراد الكاتب سنان انطون من خلالها أن تكون أداته الاساسية لمعالجة موضوعة الحرب بسردية عالية ومميزة،من دون أن يذهب بعيداً في خنادقها وساحاتها إلاّ في مساحات ضيقة جداً.ذلك لأنَّ الشخصية في البنية السردية تشكل محورا أساسيا عادة مايضعها الكاتب في مقدمة اهتماماته،فمن خلال فاعليتها تنمو حركة الاحداث وتتطور،وبنفس الوقت تنعكس عليها.وهكذا تبقى العلاقة ديالكتيكية بينهما "فالشخصية تقع في صميم الوجود القصصي،فهي اشبه ماتكون بقلب السرد النابض،وتتقاطع عندها العناصر الشكلية كافة بما فيها الاحداثيات الزمنية والمكانية" 1
تضاد الامكنة
كماإحتلت دلالة المكان عناية فائقة في هذه الرواية خاصة وأنَّ حضور المكان  " يشكل عنصرا اساسيا في العملية السردية،بوصفه يمثل الارضية الفكرية والاجتماعية التي تحدد مسار الشخصيات التي يذكر فيها وقوع الاحداث،ضمن زمن داخلي نفسي يخضع لواقع التجربة في العمل القصصي " 2 .
تمظهرت مشهدية المكان في احتوائه عوالم انسانية مركونة في زوايا وامكنة مُغلقة على الحياة(المغيسل/محل غسل الموتى)خاصة وأنها مازالت أماكن بكر لم يطأها السَّرد:"أول ماوقعت عليه عيناي بعد أن قطعنا الممر ودخلنا الغرفة الرئيسة كانت دكة المرمر التي يُغسلُ عليها الموتى،والتي يرتفع طرفها الشمالي قليلا حيث يوضع الرأس،كي يسيل الماء،وكيلا يتجمع.كانت الجدران والسقف مطلية بلون ابيض مائل للصفرة،لكن الزمن والرطوبة كانا قد جعلا بعض المواضع خصوصا في السقف،تتقشر وتبدو كأوراق خريفيةعلى وشك السقوط.توسّطت السقف مروحة بدأت تدور بعد أن كبس أبي الزر على الجدار،نظرت الى اليمين فرأيت التوابيت التي يؤتى بها من الوقف وقد صُفَّت في الزاوية،وفوقها بمسافةٍ نافذة متوسطة الحجم أعلى الجدار تسمح لاشعة الشمس بإضاءة المكان،تحت النافذة كان هناك باب يؤدي إلى حديقة صغيرة فيها شجرة الرمان التي كان ابي يحبها كثيرا وبجانبه مصطبة يجلس عليها احيانا أقرباء الميت وهم ينتظرون ويراقبون،في صغري كنت آكل ثمار هذه الشجرة حين يقطفها أبي ويعود بها إلى بيتنا بنهم.لكنني توقفت عن ذلك بعد أن أدركت بأنها تشرب من مياه الموت " .
ولأن المكان في العمل الروائي لايمكن للكاتب إلاّ أن يوليه الاهمية التي يستحقها بأعتباره " الكيان الاجتماعي الذي يحتوي على خلاصة التفاعل بين الانسان ومجتمعه لذا فشأنه شأن أي نتاج اجتماعي آخر يحمل جزءاً من اخلاقية ساكنيه وافكارهم ووعيهم " 3.
من هنا رسم المؤلف مكانا آخر( كلية الفنون الجميلة )ليقابل(المغيسل /مكان غسل الموتى)ويتقاطع معه من حيث المعمار والسِّعة والانفتاح والوظيفة. 
ومابين تناقض وتقاطع هذين العَالمين وانقسامهما،يتأرجح جواد، فالمغيسل بات دلالة على:الماضي /الموت /السكون.وكلية الفنون الجميلة  دلالة على: الغد /الاحلام /الحبيبة ريم.
ومن خلال حضورهذين العالمين،افرغ انطون ماجاءت به الحرب من ذاكرة تراجيدية،ليس من السهل نسيانها والهروب منها، فأستحالت الى كوابيس تعزف لحنها الجنائزي المرعب والموجع في ذاكرته .
جواد لم تمنحه الحياة فرصة أنْ يحيا أحلام يقظته،فلاحقته الخسارات واحدة بعد الاخرى،أولها كانت مع مقتل شقيقه الاكبر امير ــ الذي كان قد تخرج من كلية الطب ــ في معركة تحرير مدينة الفاو عام 88 في نهاية الحرب العراقية الايرانية،ثم السفر المفاجىء لحبيبته ريم خارج العراق من دون أن تخبره،مع اشارة إلى انها من طائفة غير طائفته.وليعلم فيما بعد،انَّ سبب مغادرتها كان لاجراء عملية استئصال لثديها بعد أن استفحل فيه مرض السرطان.لينتهى به الحال عاطلا عن الحياة والعمل لمّا اشتدت أحداث العنف الطائفي بعد العام 2003 .
وبعد فشل سفره الى الاردن وعودته مرغما من الحدودالى بغداد وجد نفسَهُ العاجزة تقوده بكل احباطاته الى محل عمل والده،للعمل مرة أخرى في مهنة غسل الموتى كما كان يريد له والده " لايكتفي الموت منّي في اليقظة، ويُصِرُّ على أن يلاحقني حتى في منامي،ألايكفيه أنني أكد طول النهار معتنيا بضيوفه الابديين وبتحضيرهم للنوم في احضانه ؟هل يعاقبني لأنني ظننتُ بأنني كنتُ قادراً على الهرب من براثنه ؟
1-  مقاربات في الرواية والاقصوصة،بشير الوسلاتي وسعيدان سوسة .
2-  جماليات المكان الدمشقي ،شوقي بغدادي ،مجلة عمان ،العدد 34 سنة 1988 .
3-  الرواية والمكان،ياسين النصير .


يوميات غياب الندى ..
للكاتب العراقي  أسعد الهلالي





كثافة اللحظة التاريخية في الذات الساردة
                                               










الذاكرة هي مرتكز محوري إنطلق منه الروائي أسعد الهلالي في بناء مسارب روايته (يوميات غياب الندى) شكلا ً ومضمونا ً،والذاكرة هنا ذاتية /موضوعية ، يتداخل فيها ماهو شخصي مع العام، وليس هنالك من حد ٍفاصل يمكن من خلاله فك الارتباط والتفريق مابين هذين العالمين،اللذان تتداخلت فيهمااحداث الرواية وهي تمتد على مساحة زمنية واسعة بدايتها  كانت في مطلع ستينيات القرن الماضي ثم الحرب العراقية الايرانية في العقد الثامن منه ثم فترة الحصار الدولي على العراق على أثر غزوه للكويت  .
في كل هذه الازمنة يتداخل الخاص مع العام في بنية واحدة متشابكة ومتلاحمة، حتى بات أحدهما يعكس وجه الآخر، ومن خلال هذه الوحدة وهذا التشابك، عكس الكاتب رؤيته الشخصية المتعلقة بتاريخ طويل من عمر العراق المعاصر، يبدأ من منتصف القرن العشرين وصولاًالى ماقبل العام 2003.
تأتي أهمية هذه الرواية في معمارها الفنيّ، عندماالتجأ الهلالي للامساك بمساحة واسعة وفضفاضة من التاريخ العام ليكونَ جزءاً مُندمِجاً ومُتماهياً مع التاريخ الخاص للشخصيات في نص روائي تشكلت عناصره السردية من عتبتي الزمن والذاكرة،بنفس الوقت، نقل الهلالي هذا التاريخ العام، مرة أخرى عبر الخاص،الى العام،بعد أن أدخله في مشغل رؤيتة الابداعية ،معيداً ،من خلالها، تركيبه وتفسيره، وفقاً لمنظومة فلسفية ينطلق منهافي رؤيته للتاريخ العام الذي عصف ببلاده خلال خلال اكثر من نصف قرن من الزمان، كانت قد ارتكبت فيها سياسات الانظمة الحاكمة اخطاءً جسيمة اساءت كثيراً الى حرية وكرامة الفرد، فكان أحمد العراقي نموذجا لشخصية الفنان المثقف الذي وقع ضحية اساليب وحشية اعتادت على ممارستها اجهزة امنية قمعية لاتحترم أدمية الانسان، وهذا مايضطره بالتالي الى الهروب خارج البلاد نحو اليمن في مطلع العقد التاسع من القرن العشرين بعد أن فشلت الانتفاضة الشعبية عام 1991والتي كانت قد عمّت أغلب مدن العراق على اثر النتائج الكارثية التي تمخضت عن قرار غزو العراق لدولة الكويت،وما تلا تلك الانتفاضة من اعمال انتقامية ارتكبتها اجهزة السلطة الأمنيّة ضد المنتفضين والمواطنين على حد سواء .وفي صنعاء عاصمة اليمن تطول مدة لجوئه فيها إلى عشرة اعوام، يعيش فيها غربة قاسية لاتبددها سوها علاقة حب عميقة أرتبط بها مع ندى وهي شابة عراقية كانت قد إلتجأت مع عائلتها الى اليمن مثل عشرات غيرها بعد أن فتكت الحروب ببلدهم العراق،ولكن القرار الهجرة بعيدا عن اليمن الذي إتخذته ندى يضعه في غربة أخرى داخل غربته،لتستيقظ الذاكرة في سردية شعرية مُستعيدة ذاته الاخرى(كما يقول بول ريكور )التي أرختها شوارع اليمن في أدق تفاصيل العلاقة الشخصية الحميمة مع الحبيبة ندى .
جاء المكان في البناء السردي لهذا العمل من غير أن يشكِّل أية اهمية واضحةفي تفاصيله وملامحه التي كرستها تقاليد الرواية الكلاسيكية والواقعية،بينما أكتسب الحدث حضوراً واضحاً،فمركزيةالمكان هنا لاأهمية ولاحضور لها، ولاتشكل للمؤلف عتبة اساسية وجوهرية ينطلق منها في سرد بنيته الروائية،وهذا يعود إلى أن الماضي بكل ثقله لم يرتبط بمكان محدد طالما كانت الشخصيات في حالة هروب دائم ولم تستقر في مكان بعينه .
إذن الحضورهنا يهمين عليه ألحدث،وليس بنية ألمكان التقليدية كما شكَّلتها منظومة الرواية العربية خلال اكثر من نصف قرن،وهذا يعود كما أشرنا ألى أن معظم شخصيات الرواية كانت مطاردة ولم تستقر في المكان الذي ولدت فيه واكتسبت منه طبيعتها الاجتماعية، إنما لجأت مُضطرة ومقهورة الى آمكنة أخرى بعيدة وغريبة عنها.
تبدأ احداث الرواية في مطار العاصمة اليمنية صنعاء عندما يودع (أحمد العراقي) الشخصية الرئيسية حبيبته (ندى)،ألتي ستغادر صنعاء الى مكان آخربعيد،ومجهول،لم يحدده المؤلف،وهي إشارة واضحة الى المصيرالمجهول الذي عصف بالعراقيين خلال الفترة التي تناولتها احداث الرواية :" هدرت محركات الطائرة الفضية .. إبتلع الممر الضيق المؤدي إلى صالة المغادرة آخر الاقدام المسرعة ، مجلللاً بعضها بالدموع والآخر بخفقات قلوب إستلقى فيها فرح غامر أرهقه التقافز حتى أوشك على الانهيار ... " .
وبماأن جلّ الشخصيات قد تعرضت الى الابتعاد القسري عن المكان الذي تنتمي له،لذا كان من المنطقي أن يغيَّب المؤلف الطبيعة الطوبوغرافيةللمكان على حساب حضور الحدث واللحظة الانسانية التي تعيشها الشخصيات وهي تواجه فعل المطاردة من قبل اجهزة السلطة الامنية . 
لم تكن الشخصيات في حالة إطمئنان حقيقي حتى عندما تكون بعيدة تماما عن الامكنة التي هربت منها جغرافياً،لأن الذاكرة الشخصية بما تمتلكه من رصيد كبير اختزنته في داخلها لاتجعلها تحيا بهدوء واطمئنان حتى بعد أن أمست في منأى عن الخطر الذي كان يطاردها،فهي مازالت تننفس وتتنازع مع ماضيها المسكون بالملاحقة والخوف،:"تعلمين أني غادرت جحيمي بقدمين متهرئتين ..وأحتاج إلى الكثير من الوقت كي تتماثل قدماي للشفاء ."
الذات الساردة هنا شديدة الحساسية في فهمها وتفسيراتها لأبسط اللحظات والتفاصيل وهذا يعود لكونها ذاتُ فنانٍ شاب درس الاخراج السينمائي في كلية الفنون الجميلة ببغداد في ثمانينات القرن العشرين قادما من مدينة كربلاء ذات الصبغة الدينية الواضحة جداً، فتقاطع هذا المسار مع ماكان يريده له والده في أن يكون ضابطا في الجيش العراقي،كما تقاطعت أيضاًافكاره اليسارية مع افكار والده القومية، وعلى الرغم من فشلها في حكم البلاد بشكل سليم مرتين ،عام 63 و68 وتسببها بالكثير من الاحداث المؤلمة التي تحملها المجتمع إلاّ أن والده بقي على موقفه المدافع عن تلك الافكار ومبرراً كل اخطائها التي انعكس تأثيرها على مستقبل البلاد فيما بعد .
تبدوالشخصية الرئيسية في هذا العمل(أحمد العراقي ) وكأنها في حالة من الترنّح منذ اللحظة الاولى التي يلتقي بها القارىء ، فهي تبدو شخصية فاقدة للطمأنينة التي كانت قد تبخرت في الحرب العراقية الايرانية:-" مع أول عروس شهدتُ زفافها بملابسها البيضاء المبرقشة باللؤلؤ الصناعي ..وباقة الورد التي بعثَرَتها على عريسها المضطجع بأستسلام في نعشه وفي جبهته رصاصة بدت لعيني عروسه قبل تكفينه كقبلة حلمت ذات يوم بعيد أن تطبعها على جبينه الضاج بالرجولة والكبرياء ،عشقته فتى وشاباً ولاتملك إلاّ أن تنثر الزهور على سكونه وقد أرسلته إليها الحرب في يوم زفافه غارسة في جبهته قبلتها البارودية "
كانت الاعوام العشرة التي قضاها في الغربة بعيدا عن وطنه العراق كافية لأن يستحضر فيها السنين التي مضت لتأتي متدحرجة بعدأن خاض فيها تجربة مُرّة لايمكن أن تشطبها الذاكرة :" اضطررتُ إلى دفن سنواتي في مقابر من كانت الحرب تبعث إلينا بأشلائهم من أصدقاء ندفنهم دونما نظرة أخيرة ودونما وداع أخير .. وغالباً ما نستعجل دفنهم مع بقايا رائحة زنخة اختلط فيها التفسخ بأكداس البارود والغازات الكيمياوية السامة أحيانا .. غالباً ما كان النعش مسمراً وخطوط حمراء تنصّ على أن يدفن القتيل بنعشه وحين أصرت إحدى الأمهات على فتح تابوت ابنها معاندة بنادق الحراس عثرت على أشلاء لها ثلاثة أقدام وذراع واحدة ودونما رأس .. كفت المرأة عن البكاء .. كانت موقنة أن ابنها لم يمتلك قدماً ثالثة طوال حياته.. غادرت القبر فوراً ولم تعد لزيارته .. أعلنت أنها ستنتظر عودة وليدها.. بعد عشرة أعوام من انتظار سقيم أخبرت جارتها أنها ستبحث عن ابنها في دار الله المطلة على الأرض جميعاً.. كانت موقنة من أنها ستعثر عليه .. قرؤوا ذلك في عينيها المشرعتين حين أغمضوهما الإغماضة الأخيرة في اليوم التالي .. ودفنوها في قبر بارد مجاور لأشلاء من ظنوه ولدها الذي جلبت أشلائه الحرب قبل عشر سنين.. زارت جارتها القبر في الخميس التالي فوجدته حفرة غائرة لا تحوي سوى قطعة من الحجر هشم بها أحدهم أو إحداهن.. لا أحد يدري .. شاهدة قبر قتيل الحرب" .
الزمن التاريخي الذي شهد الوقائع والتفاصيل كان منصّة سُجلت عليها الاحداث.. هذا الزمن عادة ما يمتلكه الكاتب ليحيله في بنيته السردية الى بنية جمالية يمرر فيها أحاسيسه التي شكلت ذاته  في تحولاتها، فكانت تجربة الجنس المبكرة لأحمد العراقي مع جارتهم أميرة زوجة الشهيد سالم عبيد الذي سقط في حرب أكتوبر /تشرين عام 1973 التي جرت مابين العرب ودولة اسرائيل، فكانت تلك أولى تجاربه الحسية وهو لم يزل مراهقا، لتقرَّ حتمية زمنية جاءت في سياقٍ خارج ماكانت  الذات مهيئة له  :" تشبثت كفي بالراديو حين حاولت أميره جذبه .. ظننتُ أنها تود سرقته .. وفوجئت تماماً حين رمته جانباً بإهمال .. تعاظمت مفاجئتي حين جذبَتْ بيجامتي لأبدو كدجاجة قرعاء وأنا منكفئ على جسدي الذي لم يحتم ِسوى بسروالي الداخلي الذي لم يصمد على جسدي طويلاً إذ جذبته أميرة سريعاً فغطيتُ ما ظهر مما لا يجب أن يظهر بكفي.. فحّ صوتها ..
ـ لا أظنك تعرف شيئاً ؟
أجبتها ..
ـ ما الذي يجب أن أعرفه ؟ ..
رددتْ ..
ـ سأعلمك .. سأعلمك ..
أسرعت بخلع جلبابها الأسود فبان عريها لامعاً كالمرآة .. أشارت لنهديها ..
ـ ما هذان ؟
ـ ثديان ..
ـ لماذا غرزا في صدري لا صدرك ؟
ـ لأنك تُرضعين بهما ..
ـ حسنٌ .. ارضع قليلاً ..
ـ لكني فطمتُ منذ سنين بعيدة ..
ـ ألا تعلم أن ثدي المرأة وجد ليرضعه الطفل والرجل ..
ـ لا أعلم .. سأسأل أمي ..
ـ لن تسأل أمك أسئلة كهذه .. ما ترضعه كبيراً ليس ثدي أمك بل ثدي آخر .. ثديي مثلاً .. تعال ..
اقتربت مني .. رمقتني بنظراتها المضطربة فأخافتني .. اقترب فمي مرتبكاً من حلمتها .. رضعت وجلاً أول الأمر ثم انتابتني بعض اللذاذة .. بعد قليل كان كفاي يعتصران نهدها النافر كقبة وشفتاي ترتشفان لعابي الممتزج بعسل نهديها ".
كانت تلك التجربة اكتشافا مدهشا منحته الخبرة التي إستعان بها فيما بعد في تفجير روح العبث المتجاور مع عواطفه المتفجرة بين اروقة كلية الفنون الجميلة .
شخصية  أحمد العراقي تبدو وكأنها مازالت في حالة من فقدان القدرة على التركيز والاستقرار رغم مرور عشرة أعوام على العيش بعيدا عن وطنه الذي طالما الموت طارده فيه :-" أيّة طمأنينة ستمكث وكل بيان بهجوم يعني سربا لامتناه من النعوش واليافطات السوداء التي تكحل عيون الازقة ؟ " ..
تعيش هذه الشخصية حالة من الفوضى الدائمة،بين أوراق وصورتعود للحبيبة ندى التي غادرت الى غربة آخرى،لتتبعثر الذكريات من حوله،فتحيط به،هنا وهناك :"صور ..صور .. بعثرتها لأهمي بعيني الناثة رحيقها،مرتشفاً جبهتها الوديعة وأنفها الغائص في الذهول وشفتيها المبتسمتين في شفتيّ برقة لاموطن لها إلاّ ندى " .
يتّخذ المؤلف من صيغة المذكرات اليوميةوسيلة سردية في إدارات دفة احداثٍ بعيدة وقريبة إكتظت في ذاكرة متعبة وخائفة وحزينة عبَّر عنها المؤلف بصيغة ضمير المتكلم،يبدأها بتاريخ محدد 7/ 8 / 2001 ثم 8/ 8 / 2001 وهكذا تتوالى التواريخ اليومية متتابعة لتنتهي بالتالي بنهاية مفتوحة بهذه الجملة :"صنعاء  2001 " .
عمل المؤلف بآلية السرد هذه على استحضار الماضي من الماضي نفسه،
يوماً بيوم،وأعاد تركيب ماجرى فيه من أحداث من خلال رؤية المخرج
 السينمائي أحمد العراقي، وهي رؤية لاتخرج في شكلانيتهاعن إطارتيارالوعي في الرواية الحديثة ،أيضاً جاء بناء كل مشهد فيها وفق التركيبة السينوغرافية للمشهد السينمائي،كما لم يخرج في رؤيته هذه عن الاطار الواقعي، رغم الطاقة الشعرية التي عبّأ بها لغته وهو يشتغل عليها في إعادة تركيب الحدث من جديد :"بدت الكتل المبتلة بمطر الليلة الفائتة منتصبة على جانبي الطريق..يتكئ بعضها على بعض،هامسة بوحها الساخر لما اكتنزته ذاكراتها بما اختبأ خلف جدرانها المستسلمة لدفء الأنفاس اللاهثة،جدران تركن للصمت والسكون مشرعة مسامات التلصص الملتذة على جسدين إحتويا عريهما بين الجدران، هاربين من سياط الآخرين اللاسعة،يخبئان توقهما أول الأمر عن فضول مسامات الجدران .. يتبادلان نظرات يطفر إلى مآقيها الوله.. ينساب دخاناً لا مرئياً يلفح الوجه الآخر.. يمتزج الدخان .. تجذبه المآقي فيجذب إلى مركزه الوجهين الموشكين على الذوبان .. تبتلع المآقي دخان الوله ليغدو لعاباً سكرياً عاتي اللذة يكسو الشفاه المتلاصقة .. يمتزج .. تذوب الشفاه في اعتصار يرتج لعنفه قلبان يطفح دفئهما فيطرد ما علق بالجسدين من خِرَق .. تشرع الجدران مساماتها مرتشفة الالتصاق الأفعواني العابث للجسدين المهتاجين .. وتسرع عند بزوغ الفجر لبعثرة ذاكرة الليلة الفائتة في آذان الجدران الأخرى .. تقهقه جدران صنعاء ساخرة من انكسار قلبي فوق رصيف فندق الشلال باحثاً بعينين نهمتين عن بقايا خطواتنا المرتبكة.."
بعد أن يودع أحمد العراقي حبيته ندى التي عشقها بجنون كما عشق من قبل وفاء ونهال في كلية الفنون الجميلة :" أ أخبرتك يوما بأني لم أشعر بالطمأنينة حتى التقيتك؟ " . . يعود أدراجه الى شوارع العاصمة صنعاء مجتراً ذكرياته التي اكتنزت انفاسهما اللاهثة خلف جدرانها. :" تستقبلني جدران منزلي ..أطرق رأسي خجلاً ..سألتني صورة الفراشة الحائمة حول الشمعة المتلألئة عن ندى .. إزداد رأسي إطراقا .. تمتمتُ .
ـ غادَرتْ ..
أسرعت الفراشة بالطيران صوب لهب الشمعة فضجت الصورة برائحة شيّها .. قفزت من عيني دمعتان لابدتان في زاويتيهما المحمرتين لفرط العواء .. درتُ حول الجدران مرتشفاً رائحة ندى الفائحة من مسامات الجدران وزوايا اللوحات المعلقة وبين أضلاع التمثالين البرونزيين الصغيرين.. كانت ندى ماثلة في زوايا المنزل.. بقايا ضحكة مكركرة في حجرة النوم لم تجذبها معها ساعة مغادرتها ".
ختاما نقول إن رواية يوميات غياب الندى تستدعي قراءتها أكثرة من مرة بعد أن توفرت فيها لغة سردٍ ثرية ومكثفة عمل فيها الهلالي على انجاز بنية فنية تحمل مفرداتها حساسية شعرية عالية أضافت نسقا متعالقاً مع تركيبة الاحداث والشخصيات .
طشَّاري
للكاتبة العراقية انعام كجه جي

          


      ألارتهان إلى تقانة الّسرد الموضوعي





منشورات دار الجديد/ الطبعة الاولى 






إستبعدت كجه جي التسلسل الزمني التقليدي والترتيب المنطقي لسرد الاحداث،فتعاملت مع مفردة الزمن باللجوء الى وجهة نظر إسترجاعية افتتحت بها روايتها،انطلاقا من نهاية حكايةٍ لم تبدأ بعد فجاء هذا الإجراء التقني ملائما لتشكيل حبكتها،متخلية بذلك عن تقنية حلِّ العقدة،في مقابلِ إبقائها مُعلقةً،والأخذ بها نحو الانفتاح الدائم،كما يشير الى ذلك الناقد جيرار جينيت في كتاب(نظرية السرد من وجهة النظر إلى التبئير):"وصف يتمُّ مِن وجِهةِ نظرٍ تقعُ خارج العمل الأدبي نفسه بالنسبةِ للزمن الداخلي لهذا العمل،وبنظرةٍ آتيةٍ مِن المستقبل".
إنَّ (كجه جي)في عملها هذا،مالت إلى ترجيح خيارٍ فنيٍ شكَّلته مجموعة شبكات متراكبة ومفتوحة على بعضها البعض،بالشكل الذي يضع القارىء في طقس من التلقي/المتأمل،يأخذ شرعيته من خلخلة صورة التلقي بسياقها التقليدي،لصالح شكل آخر،ليس فيه إشارةٌ واضحة تحددُ بدايةَ ونهاية العمل الروائي،وهذاماأعطى القارىءحرية واسعة لأنْ يختار حسب رؤيتهِ نقطة بدايتهِ ونقطة نهايتهِ،مثلما كان للمؤلفة حريتها اثناء عملية الكتابة في اختيار نقطة البداية ونقطة النهاية.
ورغم ماحفلت به بعض أحداث رواية(طشاري)مِن آلياتٍ ميلودرامية بعيدة بشكل ما عن اجتراحات الاعمال الروائية التي يتوغل بناءها السردي عميقا في أركلوجيا البنية السردية إلاّ أن ذلك لم يضعف بنيتها أويثقل عملية التواصل والتفاعل مع القارىء أياً كانت تركيبة ذائقته السردية. ضمن هذا الفهم،الذي نجد انفسنا مرتحلين به يبدو لنا أنَّ سياق المعالجة الفنية ــ وفق هذه الرؤية ـ بات يشكل مفردة واضحة في تركيبة عالمها الروائي،إذْ لم تحاول كجه جي ـ على مايبدو ذلك من السياق الفني العام للبناء ــ أن تبتعد عنه وعن محدداته الواقعية،ولم تخرج به عن حدوده ومحدوديته،ولاأنْ تجرِّب التحليق بعيداً في عالم تصنعه افتراضات واحتمالات المخيلة،وذلك عبر إستثمار طاقة التخييل لصنع واقعية أخرى مقابل واقعية الواقع،بل اكتفت وعبر الإرتكان الى تقانة السرد الموضوعي ــ وهي تؤثث عالمها الروائي ــ أن تنهل من واقعية الواقع . 
كما هي عديد الروايات التي صدرت في العراق خلال الاعوام العشرة الاخيرة،والتي شكلت في مسارها الحكائي العام مواجهة فنية لتراجيديا الحياة العراقية بتنوع صور انهياراتها وانتكاساتها،تأتي رواية طشاري ــ هي الأخرى ــ لتبديد بقعة شديدة الظلمة في مساحة العتمة التي تمتد على طول البلاد وعرضها نتيجة مااصابها من تدمير بفعل الاحتلال الاميركي عام 2003 والذي بسببه استحالت العلاقات الاجتماعية مابين مكوناته الى صورةٍ مُرعبةٍ قوامها التشظي والتفتت،وفي خضم هذه الفوضى،لم يعد من السهل التكهن بعودتها الى ماكانت عليه من صور الألفة والتعايش والتسامح،هذه القتامة في تفاصيل الصورة بكل انشطاراتها وتداعيتها بدت منعكسة بشكل واضح في حبكة الرواية.
النص الحكائي
(ورديّة اسكندر)طبيبة شابة نحيلة خجولة،لم تكن تعرف مدينة أخرى غير مدينة بغداد قبل العام 1954،تذهب بها قرعة التعيين بعد تخرجها من كلية الطب ذاك العام الى مستشفى مدينة الديوانية في جنوب العراق.ودون أن يكون ذلك وارداً في حساباتها تقضي ربع قرن من عمرها في الديوانية،قبل أن تعود إلى بغداد،وهناك في الديوانية،ستلتقي بمن سيكون شريك حياتها،الطبيب جرجس،ولتنجب منه ابنائها،برّاق وهندة وياسمين.
خلال رحلتها الطويلة التي قضتها داخل مجتمع غريب عليها ــ ديانةً وثقافةً وطقوساً ــ  بحميمية وتفاعل كبيرين،ستشهد تحولات جذرية في وعيها الذي شكلته مفاهيم الطبقة الوسطى بثقافتها المدنية المنحازة للتحرر والتحضر والانفتاح على العالم،وبقدر ماتتسم البيئة الجديدة من بساطة ودفء وعفوية،بقدر ماتختزن فيها عادات وتقاليد واعراف دينية واجتماعية ثقيلة تقمع بقوة وعنف عواطف ومشاعر الانسان،ومامن سبيل للخلاص من سلطتها:"مدينة هادئة ومتقشفة ومحافظة وتشبه شخصيتها. مضت اليها،أول مامضت،بكثير من التهيّب،وكأنها تنهض من مهد ميلادها وتسير إلى نعشها.كل ماعاشته قبل الديوانية قشرة بصل،وكل ماستعيشه فيها سيمدُّ جذوراً ويرسخ وينمو ويتفرع ويخضوضر ويبرعم ويطرح الثمار " .
(ورديّة)التي فضلت البقاء وحيدة في العراق،بعد مغادرة إبنهاالمهندس برّاق إلى إحدى مدن البحر الكاريبي بسبب عمله،وابنتها هندة الى كندا، وابنتها الصغرى ياسمين الى دبي،مُرغمة تترك بلدها العراق،بعد أن تخطت أعتاب العقد الثامن من عمرها،لتحطَّ بها رحلة اللجوء بكل مشقاتها في مدينة باريس،مُقيمة ولفترة مؤقتة ــ قبل أن يتم نقلها الى سكن خاص بها ــ في شقة إبنة شقيقها التي تعيش مع زوجها وابنها الشاب اسكندر :"ظلت تأمل أن يجتمع شملهم في مكان واحد،بلد واحد أو حتى قارة واحدة،ودحضت كوابيس الليل آمال النهار.وهي قويّة وحكيمة ومجربة ،لكنها أضعف من أن تضبط عقلها اللاوعي.لايمكنها أن تبرمج الأحلام والمنامات ".
مقبرة الكترونية
(اسكندر)يدرس في المرحلة الثانوية ولايعرف شيئا عن وطن اباءه واجداده،يبتكر مقبرة الكترونية في حاسوبه الشخصي،يُلملم فيها عظام العراقيين:"من مقابر الخليج والشام وديترويت ونيوزيلندا وضواحي لندن وينفخ فيها من موهبته لتستريح في أرض محايدة.يجمع شمل الرجال والنساء الذين وضعوا الرؤوس على مخدة واحدة لعقود من الزمان ثم تفرقوا وهم أموات في الترب الغريبة،طواهم طير اليبابيد الذي حلّق فوق العراق ورماهم في بلاد الله الواسعة ". يكبر اسكندر بأسرع مما تتوقع والدته وهو يصغي لأحاديث(ورديّة)عمّة والدته،أثناء مايجمعُ عظام الموتى بعد أن فرقتهم الحروب والمنافي والعنف الطائفي،يرسم لهم اضرحة، وينحت لها الشواهد،ويزرع حولها ازهاراً تختارها كل عائلة لميّتها.كما يرفق معها صور الموتى مع موسيقى واغنياتٍ كان الموتى يحبونها.ورغم إعتراض البعض من المهاجرين على فكرة المقبرة الالكترونية "إذ عدّوها مخالفة للإيمان إلاّ أن الكثيرين تحمسوا لها ووجدوها حلا سحريا ولطيفا لمواجهة الشتات ."
تبدو فكرة المقبرة الألكترونية اشارةً تحملُ في مدلولها معنىً تشائميا،وكأنّ المؤلفة(كجه جي)أرادت من خلالها أن توصل فكرة مفادها:إستحالة العودة الى الوطن في الواقع،حتى لو كان العائد جثةً،إلاّ إذا كانت العودة افتراضية في مقبرةٍ افتراضية.بنفس الوقت هي تحمل اشارة أخرى مضادة في المدلول  توحي بتفاؤلٍ يتم تمريره برشاقة ونعومة،شيئا فشيئا،عندما نجد اسكندر يسقط هو الآخر:"في فخ السلالة،وصار خبيرا في العمَّات والاعمَام والاجداد والراحلين.واكتشف تفاصيل مُسلية عنهم وهو ينحت قبورهم ويسطِّر العبارات اللائقة على شواهدها ".إسكندرالذي لم يكن يعرف شيئا عن عائلة أبيه وأمه قبل أن تحل ورديّة ضيفة في بيتهم.
احتفاء بالمرأة
خطاب الرواية يفصح عن نبرة احتفاء واضحة بنماذج متنوعة للمرأة العراقية،بمستويات طبقية وبيئية متباعدة تتوزع مابين شخصية الطبيبة(ورديّة اسكندر)وشخصية المرأة الأميّة المعطاء(بستانة)القادمة من  جنوب العراق والتي تتولى إرضاع بنات الطبيبة ورديّة والاهتمام بهن وكأنهن بناتها،كذلك شخصية(شذرة العلوية)التي لها حظوة وسطوة في مجتمعها القبلي بما تملكه من  قدرة على كشف المخبوء،هذا إضافة إلى نماذج أخرى ثانوية تمرُّ مروراً عابراً بعد أن تترك تفردها الانساني في بيئة قاسية،كماهي شخصية تلك الفتاة العذراء التي لم تبلغ العشرين من عمرهاوهي حامل بشهرها الثامن بشكل غير شرعي من حبيبها،وهنا عبر هذه الشخصية نجد المؤلفة قد نجحت في أن تقدم لنا نموذجاً جسوراً لفتاة في اوضح صورة للتمرد على التقاليد والاعراف عندما ترفضُ أنْ تَقمَعَ شبابها وأنْ تَعتَرِفَ بخطيئتها،وهنالك ايضا شخصية الفتاة المذعورة التي ترتدي حزاما مفخخاً وتدخل به عيادة الطبيبة وردية وهي ترتعش،فتقبضُ على ذراعي الطبيبة باصابع متخشِّبة متشبثة بحلاوة الروح،متمردة على موت مُبرمج،وهي توشكُ أن تتهاوى على الأرض وترددُ مستنجدة بها:"ماأريد أموت..ماأريد أموّتكم وأموت".
ألابتعاد عن الأنماط
الرواية قدمت لنا شخصيات مختلفة ومتنوعة تنبض بالحياة من غير الشخصيات الرئيسة،إبتعدت كجه جي في بنائها عن الصورة النمطية، فجاءت مبنيّة بشكل عميق ومؤثر،متجاوزة في تقديمها وصف الوضعية الخارجية،بل انساقت في رسم ملامحهاالداخلية،كما هو الحال في شخصية(بستانة)المربية القروية التي تتولى مسؤولية الاهتمام بأبناء الطبيبة(وردية)كذلك شخصية الطفل الفلسطيني(غسان)ذي الاصول الافريقية،وشخصية(فرنجية)اللبناني رئيس صحة الديوانية،وشخصية(أبو يعقوب اليهودي) صاحب معمل الطابوق في الديوانية.
ولعل الشخصية الأبرز من بين النماذج النسائية التي حفلت بها الرواية الطبيبة(هندة)إبنة الطبيبة ورديّة اسكندر،من خلالها كشفت المؤلفة جوانب عميقة في تركيبة المرأة العراقية وهي تتابع رحلة كفاحها لإثبات كيانها الانساني وتفوقها المهني في قرية نائية تابعةٍ لمدينة مانيتوبا الكندية وسط محميّات السكان الأصليين من الهنود الحمر،الذين جاء حضورهم في الرواية ليشكل معادلاً رمزيا لسكان العراق الاصليين من المسيحيين بعد أن تعرضوا لعمليات قتل وتهجير منظم،بسببها تناقص عددهم بشكل خطير الى الحد الذي باتوا فيه أقرب إلى أن يكونوا صورة تراثية ــ كما هو حال الهنود الحمر ــ إن لم يكونوا أقرب إلى الإندثار .  
صفحات الرواية التي وصلت إلى 251 ص حاولت فيها كجه جي أن تَكتشِفَ وتكشِفَ طبقات عميقة لأنطباعتها الذاتية أزاء لحظاتٍ مهمةٍ من تاريخ العراق المعاصر،تبدأ منذ مطلع ثلاثينات القرن العشرين وحتى العام 2013.بما حفلت به مِن تقلبات سياسية وتحولات إجتماعية.
اخيراً،عنوان الرواية(طشّاري)قد جاء دلالة على تناثر وتشتت افراد عائلة الطبيبة المسيحية العراقية(وردية اسكندر)في بلدان وقارات مختلفة،خلال الاعوام التي أعقبت سقوط بغداد تحت الاحتلال الاميركي عام 2003:" تطشَّروا مثل طلقة البندقية التي تتوزع في كل الاتجاهات "




