شعر . .


    
lمنعطف الوقت ..نص شعري ، في صحيفة الزمان - الطبعة الدولية
- السنة السادسة عشرة - العدد 4487-
 الخميس 14من جمادي الاخرة - 1434ه
25 من شهر نيسان / ابريل 2013 م 



 مُنعطف الوقت ..

                              مروان ياسين الدليمي

ساعةَ امسَكًتْ الخاتمة ُغفوتَنا
عَبَرنا بلاداً
أستيقظت منازلها على وشم العتاد .
أنَذَاك
ثقبنا أجراسَ الهواء
مُلطّخاً
بأحذية خلفها غُربَاء .

كفَرنَا برائحة التراب
وكأناّ صدّقنا ثانية ً
بأنّا سنشربُ كؤوسَ المشهد ِ
مُعمَّداً بالغَسقْ ،
وأنّ المقاهي ستحل ُّ بعد قليل  لغزَ عُزلتِا
والحكماء سيقطنون عَنابرَمن تورّط  بالحروبِ
والرهاناتِ  الخاسرةِ  ،
وأننا بعد هذا :
لن  نَتَلفَتَ بِرجولتِنا
ولن نرسم أمطارَنا
وشهوتَنا للبحر
ورائحةَ النساءِ .


رحيلنا ،
على تلك النوافذ . .  حِدادْ
مُشتهانا بلادْ  .

فوق كنيسةِ الساعة -1-
كم أيقظَ نعاس الشمس
رنين الناقوس .
كم أقتربنا من  رجولتنا
وابتعدنا كثيراًعن طفولتِنا
فأنكسرنا
وانكسرنا
وانكسرنا .
حفاةً نمضي  
يُظَلِلُنا الغبار .

بكامل ِوعيِنا
شطَبنا الياسمينَ
مِن وجوهِنا
تعقَّبْنا أناقة النُّعاس في رطوبةِ أزقَّتِنا
علّقنا رائحة َالاوتارِعلى حيطان ِتوبتِنا ،
كأنَّ رحيلنا
مُذ خَرَجنا من رعشة ِأُمهاتِنا
يلفّقُ المنافي لنا
أينما أتجهنا  .



أودّ الانَ
أن لاأستدلَّ على وجهي
أن اشطُب سَمعي
أن أطفىءَ بَصري .

أنحدِرُ بالوصايا
الى مُنعطفاتِ المراثي
أطيلُ انتظاري بعيدا ً عنها
إلى أن  يأتي نشيدُ العَدم  .

هل أنا هُناك ؟
أستيقظ ُخارج عُزلتي
أروُّض أعترافات أصابعي
أمدُّها من نافذتي
لعلها في لحظة ٍ
قَدْ  تُمسِكُ غيمة ً هاربة ً
من نينوى - 2 - .

خلفَ أسيجة ٍتتعقبني
أجتازُ إنتظاري ،
أنا الغريبُ هناك
كما هُنا .


السكونُ
والرجلُ الطاعنُ في السِّنِ
وسائقُ التاكسي

والعابرون من المنافي تحت قلعة ِأربيل -
3 - 
كُلهم
يفتحُ خزائنَ الرّيبة ِ
ليستجوب سحنتي  .


مضى العُمر
وانا لاأتقنُ الا ّ لغَتي
في شوارعَ
تهدّمت أُنوثةُ النهار فيها
وتعثّر الكلام  بتجاعيدها .

اليومَ  ، رزمتُ أختلافي مع المُتمترسينَ عند ظلال الخوف ،
وهم  ينصتون بشغف ٍلمشقَّة البلاد . 

نينوى رتَّبَت شكلَ التراب على وجهي
مَشَت بي الى سماء ٍمُرتبِكة
فهل من بلادٍ  مثلها  ؟
الشمسُ فيها باتت منازل للطارئين
الساعةُ الانَ لهم
ونحن على طاولة ٍللتجاذب
نحدِّقُ في ساعة ِموتِنا.

مُنعطفُ الوقتِ   
لا أبتداء
ولا انتهاء له .

هل أطعنُ ما أقولْ
أم لا أطعنُ ولا أٌقولْ  ؟ .

ماعدتُّ  أٌبصرُ
أيَّ طريق ٍ يقودني للظلمة
كأناّ تقوَّسْناعلى الأسى
وأفرَغْنَا بريدَ نا على وجه ِالعَتَبات .

هَرَبْنا
ثم أحرَقْنا أسماءَنا خَلفَنا
ومَحَونا ألطريقَ
فهل أخطأنا لمّا شَطَبْنا أخطاءَنا ؟
وإن كنّا لمْ  نَزَلْ
نَقطنُ ما شَطبْنا .                                                  

         13/ 3/2013
الهوامش
1-من أقدم الكنائس في الموصل
      2-التسميه التأريخيه (الاشورية) لمدينة الموصل
 3-قلعة تاريخية في مدينة اربيل لازالت شاخصة حتى الان



في الزمان طبعة العراق -السنة السادسة عشرة العدد 4564الاربعاء 15 من رمضان 1434 ه 24 من تموز (يوليو )2013 م.
                

   
قراءة في الكمِّيَّاتِ المُتـَّجَهةّ

قراءة نقدية للنص الشعري:مُنعطف الوقت
للشاعر مروان ياسين الدليمي
   
كتابة نقدية : د. أياد آل عبـّـار
تورينو- ايطاليا


ساعةَ امسَكَتْ الخاتمة ُغفوتَنا/عَبَرنا بلاداً/ أستيقظت منازلها/على/ وشم العتاد ./أنَذَاك/ ثقبنا أجراسَ الهواء /مُلطّخاً/ بأحذية خلفها غُربَاء .
الزمان والمكان كميتان متجهتان وكل كمية متجهة هي ذات أبعاد ثلاث تتحدد بالكم والنوع والسببية وهي في نفس الوقت ذات مسار معين لا يتغير إلا َّ إذا عبر من حيز الى آخر. والإنعطاف "الإنكسار"لا يكون إلا َّ رَدَّة فعل لحدث سابق له، كأنَّ الكمية المتجهة تعبر من حالة الى أخرى أو من حيِّز ٍ ذي كثافة الى حيز ٍ ذي كثافة أخرى، مثلا إنكسار الضوء أو غيره عندما يمر من الهواء الى الماء. الوقت وهو كمية مُتـَّجهة يحتوي على كل تلك الصفات الآنفة الذكر والى جانبها فإنـَّه يتقلـَّدُ الفرح والمأساة، الحزن والسعادة، الألم والطوبى، الحَيْرى والطمأنينة. ومنعطف الوقت سيُؤدِّي حتما ً الى ما كنـّا لا نعرفه وكان مجهولا وربما لم يكن بالحسبان أو على الأقل لم يكن مُتـَوَقـَّعا ً. الوقت دائما له ثلاث حالات ملتصقة ببعضها ولا تفترق أبدا هذه الحالات هي الماضي والحاضر والمستقبل. الماضي والمستقبل هما حالتان متناقضتان، الأولى محددة وكانت قد بدأت وأنتهت فهي حالة مُعَرَّفـَة بـ"الـ" التعريف! وأمّا المستقبل فهو على العكس بالضبط: هو حالة تكمن في المجهول.
" وأَعْلـَمُ مَا فِي الْيَوْمِ وَالأَمْسِ قَبْلَـهُ وَلكِنَّنِـي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَـمِ"
المستقبل له ما ليس لنا فهو دائما يسبق ملكيتنا وما نستطيع أن نتملـَّكُهُ ويتعداها، يفوق قوتنا ويقف لنا بالمرصاد، إنـَّه من مُلك "ﭙروميثيوس" "Prometeo" حسب عقائد المثولوجيا الأغريقية ـ اللاتينية! أمّا "اليوم" فهو ليس إلا َّ وليد المستقبل وميت الماضي وهو حالة من القلق وعدم الإستقرار! الحاضر هو تفاعل وانفعال، كسب وخسران، حرب وسلام، حب وكراهية، غبن وثقة، صداقة وخيانة، بحث وإكتشاف، نجاح وخيبة، صراع مستمر يطول لحظة واحدة! ولكن هذه اللحظة في أحيان يكون الأحساس بها دهرا بكامله، عمرا بطوله وعرضه، هذه اللحظة التي هي وليدة المستقبل وميِّتـَةُ الماضي هي ذاتها الوجود الحقيقي لكل مخلوق موَّاتٍ:"موجود لغيره" أو "ممكن الوجود"! "منعطف الوقت" كان في لحظة من عمرنا، من عمر الشاعر مروان الدليمي، وهاهي هذه اللحظة دائمة قائمة فيه وفينا ـ ما أقام عسيب ـ! هي ساعة الخاتمة التي طوَّقتـْنا وأمسكت بنا على حين غفلة، تلك الغفلة كانت مُقـَدَّرة من قبل ولم نكن لِنـُحِسَّها بسبب غفوتنا؟! هل هذا صحيح؟ هل كنـَّا نائمين؟! لا أعتقد ذلك! لقد كنـَّا وسُمُّ الموت في أجسادنا وأرواحنا والشاعر كي يُخـَفـِّفَ الوطـْأَة علينا وثقل الذنب قال: " ساعةَ امسَكَتْ الخاتمة ُغفوتَنا"! فالشاعر ـ أوَّابٌ مُنيب ـ يخاف أن يجرحنا أكثر ممّا جُرِحْنا، أن يقتلنا أكثر ممّا قـُتِلـْنا. "الخاتمة" يُمكنُ أن تكون بداية فمنعطف الوقت هو بداية للإستمرار في العيش في وقت آخر وهو بذاته ليس إلا َّ شكلا ً أخرَ "للممكن الوجود" هذا الشكل والمضمون لهذا الإنعطاف هو العبودية ـ الخسران ـ الحزن ـ والرؤيا الأخيرة التي ملؤها المأساة والألم: بلادٌ منازلها استيقضت على وشم العتاد!الوشم هو ذاك الذي سببه الرصاص والقنابل والقصف والخراب، إنه وشم معركة وحرب لا تزال قائمة على قدم وساق، حرب مُستعمِر ٍ أتي من من الخارج ومن بعيد، وحرب دائمة من الداخل، داخل الجسد الموشوم والموسوم بانفصال وتناقض أطرافه ومكوناته لما تحويها من سموم الماضي البعيد والقريب، بطائفية الحاضر التي تحوي كل جهل وغباء الماضي ومجهول المستقبل، تلك الطائفية التي تفشت كالسرطان في حاضر الوجود، الوجود كله عقلا وفكرا، جسدا وروحا ولم تـَعُدْ تـُحِسُّ بآثار أحذية الغرباء الذين داسوا على شرف وكرامة وجود الأنسان بذاته وفي ذاته!
كفَرنَا برائحة التراب /وكأناّ صدّقنا ثانية ً/بأنّا سنشربُ كؤوسَ المشهد ِ /مُعمَّداً بالغَسقْ ،/وأنّ المقاهي ستحل ُّ بعد قليل لغزَ/عُزلتِنا/ والحكماء سيقطنون عَنابرَمن تورّط بالحروبِ/ والرهاناتِ الخاسرةِ ،/وأننا بعد هذا :/لن نَتَلفَتَ بِرجولتِنا/ولن نرسم أمطارَنا/ وشهوتَنا للبحر / ورائحةَ النساءِ.
عندما تصل المعاناة حدَّا ً لا يُطاق والألم يزيد على مجرَّد "غمامة صيفٍ عَنْ قرِيبٍ تـَقـْشَعُ" والحزن يُمسي المأكل والمشرب والهندام والمأوى، عندما اليأس يرتدي جلباب الأمل والخيانة تتزوَّقُ وتتجمَّل لابسة ً قناع الثقة وتنقلب الأشياء على عكس ما هي عليه ويسقط الوجود كلـُّهُ في أقصى الحضيض فإنَّ ـ الرجل، الإنسان، الشاعر، الفنان، المفكرـ (يكفر)! كلُّ شيئٍ يكفر بكلِّ شيئ، وإذا "كفرنا برائحة التراب "فنحن في حالة من المستحيل أن تصفها الكلمات أو أن يـُطِيلـَها أي تعبير يُفـْصِحُ عنها. "التعميد" مفهوم يدلُّ على التطهير من الدنس والزيف والإثم، وإذا أصبح المشهد أمامنا معمددأ ً بالغسق ـ الدم فهو سيكون طاهرا وخالصا من كلِّ ما يشوب ذاته وشكله، ظاهره وباطنه. الخدعة هي ها هنا: أن تظهر الأشياء على غير حقيقتها وعلى الشاعر أن يكشف هذه الخدعة! كنـّا فيما مضى قد عَلـَّمونا بإنَّ الشاعر ـ الفنان هو أكذب الخلق! وهو الذي يرسم الواقع ـ الطبيعة بغير ماهي عليه وكلمـَّا كان كذبه أكبر كلما كانت قصيدته تزداد روعة وجمالا ً! أمّا اليوم فالشاعر يبدو أكثر صدقا من الواقع ذاته، بل هو مرآة صادقة في عكسها لصورة الواقع دون أن تستبدل يمنها بشمالها، دون أن تغير أو تزيد من ألوانها وشكلها، دون إضافة أو نقصان لأن الواقع قد ارتدى جلباب الرمز، الرومانسية والسريالية وها هو الشاعر يُعيدُ صورة الواقع الى حقيقته! أن يُصَدِّقَ من يرى كلَّ ما أمامه من زيف سيصبح حتما في حالة من الغثيان والشرود والسحر الذي يشلُّ إرادته ويعطـِّلها بحيث أنـَّه سَيُصَدِّق! بينما الشاعر يستخدم الكلمة، المفردة، وهي من أخوات "إنَّ" اللاتي لم يزلـْنَ على قيد الحياة :(كأنَّ) ! كأنَّ هذه هي للتشبيه لا غير، فالشاعر لم ينخدع بما أمامه من واقع مزيف: المقاهي التي سيكون بإمكانها أن تحلَّ اللغز[ بينما نلعب الطاولة والدمينو والنرد وغيرها ونحتسي الشاي الغامق الحمرة الشبيه بدمائنا بل كان قد اُسْتـُقـْطِرَ من دمائنا]، لغزالعزلة، وتعرف سبب نزول الحكماء وعيشهم في عنابر أولئك الذين تورطوا بالحرب والرهانات الخاسرة! وهذا ما سوف لن يحدث، فهل سيمكننا أن نلتفت برجولتنا ونرسم أمطارنا وشهوتنا للبحر ورائحة النساء؟!
رحيلنا ،/على تلك النوافذ ... حِدادْ/مُشتهانا بلادْ./ فوق كنيسةِ الساعة -1-/ كم أيقظَ نعاس الشمس/ رنين الناقوس./ كم أقتربنا من/رجولتنا/ وابتعدنا كثيراًعن طفولتِنا فأنكسرنا/ وانكسرنا/ وانكسرنا./ حفاةً نمضي/ يُظَلِلُنا الغبار.
الحداد أكثر ألما من الجرح ـ الموت، الحداد عندما يكون نافذة ستصبح كل الدنيا عبارة عن مأتم، كل ما نراه، نـُحِسُّهُ، نفكر به سيصبح مأتم؛ الوجود كله مأتم! وكل ما سنشتهيه هو بيت ـ بلاد تستر عورتنا وضعفنا وقلة حيلتنا! هناك حيث "كنيسة الساعة" حيث ربى الشاعر وربيت أنا أيضا، الكنيسة ونواقيسها التي كانت توقض نعاسنا ونعاس الشمس عندما كنـَّا نستغرق في نومنا على سطوح المنازل في ليلة تحفها النجوم والصيف يُهدهدُ هواءها العليل! تلك الكنيسة وتلك " نينوى"! نحن كلما رحلنا واقتربنا وأصبحنا تمائم في أحشاء رجولتنا كلما ابتعدنا عن طفولتنا وانكسرنا، تفتتنا، تبعثرنا وفقدنا قوة سفرنا وترحالنا إذ أصبحنا حفاة! يقول أحد أمثال شعب روما: "يكفينا حذاء جديد والقليل من الصحة كي ندور حول العالم كله"! ولكننا حفاة يظللنا الغبار ونحن نمضي عابرون الى القرارة!
عندما يُلـْبـِسُ الشاعر الواقعَ جلباب الرومانسية والرمزية والمثالية والسوريالية سنقول عنه كاذبا متغطرسا يتلاعب بالحقيقة والواقع! ولكن عندما ينزع الشاعر كل هؤلاء عن الحقيقة والواقع ويُرينا إياهم عاريين كما خلقهم الله فماذا سنسمي الشاعر الفنان حينها؟!
بكامل ِوعيِنا /شطَبنا الياسمينَ/ مِن وجوهِنا/ تعقَّبْنا أناقة/النُّعاس في رطوبةِ أزقَّتِنا/ علّقنا رائحة َالاوتارِعلى/ حيطان ِتوبتِنا، /كأنَّ رحيلنا
مُذ خَرَجنا من رعشة ِأُمهاتِنا/ يلفّقُ المنافي لنا/ أينما أتجهنا .
الوعي هو كل ما يملكه المخلوق من وجوده الحقيقي وإذا فقده فإن كل ما يمكن أن يكون من بعد ذلك فهو هرطقة لا وجود لها، أو أنها محض حالة، غيمة عن قريب تقشع! الصورة الشعرية هنا تفوق عمل صانع الفخار الذي يحاول أن يكسر ويحطم كل ما صنعه من قحوف وجرار وآنية كي يبيعها ويعيش بذلك الثمن الزهيد بقية حياته، ولكن ها هو يحطمها، يحطمها ويكسرها فقط لأنه قد جُنَّ بالعشق، إنه قد محى الياسمين من وجهه فهو لا يهمه أن يتزوَّق أو أن يتحلـَّى بالياسمين ورائحته العبقة، بل سيبقى ملطخا بالطين وعالقا به من رأسه وحتى قدميه، فرائحة الطين هي وجوده الحقيقي والذي سيودي به الى الفوز! ذلك كي يتعقب آثار عشيقته: أناقة النعاس في رطوبة الأزقة القديمة [ أزقة أحياء باب لكش، باب البيض، باب الطوب، الدواسة، النبي شيت، الساعة، السرجخانة وغيرها وغيرها...]، إنـَّه سيفوز مُعلـِّقا رائحة الأوتار، رائحة العزف على حيطان التوبة؛ كل هذا هو الظاهر من الأمر، أمّا الشاعر، وبالرغم من استعماله كلمة "كأنَّ"، فإنـَّهُ مُوقِنٌ بأنَّ ذلك ليس حقيقة، إنـَّه يعرف مسبقا ً بأنـَّه ومنذ لحظة خروجه من "رعشة إمه": لحظة الطـَّلـْقِ وآلامه، سوف يرافقه الرحيل وهذا الأخير بدوره سوف "يُلـَفـِّقُ" المنافي له، بل يجعله يعيشُها متوحِّدَةً بوجوده الغائص في رطوبة أزقته وأناقة نعاسها! إنه كغيره من مُشتهي بلاد " كنيسة الساعة" و"نينوى" سوف يكون منفيا ً أينما اتـَّجَه!
أودّ الانَ/ أن لاأستدلَّ على وجهي/ أن اشطُب سَمعي/ أن أطفىءَ بَصري ./ أنحدِرُ بالوصايا/ الى مُنعطفاتِ المراثي / أطيلُ انتظاري بعيدا ًعنها/ إلى أن يأتي نشيدُ العَدم .
بعد كل الذي حدث، بعد المجازر والدماء التي كان الغـَسَقُ قدِ اسْتدان منها اللون والطعم والرائحة، بعد القتل والتشريد والتعذيب والتهديد والأغتصاب والقهر، بعد الإحتلال والإنشقاق والذل والموت وبعد "كان ياما كان" يصل الرجل الى حالة قصوى لا يستطيع بها حتى الوجود كله بما فيه من قوة وعظمة أن يحتملها، هذه الحالة تفقده قوة الفعل والرد على على تلك بما يستطيع به الخلاص منها، فيصبح وجودا ضعيفا يحاول الهروب والتملص من مما يعتريه من خسران، هذه المحاولة هي ليست إلا َّ استمرار للحالة نفسها! الإستمرار بالتقهقر والإنحدار الى هاوية العدم. الرجل هو رجل كل زمان ومكان ولكنه هو ذاك، لا يستطيع أن يتخلض من سببيَّتِهِ. لا يستطيع أن يتعرى وينزع عنه هندامه القديم وإن كان قد تمزق وأصبح أوصالا لا تقيه من شيئ ولا تدل عن هويته أو أيِّ معنىً لوجوده؛ الشاعر يستمر في الإتجاه نفسه، المنحنى الذي تسير به حالته ليكملها وينهيها عن بكرة أبيها: هو لا يريد التعرف على وجهه حينما استدعته السلطات للتعرف على "ضحية العصر الكبرى"، أللا َّ يسمع، أللا َّ يرى، أن يرمي بالألوح ويكسِّرُها، يُفـَتـِّتـُها مُلـْقِيا ً بها على "منعطفات المراثي" وأن يقيم بعيدا عنها مطيلا إنتظاره حتى يأتي "نشيد" الموت.
هل أنا هُناك ؟/ أستيقظ ُخارج عُزلتي/ أُرَوِّضُ أعترافات أصابعي
أمدُّها من نافذتي/ لعلها في لحظة ٍ/ قَدْ تُمسِكُ غيمة ً هاربة ً/
من نينوى - 2 - .
إنـَّهُ مأزقٌ لا محالة منه، مأزق الوجود المفعم بالغربة والحزن والألم المُعَرَّف بـ "ألِفِ" التعريف الكبيرة وبالرغم من هذا فهو ألم مبهم! ألم العزلة والفراق المبللل بدمع لم تره العين من قبل، لم يسبق وأن ذاق اللسان ملوحته ومرارته، إنها دموع خفية تودي الى اعترافات الأصابع الممتدَّة الى نافذة، هي بذاتها متواجدة بين
"... تلك النوافذ . . حِدادْ"، إعترافات هذه الأصابع هي الرغبة والشوق الى غيمة، سحابة تمر، ربما، هاربة هي الأخرى من "نينوى" حاملة بعض، بعض، بعض ما تشتاق إليه الروح ويتوق إليه القلب.
خلفَ أسيجة ٍتتعقبني/ أجتازُ إنتظاري ،/ أنا الغريبُ هناك/ كما هُنا .
الغربة في رحم الأم، الغربة خارج رحم الأم "كأنَّ رحيلنا مُذ خَرَجنا من رعشة ِأُمهاتِنا"، الغربة في أصقاع بعيدة، في كلِّ مكان وزمان الغربة قدر كل أولئك الذين كانت قد زُرِعَتْ فيهم نخلة من نخيل العراق وياسمينة من يَسَامِين ِ "نينوى"! سبب هذه الغربة ليس المكان ولا الزمان، سَبَبـِيَّتـَهَا تكمن في قلب ذلك الحدث : الخروج من رعشة الأم! أن تكون غريبا هذا ليس معناه أن تتحرر من قيودك وتتخلص من جذورك، بل على العكس، إنك تزيد منها وتجعلها أثقل وأكثر قوة وصلابة، فالغربة تتضاعف وتصبح غربتان وثلاث وأربع و...الى ما لانهاية، ما لانهاية الغربة هي تلك "الأسيجة " التي لاتفتأ تتعقب وتفتش وتطوق "المغلوب على أمره" بالرغم من إمكانه أن يجتاز أنتظاره فهو سيبقى :" أنا الغريبُ هناك/ كما هُنا ."!
السكونُ/ الرجلُ الطاعنُ في السِّنِ/ وسائقُ التاكسي/والعابرون من المنافي تحت قلعة ِأربيل -3 -/ كُلهم/ يفتحُ خزائنَ الرّيبة ِ/ ليستجوب سحنتي.
إذا كنتَ غريبا ً حتى وإن كنت في رحم أمِّكَ، فستبقى كذلك أينما كنت وحللت وفي أيِّ زمان! أنت موسوم بهذه الغربة وموشوم بنارها حتى النخاع وكل من سيراك سـ "يفتحُ خزائنَ الرّيبة ِ" والشَّكِّ، سَيُقـَلـِّبُ كلَّ مايجده ويبحث في تلك الصناديق المغلـَّفة بالغبار والتي كان الدهر قد أكل عليها وشرب! وسيحاور ذاته وأدواته في خزائنه عَلـَّه سيجد "خاتم نبينا سليمان"! ويتعلم كل لغات مخاليق الله، سيتعلم لغتك، لغة "السكون" ولغة " الرجلُ الطاعنُ في السِّنِ" ولغة " سائقُ التاكسي" وسيدعو كل " العابرين من المنافي تحت قلعة ِأربيل" كي يجد الطريق إليك وسيستجوب سحنتك، سيبحث في خزائنه مرَّةً أخرى وأخرى وأخرى...حتى يلهث ويفهق ويتصبب العرق من جبينه وتجف شفاهه ! سيبحث عن أيِّ شيئ يستطيع به أن يَحُلَّ "عُقـْدَةً في لِسَانِك" ويجعلك تنطق، تحكي، حتى إذا لم تكن تفهم لغته ، سيطلب منك أن تكلـِّمَهُ "رمزا" وإن كانت آيتك "أللا َّ تـُكلـِّمَ النـَّاسَ ثـَلاثَ ... ـ قرون ٍـ سَوِيـَّا"! ويسأل: مَنْ...؟! وسيتكرر السؤال ألف ألف مرة وستكون الإجابة نفسها ألف ألف مرة؛ وبعد الإعياء والتعب، بعد خيبة الأمل والتراجع والأسى والأسف والحزن هل ياترى ستكون الإجابة كالتالي:
أجاَرَتـُنـَا إنَّ المَزَارَ قـَريـــــــــبُ وإنـِّي مُقِيمٌ ما أقـَامَ عَسِيــــــــــبُ
أجَارتـُنـَا إنَّ الخـُطـُوبَ تـَنـُـــوبُ وَإنـَّي مُقِيمٌ مَا أقـَامَ عَسِيـــــــــــبُ
أجَارَتـُنـَا إنـَّـا غـَرِيبَانِ هَاهُنـَــــــا وَكُلُّ غـَرِيبٍ لِلـْغـَرِيبِ نـَسِيـــــــبُ
فـَإنْ تـَصِلِينـَا فـَالقـَرَابَةُ بـَيْنـَنـَــــا وَإنْ تـَصْرِمِينـَا فـَالغـَرِيُب غـَرِيـبُ
أجَارَتـُنـَا مَافـَاتَ لـَيْسَ يَـــــؤُوبُ وَمَاهُوَ آتٍ فِي الزَّمَانِ قـَرِيــــــــبُ
وَلـَيْسَ غـَريبا ً مَنْ تـَنـَاءَتْ دِيَارُهُ وَلكِنْ مَنْ وَارَى التـُّرَابُ،غـَرِيـــبُ ؟؟؟!!!
ولكن ما سبب الغربة وما علتها؟ ماهو ذلك الحدث الجسيم الذي بوقوعه تكون الغربة نتيجة له؟ لماذا يتخلـَّى المرء عن ذاته، عن "الأنا" التي هي مصدر وجوده الأول وهويته في حياته على هذا الكوكب المسكين؟! هل هذا السبب كما يقول الطغرائي: "
إنَّ العُـــــــــلا حَــــــدَّثـَتـْنِي وَهْيَ صـَـــــــــادِقـَةٌ فِيمَا تُحـَــــــــــــــــــــــــدِّثُ أنَّ العِزَّ فِي النـُّقـَلِ ،
أم أنَّ القضية تتعلق بما كان يقوله المثاليون الألمان مثل هيجل"Hegel " وغيره: ـ الأنا تغترب عن ذاتها، فتتحول من "أنا" منتهية ومحدودة الى "أنا" غير منتهية وغير محدودة، أي لا نهائية ومطلقة! فهي "أنا" الإغتراب عن الذات و"أنا" المعرفة! وهل المعرفة هي سبب الإغتراب؟إنَّ كل ما يجعل الإنسان لا يشابه عصره وزمانه ومكان عيشيه سيجعله حتما غريبا عنهم بصيغة أو بأخرى :" الأعور في عالم العميان إما أن يكون دخيلا غريبا أو أن يكون ملكا"؟! هذا الإختلاف أهو الغربة؟ وإذا كان كذلك أهو مصدر المعاناة والحزن والألم والمأساة؟
مضى العُمر/ وانا لاأتقنُ إلا ّ لغَتي/ في شوارعَ/ تهدّمت أُنوثةُ النهار فيها/ وتعثّر الكلام بتجاعيدها .
"هذا العمر قضى" هذا ما قاله ويقوله الكثيرون! أمّا أن المرء وبعد أن مضى أكثر عمره وهو لا يجيد ولا يتقن ،بعد كل هذا وذاك، إلا َّ لغته فإنَّ هذا هو الفوز العظيم! هذا هو الصدق بكل أشكاله وجوهره، ما من شك بأن لغة الشاعر في هذه القصيدة هي لغة سَلِسَة ٌ واضحة لا شائبة فيها ولا أخطاءً لغوية أو نحوية أو إملائية كما في الكثير من القصائد والمجموعات الشعرية التي تصلني بطريقة أو أخرى للكثير من الشعراء الكبار منهم والصغار! لا شك من أن مروان الديليمي يجيد لغته ولسانه هو "لسان العرب"! وها هو يعترف بذلك وكأن معرفة اللغة هي ذنب قد اقترفه في زمان من يجهلون لغتهم وأصلهم وشرفهم من العرب الباقية التي لا حق لها في الوجود وقد كان من الأوْلـَى بها أن تلحق بـ "العرب البائدة"! هذا العمر قد مضى، أين؟ في " في شوارعَ/ تهدّمت أُنوثةُ النهار فيها/ وتعثّر الكلام بتجاعيدها ."هل أنوثة النهار تعني أن في تلك الشوارع، شوارع العمر لا تسير فيها إلا َّ المحجبات والاتي لا يُرى منهنَّ إلا َّ "حجما" داكن اللون أسودَ، دائريا ً أو مربعا ًأو مستطيلا ً لا يُدرَكُ منه الوجه من العقب ولا الرأس من القدمين؟ أم أن أنوثة النهار هي ذلك الحب الكامن في القلب والحشا لتلك الشوارع التي تؤدِّي الى "كنيسة الساعة" وتلك الشوارع التي تـُزَوِّقُ وجه وجسد "نينوى"؟ الشوارع المهدَّمة، التي انهار وتكسر وانهدم العمر فيها ولم تعُدْ إلا َّ أطلالا ً هاوية وعروشا خاوية! لغة الشاعر وإنْ كانت لغة جميلة ورائعة ورصينة ها هي تتعثر كما الكلام يتعثر في في تجاعيد ذلك الوجه ـ الشوارع!
اليومَ ، رزمتُ أختلافي مع المُتمترسينَ عند ظلال الخوف ،/ وهم ينصتون بشغف ٍلمشقَّة البلاد .
رَزَمَ: فعل ماض مبني على الفتح والـ "ت": فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة على آخره!!! ـ هكذا علـَّمونا في المدارس! رزم بمعنى حزم ونقول في ما نقول من تعابيرنا في لغتنا الجميلة: حزم الرجل متاعه للرحيل، ورزم التلميذ دفاتره للذهاب الى المدرسة! ورزم رجل الجبل " في العراق وفي الشمال منه عادة هو رجل كردي عراقي"صفائح التبغ اليابسة ليأخذها الى السوق ويبيعها لمدمني التبغ مثلي! وإنْ كان معنى رزم هو حزم ولكن يبقى الإختلاف بينهما كبيرا والشاعر استخدم في تعبيره الفعل "رَزَمَ" وليس "حَزَمَ"! هذا لأنَّ الشاعر لا
"لايُتقنُ إلا ّ لغَته" فهو قد رزم في آخر الأمر اختلافه مع المتمرسين عند ظلال الخوف منهم وعليهم بينما هم شاردون يتنصتون بشغف الى الأخبار وما يحدث من معاناة ومشقة في البلاد؛ الشاعر رزم دفاتره كأي تلميذ مجتهد وجبان في نفس الوقت وذهب في طريقه ليجلس على "باب الله" وهو يقول: من منكم أفقر مني فأنا لا أملك إلا َّ لغتي هذه، فيرد أحد المارة عليه قائلا ً: أنت أغنى ناس عصرك!
نينوى رتَّبَت شكلَ التراب على وجهي/ مَشَت بي الى سماء ٍمُرتبِكة
فهل من بلادٍ مثلها؟/ الشمسُ فيها باتت منازل للطارئين/ الساعةُ الانَ لهم/ ونحن على طاولة ٍللتجاذب/ نحدِّقُ في ساعة ِموتِنا.
في "مدينة السينما" "Cinecitta "في روما، في إحدى الأيام الخوالي كنت أتجول هناك ودخلت بناية وفي إحدى ردهاتها وجدتني أما باب غرفة، دخلت، وجدت الكثير من الممثلين والعاملين وهم في شغل شاغل من أمرهم: المُزوِّقون والمُهّنْدِمُون يعملون بكل اجتهاد لتحضير أزياء الممثلين من ملبس وتزويق، كنت أرى أحد الممثلين وهو جالس على كرسي أما مِرآة وعلى منضدة أمامه الكثير من القناني والأصباغ وأدوات التجميل وكان أثنان من المُزَوِّقين يعملون بكل تركيز على تهيئة ذلك الممثل للمشهد الآتي الذي سيبدأ تصويره بعد قليل! وها هو شاعرنا "الممثل الأول" في "مسرح العبث" أو في السينما "الواقعية الجديدة الإيطالية"! ها هي "نينوى" تـُزَوِّقُ وجهه وتـُعِدُّ شكله وهندامه للوقوف أمام عدسة آلة التصوير، أمام المخرج "مروان ياسين الدليمي"! نينوى رتَّبَتْ شكل التراب على وجه الشاعر وأخذته نحو سماء مرتبكة! (الحقيقة هي أن الإرتباك كان ارتباك الممثل وليس ارتباك المخرج ـ السماء). فهل من بلادٍ ـ عشيقة مثلها؟، كان مروان الشاعر يتمتم ويوهوس ويوشوش في إذن نفسه قائلا ً: هل من بلادٍ ـ عشيقة مثلها؟! يا حسرتي! الشمسُ فيها باتت منازل للطارئين/ الساعةُ الانَ لهم/ ونحن على طاولة ٍللتجاذب/ نحدِّقُ في ساعة ِموتِنا.كانت هذه الكلمات الأخيرة التي سمعتها من ذلك الممثل قبل وقوفه أمام عدسة آلة التصوير!
مُنعطفُ الوقتِ/ لا أبتداء/ ولا انتهاء له./هل أطعنُ ما أقولْ/ أم لا أطعنُ ولا أٌقولْ؟
المنعطفات هي ذاتها في كل زمان ومكان، المهم ليس هذا وإنما سبب تلك المنعطفات وعن هذه الأسباب كلها يجيبنا صديقنا العزيز الذي كان قد عاش من قبلنا وانعطف في إحدى منعطفات "نسبيَتِهِ" ولم يعُدْ أبدا، كان إسمه على ما أذكر "ألبيرت أينشتاين"! لك الخيار أيها الشاعر المأخوذ لبا وروحا وجسدا بحب عشيقتك وعشيقتي "نينوى"، لك أن تختار في أن تطعن ما تقول ، أو لا تطعن ولا تقول وتنعطف، ففي الحالتين ستكون معطوفا على ما قبلك وأنت بدورك سيكون هناك من هو معطوف عليك، فـ " مُنعطفُ الوقتِ/ لا أبتداء/ ولا انتهاء له.".
ماعدتُّ أٌبصرُ أيَّ طريق ٍ يقودني(إلى الظلمة) للظلمة/ كأناّ تقوَّسْناعلى الأسى/ وأفرَغْنَا بريدَ نا على وجه ِالعَتَبات.
الطرق الظلماء كثيرة ولا تكلفنا شيئا ً ويمكننا المشي بها كيفما أردنا ولكن طريق النور واحدة! ( هذا ما قاله جدي عنما كان يأكل الكبَّة الموصلية ويشرب من ماء دجلة!) ومن ثم هو أيضا وكأنـَّهُ تقوس على الأسى وأفرغ بريده على وجه العتبات!
هَرَبْنا/ ثم أحرَقْنا، أسماءَنا خَلفَنا/ ومَحَونا الطريقَ / فهل أخطأنا لمّا شَطَبْنا أخطاءَنا؟/ وإن كنّا لمْ نَزَلْ/ نَقطنُ ما شَطبْنا .
ها هو الشاعر يعترف ولا نعلم هل أن اعترافه هذا: صادقٌ أم لا! ولكن نحن نعرف مثله أيضا من أنه بعد الهروب سيكون الحرق وأن الأسماء وإن بقيت فلا معنىً لها ولا قيمة مادية أم أخلاقية كانت، ومعالجة الخطأ بالخطأ ليس فضيلة وإفراغ كيس بريدنا على العتبات سوف لن يخلصنا من قدر محتوم من قبل كان قد صدر قانون العمل به إجباريا ً!
13/ 3/2013
الهوامش
1- من أقدم الكنائس في الموصل.
2- التسميه التأريخيه (الاشورية) لمدينة الموصل.
3- قلعة تاريخية في وسط مدينة اربيل ( اربأيلو) لازالت شاخصة حتى الان. يعود تاريخها الى عصر الآشوريين والى حوالي الألف الأول قبل الميلاد.
هذه القصيدة لا تزيد عن اعتراف كامل، هذا الإعتراف مظلل ومخطوط بواقعية سوداء وملساء مثل الحجر الأسود! والحجر وإن حكى ويحكي بلغة صافية وشفافة تبقى لغته التي يفهمها فقط من كان على علم بالكيمياء والسيمياء وعلوم الباطنية، لغة الرجل المسن وسائق التكسي والعابرين...، لم تعد السوريالية ولا الرمزية المثالية لتطيق هذه النصوص فهي أبعد منهما بكثير، إنها الواقع البائس المؤلم بحدوده الضيقة وأجوائه المتخمة بالغازات السامة المميتة ولكننا، نحن لسنا إلا َّ حشرات نتحول ونتبدل ونكتسب دائما خاصيات أخرى وقوى هائلة تجعلنا نواكب العيش في هذا الواقع المأساوي لنتخذ من سمومه ومأساته طعاما وشرابا يومي وبذلك نحمد ونستغفر ونسأل إدامة هذه النعمة!


 
                           

نشرت في صحيفة الزمان العدد 4070 الاربعاء 14/12/2011


                     اسألُكم . . وأجيبُ عن اسئلتي  ؟

هذا الوطنُ المُتخم ُبالثروات ِ مَدينٌ لي حتى قيام ِالساعة ْ
مع أني لاأملِك ُ شيئاً ُيذكر فيه.
سوى ازمنة ٍلغناء الروحْ  
وقلبٍ  تسكُنُهُ امرأةٌ تمنحُني صباحات ٍحلوة ْ
أُغْمِضُ جفنيّ على صورتِها كل مساءْ
في بلد ٍيهربُ من قسوته ِالشعراءْ  .
دون منافس
يتربّعُ على عرشِ القمعِ
بين جميع ِالبلدانْ . . . .
اه ٍكم كان بخيلاً  بالحُب ِّ
مذ كنتُ صغيراً،
أتهجّى
وأُخطِىءُ
في نُطق ِحُروف ِاللُغة ِ
حتى عَبرتُ العقد َالخامس َمن عُمري
 وأمسى لونُ الشعرِ الفاحِم ُ أبيضْ. . . .

أشعرُ أنّي مازِلتُ فتيّاً ً
أغفو  فوق ضفافِ البحرِ
أستمتعُ بالشعرِ
أركضُ خَلفَ  فراشات ِالحُلم ِ
رُغم َ تجاعِيد ِالوجهِ
والضَّعفَ الواضِح َفي البَصَرِ،
كُلُّ حياتي يقظاً كنتُ
لم تأسِرْني همومُ الدنيا . . . . .
ليس مهماً ياوطني
أن اتغاضى عن بعض ِديوني
فنحن سوياً كنّا
في كل فصول َالعمرِ ،
تركُلنا
ازمنةٌعاصفةٌ بالقلق ِ
وشعورٌ دائمْ  بالغمِّ ،
فالعِشرةُ لاينكُرُها الاّ من كانَ بلا شرف ٍ .  . . . .

يُمكنُني مثلاً  أن اتغاضى :
 عن صفعة ِشرطي لي  
عن تجربةٍ فاشلة ٍفي الحُبِّ
عن حر ِّالصيف ِ
عن حرب ٍمُهلكة ٍ ماانفكّت
حتى أخذت  رُغماً عني
ثمانية َاعوام ٍ من عُمري  . . . . . . .
هذا الشعبُ عجيبْ ،
رُغْم جراحاتِهْ
ورغم حضاراتِهْ
ورُغْم الخيرِ الطافح ِمن  تُربته ِ
ورُغْم تَفرُّده ِوتمرُّده ِوتقشُّفه ِوتنعُّمه ِوتقدُّمه ِوتأخُّره ِوتحطُّمه ِوتسوُّلهِ وتعفُّفهِ  وتجزُّئه ِ,وتهوُّره ِوتجبُّره ِوتحسُّره ِوتماسُكه ِ وتقهقُرهِ وتكبُّره ِوتثلُّمه ِ.
لم يفهم  ابداً ْمعنى الحُريّة َ.
معنى أن يُصْبِح َ لعبةَ َشطرنج ٍ بين الدول ِالكُبرى والدول ِالصُغرى والدول ِالطارئةِ والطامحة ِوالجائعة ِوالحاقدة ِوالخاسرةِ والناكرةِ والحاسدة ِوالناشئة ِوالزائلة ِوالناقصة  ِوالمعتوهة ِ والمرهونةِ ِوالمجنونةِ . . . .
لم يَفهم معنى :
أن يَسقُط َفي فَخ الساسةِ وبعض ِرجال ِالدين .
أن يَعْبُد َ رئيسَ ُالدولةِ أو الحزب ِحَدّ التقديس
ويُصَدِّق بكلِّ  بساطة إِعْلامَاً تنتجْهُ ماكنة ُالسلطة ْ
 بِدأً مِنْ أحوال ِالطقس ِ
وحتى اخبار ِالبحث ِبشكل لايَقبلُ ايَّ جدال ٍ
عن سبل ٍوقواسمَ  مُشتَرَكة ْ، قد تجمع  ابناء الوطن الواحد ،
من كل الفرقاءْ
لم يَفهَم ْمعنى أن يُسْرَقَ صوتَُهْ
 من زعماء ِالكُتل ِالكُبرى  
لم يَفهَم اخطاء َالماضي
فوضى الحاضر
لم يَفهَم ماذا عَليه أن ْيَفهَم :
 أحلامَهْ
أعداءَهْ
إخوانََه ْ.
لم يفهم حتى ذاتَه ْ. . . . .
لم يَفهَم رُخْصَ بيانات  ِالشّجبِ وخطابات ِالتهديد ِ المبتذلة ْ
رُغْم َعُهود العُهر ِ
عفواً ،
رغم عُهود القَهر ِ
ورُغْمَ شعارات ٍ واناشيدَ ٍوكتابات ٍكاذبة ٍ
تتغنى  بالثورة ِوالوحدة ِوالتحرير ْ
لم يشبع منها ِ ابداً ، تندلقُ
من تحت بَساطيل ِالعسكرْ
فوق رؤوس ِالناس ِالبسطاءْ . . . .
لم يَفهَم أبداً
ماذا عليه أن يَفهَم . . . .
هو شعب ٌفطريٌ ،قروي ٌ،بدوي ٌ، طيّبٌ جداً.
حضريٌ ،  متخلفٌ ، متعصّبٌ جداً.  
يَنسى الحِكْمَة َوالدَّرسَ سريعاً
في اقسى لحظات الشدة . . . .
لكن . .
هل يُعقلُ ان ينسى احداثا ًمرّت في الموصل ِايّام الشّواف ْ؟
هل ينسى الانفالْ؟
سجنَ ابي غريب ْ؟
اعتقالَ الناس ِ بشكل ٍعشوائيْ  ؟
أم ينسى سيفو وسميل وصوريا وقضاءَ حلبجة ْ؟
أم ينسى اعواماً ضاعت منه
بين دروب ِالغربة ِ والتهجير ْ؟
أمْ
أمْ
أمْ
أمْ .  .  .  . .

يُمكنُ  أن أتغاضى بكل بساطة ْ: عن حِرماني َمِن َالتعيينْ، فأرغمَني هذا  أن أعمَل  في تسعينيات ِالقَرن الماضي ،بمِهن شتى  لكسَبِ الرِّزقْ ، فكانت بالنسبة ِلي وللناس ِجميعاً ايضا هي الاقسى في سِفر ِالايام ْ، بأستثناء ِالتجار ِوأزلام  َالسلطة  ِوالقادة َفي الجيشِ ِوضباط َالامن  ِومن يحمل ُاوسمةَ َ الحزب ِعلى صدره ْأوكان صديقا للقائد ،أو من يكتُب َتقريراً سرياً عن أيِّ كلام ٍعابر ْ قد لايَعني شيئاً إطلاقا في مَجرى أحاديثِ الخَلْقِ سواءٌ في المقهى أو في الشارع أوحتى في البيت ، يُمكنُ أن يتَعلّق بِغلاء الاسعار، أوبالطقس .اوبنكات ٍتتعلقُ بالمطرب سعدي الحلي . . .
ومع هذا،
يُمكنني ُانْ اتجاهلَ مثلاً :
 - أني لاأملِكُ شِبراً واحدْ في بلدي
 - خوفي َالدائمَ  مِن ْ يوم ٍ قادمْ
 - أنْ تأكُل عائلتي من عَلف الحيوان ِرغيف َالخبز ِثلاثة عشر عاما  
   تحت حصار ٍدُوليّ ظالمْ.
- أو اعمالاً مخجلة يفعلُها الساسةُ ُِبعد التاسع ِمن نِيسان من العام ِالثالث ِ
   بعد الالفين  . . . .
يمكنُ أن اتجاهل هذا ،  بكل بساطة . .
 يُمكنُني هذا ،
لكنّي . .  وأنا اقبع في  وطني
يقتُلُني،
احساسٌ بالغربةِ
 قاسٍ
 مافارقني ...
اسألكم
هل يمكنُني أن اتغاضى عنه .
هل يمكنُني ؟

مروان ياسين الدليمي    
20/11/2011


  نشرت في صحيفة الزمان الطبعة الدولية السنة الخامسة عشرة العدد 4223
يوم الاثنين 11 حزيران 2012 م





        لْوثَرْ . .   *

السّماءُ التي حَاكَت  زُرقَتَها مِن صَمتِك َ اتكأتْ عَليكْ
ثم ألقتْ على خطوط ِ كفّيكَ خَريفَ ثيابِها
الخوفُ استفاقَ مبكراًعلى  جَفنيكْ
فيما الناسُ كَانوا تحتَ وطأة ِالنِّسيان نِيامْ  .
.
انتَ البعيدُ ، في فَراغ ٍ موصِليٍّ طَاعِن  ٍهواه
كُنتَ بِه ِمُعتَكِفاً في مِحرابِ وَردِكَ ،
لاهواءَ يأتي مِن شَوارِعه ِ
لاصَوتْ
لا أهلْ
لاصُحبةْ  .
انتَ المُسافِرُ في هوى قِبلَة ٍ ،
ظِلالُها قُبُّراتْ
عَرفْتَ الكَثيرَ غَيرَها
وَلمْ تَعرفْ سِواهَا
فهل نَدِمتَ لمَّا تَرنَّحَ صَوتُكَ  سَاعةَ الوداع   ؟
أَمْ الحَيرَةُ ألقَتْ مَتاريسَ عصيانِها عَليكْ   ؟  
أَعْلَمُ أنَّكَ مَازِلتَ لاجِئاً في جِلدِها
قاصداً غِبطتَها .
هي ضراوة الحياةِ اللامُتوقَّعَة
على حَجر ٍ نَقَشَها بولص آدمْ
ثم حَمَلها بَعيداً عَن  أسوارِ نينوى   .
هي  الليلُ في  شِارع ِالرّشيدِ من أولِ هَذيانِهِ إلى الآنَ
يَنسابُ قصائدَ عِشق ٍ، مِن بَختِهِ يَكُتبها زُهير البُردى .
هي شَرقٌ تُقشَّرُ الغَازَ وحشَتِه ِ
على بُعدِ خطوةٍ مِنْ كَنيسةِ السّاعة  
قَبلَ أنْ يَتوقفَ مَاهِرُ حَرْبِي في مُنتصف ِالشّارع ِ
مُصَاباً بِالذّهولِ ليتفتادى رصَاصةً  
أخطأتْ  في الوصُول ِإِليهِ  ،
في مَسَاءٍ لافَجرَ لهُ .

هو ثَامِنُ يوم ٍ تَلكأ فِيهِ الطِّفلُ آدمُ سَاعة َالقُدّاس
فشَاءَ شَاكر سِيفو إلاّ أنْ  يُبقي السّماءَ عَلى لونِها
والاسماءَ بِنفسِ مَعانِيِها .

هي قَصَصٌ قَصيرة ٌ جداً لهيثم البُرْدَى ،
عن أعرَاب ٍتَكسَّر السّرابُ تَحتَ أقدَامِهِم
على ضِفّةِ نَهرٍ ذي لِحيَة ٍ بَيضَاءَ.
.
هي ضوءٌ يقطفُه ُ رَائد فَرحَانْ 
ليَرسِمَ مِنهُ وَجه َامْرَأة ٍ
تنتظرُ مَسرَّات ٍ قدْ تَهطلُ مِن خَلفِ زُجَاج ِالنّافذة ِ
والثّلج ُيسّاقَط
بَينَ إِطَار ِاللوحَة ِوالشّباكْ  . . .

عَلَى بَوَّابَاتِ المَدينةِ  أسئلةٌ   
في عِيون ِالضَّحَايَا أسئلة ٌ
كُلّمَا جَاء صَوتُ خْلِيِفُ مَحْمود ليقولَ لكْ : -
أنا بَاق ٍ هُنا ، فِي خَاصِرة ِ المَصِير التّافه ِ هَذا ،
حتى وإنْ إِكْتَضَّتْ مُدنٌ ومَطَارَات ٌفي جَوازِ سَفَري ،
بَاقٍ بِما يَكفي مِن الحُبْ .  

قَبلَ عَام ٍ  كُنتَ مَعَنا
وَحِيدا ً فِي  شُرفةِ الهَواجِسِ
فَتَكسَّرَت ْ أسئلة ٌعَلى شَفَتيكْ: ـ
هل نَسيَ مُزاحمُ النَّاصريُّ  أنْ يَرسِمَ  وجُوهَنَا ،
مُكتَفِياً بِالعُزلة ِعَلى شَاطِىء ٍ فِي الخَليج ِالعَربي يَموتُ الحَمَامُ مِنْ وحشتِهِ !؟
هل ابتَلعَ الصَّمْتُ عَاصِمَ هَادي تَحتَ صَقيع ِالغُربَةِ فَطَوَاهُ النِّسيانْ ؟   
هل سَتَشِيخُ الرؤى فِينَا ؟
كُنَّا مِنْ غُربَتِنا نَسكُبُ الفَرحَ عَلى الجنفَاصْ .
أينَ نَحنُ ؟
ما عُدْنَا نُداري شحوبَ الرّيِح ِبالالوانْ
لم نَعُد نَحن ُ
هل هؤلاء ِ نحن !
أخَافُ الانَ عَلى  الوَردِ في ألواني
أخافُ عَليهِ في السّواقي ،
في أخْطَائي  
أخَافُ عَلى النِسيانِ مِن النسيانْ  .