فرانكشتاين في بغداد
للكاتب العراقي أحمد السعداوي

                  



                  تَماهي الواقع مع المُتخيّل             





منشورات الجمل بيروت – بغداد
الطبعة الاولى 2013




ماوراء السرد
السعداوي وهو يبني روايته ذَهَب في مَسارٍ فنيٍّ إستَمَدَ حمولته من تقاناتِ ماوراء السرد،فأوكَل مسؤولية سرد الحكاية إلى ساردين إثنين.الأوّل،مؤلفٌ خارجيٌ(ضِمْني).والثاني مؤلفٌ داخليٌ (مُعْلَن) يُشكل حضوره جزء من شخصيات وبنية العمل ذاته،كما اشار الى ذلك الناقد ــ والاس مارتن ــ في كتابه نظريات السرد الحديثة "إنَّ السرد المُضَمَّن،هو القصة التي تسردها شخصيةُ في القِصَّة،هي مُضَمَّنةٌ ".
السعداوي وهو يتناول العنف والتفجيرات التي سادت العاصمة بغداد مابين الاعوام 2003 – 2005 بعد سقوطها في قبضة الاحتلال الاميركي،لم يستند على شخصية رئيسة واحدة تتمحور حولها الرواية،انما عدد من الشخصيات،منح لكل واحدة منها مساحة واسعة من الاهتمام والمتابعة.
الشخصيات
إيليشوا العجوز المسيحية التي فقدت ابنها دانيال قبل عشرين عاما في الحرب،مازالت تنتظر عودته،ورفضت أن تغادر العراق مع بناتها الى استراليا لتبقى وحيدة في بيتها مع قطّتها نابو..وهناك شخصية فرج الدلال صاحب مكتب دلالية الرسول للعقارات،الذي استثمر أجواء الفوضى،وغياب الدولة،ليضع يده على العديد من بيوتات حي البتاوين مجهولة المالك،ليحوَّلها الى موتيلات صغيرة ورخيصة،يقوم بتأجير غرفها الى العمال الوافدين من المحافظات أو العوائل الهاربة من مناطق مجاورة لاسباب طائفية،وقد حاول أكثر من مرة أن يقنع العجوز ايليشوا في أن تبيع بيتها ولم ينجح. وهنالك أيضا شخصية هادي العتّاك جار العجوز إيليشوا الذي طلب منها أكثر من مرة أن تبيعه الانتيكات التي تحتشد في بيتها ..وشخصية أبو زيدون الحلاق،الرجل الحزبي الذي قاد ابنها من ياقته الى المجهول وفقدته بسببه..وشخصية أبو أنمار صاحب فندق العروبة الذي بات شبه مهجوراً بعد نيسان 2003 كغيره من الفنادق.إضافة الى شخصيات أخرى تضمها صفحات الرواية تشكل بحضورها نماذج طفت على سطح المجتمع العراقي خلال الاعوام التي اعقبت سقوط بغداد،منهاعلى سبيل المثال:حازم عبود المصور الصحفي الحُر،محمود السوادي الصحفي الشاب الطموح،نوال الوزير مخرجة سينمائية في الاربعين من العمر الصديقة المقربة لرئيس تحرير جريدة الحقيقة علي باهر السعيدي،العميد سرور محمد مجيد مدير دائرة المتابعة والتعقيب .
في اولى الصفحات بدأ السعداوي مُستنداً إلى إجراء تقني يحاكي آليات السرد(المَاوراء قَصَّي)وذلك بانفتاحه الواضح على استثمار سجلات ومخطوطات ووثائق ورسائل..فقدافتتح الرواية بهذه الجملة:"تقريرنهائي،سريّ للغاية ". بعدها أورَدَ مجموعة ملاحظاتٍ وتوصياتٍ وقراراتٍ،سجَّلتها لجنة تحقيقية خاصة،تتألف من ممثلين عن المؤسسة الأمنيّة والاستخبارتية العراقية،ومراقبين من الاستخبارات العسكرية الاميركية،وتتعلق هذه النقاط،بعملِ دائرة المتابعةوالتعقيب،المرتبطة جزئياً بالادارة المدنية لقوات الائتلاف الدولي في العراق.إلاّ أنَّ السعدواي وبَعدَ أن يُنهي عمله الروائي ،يكتب في الصفحة الاخيرة،إشاراتٍ،ينفي فيها وجود "دائرة رسمية عراقية باسم دائرة المتابعة والتعقيب.بالوصف الذي وردت فيه داخل الرواية،لابالأشخاص ولابالأسماء ولا بالمَهام أو الأحداث ،وأيّ تشابه بينها وبين دائرةٍ فعليةٍ لها الاسم نفسه،فهو أمرٌ غير مقصود". وبهذه الإشارة التي يدفع بها الى القارىء يضعه أمامَ لعبة فنيةٍ ليس إلاَّ يتوجب عليه أن يعيد قراءتها اكثر من مرة لكي يمسك بخيوطها المتشابكة .
رواية داخل الرواية
معمارالرواية تمظهر بعدة مستويات متراكبة ومتداخلة مع بعضها، تنتمي من حيث الشكل والمضمون إلى مايطلق عليه اصطلاحاً (ماوراء السرد) كما اشرنا،وذلك:لانفتاح فضائها على استثمار تقانات(الرواية داخل الرواية).وبذلك إبتعد العمل عن إعادة انتاج الواقع،بواقعيته المألوفة والمرئية،في مقابل أستحضار واقع مُتخيَّل للكشف عنه.
وفق هذا الاجراء الفني،لم يعد بامكان القارىء،الاستدلال على أيِّ منهماــ الواقع والمتخيَّل ــ طالما يتبادلان المواقع والادوارفي لحظاتٍ خارج التَّوقع،دون تمهيد واستدراج،ليصبح الواقع خيالاً، والخيال واقعاً.
هذا الأنطباع يتولد بكثافة،من خلالِ مخطوطِ روايةٍ يتم العثورعليها من قبل أفراد دائرة التعقيب والمتابعة،أثناء تفتيشهم في غرفة مؤلف روائي شاب،بحثاً عن شخصية مجرم بات يخلف وراءه بين فترة وأخرى عديد من الضحايا،وتتألف المخطوطة التي لم تكتمل بعد  ،من مئتي صفحة مقسَّمة إلى سبعة عشر فصلاً.إعتمد فيها المؤلف(المُعْلَن)صاحب المخطوطة على مجموعة من الوثائق ،سُرِّبت اليه من دائرة المتابعة والتعقيب،تتعلق بشخصٍ مُطاردٍ من قِبل السلطات العراقية والأميركية،يُشتبه بارتكابه لعدد من  جرائم القتل.
السعداوي صاغ حبكة روايته بذكاء واضح،الى الحد الذي تماهى فيها الواقع مع الخيال،وذلك عبر شخصية بائع الاثاث المستعمل (هادي العتّاك)الذي يعمل على إنتاج وَهْمٍ تعوَّدَ أنْ يَسرُدَهُ في حكاياتٍ غريبةٍ وطريفةٍ على مسامع رواد مقهى عزيز المصري ،مُستجيباً لطلباتهم،رغم قناعتهم بأنَّ مايسرده ليست سوى حكايات غريبةتختلقها مخيلةٍ مخبولةٍ،يعيد العتّاك من خلالها  الحياة الى أشلاء بشرية،يتولى جمعها من عدة أجساد لضحايا كانوا قد سقطوا قتلى نتيجة انفجارات تقع  هنا أوهناك،وقد سمى هذا المخلوق  (الشِسْمَهَ)لأنه حسب قوله :"ليس جثة فعلاً .الجثة تشير إلى شخص أو كائن مُحدَّد وهذا مالاينطبق على الشِسمه". بينما اطلق عليها إسم تسمية(فرانكشتاين)الصحفي محمود السوادي الذي سمع القصة من هادي العتَّاك مثل بقية رواد المقهى،وتمكن من اقناعه بأن يسجل صوت(فرانكشتاين/الشِسمه)على شريط صوتي بجهاز تسجيل صغير أعاره للعتّاك،الذي مالبث أن أعاده إليه بعد عشرة ايام، ليستمع الى الصوت وهوياتي عميقاً من جهاز التسجيل :" أنا الردُّ والجواب على نداء المساكين.أنا مُخلِّصٌ ومُنتَظرٌ ومَرغوبٌ به ومأمولٌ بصورة ما..أنا الردٌّ على ندائهم برفع الظلم والاقتصاص من الجناة.سأقتص بعون الله من كل المجرمين.سأنجز العدالة على الارض أخيراً،ولن يكون هناك من حاجة لانتظار مُمِضٍّ ومؤلمٍ لعدالةٍ تأتي لاحقاً في السماء أو بعد الموت ...... " .
مَنَحَ السعداوي شخصية(الشِسْمَهَ/ فرانكشتاين)مساحة وحضوراً في بناء وتطور الاحداث،خاصة مع كلِّ جريمةِ قتلٍ تقع في حي البتاوين،إضافة إلى أحياء أخرى في العاصمة بغداد: "فالشِسمَه،مَصنوعٌ مِن بقايا أجسادٍ لضحايا،مُضافا إليها روحُ ضحيةٍ وإسمُ ضحيةٍ أخرى.إنَّهُ خلاصةُ ضحايا يطلبون الثأر لموتهم،حتى يرتاحوا.وهو مخلوقٌ للأنتقام والثأر لهم ".
التراجع والتكرار 
الزمن السردي الذي نسج فيه السعداوي تفاصيل أحداث روايته لم يكن يسير بخط مستقيم،بقدر ما اعتمد على الاختلالات الزمنية "تتميز الاختلالات الزمنية بالمدى والاتساع " كما جاء في كتاب "نظرية السرد من وجهة النظرالى التبئير" لجيرار جنيت واخرين.  وبتأثير من آليات الفن السينمائي تحرك الزمن السردي لديه وفق تركيبةٍ مونتاجية لعبت على مفردة التراجع والتكرار،وهو إجراء يتيح له أن يسردَ حدثا واحداً من عدة شخصيات،وبذلك يكون قد التجأ الى تفتيت الزمن الى وحداتٍ صغيرةٍ،ليعيد بنائهاجزئية جزئية،حتى تكتمل صورة الحدث،هنا يكون السعداوي قد تجاور وتماهى كثيراً مع مايتيحه المونتاج السينمائي من حرية وسرعة في القطع والانتقال السريع لبناء الحبكة في الفلم. 










يامريم 
للكاتب العراقي سنان انطون *

                     




                     إنكِسارٌ في ذَاكِرة ٍخصبة         





رواية رشحت لجائزة البوكر العربية /القائمة القصيرة 2013.
منشورات دارالجمل /الطبعة الاولى 2012  





عتبة الذاكرة
التقط سنان انطون حدثا مهما وخطيرا عندما اقتحمت مجموعة ارهابية مسلحة كنيسة سيدة النجاة في منطقة الكرادة في العاصمة العراقية بغداد في تمام الساعة الخامسة وخمس عشرة دقيقة من عصريوم الاحد31/  من شهرتشرين الأول من العام 2010 اثناء قيام المصلين بأداء الشعائر الاخيرة من قداس داخل الكنيسة فقتلت تلك المجموعة عددا ً كبيرا ً من المصلين قبل أن تتدخل قوات عسكرية تابعة للحكومة وتقتحم المكان لتقتل ماتبقى من المسلحين وتحرر الاحياء من المصلين.
الروائي سنان أنطون إستثمر هذا الحدث ليصبح بؤرة أساسية أنطلق من خلاله في صياغة البنية السردية لروايته وشخصياتها من غير أن يشكل هذا الحدث ــ على الرغم من فجائعيته ــ  مساحة كبيرة ومهيمنة في أحداث الرواية التي توغلت في ماهو مخفي ومطمور من التفاصيل والحقائق في البنية الاجتماعية العراقية،وقد شكل المسيحيون فيها العنصر الانساني الابرز والاساس.
هذا إضافة الى أن تقديمهم في هذا العمل قد تم بعيدا ً عن الصورة النمطية والسطحية السائدة عنهم والتي كرستها العديد من الاعمال الادبية والفنية العراقية إلاّ أن سنان انطون قال في عمله هذا مالم تقله الكثير من نماذج الادب العراقي المعاصرعن هذا المكون وقد جاء ذلك بمعالجة فنية متقدمة حاول فيها أن يقدم عملا ً روائيا ً احداثه وشخوصه مستلهمة من الواقع من غير أن يكبح جماح خياله وهو يتصدى لواقع تاريخي مازالت حقائقه شاخصة وفاعلة .
تحرك المؤلف في فضاء السرد بحريّة دون أن يخضع لمركزية الجغرافية الزمنكانية التي شغلها حادث اقتحام  الكنيسة وإنساق وراء انثيالات الذاكرة الفردية للشخصيتين الرئيستين(يوسف كوركيس  ومها جورج حداد) ومن خلالهما عبرعن طبيعة الاشكالية التي تحكم العلاقة مابين الماضي والحاضر: يوسف بسنواته التي تجاوزت الثمانين،ومها التي كانت في العشرينات من عمرها.من هنا انطلق في المعالجة السردية،مُتكأ ًعلى آلية القص والاسترجاع والتحرك على مساحة زمنية طويلة تبدأ من الفترة التي جاء فيها كوركيس والد يوسف مع نهاية العقد الاول من القرن العشرين قادما ًمن تلكيف ليسكن بغداد،ولتستمرالاحداث الى مابعد ثلاثة أيام من الهجوم على الكنيسة.
وعبر ذاكرة خصبة ليوسف كوركيس اختار الكاتب أن يستعيد تفاصيل الماضي بمكنوناته الذاتية والعامة خلال يوم واحد،وذلك عندما يستقيظ في تمام الساعة السادسة والنصف صباح يوم الاحد 31 تشرين الاول من العام  2010 ولتستيقظ معه الذكريات الحميمة،من غير أن يكون بحاجة الى منبّه لكي يستقيظ في هذا الوقت المبكر بعد أن أمست عادة له منذ سنين طويلة ماأن أصبحت مثانته أفضل مُنبّه طبيعي يجبره على الاستيقاظ وزيارة الحمَّام أكثر من مرة، وسيكون تاريخ هذا اليوم هو نفس تاريخ اليوم الذي ماتت فيه شقيقته الكبرى حِنّة قبل سبع سنوات،وهاهي السنوات السبع قد مرت بسرعة منذ ذلك الصباح "سنوات كانت حِنّة ستتعجب منها لو كانت على قيد الحياة إذ فاقت كل ماسبقها، وفاقت حتى الشهور السبعة الاخيرة من حياتها بعد الحرب الاخيرة عام 2003 ".
لم يدندن يوسف أغنية من أغانيه المحببة كما كان يفعل عادة. .وقف أمام التقويم المُعلق على جدار المَمَر كما كان يفعل كل صباح وهي عادة قديمة لم يقلع عنها حتى بعدأن أُحيل على التقاعد وخلت أيامه من المواعيد وقلت مشاغله وواجباته.
لم يمت الماضي في ذاكرة يوسف بعد أن وصل الى العقد الثامن من عمره، "ولم يكن محبوسا ً في الصور المؤطرة المعلقة على جدران الذاكرة التي تمتد آلاف الأمتار وتلك المعلقة على جدران البيت والمحفوظة في الالبومات،بل مازال يتعايش مع الحاضرويحترب معه "ولم يتبقى له في اخريات أيامه سوى الذكريات والبيت الذي يعيش فيه وحيداً بعد أن تفرق الاهل في أصقاع الدنيا ومات البعض الآخر .
جميل شقيقه الاصغرغادرالعراق عام 1969هاربا الى لبنان موطن زوجته اللبنانية بعد أن أعدَمت السلطات العراقية صديقا له متهمة اياه بالارتباط بالماسونية. وسليمة شقيقته الصغرى التي أصرَّ والده على أن تحمل الاسم الاول للمطربة سليمة مراد أشهر مغنية في العراق في تلك الايام،وشقيقته حبيبة التي كانت من أول الفتيات اللواتي عمِلن في مهنة التمريض،وحِنَّة التي تحمَّلت مسؤولية رعاية العائلة بعد وفاة والدتهم نعيمة،وشقيقه غازي الذي كان يعمل في الآي بي سي في كركوك حتى العام 1961ومن ثم ليهاجر الى أميركا ويسكن ولاية ميشغان عام 1979،وشقيقه إلياس الذي درس الحقوق وتورّط بالسياسة ودخل السجن اكثر من مرة،وميخائيل أصغر أشقائه الذكورالذي عمل مترجما مع عدة شركات أجنبية بعد تخرجه من كلية بغداد قبل أن يستقر مترجما في السفارة الاسترالية عام 1977.
عاش يوسف أزمنة الخير كما يقول هوعنها ومازال يتذكرها. ولكي يُبدد هذه الوحدة القاتلة دعا عائلة مسيحية صغيرة من معارفه تتألف من المهندس الشاب لؤي وزوجته مها التي تدرب الطب في جامعة بغداد  ليسكنا في الطابق الثاني من البيت. كانت مها سعيدة بأنتقالها الى هذالمكان الذي وجدت فيه الهدوء الذي افتقدته في بيت أهلها الكائن في منطقة الدورة والذي كانت قد سكنته مع زوجها لفترة قصيرة،بعد أن كان أهلها قد هجروه قبل أكثر من عام متجهين الى ناحية عنكاوا في كوردستان العراق هربا من العنف الذي بات يستهدف المسيحيين. وعلى اثر انفجار سيارة مفخخة أمام البيت تسببت في فقدانها لجنينها قررت مغادرته مع زوجها وقبول العيش في مكان بعيد عن بيت أهلها لايُذَكِرُها بما كانت قد فقدته .وليضفي وجود مها ولؤي حيوية وروحا نديّة على حياة يوسف وعلى البيت الكبير الذي تيبست ضلوعه بعد أن تشرد معظم افراده في اصقاع الدنيا وماعاد هنالك من أمل بعودتهم بعدأن دخلت البلاد في منعطف خطير من العنف بين ابنائه فدفع المسيحيون جراءه ثمنا كبيرا ً،حتى أن البلاد باتت تفرغ منهم  .
شخصية يوسف كما رسمها المؤلف تتسم بانتماء إنساني واجتماعي قوي وعميق الى بغداد وهذا ماجعله غير قادرعلى تقبل فكرة السفر ومغادرة العراق رغم الحاح الاخوة والاخوات،إضافة الى إعتدال افكاره وتفاؤله ،فهوعلى يقين كبير بأن الاوضاع في البلاد لابد أن تعود الى طبيعتها،فكان هذا التفاؤل سببا ً في احتدام النقاش أكثر من مرة بينه وبين مها التي كانت تصب جام غضبها على الاكثرية المسلمة وتتهمها بالعنصرية والعنف والتفرقة.كما أتهمته هو ايضا في الليلة التي سبقت مذبحة الكنيسة بأنه "يعيش في الماضي".  
مَها :" عيني .. قَيِعدمونَا بكِل  مكان بلا محكمة ،ومحَّد يحكي .الكنايس قتنحرق والناس قتتهجر وقيذبحون بينا يمنه ويسره ."
يوسف:" موبس كنايس قتنحرق بنتي .الجوامع اللي انحرقت أكثر بكثير ،والاسلام اللي انقتلو عشرات الالاف ."
مها:" خللّي يروحون يقتلون بعضهم بعض، ويخلونا بحالنا .إحنا أشعلينا ؟"
يوسف:" موقصة علينا وما علينا، بس دولة ماكو ، والاقليات محّد يحميها غير الدولة القويّة . إحنا لاعدنا حزب، ولاميلشيا ، ولابطيخ ."
استدعى الكاتب انطون عبر ذاكرة الشخصية الرئيسية يوسف كوركيس  أحداثا ً ومنعطفات عامة،منها :احتلال العراق للكويت عام 1990 وماأعقبه من تداعيات خطيرة على المجتمع العراقي تركت اثرها العميق في اجزاء مهمة من جنوب وشمال البلاد التي شهدت انتفاضة شعبية تم قمعها بقسوة ووحشية ،ثم تلى ذلك حصارا دوليا ظالما فتتَ نسيج المجتمع العراقي بسبب الجوع والامراض التي فتكت به. فكان هذا الاستدعاء لأزمنة من الماضي القريب ماهو إلاّ إلتماساً لجأ إليه المؤلف "بحثا ً عن إجابات آتية من الماضي لكن الزمن هنا مضاعفا : زمن الكتابة وزمن الذاكرة ." كما يقول رولان بارت في كتابه النقد البنيوي للحكاية .
يوسف :" وعندما عاد التيار الكهربائي أول مرة في نيسان كان ذلك قبل يوم من عيد ميلاد صدام . ظهر في اليوم التالي يحتفل به ببدلة بيضاء ويقطع كعكته أمام أطفال يرقصون ويغنون له كأن شيئا لم يكن ."
حنّه:" يعني مايستحي هذا !، هاكذ يسوّي بعد اللي صار بينا ؟ موعيب ؟ الناس ماتت والبلد انخرب وهو يسوّي هابي بيرثدي مثل الزعاطيط ؟ أخلاق سز ."
عتبة الفوتوغراف
الصور الفوتوغرافية التي تركها أفرادعائلة يوسف كانت عتبة اساسية انطلقت بها مسوغات المؤلف في تركيب  بنيته السردية لأجل لملمة الحكايات المتناثرة بين طيّات الزمن المتشظي"توزعت الصّور فوق التلفزيون وعلى بعض جدران البيت، وهناك غيرها مئات من الصور في الالبومات وفي مظاريف وأكياس في غرفة النوم الثالثة في الطابق الارضي " إلاّ أن صورة واحدة كان يحتفظ بها يوسف في ظرف صغير في دولاب في غرفته لم يخرجها منه منذ سنين لكنه يحتفظ بنسخ معلقة في كل مكان على جدران قلبه وروحه ،صورة امرأة قلبت عالمه رأسا ً على عقب لكن قصته مع المُهندسة المُسلمة (دلال )انتهت كما تنتهي شبيهاتها من قصص الحب المحرم وفق قوانين بيئة اجتماعية لاتتسامح مطلقا بمثل هذه العلاقات.
الكثير من تلك الصورالمعلقة على جدران غرفة شقيقته حِنّه لم يكن يوسف يتذكر تاريخ التقاطها بالضبط،منها مالتقطته عدسة المصورالارمني الذي كان يمرعلى الشارع بيتاً بيتا يحاول إغراء العوائل بأن تلتقط صورة جماعية.فيختار المصّور زاوية مناسبة في باحة البيت لتقف العائلة أمامها كي تلتقط الصورة. . في واحدة من تلك الصورالتي يقف يوسف أمامها يتأملها قبل أن يغادرالبيت يبدو كوركيس والده جالسا بوقار في قلب الصورة يرتدي الصّاية واليشماغ ملفوف حول رأسه على طريقة القادمين حديثاً من قرى الشمال رغم أنه قد هجر تلكيف وجاء الى بغداد قبل أكثر من ثلاثة عقود إلاّ أنه رفض أن يغير ملابسه ويلبس "أفندي " مهما ألح ّ عليه الاخرون، وظل يرتدي هذا الزي حتى موته عام 1957 .
الصور الفوتوغرافية التي أعتمدها سنان انطوان في تأثيث المشهد السردي للرواية يمضي بها في تواتر مترابط ليقوم بمهمة إعادة بناء التفاصيل واخراجها من سكونيتها مستحضرا ًحساسية الانفعالات والعواطف الانسانية بأحتمالاتها المبهجة والمحزنة وهوفي كل هذا التأسيس والتشكيل يمهَّد بهدؤ وايقاع بطيء ـــ يتناسب مع بطىء حركة يوسف منذ إحالته على التقاعد من وظيفته في مؤسسة التمر العراقيةـــ لكي يتم ألانتقال المفاجىء الى حدث اقتحام الكنيسة الذي تأجّلت الاشارة اليه حتى الصفحة 144من مجموع صفحات الرواية البالغة 156صفحة، فكان ذلك تمهيدا ًهادئا ً إتَّسم ببطىء واضح ومقصود .
عتبة الثوثيق الفلمي
وفي سعي واضح من مؤلف الرواية على أن يعضِّد افتراضاته التخييلة  التزمَ مَساراً واقعيا وثائقيا ً واضحا ليمسك بشظايا الحدث داخل الكنيسة وفق رؤيتين تتعاضدان ولاتتقاطعان،الاولى رؤية ذاتية وذلك من خلال شخصية(مها جورج حداد ) التي تولت سرد ماجرى في الكنيسة بدقة وتفصيل أمام عدسة مراسل قناة عشتار الفضائية بعد نجاتها من المذبحة، والثانية كانت رؤية موضوعية جاءت من خلال عدسة الكامرة المثبتة في خوذة أحد الجنود الذين اقتحموا الكنيسة وطهروها من القتلة .
"ظل جسد يوسف مسجى على أرض الكنيسة لأكثر من أربع ساعات قبل أن يحمل إلى الخارج بعد تخليص الرهائن وإخلاء الجرحى . كان محاطاً بأشلاء بشرية وبقطع من الزجاج المكسور والغبار والجص وببركة صغيرة من الدم الذي ظل ينزفه . داس أحد أفراد قوة مكافحة الارهاب الذين دخلوا الكنيسة على اصابع يده اليسرى بالخطأ فهشم عظام ثلاثاً من اصابعه.كان يحمل كاميرة صغيرة معه ويصور العملية وظل يطلب من الرهائن المحررين أن ينظروا إلى الكامرةوأن يقولوا "كولوا الله " .حُمِّل الفيلم بعد أيام على اليوتوب مع معلومات عن قائد العملية وأغنية حماسية للترويج للفرقة الذهبية التي انقذت الرهائن ."
عتبة اللهجة المحلية
ربما يكون اختيار اللهجة المحلية الموصلية عائقا الى حد ما في عملية الفهم والتواصل مع مفردات ودلالات الحوار داخل الرواية وذلك لخصوصية هذه اللهجة وعدم شيوعها كثيرا خاصة لدى شعوب المنطقة العربية وهذا مايضع القارىء في مواجهة صعبة لفكِّ طلاسمها على الرغم من أهميتها وخصوصيتها هنا في التعبير عن وجدان وذاكرة الشخصيات ، ولاشك أن المؤلف كان مُدركا تمام الادراك لهذه القضية لكنه وكما يبدو لنا كان حريصا على توظيف ماتمتلكه هذه اللهجة من طاقة تعبيرية تعكس مدنية وتحضّر من يتحدثون بها وليكون بالتالي استثمارها قد جاء انطلاقا من غاية توظيفية شحنت الحوار بمرجعية محلية تُتختزن فيها ذاكرة دينية واجتماعية تتشظى بلمفوظاتها دلالات تراثية وتاريخية لشخصيات الرواية.
خلاصة القول ان سنان انطون يكشف للقارىء في هذا العمل كفاءته وقدرته على الامساك بعناصرالتشكيل الروائي،واضاف للمكتبة الروائية العربية عملاً يستحق القراءة .

*سنان أنطون:شاعروروائي ومترجم ولد في بغداد عام 1967. له روايتان "إعجام " و"وحدها شجرة الرمان " وديوان شعر بعنوان "ليل واحد في كل المدن "والعديد من المقالات بالعربية والانكليزية.تُرجمت كتاباته إلى الانكليزية والالمانية والايطالية والنرويجية والبرتغالية .عاد إلى العراق عام 2003 ليشارك في اخراج فيلم وثائقي بعنوان "حول بغداد "عام 2004 عن العراق بعد الدكتاتورية والاحتلال .ترجم أشعار محمود درويش وسركون بولص وسعدي يوسف وغيرهم إلى الانكليزية.نشرت ترجمته لكتاب "في حضرة الغياب "لمحمود درويش باللغة الانكليزية عام 2011 عن دار آرشيبيلاغو. يعمل أستاذا ً للادب العربي في جامعة نييورك منذ عام 2005.





رواية ملوك الرمال
للكاتب العراقي  علي بدر
                                    
      



التخييل،يحلّقُ بالسَّرد ليزيح المؤرخ مِن أمامه




لم يكن المؤلف علي بدر يقصد من خلال روايته ملوك الرمال أن يلعب دور مؤرخٍ شاهدٍ على أحداث وقعتْ،بقدر ماكان دوره روائيا بامتياز،اطلق العنان لمخيلته السردية في بناء عالم روائي متخيل لاصلة له بالكيفية التي يُمكن أنْ يتعامل بها مؤرخ مع أحداث التاريخ،مِن هنا لامس في هذه التجربة مشاعر وهواجس شخصيات انسانية إفترَض وجودها عند حافة تحولات عميقةٍ،وجدت نفسها في لحظة زمنية يفصل فيها خيط واهٍ مابين عالم الحرب والسلام،الماء والعطش،الصحراء والمدينة،الموت والحياة .
ارسطو وهو يقارن مابين التاريخ والادب يقول:" إن السرد التخييلي أكثر فلسفية وعلمية من التاريخ لأنه يتعلق بالحقائق العامة،فهو يعالج مايحدث عادة،لامايحدث فعلا ". ( 1 )
من هنا يذهب البناء السردي لهذه الرواية عبر مسار تخييلي  للتاريخ،وفيما يبدو لنا هو تاريخ ليس ببعيد عن المؤلف،حتى وإنْ لم يكتو بأحداثه بشكل مباشر عشية حرب الخليج الثانية 1991.وكان تقسيم الرواية الى جزئين كل منهما يحمل عنوان وهي علامة أولى على تحديد التصنيف الاجناسي لنمط الكتابة،اضافة الى كونها استعارة من تقانات الرواية السير ذاتية،مع أن الرواية تعاملت بكل محمولات خطابها مع حدث تاريخي :" كانت هنالك أسراب من الطائرات المتجهة نحو الشمال،بُهِتُّ أول الأمر،ثم أدركتُ أنْ الحرب قد بدأت،وهذه الطائرات هي طائرات الحلفاء المتجهة لقصف بغداد، كانت هنالك مجاميع أخرى تأخذ الاتجاه ذاته ".
المتن الحكائي
عشية الاستعدادات المحمومة للبدء بحرب الخليج الثانية وتحديدا في شهر يناير كانون الثاني من العام 1991 يتم تشكيل فصيل من كتيبة مغاوير الفرقة الثالثة والعشرين يتألف من تسعة جنود ونقيب،لتنفيذ مهمة قتاليةٍ أطلق عليها"غارة الصحراء "لملاحقة مجموعة من البدو تنتمي لقبيلة جَدلة في مقدمتهم شخص يدعى جسَّاس لأنّهم تورطوا بذبح ثلاثة من ضباط استخبارات الكتيبة كانوا في مهمة استطلاعية داخل الصحراء في جنوب غربي العراق،والأوامر العسكرية العليا كانت تقضي،إمَّا بأسْرَهُم أو قَتلَهُم.أفراد الفصيل الذي تم تشكيله لم يستعدوا لهذه المهمة إلاَّ بما تحتاجه "بندقية رشاشة،وفائضا من الذخيرة الحية،والحربة المسمومة مع عدة ميدان المعركة وكيس التموين الذي يحتوي على الارزاق الجافة مع الخارطة المفصلة والنطاق العريض والبسطار الخاص بالمعارك التي تشن في الصحراء ". من هنا يبدأ مسار رحلة الصراع مع عدو يمتلك قدرة على التآلف والتماهي مع الصحراء،حتى لكأنه يبدو صورة منها، بغموضها، وقسوتها، ومفاجاءاتها،وجمالها. الفصيل يفشل في مهمته ويتمكن جساس المُتهم بقتل الضباط الثلاثة أنْ يقضي على جميع افراد الفصيل الذي يطارده،ولم ينجو منهم إلاَّ جنديا واحداً،يتمكن فيما بعد بمساعدة قبيلة(بني جابر)التي ترتبط بصلة تعاون وثيقة مع الحكومة العراقية من القبض عليه وأقتياده مقيدا إلاّ أنه يُطلق سراحه ماأن يمر بالمدينة وهو متجه به الى وحدته العسكرية لتسليمه عندما يجد أن قوات التحالف الدولية قد تمكنت طائراتها من تدمير الجيش العراقي،وأنَّ حالة من الفوضى والانهيار تسود البلاد .
بدا لنا اختيارعلي بدر تقانة الرواية السيرذاتية صائبا في بناء عمله.من هنا جاء استعمال ضمير المتكلم بصيغة الماضي للسارد/ الشخصية الرئيسة،وكان اختيار سترايجية نمط الرواية السيرذاتية بما تحمله من آليات،قد منحه فرصة تحريك واستثمار مخزونات الذاكرة التي تعني "انسياب حركة الزمن من الماضي إلى الحاضر الذي يتوغل مع المستقبل عبر جدلية التطور وديناميكية التفاعل على صعيد الحياة والأدب " ( 2 ). مع أن خيار الرواية السير ذاتية  يضع القارى في موقف يحاول فيه أن يفك الاشتباك مابين  المؤلف والمؤلف الضمني السارد.وهنا يتردد  سؤال لدى القارىء:هل نستطيع أن نفصل مابين الشخصية الرئيسة والمؤلف طالما نحن ازاء بنية سردية تتحرك في ستراتيجية سيرذاتية ليس من السهل في تركيبتها فك الارتباط ما بينهما ؟.فالسارد مؤلف ضمني،يستعيد تجربة مر بها،والمؤلف إستعار قناع المؤلف الضمني لكي ينزوي بعيدا وهو يحرك الاحداث من خلاله.تبدو الاجابة القاطعة مغالطة،مهما كانت،سواءبالنفي أو الايجاب،وهي في الحالتين تحمل رؤية قاصرة لمحمولات الكتابة السردية من الناحية الفنية.
بنفس الوقت هنالك عدد من الاسئلة الازلية رافقت الأنسان في رحلته السرمدية ودائما مايطرحها على نفسه مُذ أدرك حضوره وهو يواجه الموت والقتل في الحروب،اعاد علي بدر طرحها على لسان الشخصية الساردة/الشخصية المحورية بشكل آخر يعكس معطيات عصره الذي تداخل فيه الواقع والخيال من حيث التأثير المتبادل،إذ لم يعد هنالك من حد فاصل بينهما يمكن الامساك به:" ماهي الحرب؟ كنت أسأل نفسي وأنا أرى كل هذه التحضيرات،كما لو كانت في فيلم سينمائي،من تعلم مِنْ مَن؟الفن من الحرب أم الحرب من الفن ؟ " .
الصوت السارد
يأتي فعل السرد من وجهة نظر الجندي الوحيد الذي ينجو من هذه المهمة  لتتكشف أمامنا شخصية على قدر معقول من الثقافة كونها قد انحدرت من بيئة مدنيَّة،إلاَّ أن المؤلف لم يتوقف عندها طويلاً " فكرت في نفسي:الأحلام بعيدة عني ذلك اليوم، والحرب قريبة جدا،وما من ماض لي أفكر به الآن،ففي الحرب لامعنى للماضي أبدا،ذلك لأن الحاضر وحده الذي يهيمن على تيار الزمن،فاللحظة القادمة مجهولة، والماضي منسي ومتقهقر،والحاضر هو الزمن الأكثر كثافة وواقعية في تيار الزمان".وقد اكتفى علي بدر  باشاراتٍ عابرةٍ عن ماضي الشخصية المحورية/الساردة،ووجد ذلك  كافيا لتحديد مرجعيتها الأنسانيةوماستواجه من صراع نفسي عندما تنتقل الى الصحراء،لتصبح دون مقدمات في مواجهة مصيرية مع بيئة أخرى هي نقيض البيئة التي عاشتها في المدينة،لتكون بالتالي أمام مواجهة حاسمة مع قدرها ووجودها الانساني وسط عالم  مجهول وغامض ومفاجىء مِن الصعب الامساك بتفاصيله المتغيِّرة مع تغيّر رمال الصحراء المتحركة :" كنت أشعر بأن الأرض يغمرها ضوء شاحب،ضوء خفيف كأنه قادم من تبخر بحر في السماء،وكنت أرى هذا الصمت الإلهي العظيم،هذا الصمت الأخرس في الليل،وكأن الصحراء هي الصرخة الأخيرة للرب،فيالها من اشياء تلك التي سمح لي الله برؤيتها على أرضه !.إنها بوابة سامية أدخل منها في اليوم التالي الى الصحراء،حتى كأن الليل يختلط بالسماء،وهذا الضوء الشاحب الذي يغمر الخليقة قادم من اقدام الإله الذي أنار النجوم بضوء ثابت يبرق مثل الماس على بساط اسود ناعم" .
دلالة  السارد
ضمن خصوصيات فن كتابة الرواية "يكون المتكلم أساسا هو فرد إجتماعي، ملموس ومحدد تاريخيا،وخطابه يمثل لغة اجتماعية وليس لهجة فردية،ومن ثم يمكن لخطاب شخصية روائية أن يصبح أحد عوامل تصنيف اللغة ومدخلا للتعدد اللساني ". ( 3 ) ولغة الشخصية المحورية في هذه الرواية وإن كانت تعكس وجهة نظر ذاتية لشخصية تعيش عالمها الايدولوجي الداخلي الخاص بها الذي يعكس فهمها وقناعاتها متجسدة في افعالها ومنطوقها اللفظي،إلا انها تعكس بنفس الوقت دلالة اجتماعية طبقية.
حمَّل علي بدر وهو يختبر مشاعر شخصيته الساردة لغة خطابهِ قيمة ايدولوجية داخل بنيتها الجمالية وهو يتغنى بفرادة عالم الصحراءوغموضها التي مررها على لسان الشخصية المحورية :" لقد شعرت بالتماس مع هذا الرمل،وكأني أذوب في نوع من السرية المطلقة،لقد شعرت وأنا في الأعلى بلحظة غياب مكشوفة مع الصحراء،وأحسست بأصابعي تستدفىء بهذا الوهج القادم من الرمل أولا،ومن الشمس ثانيا،ومن المدار ثالثا وكأن الصقور التي يخشاها الطيارون تفر من خاصرة الرمال لتوقظ في التجرد المديد أنداء الأقاصي " .
الصحراء بمفراداتها هي المحور الرئيس الذي تدور حوله الاحداث،فكانت تجربة علي بدر بمثابة محاولة لفك شفرات البدو او كما يسميهم ارستقراطيي الصحراء وهذا ماجاء على لسان السارد في احدى جمله في الرواية "كان فزعهم يعيد الأمور علينا مقلوبة،دون ابتسام يقرءون ويفكون رموز العالم الذي يحيط بهم ثم يهبطون ليلا في الوديان،يهبطون مثل آلهة قديمة بحركاتهم الرشيقة والبطولية معا ويتلاشون في الظلام ".
أوصل لنا علي بدر مرادفات سردية معادلة لما يحتشد في رمال الصحراء وامتدادتها مِن صورٍ تأتي متداعية من خلال المؤلف الضمني/شخصية الجندي السارد للأحداث الذي هو الناجي الوحيد من هذه المهمة،الذي تحوَّل فيما بعد الى كاتب روائي بعد انتهاء الحرب،فأستثمر هذه التجربة التي خاضها ليعيدَ استدعائها عبر حبكة روائية.

1-  نظريات السرد الحديثة – والاس مارتن – ترجمة حياة جاسم محمد
2-  في الذاكرة الشعرية :قيس كاظم الجنابي
3-  نفس المصدر رقم (1 )




سقوط سرداب ... للكاتب نوزت شمدين


تنوع الوحدات الأسلوبية في البناء السردي 



نَسَجت مخيلة نَوزتْ شَمْدينْ السردية علاقة فنية مُركَّبة في رواية سقوط سرداب،مِن خلالها حَاول أنْ يؤسس عَالما سردياً يكشف أوجاع الانسان في أزمنة يواجه فيها عالما واقعيا تتمدد فيه سلطة الخوف والتقارير السرية ومفارز الأمن والاستخبارات   وهي تقتحم النفوس قبل أن تقتحم البيوت..علاقة في متنها الحكائي يجمعُ المؤلف تداخلات المتخيّل السردي مع الحدث الواقعي في تركيبة تتأرجح مابين:رؤية داخلية، اضطلعت بهاالشخصيةالرئيسة/الساردةللأحداث(ثائر)ورؤيةخارجية/تقريرية اضطلع بها الراوي العليم بكل شيء.
خارطة هذه العلائق الفنية تكشّفت خطوطها في بنية الرواية،متواشجة مابين سلطتي الزمان والمكان،خاصة وان السّرداب ــ باعتباره حيزا مكانيا ــ يشكل بؤرة مركزية محدودة ومنغلقة على شخصية واحدة داخل سلطة زمن ساكن محدود،إلاّ أن شمدين جعل من هذا الحيز المكاني منطلقا لرؤية ذاتية نحو مديات زمنية أوسع ــ زمانا ومكانا ــ  ازاء احداث  وشخصيات عديدة تتوزع في ازمنة وامكنة بعيدة تمتد من مطلع القرن العشرين حتى العام 2003 حيث سقطت الدولة العراقية مع سقوط نظام صدام عندما استباحت البلاد قوات الاحتلال الاميركي وليسقط معها السرداب الذي احتمت فيه الشخصية الرئيسة (ثائر)بعد أن هرب من الجيش .
تكشف بنية المتن الحكائي في مسار الرواية السردي خروجه عن نظام التتابع الزمني في اطاره العام ونهوضه متهيكلاً على اسس علاقة فنية ينتظم فيها شكل الزمن في المتن الحكائي ضمن مستويات متراكبة مابين  التوازي والتداخل والاستباق والارتداد داخل المتن الحكائي .
هذا التجاور والحضور لأنظمة  سردية في صياغة زمن مكونات المتن الحكائي المسرود يشيرُ إلى ان البنية الفنية التي ارتكز عليها شمدين في تكوين منظومة تقانات خطابه السردي قائمة على تقديم العلاقات السردية التي تحتفي بها نماذج رواية مابعد الحداثة،مُستبعدا بذلك العلاقات السببية التي عادة ماتنتظم فيها مقدمات الرواية التقليدية في استباقها للنتائج .
اختيار هذا الاجتراح التقناتي الذي انتظمت فيه نظم الصَّوغ،منح القارىء فرصة كي يعيد تفكيك وتنظيم هذا الزمن المتناثر في المادة الحكائية،ليتولى بنفسه اعادة ترتيبها من جديد،بذلك يكون شمدين ـــ وفق هذه الرؤية ـــ قد إستخدم تقانات وحدات اسلوبية متنوعة في بناء حبكته الروائية،سواء في استثمار صيغة التقارير الصحفية التي عثرعليها في السرداب الذي تختبىء فيه الشخصية الرئيسة،او النشرات الإخبارية الاذاعية عبر المذياع الصغير الذي رافقه طيلة 12 عام في عزلته ،اوالمعلومة المستلة من ركام الوثائق التي تركها جده الذي كان حريصا على ان يؤرخ الاحداث العامة،او ماتبوح به المخطوطات الشخصية التي خطها والده العميد في الجيش العراقي وهو يكشف من خلالها حقيقة التزييف الذي طال سيرته الوطنية.
يمكننا القول بأن شمدين قد انشأ مفتتحا سرديا ــ يحسب له ــ في مسار تجربة الكتابة الروائية داخل مدينة الموصل ــ تحديدا ــ التي لم يشهد تاريخها الثقافي أهتماما واضحا في الكتابة الروائية إلاّ عدد محدود من  المحاولات،اغلبها لم ترتهن التجربة فيها ــ في اطارها الفني ــ الى تأكيد حضورها الخاص،وفقا لما تفرضه الكتابة الروائية من ضرورة الدخول في مساحات الكشف والاجتراح الشكلاني وذلك من خلال مَركَزَة الاسلوب السردي ،المنطلق من عتبة وجهة النظرالذاتية أو التبئير حسب مصطلح الناقد جيرار جينت،والتي يقول عنها د.عبد الله ابراهيم في كتابه المعنون(المتخيل السردي): ” الرؤية ،تقدم عالما فنيا، تقوم بتكوينه أونقله، عن رؤية أخرى” . وبقيت كثير من التجارب ــ الموصلية ــ في اطار ارهاصات الكتابة الروائية التي لم تتخلص من الموروث التقليدي ولم تكشف عن هوية واضحة  .
إضافة إلى ذلك فان المؤلف قد تناول في عمله هذا وقائع تاريخية معاصرة لازالت تداعيات بعض فصولها تلقي بظلالها الثقيلة على الحاضر والمستقبل،حاول من خلالها أن يعكس رؤية ذاتية تأتي من خارج اطار منظومة الكتابات التي عودتنا عليها الاقلام في مدينة الموصل والتي غالبا ماتتسم بالمحافظة وعدم التوغل بعيدا في مناطق حساسة من التاريخ، سواء البعيد منه أو القريب .
المتن الحكائي
إن المادة الحكائية كمايقول د. عبد الله ابراهيم في كتابه المتخيل السردي:”ماهي إلا متن مصاغ صوغا سرديا،وهذا المتن إنما هو خلاصة تماهي العناصر الفنية الاساسية وهي الحدث والشخصية والخلفية الزمانية – المكانية،بالوسائل السردية التي نهضت بمهمة نسجها وصياغتها “.
وهنا في هذه الرواية تبدأالمادة الحكائية من شخصية أحلام،ارملة الشهيد سالم جميل ابو درع،الذي كان يحمل رتبة عميد ركن في الحرس الجمهوري ايام الحرب العراقية الايرانية،قبل أن يقرر الهرب من ساحة المعركة تاركا خلف ظهره سيرة ذاتية متوّجة بانواط الشجاعة كان قد قلده اياها رئيس الجمهورية صدام حسين نتيجة بطولاته وحسن ادارته لصنف الدروع الذي كان يقوده.ويأتي قراره بالهرب متجها الى محافظة السليمانية في شمال العراق ملتجئا عند الاكراد بعد أن اكتشف ماكان قد دبَّرَهُ له عدد من رفاقه الضباط من مكيدة ــ نتيجة عدم اتفاقه معهم على ماكانوا يقدمونه من تقارير مزيفة الى القيادة العليا حول معارك وبطولات وهميةلاوجود لها على ارض الواقع ـــ فما كان منهم إلاّ أن يتآمروا ضده ويرفعوا تقريرا الى المراجع العسكرية العليا،يفيد بسرقته لعدد من قطع السلاح،وهذا يعني ان عقوبة شديدة ستطاله فتوصمه هو وعائلته بعار الخيانة وقد يتعرض بسببها الى الاعدام،وقبل ان يهرب كان اتفق مع احد الجنود على ان يروّج قصَّة مقتله في ساحة المعركة، وانَّ جسده قد تناثر الى شظايا نتيجة قذيفة سقطت عليه.وبناء على افادة الجندي تحصل عائلته على كل المزايا والمكرمات التي تنالها عائلة الشهيد،إلاّ أن الجندي  يتراجع عن شهادته فيما بعد ليكشف قصة هروبه من ساحة المعركة،فيتم تجريد عائلة العميد من جميع الحقوق وتصادر كل الاملاك المسجلة بأسمه وليلحقها عار الخيانة.إلا ان العميد سالم شاء أن يعود سرا من شمال العراق ليختفي في سرداب بيته حتى يموت ويدفن داخله .
تبدو لنا شخصية احلام،إمرأة خائفة جدا على ابنها(ثائر)وهو الولد الوحيد بين خمس بنات،فقبل أن ينهي دراسته للحقوق ويلتحق في الخدمة العسكرية،يدفعها خوفها عليه من أن تخطفه الحرب، بأن تضع خطة محكمة لانقاذه من هذا المصير،وتبدأ بتنفيذها ماأن يعود ثائر الى البيت في احدى اجازاته الدورية،لتخفيه في سرداب عميق داخل البيت،مانعة ايّاً من افراد العائلة الاقتراب منه،كما تقرأ على مسمع ابناء الحارة ورجال الحزب الحاكم ــ المسؤولين عن مراقبة الحي ـــ رسالة مزيَّفة من ابنها الهارب الى اليونان،يخبر والدته فيها قصة هروبه من الجيش وسرقته مدخرات العائلة واعتذاره لوالدته عن هذا الفعل،فتتبرأ منه علنا ــ كما هو متفق عليه مع ابنها ــ وليبقى متخفيا داخل السرداب 12 عاما،وشهرين،وثمانية وعشرين يوما،واثنين وعشرين ساعة،وسبع دقائق.فالرحلة الطويلة في عالم الظلمة والوحدة ــ بعيدا عن العالم الخارجي ـــ تبدأ في تمام الساعة الواحدة وثمانية عشر دقيقة من ظهر يوم الجمعة 11 كانون الثاني 1991 عندما هبط مع والدته درجات السرداب التسع.وقبل ان تبدأ هذه الرحلة ومن اجل بعث روح العزيمة في نفسه ودفعه الى بذل المزيد من الجهد في تعلم فن المكوث مثل بومة في العتمة ” تناوبت الام والجدة على تعليمه العيش في الظلام ماأن اصبح طالبا جامعيا في كلية القانون،فكان يُجبَر على تلقي فروض اضافية كل يوم جمعة وهو نصف عار ومعصوب العينين في ملجأ كونكريتي مشيد ضمن حديقة البيت الخلفية.كان بمثابة معسكرا تدريبيا اسبوعيا تجري تفاصيله فجرا بعيدا عن اعين شقيقاته “.كانت فترة العزلة الذاتية عن العالم الخارجي بمثابة معادل سردي عن عزلة العراق وانكفائه على نفسه بعيدا عن العالم الخارجي طيلة فترة الحصار الدولي الذي فرض عليه بعد غزوه للكويت عام 1991حتى سقوط النظام عام 2003.هذه الفترة شهد الاثنان فيها ــ ثائر والعراق ــ مشاهد دراماتيكية كانت نتيجتها تحولات جذرية لكليهما اخذتهما الى مَالم يكن متوقعا من متغيرات وتحولات.
ثناية الداخل والخارج
ثائر ينتمي الى عائلة ذات اصول طبقية برجوازية،في رصيدها عقارات ومزارع تدر عليها مالا وفيرا جعلها تعيش في بحبوحة من العيش حتى في اصعب الظروف التي كان الناس فيها يعانون من الجوع جراء قسوة الحصار .ولم يكن قبل الدخول في تجربة التخفي سوى  شاب مدلل خجول يتأتىء ويتلعثم في الكلام،وغالبا ماتعرض بسبب ذلك الى السخرية مذ كان طفلا،وحتى في السنوات التي قضاها في كلية الحقوق لم يكن يجروء على التعبير عن عاطفة الحب العنيفة التي كان يشعر بها تجاه زميلته ياسمين التي كان يعشقها عن بعد لمدة اربعة اعوام .
طيلة فترة العزلة داخل السرداب ــ باستثناء العلاقة التي كونها مع الفئران والقطط والصراصيرــ  كانت صلة ثائر بالعالم الخارجي مقطوعة تماما،ولم يكن من شيء يربطه به سوى راديو ترانزستر صغير ينقل له مايجري ويدور خارج جدران السرداب،إضافة الى ماكانت تنقله والدته من اخبار اثناء زياراتها الشـــهرية له .
وعلى العكس من ذلك فإن  صلته بعالمه الداخلي بدأت تأخذ مسارا آخر غير المسار الذي كانت عليه وهو يعيش على سطح العالم الخارجي،فقد انفتحت ذاته على ذاته  بعد أن كانت الابواب مقفلة بينهما بنفس الوقت الذي انفتحت فيها ذاته  على العالم الخارجي من خلال عالم المعرفة التي طاف فيه بعد اطلاعه  وقراءته للكتب والمخطوطات والوثائق الشخصية التي عثر عليها مكدسة في السرداب داخل صناديق وحقائب من حديد وخشب،تعود لجده المؤرخ ووالده.من هنا يرصد شمدين حالة التحول العميق في وعي الشخصية بعد أن تأتي الفرصة للخروج من عتمة الاسفل ـ السرداب ـ والصعود الى الاعلى ومواجهة العالم الخارجي بعد سقوط النظام.
وبعد أن يكتشف حقيقةعمق الخراب الذي اصاب النفوس قبل أن يصيب العمران لعالم فارقه 12 عاما،وهو يدور في شوارع المدينة ويرى الناس تمارس اعمال النهب والسلب للأموال والمؤسسات العامة بعد أن سقط النظام وغابت سلطة الدولة والقانون،يعود مرة أخرى الى داخل السرداب لكن هذه المرة بإرادته الشخصية وبكامل وعيه،وهو يحمل في ذاته ياسا يجعله غير قادر على البقاء خارج السردب  وأن لاسبيل إلاّ في العودة إليه  مرة اخرى.
” فهبطت الدركة الأولى والثانية توقفت في الثالثة والتفت إلى أمي المتسمرة خلفي مع أخواتي،أزحت الشعر عن وجهي قليلاِ وقلت لها بصوت فيه غلظة:
–      أغلقيه ورائي.”
قبل دخوله الى السرداب كان العالم الخارجي مغلقا امامه،ولم يتجرأ تجربة التواصل معه وأكتشافه بنفسه.فكان نزوله الى العالم السفلي المحشور في سرداب تحت الارض ــ والذي يذكرنا بعوالم كافكا  ــ بمثابة محاولة اكتشاف للعالم الخارجي بعد أن كان مغلقا امامه حتى ساعة مغادرته له ونزوله الى العالم السفلي.
هذه البنية الفنية المركبة الحلزونية في تكوين العلاقة الثنائية المعقدة مابين الذات والعالم الخارجي صاغها شمدين في معمارية زمنكانية يتقابل فيها(الخارج والداخل ،الاعلى والاسفل،النور والظلمة،المجموع والفرد،الصوت والصمت،الانسان والحيوان،الموت والحياة ،الحلم والواقع)فكانت مخاضا فنيا نسج فيه مادة روائية توفرت فيها شخصيات واحداث وازمنة وامكنة،جاءت داخل بنية فنية لم يتوان المؤلف في استثمار آليات سرد متنوعة في تشكيلها .








فندق كويستيان 
 رواية للكاتب خضير الزيدي






إبتدأ من الصفحة الاولى يكشف الزيدي عن مغامرة فنية أتقن حبكتها،خيارها اللعب المزدوج بالزمن،مثلما كان خيار الشخصية المحورية في الرواية ناصر رشيد فوزي الذي إختار أن يغامر بحياته بكامل وعيه وإرادته في لعبة ـــ اشبه بلعبة حية ودرج ـــ يتأرجح بسببها مابين عالمي الحياة والموت .
في الماضي البعيد ــ وقبل أن يهرب من العراق ــ كان ناصر جنديا منتسبا إلى مركزتسليم جثث قتلى الحرب العراقية الايرانية في ثمانينات القرن الماضي،يتنقل دون إرادته قلِقا،مُعذَّبا،مابين عالم الاموات وعالم الاحياء.
التقاطع الحاد لملامح هذين العالمين يشكلان ملامح نَاصر في محنة وجوده داخل وطنه،وحتى ايضا عندما تتاح له الفرصة ليكون خارجه وبعيدا جدا عنه،فلامناص من قدرية وجوده في إشكاليةهذه العلاقة بعبثيتها التي تبقى لصيقة به حتى تكتمل دورتها عندما ينام نومته الاخيرة في مركز تسليم الجثث.
ناصر بعد 23 عاما من الغياب عن وطن لم يكن يترك له فرصة أختيار مصيره،فما كان منه إلا خيار الهرب بعيدا عنه،إلاَ أنه اختار هذه المرة أن يعود إليه بإرادته ليواجهه غير مبال بما قد يخبئه له،متنقلا مابين الحياة والموت،بين الهدوء والفوضى،بين الحاضر والماضي،ليستعيد لحظة مسروقة ضاعت مع تلك السنين من عمره التي سرقها منه لكنها بقيت في ذاكرته تنبض بالمشاعر الجميلة لأمرأة مرَّت في حياته كما الحلم مع أنها لم تكن حــــلماً  .
فضاءات البناء السردي
هذا شكل ومبنى الفضاء السردي ــ بما يحمله من ابعاد ودلالات ــ الذي قدم الزيدي من خلاله خطابه الروائي،ونقصد هنا بالفضاء:المنظور أو الرؤية التي قدم بها عالمه الروائي.كما تشير الى ذلك الناقدة كريستيفا:”هذا الفضاء مُحوَّلٌ إلى كُلٍّ،إنَّه واحد،وواحد فقط،مُراقب بواسطة وجهة النظر الوحيدة للكاتب التي تهيمن على مجموع الخطاب بحيث يكون المؤلِّف بكامله مُتَجمِّعا في نقطة واحدة،وكل الخطوط تتجمع في العمق حيث يقبع الكاتب،وهذه الخطوط هي الأبطال الفاعلون الذين تنسج الملفوظات بواسطتهم المشهد الروائي “.
الفضاء المكاني للرواية كان حضوره قوياً في صياغة مصائر الشخصيات رغم أن الزيدي قد وضعه في خلفية الصورة التي تتحرك فيها الشخصيات الرئيسة،وبدا عنصر التضاد واضحا في الفرز الحاد مابين الأمكنة التي تتنقل فيها الشخصية المحورية(برلين،بغداد،البصرة، مركز تسليم الجثث في البصرة،قسم هندسة الكراسي الاثرية،معمل صنع التوابيت الابنوسية،شارع المتنبيء،فندق كويستان ..)..
والفضاء المكاني هنا،لم يأخذ معناه الجغرافي المحدود بقدر ما حمل معنى الدلالة، بتأويلاتها وانشطارتها..والرواية بما حفلت به من فضاء مكاني واسع ومتنوع يجمع مابين مفردات متقاطعة من حيث الشكل والابعاد والمدلول،جاء تعبيرا عن وجهة نظر المؤلف في رؤيته للزمن السردي التي عبر عنها في الحركة المتناوبة التي كانت عليها وهو يتنقل بها مابين الارتداد والاستباق انطلاقا من النهاية متجها الى البداية وبالعكس .
تعدد الاصوات والأزمنة
مارس الزيدي لعبته في إطار حبكة محلزنة مُركبة،هَيكَل بها روايته،وذلك عندما أختار أنْ يكون معمارها قائما وفق خطة تتداخل فيها ثلاثة أصوات ساردة،بثلاثة ازمنة،تتوالى وتتداخل في عملية سرد المتن الحكائي:
1-         السارد الأول(المؤلف).
2- السارد الثاني(المؤلف ضمني/شخصية ناصر)
3-السارد الثالث(علي عبد الهادي بندر/ صديق ناصر) .
ابتدأً من الصفحة الاولى أرسل لنا الزيدي علامة تشير إلى ما ستذهب إليه  بنية الرواية في تعاملها مع مفردة الزمن،وهذا ماجاء على لسان شخصية ناصر:”في هذه اللحظة بالذات تجاوز عمري الخمسين سنة عراقية..وعندما أقول عراقية فقد عنيتها تماما..تختلف عن كل سنة أخرى على وجه الارض..سأقص عليكم حكايتي بعكس كل قصص الناس من النهاية حتى البداية وفق تسلسل آلية الزمن المجحفة،التي تقضم تفاحة العمر الشهية،ثم تترك المتعفن من التفاحة لتلهو به الذاكرة …زمن دار بي بعكس عقارب الساعة اللعين من اليمين الى اليسار..لهذا السبب سيكون تسلسل الحكاية من النهاية الى البداية “.
هذه الاشارة كانت بمثابة مفتاح للكيفية التي ستكون عليها بنية ومسار الزمن السردي،الذي سيتركنا مجردين من التوقع والاسترخاء،وليضعنا في مسارٍ متناوب  مرَّة يأخذ شكلا ارتداديا وأخرى شكلا استباقيا،مسار لاعلاقة له بالزمن الفيزيائي الذي تــــدور به الطبيـــــعة طالما كـــــان الزمن في العــــراق ليــــس كــــما هو الزمن فـــــي مكان آخر.
المتن الحكائي
يسرد الزيدي المتن الحكائي للرواية/الاساس معتمدا على شخصيتي علي عبد الهادي ،وناصر رشيد فوزي/المؤلف الضمني والسارد للنص داخل النص الذي كان قد ألفه وانتهى منه منذ أن كان جنديا في الحرب.ويبدأ المتن الحكائي الاول من اللحظة التي يكون فيها ناصرفي الطائرة المنطلقة من برلين والمتجه الى بغداد وإقامته في فندق كويستيان وسط العاصمة قبل أختفائه..الى هذه الرحلة/المُغَامرَة نحو البقعة الاولى تدفعه ذكرى طيف قديم لصورة الحبيبة رباب ــ المرأة الحلم ــ التي فاته أن يصرَّح لها بحبه والتي انبثقت صورتها من ثقب ذاكرته ثم كبرت مثل بالون مع مرور الايام كلما تذكر تفاصيل حياته في العراق .
ناصر لاجىء كوردي عراقي في برلين يعمل مصمما للتوابيت الأبنوسية بعد أن فشل في عمله الاول كمصمم كرافيك للكراسي الاثرية في قسم هندسة التصاميم لأنه لم يستطع أن يُضفي عليها روح الفكاهة التي يفتقدها..وبعد أن بلغ من العمر خمسين عاما قضى منها 23 وهو يعيش حياة آمنة في المانيايقرر أن يتوجه الى العراق غير عابىء بمخاطر العنف والموت التي يعيشها هذا البلد تاركا قطته الاليفة “سيسو” وحيدة تعاني الكآبة بسبب غيابه المؤقت،متنازلا عن طقوس جنته وحياته الهادئه عصر كل يوم في شقته البرلينية وهو يستمتع بعزف الموسيقار الكوردي دلشاد على الة الكمان او معزوفات وترية لخماسي الفنون الجميلة او حقول الفراولة لفرقة البيتلز،لأجل ان يقضي مغامرة سرّية يقف ورائها اكثر من سبب،منها ماأعلنه امام اصدقائه في المانيا في سعيه للبحث عن مخطوطة روايته التي كان قد تركها امانة لدى صديقه الجندي في مركز تسليم الشهداء في البصرة ايام الحرب العراقية الايرانية علي عبد الهادي ساعة هرب من العراق قبل 23 عاما،أما السبب الحقيقي فلم يكن سوى  طيف أمرأة اسمها رباب ألهته أمور تافهة وصغيرة عن إعلان حبه لها بعد لقاء تاريخي حدث في الباص المتجه من بغداد الى البصرة بينما هو ذاهب للألتحاق بوحدته العسكرية،وشاءت الصدفة أن تجلس الى جانبه مكللة بجمال لم يعكِّره سوى تدفق دموعها ليعرف خلال حديثه معها انها قد فقدت زوجها في الحرب وجاءت الى البصرة للبحث عنه..ظل هذا الحب ــ الذي بقي من طرف واحد ــ يلح على ذاكرته ويدفعه بقوة للعودة الى العراق بحثا عنها غير عابىء بكل الاحتمالات التي يمكن أن تخبئها مدينة مثل بغداد تئن ايامها منذ العام 2003تحت تحت قسوة صراعات سياسية وطائفية تعبر عنها مواجهات مسلحة بين مليشيات طائفية وانفجارات تهزها بين لحظة واخرى.
يفقد ناصر حياته ثمن حب لم تنطفىء جذوته رغم الزمن والمسافات،في لحظة عبثية من زمن ضائع،عندمايصبح في منطقة تتوسط حالة اشتباك شرسة تدور بين جماعات مسلحة،بينما كان متجها الى بيت رباب،حتى أحاطت به مجموعة من المسلحين وبعد أن ضربه احد افراد المجموعة على رأسه بكعب المسدس تم سحله مُرغماخلف سياج المدرسة وليختفي ناصر من بعدها إلى أن يلتقي به صديقه علي ـــ الذي بقي يبحث عنه اكثرمن سبعة ايام  ـــ من جديد جثة هامدة مرة أخرى بعد مرور خمسة وعشرين عاما على افتراقهما،لينام في حجرة البراد المركزي نومة اخيرة مع آخرين،كان بعضهم في بدلات عمل أو ملابس نوم أو ملابس رياضية .السرد واثارة الاسئلة
يبدو الزيدي منسجما كثيرا في ارهاصات الكتابة السردية التي انتجتها اشكال مابعد الحداثة في تطبيقاتها الفنية ــ باطارها الشكلاني ــ وهي تطبق فوضى الوجود على ماتطرحه من كتابات:”أنا علي عبد الهادي بندر ينادونني في مركز الجثث(ابو الجرائد )حيث كنت مدمنا على قراءة الصحف اليوميية ….أما صديقي هذا الطائر الآن في الأجواء والعائد الينا،الذي سبقني بالكلام فهو كاكه ناصر بلحمه وشحمه وطريقة تصوراته وكلامه،مثل ماذكر بالضبط صديق مُعتَّق برائحة الماضي بذاكرته الملحّة ” . . في هذا المقطع ــ النموذج ــ وكذلك في الصورة المستنسخة عن الاعلان الذي نشرته الممثلية الالمانية وهي تعلن فيه عن فقدان مواطنها الذي يحمل الجنسية الالمانية ناصر رشيد والذي طبعه المؤلف في احدى صفحات الرواية ،تبرز اشتغالات الزيدي واضحة في منهج مابعد القص الذي يعكس واحدا من اشتغالات مابعد الحداثة في تفكيك القواعد والاساليب الصارمة التي سبق أن جاءت بها الحداثة في بناء السرد،وذلك بنزوع مابعد القص الى توجيه وعي وذائقة القارىء الى الوعي والادراك بالوسائط التي يتهيكل بها البناء الفني،سواء في القصة او الرواية،مما يجعل السرد ينزع كثيرا في تكثيف نرجسيته،ويمكن الاستدلال الى ذلك بالاشارات الواضحة التي تأتي بصيغة التعليق على السرد،وكما عرفتها باتريشيا واو في كتاباتها:”كتابة رواية تلفت الانتباه بانتظام ووعي إلى كونها صناعة بشرية وذلك لانها تثير أسئلة عن العلاقة بين الرواية والحقيقة” .