ـ كَمْ قَرأُنَا يالوثرسطورَ وحشَتِنا فِي وَجْهِكَ أسئلةً !
وأجْسَادُنَا الغَضَّة ُ في شَاحِناتِ (الِأيفَا)  مِن الضَّيمِ كَانَتْ تَهتزُّ
والأعوامُ فِي لونِ قُمصَانِنا الخَاكي خَبتْ أضْوَاءُهَا
وأنْت َكَما أنْتَ
تَرْصُدُ أزْمِنَةً دَاسَتْ عَلى بَهجَتِنَا  
تَرْصُدُ الآتي .

الكَمائِنُ مِنْ  كُلِّ الجِّهاتِ حَاصَرَتْك َ
يَافِطَاتٌ
وأنَاشِيدٌ  
وخَطَايَا  
ولِانَّ روحَك َغَيمَة ٌ
بِطَعْمِ البَنفْسَج ِ
أزهَرت َ مُدُناً  ، أينَمَا التَفتَنَا  
كُنتَ تَسكُبُهَا وَرْدَاً فَوقَ شحوبِ نَوافِذِنَا  
عَلى طولِ ليلِنَا 
أو على رَصِيف ٍ مِن الأُمْسِيَاتِ مُدهِشَةٍ فِي بَغْدَادَ
أردْنَا أنْ نَعُدَّ النّجومَ فِيها فَأخْطَأنَا فِي العَدِّ مَرّةً وأخْرَى
 أنَا
وأنْت َ
وبولصُ
وريسانُ رشيد
ومُحَمّدُ المَهديُّ
أوعِندَ مُنْحَدرٍ كُلَّ مساءٍ كُنتَ تَحتفي بِهِ
كُلّما شقَّ بِعَجَلاتِهِ قِطارُ الموصلِ صَمْتَ الفَضَا.

كَمْ تَراجَعَت الخَطواتُ سَاعَتَها
شَوقاً لِدجْلة َ
للشَّجَرِ الغَافي فِي الغَابَاتْ
للبَرد ِالقَارِس ِفي كَانون الثّاني
لبَساتينِ الفُستُق ِفي حيِّ الطيرانْ  
للمُذهِل سَالم إِيشو
قَبلَ أنْ يَغيبَ عَنّا مُنتحِراً . .

في جِيوبِنا الفَارِغَة
دَسَستَ أسئلة ً
ثم فَارَقتَنَا : -
هَلْ  سَيُغْسَلُ هَذا الليلُ بِالغناء ْ ؟
هَلْ سَنَحْزِمُ هَامَاتِنا بِزهرَةِ البَيبونْ ؟ .
صَمَتنَا ،
ومَاعَرَفْنَا الأجْوِبَة ْ.

بَينَ كَفَّيكَ كَانت تَرقُدُ مِحنَتُنا
كَمْ سَألنَا أنفُسَنا  : -
مَاذَا أعْطَينَاكَ لِتَبقَى بِكُلِّ الوفَاءِ مَعَنَا ! ؟
أيَّ شَيءٍ كَسِبْتَه ُ مِنّا   
لِماذَا رَحَلتَ قَبل أنْ تُخَاصِمَنَا  
قَبلَ أنْ تَصْرُخَ بِوجْهِنَا ! ؟
قَبلَ أنْ تَشتُمَنا !  
كنَّا بِحَاجةٍ لِأنْ  تَفضَحَنَا 
لَاَ أنْ تُسَامِحَنَا ،
فَإنْ كُنّا لانَستَحِق ُّ أنْبِياءَنَا
فَهلْ نَستَحِق ُّ أوطَانَنَا  ! ؟  . . .
نَم ْ يالوثَر  
نَم ْ
فبَعْدَك َضَاقَتْ بِنَا الدُّنْيَا
ومَاعَادَتْ هِيَ الدُّنيَا .
هَذَا مَايَقوُلُهُ صَديقُكَ مُحَمّد العُمَر .

نَمْ بِلاَ سُهْد ٍ
ولاألم ٍ
ولاخَوفٍ
ولاقَلقٍ ،
نَمْ هَانئاً
مُطْمَئنّاً
كَمَا لَمْ تَنَم ْ
طَوَالَ عُمْرِك َ .

        مروان ياسين الدليمي/ الموصل
                                                                         ‏نيسان 2012

*كل  الاشخاص الذين وردت  اسمائهم في النص هم  اصدقاء الفنان التشكيلي  لوثر ايشو الذي توفي في قضاء قره قوش بمدينة الموصل بتاريخ 18/6/2011 اثر نوبة قلبية. ولوثر من مواليد 1955 . ويعد من اهم الاسماء المؤثرة  في الفن التشكيلي العراقي  المعاصر، وكان للحداثة حضور طاغٍ في انتاجه الفني .







 انت لم تكن ابدا ً   !

الى/ لوثر ايشو


لاأعرف  لماذا يَضيق الفضاء  حتى على أوهامنا  
لاأعرف  لماذا المبررات  التي لاتملك دماثة الخُلق تؤازرنا  
هل سنكون سعداء هكذا دائما رغم انوفنا
هل سنكون حزانى  هكذا بمحظ ارادتنا
هل سنبقى نمسك بالمرآة ونحن نهذي بالكلمات
 بينما النار تقبع على  اكفنا   !   . . .

نينوى طقسها اليوم  ليس كعادته
الهواء فيها مثقل بالندوب
الماء بطعم التعاسة
والصمت يجلد الدروب . .

التشابه بينك وبينها ، لن  يمر بعد الان على البيوت القديمة في بغديدا
ولن يذكره الجنود المكدسون في العربات
ولا الامهات ينتظرن الابناء
ولاالمهجرون
ولاالغائبون
ولاالنازحون
ولامن أخطا الطريق الى بغداد
النوافذ لن تفتح بعد هذا الغياب المُر في قرية ديري 
انكسر الحلم  فيها هذا الصباح  
انكسرنا نحن
انكسر اللون في اللوحة
في العشب
في الاشجار
في الورد
في زرقة السماء .

اعرف ان لاأحد سيبقى بعدك في الطريق متجها  الى المدن المأسورة بالخوف  
ولاأحد سيمضي اليها ،
انت وحدك . .  كنت فيها
انت وحدك . .  سكنت طويلا في الغائب منها
وتركت وجهك  في الحاضر الشاحب من لياليها
وحدك . . كنت منتصبا في الحنين الدائم اليها
وحدك المسكون بها
 بعتباتها
بفصولها
بألوانها
بقلاعها
بأسوارها
بمن ودع الامنيات على  حيطانها .

أنا بعد موتك لاأشك بموتك
لاأشك بعودتك
لكني  . .  وعذرا ياصديقي ، اشك اصلا بوجودك
فاأنت لم تكن ابدا
ولاجئت
ولاعشت
ولارسمت
ولافرحت
ولاأنتظرت
ولاتألمت
ولن اصدق ابدا انك كنت .

                                            
                                                 18/6/2011





     
 نشر مقطع من النص في صحيفة الزمان 18/ نيسان 2011

 ماتمّ شطَبَهُ ِمن  ُبرجِ ِ الَحَمَل  هذا اليوم  


أنت الذي كنت واهماً جداً بما ارتكبت من نبوءات باذخة  
خمسون عاماً  من عمرك ولّت
والمراثي أذاقتك فيها  َطعم َفصول ٍخمسة ٍعلى مقاس ِالطفولة ِ
بكل ماتملك من فرح ٍخبّأته في اناشيدكَ : 
                                                                 
لمدن ٍبعيدة ٍ يبللُها الليلُ بنشوتهِ
لعطر ِالانوثة ِ يتوهجُ في المناديلْ،
لأسلافٍ اشداء من سومريين وكلدان وأشوريين
لضوء ِالشمسِ يُطرّزُ جبهة َايامِك في محلة ِالمحموديين
لصوتِ  فيروز ُ كُل صَباح  يقبّلُ خديك  .

كم أخطأتَ
كم تعثرت َ
كم تلعثمتَ
بعد اول ِحاجز ٍعَبَرتَهُ الى المدينة ِ الموصَدة ْ                      
قرأتَ فيه المشطوب َ من عُمرِك    .
تمنّيتَ ساعَتها ،  لوأنّك ماعُدّتَ لزيارتِها  
ولارأيت انحناءَ قامتِها
بكفّك اليُسرى أغمضت عينيك َ
لعلكَ تستطيع ُأن  تُكذّب ماترى  
كنت مرتبكاً بعد أول نقطة تفتيش عبرتها في حي الكرامة
 لمّا رأيت اصابع الجنود على الزناد مشدودة  .
أكتفيتَ بالصّمت
حَذِراً تأمّلت وجوه الناس  
كانّها هياكل سيارات محترقة
يخنِس الشحوب فيها علامة ًفارقة
أثار الشظايا على واجهات البيوت تحكي  بعض محنتها .


اقتربت رائحة ُالموتِ من  شفتيك
وقميصِك ،
تعِب القلب منها  
وأمتلأتْ بها  رئتيكْ  .
ألشوارع التي كُنتَ  تعرفُها لم تصلها ،
ضيّعْتها
اشتبَهتَ بها
 كانت ُمتخمة بالندوب   
حتى  أسمائها  التبست عليك خلف حواجز من رعب وكونكريت .

هل اخطأتَ  ؟
هل توهمتَ ؟
كان يوماً عبوساً أسود اًوأنت تحاول أن تتهجى إسم نينوى عند حائطٍ  ذابلٍ ضرّجته ُ اُمنيات ُألعابرين َمن الحَيرة ِالى الحَيرة ِأمام بوابة شمش ،   فماأستطعت َ.
أيامُك ٌنواقيس ٌ من زجاج
دقت معلنة وعودها
تحت سماءٍ يهطل منها البارود
فأنهكتها أساطيرُ السنواتِ المُغبرّة ِ بتراتيل الظُلمةْ ِ .
أجِّلْ دمعتَك إلى يوم ٍآخَر ، أجِّلها
وأنت غريباً تسكُن في حيّ كويستانْ .
عَلِّقها على بوابة ِقلعة ِاربيل  امام السيّاح
وزّعها عليهم تذكاراً من وطن قد تصحو غداً ولن تعثر عليه في خارطة العالم   
أطويها مع حسرة ِالمهجّرين الى  قرقوش وعنكاوا
من الصابئة ِوالارمن  ِوالمسيحيينْ .
إمسح بها كل مساء  نافذة ِالبيتْ حين تزورُك سُحبُ الوِحشة  ويقتُلكُ الشوقُ الى دجلةَ في الليل إذ كنت تغني وتثرثرُ مع تلك الصحبة  في الاعوام الحلوة.
اجِّلْ عِتابكَ لمن طعنوك َفي الظّهرِ
وكنت تحسبهم اصدقاء
 وأنتَ  تعد الايام وحيداً في الغربة ِ .
  
أجّلْ عتابك للجّارِالمُتديّن ِجداً لم يفعل شيئاً حين اقتحمَ القتلةُ في ساعات الصبح الاولى دارَ الانسانَ الرائع ابا فادي في حي البلديات وذبحوا من فيه بدم ٍ بارد ، ثم نهبوا شقاءَ العُمر.
أجِّل سُخطَك َ ضِدّ  ألحِّس المُتبلّد ِ لم يُبق  الرحمة في وجدان ِالناس .
أجِّل سُخطك ضد الزمن المُرعِب هذا ماعادت فيه ألمرأة ُ ُتأمنُ أن تمشي حاسرة َ الرأس ِ
اجِّلْ نعيك للنخوة ِ، للبسمةِ وروح َالتسامحِ بين الطوائف  والاخوةِ  والاديانِْ
أجِّلْ نصاً شعرياً تكتب فيه عن زمن ماضٍ ،
 أو زمن اتٍ ،
وأكتُب  نعياً عن زمنٍ لن يأتي ابداً  .
هذا اجلٌ يَطفَح ُبالحقد  وِلن يهدأ ألى يوم الدين ْ.
تعرّت فيه النفسُ تماماً من كُلِّ ثيابِ الزّيف
خرجَ المخفيُّ بكُلِّ وضوح ٍ من  تحت الجُبّة .
أجِّلْ موعِدك القادم َ مع الاصحاب عند حديقة ِالشهداءِ  الى إشعارٍ اخر .
وعلى أطلال ِجدارٍعثماني لايبعد سوى امتارٍ معدودة عن ساحة ِصقور  الحَضَر في وسطِ المدينةِ  طالما اتكأت َعليه ِ ُمنتظراً بفارغِ الصَّبرِحتى تأتي  من تهوى لاتشطُب عباراتٍ ساخرةٍ  كتبها العابرون من امثالك :
"ذهب الطاغية ُوجاء َاللصوصْ .
من يرمي الاوساخ َهنا لاشرفَ له ُ .
وهل بقي لنا شرفٌ نخافُ عليه ْ ؟  .
تساوى القاتلُ والقتيلُ .
هذا استنتاجٌ متأخرْ .
الديموقراطية ُرجسٌ من عملِ  الشيطان،  فأجتنبوها . 
لن يموت َالعراقُ.
الفدرالية هي الحل .
خوش طين على بنطرونك .
سر بهذا الاتجاه الى باجة ابو مهدي"  . . . .

لاتحزن ياهذا ، فالمدينة ُ ماعادت تطرحُ اسئلةً ًعلى نفسِها
ولم تَعُدْ  تفتح ُصدرها للنّدم ْ
كلُّ شيء ٍفيها باتت تكرهُه ُ :
أبنائَََها  
ربيعَها
غاباتَها
ثيرانَها المُجنّحة
اشتعلَ الحقدُ فيها على نفسِها
على الرِّقة ِفي خصوصية ِ لهجتِها
على العطر ِيفوح ُمن فساتين ِصباياها  .  
هي الانَ  سحابة من رماد  
أمرأة  في خريف جمالها
لاأحد يطمئن لها
لاأحد يقترب منها
لاأحد يدعوها
لاأحد يعشقها
شاخت  قبل اوانها
نسيتْ اسمَها
وفرحَ الليل ِ بشُطأنِها
سمائَها الزرقاء الصافية
طرقاتها الامنة
مواكب الربيع في مهرجانها .
كم من الاجيال هامت بها
برقتها
بطولها الفارع .
فارقها اليوم  من احبها  
وكان يأبى ان يغادرها
هي الان مفتونةُ حدّ النخاع ٌبفجيعتِها
تسدِلُ الرصاص َستائرَ
على بواباتِها .
مازال الحادي عشرمن شهر نيسان من السنة ِالثالثة ِبعد الالفين يسكُنُها ، 
لم تعد تسمَعُ العندليب الاسمر عبد الحليم ولاأمَّ كلثوم ولا  قارىءَ المقام  أسماعيل الفحام ولا بلبلَ الحدباء مُحمد حسين مرعي  
ولم  تعد تغني اليردلي
صارت تنقُرُ الدفوفَ في فجرِها وليلِها
لتقتفي تضاريسَ القُرى في شكلها .  
هي الان غريبةٌ عنك  
يحكمها الموت  
تسكنها الاشباح ُ
تمشي سعيدةٌ الى حتفها
لانجمَ يطلعُ في ليلها
لاصُبحَ يمرُّ على أهلِها
تخلت عن اناقتِها  
عن رموز الفكر في عمق حضارتها :
أبي تمام وأبن الاثيروالملا عثمان الموصلي
 واسوار اشور
وباب نركال
ومكتبة بانيبال
تخلت عن النخبة من ابنائها .
هي ألان  بعيدة ٌجداً الى عينيك  
لم تعد انثاك الجميلة التي كنت تعشقها
خانتك
داست عليك َ
على الافق الذي تمنّيت َ
على فطرة الحب  فيها تجمعُ الخَلق َ.
أيّاك منها
من  حواريها
من  شوراعها
من مقاهيها
من هدوءها
من صمتها
من قُراها التي فتكت بحكمتها
واستباحت بأعراف القبيلة  تمدُّنها  
أيّاك منها مرة اخرى
أطويها صفحة  من عمرك
وادعو لها مع نفسك قبل ان تنام كل ليلة
أن تصحوا وتعود الى رشدها حرة  طاهرة ًالى اهلها  .  
آه  عليها
على  دجلة
على ضفّتيها
على من فارقها
من يموت حيّاً كل لحظة فيها
 من يبكي عليها
من يصلي لقتلاها
على الظلمة تخنقها
على ذاك الوقت النّدي
 فرّ منك
 ومنها
آه على رسائل لن تصلها  .
                                         
                                            25/11/ 2010



                                                                  
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ














فازت هذه المجموعة بجائزة ناجي نعمان الثقافية لعام 2010




سماء ألخوف . . السابعة




أحداق القبرات


ليست مفاجاة
ان يتعثر الخوف ويبرح الحظائر
ان تنحني الاصابع ، خطاً
وتحمل الزوايا ، كشوفات الرصاص
غابت الفصول
وانحدرت المرافئ الى نصوص القنوط .
لامساء يغمرنا
بعطر البنفسج
ولا الشرفات تبهرنا
بلذة السماء .
نحن هنا
قابعون بلا أكتراث
نؤول الرعب المعلّق فوق رؤوسنا
ونلتهم الغيوم الضالعة بالنزوات
عالقة مدينتي في رتاج الدسائس
ترتشف الغرور بكؤوس النصر .
لماذا تفتح صوتها المنحوت على قدم الثور ؟
لماذا تخفي الرقاب تعطّرها بلمعة النصل ؟
هل ايقنت ان وردها مغموس بوشم البيادق ،
وان الحروف على بواباتها ، تضاريس موبوءة ؟
وحيد
بين اهداب الشوارع
والتواءات السؤال
هل ساتقن العودة الى نينوى ؟
الى الصباحات المنحنية على أكفنا ؟


ألطريق، اظناه الدم خلف الجهات الشاحبة
واحداق القبّرات مستباحة بالرجم
والغبش منقطع عن زرقة الطرقات الى بغداد .
2007










استدرج النهار . . حتى نافذتي




هي ليست رصاصة الختام
ولا وصايا لسهام التّشرد
ولا رثاء لتقهقري
بل هي
ابجدية النّار ترقُد في اوصالي


الكلمات :
خيانة تصطحبُ الصمت
إلى بياض الورقه
بينما الاقنعة تُشعلُ الحرائق بدمي
وفي يدي الاقمار .


مغلولاً بحزني
استدرجُ النهار حتى نافذتي
وظلال الحكاية تخدعُ الطريق إلى ندائي .
هل أرَّخْنَا لسقوط الموتْ
في قداسة الغفله ؟
سأُسمي ما تبقّى من ودائع موتي
وأَسْتَبقي إِنتظاراً
الى عام آخر .


كأنَّ التفكُكَ : اقحوان
في سماءٍ تُقاطع الرُّخام
على سياج قبري
علِّقوا اسمائي
وغادروا التراب
بعد أن تحصوا قتلى التّوهم .


1998






                        المثوى


الصمت
يختزل الغناء بنقاط التفتيش
ويكدس الحناجر على اوتار الرصاص
تمضي وجوهنا
بعد ان تمشط انتظاراتها بيانات الرعاة .


هكذا الطريق الى المثوى
تهتكه الهمرات .


2007








                  ايُّها السخط:- إِلتئم. ثم ألتئم.


ولا تُخطئ الالم
كأنَّهُ معبر وهْمْ
يُبارز عتمة حتى يوقضها
بين اقدامٍ لعابرين إلى مرايا مُرتعِدة
كُلّما يثقبون عصيان موتهم يتساءلون :
هل سينهدمُ النهار على وجه دجلة ؟


تلك الطيورقلقة
تتسلّقُ القناطر والفصول تضيع
في ألهديل
تكرّر الاخطاء في منتصف الهموم .


ما الّذي يجعلُ المجنون مرتعشاً
ولا يخطىء النار حين تبدو حتى في المنام غمامة ؟
ها نحن انتقلنا الى عشاءٍ اخير
نُعاندُ دجلة والفرات
وننصبُ الافخاخ لبعضنا
فهل سيشكو حائط الدار من اختصام الوجوه
ام سينكسرُ السِّر في هيكل اللعبة ؟


لينكشف الغطاء
عن هذا الغطاء
عن هذا التنهّد
عن الغربةِ الغريبة
عن احتفالنا المتعثّر فوق معبرٍ خرافة .


ايها الحفاة
اعزفوا نشيدكم فوقهُ
وجرّدوا الجنون من ثيابه ،
ثُمّ اسألوهُ
مَنْ ابقى تُراباً على هيبتهِ ؟
ومَنْ اطلق الموت على سحابةٍ من ذهب ؟


ألقمتني طعناتها الاساطير
وتهشّمت قبضتي على حيطان الكتابة .
هذي نوافذنا
امستْ معابر للبوم
ورغيفنا لم تفردْ له النار كفّيها .


اليوم احملُ همّي الى معبر وهمْ
اقتنصُ العزف بدمي
خالعاً صبري تحت مطرقة
ومناديا :
ايّها السخط
التئم
ثُمّ
التئمْ
ولا تُخطىء الالم .




الموصل
20/8/2003










                      جناح الثور . . المُدمّى


رُغم وقاحة المنشدين وهم يبددون اوهامنا :
لي عزلة تكسر الغشاوة عن غربتي
وتجرف الظلام عن ظهيرتي كُلما ألقى بجثته على قلقي
اكنس الفوضى بها والرعُب المتدحرج من غبار القبائل
إذ يخلع صباحات مؤطرةٍ بفتنة الطوائف وخيبة العاطلين
والقنابل الموقوتة ،
هي ، تنتظرني انا
وذاك الموغل في الخوف على بلدته.
على رؤوس اصابعي
سأعلق أشرعة الريبة
وأعبث بكل الخرائط المختلة
اضرمها ببراءتي
وامسح بها جناح الثور المدمّى
تحت احذية الافاقين
كلما اراد النسيان بعرباته المترفة بالـTNT
أن يطوي مقام الصبا
في الموال المتكسّر بين اضلاعي.
كيف لي احمل المراثي من خطايا القادة الى خجل المرايا ؟
كيف لي أن اقطف الملاءات عن ليل يخاصم الثملين
ويهتك الوداعة فوق دجلة ؟
الى متى أُرتق الهموم بالضفاف
رغم وقاحة المنشدين وهم يرسمون أوهامنا بدمنا ؟
فتحتُ خشيتي وسكبتُها على اناشيدهم
فتدفقت سبايا
واختفت لافتات .
كانت الشاشة تتأرجح بهم، وهم يرصّون اسيجة الغياب
وفي مناديل المتظاهرين إكتظ الندم
أمّا صديقي
كلما اختار - جهة الشمال - مرآة لايامهِ
هوت على رأسه
فؤوس حيرته!
لماذا ايقظوا تماثيل الخوف
ومارسوا خيانة الادلة
على الموائد
واغمظو أجفانهم
ثم أطعمونا أعيادهم !؟
كلما انطفأ الضوء
تعالت شتائم النساء.
ما زالت الاسلحة تدور
ويندفع التبغ الى أوجاعنا
مقترحا عليها تعاويذ الخدر .
في الحادي عشر من نيسان من السنة الثالثة بعد الالفين هكذا اظن ،
سقطت نينوى :
ولمّا اوصدت باب غرفتي خلفي
ترنحت المخاوف
على جفنيّ وانا اقطع الزقاق بالادعية
والتساؤلات تلاحقني .
هم يسكبون ليلهم على انتظارنا
ويلتفّون على هزائمنا بالابواق .
لماذا ؟
ها أنا ذا
أُجهِزُ على ما تبقى من ألسكائر
بعد أن شكلني ألفزع على هواه
ومضى بي الى ساعات
كفنتُ فيها سيرة تمردي
أُقلب الصفحات ،اتجول في العناوين، وانا لا اصدق !
لن أوغل أكثر من هذا في تشردي على بوابات الشك
سأفترض الجنون، وقد أطلق احتفاله على ارصفة الحلم
لا أكثر .
بعد عام صحوتُ
قالت زوجتي :
لا تغويك عتبة الدار
فالمكائد ما زالت تجرّ المدينة من بكارتها
وتدفعها من بساط الى اخر.
أحمل غفلتي الى سطح الدار،
وحدهم
كان القادمون من الحرائق
يسيرون في العزلة
ويردمون بالرصاص
سِمات المدينة .
ياصديقي كلانا لا يخبئُ مخلباً في نهاراته
وليس متأكداً
من عودة الفراشات
الى ساحة التحرير
كأن مخاوفنا معدة للتجوال فينا
تطرق ابواب شهوتنا ـ لطحن الطرقات ـ حتى توصدها .
ها هي اصابع الصحراء
علًّقت فينا ظلالها الناقصة
وجاءت بجوقة الرعاة
ليخصوا محنتنا
ثم وشّحوا الناطحات بتراب مهّرب
من جرح الرافدين .
دليني ايتها الذنوب المقدسة :
على وشم براءتي
وازيحي عن سمائي ارجوحة الدسائس
لعلي ادرك شكل البحر،
واتذوق طعم الزرقة بعد الخمسين.




اربيل / عينكاوا
2007ٍ










                        سماء الخوف السابعة




بنصوع اقتناصتنا نختبىءُ في ذاكرة المدفن الجائع للحكمة كُلّما المسدس إستغرق في اطلاق الدعوات للاجراس حتى لا تغطّ في نومٍ عميق يلوذ في ازدهار السماوات المُرمّمةِ بأِظافر ببغاء عجوز.
لا أحد يدلفُ الظلام على ما تبقّى من مصحّات تنمو على مرآى من اوهام
الجنود الحفاة وهم يحنون رؤوسهم حتّى لا يصطحبوا الكمنجات إلى فردوس الناقلات كُلّما تتذرّع الرياح بالشكوى من ساحة الفردوس المنخرطه في تأبين الهناءات .
تتعثرُ الفوانيس
في قيامة التاسع من نيسان
المرهون بحياء القبائل الغازيه !
من اين لهُ أن يُرفرف القبّان امامَ حشود العميان
وهي تُلوّح للشظايا
قبل إتمام السنونوات تغريدة الغنائم ؟
لكنّي استديرُ برغبة الطيران
فوقَ جسامة الاتون المحتشده
بين رفوف المكتبة العامة .
وفصيلةُ دمي تحرق دمي
وتشعل لائحة الكتب المستعارة حين تدحرجت السطور مُترعةً بالفراشات
المرتجفه .
كانت الوقوعات تنهمر على مُهجةِ غيوم ٍ
تمشِّط فطنتها بلونِ الغسق
وتُشيرُ لها أن تطهو حليب اليورانيوم حين يجوع القاده في حظرة الطابور
وهم يبتكرون الشَّغب
لأستلام رواتب هزيمتهم .
إِستغرقتْ الطلقات حقول النهار واخذتْ تُقشِّرُ ظلام السّياقات في تقارير شهادات الوفيّات على مرآى من تعرُّجات الخجل في نباح الكلاب وهم يأكلونَ يأسَ الزوجة على بوابة السجن .
لِتندلق الميادين بلا بهاءْ
تُلطّخ الاحلام بيافطات التنحّي
وإلا سوف ينقلب اللصوص
على ضمائرهم
ويدفنون الرّخاء في ذاكرة الفؤوس وهي تهوي على اكاليل المعتقدات
بين اصابع الشهود.
لن نتفقَ على صحَة ما إرتكبناهُ فوق ارصفةٍ صدأت مظلاّتها
ونفضت نياشين إذعانها بلا قُبلٍ ولا حرائق
تُرتِّق النسيان في تمائم وصلوات لا ينقصها الفساد !
كل شيء لا يُطاق بعد أن خلع الغموض سمادهُ ورقص منتشياً
على أكتاف الفرسان وهم يرفعون راياتهم على مؤخرات العوانس
سوى الغرقى في رجولةِ الصمتْ رغم انتقام العجلات من وسامة الطين .
راحلون
الى براهين الكدمات
في اضلع الليل العراقي
وهو يلوي عُنقه خلف اثداء المُجنّدات وهُنَّ ينثُرنَ اشرطة المثول
على جباه الابناء وقد اطبق الشحوب عليها .
سار الغرباء بماضيهم المؤثث بالدّخانْ على أجنحةِ الطّرق المضيئة باسمائنا
وافتتحوا الزحف بأُمنيات قذائفهم
حتى وصلوا سماء الخوف السابعه
وجرّوها على الاسفلت مأهولة بدمعنا .
ها نحنُ من جديد
سنُعيدُ ترتيب كؤوس انتظارنا
نَنْفُخُ التراب بخيولٍ تَرقَبُ اللصوص وهم يخترعون توباتهم.


2004








                          فصول عشبك


وانت تقطع الطريق
ثملاً بالنجوم
مَنْ أَخافَ المباهجَ تحتَ قدميك
ثُمَّ سَاقَكَ للجنون
ودعاكَ الى صلاة خَلفَ شاهدةٍ ؟
هل كُنّا بحاجة لكي نُدجَّنَ
في مساراتٍ تدَّعي الاسى
ولا تُتقِنُ حتى ترتيب برائتنا ؟
بقليلٍ من التردد
طعنتَ أناشيدك في ظهرها ، فأخطأتَ.
كان عليك أن تبقى نادراً بفصولِ عُشبك
شاهداً على انكسار الطريق
في قيثارة المدينة .
1999
الموصل








                          كلام سري ...


ايقِظْ .. حرارة ظلّك
في الدم الازرق :
رصاصةً
هلعاً
علامة استفهام .. وتعجّب
لوِّحْ بسمائِك الحمراء
ضِدّ ركاكة طقسه
واستبدِلْ ثراء سياجهِ
بالرّمح .. في قلب المهزلة .


1/7/2002
الموصل








                      لا مفر ...


كُلّما حدّقتَ ، في ثآليل الكأس
سامرتك حكايا مُفزعة


2003






                    مدينتي. .


لها ، أن تخطو بحملها
الى فم الفضيحة بعد تتويجها
ولها أن ترمي نبرة الارتال في مقبرة ،
ولها أن تستريح بوشمها القروي
على اشلاءِ دجلة .


الموصل
11/6/2003






                         وصايا


الى مَن غافلته نهايات نظيفة
في اوّل الحكاية :
لا تمنح هذيانك للصحراء
حتى تصحو من قبضتها شرايين الرمال .
لا تُرمَّم قُبلة فوق كفّ ٍ دجّنها عِطرُ الدسائس.
لا تُغريك إشاعات نفقتها الطائرات .
لا ترم بسهمٍ تلوّث بضجّةٍ فاسقه.
تَذكّر:
دائماً
تلي صيحة الروح زهرة


1999








                       الحكاية . . نفسها
اقترب الغُزاة
كافأوا التطلُّع بالدم
وعلى ثُقلِ ما تهدّم من كلامٍ لم يُقلْ ،
تدلّتْ حبال مُتخمة
بسراويل متسامحة !


الموصل
1/7/2003








                                   المُهمَل
                                  سهواً أو عمداً

     الى / شهداء حي الزنجيلي الفقراء*




من بيوت
كانت تحيا على كف انتظار .
من اسطورة اسمها نينوى
كان الفجر منها يجيء
هي الان جرح
وراية للذهول تحت الرماد .
عام مضى واخر جَثمَ على رؤوسنا
ونحن هنا بأنتظار الحَمَام يحطُّ على اصابعنا
ويرسم الهديل
فوق كل ذرة من أسى هذا التراب .
ليكن الجنون اذن ملاذاً لنا
لحفظ اسمائنا
ورحلينا البعيد عن تلويحة التماثيل المعتوهة بالحروب ،
ليكن احتشامنا ضد لصوص المسرات
وهم يتكدسون فوق سمائنا
كلما اغتسلت العتبات بضوء النهار
وامطرت الفصول
دورة ايامنا .
ها نحن :
نفتتح مشهد الكلام
نتوغلُ في تجليات الموت .
نوغلُ في تقبيل الغبار
علنا خلف نافذة نستريح
ونهمسُ لجسد الطريق بنشوتنا العابرة
والمجنون الخارج من تحت الانقاض بلا ظلٍ
يأبى إلا ان يصاحب المعنى ويرسم الحلم
على جدران موشومة بالظلال
ليوقظ الاصوات من غفوتها
في شفاه الزمن المهمل سهواً أوعمداً
حتى تصحو ثم تغفو
في لوعة اخرى
تنقل اعواما
وأسماءًً
غابت في محنة لنا
هي الاخرى .
ألموت : انتم
ساعات من الفوضى
تخدش التراب
تشطب المراجيح
وترسم الدم على مرايا الطفولة .
مازلنا
نحتمي بصباحات قادمة
والشوارع سلمت نفسها لليوم الاخر،
للكأبة
للسذاجة
للعتمة
للجنة الموعودة في ديباجة الناطق الرسمي .
مازلنا
نلوّح للمقاهي على شاطىء دجلة ، طيلة ايام الحر اللاهب
في أمسيات الصيف ،
للمسارح
للطريق الطويل اقطعه ـ من اجل التمرين ـ سنين طويلة مشياً على الاقدام الى قاعة الربيع ،
لكتب في شارع النجفي ، رخيصة تباع ، على الرصيف ،
لافلام رصينة تعرض في سينما غرناطة ،
للزحمة في سوق العطارين ،
لأكلة الفلافل من بدر السوري ، والتسكع ليلاً في شارع الدوّاسه .
لبولص ادم وهو يعود مساءا ًكالأبطال الرومان من المقلع الى اقرب حانة لشرب العرق الابيض ولايخشى الضحك على السلطة بصحبة عجوز كردي متمرد اكثر شبها ًبزوربا من انتوني كوين ،إلا اني لاأذكر اسمه .
للوقت الغائب
للوقت المغيّب من أسئلة الفنان التشكيلي لوثر ايشو في ساعات الخلق حين يقود الاحجارمن البلاد المُجهدة وينقرها في وَلهٍ وهو يصغي لصوت الفرشاة تنتشل المدن الاشورية من اختصارات الرصاص.
للمثقف اليساري صباح سليم وهويحتسي البيرة في منتصف الظهيرة من شهر تموز تحت الجسر الرابع أوفي سرداب رطب لبيت مهجورفي منطقة السرجخانة مع بسطاء الناس من عتالين ،سائقي تاكسيات ، مصوري فوتوغراف متجولين ، بائعي أثاث قديم ، مجانين ، وشعراء وكتاب صعاليك .
لاشقياء في شارع حلب لايحترمون الشرطه المرتشين ،
لهوس المخرج شفاء العمري بالنقاش وبالتجديد ، لقراءاته وانفعالاته وخصوماته بكل شؤون المسرح والتجريب.
لمن لايعشق مدينة اخرى في الدنيا غير مدينته : موفق الطائي وقحطان سامي .
لبيات محمد مرعي وهو يبحث عن خيط ضائع من تراب مابين كوّة تغطس بالنّور في محلّة خزرج وزقاق ينعَسُ بالظل في باب لكش .
لفارس جويجاتي وهو اشهر وأخطر فنان عبثي دون منازع عرفته الموصل مذ خُلِقتْ على وجه الارض .
لأخر ماتبقى لي في وطني المنهوب من اصدقائي الفنانين :
محمد العمر وعبد القادر الحلبي .
مازلنا نبحث عن صمت ،عن صوت لاينسلّ من بين اصابعنا
ويختفي في رماد الحريق .
وقت
للاختيار
والحكاية في نينوى
تخلع ثوبها
من الوحشة والقسوة عند منعطف الموت
والكلام المُر
ينحدر فيها
الى
منتصف
الطريق .
هل ثمة مرافىء اخرى تتسع بين خطوط الكف وحقول الشظايا ؟
هل ثمة صوت رغم قنوط العالم يعلو بالنشيد ؟
هل ثمة اقتراب من الابتعاد عن مشاجب القطيع ؟
هل ثمة خرير ؟
هل ثمة صهيل ؟
هل ثمة دليل في المدى يمر هادئا رغم قيامة الهدير ؟
الدروب في نينوى لم تعد تشاغل السواد بأخمص القصائد
صارت تخبىء في جيبها موعدا اخر للغائبين
ومن كفّها يرتشف الشعراء غربتهم .
ربماالمجنون كان قريباً من اشارات الاسى وهي تحاصر الوجوه
أوكان بعيداً من وداع الازقة ،
أوقد يكون أمسك بالغيم
عند غفوة البيوت في جسد الظلام .
أو
لعلّهُ كان قريبا جدا
من سماء لاحدود لها .
ولربما كان الاقرب الى غيبة نينو ى
في الزمن المهمل عمداً .
أظنّهُ
كان يوقظ الالوان من غفوتها لتصحو ثم تغفو
مرة اخرى في بهجة ولوعة اخرى
تنقل اعواما وأسماءًً غابت في محنة لنا
هي الاخرى .
بزوادة من الشعر نودع المساءات
نشم رائحة التراب
ونشرع الابواب لشيء قد يأتي حاملا بين جفنيه
سماءً ، واشرعة أخرى .
هكذا نقف لنحصي الظلال الراحلة
والملاءات ترتجف يوماً بعد اخر .


اربيل / عينكاوا
3/ 2/ 2008


*عام 2008 حدث انفجار كبير في هذا الحي عى اثره تهدمت كل بيوت الحي وسقطت على رؤوس ساكنيها . وكانت الحصلة 49 قتيلاً واكثر من مئتي جريح وهدم اكثر من 60 بيتاً و40 محلاً تجارياً










                       أنا . . غائب عنّي




اهداء :
إلى / يونس صدّيق توفيق الحمداني


الى وجه اضعته في زواية مغسولة بالترقب
مابين ارتباك بدويّ يباعد بين نينوى الخجولة من خوفها
وبين حرارة الانفاس لأصابع امراءة من روما،
يتوهج الليل بحضورها قبلات،
وهي تخطو على قلب رصيف حجري في تورينو.
الى بلاد لوّحنا لها فأشاحت بوجهها عنّا .
بلاد عودتنا أن تسحل ملوكها وتُربّي الذئاب في ثكناتها
لادَمْعَ سيُذرف على قبرها
لاوردَ سيُحمل الى نياشينها
لاأحد سيلتفت إليها
لاأحد سيمشي خلف جنازتها ،
أمّا بالنسبة لي، فسأعلن الحداد على طريقتي
أولاً سأطفىءالستلايت.
ثانياً سأرتشف قدحاًمن الشاي وأنا اقرأ أي رواية لكارسيا ماركيز ، مستمتعاً بظل شجرة برتقال زرعتها بنفسي في حديقة الدار يوم ولد ابني الوحيد محمد الطيب في الخامس والعشرين من كانون الاول من العام الف وتسعمائة وتسعة وتسعين في مدينة الموصل ،مدينتي التي غادرتها مرغماً في السنة السابعة بعد الالفين حرصا مني على ولدي الوحيد بأن يحيا حراً في بلد آمن لايٍُقتل فيه الشرفاء .
الدخول الى متن الحكاية :


كاذبة هذي البلاد في ابتسامتها لنا .
امتهنت الكذب علينا ورمت احلامنا
في مراحيض العساكر من قادتها .
والعارفون منّا ، الفاهمون المثقفون
كلهم دفنوا اسماءهم تحت بساطيل قادتها .
لكسب الود منها وإرضاءً لخاطرها .
كيف خُدعنا ؟ . . . لاأدري ! . .
اذكر انّا رددنا الاناشيد الاف المرات قبل الاكل وبعد الاكل ،
في ساعات ألنوم أو الصحو.
في اقصى لحظات النشوة كل صباح في المدرسة .
والأوطان تلوذ بصمت مشبوه مطبق
كانت تقتل فينا الحب والرغبة في العيش!
نحن، لم نعد نشبه مانحن
نحن من إقترف حماقات تحت نجوم نامت في ثيابنا .
نحن ماصنعنا من طغاة .
و نحن ايظاً ماقتلنا و مابكينا اولائك ألطغاة .
نحن اختلفنا عن الامس ، واختلف الامس عنا
الليل هنا لم يغادرنا
ثملاَ بالفؤوس يركض خلفنا
بحروب قصيرة جداً وحروب طويلة جداً
محترقا بنا
بخيباتنا المفخخة
بالرصاصات الطائشة
بالشهوات العابرة،
بمن يتربص بنا
في زحمة الاسواق
في يوم الاحد بعد القداس
في المكروباص
في الهاتف الخليوي
في المطعم
امام باب المسجد
في عرض مسرحي
في صفيحة للزبالة
بمن يلاحقنا ليجز اعناقنا .
غير انّ يقظتنا نامت معنا ولم تقبل التعليق أوالهروب منا.
كان ألرهان على الموت ،
مَرّة بقفازاتنا المتهرئة في رطوبة الحانات
واخرى بعد ان نأكل اليقطين المدوّن في جدول أيامنا
حين الرسائل غابت هي الاخرى عنّا
وأقتربنا من غيمة الكلام المر نمحو اسماءنا ،
نبادل ساعي البريد الصمت ، ونسجد في سجل الحضور وخانة الغياب.
في ألخرائط التي ذرفتنا ولم تعد تتقن رؤيتنا .
أعرف أن العمر بكفّيه قد بعثرني وماعاد يجدي التحديق بوجهي وفي باطن كفي .
وأعرف أن التشرد تداخَل فيّ، ولم يعد التلصص على الاخطاء
يدهشني.
وأعرف ان المعجزات حرة في حضورها الاّ معي
وليس لي إلا أن ألقي بأسئلتي بوجه اسئلتي
ولن أنتظر اجوبة مني .
أنا حاضر
بل أنا غائب عني مذ قَتل المشيرالبراءة (1) في قصر الزهور
ومشى على سجادة حمراء الى مبنى الاذاعة ليقرأ بيان الثورة ،
وفي جيبه بيان اخر لانقلاب اخر ولم يكتف ،
وقرأ البيان في مرة اخرى، لثورة اخرى ، ولم يكتف ،
غسل كفيه بدم الزعيم ولم يكتف .
والغربان فجراً على سقف قطار الموت(2) حطّت زاعقة، تنتظر الفا ومئة من الضحايا، ولم تكتف،
ضباطاً واطباءً ،
مهندسين مدنيين وعسكريين .
ستمضي العجلات بهم تحت لهيب الشمس الى حتفهم ،
من معسكر الرشيد حتى نكرة السلمان ) 3)
الخوف عانقني ـــ دون أن ادري ـــ بخدوشه المُرّة في ذاكرتي ،
ولم يكتف ، بات يحصى خطواتي والتفاتاتي والوان قمصاني واسماء صحبتي واسماء اعمامي واخوالي .
من كان يصلي منهم ومن كان يحتسي الخمر ،
من هرب ،
من هاجر،
من كان ضد الثورة ،
ومن كان معها ،
من مات منهم ومن كان على قيد الحياة .
تلك السنوات التي كانت بطعم الفولاذ، اندست في اصابعي،
وشطبت ماتبقى من دمي وافلاك ذاكرتي .
كانت المشانق فيها اهزوجة البلاد . . . !
لِمَ المشانق؟
لِمَ ألفوارق؟
لم الحكمة لاتأتي إلا من فم الزعيم أو الفريق أوالعقيد أو المهيب .
أيعقل أن يرسم أميّ أوشرطيُّ أو عريفُ في الجيش
أحلام أُمّة على قالب من الثلج !؟
لِمَ الضالعون بالقتل هم دائما احبابنا واسيادنا !؟
لِمَ الانقلابات الدموية مثل الظل تتبعنا ؟


من نحن ؟
كم سألنا أنفسنا هذا السؤال .
من نحن ؟
ونحن في متاهة الاسلاك، نستيقظ على الفجرمغبرٌ في معسكر التاجي
أوفي نقطة تفتيش للحرس القومي(4)
اوفي جثة تسحل عارية على الاسفلت والشعب بصوت واحد يهتف: (ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة) (5)
اوفي ليل يحاصرنا بالموت في حفر الباطن اوفي الشلامجة أوبنجوين أوعلى قمة جبل، يرقد فيه فوج مغاوير الفرقة السابعة والثلاثين ، وضابط التوجيه السياس يصرخ من جوف الملجأ :
( ياحوم اتبع لوجرينا (6).(
من نحن ؟
سقط ألسؤال مع الثلج على وجوهنا شطايا
أنا و صديقي بولص أدم توارت عنا اوهامنا !
والطرقات التي خبأنا فيها اخطاءنا
سحلتها كلاب سائبة في بغداد او في منصورية الجبل اوفي الوزيرية او فندق الوفاء او في اكاديمية الفنون الجميلة اوفي مسرح الرشيد.
وأجمل ألاشعارالتي دحسناها في بساطيلنا، هي الاخرى لم تعد تعرفنا .
ايّة مرارة قَذَفناعلى صحيفة داستها اقدام الركاب، حين عثرنا عليها تحت المقعد الجلدي ذي اللون البني الداكن في الباص الاحمرالبغدادي المُجهَد باخر جولة مابين ساحة الاندلس وباب المعظم ونحن سكارى نضحك من جيوبنا الفارغة بعد الساعة العاشرة من ليل بغداد الثقيل .


لاصوت يأتي من كوكب الشرق يقيل الضجرمن احاديث المقاهي .
والحرب تعثرت بأعمارنا ودهنت ماسورتها بقمصاننا المفتوحة للريح والدم الطهور تدحرج على عتباتنا مذ تهدج الصوت في ليلنا .
صديقي بولص، نسج قصة محكمة لهروبه من ورطة الحرب.إستوحاها من عدة اشرطة سينمائية تجريبية ، وحين انتهى من كتابتها وجد نفسه في كهف فوق جبل ماوت يقتسم الخبز اليابس في اخر ساعات الليل مع البشمركة وبيده رشاش روسي ، كان البرد شديداً جداً خارج الكهف، حين اشعل سيكارة سومر وكتب رسالة لي يقول فيها :
"العزيز مروان . . في طريقي داخل مدينة العمادية قابلني صلاح الريكاني من وراء زجاج سيارته، وعلمت بأنه أصبح (أبي نورس ) فكانت فرصة سريعة لكي استمع الى اصوات، لم اسمعها منذ سنتين ، وأتحدث معه بالعربية .
أنت الان تدريسي ومحمد (طالب ) وريسان . . . ووو. . .
تعلمت أن اتقبل المحتوم لأجعل منه شيئا مفيداً، أنا الان هارب أكثر مما ينبغي ، بدأً من الحدود وحتى ايامي في ماوت وجوارته وأزمر وشوان والسليمانية ، وأيامي ألحالية كذلك في ديره لوك وديري وألعمادية ووو. .
موغل في صمتي، سواءً حينما اضطرني واجبي مع فوج علي الحاج شعبان مؤخراً ًلقضاءخمسةعشر يوماً بين الثلوج في مواجهة قبر والدي في قرية ديري المهجورة . . أو. . أوعندما كنت واقفاً في السيطرة الخارجية من السليمانية نحو ماوت الصيف الماضي . .
أحدق في وجهه، ويحدق في وجهي فقط وهو داخل (الايفا ) أقصد
( خالد النجار ) ، نجار لوائنا القديم (ريسان يعرفه ) دون أن نتحدث. أردت أن أسأله عن ريسان العزيز مثلاً . . ولكنني بقيت واجماً على
( يَطَََََغي ) وبندقية الفرسان في يدي، ولأني علّقت الاسئلة فوق مشابك المستقبل، ولأني لم أعلم ماهو مصيرهُ في الليلة التالية ،( تقدموا نحو مرتفع محاذي لمرتفعنا ) و. .
وأنت تتوقع أن أكون متفائلاً جداً ؟ وهذا صحيح . .
راقبتُ ببطء زوال صفات كثيرة مني ، وفي فترة التغرب هذه هربت من زمني نحو مجهول . . والاسطورة الكردية)ممّي ألآن) تقول بأن ( رأس الرجال ياولدي جبل عالٍ يجب أن يحيط بقمته الضباب وألدخان ( . .
أنني بحاجة إلى السلام وأرجوه لكم . .
أين حياتي الحقيقية ؟ وإلى متى سوف أعتقد بأن الانسان ليس بحيوان نصف عاقل بل كائن مخصص للخلود ؟ . تحياتي واشواقي والسلام . . وإلى ريسان . .
التوقيع
بولص ايشو ادم
24/ 6/ 1988
العمادية . (7)
لِم َ اقتربنا من ظفيرة العتمة ونسينا اصواتنا خلف ظهورنا كلما تشقق الوقت بحشرجة ؟
لِم البيوت التي سكنتنا تسربت من اصابعنا ؟
وتلك الظلال التي ركضنا خلفها هوت فوق رؤوسنا .؟
على تلك السلالم الحجرية في اكاديمية الفنون كانت الطرقات تتغير امام تراكيب الكلمات المكتفية بمراسيم الدهشة، والمقابر تختفي تحت تلك النخلة الوحيدة في الكلية كلما ازحت الدخان من الهواء في ازقّة الوزيرية بجملة من كلام تمنح للفوضى طفولتها ، ( أنا وعزام صالح وهادي ياسين علي ومحمد المهدي وعبد الامير شمخي وعلي سالم وعلي جنح وعوده مغامس وسعد كرنه ومحمد اسماعيل وضياء ربيع وكريم جواد وعلي داخل وأميل جورج ونجم عبد شهيب)(8) . تسبقني عادتي في التدخين وأنا احتسي الشاي المطعّم بالكافور كاشفاً ظهري لماسورة المسدس بينما أستعيد خطأ توقعاتي لمسارألاحداث في فلم (الرؤيا الان )(9) رغم أني لم اخلد الى ألنوم ليلة السابع من كانون الثاني من العام الف وتسعمائة وواحد وثمانين حتى انهيت رواية( ساعة نحس ) .(10(
لست وحدي بهذا الاسى أعاشر الانتظار
أمشي بمرارتي الى خريف العربات
أكدس الغيم على حانات تم شطبها من خطوط يدي
واشم رائحة الخطوات في قلب الرماد .
خطا راهنت على اليوم التالي لانكسار الطين في يدي وكشفت للصدفة مظلتي .
خطاهذا العمود اليومي في الصفحة الاولى
خطا مايرتق من سطور لديباجة التعزية
خطا أرقام الضحايا
خطااصدقاء تراجعوا وخافوا، وأصدقاء هاجروا وتغيروا
خطا نحن . خطا أنتم . . .
لِمَ اخطأنا ؟
لِمَ حاربنا ؟
لِمَ دافعنا ؟
هنا التراب معلّب بإمضاءات لاتفاصيل لها لينهال على رؤوسنا في تواريخ شتى ، وتحت راياتها تنحر رقابنا .
هي النياشين والانواط كانت نافذة البلاد الى ماتكرر من رماد في اضلعنا.
هي التي لاحقتنا وتأمرت علينا وضيّعتنا
شطبت سماءنا من اكفّنا وكفّنتها بين سجن قصر النهاية وابي غريب وسجن الكوت وسجن رقم واحد والحلة وبادوش والجادرية والكاظمية والموصل والفضيلية والامن العام والمخابرات وسجن المطار وبوكا .
عبثاً نستذكر الامس
عبث نكهة الشاي وقصيدة النثر وبيانات الحداثة في مقهى حسن عجمي
عبث جواد سليم ونصب التحرير وجدارية فائق حسن ومسرح بغداد والفن الحديث وغائب طعمة فرمان ومحمود جنداري ومحمد خضير
عبثاً تمشي المرأة سافرة في الشارع
عبثاً تعمل، تعشق، تتعلم
عبثاً تأكل وتشرب
عبث من عُذب ومن تظاهر واستشهد
عبث مسرح الصورة ،وصلاح القصب، وشفاء العمري ،وخليل شوقي
وزينب ، وناهدة الرماح .وزكية خليفة
عبث علي الوردي
مظفر النواب
عبث من ناضل وصمد وقاتل
عبث محمود صبري ونوري الراوي وكمال سبتي ومحمد مهر الدين وشداد عبد القهار ولوثر ايشو وقاسم حول وعبد الهادي الراوي وقاسم محمد وسعد جاسم وكرم الاعرجي
عبث شارع المتنبي
عبث نزيهة الدليمي وهادي العلوي وجبرا ابراهيم جبرا وخزعل الماجدي وفالح عبد الجبار وسلمان داؤود محمد وصلاح حسن وزاهر الجيزاني ورعد فاضل وحميد قاسم وعبدألرزاق ألربيعي وسعدي يوسف والبياتي وهيثم البردى وزهير البردى وشاكر مجيد سيفو وعبد الحميد كاظم الصائح


عبث كد حُنا وركضُنا وكل ما نجمع
عبث طه باقر وفائق بطي وكامل الجادرجي وسركون بولص والاب الشاعر يوسف سعيد
عبث مارسموا وماكتبوا وما فكروا وماأنجزوا وماحلموا
غير اني متفائل رغم يأسي وكأبتي
فالكون هذاعجيب وجميل و مدهش
والناس في مُر الهزيمة عن فجرها يبحثون


20/ 12/ 2008


- 1- رئيس جمهورية العراق المشير عبد السلام عارف من سنة
63 الى 1966
- 2 –بعد انقلاب 8 شباط 1963 تم اعتقال مايقارب الف ومئة من
ضباط الجيش العراقي . ووضعوا في سجن معسكر الرشيد .
وبعد تمرد العريف حسن سريع وقمع هذا التمرد . تم شحن كل
الضباط المعتقلين في قطار ذاهبابهم الى سجن نكرة السلمان في
صحراء السماوة ، وفي ظروف بائسة لاإنسانية
- 3 – سجن شهير في عمق صحراء السماوة
- 4- ميليشا اسسها حزب البعث العربي الاشتراكي بعد انقلاب 8 شباط
5- - اهزوجة كان الشيوعيون يرددونها بعد تمرد عبد الوهاب الشواف
في الموصل عام 1959
-6- اهزوجة شاعت ايام الحرب العراقية الايرانية عام 1980
- 7- هذا نص الرسالة التي وصلتني من صديقي بولص ادم بعد هروبه
من الجيش الى شمال العراق
- 8- اصدقائي في كلية الفنون الجميلة في النصف من ثمانينيات القرن
الماضي
-9- فلم للمخرج فرانسيس كابولا تناول الحرب الفيتنامية وحاز على
جائزة الاوسكار
-10- رواية للكاتب الكولمبي كارسيا ماركيز



















                      بعضُ . . اصدقائي




تسللوا من شفاه الفجر
الى، نياشين الغروب .
هُم ماضون الى لهفتهم تلك
الى حتفهم
حتى لو بعثروا النهر الوحيد
فوق الخرائب!
وازالوا وشم أشور من كل الخرائط!
سأُحرّضُ العصافير عليهم
لعلّهمُ يبكون
ليغسل دمعهم سماء الارامل
في ازقّة الميدان.
ألف عام سابقى مُعلّقاً
في هذا الفضاء المرتعش
مُدججاً بصحوتي
أهدم اللغات الغريبة عن جرحي
واغلق النّوافذ بوجهِ الكارثة.


3/ 11/ 2003










                             رؤيا


لكي أحتَمِل نِكاية الكلام
المزركش بالنياشين
وانا مُستتر بثياب وديعة
ٍأصطحبُ غابة من ارتياب تحت جفنيّ
حتّى اوقظ الملامح
في تسميات هذا الموت .


1999












             كلما استدارت ،الى الخلف : طعنتني


نعلق غسيل اوقاتنا على حبل من أساطير إلاّ ثيابنا الداخليه المعمدة بالشهوات ،
لم نعد نستذكر خطايانا .
في مكان ما
انكسرت لغتي
تعثرت بها
لم اعد اذكرها
مشيئتي هكذا ان اُهدَم بقيامة الاناشيد المقدسة .
كُل من حولي عاشر الخوف لتهريب الجنة واختصار الطريق الى الله .
شركائي هم ايظا تعثروا
حين كسروا التراب
وأودعوا بين اضلاعه، وصاياهم المعطرة بالخراب .
اهجر النهار مُرتابا
وانا استيقظ على ثرثرة الغبار، يُهمّشُ الكلام
ويقود اثامنا الى غفلة .
لم تزل الشاحنات ترفع الالم، وتلصقه على حيرة الجدران
لتبدو دحرجة الغربان الى منفاي وكأنها مشاحنة امام آلة التصوير
ليس الا.
اجد نفسي
اتبادل الدمع مع اعدائي
تحتويني شرفات منازلهم ، وتنام معي اخطاؤهم
فهل اشكرهم لانهم يتثائبون على جرحي
وتخفق راياتهم فوق مائدتي .؟!
حدثني الطفل حين كانت امه ترزح تحت بيارقنا تتلقى القبلات،وهي تبكي بصمت : ابي يُعلّقُ الكثير من الاوسمة على صدره . . . . . .
هم ، يتسلحون بالاسى
يندلقون علينا بكوابيسهم
وينحتون امام الغلمان قادتهم .
برفقة الاجراس، ينام الظلام في حذائي
بعد ان اسدلت الستائر على ضجة المحاربين وهم يكشفون عوراتهم
في مراهنات لاكتشاف فحولتهم مع نساءٍ مَسَخَ البؤس، اثداءهن .
في اليوم التالي :
يعود المخطوف من غموض قبظة الخاطفين يستيقظ بعد منتصف الليل يعوي مرعوباً مثل الكلب، يستجوب نفسه ، يقتادها الى الشارع ، رغم حظر التجوال، يصب النفط عليها ثم يشعلها .
الهروب خلف يقظة التضاريس الاشوريه في امكنة يرقد فيها محاربون جاؤا من كل جهات الارض يقطع الشك بأن زوجة المخطوف كانت قد اوقفت المراهنات عليها حين تجردت من ملابسها وعلقت روحها على سارية العلم .
كأنني اوقظ البعيد من ليل البلاد المعصوبة بميراث النواح، وليس لها إلاّ ان تصرخ على نساءها :
أخْضِعنَ اعماركُن، لليباس
واغمظن اعينكن عن رؤية الندى
على وجوهكن .
هي الاوطان امطرتنا بالبصاق والبساطيل والقادة الاباطيل وشتى انواع اللطم .
هي الاوطان تركتنا نقطن الحرب أو نَفََقتناواستنكرت نطق اسمائنا وكفّرتنا
واباحت لكل اصناف المارقين ان يصففوا شَعورَهم وينظموا الشِّعرَ، فوق اشلاء جثثنا .
خارجون من وحشة اجسادنا فيما تبقى من الوقت ساعة حظر التجوال
حشرنا غيمتنا في شقوق الدار ، لم نستطع حملها ونحن نغادرها الى فصول الزوال .
لم تعد بغداد تحزم امتعتي رزمتها خلفي مع أول الذنوب
سأمضي إلى هناك بعيداً عن خطايا ترابها
راجماً ذاكرتي كلما استدارت الى الخلف ، وطعنتني


موصل
2007














                             نحن . . قتلاهم


هل كان لي أن أُريق الطمأنينة على رأسي
بعد أن حرثتها اقدام من قدموا . . . ؟
لا سبيل الى ذلك
والعربات تَجُرُّ اثاث راحتنا بأبتهاج خبيث
وينسابُ تحت عجلاتها ضوء حكمتنا .
أيّتها المدن :
ابناؤك طوّقوك بالاقنعة
فمعذرة لأنّا وقفنا على الطرقات المنهوبة بكف من فخار
لا نملك إلاّ الخرس .
انطفأ النداء في عظامنا ،
اناشيدنا الحمراء رشقتنا بالقلق
سمّرتنا في نزيف الاسئلة
ونثرت في دمنا الهديل
نشمُّ رائحة الندم قبل دخول القطيع على جِباهِ المدن .
ولانّ المطر الهاطل من كفِّ الاساطير
لا يشربه وردنا
أصبحنا نشرب ماء الغربة في تربتنا
والعرّافون إحتفلوا بالحكمةِ
تنسابُ طائعة
في كأس الادعيةِ .
أيتها المدن المحروثة بالضّيم :
وحدنا هُنا
وحدنا هناك
وحدنا نتوغّلُ في المراثي
نمضي في شحوب الفرات
نعدُّ ما تبقّى من نجوم في صمته .
وحدهم يتأبطون الحرائق
يسفكونها على رؤوسنا
طالما ايامهم تُلوّحُ للدسائس
ويغلِّفون الطين بالنسيان .
مضتْ احلامنا معهم إلى اخطائها
وكبّلتنا في السواقي .
لا بحرَ القى بنوره على شرفاتنا
ولا الطيور مرّتْ فوق مناديلنا
هو الجنون حنّطَ الغيم والقى بكأسنا في المحرقة .
فهلْ كان لي أن أُريقَ الطمأنينة على رأسي
بعد أن حرثتها اقدام من قدموا . . . ؟


الموصل
2004









             الى ايّما وحشة . . وجوهنا تستدير ؟
ِِ ِِِ
نرسو بالكلمات الى ذهولنا
كلما
الرايات
لطخت
جدران
الكلام
بالشظايا .
نحتفي بالمُغيّب
نفقأ ظلمة الارتياب
نفضي بأوجاعنا من اوجاعنا
والامكنة البعيدة تمحو وجوهاً لنا
معلقة . . هناك.
في خرائط مترعة باللصوص،
لنحيا بأصوات كانها ليست اصواتنا..
في اضلعنا
مراكب من التشرد
تركناها خلفنا،
تشدنا اليها
كلما اصابنا جرح
تجيءالينا . .
هل كان لنا
الاّ أن ننطفىء بمزاميرنا
فوق تراب لايعرفنا،
وازمنة
تجرحها طلقات التنوير ؟
هل كان لنا :
الاان نكون، هناك
حتى نمسك باخرشهقة للروح
نسلمها للفوانيس لتحرق اعمارنا ؟
نكتب مافي وسعنا
ليتّسع مانكتب
كي لاتموت النداءات في اكفنا
ولتكفّ النداءات عن موتنا
ولاتُشطبَ الانهار من اصواتنا ،
وتصوّت الانهار لشطبنا،
نمضي
لنغزل بالهذيان حكايتنا
من اشرعة واجهت الرياح
وطفولة لم تزل تغفو بين طيات الثياب.
الى ايما وحشة وجوهنا تستدير . . .؟
الى ايما جهة يمضي من تورّط في شطبنا ؟
على ايما ارض سترتمي ارواحنا تعانق الهواء .؟
على الدرب البعيد في دغل الرصاص؟
ام على حفاوة الايام في اقصى النزيف ؟
ام على الشوق تحت سماوات يكحلها النعاس ؟
ام الى تلك السنين قضمت وجناتها عتمة الحجابات؟
من الضفة الاخرى الى الضفة الاخرى ثمة ضوء
ثمة ضفاف على اهداب الطريق
من نكهة الفرات الى يقظة الخابور
يفيظ العمر ويستيقظ العطر ،
من ظما الروح المسكونة بصدى الاغاني
المخباة في زرقة الماء.
هل ستنام الان ؟
منزلك : الليل الساكن فيك .
مطعونا تمضي بين الغيم
ا لمربوط الى قدميك .
هل غادرت جبين الطين ؟
ام انكرت هواء الوردة خلف مساء الاجفان ؟
كن حذرا :
ان سرير الحلم الخافت وعد مشطوب بقيامة الطوائف.
هل ستنام الان ؟
ام ستفتح نافذة غابت من بين يديك .
منزلك :طريق منهوب بفتاوى الكهان
وعشب مذعور تحت ظلال السكين .
طويت سنين النرجس من عمرك فوق الخشبة
تتنهد فوق العتبات،
محروثاً بالضّيم
ترسم شمسا او نبرة صوت .


2008
اربيل / عينكاوا








                            انكسار الابواق


الكلام
دلني على عزلتي
وانا اتسمر في انحائي المشبوهه بالتاجيل
مرددا خيانة السعاة
وهم يذرعون الاحلام
بحناجرهم النحاسيه .


انا بلا ذرائع
أخرج من خرائط التواريخ المخدرة بالاخطاء الى طرقي
كلما لوحت شفاعات السماء المهزومة
بالافخاخ .


هناك
بين طيات الرجولة :
شذبت روحي، باحتراقات المنافي
وعلقت اسنام من رحلواعلى فخار الصمت .


ايتها الخيانه :
تكسرت تضاريس المدن،تحت اقدام القتلى
وهتفت ضاحكة
امكنة الختام .
ها أنا ذا
.اصغي لاساطير
يتسرب الامتهان من ضيائها
.والنوافذ أوغلت في الوحشة
وإنْ سَطا الازيز على هاجس المرآة .
مازلت اعجن تمائم الخوف تحت قدميّ
كلما امطر اللصوص
رماد الارض بالانتظار .
تناقلت الشاشات
صور اللوعة في ذاكرة المدن ألقاحلة
وانا احدق في انكسار الابواق
حين اعطاني الحراس اصابعهم .
ٍ
اربيل / عينكاوا
2007






                               تساؤل


ما الّذي كان ينقصُنا
حتى نفقأ تلك العين
ونَفُضّ اشتباهاً ما
بين وجه الليل وباب النهار؟


9/4/2003
الموصل






                         سبائك الرماد


حتى يسدلوا الستارعلى النّهار الذي لا يشتهون
خدّشوهُ بالنّعوش وساروا بالمنشدين إلى اقصى اوهامهم
ليؤكدّوا فجيعتهم!
تراتيلهم تلك ستقودنا الى المصحّات
ونحن نتلوا المراثي على ظلال مسراتنا الراحلة.
هكذا على وجه هذا الفراغ الطّافح بالاقمار والقرابين
على وجهي هذا تنسجُ النار أسماءً لدُعاتها
الملثمينَ بالشهادة والذنوب وشتم الاسئلة
تدعو الرصاص إلى الروح
الى شطب المرافئ، والشمس، والقُبل.
يا هذا العبث
وهل سوى الحِراب ، ترسمُ ظنّها في سبائك من رماد ، فَمن نحاور؟
هنا انتظار الدّهشة يصحو طالما الجنون عرّش صمته ثملاً في ثقوب الجمجمة.
فَمن نحاور والفرات ارتحال صوب المخاوف؟
لنبق تاركين إسهاب الضغينة
يتملّصُ من هباء ظُلمتها
نُعلق التّثاؤب في حدائق نيرانها
ونحجُبُ النوم عن بريد ليلها
ونقول للسكاكين يعوزكم التقديس.


28/9/2003







               كرامة التُّحف الرخيصة


سلالات، سلالات، سلالات
تنهشُ الروح .تُلطّخ الغيم بوحلِ القطيع
وتُكدِّسُ الندم في الصمت
حتى ثؤثث البنفسج بأسماء النار.
ذاك الوشم احرق النّهار بالأزيز
واسهبَ في تفتُّح الخِطَطَ
من كؤوس التماثيل النَّزِقَة
وما زال يخور عند حافةِ ذنبه
كأنهُ يفتِّشُ عن لهفةِ الختام تحت جِلدِ النّائبات
حتى يُبدَّد الهروب من عصيان ساعاته.
مُنتصباً بِتعاويذِهِ
يُرتَق الحجر بالمعجزات!
وأنا أدورُ في منافي العُمر
أنفخُ مُن جرحي في النّاي :
قادمٌ من حنكة اسلاكٍ تئنُّ من قسوتها الظُلمة
تترصدنا التّركات واشرعة اللقطاء.
لكنّي ، طالما الجنون في يدي
مستعدٌ أن أنكُرَ العصا وهي تهوي الى جسدي
لتُحصي أُمنيات الصوت
المُختبئة في ثكنات الدم
أن أثقب الصنوج
بما تبقى من بصماتي
أن أُدخِلَ الواجهات المستغيثة
بالرّقى والانصال
في أسىً يدوّنَه دجلة
في اناشيد امواجه
أن ازرع الاوجاع
في كرامة التحف الرخيصه.


20/9/2003






                  ماذا نكدس فوق السحاب !


لماذا أشير الى قائمة التقهقر ؟ ‍
سأنغمس في غموض الأسئلة على ظهر الجثث ..
غالباً ما دفعتني الحواس إلى عدم التحديق في الخطوات المهملة
ثم أغفو خلف تضاريس الوحشة
وأعلن نعييِ لحدائق الموتى :
سنصادر نفايات الدموع
ونبقي الشراشف بلا تواريخ
لعلي أغادر ممتلئاً بالهواء .
طيلة الوقت كنت بعيداً عن بوابة المطر
قلقاً تحت قرائن القتل
ولم أتماثل من ألم التورط بالفظائع .
نحن بمراكبنا التي ساحت على شواهد الخطوات المدفوعة بالرصاص
لسنا غصون أياديهم
ولن نمنحهم لباقة حزننا
لسنا مع القوافل وان تهضمنا تجاعيد الغزاة .
لم استطع ان ألملِمَ بقايا صرختي فوق الرصيف
كانوا يتقيئون على التراب ويجلون الدعاء باقدامهم .
هناك ابتدأ الزحام في وهج الاعياء حينما لوحت حماقة الايدي المخنوقة بالبنادق ،كان الغبار يتحرق مع المودعين بالمخاوف كلما صار النعاس يهز الحذر ويختنق الرجال المتنازعين على الغنائم.
غير مجد ان اتوهم مرة اخرى ولا ارى الصواريخ توقظ الابرة على رجفة الخيط .
نِمتُ خلف رأسي محاذراً رائحة الدّنابر وهي تنقل الحواسم في واحة تتثائب فيها الاصنام.
صحوتُ على سقوط الجثتين بعدما ركلتها سيوف الفوضى
استدرت نحوهما .. لأمحو مفردات المطاردة الخرساء طيلة الليل .
لا مسرّة في هذا الفصل
غير اني سأسمّيه مطرقة عمياء تدق جبهة الشجاعة
وسأرفع عزلتي الى رنّة السماء بعينين تخرق الخريف وهو ينهش المسافة بين الروح وهشاشة المدينة وأنا اتقلب بين شفاه الغثيان .
كانت الجثتان تتنفسان تحت اقدام الشّامتين .
رمى خرائب نظرته نحوهما ، ثم مسد لحيته وتتطاول
بالغرور .
- ماذا نكدس على السحاب !
لم يسمعني حين قفزت من دمي هذه الرعشة ، والان أنا لست بقادر على ان ألمس البهجة في تراتيل عقارب الساعة، وستمضي الاسماء الى فصول المطاردة كلما الهاونات نشرت ظلالها على الرؤوس .
هل سأودع المقاهي وأسفح الطرقات في قاموس العتمة ؟
مازال الصمت يعتنقه الخوف
وتحجم الوجوه عن استغاثة البوح
وذاك التراب المخضب بالدم
صار عنوان الخرافة
لم اعد اجد في محادثة الركاب أي إجهازٍ على اقنعة
التنكر التي احالت براءة المألوف الى مستنقعات
الخيانة .
- لابد ان أُسَرَهُم هناك ، مازالت مسيّجة بالانتظار .
قالها سائق المركبة بوجه عذبه الاسى وهو مدرك لخطورة ما تلفظ به.
أفرغ الخوف جعبته بيننا وأطعمَنا الحذر ، هكذا يتخنّث الناس ولا يشغلهم الموت المتناكث على الطرقات بينما المتريّفون ينفجرون من الضحك ، ويتناسلون كالفئران وتتواثب احلامهم لتسرج المدن تحت فروجهم .
خرجنا من اقبية الخوف الكرتونية لنسقط في كهوف التسابيح المتوترة
ولم نعد نرى زرقة السماء التي تصفعتها الطلقات الطائشة كلما هبت عاصفة تدقّ الارض بالهاونات ، فأحتمي بوحدتي بين الحروف
لكن أزيز الطائرات يطرد الحمام من فوق طاولتي
اتحسس الاسئلة بين فصول الظلمة
علّ الاجوبة تصحو وتنقر بياض الورقة .
.. سبعة ايام
ام سبعة اعوام
ام سبعة قرون ؟
عصبتها عيون من غرقوا برائحة الدم
لا أحد يذرف الدمع على من تيبّست صرخاتهم على الرصيف
إلا الكلاب ألتي أغمضت عيونها وانشغلت في البحث عن طرقات بعيدة .‍
يا للموت وهو يكتب رفيفه على غلالة المدينة
وانا أتناثر فوق الدروب المختومة بالحذر الشديد
لست واثقاً من الوصول الى غزارة الوجع
بينما الطير يخلع وسامته
وينتهي في الجحور
لا الشوارع تحصي أصابعه
ولا الأسلاك تتعطر بالهديل
هي اليشامغ تحشرنا في سلالات الخطيئة كلما مضينا الى جنة المرايا .
لم تتوقف فضيحة الطقس المعفّر بالتكفير
صار ينمو في مستنقعات المشهد المغمور بشفافية المتاهة
شكّلت عربات الخضار استدراجاً للصراخ الرخيص ضد هيبة المدينة
وانكفأت ساحة باب الطوب(1 )
ولم تعد تلملم الكلمات المبللة بالنور
وتعرّت أغاني العشق لتركع تحت ازدراءات الرعاة .
إستفحل الرعب أينما حطت الروح
ورقصت الأوجاع على مُرِّ الكلام
وودعت الأمطار حزن الجثتان
كان عليّ أن اصلي من أجلهما
إلا أني تعثرت بخوفي
وبكى القرنفل في قلبي
2007




                     
                         وجع. . في ثياب


وجه لا يشبهني أمام المرآة
أفُكُّ حجابه
قناعاً قناعا ً.
بمنأى ، عن كومةِ نظرات زاعقه
لا أخافُ التّنقُل بين انتظارات
تترصّدُ ظلّي وتلتهمُ النوافذ حتىّ يكبو التوهّج في ظفيرة الشتاء المُعلّق
في ساحة الفردوس .
تنفرطُ إجابات
تنعقدُ اسئلة
تبصمُ العُمر
بلغطٍ رخيص .
العين التي تُطفئُ الموت
يُشكُّ دائماً في موتها .
ماذا ستمحو من مدائن؟
وماذا ستقول لمدائن تنامُ على سرير مُشاع ؟
هكذا كُلّما إِرتدى الجنون خوذته أنكرني ودعاني الى مذبحة .
ذاهبٌ أنا إلى فسحةٍ تَركتها طلقةٌ الى حين !
فهل سيختفي وجعٌ في ثيابٍ تَخمَّر العشبُ في ثقوبها ؟
وكم من حماقةٍ ستُلقى على هذا التراب وتدعكهُ ؟


الموصل
2000










                          اخرجوا. . .
إلام َ نقيم عند مشارف الشبهات،
ونتأبط التسابيح بأصابع متجهمة
وكأن قيامتنا سجود لدم الحَكَايا ؟
لماذا الرصاص يشدنا الى اناشيده
والكلمات كلمات ليس إلاّ تغلق الغبطة فينا وتشدنا .
الهواء منهك بالصنوج
ونحن هنا لسنا هنا
الى تشابه المظلات نستريح ،
وبشهوة أ لصحراء نحتمي ولانستريح
هاهي المناديل شاخت في طوابير الملاجىء هنا وهناك
تمسح الريبة والعنصرية والدمعة ونظرة الاحتقار .
ياكاشف الغطاء
كيف لي ان استريح الى وجه نينوى ؟
أيمكن هذا والرايات مطراً تسقط على راسي من رصاص !
ياكاشف الغطاء
في أضلعنا جهات بعيدة
في أكفنا جهات قريبة
نلملم فيها خيامنا الشاحبة
نحرقها لنضيء الدرب الغريب ونمحو من التراب مرارة الذاكرة .
ياكاشف الغطاء
إلامَ نتذوق طعم التردد بين نزوح ولجوء وتوجس وموت بطيىء.
بين سماء هي الاخرى شردتها تواريخ من الطعن .
فهل سنهتدي الى اسِرّةٍ نام الفجرفيها وتثائب الرصاص
على فصول مشاجبها .
باساطيرنا أرتمينا على كتف الغبار
وهانحن لسنا بعيدين عن ظلال السرفات .
قريبامن عتمة الطريق الصقنا مسراتنا قصائد
نمسح بها أرصفة العمر باجراس من كلام .
بعيداً
عن سطوة الخطايا نحمل الخطوات
نمد طابور صمتنا مدناً
تصحو على هديل الحمام .
يامبحرا بحزنك . . لاتلتفت الى الخلف وان ضاقت بك الطرقات
احن على خطى العابرين في المدن المتلعثمة
ورمم الملح المتكسر في المدن القاحلة
واحشد في انزلاقات الفصول ضد اناشيد القطيع البرابرة اجمل الاشعار واقدس الشتائم والالفاظ الجارحة
واشطب من حياتك كل قنوات الردح والفتح والاخبار الملفقة
واصرخ بسعة الحزن المتكدس في ثياب النساء
وبثقل القهر الجاثم على صدور الرجال .
أصرخ
انا هنا مكتوَ بغواية السؤال
اصرخ في الساحات ، في القاعات ، في الشوارع ، على الخشبة ،
في الاشعار ،في الافلام ، في الهواء الطلق ،
اصرخ امام ابواق الخديعة :
اخرجوا
اخرجوا من هذيان انقاضنا
اخرجوا من دمنا
من بؤسنا
من ثيابنا
اخرجوا من جرحنا
من بيوتنا
من اعمارنا
من احلامنا
اخرجوا وخذوا الى ان تتقيأوا كل نفطنا ،
خذوا الكراسي والجرائد المستقلة
خذوا فتنة الطوائف والمذاهب
خذوا خرائط الاعماروفرق الموت والميليشيا
خذوا الاموال والاطباق اللاقطة
خذوا الهاتف الخليوي
خذوا كل منظمات المجتمع المدني
خذوا ضجيجكم
خذوا نشيدكم
خذوا حشيشكم
خذوا سكوتكم على بؤسنا وخنقنا وطردنا وذلنا
خذوا مكوثكم خلف الخطابات وشفافية الكلمات الزائفة
خذوا الاخبار والاحباروالامراء والرفاق والايات الكاذبة
خذوالحرب والوصاية والوشاية والتوافق والتواطؤ
خذوا الصمت
خذوا الجمهور الوديع
خذوا ماأستطعتم من اثارنا واتركونا عراة تحت لهيب الشمس
فوق تراب بلادنا .


9/ 8/ 2008
اربيل / عينكاوا
ـ


خبر الفوز بجائزة ناجي نعمان الثقافية كما جاء في موقع عنكاوا مع التعليقات :
فازالشاعر العراقي مروان ياسين الدليمي بجائزة الابداع لعام 2010 التي تمنحها مؤسسة ناجي نعمان الادبية في بيروت،عن مجموعته الشعرية سماء الخوف السابعة. قد بلغَ عددُ المرَشَّحين المُتقدِّمين لنَيل جوائز ناجي نعمان الأدبيَّة للعام الحالي 1012 مشتركًا ومشتركة، جاءُوا من إحدى وخمسين دولة. كتبوا في ثماني عشرة لغةً ولهجة، هي: العربيَّة (الفصحى والمَحكيَّة في أكثر من لهجة)، الفرنسيَّة، الإنكليزيَّة، الإسبانيَّة، الرُّومانيَّة، الهُلَّنديَّة، الدَّنمركيَّة، التُّركيَّة، البلغاريَّة ، الأسوجيَّة، البرتغاليَّة، الصِّربيَّة، الألبانيَّة، الأُزبِكيَّة. سيتمُّ خلال شهر تمُّوز المُقبِل نشرُ الأعمال الفائِزَة، جزئيًّا أم بالكامل، في كتاب الجوائز لهذا العام من ضمن سلسلة "الثَّقافة بالمَجَّان"، كما ستوزَّعُ الشَّهاداتُ الخاصَّةُ على الفائزين، علمًا بأنَّ تلك الشَّهادات تمنحُ هؤلاء عضويَّةَ "دار نعمان للثقافة" الفخريَّة. والمعروف أنَّ جوائزَ ناجي نعمان الأدبيَّة تهدفُ إلى تشجيع نشر الأعمال الأدبيَّة على نطاقٍ عالميّ، وعلى أساس إعتاق هذه الأعمال من قيود الشَّكل والمضمون، والارتقاء بها فكرًا وأسلوبًا، وتوجيهها لما فيه خَير البشريَّة ورفع مستوى أنسَنَتها.
ولعلَّ من المُفيد الإشارة، هنا، إلى أنَّه، نظرًا للإقبال الهائل على الاشتراك في جوائز ناجي نعمان الأدبيَّة، فقد تقرَّرَ خَفضُ نسبة الفائزين فيها إلى ما دون الخمسة في المئة من عدد المُشارِكين كلَّ عام. وإنَّ هذه الجوائز - الهادفة أساسًا إلى الإسهام في نشر المؤلَّفات الأدبيَّة عبرَ العالم، وتوزيعها بالمَجَّان على أوسع عدد من القرَّاء، والَّتي لا تحظى بأيِّ دعمٍ من أيٍّ نوعٍ كان، بل لَطالما استَدان صاحبُها للاستِمرار بها.
مبروك لشاعرنا العراقي الكبير مروان ياسين الدليمي جائزة الابداع الادبي لمؤسسة ناجي نعمان وبالفعل يستحقها بجدارة متميزة لثقافته العالية وطروحاته الهادفة في الكثير من تنوعات الفكر الثقافي في الشعر الجيد والمقالة الجريئة والفن المسرحي والاخراجي وغيرها.


نشر الخبر في موقع عنكاوا بتاريخ مع التعليقات وعلى الرابط التالي :
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=415094.0






صوريا . . *
                                                       


مازلنا نتعقب اثاراقدام الموت ، مازلنا نتعقب رماد ألهلع ، لنمسك ذاك الوجع المقدس  براحة اليد ،  ،  اربعون سنة تأخرنا عن موعدنا هذا  ،  ،  لكنّا اليوم سنطرق ذاكرة ٍ منكسرة ونلملم اشلاء من رحلوا ،
 لعلنا نجمع شظايا المشهد المفجع . . .
اليوم سنطرق أبواباً  ظلت مقفلة  ، سنمضي إليها بين ذرات هذا التراب نفتش خلفها ،عن ارواح، واصوات، واسماء ، لم تزل ترتعش ،
حين تكدست عليها أجساد مضرجة بدمائها،
وذنبها ، انها كانت أبداً طاهرة .
.   .   .   .   .
  الذاكرة مازالت تمسك بذاك المشهد ، وعلى رخام  الشواهد مازالت  تُنثر التراتيل  وماء الورد ، ،
   اليوم سنصمت ،  ماأن تحكي صوريا قصتها،
لتسرد لنا في تلك الساعة محنتها ، حين انسكبت فوق ثراها  رائحة الموت .
.   .   .   .   .
 صوريا التي انكسرت  خارج الوقت،
كانت ترخي جذائلها على غيمة شاردة من دجلة .
دجلة الموغل في صمته ،دجلة الدائم بحزنه .
وحده ، من شهد الخوف
وحده ، من خبأ الاسرار
وحده ،  من يملك المفتاح
لكلام كان أبداً غير مباح  .
.   .   .   .   .
كان الضحايا اخوة بالدم والشهادة ، فلاحون مسيحيون ،وأكرادُ مسلمون .
يقتسمون محبتهم مع رغيف الخبز، ولاشيء يقسِّمهم
في هذي الدنياالمضطربة  .
 لهم الجرح سوية ،ولهم عطر السنابل .  .  .
كانوا صرخة واحدة ،
  و شهقة واحدة ،
و قطرة دم ْ.
 لمّا صار الوقت سُخاماً فوق سماء القرية
 وانكسر الفجر برصاص القاتل .
.   .   .   .   .
آن لنا أن  نخرج من طوق الوهم ،ونكف تماماً  عن تبرير الصمت
آن لنا  ان نرفع رايات العدل البيضاء ،لنكشف عن أزمنة النسيان . .
ونردد بصوت عالٍ :
ياهذا العالم آن لك ان تصحوا معتذراً ،لتعيد الحق ،
وتنصف كل ضحايانا ..
.   .   .   .   .
على ثرى  هذا  التراب ،استدرج الموت احبة لنا. .
ازاح بظلمة كفّه
اصواتهم
وطيبتهم
وسنابل أفراحهم .
.  .  .  .  .
بعد اربعين عاماً من عمر نكبتها  : وحين اقتربت مرة اخرى ساعة طلقِها  اصر ابناء صوريا على ان تعود صوريا كما هي  مرة اخرى ،
جنة لأسرارألمحبة،وأن تُبنى بيوت اخوتهم المسلمين ،مثلما ستبنى لهم بيوتهم  . ولتبقى صوريا كما هي  صوريا : فردوسا ً يسمو براياته ،
 فوق الحرائق  ،
والطوائف
 والاديان .
.   .   .   .   .
رغم الهواء الذي فرّ مذعوراً ساعتها،ورغم الدم،ورغم الصرخات . . .  مازال الصمت هو العنوان ،ولم يستيقظ كل دعاة القانون الدولي .
مازال الصوت الداعي لرفع الظلم وانصاف الحق يقبع في ادراج النسيان .
يكفينا حتى تُكسرُ اسوار الصمت ،دقيقة صمت وحداد في اروقة الامم المتحدة ، قد يستيقظ فيها من غفوته ضمير العالم .

.   .   .   .   .
ولأن البلاد المسكونة بالحب لن تموت ،
 عادت الاحاديث توئثث الدروب بالاحلام ،
عادت  النهارات دافئة  في صوريا.
عاد الصباح،
 عاد الامل ،
وعادت الارض من جديد تغزل بهجتها
وتعانق ماتبقى من  ابنائها .

                                                         مروان ياسين
                                                       15/ 9 / 2009


*في ذلك اليوم المصادف  السادس عشر من شهر ايلول عام الف وتسعمئة وتسعة وستين انفجر لغم مضاد للاليات تحت ناقلة عسكرية ،قتل وأصيب على اثره عدد من العسكريين .ونظراً لان قرية صوريا هي الاقرب من غيرها الى محل الانفجار فقد اختيرت لان تكون هدفاً من قبل القوة العسكرية للانتقام منها ومن اهللها العزل فكانت مذبحة راح ضحيتها العشرات من النساء والاطفال والشيوخ . 

نشرت في 15/سبتمبر 2009 في موقع عنكاوا .


ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

          


 نصوص شعريه











                    رفات القطيعة      


 صدرت عام 1999 










                                              مروان ياسين الدليمي


                                               

                                                    
  




غدا" أوصي كل مختل  :
                             أن يحلم نيابة عني .








































         على طاولة مضطربة

 

تخلَّف الصعلوك من كثافة أوهام
خَيّمت على قامة المدينة ،
تغَرّب محترقا بأناقته
حتى مجيءالفجرفي جَمرة  الحانات
يحفر ذاكرة الكأس
بكلمات أودعها المتنبئ   : "اي عظيم اتقي ؟ " 
يغرزها في رئة الوقت المتبقي 
ويفوحُ :
شردتني نساء الصحراء قبل ألف عام
كدستني بين عاهات الرصيف 
أنا شعلةُ خيل
في سماء الغزوات ،
رماحُ عشق
تلهثُ
فوق عشب الليالي .

. . . . .

 توقّفْ أيها الصعلوك عن قرع الزغاريد
 في خفارات الضباع ،
 لانك لن تصل
ولن تعلو ،
 أرمي سهام مراثيك
على أناشيد الهوام
قاسمني  ياصديقي رُفات المكان

على مقربة من جنون اخرس
لن نعود بمذاق الحقل إلى قرانا
نحن صعاليك عند ابواب انتظار .

. . .

ما الذي سيختفي    ؟
ما الذي سيؤول     ؟
ما الذي سيحدث    ؟
. . .

في غفلة ٍ
ستُلقى مفاتيح انتباه الدم
على طاولة مضطربة  ،
ثم يختفي
ماء خصامنا
هناك
في شارع
كم من مرة  مات فيه أبو نوأس .


                                                                     


                                                                                  



             أسئلةُ التراب


                                         ي
                                                                               

سـدنةُ الغياب ماضون من فراغ ٍمُلطّخ بدمٍ غاب منهُ الضوء  
إفتضحَ المَخاضُ مُتدحرجاً بلا ضجة .

أسمَعُهم يَرمون  دمدماتِهم:
غداً نؤمم الأقمار
نزيد خاتماً في ثراء الإصبع المتورمة
نورّط النائم حتى يفضي  بمقتول الكلام
نشطب الملح من صفقة النور في الصحراء
نرسم الخطوات للجياع مشبعة بنكهة الأدعية
ونقذف بها من  دكّة الخنوع إلى فضاء التسـوّل و كسر الضلوع   .



 أقفُ فوق غرين الاحتمال مُرصّعاً بالحشرجات 
 يخطئُ من يهزأ بالموج
من يلوي عُنقهُ في وجه  طارئ
من يهرب مُصطحِباً  طقس النسيان
يُخطئ  
كلا
لا يُخطئ .


ظلّ  يُخاطب بعضَهُ ما بين جنون الحكمة وارتطام الفأس
لعل بقايا الطريق مازالت غير مُبتلّة بالتقوّس
ولن تصحو من عبء إحمرار الكلام على شفاه السّدنة  .

هل تغيّر وجهُ الطعنة أمْ صار السُّخام لغة  ترتجلُ الضوءَ   ؟
سوى المكوثِ الأعمى تحت غيمة ٍمتورمة استأجَرتْ عُنقي
في أوّل طريق للسّطو بِصُحبة ِمن يتذوق طعمَ الانتحار.

سدنةُ الغياب ماضون الى ما تأجّل مِن مَكرٍ
وسماءٍ مثـقّبةٍ تحت السّـرفات
يتأملون التشتت في  الجنون .

وكأني أخطىء ولا أستديرعن بقية أسمائي المُذعِنة للغياب 
وكأني لستُ في صحراء ظلت تدورُ حولي
ولم ترتعش أمام الله مثلي .

سوى المكوثِ الأعمى
خلف ثياب مُلقاة في أول الطريق  .

الحُرّاس الراكعون يصيحون بي :
لِم َالتّشـابه في ظلال الهروب يخرج من خاتم ٍ ممسـوس   ؟

غابت عنيّ دهشتي
إنطفأ في داري  التّرقّب
تركتني حيرتي وراء أسيجة ٍ .

سوى المكوث ِالأعمى تحت أظافري وهشيم ِخزائني
كُلما أخبئُ العشبَ في صندوق اللهب تضطرب الحكاية .

هل ستُمحى  أزقة ماطرة     
أمْ ستهبط رائحة من سماء أتعبها التّخفيّ ؟

أتفقّد ما تبقّى من قداسة حولي
والروح  من ولع النارتتكىء على الثرثرة
في شرفة تهدم الهمَّ وتفتح للنرجس بُرجا من كلام .

الأعناقُ تمضي عن أسئلة التراب الى الثرثرة
وسدنة الغياب ظللوا المساء ثم التزموا الصمت .  

أتّجهُ بعد تلعثُمي في المجزرة
رافعاً زهرتي تحت سماء ٍمحشوة  بالصدى
أحسدُ الحرّاس على نومِهم بلا خوف
وآنا أخطو برأسي خارج رأسي  

الفراغ تدهور سريعا
تلوّث بالشائعات
ومن قطيع غفلتي ينفلتُ اعترافي
في قيلولة ٍمُظلِمة  .


لِمَ  المرارة تائهة ؟

أمحو ما تبقى من هلوسات في دروب ٍسائبةٍ
ثم ألقيها على حبل من  النسيان
حين أخطو برأسي إلى مقصلة النوم.
                    
                                                                                    
                                                




ما تبقّى .. من دويّنا المبتور
   
مضى صمتنا في كينونة المطر
عزمُنا بات على دكة ٍ بلهاء . .  لم تعد تذكرنا .

بضغائن ليلٍ لا يملك نافذة ً
غُرباء كُنّا
نَحمل جماجِم ضَجِرة
في مدن ٍمُتخمة ٍ بالموت.

كُنّا نعلمُ ،
أن للمعنى سواحلَ موجعةٍ
سننقشُ فوق ثراها رنينَ تشرُّدِنا
كُنّا نعلم ،
بانّا نتصفّح غفلتَنا
قبل مجيئِها
لكنّا
أزحْنا صوتَ الماءِ
وشرِبنا ظلامَ الطرقات .

ما تبقّى ،
صرخة ٌ
تقاومُ النّخرَ
ضدَّ هامةٍ يستويها التّعري
أمام كابوس ِالدّم  .

في وقت ٍمن ضَباب السُم
أنا بذرةُ انتباه ٍ
في غابة من خَرس
خطوةٌ لامعةٌ
باصابعَ من دهشة
تتلمسُ فجراً شاهقاً.
                                            






أخطائي . . الشّامخة
                                     الى /  بولص ادم

إبتعدنا
غدونا  مأهولين  بغياب ٍ
لايكفُّ عن التطلع تحت ألسنتِنا
نُنَقِّبُ كُلٌّ في انحداره ِعن إستيقاظ الرمح  في رأسه ِ.

أسعيدٌ انت في إنكارك للصحراء      ؟
أمْ  مازلتَ  تدورُ حول الاثام     ؟
إلاّ أنّي
أراك  قُدّاساً  مطويا تحت الثلج
كفّيك َ
تحمل كَمْشَة ً من ظلال ٍ
 سَمّمَها التشابهُ.

ماالذي يمكن أن نشتهيه
في عبورناالى  كوكب الاذعان   ؟

عند مزار ٍ مَبتور ٍ من الالم
 تعبِت  وجوهُنا
لامست  فلولَ الخَرس ِ
بمهارةٍ.



وانتَ
حين داست على جفنيك َ
كلابُ القبائل ِ
صنعت َ تمثالا ناعِما
للسُّخط ِ،
رأيتُك تَسحَلهُ
في غفلة ٍمن خَجل المسدسِ . . .

بين سُعال التاج
ورهط المجانين
كم ارتجفنا
ونحن نُقَسّمُ  في خرائط ِالشهوات
الى طوائفَ مُهدَّدَةٍ بالنُّعاس .

لم يبقى الا الحديثُ المسوسُ
يَنطّ
من تحت كينونة ِ فوانيسَ
مُلطَّخةٍ بالتجاعيد
حين تهدّمتْ السِنةُ الرواة 
في مُنتصف المَلهاة .

وقتٌ مُبكر لدعس الثلج
في رؤوس مصادفاتٍ لاتشيخُ
تهيلُ  ترابا مقدسا في وِجهَة ارتيابي
وأنا
ملوثٌ  في عزلتي 
اصاحب تماثيل  أخطائي  الشامخة.






                               تحت جفنيك 


 ألأنهار ما عادت تسألـنـا
وزّعتنا على حروف أبجديتها
سلّمتنا للحَمَام
يشربُ من دمعنا
مِن شمال الأرضْ حتى جنوب النّدمْ
فهلْ فرَغَت أبواقُ الشقاء مِن شقِّ الرّوح
كما لو أنّها رحى
تصحو على طعم الغياب؟
هل نكتفي بالزحف وراء ظِّلِّ أعوج
ما بين الصورةِ والرّسم المُظَّلل
على طول طريق مُمَغنَط بالشحوب
أم نكتفي بالدوران حول أفواهِنا
ما بين الفجر
وآخر المساء؟
رغوة التحليقْ
مِن بعد انكسار الصوت في معدِن الليل
تركتْ بصمَتَنا فوق الوسادة
أقلقتنا
وما مِن سبيل لكي تُمحى بأخطائِنا.
هذا ليس اختياراً لكفِّ الرؤى في ساعة الاشتباك
لمَ لا يكون احتكاكاً لسماء الجوع بسياج القهقهات
أو اهتزاز الثريا أمَام عينٍ مُغمضة.
الضلوع باردة في بركة الفولاذ
وإنْ مدّت لسان التوجّس في سماء مِن فخارْ.
دمُ الأصابع يراقب الباب
يحملهُ مركبٌ إسمنتي
تحت زخاتٍ من رصاص
فهل فَرَغت أبواقُ الشقاء
أمْ تلكأتَ في استعادة النَّغم
أمْ أن أصواتنا انداحت على رمل الصحارى؟
أقلَقَتْنا معزوفة الدوران
واختنقت براءتنا فوق التراب
هكذا التفتْنا بالحشرجة من صحراء إلى صحراءْ
وما سمعنا سقوط الضباب الوثني
بين الثياب الزنِخَة لقوافل الرحيل صوب البحر.
بعد أن تثلّمت مفاتيحُ المُوَاءمَة ما بين الأزيز والنحيب
ابتدأت معزوفة القلعْ بين ازقةٍ مرقّطة بالجوع
فهل ستحدث معجزات في معدن الصوت الهَرِم للأبواق
أمْ ستبقى ترنيمة من نحاس تَسلُّ الأوتار من حناجر ملقاة فوق الحَجَر
أمْ سنكتفي بالدوران حول أفواهنا؟
ها أنتَ لمْ تتّعِظْ
مازلْتَ كما أنتْ
تعبثُ بالنار
تُخبئّها تحت جفنيك
تنزف أسئلة
ما بين التراب والدَّم.
أين هم أترابك
لا ظلال لهم على خطوط كفيّك
وأنت تمضي بين ضجيج الجموع
تعُضُّ الكلمات
ما بين رأسك والفم المغلق
هناك ضاعوا فوق موائد دبقة
غيَّروا حروف أبجديتهم
تزحلقوا على مرمر أجساد بلا شمس.
لن تفرغَ أبواق الشقاء من العَزف تحت الأظافر حتى تَنْخلِع
وأنا مازلتُ أعبث بالنار
أخبئها أسئلة تحت جفنيّ.
رأسي يقذف بي
أتتبع أثر الصوت
واكتئاب الظُفر النّابت في سماء الروح.
مسكونٌ بالنار
منفيٌ مِن أضلاع النهر
أشقُّ طريقي خطأً أكثر من مرة.
حين تلكَّأنا في استعادة النّغم
أختنقتْ براءتُنا
وتثّلمتْ مفاتيحُ المواءمة في بركة فولاذ.
ها أنت لم تتعظ
مازِلْتَ تُخَمِّنُ رجوع الصوت
تعبثُ بالنار تحت جفنيك
بينما الصورة تدحرجت
ما بين التراب والدَّم
والغيم على كتفيك يرتمي بلا رائحة.
فهل فرَغَت أبواق الشقاء
أمْ تلكأتَ في استعادة النَّغم؟
                                                       









رُفـــــــاتُ القَطيــــعة ِ


تشتَتَ الغيابُ
محتمياً بلعنةِ أخطاء ٍ مقدسةٍ ،
مُنصتاً
تدورُ الرؤوسُ
في شراكة أقدار ٍمؤجلة ٍ من ظلمةِ هواءٍ
إلى مذاق الغارِ
في جمجمتي 
ودويٌّ
يستحوذُ على مقعد أنتظاري .

رُبَّما تَسقُط ُصورتي مِن غير إعترافي
رُبَّما فخ السكوت لا يخصنى
رُبَّما نكهة هباء ٍتخرج من تفاصيل حكمتي
رُبَّما مواخير الفراغ تهملني
رُبَّما . . .


هل سأبقى أراوغُ المأسورةَ مُستيقِظاً
كُلما الصَقَتني الخرائطُ على تـقاويمَ ضريرةٍ
كَم ودَّعَتـني جِهاتٌ في جَمهرِها
تَـتـَلو عليّ صَلابة َدهشتي
وأنا ماض ٍفي وحشتي وتقلّبي
بين ما أروي ولا أروي
مُنصتاً للذُّعر المُخبّأ
تحت جلدي .

كيف أبدو هذا الصباحُ
في حوزة العابسين على نكهة السماءِ
بصحبةِ  ألمحذوفِ من أيامي؟ . . .

أغادرُ الأشجارَ والأنهارَ
 فمن يبكي نيابةً عنّي
 ويحذف التَّسابقَ للحرق ِ
بعد موت ِالأترابِ
في فخِّ السكوتْ.

رُفاتُ القطيعةِ موكّدٌ
بين الجنازة ِوالطريقْ . . .

آثامي تدورُ بعناية ٍحولي
تَطرقُ ظِلاً من زهرتي
لتنفلتَ أخطائي .

لا شمسَ تُطعِمُ أجفانَ ذاك المُنتَحرِ
لا وقتَ للرثاءِ
 ولا رثاءَ للوقت ِ.
الأفضل من هذا :
أن ينحنيَ الاعترافُ
لأستدراج ِألاقنعة ِ
في سيرة ِالسّطو على المُدن ِالـقـاحلةِ
كُلما زجَّني كسادُ الكلمةِ
على جسد ٍمرَّغهُ الادِّعاءْ.

هي القطيعةُ تَحبـسُ الطريق َ
عن الجنازة ِ،
وكأن لا سبيلَ للخروج من رعشة ِالنهايةِ .
مُنصتا" للذُّعرِ تحتَ جلدي
أتَتبَّعُ أثارَ الانتحار في جَنَّة أعماقي.

الاكاذيبُ شامخةٌ
تنهشُ الضوءَ المُطمَئنَ
على وجـه ِارتيابي ،
تمد من طلقات يأسة  
فلولاً
في سماء ِزقورة ٍفاسقةٍ .

رُبَّما يغتسلُ الحمامُ فيها قبل وصول ِالمَقبرة.
رُبَّما تصحوا رِمالاً بعد َحينْ
رُبَّما جنازة
رُبَّما مقبرةً


                  اعتـرافٌ مُتـَغَضِّــن


كَمْ يؤسفُني أن لا يصلحَ هذا الوجهُ إلاّ لقرع ِطبول ِالأعذارْ
كَمْ يلزمُني مِن وقت ٍحتى أخدش سماء النّقر؟
كَمْ أتَحصَّنُ بين مكائد نُبلي حتى يُصبح كل رنين ِالأبواق رميمْ
وأمحو تأريخاً يَصطادُ نواميسَ الماء  مِنْ إيقاع النارْ.
سـألتُكِ : أنْ لا تَبكي.. حين الضَّوضَاء  تمدُّ بساطا من ودِّ
 بين الخَردلِ والشَّفتين.

هل أعترفُ الآنَ؟
غَامِضٌ هذا الرحيلُ الدَّاشرُ
 من تحت ِثياب ِالطُّهر ،
 لا يحملُ أجنِحة من عشقي للحرِّ اللاهب
عِندَ حوارِ القَدمين ِالعاريتين فوق قلوع الإسفلتْ.

و سيعٌ حٌلمُنا في حلكة الجهاتْ
طويلٌ ليلُ ارتباكِنا
في شرائع ِالأسوارْ .

أأشيّعُ الشّفتينَ في حُزن ِقُمصاني المُتغضِّنةِ
وصيفُ التزييفِ يتسكَّعُ فوق أرصفةِ المُدن المُتهدلةِ؟

على مَضض ٍأقفلُ شرائعَ نائية
وأرتجفُ ذاهبا
أقرعُ طَلَلَ أنهار ٍخاصمَتني
ثم أنتبَهتْ وشَاطَرتْني غُربَتي.