القندس
للكاتب السعودي محمد حسن علوان

           



         تَناصٌ الخِطابُ الرِّوائي وانفِتَاحُ الدِلالة



اصدار دار الساقي /الطبعة الاولى 2011
رشحت لجائزة البوكر العربية/ القائمة القصيرة لعام  2013                       







إشكالية الخطاب 
غالب،الشخصية المركزيةالساردةلأحداث رواية(القندس)كما رسمهاالمؤلف محمد حسن علوان:شخصية إغترابية في انتمائها للزمن الذي وجدت نفسها فيه،ولاتملك هاجساً قويا ًيدفعها لأن تخلق تواصلا ًحميما ًمع المحيط والاخرين.ولم يكن سفره بين فترة وأخرى خلال عشرين عاما الى مدن أجنبية لأجلِ أن يلتقي بعشيقته غادة إلاّ علامة َفشل ٍوعجز ٍتام في التفاعل مع الزمن،بموجوداته،وهروبا ًمُركبا ًمن ذاته ومن عالم ٍيُشعرهُ بأنَّ قدره قد أسقطه فيه،لذا ليس هنالك من صلة انتماء إليه،سواء كان مقيما ًفي مدينة الرياض أوعلى ضفّة نهرِ ويلامت في مدينة بورتلاند الاميركية. "وقفتُ لعلّي أرى صفحة الماء بوضوح .كانت مجموعات عِدَّة من البَط تسبح بشكل دائري وأنا أحاول تجاهل هذه الطيور الكريهة " . . تعاني هذه الشخصية من إحساس عميق بالقلق إزاءمايحيطها من اشياء وعلائق اجتماعية "محاولاتي الدائبة للانفصال لايفهمها أحَد،حتى أنا.لطالما فسَّرُتهاعلى أنّها فشل ذريع،بينما لم تكن إلاّتمرينا ًغيرمكتمل على إنفصال موعود،ولتوّهِ إكتمل بصعوبة بالغةٍ وأنا في الاربعين." .. يبدو هنا،وكأن المؤلف وهويرسم الملامح الداخلية للشخصية،يعيدُ وفق فكرة التَّناص إنتاج َنمط الفرداللامنتمي الذي سبق للأدب الروائي أن طرحه في ستينيات القرن الماضي،بمايحمله مِن قلق ٍواغتراب ٍازاء الوجود والمحيط الأجتماعي "وحده القلق الذي أبقى بينناالعهد وجَعَل كل مابيننا كعائلة مجرد عهد ".. هنا أجد تساؤلات معينة تفرض نفسهاونحن نتأمل الصورة التي بُنيت عليها هذه الشخصية المركزية :-هل يمكن بعد كل المتغيرات العميقةالتي حصلت في العالم من حيث الافكارالفلسفية والمفاهيم والايدولوجيات،والتي شملت شتى أوجه الحياة الانسانية مع مطلع العقد التاسع من القرن العشرين وماجاء فيه من احداث دراماتيكية احالت عالما ًبأكمله إلى انقاضٍ،ليبدأ عصرٌآخرلاصلة له بما سبقه من ايدلوجيات،هل يُمكن بعد هذا أنْ نقرأعملاً روائيا جديداً،يعيد لناإنتاج ماسبق أن تم طرحه ــ مِنْ افكارونماذج انسانية ــ قبل نصف قَرنٍ في عدد من الاعمال الروائية!؟ لذا نجد أنْ ليس هنالك من ضرورة مُلِحّة تستدعي طرحها مرة أخرى في سياق رؤية فنية تبدو لنا وكأنها صدى لتلك الاعمال التي عكست في حينها جانبا أساسيا وحيويا ًمن ثقافة العصرآنذاك عندما طُرحت قبل نصف قرن، بظرفه ومعطياته!؟ هذا السؤال يقودنا إلى طرح سؤال آخر:هل إنَّ انغلاق المجتمع السعودي على نفسه وهو يَتحصَّنُ خلف قشرة سميكة ٍمِنْ قيم ٍ يُهيمنُ فيها العامل الديني والقيم البدوية والاعراف الاجتماعية مقابل مايشهده من تحولات عمرانية هائلة،هوالسبب الذي أحدث تصدُّعات إشكالية عميقة في بنية الفرد ــ سبَق للمجتمع الانساني المُتقدم أنْ مرَّ بها وواجههاــ وأمسى المجتمع السعودي اليوم في مواجهة مُتأخرة معهاولاسبيل أمام المبدع لأنْ يتجاوزها ويقفزعليها ؟ إلاّ أنَّ التفاعل مع هذه المسالة الجوهرية بأسئلتها وتحديّاتها  فيما لو كانت أمراً واقعا ً فعلاً واقتضى التوقف عندهاوتناولها إبداعيا تبقى رَهن الرؤية الفنية للمبدع وخصوصيةتجربتة الذاتية،ويقتضي ذلك منه أنْ لاينشىء عمله مُنساقاً مع فكرة التّناص مع أعمال أخرى سبقته، خاصةً في إطارالمعالجة الفنية، فالتناص كما جاء في كتاب(نقاد الحداثة وموت القارىء)للدكتورعبد الحميد ابراهيم .  "حوار مع أرواح سابقة تفضي إلى النَّص الحالي بالسّر .". وهنا بهذا الصدد نُذكِّر على سبيل المثال بعدد من أعمال البير كامو وسارتر وكولن ولسن وآخرين.
قناع العنوان
"عندما رأيت القندس أول مرة شعرت بالألفة.ولابد أنّه شعر بذلك أيضا وإلاّماتسلّق الضفة الحجرية وراح يعبث في سلّتي وبساطي ...." جاء اختيارعنوان الرواية بمثابة قناع إستعارهُ ألمؤلف وألبسَهُ ألشخصية المركزية/الساردة،ليفصح من خلاله عمّا يختزنهُ من مشاعروافكار تجاه مايحيطه من موجودات وحيوات ومايحمُله من تصوّر موضوعي أسقَطَهُ على معظم افراد الأسرة الكبيرة التي ينتمي لها في مدينته الرياض(الأب والأم المُطلّقة وشيخة زوجة الأب والأخت الشقيقة بدريّة والأخوة والاخوات غيرالاشقاء سلمان ونورة ومنى)،بهذا التصوّر بَنى (غالب) في ذهنه مُعادلا صوريا/اجتماعيا لسلوك الحيوان الدفاعي،عندما يبني سدودا ً خشبية وسط ماء النهر كُلما وجَد بقعة يابسة يركن فيها مع افرادعائلته، ليجعلوا من قلب النهر مكانا ًدافئا للعيش "سيلاحظ القندس أيضا ًأن عائلتي بَكماء في مابينها،ثرثارة في محافل الآخرين.نخترع فضائحنا بكتمان رهيب حتى لايعرف أحدنا ماذا يُحاك في الغرفة المجاورة.نحن فعلنا ذلك أيضا ًلنجعل من الرياض أقل وطأة وإن لم نقض على وطأتها تماماً،ولنجعلهاأكثر وضوحا ًوإنْ لم نفتح كل الادراج.عندما نرش الماء على دائرة من العشب الضئيل نعلم أنه لن يقتل الغبار والظمأ".
الصوت الواحد
من أول ِ جُملةٍ وحتى نهاية الرواية إنفرد ضميرالمتكلم ــ وهو بنفس الوقت الشخصية المركزية ــ في سرد الاحداث،فبقي لوحده صوتا ًمنفرداً إضطلع بمهمة لملمة الذاكرة وهي تستعيد المشاعروالتفاصيل . بهذه الآلية إستند علوان بناء نصّه الروائي،مُخضِعَا ًبنيته الفنية إلى سِماتٍ إستعارها من خاصيّة ٍتتوفر في معمارية النص السير ذاتي،فالتطابق التام مابين السارد والشخصية المركزية كان قائماً،وغابت عنه المسافة التي تفصل مابين الاثنين،وإنفتحت ذات السارد/الشخصية المركزية في تشكيل بنية الحكاية وهي تتحرك وفق آلية الوصف،بهدف ألقبض على متغيرات المحيط الخارجي،لتعكس من خلالها،داخل وخارج الشخصية .  " وقفتُ، لعلّي أرى صفحة النهربوضوح. كانت مجموعات عدّة من البَط تسبح بشكل دائري،وأنا أحاول تجاهل هذه الطيورالكريهة.التي تذكرني دائما بغادة لأنها تعشق هذاالمنظرالساذج وتجرّني دائما إلى أماكن لاأجد فيها سوى خدعة سياحية بسيطة تمارسها مدن اوربا المتغضّنة " .
قصدية الخطاب
أتساقا مع الفكرة التي تؤكد على أنّ :"الادب في جوهره كشفاً للانسان والعالم "كما يقول د. صلاح فضل في مقدمة كتابه المعنون(انتاج الدلالة الادبية) يأتي هذا النص بأدوات سردية ٍمحدودةٍ.وهو لم يخرج في قصديّة خطابه شكلا ًومضمونا ًعن ثيمة أساسية لاتخرج عن:- تفكيك السياق العام لمنظومة البنيةالاجتماعية التي تفرض ثقلها وسلطتها القامعة على الشخوص والجغرافيه الاجتماعية المتزحزحة من مزاج المدن الصحراوية الصغيرة ـ مدينة الناصريةـ بإيقاعها البطيء،بإتجاه تمددات المدن الكونكريتية الحديثة ــ مدينة الفاخرية ــ التي ولدت بشكل سريع من بعد أكتشاف النفط .
ازدواجية الصراع
ومع أن موضوعة الصراع الاجتماعي بشكله المزدوج ــ الطبقي والعنصري ــ لم تشكِّل السياق الرئيس الذي بُنيت عليه تركيبة الاحداث والشخصيات إلاّ أن المؤلف أشار إليه بشكل عابرمن غيرأن يتوقف عنده طويلا،وذلك عندما تطرق إلى حقيقة العلاقة التي تربط غالب بشخصية خاله (داؤود) ببشرته السوداء التي ميّزته عن غالب وشقيقته بدريّة ووالدتهما التي كانت قد رضعت في صغرها من والدة داؤود ــ ذات البشرة السوداءــ وبذلك أصبح داؤود الذي يصغر والدة غالب بعدة أعوام ــ وحسب ماتفرضه الشريعة الاسلامية ــ شقيقها بالرضاعة.والاشارة الى اللون هنا،جاءت صريحة في محتواهاالنقدي لطبيعة التمييزالعنصري والطبقي الذي مازال يحكم المفاهيم الاجتماعية. " كان داؤود يكبرني ببضع سنوات وتكبرهُ أمي بضعفها تقريبا .جاء الى الرياض فعلّمتُه كيف يعيش فيها بين الهدى والضلال..جبتُ به شوارعها واسواقها آلاف المرات دون أن يفهم المسكين أني كنتُ أستخدم بشرته السوداء وهو يمشي إلى جواري لأبدو رجلاًعاليا ًيجذب اهتمام نساء عاليات.ولم أتوقف عن ذلك حتى شتمتنا أمرأة سليطة اللسان في مركز تجاري كبير بعد أن تبعناها كظِلها:أنتَ الحين مشخص بهالعبد اللي مَعَك ؟"
الخارج وجه الداخل
غالب كان قد إجتازالعقد الرابع من العُمر،محروماً من حنان الأم مُذ كان عُمرهُ سنتان.في ذلك الوقت غادَرَت والدته الى بيت خاله،وهي مصممة على طلب الطلاق من والده،لتتزوج بعد انتهاء العدّة الشرعية مباشرة من موظف حكومي،عَرفَت معهُ استقرارا ًعائليا ًلم تحظى به عندما كانت على ذمّة والده تاجرالسجاد،الذي تزوج هوالآخر إمرأة أخرى أنجبت له سلمان ونورة ومنى. والاخوة المُنفرطين من رحمين مختلفين ليس هنالك من شيء يجمعهم . "عندما شَعرأبي بذلك،قررأن يَطلينا بالصمغ ويلصق بعضنا ببعض كيفمااتفق حتى نبقى معا ًولو كانت قلوبنا شتى. "  فقد فشلت سياسة الأب في أن يكونواعائلة كبيرة،ولم تفلح السيارات ولا الشارع الذي حمل اسم الأب ولاالمسجد الذي بناه في الحي.وبقيت عائلة بكماء في ما بينها ثرثارة في محافل الاخرين.يخترعون فضائحهم بكتمان رهيب حتى لايعرف أحدهم ماذا يحاك في الغرفة المجاورة. سلمان الأخ غيرالشقيق الذي يسرق من الأب بمبررات شرعية،مُنى الأخت الصغرى التي تحرق الرجال وكأنهم فراشات ضالة،العمَّة فاطمة التي تقتات من قلبها مثلما يقتات الجمل من سنامه.مُشكلة غالب الدفينة،التي لم يكن يفصح عنها تكمن في كونه يعاني من اضطراب وتشوّه داخلي عميق،عَكَسَهُ المؤلف بشكل واضح في وجهه،بعدأن جَعلهُ يتعرَّض الى حادث سير ٍوهو يقود سيارته لِتنقلبَ به.  " جَمَع حادث السيارة كل تلك الملامح المبعثرة أصلا ًوبعثرها مرَّة أخرى بمعرفته " التشوّه الخارجي الذي كان يبدو واضحا ًعلى الوجه،عمَّق التشوّه الذي كان يحمله في داخله،لذا عَمَد إلى نسيان وجهه وتجاهله . " آخر مرّة رأيت فيها وجهي كاملاً كانت وأنا أراجع بيانات تأشيرة السفرالاميركية قبل شهرين في الرياض،وبعد ذلك لم أعد أراهُ سوى لِماماً في غرف الفنادق وردهات المطارات وزجاج السيارات وربما لهذا أنا أتأمل بقيّة جسدي دون وجهي،لئلا أنسى من أكون. "  حتى العلاقة العاطفية الحميمة التي ارتبط بها مع غادة زوجة السفيرالسعودي في لندن والتي شَغَلت مساحة واسعة من حكاية النص،هي الاخرى أرادها المؤلف أن تكون كشفا صريحا لعلاقة مشوَّهة تبادل فيها الطرفان مُعاشرة جنسية مُحرّمة أحتوتها غرف فنادق ٍتوزعت على أكثر مِن بلد أوربي.ولم يكتشف غالب إلا بعد عشرين عاما حقيقة هذه العلاقة الزائفة الذي ذهبت به بعيدا ًفي وهم ٍ كبير بَدَدَ فيه عمرهُ وهو يركض خلفه،عابرا ًبِحارا ً ومحيطات حتى يحتويه بين ذراعيه على أمل ٍــ قد يأتي في يوم ماــ ليصبح مُلكَهُ ولوحدِهِ. ومِما زاد في إحساسه بهذا التشوّه،طبيعة العلاقة مع والده التي كانت تشعِره بأن والده يتسرّب الى دَمِهِ مثل مرض ٍوراثي عنيد .  "يَخرُجُ أبي من فناجين القهوة أحيانا مثل مارد ٍمن البُن ويداهُمني ليلا ًونهارا ً. "  وبعد أن يفشل غالب في دراسته الجامعية يرسله والده الى اميركا للدراسة في جامعاتها ولم يفلح ايضا ليبقى هناك مُشتتا، ضائعا ً، بلا أهداف ولاطموحات يسعى اليها، كما كان حاله في مدينة الرياض،التي أدمَنَ على أنْ يُلقي عليها عَجْزَهُ وفشله،حتى أَّنّهُ وطيلة بقائه في مدينة بورتلاند الاميركية التي وجد فيها خلاصه الهَش من مدينة الرياض الراكدة،لمْ يلقِ التحية عليه سوى النُّدلَ والباعة،وكاد الصمتُ أن يلصق أسنانه ببعضها عندما لم يجد فرصة ًلائقة ًللحديث والثرثرة مع أحدهم .
الخروج من الآخر
يتجاوز غالب الاربعين من العمر بسلسلة من الاخفاقات المتوالية،بَدأتْ مع غادة،عندما حَسَمَتْ خلافاها مع زوجها السفير السعودي في لندن وعادت اليه.ثم جاءته الصَدْمة الثانية بعد وفاة والده،عندماإتَّضحَ له بأنَه لايملكُ ماكان يظنُّهُ يَملكْ . "كان هذا يعني أنَّ أبي لايملك مترا ًواحدا ًمن تلك الاراضي الشاسعة الممتدة شمال الرياض بامتداد أحلام سلمان،ولاتلك الاسهم الرابحة التي خصّها أبي بحساب ٍبنكي خاص دون بقية الأسهم الرديئة،ولاالأرض المواجهة للبحرفي جَدّة التي كثيراً ماألحَّ عليه سلمان بأنْ يبنيها ناطحة سحاب تخدش السماء،حتى بيت الفاخرية إكتشفنا أن شيخة تملكهُ وحدها منذ عشر سنوات،كل هذه الأملاك،رغم أنها مسجلة باسمه حتى اليوم في الأوراق الرسمية،كان قد تنازل عنها جميعاً بخط يده لأكثر من ستة مسؤولين كبار كان أبي يسجِّل أملاكَهم بأسمه مقابل عمولات صغيرة " .
يصل غالب متأخراً الى لحظة وعي ٍبما كان قدأقترفه من حماقات لم تترك له سوى كآبة وإحساس بالنّبذ، فما كان مِنهُ إلاّأن يَختارأقصَرالطرق للدفاع عن نفسه في أنْ يخلع قناع القندس،وأن ينكر كونهُ قندسا ً،بعدأن تراكمت عليه التُهم .  "أخلعُ عن جلدي الفروالذي ليس لي وأنزع الأسنان التي لم تقضم شيئا ًنافعاً.هذا مااستعنتُ ببورتلاندعليه منذ البداية.تملّصتُ بصعوبة من جذوري ولاأظن أحدا ًمن عائلتي فعل مثل هذا.مازالوا يجمعون الجذوع اليابسة جميعا ًمنذ عرفتهم وحتى تركتهم ولن يتوقفواعن ذلك أبدا ً،قررتُ أن أفِرَّ عن المشاريع المغلقة التي تورِّطُنا فيها الحياة وتجعلُنا قنادسَ هذا السَّد،هاجس الحماية الأزلي،مشروع مغلق لايمكن أن ينفتح على اتجاه جديد مهما تغيرت الأجيال."
بَقيَ خطاب النص في سياقه العام مفتوحا ً شكلا ًومعنى ومُبتعدا بذلك عن افتراضات التأويل التي فيما لو توفرت فيه لمنحته بنية مركَّبة في طبقات مدلولالتها القراءية،لتأخذ القارىء، نتيجة ذلك،نحو مستويات أكثر كثافة ًتترشح من خلف دلالات ألجمل والتراكيب اللغوية التي يصدُّرها النص.كما لم يتحرر من التجاور والتوازي مع ماسبق انتاجه من نصوص عالمية في إطار ماأراد تصديره على مستوى الشكل والمحتوى. ولأنَّه لم يكن مُغلقاً فنيا ًعلى ماأراد طرحَه من خطاب، ظَل المستوى الدلالي عائما ًفي تمظهرات ٍواضحة المدلولات،لم تضع القارىء في متعة البحث والتقصي العميق.إلاّ أن ذلك لم ينل من أهميّتة الفنية في الكشف عن عوالم انسانية متصارعة مع ذاتها ومحيطها في لحظات ٍتفصل بين عوالمَ متقاطعة ومتناقضة،هذا إضافة إلى تماسك حبكته في سرد المتخيل السردي،وبذلك هذا العمل يدعونا بلا أدنى شك لقراءته مرة أخرى والاحتفاء به.
وبعيدا عن كونه يأتي من بيئة ليس لها تاريخ طويل يُذكر في الادب الروائي مقارنة مع بلدان عربية أخرى ولم يكن متوقعا ًمن هذه البيئة المُترَفَة أن تضيف شيئا ًمهما ً للرواية العربية،لكن الأمانة تقتضينا أن نُقرَّ ونعترف بحقيقة مهمة باتت تفرض حضورها في المشهد الروائي العربي،بأنَّ ماتم طرحه من نصوص روائية كتبها عدد من الروائيين الخليجيين خلال العشرين عاما الماضية قد أزاح عن قناعاتنا،غشاء َوهم ٍ كبيرٍ،كنّا نُغلّفُ أنفسنا بهِ،مفاده ُأنَّ الخليج العربي ليس مكانا ًخصبا ًولامُهيَّئا ًلأنْ يُقدم لنا أدبا ًمهما ًتتوفر فيه عناصر فنية متقدمة تعكس مايملكه كاتب مُتَرف ليس لديه معاناة ولاتحدِّيات يُمكنُ أن تصلح مادة مهمة للكتابة الروائية ولاأنْ تثير أهتمام القراء. لكننا وجدنا أنفسنا أمام موعد ٍجديد وضَعَنا فيه مجموعة من الكُتّاب الشباب، سيكون له تأثير واضح جدا في مستقبل الرواية العربية .   























أبن طرّاق
رواية سعودية للكاتبين:بدر ومحمد السّماري






                        تشظي السرد وتعدد الاصوات











الادب الروائي لايشكل حضورا ً ملفتا في المشهد الابداعي  السعودي خاصة والعربي عامة، أولا ً لندرة الكتابات الروائية ،وثانيا ً عدم أهمية مايطرح من نصوص روائية بالمقارنة مع ماينتج من سرد روائي متقدم في عدد من البلدان العربية (مصر، المغرب العربي ،العراق،  بلاد الشام ) ، في مقابل هذا حاولت عدد من دور النشر أن تضفي  هالة من الاهمية المبالغ في تقديرها في اكثر الاحوال لبعض من الكتابات الروائية النسوية تحديدا ً،ويقف وراء ذلك غايات تجارية رغم الملاحظات الفنية المسجلة ضد تلك الكتابات ، مع اننا لاننفي توفرها على عدد من العناصر التي تمنحها اهمية خاصة ،وذلك يعود الى جرأتها وهي  تتناول موضوعات تتسم بحساسية بالغة في المجتمع السعودي عبراستثمار الفن الروائي ، كالجنس والعلاقات العاطفية الى غيرها من التابوهات الاجتماعية التي تشكل ستاراً ثقيلا يكبح جماح الشخصية السعودية التي تعيش وضعا مأزوما ً يزدادا إحتقانا ً يوما بعد آخر .
 ويشكل هذا المجتمع في بنيته صورة لما أطلق عليه نقديا مجتمعات مابعد الحداثة، وهي مجتمعات تبدو  مُتارجحة مابين تطلعاتها الذاتية نحو الحرية في التفكير واختيارات العيش وبين الخضوع تحت  هيمنة سلطات متعددة تتقاسمها تقاليد بدوية وقبلية ضمن منظومة متشددة من الافكار والمعتقدات المستمدة والمستنتجة من نصوص دينية مقدسة.
في ظل هذه الصورة البالغة الحساسية والتعقيد التي يعيشها المثقف والمبدع السعودي والتي يجد نفسه فيها مضطرا ً لأن يتعامل معها ويجاريها رغم نبرة الرفض والاحتجاج التي تتفجر بشكل خفي ومخبوء في ذاته ضدها لابد لنا ان نحتفي بأي عمل أدبي قادم من السعودية يسعى كاتبه الى كسر حاجز الخوف داخل نفسه أولا في محاولة منه لأن يمدَّ بصره خارج الحواجز والاسوار العالية التي يقبع مرهونا خلفها ، في سعي منه  لينفذ في أعماق مجتمعه المُتلفِع بالغموض الشديد والحجب الثقيلة ، سعيا ً منه لكشف الصراعات التي تخوضها الذات الانسانية في مجتمع محافظ ومتزمّت لايسمح مطلقا ً بالخروج عن الثوابت التي تعوّدت القوى المجتمعية على تقديسها والانحناء لها رغم عزلتها عن المتغيرات العميقة والواسعة التي شهدتها البشرية في إطاراحترام الحرية الفردية . وإذا ما توفر في أي نص روائي سعودي  جملة من العناصر الفنية المنجذبة نحو التجديد والخروج عن الاطر التقليدية في السرد والمعالجة عندها يكون أحتفاءنا منطلقه الاساس ، فني بحت،وليس إطراءً مبعثه التشجيع فقط .
رواية (أبن طرّاق )التي تقاسم فصول كتابتها محمد السماري وبدر السماري والتي تقع في 430 صفحة والتي صدرت طبعتها الاولى عام 2011 عن دار آثر للنشر والتوزيع في المملكة العربية السعودية / الدمام ، والدار العربية للعلوم ناشرون في بيروت . تمثل نموذجا لعمل روائي أمتلك خصوصية العناصر الفنية التي توفرت عليها اساليب مابعد الحداثة ، هنا نجد في هذا العمل أن المسار الفني قد إكتمل بنائه في فصول سبعة حملت عناوينها الفرعية أسماء جميع الشخصيات التي أحتشد النص بها ، فكانت عناوين الفصول عتبات أشارية اكتسبت خصوصيتها المتنوعة من تركيبة الشخصيات مثل ( ابن طرّاق ، أبن مسمار ، الطارق ..الخ ) وفصول اخرى استمدت عناوينها من الاحداث ( محكمة 1 ، محكمة 2 ، فياجرا ، الطريق الى ماوراء الشمس ) .
 جرأة هذا النص الروائي وماأشتمل عليه من خصوصية فنية تبدو من الصفحة الاولى عندما يطالعك الاهداء بهذه الجملة :"إلى الذين ماا نفكوا ينصبون الحواجز،نشكركم كثيرا،إذ منحتمونا عزم عداء أولمبي " .
هذا المفتتح  يمْسِكَنا نحن القُرَّاء ليقودنا الى عالم ابن طرّاق كي نشهد معه الدقائق الاخيرة من حياته قبل ان يلفظ انفاسه وحيدا على سرير بارد في مستوصف القرية والخالي من المراجعين والاطباء بعد نهاية الدوام الرسمي ولايقف الى جانبه سوى صبحي المصري سائقه وكاتم اسراره الشخصي ولاأحد من نسائه الاربعة ولاأولاده ومحضياته اللواتي كان يغدق عليهن الكثيرمن العطف والمحبة والرأفة، اضافة الى ما كان يمنحهن من مالٍ بسخاء ٍواضح ٍ إفتقدنَه ُ فيما بعد في شخصية ابنه الاكبر جبل الذي تولى ادارة شؤون العائلة حسب ماتقتضي الاعراف بعد وفاة والده بأعتباره الاكبر من بين جميع الاولاد الذين تركهم ابن طراق من نسائه الاربعة ، ليجد نفسه فجأة مسؤولا عن الارث الكبير  الذي تركه والده  من الاموال والاملاك ،والذي لايعلم عنه الاّ القليل ،كما يجد نفسه منساقا الى الاستمرار في احياء الحياة السرّية لوالده  في مزرعة تقع خارج مدينة الرياض كانت تشهد سهرات اسبوعية تتكفل بتنظيمها ( لوزية ) التي كانت قد استجابت لكل طلبات أبن طرّاق ووفرة له كل مايشتهي من أصناف النساء، وفيما بعد سنكتشف أن لوزية  تعمل في النهار موظفة في سلك التعليم بدرجة نائبة مديرة مدرسة ثانوية وفي الليل تعمل ( قوّادة ) تتولى ادارة شؤون العديد من الفتيات والنساء العاهرات،بعضهن ينتمين الى اصول قبلية عريقة في المجتمع،وهذه السهرات الاسبوعية كان ابن طراق حريصا على إقامتها فكانت تحفل بالنساء الباحثات عن الحب والحرية والعطف قبل المتعة والمال وهذا هو ماوجدنَه في سهرات ابن طرّاق الذي كان يتسع قلبه لهُنَّ قبل أي شيء آخر .
مالذي يمكن أن يستدعي في الذاكرة عندما يواجه قارىء هذه الرواية في وسط أعلى الصفحة الاولى عنوانا ً يقول  : " مثل كلب "  .  فتكون هذه العبارة مفتتحا ً للدخول الى الفصل الاول منها . تلك كانت دهشة اولى يستيقظ فيها الوعي المعبأ بالمفاهيم والمقولات الجاهزة عن بيئة المجتمع السعودي، ثم يأتي بعدها حوار آخر  يتألف من جملتين:
                                     "- أسرع ياقواد
                                      - حاضر ياعم
 ليكشف فيهما الكاتبان عن مسارغير متوقع  يبعد تماما عن سطحية الصورة المترسِّبة في ذاكرة القارىء حول طبيعة مايمكن أن يكون عليه الادب السعودي من محافظة وتقليدية .
فيما يتعلق بحبكة الرواية وبنيتها الفنية التي خرجت تماما عن المنظومة التقليدية في سرد الاحداث وبناء الحكاية،  لتتشظى الى حكايات يتعاقب على سردها ضمائر مختلفة تمثل اصوات الشخصيات التي تتحرك في نسيج التفاصيل المتداخلة مع بعضها والتي تتمركز جميعها عند شخصية( أبن طرّاق ) المحورية . وهذه من الخاصايات التي أفرزتها مرحلة مابعد الحداثة حتى أن العديد من الشخصيات الروائية الهامشية تتقاطع في رؤيتها للاحداث ليجد قارىء العمل أن كاتبي الرواية هما الاخران يتحولان في لحظة ما من زمن بناء حبكة الرواية الى شخصيتين روائيتين تتقاطع رؤيتاهما مع كاتبي الرواية ايضا ً اثناء سردهما للاحداث ويترك المؤلفان محمد السماري وبدر السماري لشخصيتي المؤلِفين المُفتَرضَين للنص الروائي داخل النص الروائي نفسه حرية البناء السردي والتفكير بعيدا عما يخطط الكاتبان الاصليان محمد وبدر السماري في تأثيث معمارية البناء السردي، وهنا تكمن الخاصية الفنية للرواية والمتجسدة في تعدد الاصوات التي تنسج حبكتها وتروي الاحداث وفقا لمنطقها ووجهة نظرها ، وهذا  يتوافق مع ما أشار اليه محمد برادة في المقدمة التي كان قد كتبها عندما ترجم كتاب(الخطاب الروائي) لباختين ،إذ يقول :"خطاب الرواية خطاباً خليطاً متصلاً بسيرورات تعدد اللغات والاصوات وتفاعل الكلام والخطابات والنصوص ضمن سياق المجتمعات الحديثة القائمة على انقاض قطائع اجتماعية وابستمولوجية مع مجتمعات القرون الوسطى "
بلاشك ان هذا العمل الروائي فيه الكثير من الاشتباك الفني مع ماجاء من طروحات فنية انتجها الفن الروائي لما بعد الحداثة ، وقد اتسم في عموم بنيته الفنية بالتشظي والانشطار : "النقيض يجاور نقيضه في اتصال غير منقطع " كما يقول عبد الله الغذامي في كتابه (هويات مابعد الحداثة) ولان المجتمع السعودي هو الاخر يعيش حالة من التحولات التي تتعمق فيها الصراعات  القائمة بين تراكيب وهويات متناقضة خلال العقود الاخيرة لذا أجد هنا الكثير مما تنطبق عليه تلك المقولات التي كان قد توصل اليها هيغل عندما ربط بين شكل الرواية ومضمون التحولات البنيوية التي كان قد شهدها المجتمع الاوربي خلال صعود البرجوازية وقيام الدولة الحديثة في القرن التاسع عشر .
 ونتيجة لمايحدث في المجتمع السعودي من ارهاصات كان لابد ان ينعكس ذلك على الفن الروائي وليتحول هو الاخر مستجيبا لهذه المتغيرات ، وهذا مايبدو واضحا في تركيبة  الشخصيات التي بتنا نواجهها وهي تخوض أختياراتها وانحرافاتها بعيدة عن النمط التقليدي الذي يهمين على سطح المجتمع مثل شخصية فردوس الزوجة الشابة لابن طراق التي  يأتي  ترتيبها الرابع بين زوجاته،  فالكاتبان قدّما هذه الشخصية لتعبر عن جيل جديد يحرص على أرتداء أحدث ماتطرحه دورالازياء من بناطيل الجينز الضيقة كما لاتتردد في أن تستعرض نفسها أمام أبن زوجها (جبل)  لكي تعرف رأيه فيما لوكان البنطلون الضيق لائقا ًعلى جسدها أم لا ، هذه الشخصية بهذا البناء المتمرد الذي جاءت عليه والتي لاتصغي حتى لوصايا ونصائح ابيها تجسد نموذجا صريحا ً للقوى الاجتماعية التي باتت تجابه مايفرض عليها من عقبات تهدف الى ارغامها على الخضوع لمواضعات العلائق الاجتماعية التي عرفها وكرسها المجتمع . 
عموما  رواية ابن طراق تشكل تحديا مهما ومثيرا في الكتابة الروائية المشتركة التي سبق أن تعاطى معها عدد من الروائيين العرب،على سبيل المثال تجربة جبرا ابراهيم جبرا وعبد الرحمن منيف في رواية عالم بلا خرائط . 
إضافة الى كونها عمل روائي جريء وغير تقليدي في بنيته الفنية ويعكس صورة مشرقة لطبيعة النتاج الفني الذي بات يفرض وجوده في خارطة مايطرح من أعمال روائية في المشهد الابداعي السعودي . 