قَالتْ : رأيتُك تَمشي، فوقَ نُعاس الأجراس ِالمُلقاة ِفي حُضن ِالشاطئ،
 فهل ستعودْ
 أمْ تبقى ؟  
ياحبيبي ، أنتَ مُنذ الغدْ
لستَ سوى ظلٍ مَسفوح ٍتحت العجلات .





                       أكــاذيــبُ المَنـــــفىَ
في سُــــــوح ِالكــــــلامْ  .  



على طولِ طَريق ٍمُشتهى في كفِّ المَنيّة،
مَضى بلاغٌ شاحبٌ
حتى أسوار ِالنهارْ ،
هناك إحتمى النباحُ خَلف الكؤوسِ
يُعلن نَصرهُ غير مكترث
ولا ينتهي ذلهُ لعولمة ِالتّعري
عند نساء ِالبدو ِ
في ساحة ِالملوك ِالصّلعان .

ـ أيا أولادَ الطحلب في أوروك ،
ضَعوا عُدة َالأشعارِ والأفكار ِفي مُستنقع ِالرّقص الذي أنتم تُتقنونْ،
إنزووا تحتَ عَباءات ٍ مُصفَّدة بالندمِ
إغتسلوا بماء ٍمن خرابْ  .
ثيرانُ الشَّمسِ عَلّقت صَمتَها
على أبواب ٍ مِنْ جُرح أشورْ
تُحدِّقُ في مهرجان ِاللّطم ِالمُبلل بأكاذيبَ دافئة ٍبينَ أضلُع العتبات ْ.

لن أخرُج من جِلدي مُنكسِراً
حتى أُدرِكَ طعمَ الغيابِ
يستيقظُ من ظلّي ألمُدمَّى .

أعودُ
مرة أخرى
أحيا في مملكة ِالتخفّي
بلا شفاه ٍ
و لا نعاسْ .


أيا اولادَ الطحلب ِفي أوروك
تركتُم ثيابَ قصائِدكُم في شرق ِالمأساةِ
وتعرَّيتُم بالشِّيب المصبوغ
فوق شوارع كوبنهاكن
ثم رَكلتُم فوق ترابٍ من قلبي حكايات ٍ
تقود ُالفصولَ
إلى تلمُّظ ِالمقبرة ِ.


هنالكَ ..  
في المدن ِالبدوية ِ
شوارع َملساء َ
رصَفَتها دماءُنا ،
بالأمس كانت مُغبرة ً
واليومَ ابتلعتكُم .

من فُسحَة ٍ بَعيدةٍ عن العَسَس أجبتُم بعد حينْ :
لسنا إلاّ قبائلَ ظلت تُسفَحُ على دكّةِ الازدراءْ ،
هـا نحنُ ولِدنا الان َ،
فَلَكَ الرَّملُ
إِغتَسلْ به
وبأيدينا البحر.

أقولُ لكُم يامنْ أزَلتُم خَيطَ رُفاتي مِن بين ِأصابِعِكم  :
ملطخةٌ أكُفكُم بنظرة ٍمن دَمي
 فلاتشابُهَ في صرختِنا
ولاتشابهُ في أسمائِنا
أنتُم قتلى بِمذَاق ٍ
يَسقطُ مِنهُ ظِلُّ خيانة
ولن نتشابَهَ في نيّة ِالتَّحديق إلى إِنكسار ِالغِبطة ِ
في عُنق المدينة ،
أنا في بلعوم ِالمرارة ِ
وأنتم تَنطّونَ على موائدَ غريبة .

أيُّها العابسونَ في وجهِ الرّعونَةِ
من فوق ِجبالِ الألبِ
بقصائدَ تتثنى فيها آلسِنةُ النار،
إستمِرّوا في شقِّ الطريقِ إلى  الوِشاية
إستمِرّوا على التَمتُعِ بِتكرارِ التَّغريد المازوكي ،
تحت سماواتٍ عارية ٍ
غادَرها الخجلُ .

مازلتُ ، أخلعُ سيرةَ موتي مُحرّفةً
بين أسلاك ِالعُزلة ِ
ووشاية ِالصحراء ِ.
أقفُ في ظلِ الطريق ِالمُعطّلِ
لاتخدعني جنازتي المُتكررة ،
أخرجُ من فَخ ِّ
حتى أدخل فخا" آخر،
أنا و ما تبقّى
مِنْ تدهور ابتسامتي  .








                إمضـــــاءةُ الأزيـــــز فـــــــــوقَ جـَفنــــــيّ


بعد أن سَحلتَها كمائنُ تماثيلَ مُكرّرةٍ ،
فؤوسُ يقظتي
تحتاجُ إلى دَم ٍوعِرٍ
يتسلقُ ما تهدّم مِنْ نار ٍ
فوقَ لِساني .

أختفي على رُقعة شطرنج
ثم يُعاد ظهوري النازف
وكأنّي شتيمة .

همودُ أرتيابي في كرٍ وفرْ
حتى نامَ الجُّندُ
على شموخ ِمُربّعات  بيضٍ
بشفاه ٍناشفة السّواد .


أختفي في لمعة ِالنَّحاس
على صدرِ البيادق ِ
وأنا على مَقعَدِ غنيمة
أبتلعُ الانتظارْ.

يقظتي
تمدُّ قافلةً
من قَداسة ِموتي
حتى أمسِك البابَ من قبضة ذُعرِه
 ثم أخلعَهُ بشحّة صوتي.

مائدة ٌمن سكوت  تمضي
حين أصحو
ثم أغفو
ثم أصحو على إمضاءة ِأزيزٍ
فوق جفنيّ
وأنا أمضغُ الرّوحَ في صورتي
فيغنّي الموتى
بعد رحيلِ الموتِ
 فوقَ خيل ِالكمائنِ
 والمهرجونَ يهذونَ
وهُم في طريق ِعودتِهم
إلى البيت.

ترقُدُ الضّغائنُ بلون ِالنهار
على كتف نهر ٍمنخور.

مُطلٌ أنا
على أفق ٍيعاني من الإطناب
يشتهي طَعنةَ إشفاقٍ .

صار الفضاءُ شيخاً مُكتضاً برمادِ النسيانْ
تخلو عُزلتهُ من غيمة ٍ مُنبّهة ٍ لفناء ِالقلعة .

على تَقهقُر ِالفأسِ أفتحُ كَفيَّ :
أنىّ للقلعة ِأن تَسقُط َ
فوق رُقعة طازجة
تملاءُ طقسَ المكانِ بالأمطار ،
وأنا على مَقعدِ الغنيمة ِ
أبتلعُ الانتظار ،
حينها أختفي
على رُقعة ِ الشطرنج .























مــــا تبـقـــَّــى
من دويِّنـــــا المبتـــــور

                  
مضى سرطانُ صَمتـِنا
في كينونة ِالمَطر ،
مُبتذلا" غدى عزمُنا
على دَكَّة بلهاءَ لم تُعدْ تذكُرنا.

غرباء كُنّا
نَحملُ جماجمَ ضَجِرةٍ
في مُدن ٍمُتخمةٍ حدّ الموت,
بضغائِن ليلٍ
لا يملكُ نافذةً.

كُنّا نَعلمُ أنَّ للمعنىَ سواحلَ مُوجِعةٍ وبعيدة.
وسننقشُ فوق ثَراها
رنينَ تشرُّدِنا.
كُنّا نَعلمُ بأنّا نتصفَّحُ غَفلتَنا
قَبلَ مجيئها،
لكنّا ، أزحنا صوتَ الماءِ
وشرِبنا ظلامَ الطُرقات.

ما تبقّى صَرخةٌ تقاومَ النّخرَ
ضـدَّ هامة ٍ يستهويها التَّعري أمامَ كابوسِ الدَّم
في وقت ٍمن ضَباب السُّم.

 أنا بذرةُ أنتباه ٍ في غابةٍ من خَرَس
خطوةٌ لامعةٌ بأصابع َمن دهشةٍ
تحفرُ في قيعان ِمواخيرٍ،
 تتلمسُ فجرا"
شاهقا".





غبـــارنا النحيـــل
في آخر المـــــــلحمة


            
فقراءَ كُنّا
ولم نَزَلْ ،
نُجَرجِرُ عوالمَ ظافرةٍ
بين ساعاتٍ لا يُستدلُّ على هَلاكِها.

 مِن أوهام دهشَتِنا
 يَرتعدُ جِنسُ الخراب ْ.

لماذا توقَّفنا برؤوس ٍمُقفلةٍ أمام تلك الثمارْ
ثم غَرقنا مُتماسكينَ بأظافر ذُعرِنا
في نهارات ٍتحت قناديِلها
ثيابَ حِداد .

صوتُك ألحافي يَلوذُ في طُرقاتٍ مَهجورة ٍ
يَقطعُ ذخيرةَ الأحكامِ
بنصلٍ فأسٍ.

كُنّا بحاجةٍ إلى أبجديّة ألنّدم ِ
قبل انكسار ِآلبَرق ِ،
كان علينا أن نُشَّرِد آلقبورَ من نافذة ِالتّقاويم 
أنْ نَكنِس تثاؤبَ الشمس من خِرق ِآلمُهرجين .

مازلنا يا صديقي نوشكُ أنْ نتدلّى إلى مَخدع ِالجحيم
 نغافلهُ حتى نَحوزَ على تلعثُمهِ .

أتذْكُرْ . .
حين ركِبْنا ألحافلاتَ من كومة ِالنار قبل ربع قرن
وغاصتْ بِنا النّوايا في تَدهورِ الحنين نحو تفاصيلَ مهرجانٍ موبوءٍ ؟

هكذا تأجَّل وقوفنا
ونحن نحملُ غبارَنا النَّحيلَ في آخر المَلحَمَة،
لآ نملكُ وقتاً لـتأمُّل ألنعاسِ
في بُحيرة ِانتحار ِقاماتٍ
 كأنّها دَواب .

دُلَّني يا صديقي على سُلالة ٍبعيدة ٍ
تقودُني إلى سماءٍ
أدفن فيها جثتي
ولمّا أعودُ إليها كلَّ عام  توشكُ أن تعرفَني .

لعلَّني وطأتُ أجفانَ ألرَّماد ْ
فمعذرةً يا صديقي لبلاهتي
لركود ِأصابعي في الثرثرة
ريثما يغرسُ الحمامُ حدقاتَه ُالموجعةَ
في ستائرَ ظلت مُسدلة.








                  أتَّكــِــــئُ على نَبـــــــرة ِصوتـــــي.

لطالما انتظرتُ مائدتي
وأنا أُحني رقبتي
تحت مِنجلٍ من فِطنةِ البنفسج
أُخمدُ ارتباكَ الغسقِ
أمامَ عويلِ المِقصلةِ
بثباتِ أوصافي .

أدنو إلى حتفي
أحملُ سحنَة ولعي بالتراب
وستبقى شُروخ ضَيمي
برهافة الرصاص.





                           


قراءة نقدية في  ملف  من ملفات الأرشيف
ـ جريمة اغتصاب ـ "رفات القطيعة"


أياد آل عبـَّـأر
تورينو ـ إيطاليا
12/01/2013




                                                        

هذه القراءة هي لأحد العملاء المختصين بالبحث في الحوادث العالقة والتي لم يتم بعد الوصول الى نتيجة لإنهاء التحقيق عن الأسباب والأحداث والى ما وصلت إليه الأمور من خنق وحرق وتجويع وتعطيش وتعذيب واغتصاب وتقطيع حتى الى ما بعد الموت، والى من هو الجاني الحقيقي ومن هو المجني عليه. إذا ما نـُبـِشَ القبر ووجـِدَت الجثة وبعد وقتٍ طويل  يكون البحث والتعقيب عن الأسباب وفاعل الجريمة من أصعب ما يكون.
هذه المجموعة الشعرية " رفات القطيعة " التي كان قد كتبها مروان الدليمي وهو ككل الشعب العراقي، يعاني من ذلك الحصار الشنيع القاسي من جهة ومن جهة أخرى من نير الدكتاتورية والعنف والظلم الذي كان يقوم به النظام النازي في العراق، أقول أن هذه المجموعة الشعرية تحكي عن الجريمة وأحداثها وبدلا من أن تعطي الدلائل والأسباب والنتائج موضحة بذلك كل شيئ لتجعل من المسؤولين قادرين على حل المعضلة والوقوف على أسبابها ونتائجها وفاعل الجريمة، أقول بدلا من ذلك، جاءت لتضفي برقعا وخمائل وحجابات غامقة الألوان تكاد تخفي الأحداث أو أنها تجعل منها طلسما ً، لغزا ً وسرا من الصعب إذا لم يكن من المستحيل حلـَّه أو إدراكه!
إنها مجموعة من الجروح التي أزهرت بدلا من التقيح والتورم الذي يظهر عادة على الجروح بعد تلوثها، أنينا لزهور تكاد تموت عطشا وجوعا بالرغم من خيرات النهرين وأرضهما! لغة هذه المجموعة الشعرية تكاد تكون غير نافعة وغير مضرة، بل هي تقف هناك لتعرض حالة من الألم في الفكر والضمير، القلب والكبد، المعدة والأمعاء، في المفاصل والعظام، في العضلات والجلد المتبقي إذ لا لحم هناك! هي تراجيديا إغريقية قديمة لـ"سوفكلس" أو لغيره أو هي ملهاة لبعض العابرين على خشبة مسرح خالٍ من الجمهور ومن أي عنصر آخر يمكن له أن يرى مايحدث أو يكون على تلك الخشبة!( 18) "29"....وأمَّا الجُنـَّيْد فكنت عنده إذ دخل شاب حسن الوجه والمنظر وعليه قميصان وجلس سويعة ً ثمَّ قال للجُنـَّيْد: ما الذي يَصُدُّ الخَلـْقَ عن رسوم الطبيعة. فقال الجُنـَّيْدُ: أرى في كلامك فضولا ً أيَّ خشبةٍ تـُفْسِدُها. فخرج الشاب باكياً وخرجتُ على إثـْرِهِ وقلتُ: رجلٌ غريبٌ قد أوْحَشَهُ الشَّيخُ. فدخلَ المقابرَ وقعدَ في زاوية ووضع رأسَه على رُكبَتـَيْهِ. فرأيتُ صديقا لي فقلتُ له: رأيتُ بالعجلةِ شيئاً مِنَ الشَّواءِ والفالوذج والسكر وخبزاً حوارَى وماءً مُبَرَّداً والخَلال وقـَدَراً من الأشْنانِ وأنا في الموضِعِ الفلانيّ. فأتيتُ الشَّابَّ وجلستُ بينَ يديْهِ أُلاطِفـُهُ وأُدَارِيهِ حتى جاءَ بما الـْتـَمسْتُ مِنـْهُ فوضعته بين يديه وقلتُ: تفضَّل. فمدَّ يدهُ وتناول. ثمَّ قلتُ: الفتى مِن أين. قال من بيضاء فارس إلا َّ أنني رُبِّيتُ  بالبصرة. فاعْتذرتُ منه للجُنـَّيْد فقال: ليس له إلا َّ الشيخوخة وإنـّما منزلة الرجال تـُعْطـَى ولا تتعاطى. .....[1] خشبة مسرح الجريمة التي كان يقف عليها كل من كان له نصيبا ودورا في تلك الأحداث، كانت قد فـُكِّكَتْ وشُرِّحَتْ ونـُصِبَتْ من جديد لتـُصبـِحَ صلبانا ً، كلُّ صليبٍ يختلف شكله من حيث الطول والعرض والإرتفاع ومن حجمهِ وثقلهِ من حيث عدد قطع الخشب التي تـُكـوِّنـَه.
ها قد أفسد الشاعر خشبة مثل أحد سابقيه! أفسدها مُلـَطـِّخاً إيـَّاها بجلده وعظمه المتناثر هنا وهناك بدمه، بدمعه، تلك الخشبة هي صليبه الباقي على امتداد الحضارة! إنـَّه ليس كمن يُصْلـَبَ والسلام حيث يُقال عنه: ها قد صلبوا  اليوم أيضا رجلاً آخر على أعلى التلـَّةِ ومن ثمّ ذهب كل الى بيتهِ يحكي ما رأى وما حدث دون أن يُعَقـِّبَ ما السبب وما هو الذنب ومن أصدر هذا الحكم؟
في سنة 1999 نشر شاعرنا هذه المجموعة " رفات القطيعة"، ربما كان لا يزال تلميذاً يذهب الى الكتـَّاب عند الشيخ أبو سلامةِ الترمذيِّ الحفصيِّ، قارئٌ ومجتهدٌ في علوم الدين والحياة وغيرهما، ربما كان هذا الشيخ أيضاً ممثلاً لعلماء الفيزياء الكميَّةِ ـ الذريَّةِ  في أكاديمية خلاص الإنسانية من ضميرهم العائد الى جملة في مكانٍ ما من من النص الدستوري القائم آنذاك والتي لا محلَّ لها من الإعراب!!! أو أنـَّه، أي شاعرنا، كان لايزال تحت وطأةِ الخدمة العسكريـَّة الإجباريـَّة ( وهذا هو الأرجح) الخانقة، يعاني البرد والحر والجوع والعطش والخوف وأيضا الشجاعة وهو يستكين بظهره على حافة خندقٍ كان قد حفره بذاتهِ على الخطوط الأمامية من الجبهة التي تعارض وقف الحرب وفي نفس الوقت تنادي بالسلام! هناك كان شاعرنا والى جانبه رشَّاشته التي تستريح نافخة ولافظة دخانها من فمها الذي كان قد سكب نيرانه على العدو طيلة الأسابيع وربماالأشهرالماضية! مهما يكن من الأمر فشاعرنا لم يكن في حالة يُحسدُ عليها ولم يكن من معه كذلك!
ولكن من كان معه؟ طبعاً كان كل العراق معه بكل ما يمكن ولا يمكن أن نسميه  عراقاً!!!
كان معه ذلك الصمت،  ذلك اليأس الكثيف، المتجبِّر في لونه الرصاصي المائل الى السواد كضباب لندن ومن تلك المعانات التي لا تطاق ولكن ليس هناك من طريقة للتخلص منها.
بدأ المغني الجوَّال يعرض وصيته الأخيرة على الملأ:

         غداً أُوصِي كُلَّ مُختلٍّ:     
                                                 أنْ يَحْلـُمَ نِيَابَةً عَنـِّي.

هي وصية تتكون من كلمات قليلية، مُخْـتـَصِرَةً بذلك عناءَ الفهم والتفكير! إنها وصية خاصة بالمختلـِّين وليس بآخرين من الأحياء. "كل مختل"، مهما كان إختلاله: مختل العقل، الجسد، الروح، العيش، الموت، مابين العيش والموت، مختل الحب والعطاء، مختل الأخذ والبخل والأنانية... أي مختل وأي كان اختلاله! وهل يوجد في هذه الدنيا غير المختلـِّين؟!!!
عمومية ُ التـَّرِكَةِ في هذه الوصية تعطينا زخماً قوياً كي نأخذ بها ونتصارع عليها والفائز هو من سيحصل على الأكثر من الأحلام! الحلم ليس إلا َّ واقعاً بلا قيود أخلاقية مسبقة ومقننة من قبل العالم المحيط بصاحب الوصية ومن سيعمل بهذه الوصية. الحلم هو مادة الإحتراق ووقود الحياة التي لا يعطي واقعها إلا َّ التشرد والحزن والأسى والبرد والجوع والعطش القائم بزرع الموت قريبا من شواطئ النهرين الخالدين! الحلم هو البديل الوحيد.
الوصية ليست شريعة يجب على الكل أن يطبقها ويأخذ بها، بل هي عرض وهدية لمن أراد أن يأخذها وأنا أرى من أنَّ الأخذ بها أهون وأصح من الإستغناء عنها وها أنا عندما سمعت المغني الجوّاَل يصدع بها كنت من أول المتقدمين ومن أوائل الواقفين في الطابور الخامس! حيث أن الطوابير الأربع الأولى كانت قد تشكلت ممن هم في العراق وأنا لست إلا َّ غريبا ً مسافرا ً مختلَّ العقل والقلب والعشق يعشعش في كل خلية من روحي ومن جسدي، ذلك المسافر الذي لم يلقَ إلا َّ قضمة خبز إستعارها من أحد التجار المفلسين! حصلت على حُلـُمَيْنِ فقط لا غير كي أحلم بهما نيابة عن المغني الجوال، الأول هو حلم للحياة الشريفةِ الحُرَّةِ وكان هذا الحلم ليس في قائمة التموين المسموح بها ولكن يجب الإنتظار الى حين غير معلوم للحصول على ذلك الحلم! وبطاقة التموين التي معي لا تتعدى السماح لي إلا َّ بأخذ رغيفين من الخبز ونصف كيلو من السكر والشاي وكيلو واحد من الطحين ولتر من الزيت وآخر من الحليب وعلبة سجائر واحدة من النوع الوطني  العراقي والمختومة بختم دائرة " إنحصار التبغ لجمهورية العراق" والمصنَّعة في إسرائيل! والأتعس من ذلك كلـِّه هو أنني عندما وصلت الى شباك التموين قال لي المسؤول من أن المواد كلها قد نفذت ولم يعد هناك إلا َّ الحُلـُمَيْن فقط وأنَّ الحلم الأول لم يصل بعد وأما الثاني فهو في متناول اليد وليس عليَّ إلا َّ أخذه قبل أن ينفذ هذا أيضاً!!!
 أخذتُ الحلم الثاني وهو حلم للموت! " آني العراقي عند المذلـَّة أهوى المِنِيـَّه" وهذا ما كان المسموح به مع وقف التنفيذ لكي تطول مدة التعذيب من جلدٍ وسلخٍ وتجريحٍ وقطعٍ ومدِّ تيار الكهرباء وإلـْصَاقِهِ بالأعضاء الجنسيَّةِ أو حول الرأس متصلة أسلاكه بتاج من حديد ملفوف "بالزنجار" وقوائم أسماء المجني عليهم من شتى الأعمار والأجناس والعقائد الدينية
والا َّدينية واتهاماتٍ أخلاقية ولا أخلاقية! في تلك الصور من المحاكات للطبيعة الإنسانية كان أحد المسؤولين يصب الماء المغلي أو المثلـَّجِ كي يكون متأكِّداً من سريان التيار الكهربائي في ذلك الجسد المُحَلـَّى بشتى الثقوب والجروح التي تبدو كالوشم على جسدٍ أذابه العشق الصافي!
الشاعر في يومه ذاك كان يحضِّرُ للرحيل ولكن لا أحد يعرف الى أين ولذلك كان قد قال: غداً أوصي وليس اليوم! مع كل هذا وذاك فإنـَّه غدا صباحا سيعلن عن وصيـَّته..."أليسَ الصبح بقريب؟" هذا ما كان من أول بيت شعريٍّ يفتتح به الشاعر مصيبته ووصيـَّته!
 قبل البدء بالتحليل والتنكيل والتشريح لجسد هذه المجموعة الشعرية والتي كانت قد أُغْتِيلتْ في أوَّلِ ظهور لها على مسرح العامة في قاعة الخلد في بغداد "هذا ليس صحيحا حيث أنها كانت قد نشرت وحسب ما قال لي مروان الديليمي من أن هذه الجموعة كانت قد طُبـِعَتْ في خمسين نسخة فقط" وأنا أضيف الى ذلك من أن أكثر النسخ والتي بيع منها أو أهدِيَتْ الى الأصدقاء والمعارف من الخلا َّن لم تكن تحضى إلا َّ بتواجدها مطروحة على أحد الأرصفة في شارع المتنبي في بغداد أو في شارع النجفي في الموصل ومن يمر بها لم يكن يرها ولا يتشرَّف ويتنازل حتى بأخذ نسخة منها ويطلع على ما فيها! إذن فليذهب الشاعر، المغني الجوال، ووصيته الى الجحيم!!!( إذا قرأ مروان ما كتبتُ سيقول لي حتماً: لماذا تريد مني أن أذهب الى الجحيم وأنا من قبلُ أسكنه؟!)
مهما يكن من أمر فلنبدأ التشريح:
في الكثير من الدراسات عن النقد الأدبي وتحليلاته وتقييمه للنتاج الأدبي بكل أشكاله وأنواعه نجد أن الناقد يستخدم أدوات خاصة كان قد تعرف عليها من خلال دراسته وتطبيق ما تعلمه على تلك النتاجات واستخلاص قيمتها الأدبية والفنية والتعليم بمستواها حيث من بعد ذلك يُرصَفُ ذلك النتاج الأدبي على رفٍّ من رفوف مكتبة ما في مكان ما وهكذ يمر الوقت على تلك الدراسة والتحليل المضني والعميق للنتاج الأدبي دون أن يحدث شيئا يذكر ليرفع أو ينقص من ذلك النتاج الأدبي لذلك الشاعر أو الكاتب، كذلك بالنسبة للفنان التشكيلي أوالمخرج  والممثل المسرحي أو السينمائي...إلخ. أريد أن أقول من ان الناقد عامة هو ذلك الشخص الفاشل في حياته لأنه أذا كان ناقدا للشعر والشعراء فهو كان قد فشل في كتابة الشعر، وإذا كان ناقدا سينمائيا فهو إما ممثل فاشل أو مخرج فاشل ، وإذا كان ناقدا في الفن التشكيلي فهو رسام أو نحات فاشل ...وهلمَّ جراً وعركاً وضرباً ...و...و...! الناقد هو رجل فاشل!!!
( أقتبسنا في الفصل السابق جملة من ت .س . أليوت يقول فيها:" ليس للشاعر شخصية يعبر عنها، بل لديه أداة خاصة". ولا ريب في أن الأداة التي يستعملها الشاعر هي اللغة وكل النقاد مجمعون على أن الشعراء يستعملون اللغة على نحو مباين لما يفعل من يكتبون لينقلوا أخباراً ومعلومات واقعية. ولكن لم يتفق النقاد على أن طريقة الشاعر في إستعمال اللغة تمثل صفته المميزة الوحيدة أو صفته الكبرى الفارقة.)[2]
هذا الناقد الضليع "ديڤديد يتشس"، بعد أن حلل موقف الفلسفة والفيلسوف بالنسبة للشاعر على  حسب قول الفيلسوف أفلاطون في الـ "فيدونِ" و " جمهورية افلاطون" على لسان سقراط ومن كان يجادله وقد توصل افلاطون الى نقد لاذع للشعر والشعراء حيث أنـَّه وصفهم بأنهم ليسوا ممن يقلدون الطبيعة بشكل كامل وصادق أو أنهم يقلدونها بأشكال تختلف كثيرا، وفي كثير من الأحيان تكون باعثة للشك وغير صادقة  ولا أخلاقية وغير مؤاتية ومناسبة للنظام الديمقراطي ـ بالمفهوم الإغريقي القديم لهذا التعبير ـ الذي تقوم عليه الجمهورية الفاضلة!، ثم انتهى هذا الناقد الكبير الى حل تلك المعضلة بمساعدة فلسفة آرسطو طاليس بأعتبار أن الشاعر وكاتب المأساة أو الملهاة لايتحدث إلا َّ عن حقائق واقعة لامحال لها إلا َّ أن تقع أو أنها قد وقعت حقـّاً، بيد أنَّ الشاعر أو كاتب المأساة وغيرها لا يتحدث بلغة السياسي أو التاجر أو كمُنـَظـِّرِ مبادئ الأسس التي يقوم عليها دستور جمهورية ما أو دكتاتورية أو مَلـَكِيـَّةٍ، إمبراطورية أو حكم تيوقراطي أوغيرها من الدول. الشاعر يتحدث بلغة مُوحاتٍ من ملاكه أو شيطانه أي بمعنى أن الشاعر يمثل نصف نبي أو أن النبي يمثل الشاعر الأكبر أو الحبر الأكبر الذي اختارته السماء ليُعَرِّفَ البشر المساكين بأحوالهم التي لايعرفونها على حقيقتها! إذن فالشاعر نصف نبي!!! ما رأيك يا مروان الدليمي بأن تكون نصف نبي؟!
لا هذا ولا ذاك، هنا لا وجود للتعريف ولا حيـِّزَ تواجدٍ  ولو لبعض خلايا من خلايا النقد التأملي الإستقرائي الأكاديمي المدرسي العقيم. هنا صالة تشريح لجسد شاعر حيٍّ لا يزال يلتقط أنفاسه وقلبه ينبض بالحياة، لنقل هوعمل لأحد الساديين الذين يسعدهم ويفرحهم تعذيب الآخرين! هنا صالة ومشرحة يستلقي عليها الشاعر كي يـُقطَّعَ جسده إرباً!
هاهو الطبيب الشرعي يطلب من مساعده قائلاً: المِشرط..........!
                                على طاولة مضطربة
هذا هو عنوان القصيدة الأولى من هذه المجموعة، وهو كبداية تبدو حسنة وليس فيها عيب! الجثة مطروحة على طاولة مضطربة وهذه الأخيرة قد امتصت إضطراب الجثة بكامله، هي مضطربة لا لأنـَّها ذات قوائم مختلفة الطول أو أن أحد هذه القوائم مكسور" لا سامح الله" أو أن بلاط  قاعة صالة التشريح هذه ليس على مستوى واحد، إنه بلاط قديم هذا صحيح ولكنه لازال جيد البنيان متلاصق المربعات المرمرية والمطعمة بالموزاييك الملون الزاهي والبراق والذي يصور الإله
"ﭙروميثيوس"[3] و النسر يأكل كبده! المهم، هنا بدأ الطبيب الشرعي تشريح جثة الصعلوك!!! من هذا الصعلوك، ماسمه، عنوانه...؟ عندما وجدت الشرطة جثة الصعلوك ملقات على قارعة الطريق في قرنة لتقاطع طرق قرب المزابل التي يرمون فيها قاذوراتهم أهل المدينة،أحدهم قال بأنـَّه لبيد، الآخر قال بأنـَّه شنفرى، والآخر قال بأنـَّه عمر ابن كلثوم، والآخر قال لا بل هو أمرء القيس! لم يـُعْرَفْ من هو بالضبط وحتى بعد دراسة وتحليل الـ ( .A.N.D )!
لم يجدوا في جيوبه أي شيئ  ولم يعثروا على قطعة نقد ورقية أو معدنية، بالضبط هو صعلوك كان قد خـُلـِّفَ من قبلِ أحدهم:
 تخلـَّف الصعلوك من كثافة أوهام
خيـَّمت على قامة المدينة،
 أي أن هناك كثافة " لا ندري أية كثافة، كثافة مَنْ؟ الأوهام؟" إنها قد تكونت من أوهام على شكل غيمة أو شيئٍ من هذا القبيل ثم انتشرت كسرادق كبير فوق" قامة "المدينة؟! ماذا يقول هذا... هذا الشويعر المستشعر الذي قد ثار على اللغة!!! هل للمدينة قامة؟ ومن أين أخذت المدينة هذه الصفة؟ المدينة تنبسط على سطح الأرض وتتوسع وتكبر مساحتها فقط. أم ان هذا الشاعر يتحدث فعلا بلغة جديدة مقلـِّداً المحدِّثين؟ أم أنه يتكلم عن مدينة بها ناطحات سحاب ترتفع الى ماشاء المهندس المعماري الذي بناها وجعل هيكلها من الحديد الصلب؟ ولكن، ربـَّما، بدل من أن يكسو هيكلها بالإسمنت المسلح بشتى الأسلحة؟! كان قد كسى هيكلها بلحم آدميٍّ، بذلك أصبحت المدينة ذات قامة وارتفاع وعرض  وسمك " يا أخي مروان ألا تفصح ولو قليلاً عن قولك؟" كي تناطح السحاب وتدغدغ خواصره كي يضحك! أم أن الشاعر نفسه قد أصبح مدينة؟ ولم لا، يجوز للشاعر ما لا يجوز لغيره! يجوز للشاعر أن يقول ما يريد ولكن لا يجوز له أن يفعل! مثلاً لا يجوز له أن يركل الباب بقوة في وجه الخليل بن أحمد الفراهيدي وعروضه بل يقفل بابه أيضا في وجه كل اللغويين والنحويين من ذوي الإختلال العقلي والنفسي والمملوئين بالنفـَّاثات في العـُـقـَدِ. ألم يقل في وصيته : أنا أوصيكم بأن تحلموا نيابة عني؟ إنه قد ترك لهم القوة للحلم نيابة عنه؟ إنَّ هذا الشاعر داهية ومحتال!!!
الصعلوك هو من نبذه قومه وأخرجوه من ديارهم وتركوه يهيم على وجهه في الصحارى والبوادي سارقا ومغيرا على القوافل وكل من يقع في طريقه وبين يديه، لذا فإن ما نعرفه من أن الصعلوك وهو مشرد لا يرتدي إلا َّ هنداما ممزقا وفي حالة يُرثى لها هو وهندامه وكل ما معه من سبل العيش التي استطاع أن يغتنمها من عابري السبيل المساكين! لذا فهو بعيد أشدَّ البعد عن أن يكون أنيقا. ولكن ما هي الأناقة؟ وما صفاتها وما سماتها وكيف نستطيع أن نحكم على شخص ما بأنه أنيق أو أنه ليس كذلك؟ من أعطانا هذه المقاييس ومن علمنا اسخدامها والعمل بأصولها؟ أليس الزاهد أنيقاً بروحه وهو يقضي حياته متعبدا ومغرما عاشقا لربه وسيده الخالق العزيز الجبار أليست هناك أناقةً لمن يترك الدنيا كي يحلم بها المختلـَّين نيابة عنه ويتفرَّدُ هو بالعشق الصافي والحب الخالد؟!
                        تغرَّب محترقا بأناقته
                        حتى مجيئ الفجر في جمرة الحانات
                        يحفر ذاكرة الكأس
                        بكلمات أودعها المتنبي: " أيَّ عظيمٍ أتـَّقي؟"
أيَّ مَحَـلٍّ أرتـَقِــي          أيَّ عَـظِــيمٍ أتـَّقِي؟
وَكلُّ ما خـَلـَقَ اللـّ          هُ ومــا لم يَـخْلـُـقِ
مُحتـَقـَرٌ في هِمَّتِي         كَشَعْرَةٍ في مفْرِقي[4]
                          يغرزها في رئة الوقت المتبقي
                       ويفوحُ:
                       شرَّدتني نساء الصحراء قبل ألفِ عام
                       كدستني بين عاهات الرصيف
                       أنا شعلة خيل
                       في سماء الغزوات
                       رماحُ عشق
                       تلهث
                       فوق عشب الليالي.
إنَّ من يعتبر أنَّ لغة هذا الشاعر جديدة فهو مُخطئ تماما، الشاعر قد أبدل بعض الكلمات بمرادِفات أخرى ربما تبدو غريبة وغير معروفة حسب إستخدامها هنا بشكل يثير الدهشة "هذه هي  الموضة؟!"
الشاعر وبعد أن أقحم المتنبي في سرد أفكاره وهو يكتب جعل من حديثه يتسم بالغرابة وعدم توافق تلك المفردات التي، ربما، كان يسردها وهو يجتر أفكاره مثل كل المجترات: يحفر، ذاكرة الكأس،
كلمات، أودع... المتنبي... / المتنبي بعد أن نـَشَرَ ديوانه من قِبَلِ دار العودة ـ بيروت في سنة /؟/ أ ُودِعَ الديوان في المكتبة الوطنية التي كان قد أسسها سيف الدولة الحمداني سنة/؟/ برقم 8527491-1 ! وكان رقم الإيداع هذا هو الرقم نفسه الذي كان قد وُشِمَ وحُفِرَ على ساعد الصعلوك ومن ثم أن هذا الوشم قد انفصل عن جلده  وسقط في قعر كاس كان قد انتهى الصعلوك من شرب مافيها! ثم أخذ الصعلوك بحفر قعر الكأس ببعض كلمات المتنبي وقد" إختارها الشاعر نفسه" مثل تلك الزيتونة التي تـُلقى في قعر الكأس والمعلقة بعود لتنضيف الأسنان بالضبط كما يفعل نادل حانة الخمارين قبل أن يسكب الفودكا أو المارتيني في الكأس نفسه واضعا قطعة من البرتقال وحبة زعرورةٍ حمراءَ "كرز" في ذلك الكأس كي تضفي عليه قيمة جمالية ورونقاً الى جانب الطعم الشهي لم ينتبه الشاعر من وجود بعض الصحون الصغيرة المقعَّرة ( كاسات) المملوءة برقائق البطاطس المحمَّرة بأفران "هِتلر" الألماني ذو الميول الشاذة " برلين"! واللوز والفستق المالح وقطعٍ من المخلـَّل المصنوع من قبل عائلة "طه مَلـَك" العربية العراقية " الموصل"، ذات الشهرة العالمية في صنع المخلل والذين قد توارثوا هذه المهنة أبـّا ً عن جدٍّ! وبعض المُقبِّلات الأخرى ! كل هذا االسرد المطنب ليس إلا َّ من نسج الخيال" خيالي السادي النرجسي أنا الذي أكتب هنا هذه الكتابة العبثية"! إذن، الشاعر قد نجح في وصيته! إنـَّه قد استطاع أن يجعلني أحلم نيابة عنه! أهذا فعلاً ما أراده الشاعر؟
الوقت المتبقي له رئة ً واحدة ً وما غرسه الصعلوك فيها سيفوح على شكل أنفاس والتي تقول بأن للصحراء نِساء " ألا تدلـَّني أين تلك النساء يا مروان فإنني صبٌّ لم يرتوي بعد بالرغم مِنْ كل مَنْ عرفتهنَّ؟!" الصعلوك لا يزال على قيد الحياة بالرغم من مرور ألف عام على تشرده
يغرزها في رئة الوقت المتبقي/ ويفوح:/ شرَّدتني نساء الصحراء قبل ألف عام/ كدَّستني بين عاهات الرصيف/ أنا شعلة خيل/ في سماء الغزوات،/ رماحُ عشق/ تلهثُ/ فوق عشب الليالي.
"...ومن يعشْ ثمانين حولاً، لا أبَ لك يَسْأمِ..." في الصحراء وهو يعرِّف بنفسه من أنـَّه ذؤابة الخيل أيْ شعر رقابها التي تبدو كالشعلة! والأدهى من ذلك أنه، أي الصعلوك، قد كُدِّسَ كما تـُكدَّسُ القمامة أو أكياس البضاعة على عاهات الرصيف، فالرصيف وجودٌ حيٌّ له من النقر والقعرات والكدمات ما سبب له عاهات وقتيَّة وأخرى مستديمة!!!( خرافة كان رجلا من قبيلة ما، يعيش في قلب الصحراء العربية ولكنه كان في يوم ما قد اختفى عن الأنظار ولم يظهر إلا َّ بعد مضيئ أعوام طويلة، إدَّعى أنه بينما كان في طريقه عائدا الى الواحة التي تسكنها قبيلته، كان قد أ ُخْتـُطِفَ من قبل الجن وقد أخذوه الى أرضهم التي كان يسمونها العرب قديما أرض عبقر وأنه قد بقي هناك أسيرا طيلة تلك السنين فتعلم منهم السحر والأفعال التي تفوق القدرة الإنسانية تخيلاً وأنه الآن ... حتى سمع حديثه هذا الكثير من الخلق وأصبحوا كلما سمعوا حديثا لا يُصَدَّق قالو عنه: حديث خرافةٍ ياأمَّ عمرٍ!!! وأصبح من له فكر وخيال ثاقب بالعبقري!) هذه خلاصة القصة والآن يا أطفال قد حان وقت النوم فالكل ينام وتصبحون على خير!
توقف أيها الصعلوك عن قرع الزغاريد/ في خفارات الضباع،/ لأنك لن تصل/ ولن تعلو،/ ارمي سهام مراثيك/ على أناشيد الهوام/ قاسمني ياصديقي رُفات المكان.
الزغاريد لا"تـُقـْرَعْ" ياشاعر البدو! إنها أصواتٌ تـُبعث من الفم ، هي ليست طبولا أو صِناجاً أو نواقيس. في أكثر من" خفارة" أي مركز للضباع " بوليس الأمن والشرطة المحترمين!" التي تأكل الآن ليس فقط تلك الجثث المتفسخة والعفنة ، إنها الآن تأكل أيضاً الأحياء ومن قد مات توّا ً! الشاعر وبعد مدَّةٍ تزيد على... هاهو يدعو الصعلوك الى نزع ساهمه فوق "أناشيدالهوام" ( البهائم والذين لا مرعى لهم ولا راع ٍ) وأن يقاسمه أكل رفات المكان الذي يتواجد به. ليس هذا فقط، إنه الشاعر ـ الفلاح الذي لن يعود بمذاق الحقل الى بيته ولن يطعم أهله مما قسمه الله، بل هو يشارك الصعلوك صعلكته ويقف على أبواب قد خـُصِّصَتْ للإنتظار.
يُقال عن حكيمٍ كان في قديم الزمان وسالف العصر والأوان أنه قال مرَّة: إذا بدأت المأساة فسوف لن تنتهي! ذلك الحكيم كان قد انتهى قبل أن تنتهي المأساة ولم يقلْ شيئاً بعد ذلك!                       على مقربة من جنون أخرس/ لن نعود بمذاق الحقل الى قرانا/ نحن صعاليك عند أبواب انتظار... مالذي سيختفي؟/ مالذي سيؤول؟/ مالذي سيحدث؟... هذه الأسئلة الثلاث المطروحة، لم يعرف أحد مِمَّنْ قد طُرِحَـتْ ولكن نحن نعرف أنَّ هذه الأسئلة مردودة إلى من سألها فلا أحد يتنبَّأ وأن عصر الأنبياء قد فات وانتهى منذ زمن بعيد! ولكن وفي نفس الوقت أليس هو الشاعر، المغني الجوال والصعلوك نفسه هو، هو نصف نبي؟ ولِمَ لا؟ نحن الآن مجبرونَ على أن نقبل بأنصاف الأنبياء! وإنْ كنـَّا من قبل لا نقبل إلا َّ بنبيٍّ كامل الأوصاف ومُثـَقـَّفِ الرأس والفكر كرأس الرمح والنبراس كي ينتهي بأن نرجمه أو نصلبه أو أن نحرقه حيا ً كي يُقال من بعد ذلك يا لهم من قومٍ جبـَّارين ها قد تخلـَّصوا من نبيٍّ أخر ظهر فجأة بينهم!... في غفلةٍ/ ستـُلْقى مفاتيح انتباه الدم/ على طاولة مضطربة،/ ثم يختفي/ ماء خصامنا/ هناك/ في شارع ٍ/ كم مرَّةٍ مات فيه أبو نؤاس.أحدهم قال من مدةٍ ليست طويلة بأن قطرة الماء لها القوة على التذكر أيضا، "أحدهم" هذا كان شخصا مقعدا يتحرك وهو جالس على كرسيٍّ متحرك جارّاً وساحِلاً معه ذكرياته، كان من أحد علماء الطبيعة وكان إنكليزي الأصل. إذا كانت قطرة الماء على مقدرةٍ من التذكر فلم لا تكون قطرة الدم كذلك؟ ثم التذكر هو نوع من قراءة الماضي على ورقة من أوراق كتاب الحاضر والقراءة هذه يجب أن تكون يقظة واليقظة هي إنتباه والأنتباه هو حالة استنفار والإستنفار ليس إلا َّ التطلع الى ما سيحدث وهذا هو انتباه الدم! الدم هو للصعلوك وهذا قد أسند جسده على الطاولة التي قد امتصت إضطرابه وانتباه الدم هو سيلانه وبهذا يظهر لونه الأرجواني الغامق تارة وتارة البرَّاق الذي يوحي ببدء سيلانه هذا أنه قد أُهْدِرَ " ماء خصامنا" كي يمنح الحياة لشيء أخر أو لأحدهم من المختلين من أمثال من قال:
                دَع عَّنـْكَ لـَوْمِي فـَإنَّ اللـَّوْمَ إغـْرَاءُ     وَدَاوِنِي باللـَّتِي كَانتْ هِيَ الدَّاءُ[5]  
وكم مرَّةٍ مات مَنْ قال ذلك؟ وإذا كانت الأنبياء تموت فمابالك بأنصاف الأنبياء؟!!!
في شرفة تهدم الهمَّ/ وتفتحُ للنرجس برجا ً من كلام. "الشرفة" لغة شعرية يستخدمها الشاعر كي يقول مايريد والشاعر حر بما يريد أن يقول!كما أن لغة التاجر والسياسي ورجل الدين هي "الحيلة"! لغة الواعض هي الدهاء والبلاغة كي يستطيع أن يقنع الآخر بمايقول ولغة الشاعر هي ليست للإقناع بل هي لغة إستحضار وتذكر ومعاناة، لغة لا بيع فيها ولا شراء ومن الممكن أن تكون بأشكال كثيرة منها: " شرفة جولييت التي تطلُّ منها وهي تجدل جديلتها الطويلة محدِّثة ً روميو وهو يدعوها الى النزول بصوت خافت مبحوح وهي ترفض ذلك لخوفها من أن تـُكشفَ وتكون العواقب وخيمة عليها وعلى من تحبه! إنه من عائلة عدوة لعائلتها وهي تحبه حبا جما ً ولا تستطيع إلا َّ أن تخفي ذلك الحب وتقول لحبيبها: روميو...روميو لماذا أنت...لماذا أنت بالذات؟ آه كم أنا تعيسة...كم أنا مظلومة بهذا القدر القاسي... كم أنا سيئة الحظ؟...آه يا روميو..." هي تتكلم شاردة  تخاطب السماء، ناسية بأنَّ جديلتها الطويلة قد تدلـَّت وقد أمسك بها روميو وبدأ يتسلق حتى وصل الى سياج الشرفة واختطف قبلة صغيرة ومن ثم سقط على الأرض وتهشَّمت عظامه وفقد وعيه بينما جولييت بقيت تتلذذ بالقبلة الصغيرة وهي تحلم بتلك الأحلام التي كان قد أوصى بها  مروان الدليمي للمختلـِّين من أمثال روميو وجولييت!
وأيضا: حلم فرانس كافكا وكان من المختلـَّين أيضا، حلمه لم يكن إلا َّ كابوسا، وقد تحول الى حشرة بحجم عملاق وهو لا يدري أصله وفصله ولا من أين والى أين يذهب؟ّ
سدنة الغياب،/ ماضون من فراغ مُلطـَّخٍ بدم غاب عنه الضوء/ إفتضح المخاض/ متدحرجا ً/ بلا ضجةٍ/ ولا شيئ.[6]  السادن؟! كنت في حيرة من أمري ماذا أحكي عن السادن؟ سألت الشاعر، قال. هم أي السدنة حراس أو حُجَّاب المعبد الذي قد دُنـِّسَ  أو أنـَّه المعبد الذي لم يعد كذلك من حيث أنه قد تـُرِك لسدنته يفعلوا به ما يشاؤون! هذا هو الحال إذن؟! المعبد هو ليس إلا َّ... قد تحول الى دار للعهر ولللذة الشَّبـِقة! هم سدنة الغياب، يا للفجيعة ! هم ماضون من فراغ! ما هو هذا الفراغ؟ يقول بعض العلماء بأنَّ الفراغ ليس هو اللاشيئ بل هو كتلة لها حجم وشكل، وبما أنه كتلة فهو جسد لمخلوق ما، وإذا كان كذلك فجسد من هذا؟ الإجابة هي: جسد الفراغ يا حمار!!! الفراغ له جسد وملطخ بالدم وقد غاب عنه الضوء أي أنه بلا روح، فالروح هي ضوء أو نور، هكذا سمعناهم يقولون! الفراغ هو حتما جسد الصعلوك! الصعلوك الذي وقع ضحية لسدنة المعبد بينما كان هو المفترس أصبح الفريسة. المخاض لعنة الأنثى وهي تلد مولودها بالألم والمعنات وهي بذلك تحصل على شيئ ما: هو المولود  وقد سقط وتدحرج بدون ضجَّة. "ولهذا يُكتـَبُ في الهوية: مسقط الرأس!"..." أنْ تـُرَبِّي الجرو الذي سيأكلك...هكذا قالوا وأنا سمعت ولم أُطِعْ!" وأما مخاض الرجل فهو أن يكدح طول العمر ليكسب لاشيئ ...ولاشيئ .
أسمعهم يرمون دمدماتهم/ غدا نؤمم الأقمار/ نزيد خاتما/ في ثراء الاصبع المتورِّمة/ نورّط النائم/ حتى يُفضي بمقتول الكلام/ نشطب الملح/ من صفقة النور في الصحراء/ نرسم الخطوات للجياع/ مشبعة بنكهة الأدعية/ ونقذف بها/ من دكة الخنوع/ الى فضاء التسول/ وكسر الضلوع.
الدمدمات، ماهي؟ هل هي قصف المدافع وإلقاء القنابل؟ أم ماذا؟ " فـَكَذ َّبُوهُ فـَعَقـَرُوهَا فـَدَمْدَمَ عَلـَيْهِمْ رَبـُّهُم بـِذ َنـْبـِهِمْ فـَسَوَّاهَا " الآية14 من سورة الشمس91، ويستمر المغني الجوال بتأجيل عمل اليوم الى الغد! يقول: غدا ًنؤمم الأقمار، ولماذا غدا ولمَ ليس اليوم؟ ألم تسمع من قبل أيها الشاعر من أنَّ العراقيين عندما كانوا قد قرروا تأميم نفط العراق؟ أمموه مباشرة ولم يأجِّلوا ذلك أبدا ً؟ هناك من يحكي ويقول من أن العراقيين قد تأخروا فقط أكثر من مئة عام، بعد ذلك قرروا تأميم نفطهم وها هو اليوم يعود ملكا لرعاة البقر ومَنْ والاهم وعصابات الحرافيش المتواجدين على أرض العراق !!! ولماذا الأقمار؟ وأيَّة أقمار؟ هل هي الأقمار الصناعية التي تجول في السماء وتتجسس علينا أم أقمار أحد الكواكب السيارة؟ فالأرض كما نعرف لها قمر واحد وهو أيضا مستعمرا كالعراق من قبل رعاة البقر؟
خاتما ً آخر للأصبع المتورِّمة؟ أعضاء الجسم المثنـَّات هي مؤنـَّثة أما المفرد منها فهو مذكر، هكذا يقولون نحاة ولغويواللغة العربية، إذن ما بال الأصبع، هل هو مذكر أم مؤنث؟ أم هو مابين وبين أي ذلك يعني أنـَّه مخنـَّث؟ سبحان الله، الأصابع جمع تكسير للأصبع وأحدهم يقول أن الأصبع حاله مثل حال "الطريق" فهو إما أن يكون مؤنثا ً أو مذكرا ً حسب الضمير الذي يُرَدُّ إليهِ في مُحتوى الكلام! ياللعجب! أقول: أصْبُعُ الرَّجُلِ متورِّمٌ أم متورِّمة ٌ؟ يا لـَلـْللـُّغـَوِيـُّونَ المختلـُّونَ! لنتبع وصية المغني الجوال ونحلم بدلا ً عنه، فهذا أحسن بكثير!
الورطة هي الوقوع في حالة لايمكن تجاوزها أو الخلاص منها إلا َّ بصعوبة أو أنه من سقط في الورطة ستكون نهايته هي هذه: النهاية! فكيف بالنائم إذا أوقعناه في ورطة؟! وهل سينتبه الى ما وقع فيه؟ النائم يحلم وفي حلمه سيفضي دون أن يعي بمقتول الكلام! ألم أقل من قبل أن هذا المغني الجوال هو محتال داهية؟ هو كان قد دعى المختلين الى أن يحلموا بدلا عنه والآن يضم إليهم النائمين أيضا وهذا ليس من صالح المختلين ولا حتى النائمين. المغني الجوال يشبه " بسمارك" فهو سياسي محنـَّك اليوم يتحالف مع "أ" ضدَّ "ب" ومن ثم يتحالف مع "ت" ضد "أ" و"ب" وهكذا!
ما معنى أن نشطب الملح من صفقة النور في الصحراء؟ أنا لا أفهم هذا كما لا أفهم من قبل ما معنى تأميم الأقمار! ثم أنَّ رسم الخطى للجياع هو أمر سهل فمن هو جائع سيتبع أول الراسمين الذين يشبعون الخطى بنكهة الأدعية، فالأدعية لها روائح ونكهات لايصبر الجائع السقيم عليها وإنْ دُفعَ به وراء الخطوات الى رصيف الخنوع والخضوع والمذلة ومن ثم الى عالم التسول والإستجداء  وكسر ضلوعه بل تهشيمها وسحقها! وسيقول المغني الجوال: ألم أدعوكم  الى أن تحلموا نيابة عني؟ وها أنتم تستجيبون، إذن، هاكم ما أردتم...إحْلَمُوا!!!
أقفُ فوق غِرْيَنِ الإحتمال/ مُرصَّعاً بالحشرجات:ـ/ يخطئُ،/ مَنْ يهزأ بالموج/ من يلوي عُنقهُ في وجه طارئ/ من يهرب/ مصطحبا ً طقس النسيان/ يخطئ،/ لا يخطئ.
الوقوف فوق الغرين ليس بالأمر السهل، إنـَّه طين قد جلبته السيول أي بمعنى نوع من الوحل أشبه بالرمال المتحرِّكة. وكل حركة يقوم بها من يقف عليه هي ليست إلا َّ محاولة تودي به الى الغوص أكثر وأكثر والإحتمالات كثيرة والصورة التي قدمها لنا الشاعر ليست من النوع الذي يُنـْتـَظرُ أن تحوز على جائزة ما، بل هي صورة مأساوية تقتضي أن نقوم أمامها بطقوس للسحر الأسود والتعابير المبهمة المغناة من قبل جوقة لا تعرف ألف باء السلم الموسيقي والأتعس من ذلك فإنَّ هذه الجوقة يجب أيضا أن تكون متكونة من الصم البكم العمي الذين لا يفقهون! وذلك كي يستطيعوا حمل كل ذلك الألم وتلك المأساة التي يعبِّرُ عنها الشاعر للحالة التي هو فيها: مرصَّعا ً بالحشرجات! هذا مالم تره عين ولم يخطر ببال بشر. إن وصلت الحال على أن يترصَّع أحدهم بالحشرجات فإنَّ كل جواهر العالم بل الكون برمَّته لا تكفي له كفدية لخلاصه!
الخطأ يعود الى كل ماهو غير مثالي وما هو واقعي، بل أن الخطأ هو أحد صفات المثالية بحد ذاتها![7]
أما الواقعية فلاتجد لها طريقا في الدخول الى الشاعرية إلا َّ باختلاطها بالرومانسية المتشائمة والتي تتخذ بدورها من الوجودية ملجأ ً لا يخلـِّصها من عقبات شتى تسقط فيها كما تسقط الأشياء على الأرض بعد أن تـُرمى في الفضاء. هو يخطئ رغم أنفه وعن ظهر أبيه يخطئ، من يلوي رقبته مستغربا حزينا لإلتقائه بوجه، شيئ، طارئ، يهرب مصطحبا عزيزا يعينه وهو درب النسيان، يخطئ، وأحدهم يصيح: كلا، لا يخطئ! هذا التأكيد وهذه الإجابة تعطي حدا قاطعا بإبتدائها بـ "كلا" أداة نفي مطلقة تؤكد عدم الخطأ من يفعل كذا وكذا لا يخطئ، من وقف على غرين الإحتمالات مُرصعا بالحشرجات الأخيرة لا يخطئ!!!
ظلَّ يخاطب بعضه/ مابين جنون الحكمة/ وارتطام الفأس/ لعلَّ بقايا الطريق مازالت غير مبتلـَّة بالتقوِّس/ ولن تصحو من عبء احمرار الكلام/ على شفاه السدنة.
"ظلَّ" هو من الأفعال التي تعني استمرار وقوع الفعل ( منهم من يُعِدُّه من أخوات كان إذ أنه يعطي نفس الدلالة  أو الصفة التي تعطيها بعض أخوات كان مثل مازال، ماانفكَّ، مابرِحَ، ما دام ....إلخ) وهذه الإستمرارية غير محددة النهاية، "فمخاطبة بعضه" قد بدأت، أمَّا في أي وقت ستنتهي وفي أي مكان، هذا مالا نعرفه. كل الذي بين أيدينا مما نعرفه حقا هو أن المخاطبة مستمرة مابين "جنونٍ" ألصَقه الشاعر بـ "الحكمة" وكأن الحكمة تحتاج الى صفة؛ ـ إن وصف صفة بصفة أخرى في اللغة العربية جائز! وذلك على اعتبار الصفة الأولى إسما والإسم لا يُمانع بأن يوصف! ( هذا كلام المختلـِّين النحويين).
وبين "ارتطام الفأس". كلنا رأى بطريقة أو أخرى كيف يهوي الفأس ويقطع ... ثم يرتطمُ بالنطع!
في المقطع الذي يسبق هذا كان الشاعر قد بدأ كلامه بالفاعل "أنا" وحالما أبدله بالشخص الثالث الغائب "هو" وذلك باستخدامه "مَنْ" وهذا "الآخر" هو الفاعل الأول "أنا"وليس غيره. إنَّ قوة تمكن الشاعر بالتلاعب بالفاعل من جعله يتقمص أية شخصية يريد تدل على مهارة الشاعر في الكلام ليعطي صبغة تموِّه الفاعل وتجعله أكثر غموضا وبذلك يستجد السؤال: مَنْ هذا الذي نتحدث عنه؟ هل أن الفاعل هو نفسه القاتل والمقتول في أنٍ واحد؟ وكيف يمكن ذلك؟ إن مَنْ ينتحر يستعمل أداةً سهلة الإستعمال، فإما ان تكون الأداة خنجرا أو مسدسا أو حتى السم ولِمَ لا؟ ولكن هي الفأس! إذن مَنْ هو هذا الجلاد؟. ثم أن الجلاد قد أُخـْصِمَ ذكره واستـُبـْدِلَ بـ"الفأس" وذلك سوف يبعد عنـَّا العناء بالكلام عن شخصه ( أسمه مسرور السيـَّاف أو أحمد أو زيـّا أم خوشابا أم سِنان، أو جاسم أو أبو حَمَدْ أو أبو مْشِيعِلْ أو كاكا أو يحيا...الى آخره) . عربيا كان أم كرديا أم فارسيا أم تركيا أم من الروم البيزنط... سنـِّيا أم شعيا أم نصرانيا أم صُبـَّيا أم غير ذلك. هو حتما عراقيٌّ!) وهو بالتأكيد قد حصل على منصبه هذا من العصابة التي كانت تحكم آنذاك في العراق وكان يُعْتـَبـَرُ من أبطال الساعة تلك!
"بقايا الطريق" هذه هي أيضا  معضلة أخرى، فهل بقايا الطريق هي تلك المسافات المتبقية منه أم أنَّ البقايا هي كما نقول من أنه قد تهدَّمَ أو اندثر أو تآكل على مرِّ السنين من فعل السيول أو الأحداث الطبيعية منها أو تلك التي يرتكبها الحمقى من اعداء الطبيعة؟  ولذلك لم يبقَ من الطريق غير بقايا " غير مبْتـَلـَّةٍ بـ [التقوِّس] وما هو هذا التقوُّس؟؟؟ نحن نعرف من أنَّ أيـَّة مادة تصيبها الحرارة أو البرد أو أيٍّ من العوامل الأخرى فهي تتأثر بها وتتخذ شكلا أو حجما ولونا ورائحة وصفات غير التي كانت عليها من طبيعتها الأولى. فهل أن ابتلال الطريق بالتقوس قد غيرها أم أن الطريق قد ابتلـَّتْ بسائل ما وتقوَّست؟ ياله من تشابك في المعاني واختلاط في الكلمات والمفردات! هذا ما يجعلني أفكر من جديد في العمل الأدبي المثالي والواقعي. المثالية في النتاج الأدبي تتخذ من الكلاسيكية والكلاسيكية الجديدة والرومانسية والرمزية والرومانسية الجديدة والتجريدية والصوفية ومن أي اتجاه آخر وحتى الواقعية قاعدة ومن هذه القاعدة تنطلق كي تحكي عن أحداث قد وقعت بحد ذاتها ولكن الحديث عنها يجري بأسلوب مبهم وغير متعارف عليه، يكتنفه الغموض والتعقيد وتشابك المعاني وتنوع المفردات من حيث استخدامها في أماكن وبطرق مختلفة غير المتعارف عليها. فإذا قلنا من أنَّ ـ فلا َّحا ً حَرَثَ الأرضَ ـ فهي جملة واقعية لا نحتاج إلى فهمها الى الكثير من العناء ولكن إذا قيل:
 " نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لـَكُمْ فـَا ْتـُوا حَرْثـَكُمْ أنـَّى شِئـْتـُمْ وَقـَدِّمُوا لِأنـْفـُسِكُمْ وَاتـَّقـُوا اللهَ وَاعـْلـَمُوا أنـَّكُمْ مُّلاقـُوهُ وَ بَشِّرِ المًؤ ْمِنِينَ" الأية 223 من سورة البقرة2. هنا وما أنا بصدد شرحه وفهمه لا أريد به مقارنة قول البارئ الخالق جلَّ شأنه بقول الإنسان، فكتاب الله ليس أدبا تحت تحليل النقد الأدبي ولكن هو كلام الله وشريعته التي يجب على العبد والمخلوق اتباعها، ولكن الله سبحانه قد اختار
، وجلَّ اختياره، أن يكلم الإنسان بلغته حتى يفهم هذا الأخير ما يريده الله منه كي يُعلمه بالسُّنـَّة المُثلى التي يجب على الإنسان اتباعها ليلاقي ربه فيما بعد بها. ونحن هنا بصدد الكلام عن الـ"حرث" فالأرض تُحرثُ كي تـُعَدُّ للزرع  والمرأة تـُعَدُّ كي تـُلقى البذرة فيها وهذه هي الطبيعة فلا فرق بين الأرض الأم والمرأة الأم! والإستخدام في كلا الحالتين هو استخدام صحيح ففي الأول هو استخدام مباشر ولا حاجة لنا التفكير كثيرا لفهمه وفي الإستخدام الثاني هو مجاز وفيه تورية وتوسيع لعملية الحرث وذلك هو بلاغة وسحرا جميلا يأخذ العقل والفكر ويعطيه أجنحة للطيران والسفر وكشف ما كان لايعرفه من قبل. فالشاعر هنا قد أزاد من التعقيد بحذف سبب الـ [تقوّس] ووضع التقوس مكانه، وكأنه يستعيض بالعلة أنْ يجعل المعلول مكانها!
اللون الأحمر هو لون الخطر!، هذا ما هو متعارف عليه. ولكن الإحمرار له علاقة اخرى بالمفردات فهو يحتوي على معانٍ أخرى مرادفة للخطر مثل إحمرار العين من المرض والألم وأحمرار الخدين من الخجل والإرتباك واحمرار الشمس في الغروب والى ما من ذلك من المعاني. هنا " ولن تصحو من عبء احمرار الكلام على شفاه السدنة" من؟ هو أم هي التي تصحو أو يصحو؟ الفاعل مبهم بالنسبة لي! فالمنطق يقول بأنني سوف أُعْزِي الصحو الى أحد من الإثنين: إما "أنت" وارفق هذا بـ "ظلَّ" وإما "هي" وأرفق هذي  بـ " بقايا الطريق". وهل هذا صحيح؟ إنها مشكلة عويصة يُحْدِثـُهَا الشاعر لسببين هما من أهم الأسباب التي تجبرنا على التفكير بما يقوله ، الأول: هو أنَّ الشاعر أراد ذلك وهنا يجب أن نصمت ولا نتجاوز الى حديث آخر وإذا فعلنا فأن الكلام سيجرنا الى التخاصم مع الشاعر وربما ذلك أيضا سيُوْدِي بنا الى الشتيمة والجر والضرب...إلخ! أمـّا  السبب الثااني: فهو أن الشاعر كان في حالة من الإلهام والحضور والتواجد الذي نسميه بالمعنى الصوفي " الفناء والتوحد" أو ما نسميه في الفن والأدب بالـ " إلهام من قبل شيطان الشعر أو الآلهة التي تفعل ذلك" أو في العلم وعند العلماء بما يوصف بالـ " الضوء والنور الذي يضيئ" عقل وفكر العالم حين الإكتشاف والإختراع! هذا ما يُخـَلـِّصُ الشاعر من قبضتنا ونتركه حرّا ً طليقا يقول ويفعل مايشاء. هل تغيّر وجه الطعنةِ؟/ أم صار السّخام لغة ترتجل الضوء؟ هذان المقطعان يضيفان تعقيدا أصعب وأكثر تعنـُّدِية من المقاطع التي سبقت، فالشاعر يستفسر بهذين السؤالين عن أشياء أكثر ما تكون مُبهمة: "  تغير وجه الطعنة والسخام الذي يرتجل الضوء"؟ وجه الشيئ هذا ما نستطيع تحديده إذا كان الشيئ له ظهرا أيضا، له الواجهة والعَقِب، له الأمام والخلف، له الحجم والشكل...إلخ. ولكن والحالة هذه فإن الطعنة لها حجم ومن ذلك فيجب أن يكون لها ظهرا ووجها! فما يكونان هذان: وجه وظهر الطعنة؟ وهل من الممكن تغييرهما وإذا تغيرا فما ستكون النتيجة؟ سنترك نحن أيضا الجواب للآخرين! ثم السّخام، الشاعر لم يقل: السُّخام أو السَّخام بضم السين أو فتحها واقتصر الامر بأن يشدد السين لأنها من الحروف الشمسية.[8]
مع كل تلك المعاني التي يعطيها المنجد ولسان العرب نجد أنفسَنا مُجبرين أن نأخذ المعنى الواحد لكلمة " السّخام" وهو السواد والفحم. ذلك لأنَّ الشاعر يتحدث عن الضوء. والسّخام لغةً وهذا صحيح. الإرتجال عامة يكون لمن هو على قوة وذكاء أعلى من المستوى العادي بكثير لبقية المخلوقات وهو قلـَّما نجده في حياتنا اليومية. الإرتجال هو المفاجأة والخلق من اللاشيئ شيئاً ما، لم يكن من قبل، وبذلك فالإرتجال يروح ضد ذلك القانون الذي يقول: "لاشئ يُخلـَقُ ولا شيئَ يُمْحَى".
فعملية الخلق هذه وحسب هذا القول لا وجود لها. إذن فما نتحدث عنه لايزيد عن إكتشاف! الأشياء كلها موجودة ولكن أكثرها مخفية عن الأبصار، ولأنَّ الأبصار لا ترى حقيقة الأشياء كما هي وأنما تراها حسب مختلف التعابير التي قال عنها الكثير، منها: من أن الإنسانية تعيش في داخل كهفٍ ولا ترى الأشياء على حقيقتها وإنـَّما ترى أشباه الحقيقة " ظل الحقيقة"، لأنـَّها تعيش في الظل؛ وعندما يخرج أحدهم من الكهف ويرى الأشياء تحت ضوء الشمس أي على حقيقتها ويعود ثانية ليحكي عمَّا رآه فلن يصدِّقه أحد وهذ ما كان قد حكى عنه افلاطون في جمهوريته "أسطورة الكهف".[9]
الآخر هو " برقع مايا" أو خمار مايا الشفاف الذي قد وضعته الآلهة مايا على عيون البشر كي لا يروا الأشياء على حقيقتها ( الفلسفات البوذية الهندوسية) وذلك ما يحكي عنه شوﭙنهاور في فلسفته ـ العالم كإرادة وفكر " وتمثيل" ـ[10]. هذه الرؤيا التي يرى الإنسان من خلالها ليست إلا َّ خدعة يشربها ويأكلها البشر عن طيب خاطر! فلا جرم أنْ يصير السخام لغة ترتجل الضوء، السواد عندما يكون سيد الموقف فهو يستطيع أن يقلب الأمور رأساً على عقب ويقنع الآخرين بأنـَّه على حق! كيف هذا؟ سأحاول أن أجعل كلامي هذا أكثر وضوحا بعد أن أسرد تاريخاً قصيرا لمجرى بعض الأمور من حكايا الإنسانية والمكتوبة بخط يد الإنسان نفسه وعلى الأقل تلك التي نعرفها ودرسناها في كتب التاريخ. عندما أُلـْقِيَ ابن المقفع في التنور وعندما صُلِبَ الحلاج واتهم جابر بن حيان بالزندقة وابن رشد بالشرك والرازي بالعمل على قلب الحكم والفساد وعندما أُحْرِق جوردانو برونو حيا بعد أنْ وضعوا في فمه حدوة حصان حديدية مُثـَبَّتٌ عليها مسمارا ً طويلا بحيث يخترق فمه ويخرج من رقبته كي يمنعوه عن الكلام وهم يجرُّه من الزنزانة الى الساحة كي يُحْرَق، عندما هرب كوبرنيك من إيطاليا الى بلاد الشمال من أوربا خوفا من أن تكون نهايته مثل جوردانو برونو وعندما غـُطـَّيَ وجه غاليلو غاليلي "بالسّخام" وجعلوه يركب حمارا بالمقلوب وربطوا يديه خلف ظهره وجعلوه يدور كل شوارع ﭙـيزا كي تضحك الخلق منه وترمي عليه قشور الخضار والفواكه وحتى الغائط، كل ذلك وغيره... وغيره، كان ولازال يحدث وسيحدث باسم الكثير من المبادئ والعقائد التي بها يتلفع ذوي السلطة ضد الحق وضد من يثور عليهم مستعملين " السّخام" كي يصبح لغة ترتجل الضوء! لم يكن يخطر ببال هذا الشاعر ولو القليل مما ذكرته هنا، بل أن الشاعر كان في حالة هذيان، ربما مغمىً عليه، يهذي بلا إرادة وهو يفصح عما يجري في بلاده ويتسائل هل أنَّ" السّخام" قد أصبح لغة ترتجل الضوء؟ إنَّ فكره حتما ً لم يتجاوز زمن تلك المحنة التي كان يعيشها وهو الآن يردد ما كان قد قاله من قبل الكثير من الرجال الذين كانوا تحت وطأة " السّخام" نفسه الذي يعيشه هو بذاته الآن. كان قد قيل هذا الكلام بشتى الأشكال والألوان ولكن الجوهر هو نفسه. إذا كان أولئك الرجال العظام قد ثاروا على الظلم وكانت نهايتهم تلك، فكيف بالرجل البسيط الذي يثور على الظلم والقهر والفقر والجوع والعطش بل وأنـَّه محروم من أبسط تكاليف التعايش ومحاولة البقاء؟ إنه سيكون حتما ممن لا يذكره التاريخ ولن ينصف وجوده ومعاناته أبدا!
سِوى المكوث الأعمى/ تحت غيمةً مُتـَوَرِّمةً/ استأجرتْ عُنـُقي/ في أوَّلِ طريق للسطو/ بصُحبَةِ مَنْ يتذوَّق طعم الإنتحار. بين هذا المقطع والذي سبقه هناك هوَّة من الصمت! الشاعر غاب في إغماءٍ عميق ولم يعد قادرا ً على الكلام ولم يفصح عمَّا جرى، إنـَّه يسترسل الكلام بنفس شكل الهذيان من قبل وكأنه كان مستمرا على الكلام... سِوى المكوث ... هذه صورة أخرى ليست أقل مأساة من التي سبقتها. سَدَنـَةُ الغياب،/ ماضون الى ما تأجَّلَ مِنْ مَكر ٍ/ وسماءٍ مثقبة تحت الشرفات/ يتأملون التشتت في الجنون. هؤلاء سدنة الغياب هم بذاتهم لم يبق لديهم إلا َّ المضيئ الى شيئ أخر كي يستمروا بما كانوا يفعلون من قبل، الى ما كان قد تأجل الى وقت آخر من المكر، من الخطابة والوعض وإعلاء أصواتهم بالتهديد والوعيد الذي سمحت لهم الآلهة باستخدامه لإقناع ممن تحت سطوتهم، إنهم أولئك الحجاب لبيت ظاهره يدعو الى أنـَّه بيت للحق والمطلق، الى بيت للإله الذي يُعبَد فيه ويلزم طاعته والخضوع له! وكأنـِّي اخطئ،/ ولا أستدير عن بقية أسمائي المُذعنة للغياب/ وكأنـِّي،/ لست في صحراء. ألشك ظاهرة تتوسد الإنسان حتى عندما يكون في أقصى درجات اليقين! ظلت تدور حولي/ ولم ترتعشْ/ أمام الله مثلي. أهي أسماء الشاعر المذعنة للغياب هي التي ظلت تدور ولم ترتعش أمام الله مثلهُ؟ أم أنها امرأة الغياب وهي حاجبة أيضا مثل السدنة بالرغم من أن المرأة كانت تـُمْنـَع من أن تكون حاجبة للمعبد أو أن تكون على ظهر سفينة ببحاريها وقبطانهم  تمخر في ابعاد البحر والمحيطات، المرأة تجلب سوء الحظ والنكبات إذا ما فعلت ذلك!!! ...سِوى المكوث الأعمى/ خلف ثيابٍ ملقاة في أول الطريق. مرة أخرى يبدو فيها الشاعر قد غاب ومن ثم أفاق ليبدأ... سوى المكوث الأعمى، المكوث الآن أمام أم خلف هذا ليس فرقا يغير من معنى المكوث ولكن قد تغيرت الصورة لما هو الموضوع السابق: الغيمة المتورمة، فالموضوع الآن هو. ثياب ملقاة في أول الطريق. كأن الشاعر يريد أن يجمع الكثير من الصور التي في ذاكرته ولكنه لا يستطيع إلا َّ أن يحصل على مقتطفات ليس بينها أيَّ رابط معقول وهذا هو الحلم ـ الهلوثة ـ الهذيان، كأنَّ الشاعر يروي ذكرى مشوهة وعتيقة قد أخذها من الماضي البعيد وهو يحاول بناءها وإعادتها الى ما كانت عليه ولكن دون جدوى! هل النسيان وفقدان الذاكرة هو السبب؟ أم أن أمرا ما قد حدث ؟ وهل أن الشاعر قد أصيب بضربة على رأسه من الجهة اليسرى الأمامية بحيث قد أحدثت جرحا في الدِّماغ وبالضبط في الجهة اليسرى المُتسَلـِّطة من الدماغ والتي تقع تحت القشرة الرصاصية الأولية وفي تلك المساحة الصغيرة التي تسمى بمساحة "هوفمان"؟ هذه المساحة التي لا تتعدى بضع ملـِّمترات وتكاد تـُرى بالعين المجردة؟ هذه المساحة هي التي تخص الذاكرة! وإذا جُرِحَتْ ستكون عواقب الذاكرة وخيمة! أم أن الشاعر قد أغمى عليه لأسباب أخرى منها مثلا ً تلك التي تتعلق بحالة الصوفي والشاعر والفنان والعالم حين يكونون في لحظة الخلق والإبداع؟ أقول الخلق وليس الإكتساف لأنَّ الخلق هو مرحلة أخرى تبعد كثيرا عن الإكتشاف: أنا أكتشف شيئا لم أكن أعرفه من قبل ولكن أخترع شيئا لم يكن يوجد من قبل!
الحالة هي هذه في النتاج الأدبي، الفني، العلمي، هي الهلوثة والهذيان الغير المفهوم في اللحظة التي يظهربها.
الحراس الراكعون يصيحون بي:/ لِمَ التشابه في ظلال الهروب/ يخرج من خاتم ممسوس؟... غابت عني دهشتي/ انطفأ/ في داري الترقب/ تركتني حيرتي وراء أسْيجةٍ. ... سِوى المكوث الأعمى/ وراء أظافري/ وهشيم خزائني/ كلما أخبئُ العشب في صندوق اللهب/ تضطرب الحكاية. 
الأدب عامة والفن والعلم الواقعي الإشتراكي الملتزم لا يترك أي مجال لإنتاج كهذا الخروج إلى حيز الوجود. والسبب واضح جدا باعتبار أن مايقوله الشاعر هنا لا يزيد عن خترفة وترهات لا واقع لها وأساس. لذا فقد فشلت عملية الإيقاع بالأدب والفن والعلم المثالي كما يسمونه النقاد من قبل السلطات القائمة على خازوق الواقع المصنع في تركيا والمصدر منه الكثير من العينات لكل الدكتاتوريين في العالم وأولئك الذين يتخذون من المذاهب والعقائد ما يلائم شرذمة غير أخرى في مكان وزمان وسببية معينة. الواقعية تتحدث عن ألم الخازوق والمثالية تتحدث عن خازوق الألم! فأيهما أكثر مثالية وأيهما أكثر واقعية؟ ولكي أساير الشاعر وأواسيه بهذيانه هذا وسأهذي أنا أيضا:

(يا جان يامرجان أعطنا وسخ الدنيا وخذ ذهب الإنس والجان ، يا أخا حِمْيَرَ وحرَّان المكبوس مابين الطماطم والباذنجان أخرجْ رأسك، قلْ: لكم ما أردتم يا أهلَ حارة الفقر والعفن والحَورْان )!!

إنَّ الواقعيين المثقفين الإشتراكيين سوف ينظرون الى هذياني ويقيسونه بنفس المقياس الذي يستخدمونه لمعاينة هذيان هذا الشاعر المتواجد الآن تحت مشرط الطبيب الشرعي!
لاشك من أن الفشل سيكون من نصيبهم. كل هذا ليس معناه أن المثاليون هم رأسماليون ذاتيون يحدقون دائما الى قمة رأس المال ويتساءلون: الى أين وصلت القمة لرأس المال هذا؟!
الأدب والفن والعلم عند المثاليين ليس لهم أية علاقة بالإشتراكية أو الرأسمالية في كل مايمكن أن تصير إليه معانيهم ومقاصدهم. المثالية هنا هي حرية الكلام وثورته على كل القيود الزائفة والمصطنعة من قبل أي سلطة كانت وحتى سلطة الآلهة نفسها. إن مقارنة هلوثتي المذكورة أعلاه بهذيان الشاعر هذا هو الكفر بعينه، هو المنقصة والطامة الكبرى لمن يستخدم هذا الحكم وهذا القياس.
المشرط الذي يمكن أن يُستخدم في الوصول الى الكشف عن سبب  تواجد هذا الجسم على الطاولة المضطربة وعن الطريقة التي أصيب به بكل هذا الهذيان وهذه الهلوثة هو الآتي: الذي يركع، يركع بصمت ولا يصيح! و سبب التشابه في ظلال الهروب الذي يخرج من خاتم ممسوس هو المسُّ بذاته " وَاَيـُّوبَ إذ ْ نـَادَى رَبـَّهُ أَنـِّي مَسَّنِي الضُّرُّ وَأَنـْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ "الآية 83 من سورة الأنبياء 21. غياب الدهشة هو التحسس الواقعي والشعور العميق بألم الجروح والمأساة التي أصابته بحيث أنه أبدل العين بالدار في الترقب وحتى الحيرى تركته وراء الأسيجة ولم تعينه. لا يبقى إلا َّ المكوث وراء أظافره الطويلة  وهشيم خزائنه التي تغطي أكثر ملامح وجهه وهو يضع يديه على مساحة وجهه كي يمنع عينيه من رؤية مايحدث! فهو كلما أخبأ " العشب" في صندوق الإضطرام واللهب إزدادت طرقعة حرق العشب وأصيبت الحكاية با ضطراب أكبر من ذلك الذي سببته الطاولة!
فيما تبقى من المقاطع التالية تحليلي وتشريحي ومحاولتي لإيجاد الطريقة التي بها القاتل حاول إغتيال الصعلوك  ـ المغني الجوال وأسباب بقاء الشاعر على قيد الموت! وما هي الأدلة القاطعة لإستمرار الأحداث وتواليها على مرّ التاريخ مكتفيا بالكشف عن العينات ـ المفردات ذات الصلة.
طالما شدَّني علم التشريح وذلك منذ أن كنت أدرس في الأكاديمية وكان درس التشريح من أهم الدروس التي كنت أواضب حضورها وها أنا قد اخترت أن أمتهن مهنة " الطبيب الشرعي"!
وقد أعطيت لي حالات كثير أكثر استعصاءً من هذي ولكني وُفـِّقـْتُ والى حدٍّ كبير في الحصول على نتيجة وافية بالمطلوب. لذلك سأستمر بعملي هذا مستعينا بكل المشارط و السكاكين والسواطير والكلاليب وكل ما معي من أدوات التقطيع والقص والنشر للمدارس، من الكلاسيكية وحتى الواقعية والمثالية المعاصرة !
هل ستـُمحى أزِقـَّة ماطرة/ أم ستهبط رائحة/ من سماء أتعبها التـَّخـَفـَّي؟ أتفقـَّدُ ماتبقى من قداسة حولي/ والروح من ولع النار/ تتكئ على الثرثرة/ في شرفة تهدم الهمَّ/ وتفتحُ للنرجس بُرجا من كلام.
الفعل المستقبلي والمبني للمجهول ـ ستُمحى ـ  لم يكفِ لمحو الأدلَّة لأنَّ الأزقة الماطرة مازالت في مكانها بالرغم من محاولة محو البصمات ومحاولة الهدم والتخريب ـ أزقة الدواسة وباب لكش وباب الطوب والساعة والسرجخانة و...و...، ولكن رائحة السماء التي أتعبها التخفـِّي لم تعد كما هي ومع ذلك فإنَّ أهميتها كدليل قاطع لا تتجاوز وجود السماء الباقية لحد الآن!  القداسة حول جسد الصعلوك لا وجود لها بينما الروح قد احترقت لأنني وجدت الكثير من اللحم المحروق و" السّخام" أما الثرثرة فقد أحدثت شرخا طويلا على الصدر وأخرجت الهم وآثار برج الكلام لا يزال طافحا بالنرجس. الدلائل... 1 ـ2 ـ 3...
الأعناقُ/ تمضي عن أسئلة التراب/ الى الثرثرة،/ وسدنة الغياب/ ظللوا المساء/ والتزموا الصمت.
ثرثرة الأعناق ليست إلا َّ همسا وتشاورا بصوت خافت وشاحب مبحوح  لكثرة فقد دماء الأعناق المقطوعة بنصل حاد أعتقد أنه أكثر من نصل سكين أو ساطور أو سيف؛ ربما أن الفاعل قد استأجرأواشترى مقصلة من أحد الفرنسيين في عهد الثورة الفرنسية التي نادت بـ " الحرية والمساوات والأخوة "
“Liberté, Egalité et Fraternité”
المساء في خاصرة الصعلوك لا يزال مُعَتـَّما ً وداكن الزرقة وذلك يدل على أن الجريمة قد ارْتِكَبَتْ في مساء متأخر من تلك الليلة. كما أن الصمت لايزال واضحا على حَوَافِّ الجرح. الدلائل......ـــــ
أتـَّجهُ بعد تعَلـْثـُمِي في المجزرة/ رافعا زهرتي/ تحت سماءٍ محشوة بالصدى/ أحسد الحراس على نومهم بلا خوف/ وأنا أخطو برأسي/ خارج رأسي.
التعلثم هو التعثر نفسه في المشي بين جثث القتلى والتي يظهر أنها جثث جنود مدججين بالسلاح والعتاد و أن أثر الكدمات ظاهر على قدمي الصعلوك لإصطدامه بها أثناء المشي. أما الزهرة فلا وجود لها! السماء باقية أما الصدى فلا أثر له؛ كما أن الحسد لم يظهر ولا حتى الخوف ولكن نوم الحراس لازال وأن الصعلوك قد استمرت خطواته برأسه خارج رأسه فهذا ما لم يكن باستطاعتي إثباته! الدلائل...3 ـ2 ـ1
الفراغ تدهور سريعا/ تلوث بالشائعات/ من قطيع غفلتي ينفلت اعترافي/ في قيلولة مُظلمة:/ لِمَ المرارة تائهة؟
تدهور حالة الفراغ وهو كتلة لها أبعاد وحجم وجدته مابين الرئتين وبالضبط في الزاوية اليسرى من صدر الصعلوك، هذا التدهو سببه التلوث بالشائعات ـ السموم مثل الزرنيخ والشوكران وغيرهما. القطيع لايزال متواجد هنا في مركز التشريح الطبي الشرعي الذي قد تجمعت فيه الكثير من قطعان واجساد الرجال والنساء والاطفال ، أما الإعتراف الذي يتحدث عنه الصعلوك ـ المغني الجوال فلا وجود له حتى بين أوتار حنجرته! والقيلولة المظلمة هي أيضا قد اختفت وأما المرارة التائهة فلم يُعْثـَرْ عليها. الدلائل...2 ـ 1
أمحو ما تبقى من هلوساتٍ في دروبٍ سائبةٍ/ ثم ألقيها على حبلٍ من النسيان/ حين أخطو برأسي  الى مقصلة النوم.
الهلوسات لاتزال في الجهة اليسرى من دِماغ الصعلوك وبالظبط في مساحة "هوفمان" المتواجدة في نفس الجهة وتحت القشرة الدماغية الرصاصية! كذلك الدروب السائبة آثارها لاتزال على مرور قطعان كثيرة من المخلوقات السائبة هي أيضا. حبل الوريد ـ النسيان قد قـُطِعَ بمشرط حاد. هاهي المقصلة التي كنت قد خـَمَّنـْتُ تواجدها واستعمالها في فعل الجريمة!
                   ماتبقى.. من دويّنا المبتور
مضى صمتنا في كينونة المطر/ عزمُنا بات دكة بلهاء.. لم تعد تذكرنا
تواجد آثارا ً للمطر،على جسد المغني الجوال ـ الصعلوك،  مُؤكّدا ً. أما الصمت فأنا لا أرى حاجة الى إثبات وجوده. الدكة موجودة أما صفة البله فلم أجدها لأن العزم والبلاهة ليسا من صفات الجروح! الذكرى متواجدة في نفس المساحة الدماغية المذكورة أعلاه.
بضغائن ليلٍ لا يملك نافذة/ غـُرَباء كنـَّا/ نحملُ جماجم ضجرةٍ/ في مدنٍ مُتـْخـَمةٍ بالموت.
القضية هنا فيها بعض التعقيد وهو: الـ"ب" هي حرف جر يستعمل في اللغة العربية للوسيلة أما حرف الـ" في" فهو حرف جر أيضا ولكنه يُستخدم للمكان والزمان: ( كتبت بالقلم وسكنت في دمشق). والضغينة هي الغضب والحنق وإخفاء هذا الإحساس إما للثأر أو لعمل آخر مكنون في النفس والضمير ربما هو إخفاء شرٍّ يريد به حامل الضغينة لمن أساء إليه! هذا كل مافي الأمر. أما أن يكون للليل ضغينة فهذا ما لم أجده عند "الواقعيين" بل وجدته عند " المثاليين وغيرهم من الثوار". وضغائن الليل هذه ليست إلا َّ ضغائن الغرباء، أما النافذة فهي للليل وإن كان لا يملكها!
الضجر صفة لمن لا يحتمل حالة ما يعاني منها وهي غير متواجدة في أي جزء من أعضاء جسد الشاعر والجماجم التي بها ضجر تفقد هذه الصفة حالا عندما تتحول الى جمجمة تـُوضع على طاولة مضطربة! أما أنَّ المدن متخمة بالموت فهذا ما نجده في كل زمان ومكان. الدلائل...$ ـ $
كنـَّا نعلمُ/ أن للمعنى سواحلَ موجعةٍ/ سننقش فوق ثراها رنين تشرُّدِنا/ كنـَّا نعلمُ،/ بأنـَّا نـَتـَصَفـَّحُ غفـْلـَتـَنـَا/ قبل مجيئها/ لكنـَّا/ أزحْنا صوت الماء/ وشربنا ظلام الطرقات.
المعاني تلتصق بالأشياء إمَّا بلونها أو رائحتها أو شكلها أو الى ما ذلك وتكون حدودها هي حدود الجروح ونهاياتها أي سواحلها، وهذا معناه أن المعنى يُعْرِبُ عن تواجده بوجع الجروح والنقش على الجروح وثراها ـ ترابها ولحمها ـ فهذا ما وجدته كما الوشم على جسد من هو تحت التشريح، أما الرنين فهو صفة مفقودة أيضا، بينما التشرد ظاهر من "أناقة" الصعلوك! الغفلة مفعول به غائب لا محل له من التشريح وزمان مجيئ الغفلة أيضا لا أثر له أما صوت الماء فهو معروف من تلك النقرات الظاهرة على جسد الصعلوك والشراب الذي أخذه المغني ـ الصعلوك كان قاتم اللون ربما هو نبيذ معتق ذو الحمرة الداكنة بلون الدم الفاسد المتيبس. الطرقات مملوءة بدماء المارة المتشردين والذي يملكون بيتا ومأوى على السواء. الدلائل...%  %
ماتبقى،/ صرخة/ تـُقاوم النـَّخرَ/ ضدَّ هامةٍ يستويها التـَّعرِّي/ أمام كابوسِ الدم.
في وقتٍ من ضباب السم/ أنا بذرة انتباهٍ/ في غابة خـُرسٍ/ خطوة ٌ لامعة ٌ/ بأصابعَ دَهشَةٍ/ تتلمس فجرا ً شاهقا ً.
الصرخة تمَّ العثور عليها قبل بداية عملية التشريح والدليل على ذلك النخر الذي وجد على تلك الهامة التي يستويها التعري وإظهار "سَوءتها" أمام كابوس الدم المتسربل من الجروح المثالية التي تحدث عنها فلاسفة الأدب وقام بها سدنة الغياب! أمَّا ضباب السم فآثاره تبدو على حدقة عين الصعلوك المنفتحة وذات الحُمرَة جرَّاء احتقان الخوف والأرق فيها! الضباب أحدث هالة خضراء توازي احمرار سواحل الجروح! أما الإنتباه وبذرته فكانت في زوادة الصعلوك وغابة الخرس لم تكن لها آثارا واضحة ولا حتى تلك الخطوة اللامعة وأصبع الدهشة التي تتلمس فجرا شاهقا؛ كل هؤلاء لا أثر لهم تقريبا في جسد المغني الجوال ـ الصعلوك ـ الشاعر. الدلائل...# ـ #
هذا التشريح الذي أجريته على الوحدة العضوية: (جسد ـ صعلوك ـ مغني جوَّال ـ قصيدة)، ليس نقدا أكاديميا متعارفا ً عليه من قبل سلطات النقد الأكاديمي في كل الجامعات في العالم، بل هو تحليل عضوي في المختبر المحاذي لقاعة التشريح الكبرى في مستشفى محاييدة في " الجمهورية الإشتراكية الجماهيرية الديمقراطية الشعبية العظمى" سابقا!
"....فليس من بين المذاهب الأدبية أو النقدية مايسمى المذهب المثالي. ذلك أن الأدب في جميع مذاهبه ـ من كلاسيكية ورومانتيكية وواقعية ووجودية.. ـ ليس ميدانه التجريد، إذ أنه يصور الأفكار والمشاعر والتجارب في صور تنبض بالحياة، وخاصة أنه ينزل هذه الأفكار والمشاعر من عالم التجريد الى عالم التجسيد، بالوسائل الفنية الخاصة به، ليوحي بعد ذلك بأعمق الأفكار إيحاء.
فمن جهة نستطيع أن نقول: لا مثالية في الأدب، إذا أخذنا المثالية في معناها التجريدي، ولكن ـ من جهة أخرى ـ لنا أن نقول أن الأدب أو الفن ـ في جميع مذاهبه ـ مثالي، إذا فهمنا أن المثالية لا تقف عند حدود الواقع، بل تتجاوزه دائما. والواقعيون مثل غير الواقعيين في هذا الأمر، إذ أن الواقعيين يصورون الشر الواقع رغبة في تغيير هذا الواقع او الثورة عليه، وهم يشبهون ـ من هذا الجانب ـ الرومانتيكيين الذين يهربون من الواقع في عالم أحلامهم ضيقا بالواقع، ويشبهون كذلك دعاة الفن للفن الذين يفتنون في تصوير ما يروعهم قصدا الى غاية تتجاوز الواقع في صورة من الصور."[11]
إن من قال وصيته وأعطى لكلِّ المختلين الخيار أن يحلموا عوضا عنه  دون مقابل هو إما أحد الواقعيين ـ الرومانتيكيين المختلين أو أنه أحد المثاليين الوجوديين والمختلين أيضا التابعين للمدرسة والإتجاه الأدبي
".Positivismالفلسفي للإيجابيين"
كل هذه التسميات والتحديدات لا محل لها في قاعة التشريح هذه وليذهب الى الجحيم كل من يسمي الأشياء ولا يدعها حرة لايحدها إسما أو عنوانا أو مكان في أي زمن كان.
إن الإحاطة بكل مايجيش في نفس الفنان ـ الشاعر في لحظة الإيحاء هو أمر مستحيل وإن كانت التقنية هذه أو تلك من أدوات التعبير المتعارف عليها أو تلك التي تستعمل طرقا أخرى متخذة جلبابا جديدا لم تكن الـ " الموضة" قد توصلت أليه بعد. القضية وما فيها من أن النقد في كل مدارسه وأنواعه وألوانه ليس إلا َّ نتيجة للعمل الأدبي ـ الفني بعد ظهوره. إذن والحالة هذه فالنقد ليس تنبأ ً بل هو إفتراضات إستنتاجية لا تحل ولا تربط! إفتراضات تحاول وضع العمل الأدبي ـ الفني تحت هذا النوع وذاك الصنف وفي أكثر الأحيان ما يستخدم الناقد طريقة سوقية مبتذلة لا تعطي ذلك العمل حق قدره. ألم أقل من أن الناقد هو إنسان فاشل!!!
الذات ـ الإعتراف
لم أكُدْ أنتهي من خياطة وتقطيب كل جسد المغني الجوال ـ الصعلوك وأأمر بأخذه الى غرفة الإنعاش والعناية المركزة حتى جاء أحد مساعديِّ ليقول لي أن أحدهم ينتظر إجابتي على جهاز الهاتف الأحمر في مكتبي!
نزعت عني غطاء رأسي والكمَّامة عن وجهي والصدريَّة الملطخة بالدماء والكفوف المطاطية وبعد أن عقـَّمت يدي وساعدي ونشَّفتهم بمحرمة بيضاء اتجهت الى مكتبي مسرعا، أجبت... بدأ العرق يتصبب من على جبيني، وضعت سماعة الهاتف على وضعها السابق!
في مكتبي هناك ثلاث أجهزة للهاتف، الأول أسود اللون وهو للمكالمات العامة والتي تتعلق بالعمل والعلاقات الأخرى التي لها مايخدم الشعوب بما تحتويه من شعراء وفنانين وتجار وموضفين وأصحاب الأعمال الحرة ومشردين وبؤساء ومختلين ...إلخ والتي تنوء تحت ظلم وقسر شتى الأحكام الدكتاتورية والديمقراطية والتيوقراطية وحكومات العصابات الأخرى. الجهاز الثاني وهو أبيض اللون خاص باتصالاتي العاطفية ـ الجنسية ـ الشبقية، أما الجهاز الثالث وهو أحمر اللون فهو مقتصر على المكالمات الخطيرة بشأن اتخاذ الموقف المناسب حيال أمر من الأمور في غاية  الخطورة أو حدث من الأحداث الجسام التي يجب أن تـُجابه بعزم ودون تراجع!
أعطيت الأوامر بتنظيف قاعة التشريح وإعدادها لعملية أخرى. طلبت فنجان قهوة وأشعلت سيجارتي متصفحا أحد كتب التشريح الجنائي. طـُرِقَ الباب، دخل احد المساعدين وبيده ملف جديد لونه بنفسجي مُزرَق! وهذا يعني بأن المجني عليه لازال على قيد الحياة إلا َّ أنه في غيبوبة عميقة. قلت اترك الملف على " الطاولة المضطربة" واخرج مشكورا! أخذت الملف، تصفحته:
الإسم: غير معروف
الأصل: من العرب البائدة
الجنس: ذكر
مسقط الرأس: نينوى
العاهة الغير المستديمة: إنسان
العاهة المستديمة: شاعر
العمر:41 سنة
الإصابة: جروح متعددة وكدمات في شتى الأنحاء وكسور من الدرجة الثانية والثالثة وحروق مختلفة جراء انفجار في النفس والضمير العائد الذي لا محل له من الإعراب.
الإتجاه: مثالي ـ واقعي ـ رومانتيكي ـ فوضوي ـ بويهمي ـ من اليسار الغير المتطرف.
كل هذه المعلومات لم تكن كافية لتحديد ماهية المجني عليه وبالذات نوع الدم وهذه المعلومة هي التي أهم من كل ما سبق ولم تـُذكر! كل ما ذ ُكِرَ هو أن المجني عليه وهو في أول غيبوبته كان يذكر أحدهم: بولص آدم؟ من هو هذا؟ أو بالأحرى ما هي ماهيته وما شأنه بالحالة التي يعاني منها المجني عليه نفسه؟ هذا ما لم يذكر أيضا ً.
دخلت قاعة التشريح، ارتديت الزي الرسمي ووضعت سماعة على أذني وميكرفون أمام فمي متصل بآلة تسجيل كنت قد ربطتها بحزامي  على خاصرتي اليسرى حيث أنني أيسر .  بحيث أستطيع وقف التسجيل حينما لا أريد الكشف عما أنا بصدد اكتشافه وذلك ما كان قد قيل لي على الهاتف الأحمر ولأنَّ العملية " سرَّيـَّة للغاية"، بدأت العمل، ناديت: المشرط....!


                             أخطائي... الشامخة
                                                           إلى/ بولص آدم
"الإعتراف بالخطأ فضيلة"!