ساق البامبو . .
للكاتب الكويتي سعود السنعوسي *

                




              البحث عن الوطن .. في غربة الانسان                                             







اصدار الدار العربية للعلوم ناشرون
الطبعة الاولى 1433 ه – 2012 م


لأنَّ للعادات والتقاليد الاجتماعية في المجتمع الخليجي سطوة وهيمنة ثقيلة على حياة الافراد والجماعات دون ان تترك لهم في غالب الاوقات فرصة أختيار مصائرهم ،يخضع راشد الطاروف لمشيئة والدته بالانفصال عن الخادمة الفلبينة جوزفين التي تعمل في بيتهم والتي كان قد تزوجها سرا ً حرصا ًمن والدته (غنيمة ) على مستقبل شقيقاته الثلاث اللواتي كن ينتظرن قسمتهن في الزواج،وكان من الطبيعي لهذه القسمة المنتظرة أن تذهب أدراج الرياح بعد أن تتلوث سمعة العائلة فيما لوافتضح أمر هذه العلاقة مابين راشد ــ الشاب المثقف الذي يحلم بكتابة روايته الاولى ــ سليل العائلة الكويتية العريقة والخادمة الفلبينية التي كانت مدمنة هي الاخرى على قراءة الروايات قبل أن يقودها مصيرها الى الكويت لتعمل خادمة متخلية بذلك عن دراستها من اجل مساعدة عائلتها وهربا كذلك من واقع بائس كان من الممكن لوالدها ان يُسقِطها فيه فتصبح عاهرة كما هو الحال مع شقيقتها الكبرى إيدا.
 وحده راشد الطاروف الشاب الوسيم في منزل السيدة الكبيرة المتسلطة (غنيمة ) كان لطيفا ً جدا ً في معاملة جوزفين على عكس جميع افراد عائلته،فكان الوحيد الذي يتحدث اليها في الادب والفن وشؤون بلاده السياسية،في حين لاأحد غيره من السادة يتحدث مع الخادمات بغير لغة الاوامر :"هاتي .. أغسلي .. أكنسي .. أمسحي .. جهزي .. أحضري ". في مقطع مستل من الرواية تسرد جوزفين لأبنها عيسى/هوزيه ذكرياتها عن طبيعة علاقتها بوالده :"كنت أغسل وأكنس وأمسح طوال اليوم،لأتفرغ في نهايته لأحاديث الليل،بعد نوم سيدات المنزل،مع ابيك في غرفة المكتب..كنت أحاول أن أجاريه في أحاديثه السياسية وأن أشد اهتمامه،وأستعرض معلوماتي الفقيرة في السياسة..أخبرته ذات يوم بحجم سعادتي لفوز كورازون آكينو في الانتخابات الرئاسية،لتصبح أول امرأة تصل الى سدة الحكم في الفلبين، ولتعيد بذلك الحياة الديموقراطية من جديد بعدأن قادت المعارضة التي اسقطت الديكتاتور فرديناند ماركوس ".
رسم السنعوسي شخصية راشد الطاروف على صورة الرجل المثالي كما كانت تراه جوزفين وكما كان الجميع يراه كذلك،هادئا،يقضي معظم وقته بين القراءة والكتابة في غرفة المكتب إلى جانب اهتمامه بالصيد والسمك بصحبة أعز اصدقائه وليد وغسان،وكانت والدته تعامله معاملة خاصة،فهو رجل البيت الوحيد، فهو آخر الرجال في العائلة بعد أن اختفى الذكور من أسلافه مع سفنهم الشراعية في البحر منذ زمن طويل، وبعضهم في ظروف أخرى،أما البقية فقد حصرت ذريتهم في الاناث .
تعود جوزفين الى الفلبين خائبة مجروحة مع وعد ٍمن زوجها بأن يتكفل برعايتها ورعاية عيسى ــ الذي لم يبلغ من العمرعاما واحدا ًــ طالما هوعلى قيد الحياة،إلاّ أن غزوالعراق للكويت يتسبب في انقطاع الرسائل التي كانت تصلها منه  .
يكبر الطفل عيسى في وسط عائلة جده (ميندوزا ) من جهة والدته والذي ُنسب عيسى إليه فيما بعد ليصبح(هوزيه ميندوزا)وكان هذا الجَد سببا رئيسيا في البؤس والفقرالذي كانت عليه العائلة بسبب إدمانه على المراهنة في لعبة صراع الديكة وضياع راتبه التقاعدي المخصص من الحكومة الاميركية باعتباره أحد الذين خدموا الى جانب الجيش الاميركي في فيتنام  ولم يكن هذا الراتب سوى مائة دولار كانت تذهب دائما ً كل شهر لشراء ديك يدخل به حلبة المراهنات ،هذا اضافة الى ماكانت تجنيه ابنته الكبرى إيدا من مهنتها كعاهرة والتي أجبرها هو على امتهانها فتسبب هذا في تدميرها وتحطيمها رغم ماكانت عليه في بداية شبابها من قوة شخصية جعلتها تعاني من الشعور بالقهر والقرف من هذه المهنة لتقف في لحظة من اللحظات في مواجهة ضد والدها رافضة المصير البائس الذي رسمه لها ولم تتردد في ضربه تعبيرا عن احتجاجها، ومع هذا جرت الاقدار في آخر الامر مثلما شاء والدها ميندوزا لتنحني شيئاً فشيئا ً صاغرة مكرهة لمصيرهاولتنتهي على صورة امرأة واهنة،ضعيفة ومدمنة على المخدرات.
عيسى هو الاخر يصبح جزءاً من دوامة البؤس والفقرالذي يحيط بالعائلة كقدر محتوم ،وبعد أن يصبح شابا يافعا في العشرين من عمره يتنقل بين اكثر من مهنة على أمل كبير بأن يعود في يوم ما إلى الكويت كما وعد بذلك والده راشد الطاروف زوجته جوزفين وهي تغادر الكويت ،هذا ماكانت تقوله والدته عندما تسرد له الحكايات الجميلة عن طيبة وجمال والده وعن اصدقاءه المقربين منه،وليد وغسان،اللذان كانا قد شهداعلى زواجهما . ومع البحث عن لقمة العيش كان عيسى يبحث عن هويته الضائعة مابين الديانة البوذية التي كان عليها جده ميندوزا والمسيحية التي اختارتها له خالته ايدا والديانة الاسلامية التي كانت والدته دائما ًماتذكره بها على أعتبار انها الديانة التي يدين بها والده في الوطن الذي سيعود اليه في يوم ما والذي سيحظى فيه بعيشة رخية هانئة بعيدا عما يعانيه هنا من فقر. عيسى:"لكل منّا دينه الخاص،نأخذ من الاديان مانؤمن به،ونتجاهل ما لاتدركه عقولنا،أونتظاهر بالايمان،ونمارس طقوساً لانفهمها،خوفاً من خسارة شيء نحاول أن نؤمن به ".
ثم يأتي ذلك اليوم الموعود عندما يتصل غسان بوالدة عيسى عبرالهاتف ليخبرها بضرورة عودة عيسى الى الكويت بناء على رغبة والده راشد الطاروف قبل أن يختفي وتضيع أخباره بعد أن كان قد لعب دورا كبيراً في مقاومة الاحتلال العراقي لبلده الكويت قبل أن يتم العثور على رفاته مع اخرين في مقبرة جماعية قرب مدينة كربلاء العراقية بعد سقوط نظام صدام حسين بعدة أعوام.
يعود عيسى الى الكويت، الى المكان الذي شهد ولادته،وشهد العذاب الذي عانته والدته بعد أن اكتُشفت العلاقة التي كانت تربطها بوالده من قبل جدته غنيمة التي خيرته ساعتها بين أمرين،أما أن تعود جوزيفين الى الفلبين وينكرهو ألجنين الذي كانت تحمله بين أحشائها وكأن شيئا لم يكن،أويغادرالبيت مغضوباعليه نتيجة ما قد يحمله هذا الزواج من نتائج سيئةعلى سمعة وشرف العائلة،ومستقبل شقيقاته الثلاث اللواتي سيعزف الخُطَّاب عن طلب أيديهن بعد أن يعلم الناس في مجتمع الكويت الصغيربأمرهذا الزواج الفضيحة الذي لم ولن يتقبله بكل أعرافه الاجتماعية التي تحكمه وتسيَّره حتى وإن تقاطعت هذه الاعراف مع أحكام الدين الاسلامي التي تساوي بين البشر ولاتفاضل بينهم إلاّ بالتقوى . 
كانت عودته الى الكويت بداية التيه الذي أخذه في دروب الضياع والاسئلة التي تبحث عن إجابات وافية لكنها كانت من الصعوبة الى الحد الذي جعلته يتمنى أن يكون شبيها بأخيه الصغيرغيرالشقيق (أدريان) الذي اصيب بعطب في خلايا الدماغ عندما كان طفلا والذي أنجبته والدته بعد زواجها من جارها البرتو بعدسنتين من مغادرتها الكويت وعودتها الى الفلبين:"محظوظ أدريان .. لاتشكل له هذه الاسئلة أي قلق .. لاشك ولاأيمان ..لاحيرة ولاخوف ."
الجنة التي حلم بها عيسى في الكويت لم يجدها،وجد المال لكنه لم يجد العائلة التي كان يبحث عنها :" في بلاد أمي الفلبين كنت لاأملك شيئا سوى عائلة،في بلاد أبي أملك كل شيء سوى عائلة .. إنه قدري،أن أقضي عمري باحثا ًعن أسم ودين ووطن " .
اختار كاتب الرواية سعود السنعوسي أن يبدأ أحداث روايته من حيث أنتهت بعد أن فشلت كل المحاولات التي بذلها عيسى / هوزيه بمساندة أخته غير الشقيقة (خولة) وغسان صديق والده ليكون واحدا ًمن افراد عائلة الطاروف ، فكانت بداية أحداث الرواية عندما بدأ عيسى / هوزيه وهومايزال على أرض الكويت في كتابة سيرته الذاتية مُبتدأمن الفترة التي سبقت ولادته،آنذاك كانت جوزفين تعيش قبل زواجها في الفلبين مع عائلتها الكبيرة المكونة من الجدة  والاب والام والاخت ايدا وشقيقها بيدرو .
الناقد والاس مارتن في كتابه الموسوم نظريات السرد الحديثة الذي ترجمته الى العربية د.حياة جاسم والصادر عن المجلس الاعلى للثقافة في مصر يقول:" التقنيات الخاصة بالرواية تتضمن علاقة المؤلف بالسارد،وعلاقة السارد بالقصة،والطرق التي بواسطتها يوفران مدخلاً إلى عقول الشخصيات وأمورتخص وجهة النظر إذا افترضنا أن المؤلف يحاول أن يحقق تمثيلا ً موضوعيا ً وواقعياً ـ متحرراً من التعليق المتطفل والمعقول الذي يحيل الشخصيات إلى دمى عن طريق الحكم عليها حال تقديمهابفضل الوسائل التي بها تنفذ إلى العقول والاحداث ـ فإن تحليل وجهة النظر يغدو وسيلة لكي نفهم كيفية اندماج الشكل والمضمون في الرواية " . هنا في هذا العمل تمكن السنعوسي في تمثل هذا الفهم المتقدم لطبيعة البناء المعماري للرواية الحديثة وهي تتبنى آليات فنية في منظمومتها السردية من دون أن يستعرض مقترحاتها شكلياً بقصد الاستعراض والتمظهر، وقد نتسائل عن طبيعة الشكل الفني في البناء السردي للرواية وهو بالضرورة ليس الكيفية التي يتم بها سرد القصة على الرغم من أهمية هذا الاطار الذي يقود القارىء الى متابعة مايقرأه إلاّأنه يشمل "بنية الصورة والاستعارة،والرمز الذي ينبثق من الفعل ".
إن حداثة التجربة الروائية للكاتب الكويتي الشاب سعود السنعوسي ــ هذا هو العمل الثاني له بعد عمله الروائي الاول سجين المرايا ــ لم تجعله يقع في فخ الانشغال عن وعي وقصد بالشكل الفني الذي غالبا مايتورط به الكُتَّاب الجدد لجاذبيته أكثر من أي شيء آخر،وذلك في محاولة منهم لأثبات الحضور والتفرد،لكنه في نهاية الامر لن يُغني العمل الروائي بما هو مهم ومفيد،بينما جاءعمل السنعوسي مميزا لاعتماده على تقديم محتوى انساني،وموضوعة حاول فيها أن يتمثلَ الحياة في تنوعها،مع أنه تحررالى حد كبير من الاشكال التقليدية في بناءه السردي للزمن فتلاعب الكاتب في الخيط الواهي الذي يفصل مابين الواقع والخيال وهما القوتان الرئيستان اللتان تشكلان السرد بمهارة تخييلة عالية وقد بدا ذلك واضحا في ابسط صورة عبرشخصية مترجم النص ابراهيم سلام  وشخصية خولة راشد ًمدققة ومراجِعة النص ،وهما بنفس الوقت يشكلان شخصيتان اساسيتان داخل احداث الرواية .
إن تبني الكاتب لحكاية حافلة بتفصيلات واحداث وازمنة واقعية مع تنوع في تقنيات الكتابة أنتج عملا جماليا تمثَّلَ تجربة انسانية أعتمدت بالاساس على أحداث وتواريخ موضوعية،والرواية هنا في هذا النموذج بمثابة "المنطقة التي يُقابِل فيها الوهم (في شكل معتقدات وايدلوجيات موروثة،غرور،تصلب،رغبة رومانتيكية،الرغبة بالتملك)الواقع (الظروف الاجتماعية والاقتصادية التي تكوّن الاساس لتلك القلاع في الهواء ) . 
هذا العمل الروائي يستحق القراءة والتأمل النقدي بما تحمله بنيته السردية من خطاب جمالي أشتغل فيه الكاتب على :تصويرالوعي الانساني بشكل عميق وهو يتصدى للحقائق الاجتماعية والموضوعية التي تزاحمت بين ازمنة تحركت بها أحداث الرواية مابين بيئتين جغرافيتين واجتماعيتين (الكويت والفلبين) بما تحملان من تناقضات واختلافات كبيرة عميقة،من هنا جاءت الكلمة التي تصدرت وسط الصفحة الاولى من الرواية والتي إستعارها السنعوسي من الروائي الكويتي الكبير إسماعيل فهد إسماعيل "علاقتك بالاشياء مرهونة بمدى فهمك لها " لتكون عتبة تمهيدية قبل الدخول الى تفاصيل الاحداث التي يستعيدها عيسى (هوزيه ميندوزا ) وهو يكتب سيرته في سعي منه لفهم قسوة العالم المحيط الذي مازال البشر فيه يقسّمون الى سادة وعبيد وفق قوانين واعراف اجتماعية ثقيلة مبتدأ ً بأسمه JOSE كما "يكتب وينطق به في الفلبين كما في الانكليزية وجوزيه في العربية كما في الاسبانية وفي البرتغالية بالحروف ذاتها يكتب ،ولكنه ينطق جوزيه .أما هنا ،في الكويت ،فلا شأن لكل تلك الاسماء بأسمي حيث هو .. عيسى !.. كيف ولماذا ؟ هو لايعرف لأنه لم يختر اسمه ليعرف السبب ،كل مايعرفه أن "العالم كله قد اتفق على أن يختلف عليه ! وهويتمنى ـ بعد هذا النكران الذي قوبلت به هويته الانسانية ــ  لو كان مثل شجرة البامبو،لاانتماء لها : "نقتطع جزءًا من ساقها .. نغرسه ،بلا جذور،في أي أرض ..لايلبث الساق طويلا ً حتى تنبت له جذورجديدة ..تنمومن جديد ..في أرض جديدة ..بلا ماض ..بلا ذاكرة .. لايلتفت إلى اختلاف الناس حول تسميته ..كاوايان في الفلبين ..خيزران في الكويت ..أو بامبو في أماكن أخرى ".
استعارالكاتب جملة  من خوسيه ريزال محررالفلبين من قبضةالاستعمارالاسباني في بداية القرن العشرين لتكون عتبة الدخول الى الجزءالاول من الرواية"لايوجد مستبدون حيث لايوجد عبيد "ولتتصدر فيما بعد بقية الاجزاء الخمسة جملا ًأخرى لهذا الثائرالذي كان أول من أنتفض على عبودية المستعمرالاسباني فكانت تلك الجمل علامات تشير الى المسار الوجداني الذي تنطلق منه رؤية الكاتب . .
بلا شك هذا العمل الروائي بما طرحه من افكار انسانية وسعي فني واضح للخروج من أطر الانماط الثابتة في البناء السردي يستحق أن يكون في قائمة الكتب التي ترشحت للفوز بجائز البوكر العربية للعام 2013 .
*سعود السنعوسي ،كاتب وروائي كويتي
نشر عدة مقالات وقصص قصيرة في جريدة "القبس" الكويتي كاتب في مجلة "أبواب" الكويتية منذ 2005 وحتى توقف صدورها
عضو في رابطة الأدباء في الكويت
 عضو جمعية الصحافيين الكويتية 2009-2011
صدر له عن الدار العربية للعلوم:
-
سجين المرايا، رواية 2010
-
ساق البامبو، رواية 2012
حائز على جائزة الروائية ليلى العثمان لإبداع الشباب في القصة والرواية في دورتها الرابعة وذلك عن رواية سجين المرايا 2010
حائز على المركز الأول في مسابقة "قصص على الهواء" التي تنظمها مجلة "العربي" بالتعاون مع إذاعة بي بي سي العربية، عن قصة "البونساي والرجل العجوز"، وذلك في يوليو 2011
حصد جائزة الدولة التشجيعية في مجال الآداب وذلك عن رواية "ساق البامبو" عام 2012
اختيرت روايته "ساق البامبو" ضمن القائمة القصيرة للجائزة العالمية للرواية العربية "بوكر" عام 2013







تَرمي بِشرر ٍ ..
للكاتب السعودي.. عبده خال



نصُّ الواقع ألمُسَردَنْ،وحضورهِ في النَّص السَّردي المُتخيَّل                                          





الطبعة الخامسة/منشورات الجمل بيروت / بغداد 2011





عالمان متوازيان
في روايته(ترمي بشررٍ)يذهب الكاتب السعودي عبده خال عميقاً في البيئة الاجتماعية لمدينة جدة ليكشف في خبايا أعماقها وجهاً آخر لمجتمعٍ تم تغييبهُ.وتتجلى في هذا الوجه سمات ُبؤس وفقر وانحطاط يَمتَد ُّفي مساحات مهمّشة.سعى ًالكاتب من وراء هذا التوغّل تحطيم أحادية ِصورة ٍمُسوَّقةٍ بسطحيةٍ برّاقةٍ عن مجتمع محافظ محاط بأرث اجتماعي وديني ثقيل،ليضعه عبر مخطوطته السردية هذه في مواجهة دراماتيكية أمام وجه تقليدي محافظ،بكل ثراءه الفاحش وجبروته.وبهذا الكشف الصادم لبيئة وطبقة اجتماعية مَقصيّة تكتمل أمامنا ظلال من عناصر فنية لمشهد روائي بطبعته الموبسانية ــ نسبة الى موبسان ــ  تبدو مشغولة بفرشاة إنطباعية تتجلى من بين ضرباتها اللونية حياةًيصنعها معتوهون ومرتشون ولصوص وقوادون وزناة ولوطيون وطالبو سُلطة وحائكو مؤامرات، مثلما يساهم في صنعها مُصلحون .
المكان هنا بحضوره وسلطته المعمارية التي تشيء بحيواته التي تعكس دلالاته ينشطر الى عالمين متوازيين:قصر/ حارة،علوي/سفلي، بحري/صحراوي، ثري/ فقير. ومابين هذين العالمين لاقاسم مشترك يجمعهما،سوى انحطاط ٍخُلقي يجمع حيواتهما.
الكاتب عبده خال يُبقي إطار سرديته ِداخل نص الواقع،ولايخرج عنه،بل يذهب بعيداً في واقعيته الى الحد الذي يُرفِقُ بعد نهاية النص المتخيل عددا من الصور الفوتوغرافية مرفقة بسير ذاتية تخص مجموعة من شخصيات واقعية مُستلةٍ من الاخبار المبثوثة بين الصحف والمجلات والمواقع الالكترونية،هذا َإضافة إلى هوامش سجلها في أسفل عدد من الصفحات داخل الرواية،فكانت آلياته هذه بمثابة أدوات واقعية لجأ إليها لكتابة نص روائي مُتخيل ٍ،وكأنه بهذا الاسلوب الصحفي/الأستقصائي ــ والذي يتماهى مع آليّة السجلات الجنائية ــ يسعى لأن يعمَّق لدينا إحساساً قوياً بـ ( نص الواقع) وحضوره في تركيبة(النص السردي المُتَّخيل)ولكن إحالة الشخصيات الى الواقع بهذاالشكل الذي ذهب اليه المؤلف لاينتمي الى الطبيعة التاريخية التي كانت تحرص الرواية التقليدية الالتزام بها،بل تم تقديم الشخصيات على أنها كائنات مُتخيَّلة على الورق مثلما هي اللغة التي يبتكرها المؤلف في بناء سرديته.ويبدو لنا أن أختيار ضمير المتكلم / سارداً للاحداث كان قد لجأ إليه المؤلف من أجل أن تتحكم  الشخصية المحورية / الساردة بشكل محكم في سرد الاحداث.وإن كان أختيار ضمير المتكلم يبدو مألوفا في السرد السيري ويمنحه فعالية تتحرك مابين القارىء والحدث المسرود،ويكون  محددا للأفق فيما عداه من الانواع السردية الاخرى.بنفس الوقت يوهمنا الكاتب في ملخص السجلات السيريةالتي أضافها  في الملحق الذي عَنَونهُ بــ (البرزخ) بعد انتهاء صفحات الرواية،أن َّ شخصياته هي إجتماعية ولاإجتماعية،واقعية ولاواقعية،بهذه الآلية يتقصد الكاتب عبده خال إشراكنا في تفكيك السردية القائمة والمتداخلة مابين النّصين :نَصُّ الواقع والنَّص المُتخيَّل .
إن َّخطاب الرواية السردي في مكوناته:الزمن – السرد- التبئير . ينتمي إلى الرواية العربية الجديدة وقد وصف الناقد سعيد يقطين مايسعى اليه خطابها في مقالته المعنونة (تحليل الخطاب الروائي)المنشورة في مجلة الطليعة الادبية عام 1990العدد5- 6: "تقديم خطاب جديد يقوم على تقنية جديدة في الكتابة ليست على وفاق مع الكتابة الروائية العربية قبل العام  1967 وإنهاتسعى لتقديم وعي جديد تجاه الواقع الذي أدّى إلى الهزيمة.وأن الرواية كانت أكثر تقدما في كتابتها عن واقع الهزيمة من باقي الخطابات التي انتجها العربي بعد ذلك الحدث التاريخي ". وبناء على هذا التصور الذي تشكَّل لدينا،يتمحور النص السردي(ترمي بشرر) ضمن مسار الرواية العربية الجديدة التي تنتظم معماريتها في فضاء تثوير اللغة والاشكال والمضامين.رغم حضور تقنية(الرؤية من الخلف)التي كانت سمة ملاصقة للرواية التقليدية والتي تتيح للسارد أن يتقمص شخصياته ليبدوعارفا بكل مايخص ماضيهم.إلاّأن هذه التقنية تم إزاحة وظيفتها التقليدية وإحالتها الى منطقة اخرى في بنية السرد فارتكزت في إنزياحها على محورية الشخصية الرئيسة الساردة للاحداث بعد أن تلجأ الى البوح ابتدأ من الاهداء الذي كتبه طارق فاضل الشخصية المحوريةالساردة للاحداث والذي جاء في مقدمة الرواية:"التلويحة شارة للبعد،للغياب.و(هنَّو) لم ترفع يدها أبداً..فأي خيانة إقترفَتها حينما لم تلوّح من بعد !؟ لها،ولبقيّة من عَصفتُ بهم في طريقي،ينداحُ هذا البوح القذر" .
المكان المزدوج 
 سكان الحي الفقير،الحفرة/جهنَّم،ليسوا سوى أمواتاً يقضون أعمارهم فيه،مغمورين بقاذوراته،وتنافر حكايات قاطنيه القادمين من جهات الارض،لاشيء يحفزهم للنظر من نافذة الغد البتة،تفرّغت آذانهم لالتقاط أي صوت ليحيكوا منه حكاية جديدة يعبرون به ليلهم الكسيح،وظل الحي متمسكاً بساكنيه الأصليين في جهة واحدة بينما ترك أجزاء منه للقادمين إليه،لفيف من جنوب المملكة،هم خليط:من الغمد،والزهارين،والقحطانيين ،والشهرانيين،والعسيريين،والياميين،والجازانيين،وخليط آخر من بدو قدموا من أطراف الصحارى المترامية،وجاليات من يمنيين،وشوام ،ومصريين،وسودانيين،وصوماليين،واريتريين،وهنود،وأفغان،وجاويين ،وتشاديين،وصينيين،وأكراد،وبخاريين،وتركستانيين،وقوقازيين فروا من محرقة الحرب.فئات مقهورة ومسلوبة ترضى أن تعيش داخل إسطبل تعلف مايقدم لها من غير إشتراطات مسبقة .
في مواجهة حي الحفرة/ جهنَّم،وعلى ضفاف البحر، يَبني الشيخ نادر قصرا فخما تبلع أروقته ومساحاته الشاسعة شواطىء يعتاش عليها الصيادون الفقراء:" من أي جهة تدخل إلى المدينة يظهر القصر،ويستطيع أي شخص أن يراه من بعيد إلاّأنَّ رؤية صاحب القصر يحظى بها قلة قليلة من البشر،ويعدون من المحظوظين لنيلهم هذا الشرف". ورغم أن سيارته تعبر الحي يومياً إلاّ أنهم لم يتمكنوا من اصطياد ملامحه،ولولا أن أصطدمت السيارة بجسد جمال المجنون وسفحت دمه لما تسنّى لأهل الحي من رؤية ملامح الشيخ نادر:" وحين تبتعد عربته البيضاء عن تجمعاتنا نلاحقها بالابصار الكليلة،ونلمح قطعة الصابون تلك،وهي تغوص في زبد،وتتلاشى داخل الفردوس بإيصاد بوابات القصر العملاقة بإحكام وتترجل أسوارالقصر برسوخ،وثبات في مواجهة نبل عيوننا المتلاحقة ".
القصر تمَّ تأثيثه من كل بقاع العالم وزُيَّنت حدائقه بالازهار والثمار والحيوانات والطيور والخيول وكلما ضاقت مساحاته رُدِمت مياه البحر وبُسِطت لاستقبال أفخر منتجات المصانع من سيارات ويخوت ودراجات مائية وألعاب،ومجسّمات فنية. قصر منيف يبهر الناظر ومن يراهُ لايشك بتاتا من كونه هِبَة نزلت من السماء كما لو كان قطرة من ماء تجمّدت قبل أن تستقر على الارض فغدا معلقاً بين ماءين لتتعلق به العيون والافئدة . لكن: "الحياة داخل أسوار القصور العالية لها مذاق مختلف.هناك لاتوجد حدود للمفاهيم،والقيم.في كل حين ترتدي قيمة تتناسب مع اللحظة التي يمتلكها السيد،فكيفما يكون مزاجه تكون القيمة والمبدأ" .
حيّز المحتوى في الحكاية
القصر يعيش زمنا خاصا يتواجد فيه فاسدو الذمة والشهوة المدنسون بقذاراتهم والملطخون بها من غيرغطاء أو تورية :"مَلل اتيان الفواحش خرج من أنفاس سيد القصر حتى أنه خصص جائزة لمن يأتي بسلوى جديدة لقلبه.إقترف كل المتع وكلما عبر إحداها وجد أن الحياة تضيق به " . حتى وصل به الحال بعد أن استنفذ كل المتع أن بدأت تظهر عليه مظاهر التخنث فبدأيخضع وجهه وعينيه (للميك آب) الخفيف ويخضع أعضاؤه الداخلية لاستقبال مرطبات مختلفة لتلينها وتطرية تصلباتها وجفافها،واختار الملابس الحريرية الضيقة،واستعار شعراً طويلاً متموجاً لفروة رأسه يميل الى اللون الكستنائي.والسيد نادر له مندوبون متعددون للقيام بدور القوادين ومنهم أسامة،ولهذا الغرض انتشرت فرق في ارجاء المدينة،كل فريق يتزعمه شاب طاغي الوسامة يستخدم وسامته لاصطياد الفتيات اليافعات ويغزل لهن شركاً بكلمات عشق يتدربون عليها من قِبل عاهرة هي عشيقة السيد عندما كان في بداية شبابه،فملَّ من جسدها وروحها معا،فاستحلفته بالايام الخوالي أن لايبعدها عنه،وتعهَّدت بجلب الفتيات لتنشيط مَلَلَهُ إنْ هو أبقاها بِقُربِه ِ.ولكنْ لمّا جاءت مَرَام الى القصر لم يكن يظن أن جمالها سيصعقه فاصطفاها لنفسه وأطلق عليها لقب المذهلة،جاءت مَرام الى حياة السيد بعد عشرات النساء وغدَت أنفاسه التي تمده بالحياة .
من رأى القصر من الخارج تغدو أمنيتة أن يَراهُ من الداخل.وكل سكان الحي كانوا يحلمون بالدخول إليه فكان عيسى الرديني الذي هرب من حي الحفرة / جهنّم هو أول من يدخل الجنة / القصر من سكان الحي ليعمل فيه،تثمينا لجهده من قبل الشيخ نادر بعد أن تطوّع لأنقاذ إبنه البكرمن الغرق.ولأن طارق وأسامه اقرب أصدقائه حرص على أن يُهرّبهم من حي الحفرة / النار لكي يعملوا في القصر/ الجنة  .
طارق:"جئت إلى هنا كي أقوم بمهمة واحدة،فإذا بي أقوم بكل المهام الوضيعة.جئت ليلاً،وغدوت ليلاً.أعلم أني غدوت دنساً،وليس ثمة طهارة تنجيني مما أجد ".  لم يكن تواجد طارق الشخصية الرئيسة / الساردة للاحداث في القصر/الجنّة  إلاّ لكي يُنجز عملا مشينا ً أفنى عمره في ممارسته حتى خسئت روحه : "فالبرك المهجورة تربي البعوض والطحالب ويغدو ماؤها الآسن لايقيم طهارة،ولايدخل في الجوف،هذا ماأُحِسُّ به الآن،هذا الاحساس لم يكُن حاضراً مع بدايات مراهقتي،ونزقي.كانت أفعالي محل نشوة وزهو أسير بهما بين اقراني كما لو كنت ديكا جُلب لعقر جميع الديوك المنتشية بنفش ريشها،والمباهية بعرفها الداكن " . كانت مهمته في القصر أن يخضع لمشيئة الشيخ بأغتصاب أي شخص من ندمائه وحاشيته وبطانته ماأنْ يكتشف منافسته له في اي أمر ما تجاري أو عاطفي أوجنسي .وعملية الاغتصاب يتم تصويرها بحضور الشيخ صورة وصوت لتكون مستمسك إدانة وتسقيط يتم استعماله من قبل الشيخ  للضغط على خَصمِهِ المُغتَصَب فيما لو حاول مرة اخرى أن ينافسه على محظية أو عمل تجاري  :"وأنا اقف أمامه في أول لقاءٍ لم أتصور أنه يحمل سفالة تفوق سفالة وبذاءة قوادين ومحترفين،وقوفي،وارتباكي أمام أفعاله التي يحدثها،جعلاني متخشباً ،متلعثماً لا أعرف ماهي الخطوة التي يجب علي إتقانها معه وعندما وجدني متخشبا جاء صوته آمرا بخلع ملابسي الداخلية " . سنوات طويلة قضاها طارق فاضل مؤدِّباً لخصومه،لاتظهر قيمته لدى سيد القصر إلاّ عندما يحضر لمشاهدة أحد ضحاياه.وحاول قدر مايستطيع أن يستقل بسكن خاص به بعيدا عن القصر مُتّخذا من رعايته لعمته العجوز حجة بكونها أمست وحيدة في البيت بعد وفاة والده ومن ثم مغادرة والدته سنيّة الدار بعد زواجها من أبن خالتها الذي كان عشيقها ايام كانت مراهِقة قبل أن تتزوج من والد طارق .لكنه لم يستطع أن يتحاشى مراقبة سيد القصر له.فكان يعرف عنه كل صغيرة وكبيرة،عبر كامرات مراقبة زرعهاخفية في زوايا وأرجاء بيته الذي اشتراه بعيدا عن قصر السيد.ورغم أن طارق كان لوطيا شهيرا في الحي مذ كان صبيا ًحتى أنّه سمي بالماطور لما يتمتع به من قدرات جنسية إلاّأنه أكتشف قذارته متأخراً داخل القصر،فالحياة خلف اسواره لها مذاق آخر مختلف،خاصة أن كُلَّ المتع: "لاتعود ذات قيمة حين تفقد إرادتك في اختيارها" . فكان جسده سببا ً في الدخول والخروج من وإلى تجربة عصيّة . فعاش مرارة البقاء أو الخروج من دناسة الجسد،  غاصا ً في حياة مستقذرة،وجد نفسه مغموراً في دنسها،فحاول الخروج قبل أن يكون هو الضحية الأخرى، مثلما انتهى اليه صديقه عيسى بعد أن اكتشف الشيخ نادر ــ عبر وشاية جاءته مِن خليلته مرام ــ حقيقة علاقته بأبنته موضي وزواجه منها سرا ً بعد وفاة زوجها الذي كانت قد ارغمت على الزواج منه. ولأن الشيخ يفرض على مخدوميه أن لايخرجوا على قواعده وأن يتحولوا دائما ً إلى خرس ،ومن يتجرأ على الخروج يكون قد كتب على نفسه الخَرَس الفعلي: " فقد ثلاثة من مخدوميه ألسنتهم في حوادث مختلفة قادهم لهذا الخَرس الاجباري خروج حكايات من داخل القصرلم يكن يعرفها إلاّ هُم ".
والشيخ نادر له القدرة ايضاعلى التحكم بسوق الاسهم نتيجة علاقته الوثيقة بالشخصيات المؤثرة فيه،وسوق الاسهم :"المطحنة التي اختارها السيد لسحق عظام واعصاب عيسى،فأوكل لعدنان حسون مهمة تمرير الطعم لجوف عيسى،وأخذ يرقبه،وهو يندفع لداخل المصيدة بصبر وتؤدة" . فكانت الخطة محكمة بالتعاون مع مدير البنك عدنان حسون الذي يودع عيسى أمواله فيه التي جمعها من عمله بالمضاربة في سوق الأسهم،ليخسر بموجب هذه الخطة كل امواله المودعة في البنك فأمسى رجلا مجنونا يهيم عاريا ً في الشوارع قبل أن يطلق عليه السيد نادر رصاصتان ترديانه قتيلا داخل القصر من بعد أرغام صديقه طارق فاضل باغتصابه .
عيسى وأسامة وطارق جمعتهم شقاوة الطفولة الاولى،شقاوة امتزجت بألسِنة قذرة لاتتورع عن سكب كل الشتائم العرجاء،والعمياء على مسامع من يعترضهم أو يشتهون السخرية منه حتى غدا الكثيرون من أهل حارة الحفرة يتحاشون مصاحبتهم أو الاقتراب منهم :"أفرط أهل الحي في نبذنا والابتعاد عنّا، ناعتِينا بالاغصان المعوجّة المشوّكة،فقد خرجنا من آسر ٍصالحة وشذينا عن قاعدتها بأعوجاج لاتجى استقامته " .
وعمّة طارق لم تكن راضية أبدا عن زواج شقيقها من سنيّة حتى أنها كانت تنتهز أية فرصة لإيذاء طارق انتقاما من والدته سنية،لأنها كانت تصف زواج شقيقها من سنيّة بالغلطة التاريخية التي لن تغفرها له : "بسبب طيشه عفرّ سيرة أجداده بهذا الوخم الذي يدعى سنية التي لن تتوانى من إدخال مياه كل الرجال إلى رحمها ."
قصص الحب في هذا العمل الروائي تنتهي معظمها بشكل مأساوي رغم إصرارابطالها على قفز الحواجز بالزواج إلاّأنَّهم لايصلون الى نهاية المضمار،فعلاقة الحب بين تهاني وطارق تنتهي بموتها مقتولة على يد والدها بعد أن يفتضح أمرها. واسامه الذي كان هو الآخريعشق تهاني يظل بقية حياته مُعذبا يبحث عن هويّة الشخص الذي عاشرته تهاني في غرفتها قبل أن يفتضح أمرها من قبل والدها.وعلاقة موضي شقيقة السيد نادر بعيسى تنتهي بمقتله على يد والدها،كذلك لم تنتهي بالزواج العلاقة التي كانت تجمع السيدة شهلا والدة موضي بشاب جميل كانت تحبه قبل زواجها من السيد نادر،ليموت هذا العشيق بعد ايام من موعد لقاءهما الذي تم صدفة  في المستشفى بعد أن اصبح كلاهما في مرحلة الشيخوخة،وعلاقة كمال ابوعيضة بسميرة هي الاخرى تنتهي بموت سميرة.
في هذا النص السردي يبدو فضاء المكان المنشطر(حارة الحفرة /جهنم،والقصر/ الجنة ) وكأنّه فضاء ٌ تترسخ فيه عبودية الانسان لأخيه الانسان ويضيق ذرعاً بطهارة قصص الحب،فالنجاسة مثل شبكة عنكبوت تلتف لتحكم مصائر العشاق،ليصبحوا ضحايا مجذوبين الى هاوية سحيقة تُسحق فيها الروح.فكل شيىء يبدو في هذا المكان بشطريه مُدَّنس بالخطيئة، مُخترِقاً دواخل النفوس وناخرا  الطبقات السفلى منها،فالجلاد والمجلود "يدُسَّان وجهيهما في الفراش بحثاً عن نجاةٍ تبعدهما عن بعضهما،يبحثان عن الافتراق،عن التلاشي ".




