إبتعدنا/ عدونا مأهولين بغيابٍ/ لا يكفُّ التطلع تحت ألسنتنا/ نـُنـَقـِّبُ كلٌّ في انحدارهِ عن استيقاظ الرمح في رأسِهِ.
الطعنة أثرها قائم في الرأس بين فصَّيْ الدِماغ. هناك هوَّةٌ مابين الفصَّيْن تشابه الوادي الذي بين جبل أرارات وجبل الجودي! حيث كان التنقيب هناك للكشف عن الموضع الذي وقفت عليه سفينة نوح عليه السلام! لم يكن هناك من يعلم بأنَّ الحكاية كلها موجودة في أنفاس كل فرد من أفراد أهل الرافدين، لذلك قد أُقـْتـُصِرَ بالتنقيب بين الجبلين! ثم أنه هناك جفاف في اللسان الممدود الى خارج الفم مما يدعو الى التأكيد من أن المجني عليه كان قد جرى بعدوٍ سريع لسبب ما! أما من أنَّ المجني عليه ومن كان معه يعدو ويبتعد مأهولين بشيئ إسمه الغياب فهذا ما لا أثر له على جسد المجني عليه! بعد التنقيب وُجـِدَت بعض قطع من خشب الأبنوس تدل على عصاة الرمح ومادة خضراء اللون لزجة على جهتي الجرح مما يؤكد أن الآلة كان لها رأس مدبب من الحديد ولأن الحديد فلز إذاعاملته مع الحوامض المتواجدة في الجسم ينتج مادة خضراء اللون وهي "قاعدة" حسبما تـُسمَّى باللغة الكيميائية، أي أنها عكس الحامض وهذا الإستنتاج آتٍ من المعادلة التالية:
ملح+غاز+ماء→← حامض+ قاعدة والعكس صحيح، وقاعدة الحديد تكون عادة خضراء اللون!
أسعيدٌ أنت في إنكارك للصحراء؟/ أما زلت تدور حول الاثام؟/ إلا َّ أنـَّي/ أراك قـُدَّاسا ًمطويا تحت الثلج/ كفـَّيكَ/ تحملُ كمشَةً من ظلالٍ/ سمَّمَها التشابه.
بإنكار وليس في أنكار، هناك خلل نحوي ـ عضوي في جسد الصعلوك على إثر الكدمات والضربات التي لحقت به. نكران الصحراء هذا ليس له أية عِلـَّة. الدوران حول الآثام شيئ لا وجود له ولا لإيِّ أثر له بالعين المجردة. إلا َّ أنني وليس أنـِّي، هذا عطب آخر في أعصاب المغني الجوال. القدَّاس الذي ينطوي تحت الثلج مشار إليه من شِدَّة برودة جسد المدعو بولص آدم وهو محكوم بالغياب شنقا خنقا حتى الموت. كنت قد وجدت ملفـّه بين الملفات المكدسة" على دكة الخنوع"! " الكمشة" نبطية و"الحفنة" عربية. الظلال متواجدة هنا وهناك بين الجروح، وهي مسمَّمة بالفعل وليس بالتشابه بينما بالسموم التي تبدو للوهلة الأولى متشابهة. المجني عليه بين حين وآخر يعود الى الهذيان نفسه.
ما الذي يمكن أن نشتهيه/ في عبورنا الى كوكب الإذعان؟ هذا السؤال سمعته من أحد المغضوب عليهم عندما كنت أزور مقبرة تقع على شاطئ ليس بعيدا عن المكان الذي وجدت فيه بقايا سفينة نوح عليه السلام.
عند مزارٍ مَبتورٍ من الألم/ تعبت وجوهنا/ لامست فلول الخَرسِ/ بِمهارةٍ. الجملة تـُعَدُّ من التعابير المنوطة بالإبهام والتطرف والإبعاد في المجهول اكثر وأكثر، فالسؤال هنا: الصفتان "مبتور"و"ألم" وهما أسماء والأسماء صفات وهما بلا شك عائدتان للـ " المزار" ولكن هل هو"مزار من الألم مبتور" أم "مزار مبتور من قبل الألم" والألم هنا هو الواسطة للبتر، أم أن الألم هو نتيجة البتر التي يظهر لنا بها المزار؟ المشكلة عالقة وقائمة! "عند" هي للمكان وليس للتملك كقولك: عندي قلم. والوجوه تتعب لتعب مشي الأقدام التي تحمل الاجساد وتظهر علامات التعب على الجسد كله. "اللمس بمهارة" صفة أخرى قد أُقـْحِمَتْ وأُلـْصِقـَتْ بالـ"الوجوه" من الممكن للوجه أن يُلامس شيئا ما ولكن حاسة اللمس هي عائدة لِأَناملِ الأصابع وهي أكثر ماتكون كذلك. ثم أنَّ "فلول" معناها ما تبقى من جماعة من الأفراد التي تكون جيشا أم متظاهرين محتجين أو حتى لصوص هاربين أو غير ذلك وهم في حالة انسحاب وهرب من شيئ  داهمهم وهم متفرقون الى جماعات كل في إتجاه لاذ ِّين بالفرار وهم ما يُسَمَّوْن بالفلول."الخَرسِ"؟ سألت الشاعر وأكد لي من أنَّ التعبير صحيح! وأنا لم أفهم، ربما لمعرفتي القليلة والمتواضعة لللغة! فهم " الخَرْسِ" أم "الخَرَسِ" أم " الخُرْسِ" أم الخُرَسِ"[12]
وأنتَ/ حين داست على جفنيك/ كلابُ القبائلِ/ صنعتَ تمثالا ناعما/ للسُّخطِ ،/ رأيـتـُكَ تـَسحَلهُ/ في غفلةٍ من خَجل المسدس... . "كلابُ القبائل" فاعل "جفنيك" مفعول به ثاني والأوّل هو الـ"كَ" و أنتَ فاعل مقدم لـ "صنع" والـ "تَ" عائدة الى "أنتَ"و تِمثال"  مفعول به، صفته "ناعما" ووسيلته "السُّخط" و" رأيتُ" فاعل و"كَ" مفعول به وهو فاعل لمفعول به هو الـ"هـ" العائدة للتمثال. في غفلة من خجل "السلاح" هنا هو المسدس أو أي سلاح آخر وذلك يعتمد على المكان والزمان ونوع السلاح المُسْتـَخدم. أما الـ "غفلة من خجل" فهي صفة متعلقة بشخص حي من ذوي الألباب وليس جامد وغيرحي. الشاعر قد أقحم الصفة "غفلة من خجل" وأعطاها للمسدس وليس لحامله. ثمَّ أنَّ الفاعل الأول والذي به تبدأ الصورة وتنتهي هو "أنا" رأيتُ. هذا التعقيد والتداخل في التعبير متواجد في كل الجروح والكدمات الواقعية ـ المثالية الظاهرة على جسد المجني عليه!
بين سعال التاج/ ورهط المجانين/ كم ارتجفنا/ ونحن نـُقـَسَّم في خرائطِ الشهوات/ الى طوائفِ مُهَدَّدةٍ بالنعاس.إنَّ مَنْ يَعْتـَمِرَ التاج هو الذي يَسعُل وهذا إقحام أخر. ورهط أي جماعة المجانين وبين هؤلاء وذاك نحن نرتجف طويلا "كم" أدات سؤال عن الكمية! والإرتجاف له سبب ربما هو الخوف أو البرد أو غيره؟! ونحن أي أنا وأنتم نـُقـَسَّمُ  بين مساحات لها حدود معينة: هذا لي وهذا لك حسب الرغبة والشهوة، الرأس لي ولك الأطراف وله الصدر والأخر القفا والآخر البطن وهناك من يأخذ البقية الباقية! ( كما كان قد فعل رهط أو جماعة أخرى إبان نهاية الحرب العالمية الأولى من تقسيم العرب ليس فقط الى طوائف بل الى مساحات جغرافية وقد اعترف بها العرب مباشرة!)
أمَّا أنَّ هذه الطوائف مهدَّدةٌ بالنعاس فهذا شيئ وارد وليس غريب لأنَّ عملية التقسيم مُتـْعِبة!
لم يبقى الا الحديث المسوسُ/ يَنط ُّ/ من تحت كينونة فوانيسَ/ مُلطـَّخةٍ بالتجاعيد/ حين تهدّمتْ ألـْسِنـَةُ الرواة/ في منتصف الملهاة. لم أدات جزم والفعل المعتل الآخر الذي يليها يُحْذ َفُ الحرف المعتل وتوضع الحركة المساوية له، إذن: لم يبقَ. المُسَوَّسُ أم المَسُوسُ هذا ما لم أعيه وإذا كان المسوسُ صفة للحديث فيجب أن يكون منصوبا بالفتحة على اعتبار "إلا َّ" أداة إستثناء ما بعدها يكون منصوبا أللهمَّ أن يكون بدل لموضوع أو فاعل سابق لـِ "إلا َّ" وهو مرفوع[13]
الكينونة شكل ومضمون أي رسم ومادة والفوانيس جمع تكسير ممنوع من الصرف ـ كعظام المجني عليه فهي أيضا ممنوعة من الصرف ـ! مُلـَطـَّخة بالتجاعيد! نقول ملطخ بالدم أو بالوحل أو ما أشبه ولكن هي " الموضة" وحيال هذه ماذا نفعل؟! كذلك تهد م ألـْسِنـَةُ الرواة وكأنها بناءٌ من الحجر أو غيره وهذا من التعظيم لأن اللسان هو مسؤول عن الوجود برمَّتِهِ! والملهاة هي للسخرية والتهكم وهي أقلُّ شأنا ًمن المأساة  وعكسها حسب رأي آرسطوطاليس.
وقتٌ مُبكر لدعس الثلج/ في رؤوس مصادفاتٍ/ لا تشيخ، تهيلُ ترابا مقدسا/ في وجه ارتيابي/ وأنا ملوثٌ في عزلتي/ اصاحب تماثيل أخطائي الشامخة. لماذا يكون الوقت مبكرا لدعس الثلج؟ وما هي رؤوس المصادفات التي لا تشيخ والتي تهيل " التعبيرعربي من أصل نبطي"، من هول وهال التراب والتراب مهما يكن فهو أشدُّ نقاءً من الكثير من المخلوقات منها الإنسان! إذن فالتراب مقدسٌ في كل الأحوال؛ أمَّا وجه الإرتياب فهذا شيئ يصعب استنتاجه لفقدان الدم  ووجوده ومع ذلك فإنَّ الإرتياب ملاحظ على وجه المجني عليه وليس العكس أي وجه الإرتياب وهي مغالطة يقوم بها الصعلوك إما لِإضطرابه أو بسبب تلوثه في عزلته تلك مُصاحبا ً تماثيل أخطائه الشامخة والتماثيل عندما تكون شامخة وعالية فهي أنصاب جمع نصب والنصب يُقام لمن هو عظيم والنصو أيضا نصب لوضع الضحية عليه وذبحها، وشموخ الرجل في فعله هو شموخ أعماله إذا كانت صحيحة أو أنها أخطاء أيضا. فـ"على قدر أهل العزم تأتي العزائم".
                  لا ظـَــــلامَ لهم.. على خطــــــوط كفيــــــــك
هل فرغت أبواق الشقاء/ من شقِّ الروح/ على أسِرَّةِ فصولٍ نائمةٍ؟/ أم انداحت/ على رمل الصحارى أصواتنا/ صفائح وعناقيد/ لا تكتفي بطعم الموت،/ وزَّعتنا على حروف أبجديتها/ من شمال الأرض/ حتى جنوب الندم....لهم؟ من هم؟ الذين لا ظلام لهم على خطوط كفيك؟ ضمير الشخص الغائب الثالث المذكر الجمع؛ لنضع علامة الإستفهام من جديد وحتى الضجر"؟" !!!
خطوط اليد تهمُّ العراف أو العرَّافة أو من يقرأ الفأل وليس الطبيب الشرعي! أبواق الشقاء: تعبير له وزنه وثقله في الجراح التي تملأ جسد المجني عليه وأصوات الأبواق هي الشقاء الذي يشق الروح وتواجد "ش" الشقاء مع "ش" شق الروح هو أكبر دليل على ارتكاب الجريمة من قبل سفاح لا يفتأ يجدد بقاءه بشق ارواح المجني عليهم! هنا إكتشفت مَنْ "هم" الذين لا ظلام لهم: المجني عليهم! أليس صحيحا يا شاعر العبث؟! أسِرَّة فصول نائمة وهل تنام الفصول؟ لنتركها تنام ونتابع هذيان المجني عليه ربما يدلنا ولو بصيغة غير مباشرة على الجاني! إنداح فعل مزيد بحرفين من دَوَحَ وهو فعل عربي ـ نبطي بمعنى أُسْقِطـَ أو أُزِيحَ أو تدحرج وتسربل وسقط ...إلخ، أصواتنا، ربما هي الريح التي أداحت أو غيرها، وجعلتها صفائح وعناقيد لا يشبعها طعم الموت بل تصبو الى الموت ذاته أو حتى مابعده. أقصى وأقوى من ذلك هو شمال الأرض وإبداله  بجنوب الندم!هذا مايُسمَّى ما بعد التسامي في الإلهام!
الأنهار/ ما عادت تسألنا/ سلـَّمتنا للحمام/ يشرب من دمعنا.. والأنهار تعطـَّلـَتْ عن أسئلتها ولم تعد تنبس بكلمة وأعطتنا للحمام يشرب من دمعنا ويقتات على أنفاسنا ويتخذ من أسمائنا أعشاشنا وأيكا ً له...ثم، الله وحده يدري لو استمر المجني عليه في هذيانه الى أين سيصل بالقول!
هل نكتفي بالزحف/ وراء إعوجاج ظلٍ/ ما بين الصورة/ والرسم المظللِ/ على طول الطريق المُمَغنـَط بالشحوب/ أم نكتفي بالدوران/ حول أفواهنا ما بين الفجر/ وآخر المساء؟
الإكتفاء بالزحف هو دلالة على التدهور في سلم التطور الإنتقائي الطبيعي لـ"داروين" أي العودة الى نوع الزحافيَّات أو الزواحف. أما زحف من هم أعلى مرتبة في ذلك السلم فهو ناتج عن سبب ما! مثل الزحف في الحرب والقنص والصيد وأيضا الزحف لعدم تملك القوة على المشي او أن الذين يزحفون وهم تحت وطأة الظلم ونير المتسلط. والأمر لا ينتهي هنا فالزحف وراء إعوجاج الظل هو ماليس لنا علم بسببه! وهذا الإعوجاج يقع مابين الصورة والرسم المظلل. فهل معنى أن الرسم هو عبارة عن تخطيط وفيه عملية تظليل للمناطق الغامقة من التخطيط كي يكسب الشكل أو الصورة حجما وأبعادا ثلاثة أم أن الرسم الذي يتحدث عنه أبو نؤاس:
 قـُلْ لِمَنْ يِبْكي على رَسْمٍ دَرَسْ    واقفاً ما ضَرَّ لـَو كان جَلـَسْ![14]
الرسم الدارس أي المتهدم والذي قد أصبح أطلالا ً؟ والأبعد من ذلك هو الطريق الممغنط أي الذي أكسبته المَغـْنـَطة َ قوة ٌ مغناطيسية ٌ ما، الشحوبَ،  أما الدوار حول الأفواه وهو مجاز للكلام الكثير دون معنى وبلا فائدة ترجى من الفجر والى آخر المساء. المجني عليه لازال في حالة من الأخذ والإنجذاب والإتصال بالوحي أو الشيطان أوغيرهم من المتسلطين الذين لا ضمير لهم ولا رحمة بالمساكين من الشعراء والمختلين الآخرين!
رغوة التحليق/ من بعد انكسار الصوت/ في معدن الليل/ تركتْ بصمَتـَنا/ فوق الوسادة/ أقلقتنا،/ ولا سبيل لكي تـُمحى/ بأخطائنا/ هذا ليس اختيارٌ/ لكفّ الرؤى/ في مساء الخنادق/ وقت الإشتباك/ لما لا يكون احتكاكٌ لسماء الجوع/ بسياج القهقهات؟/ أو اهتزاز الثريا/ أمام إغماضة العين؟
"الرَّغوةُ... تركتْ بصمتنا فوق الوسادة..." هذه أول إعادة لتركيب الأعضاء المقطعة والمرمية بصيغة إعتباطية لجسد المجني عليه حال وصوله الى قاعة التشريح. التحليق هو الطيران وربما خـَفق الأجنحة هوالذي يـُحْدِثُ الرغوة ولكن رغوة أيِّ شيئ، الهواء؟ أم أن التحليق كان في فضاء مكون من مادة أخرى وبمجرد أن يبدأ خفقان الأجنحة ستتكون الرغوة؟ إنكسار أمواج أشعة الضوء أو الصوت وذلك بنفوذها من مساحة مكانية الى اخرى مختلفة المادة والكثافة هذا ما يحدث عادة وهو ما كان قد تكلم عنه صديقنا الحميم "ألبيرت أينشتاين" في نسبيته ـ ربما كان يهودي الأصل! ـ وهذا ما لا يهمنا إذ أنه لم تكن له علاقة بالصهيونية أو برعاة البقر والمعيز وذوات الأربع كلها! الإنكسار هذا ما يهمنا هنا: إنكسار أمواج الصوت عند اصطدامها بمعدن شديد الكثافة وصلب، إذ أنَّ أمواج الصوت تسافر في أجواء مواد مختلفة: عبر الهواء والمواد الاخرى وحتى الصلبة منها ولكن ما يوقفنا ويجعلنا نفكر ولو قليلا هو أن المعدن الذي بحوزتنا هو معدن الليل! لا شك أن الإستخدام هنا هو مجازي بحت ولكن المجاز في أكثر الأحيان له وقعا أكبر وأعمق في النفس والوجدان وهذا ما يتحدث عنه الكل:" المثاليون والواقعيون ـ الرومانتيكيون والوجوديون وكل المخلوقات التي تستخدم اللغة للتعبيرعن وجودها ومهما كانت نوعية تلك اللغة أو لونها أو خصائصها قاطبة". الكرى: معدن آخر للليل، والدجى: هو أيضا معدن آخر وهكذا... تكون معادن الرجال! فمن أيِّ معدن هذا الشاعر ـ المغني الجوال ـ الصعلوك؟ القلق سببه هو عدم استطاعتنا محو آثار بصممتنا ولا حتى باستعمال أول أوكسيد الكاربون أو بيكاربونات الصوديوم: أخطائنا وهي من القواعد وليست من الحوامض! وليس لنا أي اختيار لجعل الرؤى تنتهي في مساء الخنادق وعند حمي الوطيس والنجاز مع العدو، ولهذا فإنَّ سماء الجوع عندما لاتحتك بالسياج المشوك والمزود بأجراس القهقهات ولا باهتزاز ثريا القنابل والصوارخ التي تجبر العين على أن تطبق أجفانها لشدة الضوء أو الخوف منه أو غير ذلك. ألم أقل أنَّ شاعرنا كان تحت وطأة الخدمة العسكرية الإجبارية : باسم الله وباسم الشعب حكمت المحكمة على المجني عليه بالخدمة العسكرية الإجبارية والأشغال الحربية الشاقة "السفربلـِّـك"[15] مدى الحياة. رُفِعَت الجلسة!
باردة هي الضلوع/ في بركة الفولاذ/ وإن مدّت لسان التوجس/ يلعق الغبار/ في سماء من فخار/ و دمُ الأصابع/ يراقب الباب/ يحمله المركب الإسمنتي/ تحت زخات من بصاق/ ورصاص.
إنَّ تداخل الكلمات ـ الجروح في الرواية التي يحكي عنها جسد المجني عليه تجعل من عملية التشريح الجنائي صعبة جدا في إستنتاج الأسباب والحوافز التي أحدثت وقوع الجريمة! فلو أنَّ المجني عليه أخبرنا من خلال جروحه بأنَّ: الضلوع باردة... تحت زخات الرصاص؛ لكان الأمر سهل الفهم وكنا قد انتهينا من التشريح الجنائي وكنت ذهبت الى مكتبي اكمل احتساء قهوتي وتدخين سيجارة أخرى منتظرا ساعة انتهاء الدوام لهذا اليوم وكنت قد ذهبت لِأبتاع بعض الحاجيات لزوجتي وأهلي وعدت الى البيت لكي أنـْضي عني الثياب وآخذ حماما دافئا ومن ثم سماع إحدى روائع السمفونيات والتغزل بحبيبتي وهي تضع رأسها الصغير على كتفي محاولة النوم والإغفاء مقاسمة أحلامها معي... ننظر الى وجاق النار الدافئ الذي يمحي آثار توتر النهار والعمل الشاق. وكنت هممت أن أمارس الحب لولا...!
ولكن المجني عليه ـ الصعلوك قال: باردة هي... وجعل المبتدأ مؤخرا ً! تأخرت ساعته إنشاء الله!
قدم الخبر ـ الصفة ـ على الموصوف وهذه من بلاغة العرب المختلين، أمثال قس بن ساعدة  الإيادي والحجاج بن يوسف الثقفي وغيرهم الكثيرين من الذين كانوا مختلي العقل والوجود طيلة حياتهم. أضاف بأن هذه الضلوع هي في بركة من الفولاذ! نحن نعلم بأن الفولاذ هو فلز مُصَنـَّعٌ وهو خليط من عدة فلزات مسخنة بدرجات عالية من الحرارة ومصهورة مع بعضها وبعد الصهر تـُصَبُّ في أواني معينة لتأخذ شكلها ومن ثم تـُصّدَّرُ وتباع في أسواق شتى...إلخ! ولكن مهلا ً، إن أحد العمال في مصنع ٍ للحديد الصلب والفولاذ في إحدى مصانع سيبيريا الروسية المخفية تحت الثلج والأرض، قد نسي القليل من الفولاذ في حضن الفرن ولم يسكبه في الآنية المخصصة ولكن تركه يتساقط على الأرض المبتلة بمياه الثلج الداخل الى قاع المصنع وهذه الكمية من الفولاذ قد تجمدت وأخذت شكل بركة الماء التي على الأرض"!  كما في الأواني المستطرقة لـ"ﭙاسكال""
" . فالسائل المسكوب في الإناء يأخذ شكل الإناء نفسه!Pascal"
ثم أن هذه الأضلاع لها لسانٌ فـُقـَّارٌ مثل لسان الأفعى، تتوجس به وكأنها تلعق غبار سماء من فخار وهذه السماء قد اكتسبت هذا اللون لشدة وكثرة الإنفجارات وعلو تناثر التراب والشضايا وقت اختفاء وحجب نور الشمس الذي أكسب الأشياء ذلك اللون الفخاري المطبوخ، اللون القاني والباهت والشاحب والذي يشكل ذاك الضباب المصفر والمائل الى اللون الأحمر البني المحروق. دم الأصابع هو الذي يراقب أم الباب؟ ومن يحمل من؟ المركب الإسمنتي والإسمنت ثقيل وإن شُيِّدَ بشكل مركب، وهو الذي يحمل. فهل يحمل دم الأصابع أم الباب أم بعضهما معا؟ تحت زخات البصاق والبصاق هنا لا يكون على الإطلاق بصاق حيوان من ذوات الأربع أو الإثنين وإنما هو بصاق ـ القنابل العنقودية والكيميائيةـ والرصاص. وجدتُ الكثير من الشضايا والرصاص داخل جسد المجني عليه!
هل فرغت أبواق الشقاء/ أم تلكأت في النغم؟/ أقـْلـَقـَتـْنا معزوفة الدوران/ الى الخلف/ واختنقت براءتنا/ فوق االتراب./ هكذا التفتـْنا بالحشرجة/ نحو الموائد اللامعة/ وما سمعنا سقوط الضباب الوثني/ من الصحراء الى الصحراء/ بين الثياب الزنخة/ لقوافل الرحيل صوب البحر.
في هذا المقطع هناك سرد يكاد يكون متكاملا لِلرَّاوِيَة ـ لكل شاعر راوية وهذا الأخير بدوره شاعر وله من يروي عنه ـ الذي يحكي عن حالة كان المجني عليه يعاني منها في أول مجابهة كانت له مع المختلين الذين أوصاهم بالحلم نيابة عنه. هذا السرد يتخلله بعض النوبات السريالية القائمة على نظرية السرد اللاإرادي والتجوال في عوالم اللاوعي التي يخافها الكثيرين من الذين لا يحلمون أو أنهم يعتقدون ذلك. الأبواق تعزف ماتريد لوحدها... هكذا... وهي أبواق شقاء! والتلكُّؤ هو كما التعلثم أو المأمأة في الكلام والنغم لغة والقلق آتٍ من المعزوفة إيَّاها: معزوفة الدوران الى الخلف. ولا أدري لماذا قد اختنقت براءتهم فوق التراب فالإختناق يكون عادة تحت التراب والبراءة ليست من صفات المختلين ولكن من صفات الذين قد ولِدوا توا ً وهم من الإناث ومصيرهم الوأد والوأد هو طمر المولودة وهي حية تحت التراب، أم أن سبب الإختناق كان شيئا آخر؟ ربما! أنا وجدت الكثير من تراب صحراء نـَجْدٍ وتِهَامَة على جسد المجني عليه وفي ثنايا جروحه المختلفة وهو متجه الى الموائد اللامعة! ثم الإلتفات بالحشرجة، والحشرجة يسببها السعال أو أنها حشرجة الموت بعد الإختناق؟ وهل يسمع الضباب؟ وهل هناك ضباب وثني وآخر مؤمن؟ وسقوط الضباب من الصحراء الى الصحراء معناه أن الضباب أكثر وطنية من ـ بالرغم من وثنيته ـ الشاعر ـ المغني الجوال ـ أبواق الشقاء ـ الصعلوك ـ بولص آدم ـ ! فهل هذا صحيح؟ المهم هو أن السرد لم ينتهي ، فسقوط الضباب الوثني كان بين الثياب الزنخة وهي ثياب (رجال) القوافل الراحلة الى البحر! لماذا؟ الجواب لتغسل ثيابها الزنخة في مياه البحر! مع العلم من أن المياه المالحة سوف لن تطهر وتنظف الهندام الزنخ لأن الملح يمنع ذلك وإن كان من المواد الأولية في صنع الصابون وذلك بمعاملته مع قواعد أخرى مثل الصودا ودهون كثيرة حيوانية ونباتية مع تسخين الخليط حتى الغليان وإضافة بعض العطور والروائح، خصوصا الفرنسية منها، وهذا ما يحدث كثيرا في الصحراء، هكذا في العراء وعلى عينك يا شاهد! والغسيل من الزفر العالق بالهندام أو بالجسد أو أي شيئ آخر يتم بأشكال أخرى كثيرة مثل غسل الأموال الزنخة للكثير من الحكام وأمراء العصابات مثل المالكي في العراق حاليا وغيره في أماكن أخرى لا حاجة لذكرأسمائهم فوجوههم متشابهة في كل زمان ومكان، في بنوك سيوسرا الحرَّة وغيرها أو غسل اليد من الدم ومن كل أثر يدل على اقتراف الجريمة! بالضبط كما كان قد فعل القائد الروماني"ﭙيلاتوس"
،  Pilatos،
أمام الملأ وكان آنذاك حاكم مدينة القدس ، قائلا: " ها أنا أغسل يدي من دماء هذا المحكوم بالصلب"! جسد المجني عليه يدل على أنه من الأقوام السامية المختلَّة من سكان وادي الرافدين المختلين أيضا. كنت قد أثبت هذا من قبل ولكنني أعيد تأكيده الآن لكي لا يكون هناك أي تلاعب وتزوير في هوية المجني عليه والتي لم تظهر في ملفه الذي كنت قد اطلعت عليه!
تثلـَّمت مفاتيح الموائـَمَة/ ما بين الأزيز والنحيب/ حين ابتدأ العزف للقلوع/ من بركة التهجير المُتمدد/ بين الأزقة المرقطة بالجوع.
مرَّة أخرى أقف والحيرة تأخذني من جنوبٍ وشمألِ، حيث إن في قراءتي للنص ظهر لي أنَّ كلمة المواءمة وكنها موانـَمة وهو خطأ كان قد جرى حين استنساخ النص من الحاسوب ولم أجد بدّا ً إلا َّ أن أبحث عن الكلمة بالـ "ن" ولم أجد لها أثرا بأيِّ مكان. سألت الشاعر قال لي هي المواءمة من الوئام. شكرته؛ عدت الى ما أنا عليه. تثلم السكين وتثلم نصل السيف وتثلم الكلمات ـ مجازا ًـ وتثلم المفاتيح، كل ذلك معقول وواقعي حسب المدرسة الواقعية! ولكن مفاتيح المواءمة بين شيئين أو إسمين هل هو أيضا معقول؟ وضمن المعقول والأ َّمعقول يمكن المواءمة، الجواب نعم! واقعيا ومثاليا. إذن فالشاعر يتكلم وهو يصغي وينقل الكلمات بذاتها من شيطانه أو الآلهة التي توحي إليه دون أي تحريف! لم يعد هناك من إمكانية المواءمة بين الأزيز والنحيب لأن المفاتيح قد تثلـَّمت ولم تعد تعمل كما من قبل! الأزيز هو أزيز ارتجاف أجنحة حشرة ما وهي تطير عن مقربة من الأذن والسمع؛ أزيز مرور طائرة حربية على مستوى منخفض بحيث تـُحدث ارتجاف الشبابيك أو غيرها ويصدر عنها صوت نسميه الأزيز، أو أزيز الأشياء وتحركها حين الزلزال أو غيره، إذن فالأزيز هو ناتج عن حالة معينة من تواجد الأشياء أثناء حركتها وكذلك النحيب هو ناتج عن عملية البكاء التي تطول وتستمر الى أن تتحول الى نحيب! والنحيب هو ذلك البكاء الطويل والذي تشوبه تقطعات قصيرة وطويلة بين حين وآخر أثناء البكاء. وتثلم المفاتيح قد حدث أثناء ابتداء فعل أخر وهو العزف للقلوع من بركة " الفولاذ" ـ التهجيرـ الذي يتمدد بكل طوله على أزقة مُرَقطة بالجوع، المرقطة كالنمر المرقط أو الفهد أو غيره وفي هذه الحالة جسد المغني الجوال ـ الصعلوك ـ الشاعر. الأزقة ـ الجروح ـ الكدمات التي تنتشر على جسد الصعلوك المتمدد على طاولة مضطربة! يظهر من معدة المجني عليه أنه قد عانى جوعا قد استمر منذ ما يقارب العقد من الزمان!
هل ستحدث معجزات/ في معدن الصوت الهَرم للأبواق؟/ أم ستبقى ترنيمة من نحاس/ تسلُّ الأوتار/ من الحناجر الملقاة فوق الحجر؟/ أم نكتفي بالدوران حول أفواهنا؟
عصر المعجزات كان قد ولـَّى منذ انقطاع الوحي ونهاية عصر الأنبياء وكل الذي يحدث مما يشبه المعجزات هو من صنع أحدهم من الذين يتقمصون روح القداسة والمختار من قبل الله أو من التكنولوجية التي بحوزة من احتكرها مستغلا ً غباء وجهل الآخرين! الصوت له معدن وهذا صحيح إذا قلنا أن لكلٍّ معدنه أي نوعه وكثافة حجمه وأبعاده والصوت من ذلك وإن كان قدهَرِمَ!
والأبواق نحاسية صفراء أم بلون الفضّة تبقى كما هي:"أبواق شقاء"! الترنيمة هي صوت خافت يوحي بالتعب أو الهمس بكلمات تشبه موسيقى خالية من أصوات الحروف  الصامتة وممتلئة بأصوات الحروف الصائتة. وهذه الترنيمة تعكس ضوء وبريق النحاس وهو يسلُّ من الحناجر الملقات هنا وهناك فوق الحجر بعد أن قـُطـِّعَتْ ونـُثِرَت. السؤال بدأ بـ "هل" وأنتهى بـ"أمْ" وهي بديل للسؤال بأكماله بسؤال آخر هو: الإكتفاء بالدوران حول الأفواه. فم المجني عليه كان مفتوحا فاغرا ً وكأن المجني عليه لم ينتهي بعد من الدوار حوله!
ها أنت لم تتـَّعِظ/ مازلت كما أنت تعبث بالنار/ تـُخبَّئُها تحت جفنيك/ تنزف أسئلة/ ما بين التراب/ والدم.
بعد التنقيب في دماغ المجني عليه وخصوصا في الجانب الأيسر المتسلـِّط من الدماغ  وفي مساحة "هوفمان" التي تتعلـَّق بالذاكرة وجدنا ( الصندوق الأسود) وفيه آخر المكالمات والحديث الذي دار بين القبطان والقاعدة المتواجدة في بقاع كثيرة على سطح الأرض! وهو يحاكي "بولص آدم" أو ربما نفسه حيث أن الإتصال كان مقطوعا أو متقطعا قائلا ً: لم تتـَّعِظ! الإتـِّعاظ ليس شيئا مفروضا على أحد، فالمرء منـَّا إمَّا أن يتـَّعِظ أو لا وهذا شأن البدو والحضر، يؤكد المجني عليه حديثه بالقول: مازلت كما أنت تعبث بالنار... تـُخَبـِّئُها، أي النار، تحت جفنيك... تنزف دما ً مشبعا بالأسئلة ولذا أراد المجني عليه إقحام الأسئلة والإستغناء عن الدم ليستعمله ـ مبالغة ـ فيما بعد قائلا: مابين التراب والدم! سُجِّل ذلك الحديث على قرص ذهبي جائزة أولى للمجني عليه وأرسلناها الى الأمم المتحدة ولم نستلم أي جواب بعد، حيث أن الأمم المتحدة مشغولة بمشاغل جمَّى منها تهريب الأسلة والمخدرات الى شرق الأرض ومغاربها من دول العالم الثالث والرابع والخامس....والى ماشاء أحدهم. ثم أنَّ الأمم المتحدة وبأعضائها الخمس الدائمين وبواسطة حق الفيتو تستطيع أن ترفض كل ماتريد وتأخذ بكل ماتريد على أن يكون ذلك متفقا مع ما يأمر به رعاة البقر والمعيز واليهود المتطرفة والغير المتطرفة الباقية أبدا رغم أنف العرب البدو المهرجين بدمدمات طبولهم الخرقاء!
أين هم أترابك؟/لا ظلال لهم على خطوط كفـّيـك/ حين تمضي بين ضجيج الجموع/ وأنت تعُضُّ الكلمات/ مابين رأسك/ والفم المغلق./ هناك ضاعوا/ تزحلقوا/ على مرمر الأجساد بلا شمس/ غيَّروا فوق الموائد اللامعة/ حروف أبجديتهم/ لادمع/ لا حزن/ لا تفكير/ لا تغيير/ لا صوت/ لا صمت/ لا نار/ لا ثأر/ لا شِعر/ لا حقد/ لا موت/لا/ لا/ لا/..... لن تفرغ أبواق الشقاء من العزف/ تحت الأظافر/ حتى تنخلع/ ليعود الأزيز يوائم النحيب/ وأنا مازلتُ أعبث بالنار/ أخبئها تحت جفنيّ/ تنزف أسئلة./ رأسي يقذف بي/ أتتبع أثر الصوت/ خلف رنين الدمع/ واكتئاب الظفر النابت/ في سقف سماء الروح.
الأتراب: هي من المال والولـْد وما يملك المرء من ذلك من أيٍّ مما له صلة وقرابة وتملك. والسؤال بـ "أين" تشير الى فقدان ما له المرء من رهط  ومال وغيره، فهم الآن لا وجود لهم وبالذات على خطوط كفيك، أي: ما بانَ وظهرَ من قدر في تلك الخطوط المرسومة من قبل على راحة يدك. قال أحدهم إنـِّي دائما ً وحدي، أعاني الوحدة، معزول وكأنني بعيرٌ مُعَبـَّدٌ! أي مريض بالجرب أو غيره وقد عُولجتُ بالنـِّفط ـ القطران وهو كثير عندنا! ولذلك عُزِلـْتُ وبقيتُ وحيدا ً! أجاب الآخرـ وكان من المثاليين ـ نحن لسنا وحيدين أبدا ً! نحن دائما ً ممتلِؤون بالآخرين أينما وجدنا زمانا ً ومكانا ً، فلا تحكي لي عن الوحدة!
المضيئ  بين الجموع عاضا ً على الكلمات مابين الفكر ـ الرأس والفم المغلق الذي لا يريد البوح عمَّا به. هناك ضاعوا ـ هم أترابك ـ تزحلقو على مرمر  الأجساد الأملس المبلل بلا روح
ـ الشمس ـ وقد غيروا، أبدلوا، فوق الموائد اللامعة أدوات الأكل: الملاعق والشُّوَك والسكاكين والأقداح والصحون ومناديل مسح شفاههم وتنظيفها مما يعلق بها من "الزنخ" وهي أيضا أبجديتهم التي كانوا يستعملوها للكلام بالغيبة والنميمة وأحاديث الأولين وما كان وما صار من الطوائف وملوكهم وأمرائهم...إلخ. لا: نافية للجنس دمعَ/حزنَ/ صوتَ/ صمتَ/ نارَ/ ثأرَ/ شِعرَ/ حِقدَ/ موتَ. أمَّا "غير" فهي إسم فاعل صفة أو مشبَّهة بالصفة تعمل عمل الإبدال أو التأكيد كقولك: عندي قلم غيره، وما رأيتُ غيرَ رجلٍ في الجامع وأملك غيرَ ناقةٍ، أي الكثير منها. أمَّا الـ"تغيير" فهي مصدر والمصادر أسماء والأسما هي جنس! ولذلك استخدمها المجني عليه كباقي الأسماء ونفاها بـ"لا"
وأسعفَ النفي بالتوكيد على عدم الإنتهاء من عزفها "أبواق الشقاء"، ـ كان المجني عليه قد أخبر المسؤولين عن وقوع انفجار في سيارة ملغمة بالقنابل وكانت تلك السيارة متجهة الى مصر حاملة شتى البضائع من عطور وتوابل وحرير وعبيد وغيرهم وكانوا قد أرسلوا واردهم "وَجَاءَتْ سَيـَّارَةٌ فـَاَرْسَلـُوا وَارِدَهُمْ فـَاَدْلـَى دَلـْوَهُ قـَالَ يَا بُشْرَى هٰذا غـُلـَـٰمٌ وَأَسَرُّهُ بـِضَـٰاعَة ً وَاللهُ عَلِيمٌ بـِمَا يَعْمَلـُونَ" سورة يوسف 12 الآية19ـ،هنا لم تكن بشرى بالخير بل بالفجيعة! وأن الأشياء ستبقى على ما هي حتى تـُنزع وتـُخلع الأظافر ليعود الأزيز والنحيب الى الوِئام والإتحاد والإختلاط والتشابه. أبدل المُدَّعَى عليه والمَجْنِي عليه في نفس الوقت الـ"أنتَ" بالـ"أنا" وبات يعبث بالنار ويخبئها تحت جفنيه وهي تنزف أسئلة ورأسه يقذفُ به بعيدا بعد أن أُطِيحَ مقطوعا ً بمقصلة العربي الذي اشتراها من أحد الفرنسيين إبان الثورة الفرنسية إيَّاها، وهي ككل الثورات تزيد الغِرْيَنَ بَلـَّة ً، واستمرَّ بتتبع الصوت خلف رنين الدموع! والدموع لا ترنُّ إلا َّ أن تسقط قطراتها على "صفيحة" ومن ثم أن الظفر يكتئب فهذا أيضا وارد عند المثاليين ولأنه سوف لن ينبت مرَّة ً أخرى على ظهر السلا ّمية الأخيرة من الأصبع من جهة  ظهراليد، بل سينبت وينمو في سقف سماء الروح، بأعلى ما يصل إليه الألم والشقاء!
تعبتُ! سأذهب الى مكتبي أحتسي قهوة أخراى وأدخن سيجارة ولكن سوف لن ابقى الى ساعة انتهاء الدوام بل سوف أعود الى قاعة التشريح وأنهي عملي لهذا اليوم ومن ثم أعود الى البيت.
مسكون بالنار/ منفي من أضلاع النهر/ أشق طريقي خطأ ً/ أكثر من مرة.
ها أنا في قاعة التشريح! سأبدأ كما بدأتُ من التكوين الأول: من قبل لم يكن غير الا َّشيئ والفوضى والخُواء ثم فصل الله الضوء عن الظلام وخلق الأرض والسماء والكواكب والنجوم وكل يجري بحسبان وخلق الإنس والجان وكل ما فيها وعليها ثم استوى على العرش وكان عرشه على الماء يحمله ثمانية، سبحان ذو العرش العظيم.
هو مسكون ـ مفعول به ـ بالجن أو بالنار أو بأيِّ شيئ كان فهو لم يعد ملك نفسه ولم تعد له أيَّة سيطرة على فعله؛ منفيٌّ من أضلاع النهر ـ هذا إقحام فيه مزيد من التشابك والإمتزاج الروحي والجسدي مابين النهر والمجني عليه وهو يشق طريقه خطأ ً  ولِأكثر من مرَّةٍ وهذا يُعني أنَّ الخطاء لايزال يكبر ويصبح أكثر شموخا. هاهي الجروح شامخة في جسد المجني عليه!
إختنقت برائتنا/ حين تلكأت في النغم/ فوق التراب/ وتثلمت مفاتيح الموائمة/ في بركة الفولاذ.
إختناق البراءة مرَّة أخرى والسبب هي الأخطاء الشامخة والتي تلكأت وتعثرت بالنغم الآتي من ابواق الشقاء وسقطت على التراب وتثلمت مفاتيح الوئام في بركة الفولاذ إيَّاها. هذا كل شيئ.
ها أنت لم تتعظ/ مازلت تعبث بالنار/ تحت جفنيك/ فلا تـُخَمِّنْ رجوع الصوت/ والصورة تدحرجت/ بين التراب والدم/ والغيم يرتمي على كتفيك/ بلا رائحة./ هل فرغت أبواق الشقاء/ أم تلكأت في النغم؟
"أنت" بدلا من "أنا" وذلك للتناوب والتوالي والتوازي والضرب والجمع والطرح والتقسيم على مساحاتٍ من الصفائح والعناقيد والفصول النائمة وحسب شهوات من يقسم المساحات والجروح. لم تتعظ ...وأعادة القفل كما يسمى في القصيدة الأندلسية وفي الموشح: المفتاح والقفل. أي أعادة البيت الذي بدأ به الشاعر ـ المغني الجوال ـ الصعلوك. لا تخمِّن، لا تظن، لا تفكر بأن يرجع الصوت فالصورة تدحرجت دون ضجة بين التراب والدم. مهما يكن من أمر فالغيم على كتفيك بلا زناخة ولا رائحة والسؤال يطرح نفسه هل فرغت أم ستفرغ أبواق الشقاء من العزف أم هي تتلكأ بالنغم وماهو هذا النغم؟
لا لي ولا عليه هذا المجني عليه! خذوه الى غرفة الإنعاش والعناية المركزة، فلربما يستعيد الأنفاس وينهض ليعيد نفس الأخطاء ، حينها ستكون أكثر شموخا ً!
من كل هذا التشريح والتحليل والإستنتاج نجد أن الحالة التي يعاني منها المجني عليه هي: بين جرحين: الأول هو الواقعية الجديدة والتي تعكس الرمزية ــ الوجودية التي تعطي لونا أحمرا مائلا الى البنفسجية السوداوية وبذلك تودي بنا الى الجرح الثاني: المثالية الرومانسية الجديدة مابين كلاسيكية متضخمة الكبد وانسداد في شرايين القلب والدم المتخثر دلالة على المكوث طويلا على "دكَّة" الإنتظار وذاك ما يعطي تبريرا كاملا للهلوثة والهذيان الذي يجمع الموضوع وما يخالفه من الصفات الغير مناسبة واللاموافقة للموضوع نفسه! المزج بين مأساة الواقع الرهيب ومعانات الإرتباك والموقف الغير الثابت وبالذات على الـ "غرين" وغيره والمثالية التي تريد الخلاص من حالة التأزم المستمرة بعد إصابة المجني عليه بإلتهابات مضاعفة نتجت عن الضرب والتجريح الجسدي المادي والمعنوي. كل ذلك يُعلل عدم تجاوب المجني عليه مع الأسئلة التي تتهمه بأنـَّه هو الجاني الأول على نفسه وعلى المدعو "بولص آدم"  المذكور أعلاه. إنتهيت من هذا العمل في الساعة الواحدة و24 دقيقة و16 ثانية من صباح يوم الأربعاء  من الأول من ذي الحجة لسنة 1433 للهجرة والمصادف الـ17 من اكتوبر لسنة 2012 للميلاد .



                     رفـــــــــــــــــات القطيـــــــــــــــــــعة

تشــَّتَ الغيابُ/ محتميا ً بلعنةِ أخطاءٍ مقدسة./ مُنصتا ً، تدور الرؤوس/ في شراكة أقدار ٍ مؤجلةٍ من ظلمةِ هواء/ الى مذاق الغار/ في جمجمتي/ ودويٌّ/ يستحوذ على مقعد انتظاري.
الإعراب: الغياب، مبتدإ مؤخرـ فاعل، تشتت: فعل ماضي خبر مقدم. محتميا ً، منصتا ً: تمييز منصوب. بلعنة ... مقدسة: صفات متناقضة لـ أخطاء.الرؤوس: مبتدأ مؤخر. تدور: خبر. في شراكة أقدار مؤجلة: جار وجرور، مضاف ومضاف إليه خبر أول، ضرف زمان. من ظلمة هواء: جار ومجرور، مضاف ومضاف إليه خبر ثاني، ضرف مكان. الى مذاق الغار في جمجمتي: جار ومجرور، مضاف ومضاف إليه خبر ثالث، ضرف مكان. دويٌّ: فاعل مرفوع. على مقعد انتظاري: جار ومجرور، مضاف ومضاف إليه مفعول به. إنتهى تشريح هذه الجهة من جسد المجني عليه. الغياب، لعنة اخطاء مقدسة، الرؤوس، مذاق الغار في جمجمتي، مقعد إنتظاري هي الجروح الأكثر خطورة وألما ً ومذاق ورقة الغار مُرة ولكنَّ نكهتها ورائحتها عذبة وحلوة. أما (٠٠ ؏؎ الغار؎٠٠؏) فهو تاج الأدباء والشعراء والحكماء في العالم الإغريقي والروماني القديم وكان رمزا للعظمة والإجلال والتقدير والإحترام، أما الأن فكثيرا ما يُستعمل كرمز للنصر والحصول على ملايين الدولارات في سباق سيارات الـ: فورموله أونو" ومؤخرا أيضا في المملكة العربية السعودية في سباق السيارات وغيرها من قِبـَلِ المُحْبَطين وقليلي العقل وعديمي الذوق السليم من الحيوانات من ذوات الإثنين والأربع على السواء، والذين قد نسوا لغتهم العربية الفصحى وأدخلوا تعابير مثل "أكشن" وغيرها ممن ينطق بها المرتزقة ورعاة البقر والمعيز! 
ربما تسقط صورتي من غير اعترافي/  ربما فخ السكوت لا يخصني/ ربما نكهة هباءٍ تخرج من تفاصيل حكمتي/ ربما مواخير الفراغ تمهلني/ ربما.
ربما[16] تفيد الإحتمال ـ الشك ـ لوقوع الفعل وما يأتي بعدها عادة هو فعل مُتـَعَدٍّ. ربما تسقط ، ربما ...يخصني، ربما...تخرج، ربما... تمهلني، ربما. في السطر الاول من المقطع كان المجني عليه لايزال في وعيه ولكن لتكاثر وقع الضرب والجروح الناتجة بدأ يفقد وعيه شيئا فشيئا واختلطت عليه التعابير فقدَّمَ وأخـَّر في الكلام وكأنـَّه يستمر بهذيانه كما كان يفعل من قبل والتقديم والتأخير في اللغة العربية هو من أهم صفات الخطابة والبلاغة والشاعرية فيها فما بالنا والشاعر تحت هذا الزخم من الالم والحزن والمأساة التي تودي به الى حالة من تضور وأنين  وتصور متخذا التأنق في هندامه الغير الإعتيادي الواقع في مثالية ـ رومانسية ـ وجودية تتخذ من اللا منطق مأوىً تحتمي به . فالقطيعة تعبير صادق أكثر وقعا ً من الحصار والحصار عادة مايكون لشيئ محصَّن مثل القلاع وغيرها ولكن القطيعة هي عدم الإستمرار بالتواصل وقطعه معنويا وماديا وإن كانت هناك فجوة خالية من أي دفاع أو مواجهة! فالجوع والعطش يسببان الهذيان والغيبوبة ومن ذلك تصعد الى سطح الروئ الظواهر والعوارض الأخرى التي تعرِّف بموضع الألم والنزيف الرُّعافي! فالمجني عليه يتشكك في أن تسقط صورته ـ هويته، يشك في أن هناك فخ من السكوت وهو لا علاقة له بهِ، يشك بنكهة هباء:ـ لاشيئ ، تخرج من ذاك الذي يسميه تفاصيل حكمته؟ والمواخير هي: أماكن الدعارة والخمارين والفسق من إسم المكان: ماخور، وهي الاواخر؛ والفراغ حجم وشكل ومضمون له هيئة وكينونة، كل هذا ينتهي بـ ..............ربما؟؟!!
هل سأبقى أراوغ المأسورة مستيقضا/ كلما ألصقتني الخرائط على تقاويمَ ضريرة/ كم ودَّعتني جهات في جمرها/ تتلو عليّ صلابة دهشتي وأنا ماض في وحشتي وتقلبي/ بين ما أروي ولا أروي/ منصتا للذعر المخبأ/ تحت جلدي.
بعد الشك بـ"ربما" يأتي السؤال بـ"هل وكم". المجني عليه يتساءل هل هو مُجْبَرٌ على أن يبقى يقضا ً كي يراوغ ويراود الـ"هي" ومن هي؟ هل هي روحه التي بقيت أسيرة جسده المتورم من الضرب والمرقط  بالجروح مثل " الأزقة"؟ أم هي... تلك التي كانت ...؟ كلما تفيد التخصص والتعدد في وقوع الفعل أي: في كل مرَّة ...كذا وكذا من وقوع الفعل. خرائط الجروح هي التي ألصقتِ المجني عليه على الطاولة المضطربة إياها! والطاولة المضطربة ليست إلا تواريخَ وتقاويمَ ضريرة وليست بصيرة، عمياء عمياء! كم ـ هي ـ ؟ ودَّعتني، الجهات هي التي ودَّعته؟ وهي تتلو عليه صلابة وقوة صبره ـ دهشته... من ماذا؟ وهو ماض ٍ في وحدته ـ وحشته وتقلـُّبه مثل الحرباء؟! وهو يذوي هناك بين ما يرويه ولا يرويه منصتا ً ـ خائفا، ملفـَّعا بكثير من الخوف وهو الذعر المخبـَّأ في جراحه وتحت جلده! سوف لن أكمل العمل اليوم... سأتوقف هنا؛ خذ المِشرَط وساعدني على نزع قميصي الملطخ بالتجاعيد وروائح الغم والنكد! سأكون في مكتبي، لا تـُمْرِرْ أيَّ مكالمة، لا أريد أن يزعجني أحد!
في مكتبي وبينما أنا أدخن سيجارتي الواحدة بعد العشرين وأكرع القليل من القهوة المرَّة كالعلقم، ها أنا لا أزال أفكر في شثتات المجني عليه وهو منسدح على الطاولة المضطربة! ترى أما زال هناك يحتسي من فخ سكوته؟!....
كيف أبدو هذا الصباح/ في حوزة العابسين/ على نكهة السماء/ بصحبة المحذوف من أيامي؟...
أغادر الأشجار والأنهار/ فمن يبكي نيابة عني/ ويحذف التسابق للحرق/ بعد موت الأتراب/ في فخ السكوت.
ها أنا من جديد في صالة التشريح وقد تهيأت تماما لإكمال العمل الذي قمت به. المجني عليه وهو مطـَّرِحٌ أمسك بيدي وسحبني ببطء وهمس في أذني: كيف أبدو هذا الصباح؟ لم أفهم ما قال حيث أنَّ صوته كان خافتا مبحوحا وسحنة وجهه شاحبة صفراء لكثرة ما فقد من الدماء، لكنَّ أحد مُساعديِّ قال إنه ومنذ الصباح الباكر كان يردد ما قاله لك الآن ياحضرة الطبيب الشرعي! قلت أو فهمتَ ما كان يردد؟ قال: نعم هو يقول: كيف أبدوا هذا الصباح؟ وماذا بعد؟ لم أفهم ما قال! لنرى من خلال جروحه! الجرح الأول يتحدث عن أنـَّه أسيرا في قبضـ...ـة، لا أفهم!...حو...ز..ة...حوزة، نعم، العابسين... العابسين؟ أهم ممن عَبَسَ وتولـَّى؟ أم من غيرهم؟ والعبوس يدل على الغضب والتشاؤم والكراهية وما الى ذلك من الأحاسيس السلبية في ذاتها والإيجابية في ردِّ الفعل لحالة الألم والمأساة والحزن العميق. ثم هو يهذي قائلا: نكهة السماء؟! وهو يعيش مع ما قد حُذِفَ من أيامه فهل معنى هذا أنه يعيش الماضي؟ نعم فالماضي هو الحقيقة الواقعة وهو من الواقعيين المحكوم عليهم من اليسار الملعون! الجرح الأخر يتحدث عن أشجار وأنهار... أصغ ِ..إنـَّه يهمس بكلمات أخرى...يسأل: فمن يبكي نيابة عني؟ كان قد اوصى من قبل المختلين أن يحلموا نيابة عنه وها هو الآن يبحث عمَّنْ يبكي بدلا منه؟! ياله من جشع طمَّاع لا يكف عن السؤال والطلب، يريد أيضا أن يحذف التسابق وموعد الحرق بعد أن ماتت أترابه في ذلك الفخ الرهيب فخ السكوت!
رفات القطيعة موكَّدٌ/ بين الجنازة والطريق./ آثامي تدور بعناية حولي/ تطرق ظلا ًّ من زهرتي/ لتنفلت اخطائي.
رفاتُ القطيعةِ: مضاف ومضاف إليه مبتدأ وموكّدٌ: خبر وهي وصلت في النص مكتوبة كما أعلاه وهي بالأصل مُؤكّدٌ وأصل الواو المهموزة ألف همزة من أكَدَ أو واواً من وَكَدَ والمعنى هو الأكيد والتوكيد لا خلاف به أي أنَّ الرفات هي بالفعل متواجدة بين مسيرة الجنازة والطريق أي أن من يسير في تلك الجنازة يعلم حق العلم من أن الرفات موجودة في النعش المحمول من قبل آخرين لانعلم عددهم هل هم ستة أم سبعة أم ثمانية أم تسعة؟! العدد غير معروف مثل عدد أهل الكهف! آثامه تدور حوله: الجملة واضحة حيث أن الآثام هي مخلوقة من افعال الجسم والروح على السواء وهي تترائى كما الأشباح. أما أنها تدور بـ"عناية" فهذا ما لا يتصوره العقل الواقعي بل المثالي والسبب هو أنـَّه واقعيا لا أمكانية لا لرؤية الآثام ولا أن تدور بعناية. أما مثاليا ً ورومانسيا ً فهي مرئية ومتواجدة والعناية ليست العناية الإلهية بل عناية التدريب والتعلم في الدوار على يد أستاذ فنان ربما هو مخرج أو كما يسمى بلغة السينما والمسرح " كوريوغرفو" أي مصمم المنظر السينمائي والمسرحي في ملهاة أو مأساة ما. والدوار بعناية يخلق أجواءً رتيبة ومتولية الحركة نفسها مُحدثة وخالقة تلك الأجواء التي تسحر وتأخذ بلب من يراها وهو منظر جنازة تسير ببطء وبخطوات وتيرة لا زيادة فيها ولا نقصان، لا تأخر فيها ولا تقدم. لنتصور المغني الجوال ـ الصعلوك ـ الشاعر وهو يسير في تلك الجنازة بنفس تلك الخطوات وهو حاني الرأس يحمل زهرة بيده وآثامه تدور حوله بتلك العناية والرتابة بحيث تلمس ـ تطرق ظلا ً من زهرته ـ واقعيا ـ ليس معقولا ً وـ مثاليا ً تعقل كما نعقل بأن الله َموجودٌ! وهذه اللمسة ـ الطرقة هي التي ستـُفلِتُ أخطاءه؟ الإثم ـ الذنب هم اخطاء ولكن ليس كل خطأٍ ذنبا ً أو إثما ً! ولكن الأخطاء عندما تصبح شامخة فإنه يمكن أن تتحول الى آثام وذنوب!
لا شمس تـُطعم أجفان ذاك المنتحر/ لا وقت للرثاء/ ولا رثاء للوقت./ الأفضل من هذا:/ أن ينحني الإعتراف/ لِإستدراج الأقنعة/ في سيرة السّطو على المدن القاحلة/ كلما زجني كساد الكلمة/ على جسد مرغه الإدعاء.
لا النافية للجنس من جديد تبدأ سرد الاحداث المتاخمة للتي قبلها. شمسَ: منفية بـ"لا" وطعام الشمس هو الحياة ومن كان قد انتحر أو أنه مات بطريقة أو أخرى فمن المستحيل أن تكون له شمس لتمنحه طعام الحياة. والأجفان وإن تبللت بالدمع أو بيباس الموت هي التي تستقبل هدية الطعام ـ الحياة من الشمس ولكن والحالة هذه فإنَّ الأشياء ستبقى بذات الشكل والمحتوى والصورة: الميت ـ المنتحر. لا من جديد نافية للجنس في الحالتين: الوقت والرثاء. الوقت في الأولى يخدم إمكانية الرثاء والعكس صحيح. والأفضل من هذا ـ حسب قول الصعلوك ـ المغني الجوال ـ الشاعر أن يُعْرِبَ الإعتراف عن طاعته وتنازله وخضوعه بالإنحناء، كي يستطيع إسترجاع الأقنعة التي تخفي حقيقة الأشياء كما هي وتعطي صورة خادعة كي تخلص المدن القاحلة من سيرة السطو والعبودية. كلما: هي صيغة رُبَّما وغيرها التي مرَّت من قبل أما كساد الكلمة فهي جديدة! الكساد هو عدم صلاحية الشيئ المعني بوجوده أو استعماله، أي أنـَّه قد تغيرت حاله من الصلاحية الى غير الصلاحية. وعندما تكسد الكلمة أي تفسد ولا تصلح للإستعمال في التعبير فإنه من الأجدر بنا أن نتركها ونتخذ الصمت ملاذا ً لنا. فالكلمة تفسخت وتحولت الى مخاليق أخرى ربما هي الديدان أو غيرها لأنها تتواجد على جسد مُمَرَّغ بالتراب أو الغِرْيَن أو الطين وهذا واقعي أمّا المثالي فهو أن الجسد يتمرغ بالإدعاء وإذا كان الجسد يتمرغ بالإدعاء فمعنى ذلك ـ مثاليا ً ـ أن الإدعاء هو طين أوتراب أوغرين يتمرغ الجسد به. الجروح لا تزال كثيرة ومن الصعب الإلمام بها كلها، ولكن سأحاول أن أُرَتـِّقَ ما أستطيع منها وأجري من بعد ذلك عملية تجميل ليكون الصعلوك أكثر قبولا عندما سيمتثل أمام الجمهور على خشبة كان قد أفسدها أحدهم من قبل وينحني تحت شفرة المقصلة التي اشتراها العربي من "روبيسبير"! فالإدعاء جريمة لا تغتفر وحكمها الإعدام. والمختلين كلهم من المدَّعين والحكم على كل الإنسانية هو الموت!
هي القطيعة تحبس الطريق/ عن الجنازة،/ وكأن لا سبيل للخروج من رعشة النهاية./ منصتا للذعر تحت جلدي/ أتتبع آثار الإنتحار في جنة اعماقي.
القطيعة ـ الحصار، تمنع الطريق، تحبسه واضعة السدود والمتاريس أمام مرور الجنازة. كأنَّ من أخوات إنَّ وأنَّ التي إستخدمها الصعلوك ـ الشاعر لتشبيه المستحيل أو شبه المستحيل للخروج من تلك الرعشة الصامتة للموت والتي لا تريد استخدام الكلمة الكاسدة، المتفسخة في التعبير عن وجودها. منصتا ً... مَنْ؟ هو! أم أنا!؟ هي الـ "أنا"، أنا أُنـْصِتُ للذعر الذي يكمن تحت جلدي والذي يزرع القشعريرة والرجفة بي وأنا أتتبع الإنتحار أي تائقا ً للإنتحار؟ في أعماقي فيها نوعا من الواقعية المبتذلة أمّا في جنة أعماقي فهي مثالية ذات أنفة وكبرياء فالجنة ملاذ مستحب وإن كانت خالية حتى من جذوة نار للتدفـُّئ عليها!
الأكاذيب شامخة/ تنهش الضوء المطمئن/ على وجه ارتيابي/ تمد فلولا ً من طلقات يائسةٍ/ في سماء زقورة فاسقة.
الأكاذيب عندما تصبح شامخة كالأخطاء فهي من الممكن أن تتحول الى آثام وخطايا والأكاذيب عدوة للحقيقة والضوء واقع وحقيقة وهو لا يتأثر بوجه الإرتياب أو ارتياب الوجه، والأكاذيب تمدُّ فلولا ـ جماعات من الطلقات اليائسة والحزينة وهي لا ترد من هو في النعش ولكن تـُذكِّرُ به " ربما تلك الطلقات التي ترميها جوقة من الجنود وهم يرتدون البزة العسكرية الأنيقة أثناء تشييع جنازة أحد رفاقهم" وهنا لم يحكِ الصعلوك ـ الشاعر عن أبواق الشقاء، ربما لم تكن موجودة أثناء تشيع الجنازة لتواجد القطيعة!تلك الطلقات تدَوِّي في سماء زقـُّورة "هي معبد" كما أن الأهرام هي قبور. الزقورة فاسدة وكاسدة لأنَّ سدنتها هم الفاسدون الفاسقون الفائزون! أمّا بولص آدم فهو لا يزال في موكب الجنازة ينتظر فتح الطريق بإزالة العقبات والمتاريس عنها!
ربما يغتسل الحمام فيها قبل وصول المقبرة./ ربما تصحوا رمالا ً بعد حين/ ربما جنازة/ ربما مقبرة.
هي...مَنْ؟ السماء، الطلقات، الزقورة...مَنْ؟؟ ربما الجنازة سيغتسل فيها الحمام قبل الوصول الى المقبرة. ربما تصحوا ... الحمام؟ رمالا بعد حين؟ ربما جنازة...ربما مقبرة؟
على كل قبر من القبور يُكتـَبُ إسم المدفون تـَحْتـَاهُ وتاريخ الولادة والوفاة وآيةً تهتف ببقاء المحي والمميت وخلوده، مهما تكن عقيدة وإيمان من هو في تلك الزنزانة الضَّيـِّقةِ وتحت التراب، ولكن لا يُكتـَبُ السبب ولا أي معلومة أخرى تفيد بأي شيئ: عن سبب موت من ينام تحت ذلك التراب وما الطريقة التي مات بها ولمن كان قد أعطى حياته ثمناً وفدية ً؟!
القصيدة كلها إذا لم تكن المجموعة برمتها تمثل ذلك السقوط الحضاري ـ المثالي في التعامل مع الكثير من المبادئ والحيثيات المتناقضة أو المتوائمة في بعض الأحيان بصفات هشة وغير ثابتة.
ربما كان من اختيار الشاعر لهذا الأسلوب السردي أحيانا والمترادف والمتناقض أحيانا أخرى في التعامل مع تلك الكمية الهائلة شكلا وحجما والغير المحتملة من الأحاسيس والشعور في حالات من المستحيل تقمصها إلا َّ إذا كان الرجل بذاته هو المعني والموضوع الأول والممثل البطل في هذه الملحمة المثالية والتي تستخلص مواضيعها من واقع مأساوي طالما عاناه الإنسان في تجربته الحياتية وسفره على هذا الكوكب المختل والذي أصبح كذلك بتأثير الرجل المتواجد عليه، بتأثير الأخطاء الشامخة والآثام والذنوب التي تمثل وتجسد وجوده المضطرب على طاولة مضطربة مفعومة بالأحاسيس والمشاعر الدرامية والمأسوية حتى في أوج اللحظات السعيدة اللاهية في ملهات لاتلبس إلا َّ ثوب الحداد الأسود الأنيق أناقة الصعلوك ـ المغني الجوال ـ الشاعر ـ المختل![17]


                           اعتـــــــراف مُتـَـغـَضِّـــــن
الإعتراف: مصدر، إسم. مُتـَغـَضِّن:  إسم فعل من الفعل غضن: الغـُضْنُ والغـَضَنُ: التكسر في الجلد والثوب والدرع وغيرها...والغضن العناء والمعانات وإطالتها...وغـَضَنـَه: حبسه...[18]. والإعتراف المتغضن هو المتكسر والمتجعد والمتقطع والعابس العين والوجه والجبهة المتجعدة بسبب التشكك والغضب والمعانات! كلمة: عنوان، بصيغة عامة هي دلالة على تحديد مكان وزمان المعنون. وعنوان البيت والبريد والقصيدة والقصة وما أشبه يعطينا تحديدا لزمان ومكان ونوع وخصوصية المعنون وعنوان هذه القصيدة يعطينا شبه زمان ومكان ومحتوى ونوعية القصيدة وليس حقيقة ماتقع عليه من محتوى وشكل ومضمون مختفي وراء المعاني الظاهرة وبين الكلمات وما جاورها من "تغضُّن" وتكسر وتشعب في وحدتها العضوية. كل ذلك ينطبق على عنوان المجموعة كلها والقصائد التي تكونها.
كم يؤسفني أن لا يصلح هذا الوجه إلا  َّ لقرع طبول الأعذار/ كم يلزمني من وقت حتى أخدش سماء النـّقر؟/ كم أتحصن بين مكائد نـُبلي حتى يُصبح كل رنين الأبواق رميم
وأمحو تأريخا يصطادُ نواميس الماء من إيقاع النار./سألتـُكِ أن لا تبكي.. حين الضوضاء تمدُّ  بساطا من ودّ/ بين الخردلِ والشفتين.
بداية أول جرح ـ سطر ـ بيت، من هذا المقطع والطرف العضوي، هو السؤال عن الكمية وعدد المرات: من الأسف، مِنْ أن هذا الوجه؟ وجه مَنْ، الشاعر ـ الصعلوك؟ أم مَنْ؟ هذا ما أسميه شبه الحقيقة أو ظلها ! هذا الوجه لا يصلح إلا َّ لقرع الطبول وأيـَّة طبول؟ إنـَّها طبول الإعتذار! والإعتذار مِمَّنْ؟ وكم من الوقت يلزم الصعلوك ـ الشاعر ـ المغني الذي لايزال في تجواله أن يخدش سماء النقر؟ وما هي وما ترتيب عددها هذه السماء من السموات السّبع؟[19] ومرَّة ً أخرى كم أتحصن... وما مكائد النبل هذه؟ أهي مكائد فعلا ؟ والنبل إذا اتصف بالمكيدة فهل سيبقى نبلا أم سيتغير الى شيئ آخر؟ والتحصن هذا من صدى ورنين الأبواق؟ أهي أبواق الشقاء؟ وهل يتحول الرنين الى رميم؟ إنَّ من أحد خصاص الشعر الحديث المعاصر للقرنين الماضيين من الشرق والغرب عامة، هو إلـْصاق الصفات بالمواضيع التي لا ترادفها أو تطابقها " وَضَرَبَ لـَنـَا مَثـَلا ً وَنـَسِيَ خـَلـْقـَهُ قـَالَ مَنْ يُحْيـِي العِظـَٰـامَ وَهْيَ رَمِيمٌ..." سورة يـٰـس 36 ـ الآية 78؛ هنا وكأننا نعاني من جديد ثقل وألم البحث عن مخرج آخر للتعبير عن يومنا هذا دون العودة الى تقليد الأولين والتجديد له خصائص كثيرة منها السلبية ومنها الإيجابية، منها ما يحذو حذو السطحية والرقاعة ويمزجهما بعظمة البساطة ورونقها الرجراج ومنها ما يتجه الى التعقيد الفارغ ذي الطريق العقيم المسدود والذي ينتهي لقتل نفسه لحظة ولادته ويخلطه بالعمق البلاغي ذو الرصانة بترابط المفردات وتناقضها معطيا دلالة صادقة تبعث في العقل والوجدان والروح عظمة الصورة المحكمة الترابط وذات الثقل الرزين في التعبير عن حالة مأساوية حقيقية ـ مثالية. في حالة اللاوعي والهذيان المصطنع نجدنا نواجه معظم ما يكتبه شعراء العصر الحديث وقد سقطوا في نوع السطحية والتعقيد الفارغ بدلا من البساطة وعظمتها والعمق البلاغي الرزين!
باعتقادي أن الشاعر ـ الصعلوك في هذيانه غير المصطنع قد سيطرت عليه ذهنيا وبصيغة لا إرادية صفتين تنتهيان بحرفين متقاربين باللفظ من الناحية الموسيقية، فالنون والميم هما حرفان ذا صوت أنفي الأول صادح ومفتوح والثاني مكتوم ومغلق ولكنه ذو صدى مخنوق وهو حرف الميم: الرنين بالنون الصائتة يعبر عن تردد الصوت والصوت مادة وجزيئات تسافر في الفضا وتبدأ إنطلاقها من موضع لتصل الى موضع آخر؛ أمَّا الرميم  بالميم  الأنفية المخنوقة فهي مادة واقفة لا تتحرك وتحركها مهما يكن فهو لا يزيد عن تحول مادتها من حال الى أخر من الشكل الصلب القوي المتماسك الى الشكل الهش المتناثر. العظام الى رميم والرنين الى رميم، موسيقية الحرفين النهائيين الأول هو حرف صائت صادح أنفي والثاني هو حرف صامت مكتوم ومخنوق ولكنه أنفي أيضا. الرنين يدل على وجود الشيئ وتردده وتواليه وتحركه من موضع الى آخر والرميم يدل على بقاء ذلك الوجود على ركوده وخموده وتحوله من حالة الى أخرى وهي الفناء. الشاعر لا إراديا عبر عن صورة بسيطة وعظيمة الرونق وعميقة الدلالة ورزينة المأساة.[20] وأمحو، الواو عطف على "كم" للسؤال، إذن فهي وصل وامتداد لما قبلها. محو التأريخ شيئ صعب إذا لم يكن مستحيل، على عكس كتابة التأريخ فهو سهل جدا! التأريخ يصطاد نواميس المياه![21] أنا لا أدري هنا مايقصده الشاعر ـ المغني الجوال بـ"النواميس" فهل هي البعوض أم أن المعنى المراد هو شيئ آخر؟ ولنفرض أن المعنى المقصود هو البعوض  والتاريخ يصطاد هذا البعوض من إيقاع النار به أم الأيقاع الموسيقي للنار؟ هناك مشكلة عويصة ويجب أن أسأل الشاعر ـ الصعلوك عنها؟!! بعد حديث سريع مع الصعلوك ـ الشاعر إتضح لي من أن النواميس هي الوباء أو الآثام والخطايا التي تـُطهر بالنار لتخلص طهارة الماء من ذاك النـَّجَس. في نفس المقطع وكأنَّ الصعلوك يتوقف عن هذيانه وغيابه في تلك العوالم البعيدة، يعود ليسأل ويطلب منها أللا َّ تبكي! مَنْ هي؟ أللا َّ تبكي حين الضوضاء التي تمتد بساطا من وِدٍّ، والود هو نوع من الحب والشعور بالصداقة والإلفة! بين الخردل والشفتين! والخردل هل هو النبتة ذات الحبوب السوداء  التي لها طعم لاذع ؟ فإذا كان كذلك فالمعنى يتحدد بأنَّ الشفتين يلذعها طعم الخردل! وما علاقة الضوضاء التي تمتد بساطا بين ...؟ من الخردل تـُصنَعُ سموم القنابل للقتل والتمزيق والإبادة الجماعية! هذه العلاقة الغريبة التي تبدو لأوَّل وهلة ولكنها علاقة مأسوية تحاول أن تصف ولكن تخفي وصفها خلف برقع شفاف وهو برقع "مايا". هي علاقة مابين : أنا ـ التأريخ ـ النواميس ـ الماء ـ الضوضاء ـ الخردل ـ الشفتين. هي العلاقة مابين الشر والخير، علاقة وثيقة ما بين الأضداد. هي المأساة عندما يُمَزِّقُ الضِّدُّ ـ الخيرـ ضِدَّهُ والضِّدُّ ـ الشر ـ ضِدَّهُ!!
هل أعترف الآن؟/غامضٌ هذا الرحيل الدّاَشرُ / من تحت ثياب الطهر،/ لايحمل أجنحةً من عشقي للحرّ اللاهب/ عند حوار القدمين العاريتين فوق قلوع الإسفلت.
هل: السؤال من جديد، أعترف الآن؟ الإعتراف يكون على أشكال ومراحل وألوان كثيرة والإعتراف الذي يحكي عنه الصعلوك ـ الشاعر ـ المغني الجوال هو إعترافٌ لا شكَّ مأساويٌّ يتاخم جروحه الظاهرة والمختفية على الطاولة المضطربة. الرحيل مهما يكون من سببه ولونه وزمانه ومكانه فهو غامض أبدا ً الرحيل ليس كما السفر، الرحيل هو النأيُ والذهاب بعيدا ً محملا بالمرارة والعذاب والتشرد. "الرحيل": تعبير حزين مأساوي ليس له علاقة على الإطلاق بالسفر! الرحيل هو كل شيئ يرحل حتى الروح إذ تمضي والنهر إذ يرحل والعمر إذ يرحل و...و... الرحيل الداشر!: دشر ودشَّرَ أي ترك وعاف وهجر وأطلق وسابَ...و... هو تعبير، كلمة عربية فصيحة وكثيرا ما تستخدم باللهجة المحلية العراقية. الرحيل الداشر من تحت ثياب الطهر والعفة والبراءة، هذا الرحيل الغامض لا يحمل أجنحة من عشق الصعلوك ـ الشاعر للحَرِّ والإحتراق في حوار القدمين العاريتين فوق الإسفلت الملتهب وقلوعه الشامخة كتلك الأخطاء الشامخة!
وسيعٌ حُلمُنا في حلكة الجهات/ طويلٌ ليلُ ارتباكنا/ في شرائع الأسوار.
حلم واسع ووسيع والحلكة هي قسوة الظلام وعمق سواده أمّا الجهات فليست محددة لكثرتها فهي كل الجهات ما ظهر منها وما بَطـُنَ والليل طوله يكون ممتدا على كل مسافات الشرائع والأسوار والأسلاك الشائكة التي تحاول جهدها احتواء ذلك الإرتباك والإضطراب. شرائع وقوانين مختل من المختلين الخطرين الذين قد مزَّقوا قميص القيد ليُلـْبـِسُوهُ غيرهم من الزاحفين تحت الظلم والهلاك.
أأشيّعُ الشفتينِ في حزن قمصاني المُتـَـغـَضِّنةِ/ وصيفُ التزييف يتسكَّعُ فوق أرصفة المدن المُتهدلة؟
والسؤال مستمر: أأشيِّعُ... التشييع أمرٌ جللٌ في وقت الرحيل! التشييع هو المشي بين عامة الناس والأشياء بالجهر والخفاء، فتشييع الشفاه في تغضن القمصان اي بين طياتها وتكسراتها هو تشييعٌ مُجْهَرٌ به ومَخـْفِيٌ في نفس الوقت الذي يستمر به تزييف الصيف الذي يتسكع هنا وهناك فوق أرصفة المدن المُتهدلة، فوق ثنايا أجساد النساء ـ المدن المُتهدِّلة والتي قد انتهكتْ وجرِّدتْ من كل ما كان لها! أأشيِّعْ... أأفعلْ أم لا؟!
على مضض ٍ أقفل شرائعَ نائية/ وأرتجف ذاهبا/ أقرع طَلَلَ أنهار ٍ خاصمتني/ ثم أنتبهت وشاطرتني غربتي.
المضض: صفة. ويالها من صفة!إنـَّها تفوق التمييز والمفعول لأجله والمفعول المطلق بمرارتها ومأساتها، بل هي التسامي بحد ذاته الى أقصى ما يمكن أن يتصوره المرء من المأساة والألم. هذه الصفة لا أعتقد أنَّ هناك مايضاهيها في كل لغات الأرض قاطبة ً. على مضض ٍ أي بمرارة وعدم الرغبة، بحزن عميق ملؤه الحنضل وكل سموم الأرض أن أفعل هذا الذي لا أريدُ فعله. ...أقفل شرائِعَ "فعائِلَ"، جمع شريعة من المستحيل الهروب منها مهما تكن نائية. والإرتجاف هو حالة تستدعيها المرارة والحزن يؤكدها. ذاهبا فعل معاصر ومتاخم للمضض وأقرع فعل ثالث معاصر ومتاخم أيضا؛ طلل الأنهار هو ماتبقى منها فقد دهتها السنين التي مرت بها وأيْبَسَتـْها ولم يبق منها إلا َّ أطلالا ـ بُرَكا ً هنا وهناك وهي التي تخاصمه لسبب ارتياءها بأنه هو السبب لما حدث! ومن ثم انتبهت فعادت وشاطرته غربته. هو وأطلال الأنهار غرباء كغربة " صالح ٍ" في ثمود!
قالت: رأيتـُك تمشي، فوق نعاس الأجراس الملقاة في حضن الشاطئ،/ فهل ستعود أم تبقى؟/ يا حبيبي، أنت منذ الغد/ لست سوى ظلٍ مسفوحٍ تحت العجلات.
قالت: ...مَنْ؟ هي... ومَنْ هي؟ هي التي... في كل زمان ومكان وهي العلة والمعلول معا ً...هي.
رأيتـُكَ تمشي، نعم هو يمشي وربما مُطأطِئُ الرأس فوق نعاس الأجراس ـ ربما قد سمع الشاعر ـ الصعلوك ـ المغني الجوال أجراس الكنائس البعيدة، هناك في أعماق وأقاصي سيبيريا المتجمدة، أو أنه قد سمعها في العراق ولمَ لا؟! نعاس الأجراس والشاطئ يحتضنه! وتسألُ، هي: هل ستعود أم تبقى؟ والإجابة لا فائدة منها فهو منذ الغد ( الماضي ـ المستقبل متداخلان في الحاضر الغائب) لست سِوى = "إلا َّ" أدات إستثناء واقعية ٌ في مثاليتها!، ظل مسفوح ـ ممدود، مستلق ٍ ـ مطروح ـ مسكوب، تحت العجلات! الصعلوك هنا توقف قلبه ... يحتاج الى صعقة أو أثنتين من الكهرباء!
إصعقوه فلربما يستفيق من مأساته!
القصيدة السريالية لا تختلف كثيرا عن غيرها في مواجهة الواقع بسلاح أخر. ربما هذا السلاح هو أقوى من سلاح خصمها أو أنه أضعف، ففي كلا الحالتين تكون المواجهة مأساوية وغير متكافئة من الطرفين. هنا تدخل الواقعية بتأكيد: أنه من الواقع جدا أن يكون أحدهم هو المنتصر والأخر هو المُنـْتـَصَرُ عليه. أمّا الرومانسية فهي لا تعطي أيَّة قيمة لذلك بل تبالغ بأحاسيس المتبارزين رافعة الرايات ومُهَلـِّلـَة ً بأنَّ البطل في كلا الحالتين سوف يحوز على كأسه والكثير من باقات الورد. والدموع ستذرف من أجله  ما شاء التأريخ الذي يصطاد نواميس الماء من إيقاع النار. أما الرمزية فهي ستذهب أبعد من ذلك قائلة: الموضوع بحد ذاته لايهمنا بل مايرمز إليه هو المهم!
مهما يكن من أمر ومن المدارس النقدية كلها فإنَّ الصعلوك ـ المغني الجوال ـ الشاعر لا يزال مضطجعا على الطاولة المضطربة! سنحاول أنعاشه ليكمل المعانات!
                               أكاذيـــــــــــب المنــــــــــفى
                    في ســـــــــــــــوح الكــــــــــــــلام..؟
"ما أكذبَ مَنْ اغـْتـَرَب"! هذا مثل صادق واقعي بمثاليته. ولكن أليس من حق الشاعر ـ الصعلوك أن يكذب؟ وكذبه هذا أليس صورة واقعية لهذيان سببه الألم ـ المأساة التي يعيشها، وهل هذا الكذب هو كذب فعلا؟ أم أنه صدق مابعده صدق مُغـَلـَّفٌ بالكذب والهلوثة في سوح الكلام وترحاله فالكلام أصله بدويا والبدو هم الرُّحَّلُ؟ ومن يرحل فكل كذبه هو ليس إلا َّ صدقا يكتنفه الهذيان والشرود والمرادفة والتناقض.
على طول طريقٍ مُشتهى في كفّ المنيّة،/ مضى بلاغٌ شاحبٌ/ حتى أسوار النهار،/ هناك احتمى النباح خلف الكؤوس/ يعلن نصرهُ غير مكترثٍ/ ولا ينتهي ذله لعولمة التعرّي/ عند نساء البدو/ في ساحة الملوك الصّلعان.
مضى حتى: سار، مشى، إنتشر. البلاغ: هو التعريف بشيئ مهم أو ما أشبه يكون لمن يهمه الامر. أو أن هذا البلاغ هو للكل وهو للتنبيه عن أمر ما. حتى هنا  بمعنى الى والعلم عند الله لأن سيبويه نفسه لم يكن قد فهم ما معانها وماذا تفيد وما موقها من الإعراب، حيث أنـَّه كان على فراش الموت قد قال:" أموت وفي نفسي شيئ من حتى"؟!. أن تبدأ الحديث مؤخرا ً المبتدأ أو الفاعل وتقديم خبره أو مفعوله يُعَدَّ من جميل الكلام أو المبالغة فيه. الشاحب: صفة لبلاغ، وهي صفة غير ملائمة للموصوف ! الشحوب هو لللون، فالشيئ يكون شاحبا إذا بَهُتَ لونه أو اصفرَّ أو ابيضَّ والى ما مِنْ ذلك لسبب مُفاجئ وخطبٍ جليل. أمّا الطريق المُشتهى فهو الطريق الذي ترغبه النفس أو يرغبه مَنْ كان يريده، واشتهاء طريق تتواجدُ في كفِّ المنيَّة هو تعزيز وتكبير للرغبة في الموت. أسوار المدينة هي أبعد أطرافها عن مركزالمدينة. لنتصور بغداد في أول عهدها عندما بناها الخليفة العباسي المنصور، كانت مُدّوَّرةٌ ولها سوران وأربعة أبواب يمثلون الأتجاهات الأربع من شمال وجنوب وشرق وغرب. هذا المقطع هو سرد وتصوير لمنظر بكامله على مسرح الرؤيا. البلاغ يمر حتى أسوار المدينة أي يعمها كلها والطريق مرغوب بها فهي تمنح الموت، يُقال: مَنْ مات قد إستراح! وهذا عكس ما كان يفكر به حبيب بن أوس الطائي!
       وَمَا مَنْ مَاتَ فـَاسْتـَرَاحَ بـِمَـيِّتٍ     إنـَّـمـَا المَـيْـتُ مـيِّــتُ الأحْـــيـَاءِ!
وهناك حيث الأسوار يكون نباح وعواء الكلاب أو الذئاب الذي يحتمي بها! أمَّا خلف الكؤوس فهذا إقحام آخر قد حذف الصعلوك الفاعل الذي يشرب ما في الكؤوس ووضع الكؤوس لتأخذ مكان من يشرب ما فيها. يُعْلِنُ نصره ـ النباح ـ  مكان الكلاب وما أشبهها من نفس الفصيلة والنوع تصغيرا لمن بيده السلطة والحكم وهو غير مكترث بأيِّ شيئ فهو المنتصر! بل ويستمر ذِله لـ "عولمة ": هذا التعبير هو حديث الصيغة فهو ما يعادل كلمة غربية نشأت هي الأخرى في نهايات القرن العشرينGlobolism  : . إنَّها تحوي معنى سياسيا واجتماعيا يتمحور حول توحيد صفات العالم جغرافيا وسياسيا واقتصاديا وذلك بمحو الإختلافات السائدة من تراث وخصائص كل أمة وبلاد بذاتها وطمس معالم تاريخها وتشكيله بما يلائم مجتمع مثالي على حد تعبير من تعامل مع هذه الكلمة وشكلها بمقايس كونية مصطنعة وزائفة لأنها لا تعبر عن الوجود الحقيقي الذي يمثل كل أمة وبلاد بحضارتها وخصوصيتها التي تمثلها ولا علاقة لها بالأمم الأخرى! هذا التعبير له مناصريه ( وهم ممن السلطة بيدهم) ومعارضيه ممن يتمسكون بتراثهم وحضارتهم وأصولهم الإجتماعية والسياسية والإقتصادية وما أشبه. أما عولمة التعري عند نساء البدو هو تعبير لم يلقَ الشاعر ـ الصعلوك أكثر منه بما يصف مذلـَّة َ العرب والتحقير من شرفهم المباح  وهتك أعراضهم أمام النباح الذي يحتمي بالأسوار خلف الكؤوس: الملوك الصّلعان!
جروح الشاعر ـ الصعلوك ـ المغني الجوال المضطجع على الطاولة المضطربة تبد أسوا ما تبدو هنا، في هذه الحالة من المذلة والخضوع تحت سطوة المتجبر والطاغية من الملوك الصلعان! سأكتب كل هذا في تقريري عن هذا التشريح الذي قمت بأدائه حتى الآن لمساعدة المسؤولين للكشف عن القاتل المجرم الحقيقي في ظل هذه الأحداث المأساوية الحزينة الواقعية ـ المثالية!
ــ أيا أولادَ الطحلب في أوروك،/ ضعوا عدة الأشعار والأفكار في مستنقع الرقص الذي أنتم تـُتقنون،/ إنزووا تحت عباءاتٍ مصفـَّدة بالندم/ إغتسلوا بماءٍ من خراب./ ثيران الشمس علـّقت صمتها/ على أبواب من جرح آشور/ تحدِّق في مهرجان اللـَّطم المُبللِ بأكاذيبَ دافئة بين أضلع العتبات.
أيا: حرف نداء وتوكيد. الطحلب: ما علا الماء أو الارض من خُضرة، نبات أخضر اللون يعلو سطح ماء مزمن في بركة أو مستنقع. أوروك هي الورقاء بالعربية وهي مدينة آشورية بابلية في جنوب العراق وهي مدينة جلجامش وإبراهيم عليه السلام. أولاد الطحلب صيغة صفةٍ لكثرة عددهم وتكاثرهم وانتشارهم على رقعة مهد الحضارة وادي الرافدين! النداء يحثهم لترك عِدَّتِهم وكل ذي مهنة له عِدَّة مهنته من أدوات وما أشبه تساعده في صنع ما يريده من أشياء وحوائج لبيعها أو استعمالها في أمور شتى تقتضي استعمال تلك الآلات أو الحوائج. ومن أدوات الشعر والفكر اللغة والأوزان والنحو والصرف والأدب والفن والمنطق والفلسفة وما إليها! ضعوا: فعل أمر للمُنادى
"أولاد الطحلب في أوروك" أن اتركوا وارموا عِدَّتكم التي تـُتـْقِنونَ استعمالها في صنع القصيدة والفكر في مياه المستنقع الآسنة والذي أ ُعِدَّ للرقص! الرقص على جروح الشاعر ـ الصعلوك أو حتى غيره ممن تشمله المأساة ـ الجريمة. وانـْزَووا فعل أمر معطوف على ما قبله، أي اتخذوا زاوية تحت عباءات؛ مفصَّدَة: لها فصوص تـُطـَعِّمُها كما يُقال سوار مفصَّدٌ ومفصَّصٌ أي مُطعَّمٌ بالفصوص ـ الأحجار الكريمة ـ والعباءات المفصَّدة بالدم: الآزورد والعقيق والمرجان من جروح كل الصعاليك ـ الشعراء أولاد مأساة قصائدهم وأفكارهم التي كانت قد ثارت ولا تزال تثور رغم النباح والمقصلة! والخـَرِب هو ما سقط شكله ومحتواه من أصله الذي كان عليه ولم يَعُدْ صالحا للإستعمل والماء الخرب هو ما لم يعد صالحا ومَنْ يغتسل بالماء الخرب سيصبح خرب مثله. وثيران  الشمس وهي رمز للقوة قد علـَّقت صمتها أي لم تعد تحكي فقد أزاحته عنها وعلقته على أبواب جرح آشور ـ الصعلوك ـ المغني الجوال ـ الشاعر المضطجع على الطاولة المضطربة! هذه الثيران تحدق مذهولة ومتعجبة لمشهد مهرجان اللـَّطم المبلل بأكاذيب دافئة بين أضلع العتبات المقدسة للأنبياء والمختارين والأولياء الصالحين! عتبة: جامع، مزار، كنيسة، معبد... لأحدهم كان قد أعطى نفسه ووجوده كله لخالقه، إذن فهو ضحية بطريقة أو أخرى للبشر الخوَّانين الذين يرقصون في مستنقع يقع بمحاذات أسوار المدينة والذي يحتمي به النباح خلف الكؤوس!!!
لن أخرُجَ من جلدي منكسرا ً/ حتى أُدْرِكَ طعمَ الغيابِ/ يستيقظ من ظلـّي المُدمَّى.
لن: أدات جزم ناصبة وما يأتي بعدها فعل مضارع منصوب. الجزم بمعنى النفي. الشاعر ـ الصعلوك يعلن عن عدم تخليه عن جلده ـ ذاته ـ نفسه ـ روحه وجسده والجلد صفة، إسم بدل لكل ذلك. إنـَّه الرفض القاطع بعدم التخلـِّي وإعلان الإنكسار إلا َّ إذا: حتى أدرك طعم الغياب! وإذا كان للغياب طعم فما بالنا بالحضور؟! والظل لا يُدَمَّى إلا َّ بأن يُدَمَّى صاحبه والإعارة صادقة ولازمة إجباريا ً. والغياب إنِ استيقظ  الغياب في الظل فما هي الحال إذا استيقظ صاحب الظل في الحضور؟!!
أعود مرة أخرى،/ بلا شفاه ولا نعاس،/ أيا أولادَ الطحلب في أوروك/ تركتم ثياب قصائدكم في شرق المأساة/ وتعريتم بالشيب المصبوغ فوق شوارع كوبنهاكن/ وركلتم فوق ترابٍ من قلبي حكايات/ تقود الفصول/ إلى تلمُّظ المقبرة.
العودة هي ما يكون من الرحيل وعكسه وهي لا تكون إلا َّ لأسباب لا غنىً عنها إلا َّ بالعمل بها العودة يُلـْزِمُها الرحيل من قبل. تتكرر العودة بتكرار الرحيل والعكس كذلك! أن يكون المرء بلا شفاه فهو معاق الكلمة وأكثر ما يستطيع قوله هو لفظ بعض الحروف الصامتة بشكل مشوه ومتقطع مضيفا إليها حروفا صائتة إما قصيرة أو طويلة وذلك ما يزيد من تشويه الكلام! والذي لا نعاس به فهو يعاني الأرق!؟ والـ "أيا" نداء كما مرَّمن قبل أولاد الطحلب هم إياهم وقد تركوا ثياب قصائدهم في شرقي المأساة ـ مستنقع الرقص ـ أي هويتهم التي كانت واستحموا بماء خرب! وتعرُّوا بالشيب أي لم يبق عليهم إلا َّ الشيب المصبوغ ـ الكاذب ـ في شوراع كوبنهكن؟ّ
كوبنهاكن عاصمة الدانمارك من بلاد شمال أوربا والبرد فيها لا ينقص بكثير عن برد القطب الشمالي في هذا الكوكب الحزين والمجروح من قبل ساكنيه من المختلين. هاجروا أولاد الطحلب من أوروك الى كوبنهاكن وتركوا هندام قصائدهم الرثة في الشرق، في مأساة وادي الرافدين !
 وركلوا أي ضربوا بأقدامهم دافعين حكايات تقود ـ كدليل ـ الفصول فلكل حكاية فصل ولكل فصل حكاية!، هذه الحكايا تقود الى:ـ تلمُّظ: كلمة، تعبير من أصل نبطي ـ كنعاني ـ فينقي، تعني تحريك الفم والشفاه واللسان بصيغة تعبرعن تذوق شيئ ٍ إما سيئ ومزعج وإما حامض لاذع وإما تعبيرا عن مضغ كلام غير مُتفوَّهٍ به! وهنا هي المقبرة هي التي تـَتلمَّظ!
هنالك/ في المدن البدوية/ شوارع ملساء/ رصفتها دماءنا،/ بالأمس كانت مغبرةً/ واليوم ابتلعتكم.
البدو هم الأقوام الرحَّل ولا تكون لهم مدن! بل هم في حلٍّ وترحال ٍ من مأوى الى آخر طلبا للماء ليس الخرب بل الصالح للشرب والإغتسال وغيره، والكلأ والراحة. والمدن البدوية إنما هي إستعارة أراد بها الشاعر ـ الصعلوك تمويه الصورة وإعطائها ضبابية كوبنهاكن!؟ التداخل مابين الأسماء والصفات شيئ وارد في التعبير الرومانسي ـ الرمزي وكأن المثالية هي مرآة للواقعية في ثياب قصائد أولاد الطحلب في أوروك الذين رحلو كما يفعل البدو الى واحة أخرى وقد أضاعوا الطريق ليجدوا أنفسهم في أقاصي الشمال من بلاد لا يعرفوها إلا في الخيال! مهما يكن من أمر فإن مدن البدو هذي لها شوارع ملساء قد رُصِفـَتْ وعُبِّدَتْ بدماءنا نحن! مَنْ "نحن"؟ وهي، تلك الشوارع كانت مغبرة أي مغطات بالغبرة والتراب إثر هبوب العواصف الرملية أو غيرها واليوم قد ابتلعتكم يا أولادَ الطحلب في أورك!
الشاعر ـ الصعلوك هذا لا يريد تقييد مأساته بمكان أو زمان أو سببية وهو على حق حيث أن المأساة هي عكس التأريخ ليس يحدها شيئ وهي تتواجد في كل زمان ومكان وهي علة ومعلول بذاتها. الجروح على جسد وروح المجني عليه وهو في غرفة الإنعاش والعناية المركزة، هي إن دلت على شيئ إنما تدل عن عبثية المأساة وألمها الواصل الى جهات الشرق الأربع فكل جهة لها أربع جهات وكل جهة منها لها أربع جهات وهكذا الى اللانهاية وهناك في اللانهاية تقع مأساة المغني الجوال ـ الشاعر ـ الصعلوك، مأساة وادي الرافدين!
من فـُرجةٍ  " فـُسحةٍ" " تصحيح لفرجة"بعيدةٍ عن العَسَس أجبتم بعد حين:/ لسنا إلا َّ قبائل ظلت تُسفحُ على دكة الإزدراء،/ ها نحن ولدنا الأن،/ فـَلـَكَ الرملُ/ اغتسل به/ وبأيدينا البحر.
بعد حديث استفسار وتوضيح مع الشاعر ـ الصعلوك  وهو مضطجع على الطاولة المضطربة، علمت من أنَّ "العسس" هم شرطة الأمن أو ما أشبه وصحَّحتُ ما يجب تصحيحه في النص وكل هذا لم أكن لِأهتدي إليه لولا أن ....! بعد أن ابتعدوا أولئك العسس عنكم يا أولاد... أجبتم من أنكم لستم إلا َّ قبائل ـ طوائف ـ مجموعات ـ همج ـ عشائر ـ من البدو والحضر تـُرمى مسفوحة على "دكة" رصيف الإزدراء والإزدراء هو السخرية والعبث، ليس لنا غير أن نـُسْفـَحَ! ونولد من جديد كي تـُعاد الكرَّة فخذ الرمل لك أيها الصعلوك ولنا ماء البحر؛ الإغتسال ـ التيمم ـ بالرمل هو أطهر من الإغتسال بماء البحر وذلك لعسرة في ماء البحر سببها الملوحة! فالزنخ لايزيله ماء البحر المالح بل الرمل الصافي الطاهر من شوائب الحضارة وأوساخها!
أقول لكم يامن أزلتم خيط رفاتي من بين أصابعكم:/ ملطخة أكُفكُم بنظرة من دمي/ فلا تشابه في صرختنا/ ولا تشابه في أسمائنا/ أنتم قتلى بمذاقٍ/ يَسقط ُ منه ظلُ خيانة/ ولن نتشابه في نيَّة التحديق إلى انكسار الغبطة/ في عنق المدينة، / أنا في بلعوم المرارة/ وأنتم تنطـُّون على موائدَ غريبة.
في هذا المقطع الشعري سرد أخر وحوار من جهة واحدة: ... أزلتم خيط رفاتي... بنظرة من دمي... تشابه... قتلى بمذاق... ظل خيانة... نيَّة التحديق...انكسار الغبطة... عنق المدينة... بلعوم المرارة... تنطـُّون على موائد غريبة. هذه التعابير تسترسل بتركيب غير عادي لتفضح الحالة التي يعيشها الشاعر ـ الصعلوك، حالة من الهذيان الذي لا يتمسك بواقع الأشياء كما هي ولا يخاف بأن يصفها بعبثية أكثر هيجان وتخبط في قلب المأساة فالمواضيع وصفاتها ليست متوائمة ولا علاقة للموضوع بالصفة الملصقة به مثل خيط رفاتي أو عنق المدينة. أقول لكم ـ هي خطبة أمام جمهور حاضر أم غائب هذا ليس مهم، المهم هو أنه يتكلم بصوت ثابت مملوء بالإصرار، بالرغم من أنَّكم قد تخلصتم من الدليل الذي يؤكد جريمتكم فإنه لا يزال دليل آخر وهو تلطخ أكفكم ... دمي ومن هذا فلا تشابه بيننا: صرخة المجني عليه لاتشابه صرخة الجاني ولا تشابه في الأسماء والتعبير واقعي يتواجد في أحشاء تعبير مثالي ـ رومانسي ـ رمزي: خيط الرفات ونظرة الدم ومذاق يسقط منه ظل خيانة....عنق المدينة، هذا الإختلاط وهذه العبثية هي أعلى درجات الهذيان والهلوثة التي تصور مأساة المغني ـ الصعلوك. المرارة لا يكون الإحساس بها في البلعوم ( التعبير ربما بلهجة عامية) ولكن في الفم فاللسان هو الذي يحتوي على خلايا الذوق والطعم والنطـُّ هو مايشير الى القفزغير العالي الإرتفاع ولمرات متتالية مثل قفز العصافير أو الأطفال وهو مايدل على اللعب في حالة قفزالأطفال، فوق موائد غريبة؟! ماهي الغرابة  التي تتصف بها تلك الموائد، على أن التعبير كله نكرة غير معرَّف به. هل هي غريبة من الغربة أم من الغرابة؟ الإبهام في السرد وتواجد العرض الروائي في هذا المقطع لا يختلف عن المقاطع التي سبقته. يبقى المجني عليه تحت الإنعاش وفي غرفة العناية المركزة!
ايها العابسون في وجه الرعونة/ فوق جبال الألب/ بقصائد تتثنى فيها ألسنة النار،/ إستمروا في شق الطريق إلى الوشاية/ إستمروا على التمتع بتكرار التغريد المازوكي،/ تحت سماوات عارية/  غادرها الخجل.
أيها: نداء يعيد التوالي في توجيه الكلام الى الذين... العابسون في وجه الرعونة: العبوس مرَّ الكلام عنه وأما الرعونة فهي مصدر ـ إسم ـ صفة لمن هو أرعن أي خشن التصرف والطباع مما يدل على انخفاض درجة الذكاء أو حتى انعدامها... جبال الألب! الثلوج ... ومن ثم القصائد التي تتثنى بها ألسنة النار! شق الطريق: السير بصعوبة أو بتعب أو غيره وهو طريق الوشاية والوشاية هي الخيانة! أما التمتع بالتغريد والغناء فهو أيضا مبهم فليس كل من يغرد أو يغني يتمتع بتغريده وغنائه والمازوكي ربما أراد الشاعر ـ الصعلوك المازوخي أي المازوخية والتي تتعلق بمن يلتذ بالألم على عكس السادية. كل هذا يجري تحت سماء عارية لا يستر عليها شيئ ولا يغطي سَوْءتها أيَّ هندام! وحتى أن الخجل قد غادرها فهي لاتستحي أن تـُظهِرَ كل مفاتنها وسَوْءاتها! المأساة والألم هما أسباب واقعية لجنون مثالي وعاطفي يستطيع أن يبتز الدمع من الصخر!
مازلت، أخلعُ سيرةَ موتي مُحرَّفة ً/ بين أسلاك العزلة/ ووشاية الصحراء.
أن ينزع أحدهم سيرة موته عنه هو أن يخفي أسباب الموت وعلته والأتعس من ذلك عندما تكون السيرة محرَّفة ومتواجدة بين أسلاك العزلة الشائكة ووشاية الصحراء وخيانتها! بين جروح المجني عليه الكثير من رمل الصحراء والرمال لا تعود الى صحراء بعينها فهي صحارى متعددة ومختلفة لأن الرمال ألوانها كثيرة فمنها الصفراء والحمراء والبنية الغامقة والسوداء وحتى الخضراء! هذا ما يدل على أن المجني عليه عربيٌ بدويٌ من العرب البائدة... عادٌ وثمودٌ وطـسَمْ وجَسَمْ و غيرها!
أقف في ظل الطريق المُعطـَّلِ/ لا تخدعني جنازتي المتكررة،/ أخرج من فخ/ أدخل فخا ً آخر،/ أنا وما تبقى/ من تدهور ابتسامتي.
بعد النداء والحوار المتواصل نجد الشاعر ـ الصعلوك ـ المغني الجوال يتوقف! أين؟ في ظل الطريق المعطلة وغير السالكة لتواجد الكثير من شضايا الإنفجارات وبقايا جثث القتلى والجرحى الميؤوس من نجاتهم! هو يرى أن لا ينخدع بتكرار جنازته فكل جثة على الطريق المعطل ليست شيئا آخرا غير جثة الشاعرـ الصعلوك، فهي تتوالى في مواكب جنائزية متتالية. هو يعرف وهو بكامل قواه العقلية ـ الواقعية من أنه إذا ما خرج من فخ سيدخل حتما في فخٍّ آخر هو وما تبقى منه ... من ابتسامته التي تدهورت واصبحت أكثر ضعفا ً ويأسا ً وموتا ً. لا يزال الصعلوك مضطجعا على الطاولة المضطربة والطاولة على خشبة المسرح التي كان قد أفسدها أحدهم من قبل بدمه الذي يواصل وجوده في جسد المجني عليه وفي أكياس الدم المُتـَبَرَّع ِ بها من قبل فقراء دول العالم الثالث والرابع والخامس ...الى ماشاء أحدهم!