القريبة كاف
للكاتب الجزائري ياسمينة خضرا *
      




               لاعَمى أسوأ مِنْ ألاّ يلاحظ أحدهم وجودك


                                                                                           
الناشر :دار الفارابي
ترجمة :نهلة بيضون 
الطبعة الاولى : 2011



تقنية الغموض
حبكة متواترة ومتوترة وعدد محدود جدا ًمن شخصيات تبدو وكأنها ظلال  نماذج مسرحية لكافكا أويوجين يونسكو أوهارولد بنتر،تتحرك تحت مساقط  ضوء على خشبة مسرح ذي بنية معمارية دائرية،لاتتيح لنا بشكلها هذا أن نراها واضحة،فيكتنف ماضيها غموض وظلال قاتمة،لم يشأ المؤلف أن يكشف شيئا عنه،ولاعن المكان الذي تنزوي فيه.إلاّ أنَّ القارىء يشعر بها وبأعبائها النفسية والوجودية.
تقنية الغموض إستعارها المؤلف من تضادات التعبيرية ومسرح العبث،فلعب على أوتارها،مُجَرِدا ً الشخصيات من أسماءها ودلالاتها،بأستثاء شخصية الأخ الاكبرأمين ـ الضابط في القوات المسلحةـ فبأستثناءه إرتأى المؤلف أن يختار التجريد أسلوبا في تقديم شخصياته،تحيط بهم بيئة صحراوية قاسية غير مؤطرة بخارطة جغرافية معروفة،إنعكست بقساوتها وتجريديتها على تركيبتهم النفسية،فكانت تبدو أمامنا حيوات مأزومة بعلاقتها الوجودية مع ذاتها وعلاقتها مع الآخر.
ينكشف التعارض بين الذات والموضوع ــ الذي هو الوحدة المركزية في الفلسفة الوجودية ــ في شخصية الأخ الأصغر الذي هوالشخصية المحورية /الساردة للاحداث. ومحور أزمته هو أستلاب الآخرين لذاته(الأم،القريبة كاف،الأب المشنوق وماضيه الغامض) وعجزه عن أستعادتها بالتواصل مع ذوات الآخرين .
المُنجَز الشّكل
الكتابة عن المحتوى في هذه الرواية لايشكل أولويَّة ازاء ماتُشكِّلهً تقنية الكتابة من قيمة فنيّة لجأ اليها المؤلف ياسمينة الخضرا. وبذلك يتفق نَهجَهُ مع ماجاء في مقالة ٍعنوانها(التقنية بوصفِها إكتشافا ً) للناقد مارك شورر:"النقد الحديثْ أظهر لنا،بأنَّ الحديثَ عن المُحتوى في حدِّ ذاته ليس حديثا عن الفن أبدا ً،ولكن حديثا ًعن التجربة.وأننا لانتحدث بوصفنا نقادا إلاّ حين نتحدث عن المحتوى المُنجز/الشكل،أي العمل الفني بوصفه عملا فنيا ً،والفرق بين المحتوى أوالتجربة والمحتوى المنجزهو التقنية. إذن فحين نتحدث عن التقنية فإننا نتحدث عن كل شيء تقريبا " . وفق هذا المنظورالنقدي فإنَّ المفردات التقنية الكلاسيكية في البناء السردي (عقدة وشخصية ومحيط وفكرة مركزية) لم يعد ينحصر حضورها في بنية الرواية فقط بل تعدى ذلك الى النص المسرحي.ولم يعد لها تلك الاهمية مقابل تطبيقات أخرى تتعلق بالعلاقات التي ينبغي على المؤلف الأخذ بها وتتضمن :-علاقة المؤلف بالسارد،وعلاقة السارد بالقصة،والطرق التي بواسطتها يوفران مدخلا إلى عقول الشخصيات وأمور تخص وجهة النظر.
السَّارد المُمسرَح
يفتتح المؤلف ياسيمنة خضرا روايته بهذا الأهداء: "الى اصدقائي في جمعية محبي الأدب البوليسي إلى المسافرين المدهشين الذين صادفتهم في الرحلة من سان مالمو إلى دابلن،إلى الأسبوع الزنجي في خيخون،إلى كل اصدقائي ". عتبة الاهداء هنا تعد مدخلاً مهما للقارىء وهو يتهيأ للدخول الى المبنى الجمالي للخطاب السردي في رواية القريبة كاف،بواسطتها منَحَنَا الكاتب إشارة فنية حول تقنية الكتابة بإطار بوليسي،ومن خلال هذا الإطار قصد تقديم سرديته،ومايتبع ذلك من عناصرأخرى شكلت  قيما جوهرية في أسس المعمار الفني ألذي شاءه لهذا العمل كالبِنية والصورة،والاستعارة،والرّمز التي تفرض حضورها في السرد بأعتبارها تقنيات يتم اللجوء إليها لتحقيق موضوعيته بأعتبارها وسائل قوية في تمثيل الوعي .
السارد في رواية القريبة كاف يأتي بناءه ضمن صيغةالسارد المُمَسرح الحامل لصفاتِ شخصية ٍ،كما يسمِّيه الناقد واين بوث حيث يستحوذ لوحده ــ مُهيمنا ً ــ على سرد الأحداث،إنطلاقا من وجهة نظره التي يكشف فيها مايختبىء داخله من أحاسيس ومشاعر تجاه العالم الأجرد الذي يحيط به في قريته( دارة يتيم)وتجاه القريبة كاف التي يعشقها ويكرهها بنفس الوقت لأنها تعرف كيف تستفزَّه وتستهزىء منه،كذلك تجاه والدته التي لاتشعر بوجوده،ومن خلال هذا السارد المُمسرَح الحامل لصفات ِشخصية ٍ،يوصِلُ المؤلف القِيَمَ والافكار الى القارىء:"الزمن يمضي ولاينتظرأحدا ًوكل مراسي العالم لاتستطيع أن تمسك به،لامرفأ يعود إليه،الزمن إنّه مجرد ريح تعبر ولاتعود أدراجها " .
إعتمد ياسمينة على تغيييب السارد المُنتِجَ للرواية مقابل إستحضار شخصيةالسارد الأوحد الذي يحكي لأنَّه يدرك الاحداث،باعتباره الشخصية المحورية التي تدرك وتسرد الاحداث بنفس الوقت من وجهة نظرها  لوحدها.والسارد هوالأخ الأصغر لعائلة مؤلفة من الأم وشقيقه الأكبر أمين وشقيقة متزوجة لاوجود لها في حياة العائلة حتى أن الأخ الأصغر قد نسي أسمها. "وعلى غرار سمك الشَبَق الذي قُبلتُهُ لاتنفصِلُ عن عضَّته"الأخ الأصغرلايحالفه التوفيق في كسب حُبِّ الأخرين،رغم دافع الحب الكبير الذي يحمله لجميع من يرتبط بهم ضمن دائرة العلاقات الأجتماعية لعائلته.
بأستثناء مايحمله الأخ الاكبر من حب له،لكنه هو الآخر سيغيب طويلا بعد أن يُصبح جنرالاً عسكريا مَرموقا.ورغم مثابرته لأجل أن يُعبِّر ويعكس مافي داخله من مشاعر الحب،إلاَّ أنَّ اسلوبه الأخرَق بات سببا في أن يجعل من يرغب في كسب مودَّتهم لايعيرون له أهمية رغم مايبذله من إسراف في بعض الأحيان للتعبيرعن دوافعه،بما في ذلك الشابة الذكية القريبةالنّسب المُدللة كاف،والتي تعدًّه كريها في أريحيته "أخفقتُ في كل المساعي التي بذلتُها لكي أستحقِّها رغم أن مساعيِّ كانت محمودة،لكن مافعلته لم يكن كافيا،إن الخير المصنوع بصورة سيئة هو إساءة لاتُعذر لسببين.لإخفاقها أولا.وللأنتقاص الذي تتماهى معه ثانيا ً،أمّا الشَّرالذي يَنفذُ بجلدِه فهو نجاح خالص،وكل خيرات الأرض لن تبلغ كاحله ".
تَسكُنُ الأخ الاصغر مشاعر مضطربة تتأرجح مابين الغيرة والحسد والاحساس بالدونية والعَدَم،ليسقط أسير حالة نفسية جوهرها العجزعن كسب تفاعل ومحبة الأخرين:"لاأكترث للحاق بالرَّكب،والمضي إلى عَثرات ٍأخرى،لاأعبأ بترقب العودة الخَلاصية لمسيح ما.البشر يضايقونني.الغدوات لاتغريني.خساسات الارض لاتطالني.لاأهتم لحُلم يموت أكثر من أهتمامي بورقة شجرة دلب لطَّخَها الخريف.أبقى خلف مرآتي،حصنا ًمنيعا ً،ألوذ بلحظاتِ وحدتي وأصغي،وهو فضولٌ لايورِّطني في شيء ". .
حياة هاربة
في صباح يوم بعيد عندما كان الأخ الأصغرفي الخامسة من عمره وجد والده مشنوقا ً بطريقة مهينة في زريبة حيوانات البيت وهوعار ٍ من رأسه إلى أخمص قدميه،مفقوء العينين وقضيبه في فمه.هذه الصورة تركت أثرا ً عميقا ًفي داخله،حتى أنه لم يرجع إلى الزريبة مرة ثانية كما كان يفعل للتَّنعم بمشاهدة العجل الصغيرالذي كانت بقرتهم قد ولدَته قبل أيام معدودة من الحدث :"لن أتعلق بعد اليوم بما ليس بوسعي أن أحافظ عليه ". ايضا الأهتمام المُفرط والحميم من جانب والدته بشقيقه الأكبر أمين الضابط في الجيش الجزائري يترك أثرا ً مؤذيا ً لذاته.هذه المؤثرات دفعته لأنْ يتوارى وينعزل "تعلمتُ منذ نعومة اظفاري أن أختبىء.لم أكن خائفا ً،ولاأحدَ كان يلاحقني.أختبىء حالما أتوارى عن ناظري أمي.يتراءى لي،كلما أشاحت ببصرها عني،أنني أختفي،وأكف عن الوجود".
الأم سيدة ثرية تهيمن على كل شيء في قلب دارتها الشبيهة بالحصن "يحني الناس رؤوسهم حين يخاطبونها بل يكادون يخرّون ساجدين أمامها.في البداية كان الأمر يحرجها.ومع الوقت،طاب لها هذا ألاسراف في التبجيل وتملق المتزلفين وطعم الامتيازات،فتنامت لديها متعة ماكرة بالاشراف على عالمها من عل لكي تُحسن تمريغه في الوحل" . لم تنطبع شفتاها يوما على وجنتيِّ ابنها الاصغر،ولامسّدَت أناملها شعره،وبنفس الوقت لم تضربه ولم تحرمه من شيء،يعيشان معا ولكن كل منهما يتجاهل الآخر فكان يشعرُ كما لو أنه وصَل سهوا ً إلى سيركٍ غادره روَّاده . بينما كانت الأم تبتسم على حين غرّة عندما تتكور القريبة كاف في أحضانها أو إبنها الاكبر أمين،فيتوهج وجهها الجامد القسمات،توهجا ً أشبه بهالة من نور.حتى أنّهاالتعاسة كانت تتملكها حين تشعر أن فلذة كبدها الأبن الاكبر لايعير لها اهتماما ولو للحظة.ولم تسمح لأي شخص أن يطأ غرفته عندما يكون غائبا ً،فالغرفة بالنسبة لها أشبه بمعبدٍ،وهو طفلها المدلل الذي لاترتضي لنفسها أبدا ً أن تسرقه منها( أمَل )المرأة الشابة التي إختارها أمين لتكون زوجته فجلبها معه إلى بيت والدته بعد غيبة طويلة في المدينة البعيدة التي يؤدي فيها واجبه العسكري.
 حياة الأخ الاصغر وسط بيئة كهذه كانت تهرب بغباء،يوما بعد يوم،ليلة بعد ليلة،وتستثير رغبته بالرقاد حتى يُقبِلَ الموت،إلاَّ أن َّ قراءة الكتب علمته أنَّ الكتابة تمرين إنهزامي،ومحاولة للهروب إلى الأمام،كان يقرأ كما ينبش المرء حقائق مكروهة ليصل الى قناعة كان سارتر قد سبقه في التوصَّل إليها :"الجحيم هو الآخرون ". لم يكن يعيش حياته،مكتفيا ً بوجوده كأخدود ٍ على دربْ :"فليذهب الزمن الى الجحيم ! حين لاتكون القريبة كاف  هنا،بالكاد تستحق الأمورأن يتلكأ عندها المرء " . تولدت لديه مشاعر غيرة وانتقام من القريبة كاف.الفتاة النّابغة التي تحصد الجوائز في المدرسة،والتي كلما تجيء الى بيتهم تستحوذ على كل الأهتمام،الكل يدور في فلكها،فاأدرَك أن َّالاعمى ليس من لايُبصِر،بل من لانُبصِرهُ،ولاعَمى أسوأ مِن ألاّ يُلاحِظ َأحدهم وجودك.هذه المشاعر الشريرة والحقودة كانت كافية لأن  يتورَّط بدفع القريبة كاف ــ بينما كانت تلهو وتلعب ــ لتسقط في بئر يقع وسط مزرعة قديمة مهجورة،وليعود هو إلى الدار وكأن شيئا ً لم يكن :"لا لأنني لم أدرك ماذا فعلتْ بل لأنني أعتبرتُ فقط أنَّه لاداعي للندم عليه ". يتم العثور عليها في أعماق البئر وقد كُسِرت إحدى ساقيها وجحظت عيناها رعبا ً.وباتت الظلمة ترعبها وتمضي وقتها تُنقََلُ من عيادة إلى مصحة عقلية.ولم يُخامر الشك أحدا ً بان ألأخ الاصغر هو من قام بتلك الفعلة  . وفيما بعد ستدفعه المشاعر نفسها لأن يقتل فتاة غريبة بائسةٍ،يقذف بها سائق تاكسي من سيارته،ويغادر مسرعا لتكون أمام قدرها المحتوم  في بقعة موحشة سكانها يكرهون الغرباء،ولامِن سيارة أجرة تعيدها الى بيتها في ساعة الغروب،فأهل القرية يعتقدون أن السَّفر في الليل يجلب الشؤم،لذا يتوجب عليها التريث حتى الصباح،وماكان أمامها سوى قبول دعوته لها للمبيت في دارهم.
ولأنه سجين نفسه،وفي آن واحد سجينٌ وسجانْ،يقبع طيلة حياته في جزيرة عنوانها الانتظار،جزيرة أقصيت من حولها ألآفاق.فيشعر وكأنه يتعفَّن في مأوى للعجزة.فجأة تندفع مشاعر بغض وكره تراكمت في ذاته نتيجة  تجاهُل ٍ كان قد لقيه من الأم والقريبة كاف،تنفجر دفعة واحدة عندما يجد أن الفتاة الغريبة هي الأخرى مثل القريبة كاف تنتقص منه وتعامله بتجاهل فلاتطلب منه أي شيء :"مامعنى أن لاتطلبي مني شيئا ينقصك،مالعيب في أن يرغب المرء بإسداء خدمة،أو بمدِّ يدِ العون،أو التصرف بأريحية ؟ " .فتهرع يدهُ من تلقاء نفسها لتتناول سكينا ً وتبدأ بطعن الفتاة،ولم تفلح الدماء التي لطخت ثيابه والجدران من أن تجعله يصحو من سكرة اندفاعه المحموم،ولاحتى الصمت الذي أعقب الطعنات المتلاحقة،ظل مستسلما لشعور فادح ٍ ماأنفك يلازمه على أنَّ وجوده عدم،وأنْ لاأهمية له طالما الاخرون ليسوا بحاجة إليه :"في أعماق محنتي،أنني ماكنتُ لأغير شيئا حتى لو شئت ذلك حقا "

*ياسمينة خضرا هو أسم زوجة الكاتب الجزائري محمد مولسهول، إستعاره ليكون إسما فنيا ً يطل من خلاله الى العالم .











تلك العتمة الباهرة 
للكاتب المغربي :الطاهر بن جلون     
    




 تقنية السيرة الذاتية،أداة لتعميق الاحساس بواقعية الاحداث
                                                                    
                                                              



ترجمة: بسام الحجار
دار النشر: الساقي   
                                    
 




عتبة المدخل                                                   
"احداث هذه الرواية واقعية..مستلهمة من شهادة أحد معتقلي سجن تزمامارت.إنَّهُ عزيز،وإليهِ أهدي هذا العمل الروائي،وأهديه ايضا إلى صغيره رضا،نور حياته الثالثة".
بهذا التمهيد الذي كتب بلغة واضحة،قصد المؤلف الطاهر بن جلون من خلالها أن يخاطب القارىء بشكل مباشر قبل الدخول في عالم مخطوطته السردية المعنونة(تلك العتمة الباهرة)والتي استند في بناءها على وقائع حقيقية،كما اشار الى ذلك،فكان الهدف من عتبة التمهيد أن:يضع القارىء أمام حقائق واقعية تعامل معها مخياله السردي في هذه الرواية،من اجل أن يكون خطابه الفني غير بعيد عن الأمانة في كشف ماتعرض له الانسان من قمع وقهرعلى يد الاجهزة الامنية المغربية،خلال فترة زمنية محددة داخل أحداث الرواية.
ولأجل أن يوظف جلّون مخياله السردي لتعميق واقعية الاحداث الواقعية،تموضعَ ــ تقنيّا ــ خلف ضمير المتكلم/بصيغة الماضي،الذي جسدته شخصية(سليم)الملازم في جيش المملكة، والذي يعمل والده موظفا في القصر الملكي بصفة مهرج للملك وصديقا مقرباً منه،يسليه بنكاته التي يلقيها على مسامعه.وكان هاجس الوالد/المهرج،كما يقول ابنه سليم أن:"يخدم الملك،أن يلبث عند قدميه رهَن إشارته،ألاّ يغمض عينيه قبله،أن يسرد له القصص،يضحكه حين يكون قانطاً،أن يعثر على العبارات الملائمة،وأن يضع لكل مقام مقاله،أن يرضى بألاّ تكون له حياة خاصة به..وأن يكون على الدوام طوع مزاجه،وقبل كل شيء ألا يفقد أبداً حس الدعابة ".
المتن الحكائي
الملازم سليم/الشخصية الساردة للأحداث،يتم اعتقاله مع 22 عسكريا من رفاقه،على إثر محاولة انقلابية فاشلة كانوا قد تورطوا بالمشاركة بها دون أن يعلموا بذلك ! في ليلة العاشر من شهر تموز عام 1971 بعد مهاجتمهم للقصر الملكي،ليتم زجهم في سجن تزممارات الصحرواي عقوبة لهم.
سليم:" منذ ليلة العاشر من شهر تموز 1971 توقفت سنوات عمري.لم اتقدم في السن،ولم اجدد صباي.من يومها فقدت سنّي،فلم يعد باديا على محياي،والواقع أني ماعدت هناك لكي امنح عمري وجها،إذ وقفتُ ناحية العدم،هناك حيث لاوجود للزمن ".
سليم مع بقية زملائه العسكرييين المعتقلين،لم يكونوا على علمٍ بطبيعة الهدف من الواجب العسكري الذي أمرهم بالتحرك نحو القصر الملكي،فالمسألة بالنسبة لهم لاتخرج عن كونها استجابة لسياقات ضبطٍ عسكري يفرض عليهم تنفيذ أي أمر يتلقونه من سلطة أعلى رتبة منهم،ولن يكون لهم أي حق لمعرفة الاسباب الموجبة لهذا الأمر.ورغم عدم معرفتهم بحقية الهدف من واجب التحرك نحو القصر الملكي،إلاّ أن هذا لم يشفع لهم،ولم يخفف العقوبة عنهم.حتى أن والد سليم،لم يتردد في أنْ يتبرأ منه أمام الملك. 
سليم:"لم يكن لنا رأي.كنّا مجرد جنود،بيادق رتباء لاتخولهم رتبهم أن يمسكوا بزمام المبادرة".
(ستة آلاف وستمئة وثلاثة وستين يوما)قضاها سليم مع زملائه في معتقل تزمامارت الصحراوي ،أي مايعادل(18)عشر عاما من عمره، معزولا فيها عن الحياة الأنسانية بشكل تام ،قبل أن يطلق سراحه،في 29 تشرين الأول 1991،مع آخر ثلاثة معتقلين بقوا معه على قيد الحياة،بعد أن سقط خلال هذه المدة الطويلة(19)معتقلا من زملائه ال(23)الذين كانوا معه. وكان كل واحد منهم قد غادر الحياة بطريقة مآساوية تختلف عن الاخر.
سليم:"معظم الذين قضوا،لم يقظوا جوعا بل حقدا.فالحقد يضعف،إنه يتآكل الجسم من الداخل، ويصيب جهاز المناعة.فعندما يقيم الحقد في دواخلنا ينتهي الأمر بأن يسحقنا".
جميع النهايات التي انتهى اليها المعتقلون،كشف المؤلف من خلالها عن بؤس الوضع اللانساني الذي كان يعيشه السجناء،وهم يقبعون في ظلمة زنزانات انفرادية ضيقة مغلقة،تخلوا من أية نافذة،سوى فتحة صغيرة جدا معلقة في منتصف السقف،تتيح لهم التنفس فقط من غير أن تسمح لهم حتى رؤية السماء،فيها تسرح العقارب والصراصير،والزنزانة لايتجاوز طولها 3 امتار وارتفاعها متر ونصف المتر،تفوح منها رائحة الفضلات التي تطرحها اجسادهم،ولاتتوفر على أدنى الشروط الانسانية التي تصون كرامة الانسان وآدميته.فكان وجودهم في تلك الحفرة بمثابة موت بطيء جدا .
سليم :" آه من البطء ! أول اعدائنا،ذاك الذي كان يغلف جلودنا المقرَّحة فلايلتئم الجرح الفاغر إلا بعد وقت طويل،ذلك البطء الذي كان يجعل قلوبنا خافقة على الايقاع العذب للموت القليل ،كأنَّ علينا أن ننطفىء كشمعة مضاءة بعيدا منّا،وتذوب بعذوبة الرغد ".
وبسبب العتمة الدائمة التي كانت تغلف المكان انعدم الاحساس لدى المعتقلين بجريان الزمن. سليم:"ماكان الليل يهبط،كما يقال،بل كان هناك،مكتنفا طوال الوقت..كانت صورنا ظلالاً متنقلة في العتمة،بعضها بالبعض،أو يعثرُ بكرّار الماء أو يطيح بكسرة الخبز اليابس التي يحتفظ بها البعض اتقاء لتشنجات المعدة ".
ازاء هذه المحنة التي وقع فيها سليم،بات عليه أن يكتشف ماينبغي عليه أن يفعله،كان عليه أن يلبث واقفا،أن لاتمس كرامته من الداخل،وبنفس الوقت أن لايدين من يضعف ويتخلى عن الصراع،لينتهي بهم الامر الى الانهيار تحت وطأة التعذيب،وقد استمد عزيمته من أمه.
سليم:"أمي التي طالما رأيتها تقاتل،لكي تربِّينا،أنا وأخوتي وأخواتي،ولم ينل منها القنوط يوما، كانت أمي قد فقدت كل أمل في أبي المُقبل على العيش،الأناني حتى الأذيَّة،الغندور الذي نسي أنه رب اسرةٍ،وراح ينفق كل ماله على الخياطين الذين يفصلون له جلبابه من حرير كل اسبوع .لكي يتبختر في قصر أسرة الباشا.وفي هذه الاثناء كانت امي تشقى طوال الاسبوع".
تقنية الايهام بالواقع
جمالية الخيار التقني الذي إستعاره جلّون من آلية بناء خطاب السيرة الذاتية يأتي من كونه يذهب بعيدا في تعميق الاحساس بواقعية الاحداث المروية عبر لسان الرواي/الشخصية الرئيسة.الذي أخذ يستعيد تلك التفاصيل والاسماء بعد مضي خمسة اشهرعلى خروجه من رحلة شاقة  نالت منه كثيرا،ليبدو وكأنه "عجوز ضامر قد رأى النور لتوّه" .
فالبحث عن الادوات التقنية التي اقتضى حضورها في بنية الرواية يعني التوصل الى ماقصده المؤلف عندما اختار أن يخفي وجهة نظره خلف ـــ الملازم سليم ــ الشخصية الرئيسة،من أجل أن يكشف ويعري الحياة الذهنية لذات الشخصية المحورية عن طريق الايهام الكثيف بالواقع. ومن خلالها أيضا يتم تقديم رؤية موضوعية عن 23 معتقلا كل واحد منهم يقبع في زنزانة انفرادية هي بمثابة ثقب محفور في الارض لقضاء الحاجة.لم يعد اي واحد منهم بحاجة الى اسمه،فقد كان محظورا عليهم أن ينادوا على بعضهم البعض بأسمائهم.وما عادوا ايضا بحاجة إلى ماضي شخصي يتذكرونه،ولا إلى مستقبلٍ ينتظرونه،فقد كان الهدف من نفيهم في هذا المكان هو تجريدهم من كل شيء.فالتذكر هو الموت.وماكانت ادارة السجن تريد لهم أن يموتوا،فمن يستدع ذكرياته يمت تواً،كأنه يبتلع قرص سم، كما أدرك ذلك سليم بعد مضي فترة طويلة من الاعتقال .
سليم:"كان المُعتقل حميد الذي يحمل الرقم (12)أول من فقد عقله،وسرعان ماأصبح لامبالياً،احرق المراحل،دخل سُرداق الألم الكبير تاركا رأسه،أو ماتبقى منه عند باب المعسكر. وزعم البعض أنه رآه يوميء وكأنه يخلع رأسه ثم ينحني ليطمره بين صخرتين.دخل طليقاً، لاشيء يمسَّه،يحادث نفسه بلا انقطاع.وإذا كان رقم(12)قد فقد عقله من اللحظة الاولى، فالآخرين فقدوا حياتهم واحدا تلو الآخر  بسبب ما كابدوه من صنوف التعذيب " .
أسعد اللحظات التي يعيشها السجناء"عندما يستحيل الموت شعاع شمس بهية"تلك التي كانت تحمل في داخلها نقيضها،وذلك عندما كانت إدارة السجن تسمح لهم بالخروج من زنزاناتهم لدفن احد المعتقلين بعد أن يلفظ انفاسه.
سليم:"كنا سعداء،فقد شهدنا ضياء السماء..كانت أجفاننا ترف،وجعل بعضنا يبكي..طوال ساعة أو أقل أبقيت عيني مفتوحتين وفمي فاغراً لكي اتجرع ماأمكن من الضوء لكي اتنشق الضياء، وأختزنه في داخلي واحفظه ملاذاً لي،فأستذكره كلما أطبقت العتمة ثقيلة فوق جفني،ابقيت جذعي عاريا لكي يتشبع جلدي بالضوء ويختزنه كأثمن مايقتنى ".













إكتشَافُ الشَّهْوَة  ..
رواية للكاتبة الجزائرية فضيلة فاروق

         




               تَشابُك أزمِنة السَّرد مَابين المُتَخيَّل والواقع








باني الشخصية الرئيسة تعمل كاتبة روائية تتمتع برصيد من الخيال يعينها على أن تنجح في مشوارها الادبي الذي توّجته بثلاث روايات قبل أن تصبح امرأة بلا ذاكرة على اثر انهيار دارهم مع عديد من الدور في مدينة قسنطينة الجزائرية نتيجة الفيضانات.ممايستدعي بقائها في مستشفى للأمراض العقلية مدة عام كامل لغرض العلاج،بعد إن فقدت ذاكرتها تماما وحلت محلها ذاكرة اخرى صنعتها مخيلتها، لاصلة لها بذاكرتها الشخصية: " ذاكرة وهمية عبثت بمشاعري،وزيّفت وقائع الحب كلها بوقائع أخرى أكثر هشاشة وكذبا " .
تماهي الواقع والمتخيَّل
قبل أن تفقد ـ باني ـ ذاكرتها تزوجت من مهدي عجّاني،الذي يحمل شهادة جامعية في الهندسة،ولأن لامستقبل للمهندسين في الجزائر،يضطرالى أن يتطوع في قوات الشرطة السرية،فالمرتَّب جيد اضافة الى الامتيازات،لكن حياتهما الزوجية كانت على وشك ان تنتهي بالطلاق قبل أن يقتل مهدي برصاصتين في القلب من قبل قوى الارهاب اثناء مشاركته بإحدى الواجبات.
بعد أن تقلّمت ذاكرتها تخسر كل ماكانت تختزنه فيها من صور ومعارف ومشاعر، وماعادت تعرف:من هي،ماذا تكون،ماذا تعمل،ماذا تريد،أين كانت،مع من كانت، مع زوجها مهدي عجّاني،أم مع عشيقها المفترض إيس الذي تخيلته في روايتها،أم مع توفيق صديق الطفولة وصديق زوجها مهدي الذي يكتشف متأخراً رسالة كتبها توفيق يكشف فيها حقيقة مشاعره تجاه باني قبل أن يموت بأسبوعين عام 2000 على يد قوى الارهاب في رأس القنطرة وكانت باني معه لكن الرصاص لم يصبها .
اسئلة كثيرة باتت تفرض نفسها عليها وليس من إجابة واضحة تؤكد لها:أين هي مِن هذه العلاقات،ماهو الحقيقي منها،ماهو المتخيل فيها،من هي الشخصيات الواقعية،ماعلاقتها بالشخصيات المتخيلة في الرواية التي كتبتها،هل من صلة لهذه الشخصيات المتخيلة بواقع عرفته أو عاشته،هل القُبلة التي تستدعيها ذاكرتها والتي تلقتها في باريس ــ التي لم تزرها ــ مِن إيس احدى شخصيات الرواية التي كتبتها،هل هي حقيقة أم خيال،مع أن طعمها مازال باق على شفتيها ؟ 
اختلاطات الواقع بالمتخيل لدى باني نتيجة فقدانها الذاكرة،والذي يترافق مع مسار بحثها عن الحقيقة بات يفرض عليها لعبة مؤلمة جعلت الحقيقة تتأرجح فيها مابين الظهور والاختفاء،هذا المسار السردي في بنية الحكاية يضع باني مع القارىء في نفس الوقت،في حالة من الضياع،وهما يبحثان سوية بين الظلمة والضوء بين الماضي والحاضر بين المكتوب المتخيل والواقع المعاش عن لملمة خيوط الحقيقة، فالقارىء يسير مع باني بنفس الخطوات عندما تعيش في واقع متخيل،أي عندما تكون في حالة انفصام تام عن شخصيتها وعن الواقع.
باني لمْ يكن مِن سبيل أمامها وهي تعيش هذا التمزق الذهني والنفسي إلاّ أن تبدأ خلال فترة بقائها في المستشفى،بكتابة رواية تعتمد فيها على مخيلة جديدة منحتها ذاكرتها الجديدة،رواية تدور جميع احداثها في باريس،مع أنها لم تزر باريس ابداً،والمفارقة التي تتفاجأ بها باني،بعد أنْ تستعيد شيئا من ذاكرتها،حينما تجد أنّ معظم الشخصيات التي خلقتهم مخيلتها الروائية،هُم شخصيات حقيقية،لها حضورها في الواقع،وأن مصير معظم تلك الشخصيات قد انتهى بنهايات مأساوية.
أزمنة السرد
المؤلفة فضيلة فاروق جعلت من باني الشخصية الرئيسة في روايتهاالمعنونة "اكتشاف الشهوة " تعنون هي الأخرى روايتها التي تكتبها بعد فقدانها للذاكرة " اكتشاف الشهوة ". بذلك يتماهى ويتداخل الواقع بالمتخيل عبر هذا التطابق في عتبة العنوان .
البنية السردية عندما تأتي بهذا الشكل المتداخل مابين النصَّين ــ بما تحمله من مهارة في نسج خيوط الاحداث مابين عالمين لدى فضيلة فاروق ــ تبدو لنا جزءاً من سعي المؤلفة فضيلة فاروق الحثيث لخلق تداخل كثيف يجمع الواقع بالمتخيل،الى الحد الذي يبدو من الصعوبة بمكان التمييز أو الفصل أو فكّ الاشتباك والتشابك بينهما سواء لدى باني أو القارىء،وبنفس الوقت يشكل هذا التداخل جزءاً جوهريا من تركيبة باني ذاتها كما رسمتها المؤلفة .
من خلال الرواية التي تكتبها وهي في حالة فقدان للذاكرة تحاول باني أن تستعيد الحقيقة مستعينة بالتخييل،وذلك من خلال  الركون إلى المخيلة في انتاج شبكة متخيلة من العلاقات تلجأ في سردها إلى تقانة سيرذاتية مستخدمة ضمير المتكلم بصيغة الماضي،في الوقت ذاته الذي تكون فيه باني هي الشخصية الساردة في رواية فضيلة فاروق تعكس من خلالها وجهة نظرها،مستثمرة هي أيضا ضمير المتكلم بصيغة الماضي.من هنا يبدو لنا الشكل الفني الذي انشأته فضيلة فاروق وهي تهيكل بنيتها السردية لجمع وفصل خطوط السرد مابين الرواية والرواية التي في داخل الرواية وهذا الخيار الفني يبدو كما لوأنه مجموعة دوائر تتداخل مع بعضها البعض بالشكل الذي يصعب فك الارتباط بينها .
البنية السردية بهذه الصورةجاءت مبنية على شكل ثلاثة مستويات سردية تتحرك بين ثلاثة ازمنة مختلفة،إختارت فضيلة فاروق أن تضع القارىء في نفس الموقف الذهني المشوَّش والمُرتبك الذي أصبحت عليه باني الشخصية المحورية لروايتها هي وليست شخصية رواية باني التي كتبتها بعد أن  فقدت الذاكرة، ليصبح موقف القارىء مشابها لموقف باني الذي لم تعد فيه قادرة على فك الاشتباك مابين حقيقة العلاقات التي عاشتها قبل الحادث الذي تسبب في فقدانها للذاكرة والعلاقات المتخيلة في رواياتها التي عكفت على كتابتها اثناء فترة علاجها.
إذن نحن هنا أمام تجربة إبداعية لفضيلة فاروق تستعين تقاناتها البنائية من تجارب ماوراء الحداثة عندما وضعتنا في إطار بنية الرواية داخل الرواية،لنقف فيها أمام مؤلفتين ونصّين،يحملان نفس العنوان،ودلالة عتبة عنوان النص الروائي الاول، تكشفها عتبة المتن في النص الروائي الثاني/ الضمني .
فضيلة فاروق في تجربتها هذه تقصي صوتها السارد خلف قناع  ـ باني ـ  الشخصية الرئيسة،بنفس الوقت تختار أنْ تضعها في شخصية المؤلفة الضمنية في الرواية الثانية الداخلية،تتولى ــ باني ــ هذا الدور بعد أن تؤسس المؤلفة فضيلة فاروق ستراتيجية الشخصية الساردة وفق بنية فنية تبدو فيها منشطرة مابين ثلاثة ازمنة :
الزمن الأول:ماضي يأتي ويذهب دون أن تتمكن من الإمساك به..الثاني: يتشكل من حاضر لاتعرف عنه شيئا..الثالث:مُتَخيَّل يشكل بديلا عن الماضي المشطوب، والحاضر المقطوع بكل صلاته الانسانية ليصبح بالنتيجة ذاكرتها الجديدة،أوحقيقتها التي تبحث عنها وتسعى للوصول اليها..هنا يكون القارىء أمام تركيبة فنية مشدودة الى أكثر من مستوى ليس من السهل الفصل بين عناصرها،حتى ليبدو هو نفسه جزءا من لعبة خفية أتقنت المؤلفة فضيلة فاروق في نسجها بمهارة من غير أن يشعر القارىء بانزلاقه اليها،وكما يبدو أرادت أن تبقيه متأرجحا في إطار لعبتها السردية مابين الازمنة الثلاثة دون أن تمنحه فرصة أنْ يستيقظ ليخرج منها كما هي الشخصية الرئيسة . 
بذلك ليس من السهل على القارىء فرز خيوط اللعبة الفنية المحاكة :" في الليل لا أنام،أفرد أوراقي وأكتب مأسميه رواية،وبطبيعة الحال،لم أكن اعرف أي نوع من الرواية أكتب،هل أكتب نفسي،أم أكتب الآخرين،ثم أروي قصة لنفسي لأتسلى " .
تبقى فضيلة فاروق ممسكة بتشابكات الازمنة في روايتها التي تقع في 142 صفحة من غير أن يدرك القارىء حقيقة هذا التشابك الى مابعد الصفحة 102 عندها تضع القارىء والشخصية الرئيسة ـ معاً ــ أمام لحظة سردية تتكشف فيها الخطوط الفاصلة مابين الماضي والحاضر،الحقيقة والخيال.وهي بذلك نجحت في أن تمسك بوحدات البناء الاسلوبية حتى السطور الاخيرة  من الرواية من غير أن تنفرط منها. تستيقظ باني لتجد نفسها ممددة على سرير في مستشفى: "حين فتحتُ عيني،وجدتُّ بياضا يحيط بي من كل جانب،وجدرانا تختلف عن جدران بيتنا في شوفالييه.ورائحة أعرفها تماما،حاولت أن أقوم فلم استطع،قدماي ترفضان الحركة تماما،ورأسي ثقيل ... ثقيل ... ثقيل جدا.الرجل الذي أمامي لاأعرفه،رجل طويل نوعا ما،بعينين خضراويين،تبدوان أقل خضرة وراء نظارتين بزجاج يكاد يكون ملونا ً،سمرته خفيفة،ابتسامته بدون شك أراها لأول مرة ..لكنه يرتدي مئزرا أبيض ! 
-         انك في حالة جيدة
كان يتحدث عن شيء لم أفهمه :
-         هل حدث شيء البارحة ؟
-         لا ليس البارحة .
-         انني اراقب حالتك منذ أكثر من سنة ... " .
في هذه الرواية تتصدر المرأة ــ المثقفة ــ واجهة الشخصيات باعتبارها ذاتاً انسانية ضائعة تحاول أن تجد صورتها الحقيقية ــ مستعينة بمخيلتها ــ ضد واقع يتسم بالقسوة والاحتقار في نظرته وتعامله مع المرأة،ولافرق لديه سواء كانت المرأة متعلمة كما هي شخصية باني،أو غير متعلمة كما هي شاهي شقيقتها.
باني:" لم يحاول أن يوجِّهني . لم يحاول أن يفهم شيئاً من لغة جسدي،أنهى العملية في دقائق،ورمى بدم عذريتي مع ورق الكلينكس في الزبالة . عجزت عن الحركة بعد تلك الغارة . ماأخترقني لم يكن عضوه،كان اغتيالا لكبريائي،وفيما أشعل سيجارة انتصاره ليتمم بها متعته،قمت منكسرة نحو الحمام . غسلت جرحي وبكيت،لم أحلم تلك الليلة . فاتني قطار الأحلام،وتركني واقفة على محطة مقفرة تنعق فيها غربان الخيبة ".
هنا يبدو المجتمع بقواه التقليدية المهيمنة ــ ممثلة بشخصية الياس شقيق باني وزوجها مود في الرواية التي تكتبها ــ مصراً على أن يتعامل مع المرأة باعتبارها كائن تافه. باني:"جريمة والدي،إنه يحتسب والدتي كائن تافه،ولقد اقتنَعتْ هي بذلك، حتى اصبَحتْ أحياناً تَستَتْفِهُ نفسها أمَامنا كردة فعل طبيعية لئلا يَستَتْفِهُهَا أحدْ ".




   مولانا * 
للكاتب المصري ابراهيم عيسى

               


          تَعَالق السُّخرية في بِنيَة السّرد



اصدار دار بلو مزبري - مؤسسة قطر للنشر
الطبعة الثانية                                                                                                     



ستراتيجية النص
لم يذهب ابراهيم عيسى في بناء سرديته الروائية(مولانا )الى حدود التجريب بل انطلق من ثوابت نسقية سائدة في فضاءات الكتابة الروائية ولم يبتعدعنها،ودفع بنصه في حدود التماسك والنمو العضوي ضمن جماليات الايهام الواقعي، دون أن يقترب من سلطة وأمكانات التحطيم والتفتيت الفني التي أطلقتها تجارب روائية جاءت بها الحداثة ومابعد الحداثة،وهذا يعود الى ميل الكاتب نحو بناء عمل روائي يستجيب أولا وآخراً الى الإجابة ــ عبر السرد الروائي ــ على الكثير من الاسئلة التي بات يطرحها جدل الواقع في المنطقة العربية والاسلامية،بعد أن بدأت تتأكل المظاهرالمَدنيّة أمام غزو الافكار الدينية المتطرفة،لذا حاول أن يضبط بناءه الفني وفق إجراءات واقعية،مَركزُها،تعالق الخطاب السردي مع مقولات الجدل،بقصد مُحاججة وكشف هشاشة المنطق القائم على تقديس الماضي بكل التباساته،حتى لو جاءعمله الروائي على حساب تراجع ٍفي تركيبة الملفوظ السردي ومغادرته ِعتبة التعقيد والتفرُّد نحو بنية فنية مكشوفة لاتحتاج الى جهد تأملي في تفكيك شفراتها،إلى جانب ذلك تعامل عيسى مع الزمن حكائيا ً وسرديا ً( إستباقيا ً واسترجاعيا ً)وفق مايقتضيه البناء السردي في إدارة مسار الاحداث والتحكم بايقاع اندفاعاتها ونموها بالشكل الذي يعطي مساحة كافية ومريحة لنمو العلاقات الانسانية وتطورها بين الشخصيات،على اعتبارأن الزمن هو الاطارالذي تتحرك وفق مؤشراته وتواريخه،الاحداث والشخصيات،في بنية محسوبة علاماتها،لايمكن تجاوزها،خاصة عندما يكون العمل السردي قائما على مجريات واقعية كما هو الحال في رواية مولانا .                            
ازدواجية الشخصية
شخصية حاتم الشناوي كما رسمها عيسى في روايته (مولانا) نموذج لداعية إسلامي،صورتُه هي الأقرب شبها بنجوم التلفزيون والسينما وكرة القدم من رجل الدين،فهو:"عالمٌ وتاجرُعِلمٍ،مُجتهدٌ ومُقلد،ولم يَسمح لأحدهما بالفوزعلى الثاني خوفاً على الرزق وارتزاقاً من هذا الخوف،إنَّه فعلا ًمولانا،فالمولى يصح أن يكون الولي الإمام،وقد يكون كذلك مولى لأحدهم تحت رعايته وفي كنفه."
وبفعل الشهرة التي حظي بهاهؤلاء المشايخ والدعاة من خلال البرامج التلفزيونية التي يظهرون فيها في العديد من محطات البث الفضائي باتت برامجهم تدرُّ أرباحاً هائلة للمحطات التلفزيونية بسبب كم الاعلانات التي تعرض أثناء فترة بثها لذلك إرتفعت اجورهم لتصل الى ملايين الجنيهات المصرية.
الشناوي :"أنا شخصيا كِسِبتْ من الدِّين فلوس أكثر من الذي كسبها الخلفاء الراشدون والبخاري ومسلم وابن كثير وابن الأثير والقرطبي والزمخشري . "
والشناوي كما رسمه عيسى شخصية إشكالية تعيش صراعا داخليا عميقا ًمبعثه الأيمان العميق بفكرالمعتزلة الذين كانوا قد أعلوا من سلطة العقل أمام سلطةالنص المقدس دون أن يتجرَّأ على البوح بإيمانه هذا أمام جمهوره الواسع الذي إعتاد أن يخاطبه، بمنطق آخر،يتعارض تماما مع مايؤمن به في داخله،وهذا يعكس طبيعة الخوف والارهاب الذي أمسى يتلبَّس المجتمع العربي والاسلامي،نتيجة عهود طويلة من التخلف والقمع ومصادرة الحريات،أفرزتهاأنظمة دكتاتورية بوليسية،حتى وصل الحال إلى أن المجتمع نفسه بات يفرض الخوف على نفسه بنفسه،وبنفس الوقت يفرضه أيضا ًعلى رجال الدين ممن يشمُّ فيهم رائحة ترجيح ٍلسلطة العقل على سلطة النص . إضافة الى ذلك فالشناوي كان يعاني من  إحساس جارح عميق اضطرم في داخله لمّا فقد ولده الوحيد عُمَر ذاكرته بعد أن تعرَّض للغَرَق أثناء ممارسته للسباحة،فغادر البيت والبرامج التلفزيونية لمدة 22 يوما " مُتَّجِها |إلى مَسجد الحسين والسيدة زينب والرفاعي والسلطان حسن ومساجد أخرى، ينظف المراحيض ويمسحها ويزيل القذارة الناشفة في أركان الحمامات ويجلس على الارض المبلولة ويرفع الجرادل ويحمل المكانس والمسَّاحات وقطع الخيش على كتفيه متنقلا من مراحيض الى اخرى،أشعث، أغبر،مطلق اللحية،سائب الشعر،ممزق الثياب،حافي القدمين،مُحمَرالعينين،مرهق البدن"، وقد فعل كل هذا من أجل أن يكسرغروره ويضرب غضبه ويلجم ألمَه ويعاقب ضعفه. ثم تجيئه الطعنة الاعمق على غير مايتوقع،عندما تعترف له زوجته الحَاجَّة أُميمة بأقامتها لعلاقة جنسية مع الدكتورعادل الذي كان يعالج ابنهما عُمر،معللة ذلك الانحراف،نتيجة ماكان قد أصابها من شعور بالضعف والاهمال :" كنتُ ضعيفة وهشة ومفتقدة راجلي .. الدكتورعادل أستاذ المخ والاعصاب الذي كان يعالج عمر ويتابعه كان ودوداً معي وتقرّب مني،رجل في الخمسينات ومتزوج لكن حسَّسني أن هناك شخصاً مهتما ًبي، في يوم،في عيادته ،أخذني في حضنه واستسلمت،بعدها كرهت نفسي، وانهرت وحسِّيت أن ربنا سيعاقبني ويأخذ مني أبني ".
بلاشك أن بناء هذه  اللوحة الانسانية بتركيبتها ومستوياتها المعقدة في بعدها الاجتماعي والديني الشاخص عبر شخصية الشناوي جاء وفق رؤية أرادها عيسى ــ وعلى أساسها بنى مخطوطته السردية ــ  لتحمل في مقصدها وبعدها الفكري تهشيم الصورة المثالية (لنموذج ) يكتسب حضوره الصَّنمي الثقيل والمهيمن في الواقع الاجتماعي .
والمفارقة هنا،أنَّ جمهورهؤلاءالدعاة يُتابعهم ويتبعهم "دونما تفكير وتحليل وتصويب،فمعظم هذا الجمهورلايفقه الكثير مما يسمعه من أمور الدين،وتراهم يحفظونها كمن يحفظ كتالوج الثلاجة أوالتلفزيون بكل ارشاداته وتعليماته وخطوات التشغيل وطرق الصيانة والمشاكل الفنية والعيوب المحتملة " .
خيوط الحكاية
الحضورالمؤثر للرواية يبدأ بالتشكّل في اللحظة التي يتم فيها دعوة الشيخ حاتم الشناوي من قبل نجل رئيس الجمهورية وزوجته الشابة مُستنجدين به لمساعدتهم في الخروج من مصيبة بدأوا يستشعرون بها وهي تحيط بهم بعد أن بدأت تظهر علامات تحوّل ٍنحو الديانة المسيحية على(حسن) الشاب المتخرج من الجامعة الاميركية،شقيق زوجة أبن الرئيس،فكانت مهمة الشناوي أن يعيد حَسن الى جادة الصواب قبل أن يفتضح الامر في البلد فكانت هذه المهمة السرية من أشقِّ المهمات التي واجهت الشيخ الشناوي رغم مايمتلكه من عِلم وذكاء وسرعة بديهة،فأدرك الشناوي خطورة المسؤولية التي وضع فيها،ومن الممكن أن تطيح به وبسمعته ومكانته من قبل السُلطة بكل سهولة ٍفيما لو فشل فيها،ولن تشفع له حينذاك مكانته الدينية ولانجوميته التي حولته إلى رمز لجيل ٍ من الدعاة النجوم .
(حَسَن )وجد نفسه "بين تمرد ٍعلى أهله،بما يمثلونه من جبروت ونفوذ،وعلى دينه،الذي لايعرفهُ ويحمِّله مشكلة فراغه وأكتئابه وفساد قومه " وهذا مادفعه إلى أن يسقط في أحضان جماعة اسلامية متطرفة تمكنت من تجنيده بعد أن دخل وتفاعل مع عدد من المواقع الالكترونية الاسلامية التي تتخذ من الانترنت وسيلة لكسب الشباب الصغار الى جانبها فيما تدعو إليه من أفكار تهدف لأسلمة المجتمع مُتّخِذة العنف وسيلة أساسية لتحقيق ماتصبواليه من اهداف،وتمكنت تلك الجماعة من أن تُجنَّد حسن لمصلحتها ،ليكون بالتالي عنصراً انتحاريا جاهزا ًلتنفيذ مايطلب منه بعد أن نجح في إيهام عائلته بأنه جاد فعلا ً في سعيه للتحول الى الديانة المسيحية،وليتمكن في نهاية المطاف من تفجير كنيسة مصرية يحتشد فيها المصلون .
يستثمرعيسى شخصية الشناوي ليكشف من خلالها عددا ًمن القضايا التي تحتقن داخل المجتمع المصري،منها مايتعلق بالاساليب المهينة التي تلجأ إليها السلطة ــ مُمَثلة ًبأجهزتها الأمنية ــ لتحطيم كرامة المواطن حتى لوكان شخصيةعامة،سعيا ًمنها لخنق أيّ صوت يعلو مناديا ً بحرية التفكير والقول كما حصل مع الشناوي نفسه الذي يتم أحتجازه لعدة ساعات منفرداً في غرفة داخل دائرة الأمن،من غيرأن يقابله أي مسؤول أمني كبير من الذين يعرفهم جيدا ويحظى بأهتمامهم وتقديرهم،ومن غيرأن يتم التحقيق معه أو أن توجَّهَ له ايّة اتهامات،ليبقى طيلة ساعات الليل وحتى طلوع الفجرشاعرا ً بالمهانة والأذلال،تتقلبه الافكار والهواجس بحثا ًعن سبب احتجازه بهذه الطريقة المُذلة ! ولأنَّ المؤلف إبراهيم عيسى يتَّسمُ بقدرة عالية على السخرية اللاذعة من الاوضاع العامة عُرف بها في مجمل كتاباته وبرامجه التلفزيونية نجده يدفع بالشناوي إلى أن يبدأ بالتبوّل " وأطلق بَولهُ على الجدران وعلى المكتب والستائر والسجاد البالي وعلى ظهر الباب،كان بَولهُ ينافس غضبه ويسابق حريته،وكان مستعدا ًالآنَ لأيّ استجواب حين يفتحون الباب،وهوعلى يقين أنهم يرونه الآن عبر كاميرات مزروعة في الغرفة وهو يتبول عليهم جميعا ً !" هذا المشهد هو من أبلغ المشاهد التي حملت رسالة قاسية برمزيتها،وعبّأها عيسى بشحنة عالية من السخرية والتمرد وهي أشبه بصرخة قويّة ضد ضحالة الاساليب التي تنهجهاالاجهزة الامنية مع المواطن،كما أن كثافة العلامات التي حملها هذا المشهد تأتي أهميتها من أنَّ: هذا الفعل قد تم تمريره من قبل المؤلف عبر شخصية الشيخ والداعية الاسلامي الشناوي . كما أن عيسى لم يغفل في نسيج الرواية التطرق للصراع القائم بين دعاة التطرف من المسلمين والمسيحيين على حد ٍ سواء،إضافة إلى الفتاوى الدينية الغريبة والصادمة التي أمسى المجتمع الاسلامي يتلقاها من قبل خليط عجيب من الدعاة والشيوخ بعد صعود المد الاسلامي المتطرف الذي جاءت به العديد من حركات الاسلام السياسي التي كانت قد ظهرت خلال الربع الاخيرمن القرن العشرين،ومالهذه الفتاوى من آثار سلبية على عموم المجتمع الى جانب رجال الدين أنفسهم الذين توزعوا مابين معارض لها وموافق عليها.
ذاكرة الميديا
على مستوى البناء الفني أخذت المجادلات حيزا ً واسعا ًمن زمن الرواية وهذا ماأربك البناء العام إلى حدٍ ما وأثقله بمجريات حوارية مطوّلة كان تأثيرها واضحا على البناء السردي للأحداث وتطورها،ليجد القارىء نفسه وكأنه أمام مناظرة تلفزيونية أبطالها مجموعة من الشيوخ والدعاة كلُّ يسعى لإثبات صحة ماستند إليه من أحاديث ومراجع فقهية،لكن المؤلف وبما يتسم به من ذكاء عُرفَ به،أستطاع أن يمسك بمقود الحوارات وأخضعها تحت خبرته الطويلة التي اكتسبها عبر برامجه التي يقدمها من على شاشة التلفزيون.
 كما تمكن عيسى من تمرير رسالته الناقدة والساخرة من الأوضاع العامة التي تعصف بالمجتمع المصري عبر شخصية الشناوي التي أكسبها كثيرا ً من سماته الشخصية،مضيفا ً إليها ملامح بارزة ومعروفة من طباع وسلوكيات إستلها من دعاة مشهورين ومعروفين لدى جمهور واسع جدا ًفي العالم العربي والاسلامي،ويمكن لذاكرة القارىء أن تستدعي صورهم بكل سهولة،حال قراءة الرواية،ليجد الكثيرمن التشابه بينهم وبين شخصية الشناوي.
اضافة الى ذلك يرسم إبراهيم عيسى صورة واقعية لطبيعة العلاقات الوثيقة التي ترتبط بها اجهزة الأمن التابعة للسلطة مع نخبة من رجال الاعمال والفنانين والاعلاميين ورجال الدين.وفي هذا الاطار يتوقف أمام شخصية (أنور) مقدم البرامج الشهيرالذي يسيرفي برامجه التي يستضيف فيها الدُّعاة وفق خطة مرسومة ومُحكَمَة ٍ من قبل اجهزة الامن،في محاولة منها للامساك بزمام الامور، في إشارة واضحة من المؤلف على أنها لن تتردد في استخدام أقذر الاساليب اللاخلاقية لتوريط الشخصيات العامة ــ بما فيهم الدُّعاةــ في علاقات مشبوهةلأجل إيقاعهم في شرِّ أعمالهم،ليتمكنوا بذلك من الضغط عليهم وإسكاتهم ساعة تجدهم قد أصبحوا يشكلون خطرا ًعلى النظام السياسي القائم،مثلما هي العلاقة العاطفية التي تم التخطيط لها بكل دقةٍ لتنشأ مابين الشيخ الشناوي ونشوى الفتاة المحجبة،ولم تكن نشوى سوى ممثلة شابة ليس في رصيدها الفني سوى عدد من الادوار المتواضعةالتي لم تسعفها في ألوصول الى الشهرة والنجومية،فدفعت بها أجهزة الأمن لتكون من بين مجموعة من الشباب والشابات المشاركين في إحدى حلقات برنامج الشيخ الشناوي،لتؤدي دورا ً تمثيليا ً أتقنت أداءهُ، بعد أن تم تدريبها وتلقينها بشكل يهدف إلى أن تلفت نَظَرَ وانتباه الشيخ الشناوي عبر أسئلة جريئة تطرحها عليه إضافة الى ماتتمتع به من رقة وجمال،فتنجح في تنفيذ ما تم رسمه لها،ويسقط الشيخ  فريسة سهلة في حضنها.
آليات الكتابة
بنية الزمن المرسلة والمنطوية في تركيبة هذا النص الروائي لم تتحرك وفق علاقة متشظية في اطار مقاربة قراءتية للمنجز الروائي الحديث بكل انشغالاته وانشطارته بل بقيت مشحونة بآليات الكتابة السردية التقليدية التي يسهم السرد الحكواتي في بناء مسارها،وهذا يعود بتقديرنا الى أن المؤلف لم يغادر وظيفته ورسالته الاعلامية،باعتباره مُقدِما ناجحا ً لبرامج (التوك شو)على شاشة الفضائيات،فأستثمرهذه الخاصيّة كثيراً في البناء السردي لروايته التي احتشدت فيها تفاصيل دقيقة تتعلق بمايجري وراء كواليس البرامج التلفزيونية الدينية،التي يقدمها الدعاة المشهورون والكيفية التي يتم بها إنتاجها،ومَنْ يتولى تمويلها من تجار وشركات ورجال أعمال عبر ضخ اعلاناتهم فيها،وطبيعة الصفقات التي تتم فيمابينهم وبين المحطات الفضائية.
 شخصنة الخِطاب
أهمية الموضوع المطروع في هذا العمل الروائي تأتي من كونه يتعرض لقضية حساسة باتت تهيمن على الواقع في البلدان العربية والاسلامية،وأمست تشكل ظاهرة ملفتة للاهتمام بعد أن استحوذت على مساحة كبيرة من الاعلام المرئي ( الميديا ) ومايشكله من تأثير كبيرفي توجيه الرأي العام،ألاوهي :ظاهرة نجوم الفضائيات، من دعاة ومشايخ،الذين باتوا يلعبون دورا ًمؤثرا ًوخطيرا ًفي مجريات الحياة الاجتماعية،عبر حضورهم الدائم والطاغي خلال فترات طويلة من البث ،ومانتج عن ذلك بفعل فتاواهم وأحاديثم التي تغيّبُ سُلطة العقل من تداعيات خطيرة أسقطت قطاعات واسعة ومتنوعة من المجتمع في بركة التطرف الديني والمذهبي،إضافة الى شيوع الفكر الغيبي والخرافات التي باتت اشبه بالمقدسات،ت ومسؤولية ذلك تحمله الانظمة السياسية الحاكمة،لأنها قد وفَّرت بيئة متخلفة ملائمة لشيوع هذه الظاهرة،مِنْ بَعد أن غيَّبتْ عن برامجها،الخطط والسياسات التنموية التي يمكن من خلالها أن يرتقي مستوى الوعي والعيش الكريم لمواطنيها.
أخيرا ً نقول: إن الرواية قد توفرت فيها ممكنات فنية في بنيتها التركيبية ماجعلها نصا ً سرديا ً متماسكا ً وممتعا ً،نجح المؤلف من خلاله في أن يفتح أمامنا فضاءً فنيا واسعا،تم تأثيثه بتفاصيل دقيقة لعوالم يحيا فيها النخبة من رجال السلطة والدين والأعمال والفن والإعلام،كما نجح إلى حد كبير في أن يقدم لنا كشفاً جرئيا ًوواقعيا ً مُستندا ًعلى أسلوب ٍ قوامه السخرية والنقد اللاذع لنماذج انسانية،مانفكّت تلعب دورا كبيرا ومؤثرا ً في رسم معتقداتنا وافكارنا وممارساتنا . 
*الرواية كانت مرشحة ضمن القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية لعام    2013


عزازيل ..
للروائي المصري  يوسف زيدان
               


       