                  إمـضـــاءة الأزيــــــز فــــــــوق جفنــــــــيَّ

الإمضاء: التوقيع وهو لمن يعرف الكتابة والقراءة وليس أ ُمِّيّا ً! والظاهر أنَّ الأزيز ليس أميا ً! والتوقيع على الجفن يكون نوعا من الدمغة ـ القبلة ـ الكيئ ـ العقصة ـ القرصة ـ اللدغة ... إلخ.
بعد أن سَحَلـَتها كمائنُ تماثيل مُكرَّرة،/ فؤوسُ يقظتي/ تحتاج الى دم ٍوعر ٍ/ يتسلق ما تهدم من نار/ فوق لساني.
اليقظة هي ما تجعل الشاعر في حالة من الألم العميق بحيث يُحِسُّ ضربات الفؤوس والتي كانت قد سُحِلـَتْ وأجْبـِرَتْ على أن تتبع كمائن تماثيل متكررة أي ذات شكل وهيئة تتكرر وتتشابه وهي خالية من الدماء ولذلك فإنَّ الفؤوس تحتاج الى دم صعب ـ وعرـ كالطريق الوعرة والطبيعة الصعبة العيش فيها وعليها وبها، والدم الوعر هو كذلك؟! هذا الدم الذي يتسلـَّـقُ ما تهدم من نار فوق اللسان: تهدم النار بتهدم ماتحرقه وما تستهلكه والدماء عندما تصل الى اللسان تكون الفاجعة والمأساة قد طغت وأخذت ما كان تريده. هذه الصورة التي يحكي عنها الشاعر ـ الصعلوك  خلال الفسحة التي أ ُتِيحتْ له بعد توقف التشريح وإعادة المجني عليه من غرفة الإنعاش، لاتزيد من وقع الألم والمأساة إلا لونا آخرَ يعقد مسيرة البحث عن مرتكب الجريمة! هذا اللون هو القرمزي البنفسجي المتيبس في دم الجروح التي أصبحت أكثر ميلا ً الى التسمم والتورم منه الى الشفاء!
أختفي على رقعة الشطرنج/ ثم يُعاد ظهوري النازف/ كأني شتيمة.
الإختفاء والظهور في حالة الإضطراب شيئ ممكن، ولكن أن يكون هذا على رقعة الشطرنج فمعناه أن الشاعر ـ الصعلوك لم يكن ليزيد عن حجرة من أحجار اللعبة! ولعبة الشطرنج لعبة خطرة فهي معركة وحرب. هذه هي لعبة الكبار من المختلين الإذكياء والمجانين والحيالين وأمثالهم. حتى اللصوص والمجرمين السفاحين لهم دور في اللعب واللعبة!  يُعادُ فعل مبني للمجهول وهذا يدل على أن المغني الجوال ـ الشاعر ـ الصعلوك هو حجر من أحجار اللعبة وبدون شك هو ليس الشاه أو الملك أو الملكة بل هو إمّا أحد المشاة أو فارس خيَّال. وهو وجود نازف وجريح والطعنة التي بجسده هي في الظهر ومَنْ يُطعنُ في الظهر يُشَكُّ بأنه جبان كان يهرب من رقعة الشطرنج! ولكن والحال هذه فأنَّ المجني عليه كان قد طـُعِنَ من الخلف غدرا ً. ولهذا يبدوا وكأنـَّه شتيمة بسبب الشك بأنـَّه كان يهرب من ساحة المعركة! وهذا ليس صحيحا والدلالة عليه هو أن ظهوره النازف والظهور هو عكس الإختفاء! الوجود عندما يتسم بالشتيمة يكون قد وصل الى الحضيض وهذه التهمة هي تهمة ليس إلا َّ! وإثباتها يحتاج الى دليل قاطع وإلا َّ فهي تهمة جائرة.
همود ارتيابي في كر ٍ وفرْ/ حتى نام الجندُ/ على  شموخ مربعات بيضٍ/ بشفاه ناشفة السَّواد.
إذا كان الهمود والركون والسكينة في كرٍّ وفرٍّ في قلب المأساة الواقعية ـ المثالية فكيف بنا إذا كان الإضطراب يحلُّ محلَّ الهمود؟ والهمود هو حالة يختبئ بها الإضطراب كي يجعل الجند تنام على شموخ المربعات البيض وليس السوداء منها على رقعة الشطرنج؟! والجند من ثقل وشدة اليباس أصبحوا ذوي شفاه سوداء وكأنها شفاه مومياء قد حُنـِّطـَتْ منذ آلاف السنين!
أختفي في لمعة النحاس/ على صدر البيادق/ وأنا على مقعد غنيمة أبتلعُ الانتظار.
الإختفاء باللمعان ممكن، فاللمع يعمي العيون ولا يسمح للناظر أن يرى أو أنـَّه وإنْ حدَّق سيظفرُ بمالا يرى! والبيادق هي من الطيور الجارحة وهي كثيرا ما تكون بحجم الباشق وصدرها لامع كالفضة وهي البيادق التي تحكي ولا تحكي، تقول ولا تقول كالشاعر ـ الصعلوك ـ المغني الجوال وهو جالس على مقعد غنيمةٍ ما، يبتلع ساعات الإنتظار! نعم الإنتظار: الوجود كله ليس إلا َّ إنتظارا تتخلـَّلـُه ساعات تطول وتقصر وإنْ بقيت كما هي واقعيا إلا َّ أنها تبدوا أكثر طولا وثقلا عندما تـُغـَسَّلُ بالحزن وتـُكَفـِّنـُها المأساة ويُصَلـِّي عليها الألم! هناك اختلاف بين الوقت الواقعي البرجماتي الخالي من الحس واللوان والرائحة والطعم وبين الوقت المثالي الروحي الطافح بكل تلك الصفات من حسٍّ ولون ورائحة وطعم. هل تـَذوَّقَ أحدٌ ذاك الوقت المثالي وحسَّ ورأى وشمَّ كل تلك الإختلاجات وذاك الهوس وتلك الرَّجفة والفهقة والرُّعاف المُزْمِن مثلما حسَّ به الشاعر ـ الصعلوك ـ المغني الجوال ـ المجني عليه؟ 
يقظتي/ تمد قافلةً/ من قداسة موتي/ حتى أ مسك البابَ من قبضة ذعره/ ثم أخلعه بشحنة صوتي.
اليقظة في بؤرة الألم والحزن والمأساة تزيد الطين بَلـَّة ً فهي تـُطِيلُ الزمان والمكان وتمدهما موكبا ً وقافلة ً ـ" إذا كانت الحياة مُكبـَّلة ً بالقيودِ والظلمِ والعذابِ والألم"ـ ▲ ـ"فإنَّ الموتَ خلاصٌ وقداسة ٌ وتطهُّرٌ" ـ والباب الذي يُؤدِّي الى قداسة الموت هو الجسد المادي الواقعي وقبضة ذعرهِ هي اللحظة المثالية التي تخلع الباب بصرخةٍ واحدة والصرخة طاقة تكونُ فـُرْقانا ً بين الليل والنهار، بين الظلام والنور، الصرخة هي الفصل بين وبين الصمت، فقبلها صمت جامد مثقل بالأنين الخافت الذي يكاد لا يُسْمَع وبين الصمت البارد المذهول بجنون لا يعرف لغة أخرى إلا َّ لغته: الصمت. الحلم هو سبب الإضطراب والإضطراب هو ردَّة ُ فعلٍ على مايُسببه الألم والعذاب والقهر. الصعلوك الجوال يكاد ينتهي من تشريح نفسه! والمِشرط الذي بيده هو أشدُّ وقعا  وقطعا وشرطا من المِشرط الذي على تلك الطاولة بجانب كل أدوات العمل بضمنها الساطور والفأس الطاولة الغير المضطربة والتي تتواجد على يسار الطاولة المضطربة!
مائدة من سكوت تمضي/ حين أصحو/ ثم أغفو/ ثم أصحو على امضاءة أزيزٍ/ فوق جفنيَّ/ وأنا أمضغُ الّروح في صورتي/ فيغني الموتى/ بعد رحيل الموت/ فوق خيل الكمائن/ والمهرجون يهذون/ وهم في طريق عودتهم/ الى البيت. المائدة ليست أيَّ طاولة تـُعَدُّ للجلوس إليها، بل هي طاولة فخمة تـُعَدُّ بصيغة وبشكل أنيق وجميل لأكل أشهى الطعام وشرب شراب كان يتلذذ ُ به كل من كان ذو ذوق رفيع مثل عمر الخيام وأبو نؤاس!أمّا مائدة المجني عليه فهي وإنْ كانت أنيقة وجمالها أخـَّاذ إلا َّ أنـَّها فقيرة ليس عليها إلا َّ الصمت! السكوت هو الطعام والشراب وهي مائدة تمضي والمضيئ ليس معناه فقط الذهاب بواسطة ما ولكن المضيئ في الوقت والزمان، من دهر الى دهر! وهي تذهب هكذا عندما يصحو ويغفو ومن ثمَّ يصحو تحت ألم إمضاءة أزيز على جفنه! تلك الإمضاءة هي دَمغة وكيئ يُحْدِثُ أزيزا ً عند احتراق الجلد واللحم ! كل ذلك يحدث بينما يستمر الشاعر ـ الصعلوك في سرد مثالية المأساة من مضغ الروح في الصورة فيجعل الموتى تغني بعد رحيل الموت عنهم وقد أخذ كل شيئ معه حتى لغة حياتهم، يرحل عنهم ذلك الموت فوق خيل المكائد والمهرجون في هذيانهم مستمرون وهم عائدون الى البيت: لكل مهرج ٍبيتٌ ولكل شاعر ٍ ـ صعلوكٍ  مأساة!
ترقد الضغائن بلون النهار/ على كتف نهر منخور.
المكائد والضغائن تأخذ لون النهار وتروح على كتف نهر منخور يتسربل ماءُهُ (ماؤهُ)من ذلك النخر والنهر إذ يفقدُ الماء لم يعد نهرا بل شاعرا ً ـ صعلوكا ً ـ مغنٍّ جوال!
مطلٌ أنا/ على أفقٍ يعاني من الإطناب/ يشتهي طعنة إشفاق./ صار الفضاء شيخا مكتضا برماد النسيان/ تخلو عزلته من غيمةٍ مُنتبهة لفناء القلعة.
تأخير الفاعل على فعله هو من صفات البلاغة والخطابة ليكون وقع الفعل أشدُّ تأكيدا وعملا ً. الفاعل "أنا" يقف بين فعله والمفعول به العائد إليه: أفق يعاني من الإطناب والهرج الكثير وهو يشتهي طعنة شفقة! " جنديّان يحاربان وهما في الخطوط الأولى في خندقهما الذي كانا قد حفراه بأيديهما، أحدهما يُصابُ بجرح قتـَّال ينزف جرحه والآخر يحاول أن يُوقف النزيف دون جدوى، الجريح وهو يكاد يلفظ الكلمات بينما يسيل الدم من فمه، يحكي ـ يتمتم وأنفاسه تـُقـَطـَّعُ الكلمات: أجهزْ عليَّ ياصديقي وأكملْ فأنا لا أريد أن أقع أسيرا ً في يد العدو، بيد من لا أريد، أودُّ أن أعانق حبيبتي التي رحلت قبلي، فافعلْ ما أقوله لك!" هذه الصورة كامنة ومخفية في أحشاء ذلك الأفق الذي يشتهي طعنة تـُنـْهيه! والفضاء حين يشيخ ويكتضُّ برماد النسيان، إذ أن الرماد سريعا ما ينسى النار التي خمدتْ ولم تعد تجد ما تحرقه، يكون قد أتى على نفسه بجرح السنين التي مضت والذي لامحالة قاتله! والفضاء في عزلته هذه ليس فيه حتى ولو غيمة واحدة كي تنتبه الى فناء تلك القلعة المحصنة والتي كانت قد صمدت طويلا أمام الحصار والقطيعة وهي الآن تـُفنى وتـُهَدَّم عن بـِكْرَةِ أبيها! إنـَّهُ تنبؤ الشاعر ـ الصعلوك وهو نصف نبيٍّ وكاهنُ العشيرة!
على تقهقر الفأس أفتح كفيَّ:/ أنـَّى للقلعة أن تسقط/ فوق رقعة طازجة/ تملأ طقس المكان بالأمطار/ وأنا على مقعد الغيمة/ أبتلع الإنتظار،/ حينها أختفي/ على رقعة الشطرنج.
الفأس بعدما ضربت وقطعت تتقهقرُ شيئا فشيئا والصعلوك يفتح يده، كفـَّهُ ويسأل: أنـَّى للقلعة الحصينة أن تفنى، تسقط فوق رقعةٍ طازجة ٍومُهَيَّأةٍ للنهب والسلب والفناء وهي تملأ طقسَ المكان
ـ منظرٌ فيه رائحة وطعم البخور ودخان القصف والحرق وأنين وصراخ الجرحى الذين لا يزالون يلفظون أنفاسهم الأخيرةـ  بالأمطار. ومن جديد هو ـ الصعلوك ـ على مقعد غيمة يبتلع ـ يجتر ـ الإنتظار: أنْ يحدُثَ شيئا ما! وفي تلك الأونة يختفي ذلك الفارس الخيَّال من على رقعة الشطرنج، يرحل به الموت آخذا ً حتى لغة صمته! كل هذه الصور المتتالية والمتداخلة بعضها في بعض تزيد من تعقد الحالة التي يعاني منها المغني ـ الصعلوك: الجروح تتكاثر وكأنها تتوالد ويزيد عددها كلما تململ المجني عليه على الطاولة المضطربة.
                           مــــا تبـــقى من دوينــــا المبتــــور
البتر هو القطع الذي يفصل بين شيئ وآخر العلاقة التي كانت بينهما نهائيا ً. فلم يعد هناك وجود لما بُتِرَ وانقطع. والدوي هو صوت يكمن مابين نفسه ونفسه من جهة وبين نفسه وصاداه من جهة أخرى. والدوي المبتور هو الذي خمد وسكت وانتهى دون أثر لصداه.
مضى سرطانُ صمتنا/ في كينونة المطر.
 سرطان الصمت: علاقة قاتلة لا شك في ذلك بين مضاف ومضاف إليه؛  ومضيئ هذا السرطان في كينونة شيئ ما ـ في هذه الحالة  هي كينونة المطرـ أي أنه يتقدَّمُ ويستفحل ليصبح أشدَّ قربا من إنهاء كينونةٍ كان قد توسَّدَ بها واحتلها. المطر هي الحياة مهما كان شكلها ومضمونها ووقعها وسرطان الصمت هو الذي يُميتُ وقع المطر وقطراته سواءً أكانت غيثا ً خفيفا ً أم كانت قطرات زخـَّاتٍ لعواصفَ هائجةٍ وريح عاتيةٍ. الصورة هنا هي احتواء ومحاولة سردٍ لحالة تكتنف جسد المجني عليه. الشاعر ـ الجوال هنا قد استخدم صيغة الجمع " صمتنا" ليقول أنه لم يكن لوحده تحت قبضة الجاني، بل كان هو وجروحه، هو وشعبه، هو وكل شبر من وطنه، هم جسد واحد تمتد الجروح عليه بصيغة عشوائية نتيجة للضربات العشوائية التي أحدثتها القطيعة والقطيعة ليست هي الجانية ولكن الجاني هو من استخدم هذه الوسيلة: "القطيعة".
مُبتذلا ًغدا عزمُنا/ على دكة بلهاء لم تعد تذكرنا.
العزم المبتذل هو الذي لا قيمة له والأتعس من ذلك فهو مهملا على رصيف أبله! لا يتذكر من مشى عليه وبرفقته. صورة استسلام ورضوخ لواقع مثالي؟ أم أن هذا المقطع من القصيدة يعبر عن فرصة توقف وراحة لجمع القوى من جديد والمضيئ دون الإلتفات الى الدكة البلهاء التي لا تتذكر؟
غرباءُ كنـَّا/ نحمل جماجم  ضجرة/ في مدنٍ متخمةٍ حد الموت./ بضغائن ليلٍ/ لا يملك نافذة ً.
الغربة تكون في كل زمان ومكان، لا تـُحَدُّ بشيئ منهما، بل السبب هو مايكون عادة ذو العلاقة المباشرة بالغربة. الغربة تكون في لحظة الولادة وتكون في الشيخوخة، في مسكن الرجل وفي داخل وطنه، في ديار الهجر والهجرة، في البعد عمن يريد المجني عليه وعمَّا يريد. الغربة هي كالسرطان تجتاح حتى الصمت!
كُنـَّا نعلمُ أنَّ للمعنى سواحل موجعةٍ وبعيدة./ وسننفش فوق ثراها/ رنين تشردنا./ كنـَّا نعلمُ بأنـَّا نتصفح غفلتنا/ قبل مجيئها،/ لكنـّا، أزحنا صوت الماء/ وشربنا ظلام الطرقات/ ماتبقى صرخةٌ تقاوم النـَّخرَ/ ضدَّ هامة يستهويها التعري أمام كابوس الدم/ في وقت من ضباب السم./ أنا بذرةُ انتباهٍ في غابةٍ من خَرَس/ خطوةٌ من قيعانِ مواخير ٍ[22]،/ تتلمسُ فجرأً / شاهقا ً.
كلامي هذا ومنذ بدايته عن حالة المجني عليه ليس شرحا أو تفسيرا ً لمحتوى نص هذه المجموعة من الجروح والتي أكثرها سوف لن يجدي العلاج شيئا في تقطيبها ولحامها! التفسير لنص ٍ ما، هو ليس إلا َّ نصا ً آخرا يفيد اللعبَ بتشويه النص الأول وجعله أكثر تعقيدا وخطورة لما هو عليه، كلامي هذا ليس إلا َّ وصفا لحالة وقعت بين يدي، هذا الوصف هو أيضا واقعيٌّ ـ مثاليٌّ ولذلك فهو لا يروح بعيدا عما هي حالة المجني عليه؛ أما العلاج فهو ردٌّ وإجابة تستدعيها نتائج هذا الوصف للحيال دون فقدان المجني عليه نهائيا ودون رجعة![23]
المعنى له سواحل وشواطئ وأطراف كما البحر والنهر؛ أيضا الجروح لها سواحل، الكلام له سواحل، بل أنَّ كل وجود له سواحل وحدود ينتهي بها مهما كانت بعيدة. هذه السواحل موجعة، هي سواحل معنى الكلام وسواحل الجروح . فوق أرضها سنجعل رنين تشردنا أكثر ثراء وحجما بنفشه كما ينفش القطن والصوف. نفش الرنين هو تضخيم حجم موجات صوته وصداه. "كنـَّا نعلم" يعيدها الشاعر ـ المغني مرة أخرى ليؤكد قوله السابق وهو سبق المعرفة بما يحدث الآن وما قد حدث. هو والآخرين ـ جروحه ...و...الآخرين مِنْ ...ـ  كانوا يعلمون بأنهم يتصفحون غفلتهم لا غير! أي أنهم  يعلمون أنَّ هذا لا يزيد ولا ينقص ولايغير الحالة التي هم عليها.  الشاعر ـ الجوال ومن معه لم يزيدوا من ردَّةِ فعلهم إلا َّ بأزاحة صوت الماء " صوت سقوط المطر وجريان وخرير الماء " وأيضا شرب ظلام الطرقات والظلام يَشْرَبُ ويُشْرَبُ فهو مادة ليست صلبة بل سائلة في هذه الحالة ويمكن شُربَها و" ظلام الطرقات" هو تعبير قدريٌّ واقعي ـ مثالي لا يحتاج الى التعريف عنه بعمل دعاية عنه سواءً صوتية أو صورية في أي من وسائل الدعاية والإعلام، فهو متواجد في كل المدن المنهوبة والمغتصبة والمُنتـَهكة بل المُبادة عن بكرة أبيها ووجوده هذا هو وجود يومي متسلسل ومتوالي دون انقطاع! ماتبقـَّى: صرخةٌ. ؟ ردُّ فعل يقاوم الإنهيار، يقاوم التآكل ـ النخر الذي يصيب كل شيئ ابتداءً من الهامة التي يرودها التعرِّي وبذل جسدها أمام ذلك الكابوس المتوالي، كابوس الدم وهو يهوي بالهامة الى القاع...قاع الحضيض! كل ذلك يحدث في وقت محدد يحكي عنه الشاعر ـ المغني:  وقت من ضباب السم، إنه ضباب قنابل الخردل وغيرها من السموم ذات اللون الأخضر الداكن المائل الى السواد..
التعريف بالنفس هو إجبارٌ أمام المُتـَسَلـِّط وليس من إختيار آخر والتعريف بالنفس هُزُأ ً كان أم حقيقة ً يبقى تعريفا وجوابا لازما أمام ضباب السم: أنا بذرة ليس إلا َّ، لا شيئ آخر، بذرة إنتباه وتنسُّط في عالم غابة ٍ للخرس! بعد ذلك البذرة تنمو لتصبح خطوة في قيعان المواخير، بيوت العهر والدعارة والخمر والفسق إذ لا شيئ آخر يبقى بعد أن يتسلط الشر على الخير ويُمحيه، ولكن الخطوة لا تنقصها الشجاعة ولا يتخلـَّى عنها الأمل للوصول ولمس فجر ٍ شاهق ٍ وبعيدٍ! آخر ما نطق به ذلك الرفيق ـ الجندي، الأنا الآخر ـ وهو في خندقه على الخطوط الأولى لافظا أنفاسه الأخيرة: أجهزْ عليَّ، فإمّا الفجر الشاهق أو الموت واللحاق بمن أحبُّه، لا بقاء لي في قيعان المواخير..أجهزْ... إفعلْ ذلك حبّاً بالله!  
           غبــــارنا النحيــــل في آخر المـــــــــــــلحمة
الغبار يكون نحيلا عندما تقلُّ ذراته في الهواء فيبدو نحيلا ً شاحبا. إنـَّهُ يُعلِنُ نهاية الملحمة وليس نهاية المأساة!
فقراءَ كُنـّا/ ولم نزل،/ نـُجَرجـِرُ عوالمَ ظافرة/ بين ساعاتٍ لا يُستدلُّ على هلاكها.
الفقر: صفة، بل هي تمييز، بل هي مفعول مطلق. ليس كل الصفات تمييزات وليس كل التمييزات هي مفاعيلُ مطلقة. المفعول المطلق يجب أن يكون فعله متواجدا في الموضوع ـ الجملة ذاتها، مثل: كسر تكسيرا وفعل تفعيلا. ولكن الشاعر ـ الصعلوك استعاض عن هذا كله ليعبر بمفعول مطلق لا وجود له في اللغة العربية: فقراءَ كنـَّا .... فقرا ً استعاض بالفعل عنه بصفة فقراء وهي جمع! ولم نزلْ: جزم للفقر وجعله مطلقا ً. هذا ما حدث للمغني ـ الصعلوك. إلحاق الفقر بجرِّ عوالم ظافرة( إما أن أظافرها قد طالت وأصبحت مخالبا وإما أن هذه العوالم قد ظفرت بشيئ ما) وجرَّها بين ساعات لا يُعرَفُ أو يسُسْتـَدَلُّ متى ستنتهي وتهلك، هذا ما يدعو الى اليأس من معرفة متى سينتهي كل ذلك الألم والمأساة. إستمرار حالة لا تطاق ليس إلا َّ عذاب يفوق تصور مَنْ هو خارج هذه الصورة والمغني ـ الشاعر الجوال الصعلوك داخل الصورة وعلى خشبة المسرح التي كانت قد قـُطـِّعَتْ  وشُكِّلـَتْ من جديد لتصبح صلبانا سيفسدها آخرين من بينهم الشاعر ـ الصعلوك المضطجع على طاولة مضطربة!
مِن أوهام دهشتنا/ يرتعد جنس الخراب.
كل ماهو موجود بغيره فهو ممكن الوجود وله بداية ونهاية وهو محدود بزمان ومكان وسببيَّة وما هو موجود بذاته فهو لازم الوجود وهو علـَّةُ ذاته لا يحده زمان ومكان ولا تعتريه السببيَّة والوهم رمز الوجود الأول لكل ما هو موجود بغيره، والحقيقة هي عكس الوهم وهي ملك لمن هو واحد موجود بذاته ـ جوهرـ ليست له بداية ولا نهاية. الوهم يخلق الشك والشك يرافق حياتنا منذ الولادة وحتى الرحيل دون عودة. الوهم هو الرفيق والصديق الوحيد الذي لا شكَّ ـ ( الشكّ ُ لا شَكَّ له: حقيقة الشك!) ـ له بأنْ يتعرف من أول نظرة عل جنس ونو ع وماهية الخراب والخسران وهذان الأخيران يرتعدان لا لسبب الخوف بل لهول وقوة الشك العاصف بهما![24]  الشاعر ـ الصعلوك قد اختصر زمانا ً ومكانا ً شاسِعَيْنِ ليقول: أنَّ وهمَ الدهشةِ له محتوىً آخرَ وهو ارتعاد جنس ـ نوع الخراب والخراب مهما يكن جنسه أو نوعه يبقى خرابا ً. تمكُّنُ وتوحُّدُ الصورة الشعرية يؤكد الهوية المهيمنة على كل قصيدة في هذه المجموعة بل المجموعة كلها: أنَّ المجني عليه هو بذاته الشاعر ـ الصعلوك ـ الوطن ـ الأرض ـ الشعب.
لماذا توقفنا برؤوسٍ مُقفلةٍ أمام تلك الثمار/ ثم غرقنا متماسكين بأظافر ذعرنا/ في نهارات تحت قناديلها/ ثياب حداد.
الحيرة تفرض السؤال والسؤال هنا عن السبب الذي قد غاب عن فكر المغني ـ الصعلوك والسؤال أيضا معقد ومتشابك فهو لا يقتصر على سبب واحد وإنـَّما عن أسباب تتوارد تباعا: الرؤوس المقفلة ـ العديمة النظر والتأمل والتفكير ـ والغرق متماسكين بأظافر الذعر وهي أظافر تتقوَّسُ كالمخالب لتتشبث بالآخر وتـُعزِّزُ تماسكها والـْـتِحَامها والنهارات جمع لنهار يتوالى نفسه نفسه لا يتغير دائما تحت أنواره وقناديل أضواءه ثياب سودٌ أو بيضٌ! تعلن الحداد ـ الخسران ـ الإضطراب الألم ـ الحزن ـ المأساة .
صوتـُك الحافي يلوذ في طرقات مهجورة/ يقطع ذخيرة الأحكام/  بنصل فأس.
 اللواذ واللياذ صيغة المصدر من لوذ ولاذ أي  هرب، إحتمي بـ أو سار في...على غيرِ هُدَىً، أو هرب من... في طرقاتٍ مهجورة. والصوت الحافي فاعل أوَّل لا غيره في هذا المقطع الشعري وهو المسؤول عن أفعاله أولا وأخيرا : يلوذ ويقطع بنصل الفأس، يقطعُ تواصل الأحكام: التأريخ ـ الثمارـ النتاج والمحصول من الحصاد. يقطع هذا وغيره بنصل فأس تهوي قدرا سريع الجزم بقطعه.
كُنـّا بحاجة إلى أبجدية الندم/ قبل انكسار البرق/ كان علينا أن نشرّد القبور من نافذة التقاويم/ أن نكنس تثاؤب الشمس مِن خرق المهرجين.
الأبجدية هي البدء، بدء الكلام والوجود، بدء كل شيئ وأول خطوة في تشكيل هيئة ومحتوى الوجود. بدء الهيولى والتحول والحلول. أبجدية الشيئ: عدمُهُ!. وأبجدية الندم هي أبجدية الفوز بالمأساة! وانكسار البرق هي طبيعته، فهو يهوي الى الأرض حال صيرورته. ولكن البرق قد وقع كما تهوي الفأس وتقطع. وقبل هذا كان يجب تشريد القبور وإطلاقها في كل الجهات بمجرَّدِ أن تنفتح نافذة الرزنامات والتقاويم وسجلات الوزارات ومنها وزارة الأوقاف بذاتها، كان يجب تنضيف  خرق المهرجين من تثاءب الشمس في أول استيقاظها و هي تتمطـَّى. كان يجب ولكنه لم يحدث شيئا من هذا! إذن والحالة هذه فسحقا للمهرج الجوال ـ المغني ـ الصعلوك! المجني عليه له القدرة الكافية للحلول وتقمص الأنا الآخر، فهو مُتـَنـَبِّئ ونصف كاهن وثلاثة أرباع نبيٍّ!
ما زلنا يا صديقي نوشك أن نتدلى إلى مخدع الجحيم/ نغافله حتى نحوز على تعلثمه.
مازال من أخوات كان وهي تتبع تلك الأفعال الناقصة التي تعبر عن استمرار وقوع الفعل. ومازلنا... نوشِكُ؟! الوشوك هو ماقبل وقوع أو قبل بداية حدوث الفعل واقتران الوشوك بمازال هو اقتران عبثي وهو آتٍ من مسرح ـ حياة العبث التي يعيشها كل المختلين بضمنهم الشاعر ـ الجوال ـ المغني ـ الصعلوك! الصديق هو الأنا الآخر والأنا الآخر هو وبصيغة أو أخرى أنا لا غير. والتدلِّي هو محاولة لعدم السقوط أو التهيُّئ للسقوط. والمخدع هو للراحة والنوم والحب ! هو مكان يجمع أسرارا ً شتـَّى لايعرفها أحد ولا يتذكرها حتى الشاعر ـ الصعلوك نفسه! ولكن هذا المخدع هو مخدع الجحيم! فماذا نستطيع أن نقول عنه، بما نقدر على وصفه؟! غافلَ أي خدع في لحظة عدم انتباه أو تشتت الفكر و"صَفـْنـَتِهِ"وغافل فعل مزيد بحرف متعلـِّق بفاعل ومفعول به. ومن كان مشتت الفكر ومسهوا بنظره ومأخوذا بـ"صفـْنـَةٍ" سوف يكون تعلثمه بالكلام واقعا ً لا محالة! والحوز على علثمة مخدع الجحيم يعني الأنتصار عليه واحتلاله والبقاء فيه وهذه هي المأساة ـ الألم ـ الحلولية.
أتذ ْكُرْ.../ حين ركبنا الحافلات من كومة النار قبل ربع قرن وغاصت بنا النوايا في تدهور الحنين نحو تفاصيل مهرجان موبوء؟
كُثرة السؤال وإلحاحه تكاد تكون الصيغة المُثـْلى لوجود الشاعر في خـَضِمَّ مأساة، يعرف هو نفسه ما سببها ولكنه لا يملك أن أن يتحاشاها أو يهرب منها أو حتى أن يتخلص مما قد علق به من عوسج بحرها!: أتذكر؟ يسأل ألأنا الآخر أو أحدا ما؟ أتذكر عندما ركبنا الحافلات " هي حافلات المأساة" تشكل كومة من نار وكان هذا الحدث بالتحديد قبل ربع قرن! ( المغني ـ الصعلوك يعترف وهو بكامل قواه العقلية بالزمان وليس بالمكان!) وهذا ما يعقد الأمور فإن الزمان لايكون إلا َّ في مكان ما والمكان هنا ليس مذكورا! أنا كنت قد قلت من قبل من أن شهادة هذا الصعلوك ـ الجوال ليست مقبولة من قِبَلِ هيئة المحكمة وأنها تعتبر شهادة مُضَبَّبَة وشاحبة كالغبار النحيل في آخر الملحمة وليس في نهاية المأساة. أمَّا النـَّوايا فهي أيضا مبهمة: فهل هي نوايا خـَيِّرَة أم أنها نوايا سيِّئة؟ وما يدل على أن هذه النوايا لها ميل الى الشر فهي تغوص في تدهور الحنين وتقهقره باتجاه تفاصيل عميقة ومُعَلـَّمة بكل دقائقها لمهرجان قد احتَلـَّهُ الوباء فهو موبوء. السرد لحالة واقعية بصيغة مثالية هو ليس إلا َّ تشويه تلك الصورة وتـَضْبـِيبـِها الى أقصى حد ممكن لجلب انتباه المفتشين وأطباء الطب الشرعي الى الوقوع في كثير من الأخطاء والمشاكل الصعبة والعويصة التي تمنعهم من الوصول الى الحقيقة:ـ ( الشَّكّ ُ لا شَكَّ له: حقيقة الشك!) ـ
هكذا تأجل وقوفنا/ ونحن نحمل غبارنا النحيل في آخر الملحمة./ لا نملك وقتا ً لتأمل النعاس/ في بحيرة انتحار قاماتٍ/ كأنـَّها دواب.
لكل تلك الأسباب التى جاء ذكرها من قبل فقد تأجل وقوف الشاعر ومن معه من الأنا الآخر ـ المغني الجوال والصعلوك وغيرهم وتأجيل الوقوف معناه الإستمرار بالمشي والحركة  وإنْ كان ثقل الغبار النحيل في آخر الملحمة قد أصبح لا يُطاق وأنَّ تأملَ النعاس ممنوع وليس له وقت يُسْمَحُ به فعل ذلك. المشي في بحيرة دم انتحار لقامات طويلة وفارعة وبالرغم من طولها وضخامتها هي لا تعي معنى انتحارها لأنها تُحِسُّ نفسها وكأنها دواب! صيغة السرد الملحمي لم تتغير حتى في هذا المقطع وكأنَّ الصعلوك يريد أن ينهي ملحمته دون علمه بأن المأساة ستستمر!
دُلني يا صديقي على سلالة بعيدة/ تقودني الى سماءٍ/ أدفن فيها جثتي/ ولمّا أعود إليها كل عام توشك أن تعرفني.
سؤال آخر بصيغة الأمر الذي يدعو المُتـَكَلـَّمَ معه أن يفعل. والسلالة البعيدة هي تلك التي تكون في زمان ومكان بعيد. الشاعر يريد التنصل من أصله، من ذاته، من تلك البذرة التي تحولت الى خطوة، من المأساة التي هي أكبر وأعمق وأطول من الملحمة، الصعلوك يريد أن يتخلص من كل هذا ويلتحم بسلالة أخرى تقوده الى السماء فهناك في العلو وفي أحشاء الأنا العليا يكون الخلاص وإنْ كان الشاعر الصعلوك جثة. الجثة أيضا تحتاج الى الراحة والخلاص. وهو برغبته هذه يريد أيضا العودة الى جثته ليزورها كل عام وإن سيكون من الصعب عليها أن تتعرف عليه من جديد فالفعل "كاد" معناه بالضبط أن وقع الفعل لم يكتمل بعد أو أنـَّه يقع بالـ"كاد" وكادٌ هذه هي إسم ، صفة لا وجود لها في هذا المقطع الشعري.
لعلني وطأت أجفان الرماد/ فمعذرة ياصديقي لبلاهتي/ لركود أصابعي في الثرثرة/ ريثما يغرس       الحمام حدقاته الموجعة/ في ستائر ظلت مسدلة.
لعلَّ حرف مشبه بالفعل وهو يعني الوقوف مابين الشك والواقع ـ الحقيقة لفعل ما كان قد حَدَثَ وَوَقعَ. وتوطئة الأجفان أي إنزالها لتغمض العين وأجفان الرماد هي تلك التي تخلف انطفاء النار وهمودها وموتها وطلب الإعتذار هنا يعبرعن أخلاق الصعلوك الرفيعة وكياسته في خطابه هذا لصديقه: "الأنا الآخر" والبلاهة لا تعني لازما ً بالبله أي الغباء والتخلف العقلي بل يمكن لها أن تخلد في الذكاء والحكمة لعظيم من عضماء الفكر فهو يكون مأخوذا بموضوع فكره الى درجة فيها لا ينتبه الى شيئ آخر وهذا ما ينسيه ما حوله من الأشياء الأخرى فيبدو أبلها! الصعلوك يُوز ِعُ بلاهته الى ركود أصابع فكره في الثرثرة كما يفعل المختلون أو غيرهم. والجملة دخيلة على السرد الأساسي وهو: لعلني... ريثما. وريثما هذه لها نفس القول في ربما وعندما وغيرهما. والتريث هو عدم الإستعجال والتأنـِّي في الوصول الى مأرب أو غاية ما: هنا هو غرس الحمام حدَقاتـَه المؤلمة والموجعة وكأنها مخالب في تلك الستائر التي طالما ظلت مُسدَلـَة ً. الستائر المثالية التي تحكي عن الواقع ـ المأساة بصيغة الغبار النحيل والتي سوف لن تنتهي أو تـُرْفـَعَ بانتهاء الملحمة!



                        أتكـــــــئُ على نبـــــرة صوتـــــــي
الإتـِّكاء هو ما يدل الى الرغبة في الراحة والإطمئنان والإتكاء على نبرة صوت هو ليس كذلك!
النبرة هي صوت والصوت هو نوتة موسيقية لصوت ما وهذه النبرة هي نوع يدل على هوية المتكلم وكيف ينطق ويتحدث. والهوية هي الشكل والمضمون لوجود ما. ووقت النبرة لا يزيد على رمشة عين وهو ربما أقل من لحظة أوهو وقت لحديث طويل يكون بنفس النبرة ونبرة صوت المغني ـ الصعلوك ليست بالتأكيد تلك الوسادة أو الطنفس من الطنافس التي يُتـَّكَأ ُعليها! فكيف الأتكاء عليها والشعور بالراحة والإطمئنان؟! مغالطة الواقع بالتجريد المثالي يُعطي نتيجة سلبية للتشريح والوصول الى أسباب الحدث وواقع الجريمة.
لطلما انتظرت مائدتي/ وأنا أحني رقبتي/ تحت منجلٍ من فطنة البنفسج/ أُخمدُ ارتباكَ الغسق/ أمام عويل المقصلة بثبات أوصافي.
أللا ّم توكيد لـِ "طالما" وهي توكيد بذاتها لزمن مرَّ وما يزال مروره. والمائدة لن تأتي الى الصعلوك فهي أيضا مضطربة ولن تستجيب الى أيِّ طلب أو أمر كان. وأن يحني الصعلوك رقبته ـ رأسه فهذا لا يُعني خذوله أو خضوعه بل هو عاشق لمنجل فطنة وذكاء البنفسج والبنفسج رمز للفداء والحب والموت! والإرتباك طاقة والطاقة هي منبع الإضطراب الذي يسببه شيئ ما، إمّا البرد ـ الثلج وإمّا النار وفي الحالتين الصعلوك يخمده ، إرتباك الغسق لا يكون إلا َّ بتورطه بسرقة لون دم الصعلوك! أمام عويل ـ أزيز ـ صراخ ـ صمت ـ خرس ... المقصلة التي اشتراها أعرابي من فرنسيٍّ إبان الثورة الفرنسية إيَّاها. ثبات الأوصاف تحت عويل المقصلة يعني ثبات الشاعرـ المغني أما م الصوت الحافي الذي يقطع ذخيرةالأحكام ! أخمد ارتباك الغسق ... بثبات أوصافي ... أمام عويل المقصلة. تفاوت السرد واختلاط التعابير ببعضها يدل من جديد على أقصى حالات الهذيان المثالي في سرده لِأحداث واقع ٍ مأساويٍّ سوف لن ينتهي بانتهاء الملحمة.
أدنو الى حتفي/ أحملُ سحنة ولعي بالتراب/ وستبقى شروخ ضيمي/ برفاهة الرصاص.
الدنو هو الإقتراب، والحتف هوالموت. السحنة صفة للشكل واللون، والولع بالتراب هوالغرام والحب والجنون، وشروخ الضيم هو جروح الألم وألم الجروح ورفاهية الرصاص هي أنه ينعم في قصر يمتد على جروح المجني عليه الشاعر ـ المغني الجوال ـ الصعلوك الذي كان من قبل قد أعلن عن وصيته: أن يحلم كل مختل نيابة عنه!
هذا المقطع الأخير ليس إعلان لنهاية مأساة كان قد كتبها أحد الإغريق القدماء  وخاتمتها:

DEUS EX MACHINA[25]

بل هو إعلان عن نهاية ملحمة واستمرار مأساة مُتـَنـَبَّأ بها من قبل. الشاعر سرد أحداث واقع بكل جوانبه من معانات وألم وحزن، بكل ألوان القهر والحرمان ليس لشخصه فقط بل لشعب بأكمله وهو المجني عليه حقيقة وفعلا والمُتـَمَثـِّلُ في روح وجسد الصعلوك ـ الشاعر. أسباب الجريمة واضحة والمجرم لازال متواجد في ساحة الجريمة وهو على خشبة المسرح ينهي ويقضي كيفما أراد. إن كان الشاعر ـ المغني الجوال قد مَوَّهَ تقاسيم وعلائم وجه الجاني بمثاليته ورمزيته وتجريده للواقع فكل هذا سوف لن يكون عائقا بعد الآن لمعرفة الجاني وهو بدون شك يغير لونه وإسمه وسحنته وشكله كالحرباء في كل مرَّة يُريدُ ذلك. ولكن في قاعة التشريح هذه وفي هذا المختبر هناك من لا يخاف الإعلان عنه جهرا ً: إنـَّه الطاغية، الدكتاتور، المتسلط. في كل زمان ومكان. في عهدنا ذا هم رعاة البقر والمعيز والعصابات التي تحت ظلهم وحمايتهم من المختلين الذين لا أمل في شفائهم واختلالهم. هؤلاء المختلون ليسوا أولئك الذين أراد الشاعر أن يحلموا عوضا عنه بل هم المختلون الذين لا وجه لهم إلا َّ القوة والظلم الذي به يستعبدون ويقتلون وينهبون.
مروان الدليمي في هذه المجموعة الشعرية كان قد تنبأ منذ زمن عمَّا سيؤول إليه الواقع الذي تعيشه الإنسانية كلها وليس مروان وشعبه وأرضه فقط.
سلاما يا مروان.










  

[1] صفحة38ـ أخبار الحلا ّج ـ AKHBĀR AL _ ḤALLĀJ – Texte ancien relatif à la prédication e tau supplice du mystique musulman – AL-ḤOSAYN B. MANṢOUR  AL- ḤALLĀJ _ publié ,  annoté  et traduit par Louis MASSIGNON et Paul KRAUS _ 1936 _ Imprimerie “AU CALAME” 50, Rue Jacob – Paris VI° _  EDITIONS – LAROSE – 11, rue Victor Cousin – Paris V°
[2] This is an authorized translation of CRITICAL APPROACHES TO LITERATURE – by David Daiches – p. 243 – (C) Copyright 1956 by Prentice _ Hall, Inc. Published in the U. S. by Prentice _ Hall, Inc. Englewood Cliffs, N. J.
 ـ ديڤــِد ديــتشِس ـ مناهج النقد الأدبي بين النظرية والتطبيق ـ ص. 243 ـ نشر بالإشتراك مع مؤسسة فرنكلين للطباعة والنشرـ بيروت ــ نيويورك ـ1967ـ
[3]Promethios: ﭙروميثيوس
هوإله من آلهة الإغريق، كان يحب الإنسان وقد سرق من أجله النار من الشمس ليعطيها إياه ولذا فقد غضب منه زيوس"جوبيتر"وأمر بسجنه على جبل القوقاز وربطه بالسلاسل وأن يأكل النسر من كبده كل يوم وأن يعود كبده كما كان في اليوم الثاني وهكذا الى أن يأتي يوم خلاصه على يد هرقل من سجنه ذاك وهذه هي أحد المشقات السبع التي كان  سيخوضها هرقل.
[4]ص. 40 ـديوان المتنبي  ـ دار الجمل ـ بيروت 1978
[5] ديوان أبي نؤاس ـ دار صادر ـ بيروت ـ لبنان ـ 1962 ـ ص. 7

[6]المنجد  في اللغة والأدب والعلوم ـ  المطبعة الكاثوليكية ـ بيروت ـ 1956ـ ص. 336 ـ سدن:  ـ سَدْنا و سدانة/ ـ خدم الكعبة أو بيتَ صنم .
 لسان العرب ـ للإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ـ دار صادر ـ بيروت ـ الجزء 13 ـص. 207ـ سدن: السادن: خادم الكعبة وبيتِ الأصنام...قال ابن بري: الفرق بين السادن والحاجب أن الحاجب يحجب وإذنه لغيره، والسادن يحجب وإذنه لنفسه...                                                                                  
[7]ـ لبنان ـ  . النقد الأدبي الحديث ـ الدكتور محمد غنيمي هلال ـ  دار العودة ـ  دار الثقافة ـ بيروت
الباب الثالث ـ الفصل الأول ـ أسس الجمال الفلسفية للنقد الحديث ـ ص.291ـ360ـ  الإتجاه المثالي والإتجاه الواقعي
[8]     المنجد  في اللغة والأدب والعلوم ـ  المطبعة الكاثوليكية ـ بيروت ـ 1956ـ  ص.334ـ (سَخـَّم) اللحم:أنتن. ـ الماء: سخَّنه. ـ الله وجهه: سوَّده. ـ ه بصدره: أغضبه. [ تـَسَخـَّمَ] عليه: تحقـَّد وغضب [السَّخـَم] السواد [ السُّخمة] السواد. الحقد. الغضب [ السُّخام] الفحم. سواد القدر. الريش اللين تحت أجنحة الطير. ليل سخام: أسود.[ـ والسُّخامي والسُّخامية] الخمر السَلسة [الأسْخم] الأسود م سَخماء ج سُخـُم  [السُخامِيُّ] الأسود [ السَّخيمة] الضغينة يقال " سللت سخيمتـَهُ  باللطف والترضَّي" ج سَخـَائم [ المسخـَّم] مفع . ذو السَّخيمة أي الحقد.
لسان العرب ـ للإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ـ دار صادر ـ بيروت ـ الجزء 12 ـص.282ـ 283ـ  سَخمَ: السَّخم. مصدر السَّخيمة، والسَّخيمةُ الحقد والضغينة والمَوْجـِدةُ في النفس؛ وفي الحديث: اللهمَّ أسْلِلْ سَخيمةَ قلبي، وفي حديث آخر: نعوذ بك من السَّخيمةِ؛ ومنه حديث الأحنف: تـَهَادَوْا تـَذهبُ الإحَنُ والسَّخائم أي الحقزد، وهي جمع سَخيمة. وفي حديث: مِنْ سّلَّ سخيمتـَهُ على طريق المسلمين لعنه الله، يعني الغائط والنـَّجْوَ. ورجل سخيم: ذو سَخيمة، وقد سَخَّمَ بصدره. والسُّخمة: الغضب، وقد تـَسَخَّمَ عليه. والسُّخام من الشعر والريش والفطن والخَزِّ ونحو ذلك: اللين الحَسَن؛ قال يصف الثلج:
 كأنـَّه بالصَّحْصَحان الأنـْجَلِ     قـُطْنٌ سُخامٌ بأيْدِي غـُزَّلِ
قال ابن بري: الرَّجَزُ لجُندل بن المثنى الطَّهَويِّ، صوابه يصف سَراباً لأنَّ قبله:
والآلُ في كُلِّ مَرادٍ هَوْجَلِ
شبه الآل بالقطن لبياضه، والأنجل: الواسع، ويقال: من السَّواد، قيل: هو ريش الطائر ما كان لينا تحت الريش الأعلى؛ واحدته سُخامَةٌ، بالهاء. ويقال: هذا الثوب سُخام المسِّ إذا كان لين المَسِّ مثل الخَزِّ. وريش سُخام أي لين المس رقيق، وقطن سُخامٌ، وليس هو من السواد؛ وقول بشر بن أبي خازم:
رَأى دُرَّةً بَيْضاءَ يُحْفِلُ لـَوْنَها    سُخامٌ، كغِرْبانِ البَريرِ، مُقـَصَّبُ
السخام: كلُّ شيئ ليِّنٌ من صوف أو قطن أو غيرهما، وأراد به شعرها. وخمر سُخامٌ وسُخامِيَّةٌ: لينة سَلِسَةٌ؛ قال الأعشى:
فـَبـِتُّ كأنـِّي شارِبٌ، بَعد هَجْعَةٍ،    سُخاميَّةً حَمْراءَ  تـُحْسَبُ عندما
قال الأصمعي: لا أدري إلى أيَّ شيئٍ نـُسِبَتْ ؛ وقال أحمد بن يحي: هز من المنسوب إلى نفسه. وحكى ابن الأعرابي: شرابٌ سُخامٌ وطعامٌ سُخامٌ ليِّنٌ مسترسِلٌ ، وقيل: السُّخام من الشعر الأسود، والسخاميُّ من الخمر الذي يضرب الى السواد، والأول أعلى؛ قال ابن بري: قال علي بن حمزة لا يُقال للخمرة إلا َّ سُخامي!َة، قال عوف بن الخـَرِع:
كأنـ!ِي اصْطَحَبْتُ سُخامِيَّةً،   تـَفـَشَّأُ بالمَرْءِ صِرْفاً عُقارا
وقال أبو عمر: السَّخيم الماء  الذي ليس بحار ولا بارد؛ وأنشد لحمل بن حارث المُحارِبيّ:
إنَّ سَخيمَ الماءِ لن يَضِيرا،   فاعلم، ولا الحازِرُ، إلا َّ البُورا
والسُّخمةُ: السواد. والأسخم. الأسود. وقد سَخـَّمتُ بصدر فلان إذا أغضبته وسللت سَخِيمَتـَهُ بالقول اللطيف والترضِّي. والسُّخام، بالضم: سواد القدر. وقد سَخـَّمَ وجهه أي سوَّدَهُ. والسُّخام: الفحم. والسَّخم. السواد. وروى الأصمعي عن مُعْتـَمِرٍ قال: لأٌ]ـُ حِمْيَرِيّاً آخر فقلت ما معك؟ قال: سُخام؛ قال: والسُّخام الفحم، زمنه قيل: سَخَّمَ الله وجههُ أي سوَّدَهُ. وروي عن عمر، رضي الله عنه، في شاهد الزُّور: يُسَخـِّمُ وجههُ أي يُسَوِّد. ابن الأعرابي: سَخـَّمْتُ الماء وأوْعـَرْتُه إذا سخنته. 
[9] Platone – Clitofont ,La Rrpubblica, Crizia – Opere complete- UNIVERSALE  LA TERZA - vol. 6- Editore Laterza – 1980 –Roma – Bari.
[10] Arthur Schopenhauer – Il mondo come volontà e rappresentazione_ biblioteca di filosofia Mursia – testi- 1969- Italia
[11]لبنان ـ  النقد الأدبي الحديث ـ الدكتور محمد غنيمي هلال ـ  دار العودة ـ  دار الثقافة ـ بيروت ـ
الباب الثالث ـ الفصل الأول ـ أسس الجمال الفلسفية للنقد الحديث ـ ص.291ــ292  الإتجاه المثالي والإتجاه الواقعي
[12]المنجد  في اللغة والأدب والعلوم ـ  المطبعة الكاثوليكية ـ بيروت ـ 1956ـ ص.170ـ ( خَرِسَ ــَ خَرسـًا ) انعقد لسانه عن الكلام. لم يسمع له صوتٌ. ...  أخرست الأرض واستخرست لم تصلح للزراعة.[ خرَّس] على النفساء:
 أطعم في ولادتها....[الخَرس والخِرس] الدَّن. خُرْسٌ وخُرسان وأخارِس م خرساء. لبن أخرس. خاثر لا يتخضخض في أنائه....[ الخرساء] الداهية. السحابة ليس فيها رعد ولا برق.  
لسان العرب ـ للإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ـ دار صادر ـ بيروت ـ الجزءـ6 ص.62ـ63ـ الخَرَسُ: ذهاب الكلام عيّا ً أو خِلقةً...جمل أخرس لا ثقب لشِقِشقتِه يخرج منها هديره فهو يردده...وقال أبو حنيفة: عين خرساء وسحابة خرساء لا رعد فيها ولا برق...والخرساء: الداهية... والخرساء من الصخور: الصماء... والخُرسُ والخِراسُ: طعام الولادة...
[13] القرآن الكريم ـ سورة آل عمران ـ 3 ـ الآية ـ 7ـ  "... وَمَا يَعْلـَمُ تـَأوِيلـَهُ إلا َّ اللهُ والرَّاسِخُونَ في العِلـْمِ...." هنا الفاعل في بداية الآية " هو الذي أنـْزَلَ عَلـَيْكَ...
[14] ديوان أبي نؤاس ـ دار صادر ـ بيروت ـ لبنان ـ 1962 ـ ص. 366
[15] Assefer Bellek-الدولة العثمانية ـ قانون الخدمة الإجبارية ـ المعمول به أيام الحكم العثماني للبلاد العربية
[16]الطبعة الثالثة كتاب سيبويه ـ أبي بشر عمروبن عثمان بن قنبر ـ تحقيق وشرح عبد السلام محمد هارون ـ عالم الكتب ـ بيوت ـ لنان ـ 1983هـ ـ1403م ـ الجزء ـ3 ـ ص.115 ـ ... ومن تلك الحروف: رُبَّمَا وَ قلـَّمَا وأشباههما، جعلو رُبَّ بمنزلة كلمة واحدة ...رُبَّ مع ما بمنزلة كلمة واحدة، وهيئوها لِيُذكرَ بعدها فعل...
[17]- Friedrich Schiller-  Lettere sull’educazione estetica dell’uomo – ed. La Nuova Italia – Firenze - 1973
[18]لسان العرب ـ للإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ـ دار صادر ـ بيروت ـ الجزء ـ13 ـص.314ـ غضن.
[19]. مروان ياسين الدليمي ـ سماء الخوف السابعة ـ مجموعة شعرية كان قد نشرها الشاعر في السنوات الأخيرة
[20] Salvatore Guglielmino - Guida al novecento –Principato editore Milano -1971  – terza edizione ampliata- p. 90 – Il futurismo – p.175Il dadaismo. دليل الـ تسعمئة ـ 1800/50ـ 1900/50 ص. 90 المستقبلية ـ ص. 175الدادائية ـ  
[21]6 ـ ص. 243ـ244 لسان العرب ـ للإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ـ دار صادر ـ بيروت ـ الجزء
المنجد  في اللغة والأدب والعلوم ـ  المطبعة الكاثوليكية ـ بيروت ـ 1956ـ ص.917
[22]ـ5ـ ص.161ـمواخير ج. ماخور : بيت الريبة ، وهو أيضا الرجل الذي يَلي ذلك البيت يقود إليه. .. مجلس الريبة ومجمع أهل الفسق والفساد وبيوت الخمارين لسان العرب ـ للإمام العلامة أبي الفضل جمال الدين محمد بن مكرم ـ دار صادر ـ بيروت ـ الجزء
[23] Hans Georg Gadamer – Il problema della coscienza storica- Guida editori – Napoli – Italia _ 1988.
    Hans Georg Gadamer – VERITA’ E METODO – Fabbri –Bompiani – Milano – Italia – 1986
هانس جورج كادَمير ـ معظلة الضمير التاريخي ـ كويدا دار نشرـ ناﭙولي ـ إيطاليا ـ 1988
هانس جورج كادَمير ـ حقيقة وطريقة ـ فابري ـ بومﭙياني دار نشر ـ ميلانو ـ إيطاليا 1986
[24] Mario dal pra – LO SCETTISMO GRECO- vol. 1- 2- LaTERZA – Roma – Bari – 1975
مبدأ الشك عند الإغريق ـ ماريو دال ﭙرا ـ
[25] DEUS  EX MACHINA: هو تعبير مسرحي يمثل آخر مشهد في مسرحية مأساة كانت أو ملهاة يعلن عن انتهاء المسرحية وذلك برفع أحد شخصيات المسرحية بسلاسل أو حبال الى أعلى فضاء المسرح وكأنَّ الآلهة قد أتمت المسرحية.ـ أو أنه إله يهبط بواسطة محرّك ما من العتلات والسلاسل أو الحبال ليتدخل في الوقت المناسب لحل معضلة عويصة وصعبة أو مستحيلة الحل ويحلها لكي ينهي المسرحية.ـ
                                            




«عام السرطان» للعراقية سالمة صالح: دلالة الاتكاء على استراتيجية السَّرد السير ذاتي مروان ياسين الدليمي http://www.alqu...