             المراوغةُ في تكثيفِ الإيهام مابينَ المتخيَّل والتاريخي








طبعة دار الشروق الاولى 2008



السرد يتخيل التاريخ
ما يتفرد به الخطاب السردي في المشروع الروائي عندما يعود الى وقائع تاريخية من قبل الروائي،أنه يتوقف امامها ليتأملها بمخيلته،ثم يعيد قراءتها في بنية سردية مفارقة عنها،وكلما زادت شقة الافتراق عنها كلما كان اكثر قربا من الخطاب الروائي،واكثر بعداً عن السرد التاريخي .
في هذا المشغل الفني لعالم الرواية بما يملكه من مفردات وتقنيات وأدوات لتفكيك وتركيب الواقع والوقائع،لعب المخيال الروائي لزيدان دوره في مشروعية الحضوروالهيمنة التخييلية في إعادة تشكيل الواقع والوقائع الموضوعية/التاريخية في بنية معمارية،وفق رؤيته الذاتية كمؤلف سارد للتاريخ،له الحرية في أن يستثمر ادواته التقنية في مايريد أن يسردهُ،معتمدا على طاقته التخييلة وهو يتعامل مع الواقع أو التاريخ .
رواية عزازيل باعتبارها مخطوطة فنية تنهض فيها الاحداث من ماضي بعيد ـــ النصف الاول من القرن الخامس الميلادي ـــ انطلاقا من منظور سردي/ موضوعي ينزوي فيه المؤلف زيدان،متسترا بقناع شخصية اخرى ــ وهذه تقانة جوهرية في الفن الروائي ــ هي شخصية المترجم/ مؤلف ضمني .
ابتكر مخيال زيدان شخصيةالمترجم ليفتتح عبر المقدمة التي جاءت على لسانه  الصفحات الاولى من مخطوطته ممارساً من خلالها مع القارىء لعبة مرواغته الفنية،وذلك في خلق الايهام بالواقع وهويدخله الى عالم الرواية المتخيل،انطلاقا من مدخل الواقع والتاريخ،الى الحد الذي يتماهى فيه الحد الفاصل مابين الحقيقة التاريخية والصورة المتخيلة.هذا ما مضى به زيدان من خلال المقدمة التي كتبها والتي جاءت على لسان شخصية المترجم التي افترضها،والتي من خلالها اوضح قصة الرقوق الثلاثين التي تم العثور عليها في خرائب على حافة الطريق الواصل مابين حلب وانطاكية،وكيفية العثور عليها وكيف تعامل معها لمدة سبعة اعوام وهو يترجمها من اللغة السريانية الى اللغة العربية :"يضم هذا الكتاب الذي أوصيت أن ينشر بعد وفاتي،ترجمة أمينة قدر المستطاع لمجموعة اللفائف(الرقوق)التي اكتشفت قبل عشر سنوات بالخرائب الاثرية الواقعة الى جهة الشمال الغربي من مدينة حلب السورية ...ولست واثقا من أن ترجمتي هذه الى العربية قد نجحت في مماثلة لغة النص السرياني بهاء ورونقا ....وقد جعلت فصول هذه الرواية على عدد الرقوق التي هي متفاوتة الحجم.وقد اعطيت للرقوق عناوين من عندي،وتسهيلا للقارىء ايضا استعملت في ترجمتي الاسماء المعاصرة للمدن التي ذكرها الراهب هيبا في روايته ......." .
بعد هذه المقدمة التي لم تتجاوز الصفحتين،تختفي شخصية المترجم تماما،بعد أن اكتمل دورها في المهمة الموكلة إليها في تعميق وتكثيف الايهام  لدى القارىء بأن مايقرأه قد استند الى وقائع تاريخية،ولكي تكتمل عناصر اللعبة التي يمسك بطرفيها زيدان،فسح الفضاء الروائي لحضورشخصية الراهب هيبا لكي يصبح  الصوت السارد الأوحد للأحداث بدلا عن شخصية المترجم التي تختفي نهائيا .
دائرية الزمن
ينطلق الزمن السردي للأحداث بالتدفق بطريقة دائرية،بالشكل الذي تتداخل فيه الازمنة وهي تتحرك مندفعة للأمام ومن ثم تعود الى الخلف وهكذا دواليك،لكن الزمن الروائي يتوقف في لحظة الحاضر:"هاهي الايام الاربعون قد مرت،وتم اليوم التدوين ".أي أن سرد الحكاية في بنية الزمن الروائي ينتهي في الحاضر،إذ يعود الى نفس النقطة التي ابتدأت فيها لحظة السرد:"سأبدأ من الحاضر،من اللحظة الحالية،من جلستي هذه في صومعتي التي لايزيد طولها ولاعرضها عن مترين.من القبور المصرية ماهو أوسع منها ..."
تركيبة الزمن الدائرية هذه التي شكلها زيدان في بناء المسرود الحكائي،جاءت على لسان الراهب هيبا/الشخصية الساردة للأحداث،عندما يفصح عن حيرته في اختيارلحظة بدء التدوين:"فالبداية والنهاية،إنما تكونان فقط في الخط المستقيم ،ولاخطوط مستقيمة إلاّ في اوهامنا،أو في الوريقات التي نسطر فيها ما نتوهمه.أما في الحياة وفي الكون كله،فكل شيء دائريُّ يعود إلى ما منه بدأ ويتداخل مع ما به اتصل.فليس ثمة بداية ولانهاية على الحقيقة،وما ثمَّ إلاّ التوالي الذي لاينقطع ،فلاينقطع في الكون الاتصال،ولاينفصم التداخل،ولايكف التفريغ ولا الملء ولاالتفريغ..الأمر الواحد يتوالى اتصاله،فتتسع دائرته لتتداخل مع الأمر الآخر ،وتتفرغ عنهما دائرة جديدة تتداخل بدورها مع بقية الدوائر.فتمتلىء الحياة،بأن تكتمل دائرتها،فتفرغ عند انتهائها بالموت،لنعود إلى ما منه إبتدأنا..آه لحيرتي،ماهذا الذي أكتبه ؟ " . 
الصراع مع الذات
هيبا كان مطاردا من قبل عزازيل ـــ الذي هو الشيطان نفسه ـــ وهو يتنقل بين البلدان والتجارب.فالجدل والصراع بينهما كان قائما،فعزازيل كان حريصا على ان يوقظ في داخله رغبات ومشاعر وهواجس انسانية تتقاطع مع زهده عن الحياة ويثير في داخله اسئلة تجعله متأرجحا وقلقا في ايمانه وقناعاته فتتولد في ذاته شكوكا تتعرض لما كان مؤمنا به من عقيدة مسيحية اختارها أن تكون طريقا له في الحياة بعد أن كان ابوه على دين ابائه واجداده من الفراعنة،حتى انه شهد مقتل والده ـــ وكان عمره لم يتجاوز الثانية عشرة ـــ عندما كان برفقته على قارب الصيد،حينما خرج عليه مجموعة من المسيحيين كانوا قد تربصوا به عند معبد قديم يعتكف فيه مجموعة قليلة من الكهنة الفراعنة،اعتاد والد هيبا ان يجلب لهم خفية وقبل شروق الشمس نصف مايصطاده من السمك كل يومين..
عزازيل لم يكف عن مطالبة هيبا بتدوين كل مارآه في حياته مع ان هيبا على النقيض منه  كان مؤمنا بأن لاقيمة لحياته اصلا حتى يدون مارآه فيها:"انقذني ياإلهي الرحيم من وسوسته لي،ومن طغيان نفسي.انني يإلهي لازلت انتظرمنك إشارات لم تأت..ولو ترتكتني لنفسي،اضيع ..فقد صارت نفسي معلقة من اطرافها،تتنازعها غوايات عزازيل اللعين ونكايات اشواقي " .
في ليلة السابع والعشرين من شهر ايلول وبعد أن قرر الأب هيبا أن يعتكف في صومعته لمدة اربعين يوما لأجل أن يتفرغ للتدوين ــ وهو على ماكان عليه من حيرة ــ يبدأ في تدوين ماهو كائن في سيرته،واصفا مايجري حوله ومايضطرم بداخله من اهوال.على غير ماكان عليه من نيّة عندما اشترى الرقوق الثلاثين:" ياإلهي الرحيم،لك المجد،تعلم أنني أقتنيت هذه الرقوق قبل سنين،من نواحي البحر الميت، كي أكتب فيها أشعاري ومناجاتي لك في خلواتي،ليتمجد اسمك بين الناس في الارض مثلما هو مجيد في السماوات.وكنت أنوي أن أدوَّن فيها ابتهالاتي التي تقربني إليك ".
يبدأ الأب هيبا التدوين ليحكي ماجرى بينه وبين مرتا الجميلة من غوايات وعذابات ،وماكان من أمر عزازيل المراوغ اللعين،وماعاشه من حكايا منذ اللحظة التي خرج فيها من بلدته الواقعة في جنوب مصر باطراف بلدة اسوان ووصوله الى الاسكندرية،والعلاقة الحميمة التي سقط فيها مع اوكتافيا،وخروجه مرعوبا من الاسكندرية بعد الذي شاهده فيها من غلوِّ وتطرف لدى قساوستها وهم ينجحون في اقناع عامة الناس وتحريضهم على قتل وسحل وحرق هيباتيا الكاهنة الفرعونية الجميلة،التي كانت تدرِّس علوم الرياضيات والفلسفة،ومعها اوكتافيا ــ التي حاولت الدفاع عنها وإنقاذها ــ المرأة التي كانت قد ارتبطت بعلاقة حميمة مع الأب هيبا قبل أن تطرده من حياتها بعد أن اخبرها بأنه مسيحي وليس على ديانة الفراعنة التي كانت هي عليها.يخرج هيبا من الاسكندرية هائما مرعوبا مما رأى متجها الى اورشليم،لينتهي المقام به في دير صغير يرقد في أعلى جبل قرب انطاكية.
يوسف زيدان في هذه الرواية التي تدور احداثها في منتصف القرن الخامس الميلادي نسج عالما ينبض بالحياة والصراعات الفكرية والعقائدية /الدينية.والرواية تتصدى لفترة زمنية خصبة شهدت أفول عالم قديم بكل اساطيره ومعتقداته لينهض فوق انقاضه عالم روحي جديد،ومع ذلك،تطل منه مشاهد متطرفة،بعضها لاتهدأ إلا بالدم والسحل والحرق لأناس لاذنب لهم سوى انهم يحملون فكرا آخر يتحرك خارج السياق العام الجمعي،فكان القتل عقابا لهم،كما تفعل الان بعض التنظيمات الاسلاموية المتشددة.تلك الممارسات تلقي بظلال قاتمة على من كان يبحث عن الحقيقة كما هو الحال مع الراهب هيبا وهو يتوغل في رحلته بحثا عن الخلاص الروحي بينما ذاته قلقة تتأرجح مابين العالم الميتافيزقي الذي يعيش مفرداته وبين علوم الفلسفة اليونانية والرياضيات بعد أن جعلته الكاهنة الفرعونية هيباتيا يعشق دراستها عندما حضر درسا لها في اول يوم من دخوله الى مدينة الاسكندرية .

















رواية ... صائد اليرقات
    للكاتب السوداني : أمير تاج السر*                  





            تموضع المؤلف السارد في الشخصية الساردة

                                                               




اصدار : دار ثقافة للنشر والتوزيع / ذ.م.م. الامارات 







مالذي يمنع رجل أمنٍ ــ مثل شخصية عبدالله فرفار في رواية صائد اليرقات ــ  لم يقرأ رواية طيلة حياته في أن يتحول الى كاتب روائي ؟ مالذي يدفعه الى ذلك ؟ إلى ماذا يسعى؟ كيف سيواجه ذاته بعد أن يبدأ مسيرة التحول ؟هل سينجح في أن يرصد حياة الناس بعذاباتهم واحلامهم بعد أن كان يكتب عنهم بقصد الايقاع بهم؟مالفرق بين مهنة كتابة التقاريرالامنية ومهنة الكتابة الروائية ؟ مالفرق بين الكتابة هنا والكتابة هنا ؟ لكل كاتب طقوس يستعد من خلالها للدخول الى عالم الكتابة فما أوجه التشابه مابين طقس الروائي وطقس رجل الامن ؟ من اين تأتي الافكار ؟ كيف تقتنص عين الكاتب الشخوص من الحياة ؟ مالذي تراه هذه العين ولاتراه هذه العين ؟ مالذي يتبقى من الحقيقة بعد أن تعيد مخيلة الكاتب صياغتها من جديد ؟ مالحدود بين الواقع والمتخيل ؟ كيف يعيش الكاتب في بلد تحكمه  مؤسسة أمنيّة تمتد أذرعها خفية مثل اخطبوط في كل زاوية من البلاد وهي تتنصت على الجميع ويخاف منها الجميع: مواطنون ومثقفون ورواد مقاهي واحزاب .
تراكب الزمن الروائي 
اختار أمير تاج السر أن يبني معماره السردي في هيكلية زمنية مزدوجة يتراكب فيها زمنان بشكل متواز،الزمن الأول:تتحرك فيه حكاية عبدالله فرفار..والزمن الثاني:يتحرك فيه نص روائي ثانٍ يسرد حكاية مخرج سينمائي موريتاني مدعو لحضور مهرجان سينمائي في مدينة موسكو،المدينة التي درس فيها قبل عدة اعوام،وهو الآن يعاني من شعور عميق بالاحباط بسبب  فشله في تحقيق اياً من احلامه بعد تخرجه وعودته الى وطنه.
يصل الينا النص الروائي الموازي للنص الاساس،عندما يبدأ فرفار بقراءة رواية "على سريري ماتت ايفا " لشخصية الكاتب الروائي اللامع ( أ . ت ) الذي كان يراقبه قبل أن يحال على التقاعد.وتتحرك حكاية هذا النص وشخوصه بشكل متوالٍ داخل وخارج ــ زمن ــ النص الاول من غير أن يلتقيا ولا أن يتداخلا أو يتقاطعا .
المتن الحكائي
عبد الله فرفار أو عبد الله حرفش ـــــ كما كان الاطفال يلقبونه أيام كان صغيراـــ يعمل في الأمن الوطني،أحيل على التقاعد بعد أن فقد ساقه في واحدة من المهمات التي كان مكلفا بها مع اثنين من زملائه،يتوفى السائق بسببها في الحال ،بينما يصاب زميله الآخر بالشلل الرعاشي.
فرفار قرر أن يصبح روائيا : "سأكتب رواية.نعم سأكتب". . بهذه الجملة افتتح المؤلف روايته على لسان فرفار(السارد / الشخصية الرئيسة).فقداستولت عليه فكرة أن يكتب رواية بعد "أن قرأ في عدد من الصحف والمجلات أن بائع ورد بنغاليا في مدينة نيس الفرنسية،كتب رواية عن الورد،بطلتها امرأة من المهاجرات الافريقيات،ظلت تشتري الورد الاحمر عشرين عاما من محله،من دون أن تغير لونه،وتخيَّل البائع أنها تبعثه إلى حبيب ضائع في حرب بشعة.ونسج قصته عن ذلك الاسكافي الفقير في رواند،حين كتب رواية حول الحرب الأهلية،لم يكتبها حتى مشعلو الحرب أنفسهم.وبائعة هوى تائبة في سايغون كتبت روايتين رائعتين،عن حياتها القديمة حين كانت في زقاق مظلم،وحياتهاالجديدة حين انشأت مصنعا صغيرا لحلوى النعناع ".
الفراغ الذي بات يعيشه فرفار - بعد أن بترت ساقه ليبقى ملازما البيت- دفعه لأن يفكر بكتابة رواية،خاصة وانه غير متزوج وبلا أخوة ولاأخوات،وامسى محاطا بفراغ كبير بعد أن حظي بساق تعويضية تساعده على الحركة،وهذا ما دفع عمته الوحيدة أن تتوقف عن ممارسة عملية اطعامه وغسل ملابسه،وهي التي تسكن بالقرب من داره مع زوجها الذي يعمل مدلكاً لاحدى الفرق الرياضية والطامح لأن يكون ممثلا مسرحيا مشهورا.
امسى الفراغ مرسوما أمامه في كل شيء حوله،وبات يفكر بلا توقف،وتاتيه أفكار غريبة ماكانت لتأتي لولا ذلك الفراغ.من هنا جاءته الفكرة "سأكتب رواية ".
وقبل أي شيء سعى فرفار لمعرفة كيف تُكتب الروايات وهو يفكر مع نفسه "لست اقل شأنا من بائع الورد البنغالي في نيس،ولا الإسكافي الفقير من رواند،ولعلي اتساوى في حجم الخطايا مع بائعة الهوى التائبة تلك " .
كانت نقطة البداية في مشوار الدخول الى عالم الكتابة الاقتراب من احد الكتاب المشهورين الذي اعتاد أن يتواجد في مقهى(قصر الجميز)اقدم مقاهي العاصمة زحاما وعرضا للوجوه المشبوهة في نظر رجال الامن،وكانت وجوها لكتاب لامعين وآخرين في اول الطريق وشعراء متأنقين في سراويل وقمصان زاهية وشعراء حفاة يرسمون للناس وطنا غير الوطن الذي نعيش فيه ودائما ثمة نساء يتحلقن حول الضجيج ..
الاقتراب من طاولة الكاتب اللامع والاستماع الى ماكان يدور من نقاش بينه وبين المتحلقين حوله،في مقهى (قصر الجميز)كان الهدف منه تقليد طريقة الكاتب المشهور في عملية الكتابة. لكنه بعد محاولات بذلها لكتابة مخطوطة رواية اطلع عليها الكاتب اللامع(أ . ت ) يكتشف كما قال له الكاتب أن:"ماكتبه يشبه يرقة لن تنمو الى شرنقة،ولم يخرج عن كونه تقريرا أمنيا،يشبه التقارير التي اعتاد ان يكتبها عن الاخرين " . فأدرك حينئذ ان عملية الكتابة اصعب مما كان يتصورها.
آليّة السّرد
انطلق المؤلف أمير تاج السر في بناء حبكة سردية متراكبة،انطلاقا من وجهة نظر موضوعية ،وذلك عندما اقترح حكاية تحكي نفسها بنفسها،لينأى بذاته خارج بنيته السردية،متبنيا وجهة نظر عبدالله فرفار الشخصية الرئيسة في النص الاساس،كذلك وجهة نظر المخرج السينمائي في النص الروائي الضمني،ليكشف تاج السر من خلالهما الاحداث وعوالم الشخصيات الاخرى.
وجهة نظر المؤلف أمير تاج السر،إنزوت في مكان قصي غير محسوس،إختار لها أن تتموضع في الشخصيتين الرئيستين،في محاولة منه للإيهام بالواقع وتحقيق قدر كبير من التماسك في بناء حبكته السردية .
السارد هنا يمثل وجهة نظر شخصية مشاركة،ذات معرفة كلية بالاحداث.بهذه الآلية تم سرد  الحكايتين بمقاربة تقنية تسمح بعرض الافكار وهي في طورالاكتشاف والنمو.
هذه الصيغة الاجرائية في البناء السردي،التي انحاز اليها تاج السر،اقصت امكانية التدخلات التي يمكن أن يذهب اليها المؤلف الضمني،خاصة في انماط رواية مابعد القص أو مابعد الحداثة،مما ينسحب بالتالي على تضييق مساحة الايهام التي تتحرك فيها مخيلته،والخيارات التقنية التي عادة ما يجترحها الكاتب لعمله،سعياً منه لتحقيق تواصل مع القارىء أولا وآخراً ،وذلك من خلال عالم متخيل تنتجته مخيلته،هنا تبز اهمية العلاقة بين السارد/الشخصية الرئيسة،وبين بقية شخصيات الرواية،وهذا ما سيترك اثره لدى القارىءفي مدى قبوله ورفضه لمصداقية الاحداث والخطاب الروائي برمته.وبذلك يستطيع المؤلف ان يتحكم بالقارىء كلما كانت العلاقة واضحة ومحكمة بينهما.
هذه التقنيات السردية تبرز اهميتها وفاعليتها في هذا العمل الروائي الذي تمكن فيه المؤلف من استثمارها بشكل محكم .
*طبيب وروائي،ابن اخت الروائي الطيب صالح،مواليد السودان 1960،اهم اعماله الروائية :كرمكول،سماء بلون الياقوت،نار الزغاريد،مرايا ساحلية،سيرة الوجع،صيد الحضرمية،عيون المهاجر،مهر الصياح،زحف النمل،توترات القبطي،العطر الفرنسي،إيبولا 76، ارض السودان ..الحلو والمر.وصلت روايته صائد اليرقات الى القائمة القصيرة لجائزة البوكر العربية عام  2011.

















حين كان للشوارع أسماء ..
للكاتبة الفلسطينية رندة عبد الفتاح   
   
         


           تَماهي الواقعُ والمُتَخَيَّلُ في بِنيةِ السَّرد




ترجمة :أميرة نويرة ،نبيل نويرة
إصدار:دار بلومزبري –مؤسسة قطر للنشر






تستثمر المؤلفة رندة عبد الفتاح براءة الطفولة وعفويتها،في الكشف عن تراجيدية الحياة في تفاصيل يومية صغيرة عادة مايواجهها الانسان الفلسطيني وهو يحمل عذاباً على كتفيه ــ مثل صخرة سيزيف ــ في وطن يتلاشى أمام عينيه.وطنٌ تقطَّعت أوصاله بجدران وحواجز كونكريتية، وأمست عديد مُدنه مُحرَّمٌ عليه أن يدخلها.وأخرى لايستطيع الوصول إليها إلاّ بتصاريح خاصة تصدرها سلطات الاحتلال وفقاً لمشيئتها.     
حياة،ليست سوى طفلةٍ لم تتجاوزالثالثةعشرة من عمرها،إرتأت المؤلفةأن تكون الشخصية الرئيسة في هذه الرواية،من خلالها ستحاول أن تُغافل النسيانَ حتى لايختم الذاكرة بالمحو والفقدان الابدي.ومن خلالها أيضا ستواجهُ وجعَ الانتظار الطويل بالأمل.وكأنها أرادت ـــ وعبر انحيازها التام لشخصيةحياة وطفولتها الانثوية المفعمة بحيويةٍ ونشاطٍ يميل إلى عالم الذكورأكثر منه إلى الاناث ــ أن ترمم إنكسارات الأمس،وحطام الدموع، وماتكدَّس من خساراتٍ في وطنٍ هو الفردوس لأبناء مقاومين ومشردين ومهجرين.
الرواية كُتِبتْ وفق رؤية واقعية تسجيلية،حرصت المؤلفة فيها على أن تُلملِم مُفرداتٍ ومُنمنماتٍ عادة ماتتناثرُ وتتسربُ في تُتشابكات الحياة الانسانية بشكل وشيج،دون أن ننتبه إليها،ليصل الحال بنا أن نتسائل ونحن نقرأ النص ــ مثلما تتساءل الناقدة باتريشيا واو ــ عن الحد الفاصل بين ماهو متخيل وماهو واقعي،ماهو روائي وماهو حقيقي.
حياة :"في النهاية عندما تَفلحُ سِتّي زينب في الرقود على السرير،وتغوص رأسها في الوسادة،فإنها تصيح "يارب"ويأخذ صدرها في اللهاث من الجهد الذي بذلته.وعادة ماتشعربعدما تضرط بالارتياح،ضراطها دائما عالي الصوت ولكنّه قليل الرائحة.جيهان وأنا نُحكم وسائل الدفاع.الرؤوس تحت الوسائد،والضحكات مكتومة،وفي بعض الأحيان نرش مُزيل العَرَق الرخيص على  الوسائد.أمّا طارق فلا يتمالك نفسه:"ستّي زينب،سوف أطلب من الاسرائيليين قناعا للغازات ".
التمهيد لهذا الاسلوب الواقعي السلس،الثري بصوره الانسانية،والذي يخلو من التعقيد والزّيف اللغوي،جاء متصدراً الصفحة الاولى،في عتبة الاهداء،:"إلى ستّي جميلة،جدّتي التي توفيت في الرابع والعشرين من ابريل عام 2008 عن ثمانية وتسعين عاما،تمنَّيت أن تعيشي حتى تَري كتابي هذا،وحتى يسمح لك بأن تلمسي تراب وطنك ثانية.عزائي أنك توفيت محاطة بإعزاز أبي والاسرة والاصدقاء.فلترقدي في سلام.وإلى أبي،أتمنى أن ترى في حياتك فلسطين حرّة ".
لم تلجأ رندة عبد الفتاح الى تقنيات سردية مُتعددة ومعقّدة لأجل تحقيق التواصل مع المُتلقي،بِقدرِ ما كانت البلاغة الفنية التي استندت إليها قد اعتمدت وسائل سردية تتوخى الايهام بالواقع، واستبعاد التعليقات والاحكام حول الشخصيات،وتغيّرات وجهات النظر داخل العمل.وبنفس الوقت التركيز على إختفاء صوت الكاتب السارد المُنتج للنص،مقابل حضور صوت السارد المُمَسرح(المُشَخَّص)المُدرِك والعارف بالأحداث ــ شخصيةحياة ــ وهذايتوافق  مع قول الناقد واين بوث في كتابه المعنون بلاغة الرواية :"الكاتب يمكن إلى حد ما أن يختار التَّنكر،ولكنه لايمكن أن يختار الاختفاء أبداً".
المؤلفة رندة عبد الفتاح عهدت إلى شخصية حياة مسؤولية سرد احداث الرواية التي تقع في فترةزمنية مضغوطة خلال فترة تتجاوز الشهر بأيام معدودة،ومحددة بالعام 2004ولاشك أنها تقصّدت أن تكون الاحداث ضمن هذا الحيّز الزمني،لأجل أن تنضغط وتنفرج التفاصيل اليومية لأناس رغم خساراتهم يعشقون الحياة،في مسار حكايةٍ مرهونةٍ بسلطةِ ومزاجِ قوات الاحتلال،فما كان أمامهم سوى خيار الحياة،أن يعملواويتسامروا ويتزوجوا ويسخروا وبذلك يمكن أن يحافظوا على وجودهم وملامحهم وأثارهم لأن سلطةالاحتلال الاسرائيلي جلّ ماتسعى إليه أن تمحوها هذا إذا لم تشوهها كما تشوّهَ وجهُ الطفلة حياة بشظايا رصاصة أطلقها جندي اسرائيلي أثناء مظاهرة كانت قد انطلقت في شوارع بيت لحم،وصادف أنها كانت عائدة من المدرسة مع صديقتها مايسة التي لم يحالفها الحظ بالنجاة،لتسقط مضرجة بدمِها بعد أن تهشمت جبهتها.
شخصيات الرواية إذن تعيش حياة مرهونة بسلطة عسكرية محتلة،حتى أنها صارت بالنسبة لهم بمثابة مَشيئة ٍ قَدَريّة تُعلن عن نفسها ــ وهي تُقنِنُ حياتهم ــ بكل اساليب القهر والاذلال،وليس أقلها سوءاً قرار حظر التجوال.لكنهم يعيشون على أمل كبير بِتَغيُّرِ وتغيِيِرالاحوال نحو طبيعتها الانسانية، ماأن يرفع حظر التجوال لساعات معدودة.
حياة :"عمري ثلاث عشرة سنة وأعرف معنى الدَّم.أعرف ماذا يعني أن نفقد الأحبّة.أعرف رائحة الجثة.أعرف شكل الجسم يسوّى تحت دبابة. أعرف سُحُبَ التراب والغبار التي يخلفها بلدوزر مسعور.سوف يتم الانتهاء من الجدار قريبا.وسوف تُهجَّرُ أجزاء كاملة من بيت لحم.سوف تُغلق الاعمال،تُهجّرُ البيوت،تخلو الشوارع،تُقسَّمُ المدارس إلى نصفين.إنني أعيش في سجن مفتوح.ولكنني لن أعيش في يأس.لأن عمري ثلاث عشرة سنة وهذا ماأعرفه ايضا.إنه طالما كانت هناك حياة سوف يكون هناك حب     ".
استخدمت المؤلفة تقنية ضميرالمتكلم السارد للأحداث/بصيغة الحاضر، وبشكل منفرد،وكأنها بذلك تسعى الى تعميق الاحساس لدى القارىء بالتواصل القائم مابين الأحداث المتخيلة في مخطوطة الرواية ومايجري على ارض الواقع من أحداث.
حياة : "عربة جيب عسكرية تغلق الطريق.عَلمٌ اسرائيلي هائل مرفوع في الهواء بأعلى ساريته.على جانبي الجيب يقف جنود مسلحون برشاشات عوزي وببنادق آلية. يضعون نظارات شمسية سوداء وفي ايديهم أجهزةاللاسلكي المتنقلة. ينتابني إحساس مفاجىء بالحاجة إلى التبول فأضغط ساقا على ساق " .
أحداث الرواية تدورعلى أرض فلسطين،حيث يرزح سكانها تحت الاحتلال الاسرائيلي ومايفرضه هذا من تقطيع حادٍ للزمنِ وللمكان، ومايَفرِضُه أيضا من وقائعَ ومصائر.فحظرالتجوال يُمكن أن يُفرَضَ لعدة ساعات أوأيّام وفي أيّة لحظة،ليشكل لعنة قدرية يومية تنزِل ثقيلة على حياة الناس لايمكن تفاديها،ليقبعوا في بيوتهم مرغمين،وبموجب ذلك يتم تأجيل الكثير من أعمالهم،فيصيبهم تذمرشديد وهم محاصرون في بيوتهم،مع أحلامهم وألامهم : "أفكِّرفي مَضار حظر التجوال وفوائده..مِن ناحية،هناك المَلل من البقاء دائما في المنزل،والقيام بالاعمال المنزلية،والتعامل مع مَلل ماما وبابا".
الشخصيات الرئيسة في هذا العمل تتشكلُ من عائلة فلسطينة قوامها: الزوج والزوجة،وابنتيهما،جيهان الكبرى التي سيتم زفافهاخلال أيام، حياة(ثلاثة عشر عاما)وطارق(سبعة أعوام)ومحمد(ثلاثة أشهر)والجدة زينب(تجاوزت العقد الثامن من عمرها).تُقتلعُ هذه الاسرة من أرضها التي تملكها في مدينة بيت جالا،وتبلغ مساحتها 75 دونما،ومعها تُقتلع اشجار الزيتون من البستان المحيطة  بالبيت الكبير.
حياة : ذكرياتي عن بيت جالا تشبه لحافا مُرقَّعا بالثقوب .
تعوَّد والدُ حياة أن يُردِدَ أمامها،بأن شجرة الزيتون جزء من تراثهم وهي شجرة مقدسة،ولهذا ذُكرت في القرآن.حتى أنه يُخطىء اثناء حديثه لها فيستبدل النخلة التي التجأت اليها مريم العذراء ساعة الولادة بشجرة الزيتون، فتُصحِحُ له المعلومة،ومع هذا يشكِكُ  بصحة ماتقوله. 

جرافات الجيش الاسرائيلي تهدم البيت وتجرف المزرعة مع بقية بيوت القرية ومزارعها أمام ساكنيها العاجزين عن وقف قرارسلطة الاحتلال رغم مايبذلونه من محاولات في سبيل إعاقة تقدم الجرافات،فتنتقل العائلة مُرغمة إلى مدينة بيت لحم التي تبعد مسافة عشر دقائق عن الارض التي كانت قد توارثت ملكيتها جيلا بعد جيل.
حياة : "تغيَّرَ بَابَا.. في بيت جَالا كان صوته وهو يمزح عاليا،وكان عمله في ارضه يُسعدهُ،وكنّا نشعر بهذه السعادة عندما يعود إلى البيت في المساء.أمّا في شقتنا في بيت لحم فكان يجلس في صمت يدخن الارجيلة ويغيّر قنوات الأخبار في التلفزيون.فقدان أرضنا جعله ينفجرإلى داخله،ولم يكن لدينا وسيلة لنرى الدليل على ماحل به من دمار،فقد احتفظ بالرُّكام والحُطام بداخله،إذ لم يعد يتكلم أو يضحك أو يحكي الحكايات كما كان يفعل من قبل".
الابنة الكبرى جيهان تستعد لزفافها على أحمد،الشاب الفلسطيني الذي يحمل الجنسية الاسرائيلية،لأنه من عرب 48،ويسكن مدينة اللّد.وهذا ماسيمنع بالتالي من دخول جيهان واهلها الى هذه المدينة،لذا يقرر الزوجان الشابان أن يسكنا في مدينة رام الله التي تقع في منتصف المسافة الفاصلة مابين بيت لحم ومدينة اللّد بعد أن يتزوجا.حتى تتمكن عائلة جيهان من زيارتهما بين فترة وأخرى وحتى يستطيع الاحتفاظ بوظيفته.
الحدث الرئيسي للرواية يتمحور حول القرار الذي تتخذه حياة مع نفسها بالسفر الى مدينة القدس بعد أن تخرج من المدرسة يرافقها صديقها المسيحي سامي من أجل أن تحقق حلم جدتها زينب ــ قبل أن تموت ــ في أن تشمَّ حفنة من تراب قريتها التي كانت تسكنها.
ورغم مخاطر الطريق المؤدي الى القدس الذي يبعد أكثر من ساعتين عن بيت لحم،بسبب الحواجز ونقاط التفتيش الاسرائيلة التي تمنع أي فلسطيني لايملك تصريحا في الدخول اليها.إلاّ أنَّ حياة وسامي يخوضان غمار هذه الرحلة دون تردد،فيتمكنا من دخول مدينة القدس بعد أن يخوضا مغامرات ومخاطر يجتازان خلالها حواجز وجدران عازلة تحاشيا لنقاط التفتيش الاسرائيلية.ومع ذلك لايتمكنا من الوصول الى القرية التي كانت تسكنها الجدة زينب بسبب انسداد الطرق المؤدية إليها نتيجة اندلاع تظاهرات ومواجهات بين متظاهرين غاضبين والشرطة الاسرائلية.لذا لاتجد حياة مفراً من أن تملأ علبة حمص فارغة بتراب القدس بعد إشارة تتلقاها من يوسي،سائق تكسي يهودي،التقيا به في القدس واتفقا معه على ايصالهما الى قرية الجدة زينب.وفيما بعد،يوسي هذا سينقذ حياة من الموت،بعد أن تفقد وعيها،وتسقط على الرصيف وسط المتظاهرين بسبب الغازات التي اطلقتها الشرطة الاسرائيلية.تعودُ حياة الى البيت حاملة العلبة الى جدتها، بعد أن توصلت إلى قناعة واضحة،بأنْ:لافرق بين تراب القُدس وتراب القرية.ولتعترف أمام جدتها بأنها قامت بهذه المخاطرة من أجل ان تحضر لها بعض تراب من قريتها.فلم يكن امام الجدة إلاّ أن تشعر بالذنب .
الجدة : "غَرَستُ أنا البذرة.لاأزالُ أنا المسؤولة.انني حمقاء،إن رجلي في القبر ولاتزال روحي مُمَزقة،نصفها في قريتي،ونصفها هنا.حتى على الرغم من أن رأسي يخبرني أنني سأموت في هذا المنزل،في هذه البلدة ،لابد أن أعترف لك ياحياة أن قلبي يهمس لي بوعود خائنة،سوف تعودين، إنَّه يخبرني بذلك.إنّ الأمرَ لايُجدي أن نتعلق بأملٍ زائفٍ.ولكن الأمر لايجدي أن نعيش بدونه كذلك..أوه،ها أنذا مرّة أخرى.علي أن أتوقف عن الحديث " .
إضافة الى الشخصيات الاساسية فقد حفلت الرواية بعدد من الشخصيات الثانوية،عكست بحضورها،خصوصية الواقع الفلسطيني وحيويته،مثل ديفيد ورفيقته موللي اليهوديين،وهما من مواليد تل ابيب،لكنهما هاجر الى اميركا وحصلا منذ عشرة اعوام على الجنسية الاميركية،وهما الآن في زيارة عمل لانهما يعملان مع جماعةٍ لمراقبة حقوق الانسان،لذا لم يترددا في مساعدة حياة وسامي في الوصول الى القدس بعد أن يلتقيا بهما صدفة في الباص.أيضا شخصية سامي المسيحي،صديق حياة وزميلها في المدرسة،الذي يحلم أن يصبح في يوم ما لاعب كرة قدم شهير،وكان أعتقال والده من قبل سلطات الاحتلال قد أيقظ في داخله روح التمرد على واقع بائس ومهين سلبه ابسط حقوقه الانسانية .
حياة : سامي.. أبوك بطل،مُعتقل كل تلك السنوات بدون سبب غير تنظيم الاحتجاجات والاضرابات.
سامي : أبي قايض بي من أجل القضية .
علاقة الصداقة الوثيقة التي جمعت سامي بحياة،أوالعلاقة التي جمعت عمه جوزيف وزوجته كريستيناــ اللذان تكفلا بتربيته بعد اعتقال والده منذ سبعة اعوام ـ مع عائلة حياة،عكست جانبا مشرقا واصيلا لطبيعة المجتمع الفلسطيني وهو يواجه سلطات الاحتلال بوحدة مكوناته الدينية.وهو أمر واقعٌ وحقيقي،اثبتته مواقف واحداث نضالية خاضها الشعب الفلسطيني ــ مسلمين ومسيحيين ــ دفاعا عن حريته ووجوده ومقدساته،ولايأتي تسويق هذه الصورة في هذا العمل الروائي من باب التزييف لحقائق مناقضة لها تجري على ارض الواقع. 






























الكاتب في سطور:
مروان یاسین الدلیمي / مواليد /العراق / موصل /محافظة نینوى
بكالوریوس/جامعة بغداد/كلیة الفنون الجمیلة/ فنون سمعیة ومرئیة .

النتاج الادبي :

 -1 شَعْرٌ مُستعار / مسرحية                     1997
  2-  رفات القطيعة  / شعر                      1999
-3 استدرجُ النھار حتى نافذتي/  مسرحیة        2001
-4 اخرجوا  /  مسرحیة                              2008
-5 قیامة التاؤیل /دراسة  نقدیة  في المسرح    2004
-6 سماء الخوف السابعة  / شعر                 2009
7-منعطف الوقت   / شعر                     2015



- عضو اتحاد الادباء والكتاب العراقیین
- عضو اتحاد الصحفیین الدولي
يعمل مُعداً ومُقدما ومخرجا للبرامج الثقافیة في قناة عشتار الفضائية

ایمیل  yassinmarwan813@yahoo.com  



       









ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




إرسال تعليق

«عام السرطان» للعراقية سالمة صالح: دلالة الاتكاء على استراتيجية السَّرد السير ذاتي مروان ياسين الدليمي http://www.alqu...