حوارات مع مبدعين

 
الحوار مع المخرج المسرحي فاضل سوداني في صحيفة الزمان الطبعة الدولية -السنة السادسة عشرة -العدد 4553- الخميس 2 رمضان 1434ه 11 تموز (يوليو)2013م .(الجزء الاول)
المخرج المسرحي د.فاضل سود
اني :
-النصُّ الأدبيُّ المُغَلق، ُيعمّقُ اغترابَ َنص ِّ العَرض المسرحي
حاوره : مروان ياسين الدليمي


"انا فنان وكاتب حالم ،أفهم العالم من خلال الحلم، والحياة بالنسبة لي بالرغم من قسوتها تعني لعبة حلمية،ولهذا فإن اللعب الفني هو طقس مسرحي يجب أن نعرف من خلاله كيف نحلم وكيف نحتفل به مع الجمهور ." بهذا التأطير يُفلسفُ فاضل سوداني طبيعة الحضور الذي يسعى لأن يكون عليه فعلهُ ومنجزهُ الفني والانساني، بعد رحلة طويلة من الترحال والسفر بين التجارب، توزعتها خارطة ُأمكنة ٍتفصل فيما بينها ثقافات وحضارات شاء هو أن يخوض غموضها متسلحا بأحاسيس من الدهشة والتساؤل . .مدينة العمارة العراقيةهي بداية ُمنعطف ٍفي تأمل الذات والاشياء ، وبداية ُسفر ٍطويل ٍفي طقوس ِالجسد ِوالصمتِ على رقعة الخشبة،فكانت بغداد وبيروت ودمشق وكوبنهاكن توغلا ً في متاهة البحث عن قيم الجمال التي يمكن لفضاء الدراما المسرحية ان
ينثرهاعلى انقاض ماض ثقيل بثرثرته المتأكلة. . والسوداني أستاذ جامعي ومخرج وباحث أكاديمي في الفن المسرحي ، يحمل شهادة دكتوراه في الاخراج والعلوم المسرحية ،عمل مخرجا وممثلا لسنوات طويلة في العديد من المسرحيات العالمية في مختلف البلدان ،ساهم في إلقاء محاضرات ودراسات في مختلف المهرجانات المسرحية وأنتدب للمساهمة في الجامعات والمختبرات المسرحية،كتب الدراسات المسرحية في الصحف والمجلات العربية، صمم الديكور للعديد من المسرحيات،وهو يدعوالمؤلف المسرحي العربي الى كتابة النص البصري في المسرح، ويعمل على تحقيق ذلك ضمن أمكانيات مايدعوه بالبعد الرابع لفضاء العرض المسرحي، وكذلك تحقيق المسرح البصري وتطويرعمل الممثل من خلال تدريبه عن طريق الذاكرة
البصرية المُطلقة لجسد الممثل وعلاقتها بالأشياء والفضاء المسرحي ، وتحقيق ذلك مع طلبة المعاهد المسرحية والممثلين عموما من خلال اقامةالعديد من المختبرات work Shop لتدريب الممثل ، اخرج وكتب العديد من
المسرحيات ، يعيش في الدنمارك منذ العام 1992 ،يعمل الان استاذا جامعيا في جامعة دهوك في اقليم كوردستان . الزمان التقت به وحاورته حول رحلته وتجربته وتساؤلاته المسرحية .
*ماهو شكل العلاقة بينك و العالم ،هل تجدها علاقة تتسم بالواقعية مع هذا الكم من الحلم الذي تغرق فيه ؟

-من الضروري أن نفهم العالم وهو في كينونته الإبداعية يعني في كينونة المخيال والحلم ، و بالقدر الذي تكون فيه هذه العلاقة حُلمية -تكون في ذات الوقت علاقة واقعية فيها الكثير من عدم التوازن ـ فالغرباء عن العالم او غير المنسجمين معه والذين لا يفهمون تعقيداته يعيشون في غربة ذاتية خالصة،وفي المقابل أن تحلم يعني أن تبدع، وبمعنى اكثر وضوحا يعني أن تكون غريبا وفي علاقة متوترةومتشنجة مع هذا الشئ الغريب الذي أسمه بالعالم ، الحلم هو أسلبة العالم المحيط الى جوهره أو تكثيف لب معناه ، أي افراغه من سطوته واختزاله بتلك المشكلة التي تهمك والتي تكون فيها ذاتا ً متجوهرة ومتجسدة في أشكال مشخصه ،والحلم يعني أيضا أسلبة للواقع ، أي ان تؤكد علاقتك مع العالم من خلال الجوهر أو لب العالم ، وأن تعرف كيف تختزله بوضوح تام من خلال الإبداع الذاتي الصرف ، وتعرف أيضا أدواتك في أن تحوله الى لوحة أو عرض مسرحي أو قصيدة ضمن شروط العملية الفنية وليس شروط الواقع ، أي حسب زمن البعد الفني وليس الزمن الواقعي ، لهذا فان العمل الفني يتحول الى واقع افتراضي بديل فنياً و في لحظة الإبداع ، أي (الآن وهنا ) ولكون الواقع هو دائما غير مقبول نتيجة لشروطه الواقعية القاسية ، لذا يحتاج الأمر الى كم هائل من الحلم من اجل تحّمل وقبول هذا الواقع ، أن تحلم هذا يعني ، ان تعيش الحياة الحقيقية مادام الواقع هو ثرثرة وليس غنى ديناميكي ،إذن الحلم هو الحياة في ديناميكيتها المستعادة ،وهناك شئ آخر وهو: لا يمكن أن يكون للحياة أي معنى إذا لم نعرف كيف نحلم وكيف نتذوقها ؟ وإذا لا نعرف كيف نعيش الحياة وهي قصيرة ،وكيف نحقق مشروعنا الحياتي ؟ فإننا سنعيش بسكون تام ،لذا، وحتى نعيش الحياة لا بد أن نتعلم كيف نحلم ، وكيف نتذوق هذا الحلم الذي يحدد العلاقة بيني وبين العالم .
الفنان المثقف
*من الطبيعي ان يشكل الفن خطورة على الانظمة القمعية لكن هل يمكن ان يشكل الفن خطورة على المجتمع في لحظة ما،أو في عمل ما ؟
-عندما يفقد الفنان حريته في معالجة مشكلاته الذاتية والمشكلات الاجتماعية بوجود النظام اللاديمقراطي يتحول الى فنان غير متفاعل أي انه يتكيف مع حاجات العنف والإستثناء ويستخدم كل طاقاته الفنية والإبداعية في التكيف لمصلحة هذا الاستثناء في الحياة ، وأيضاً يعمل على تكيف المجتمع من خلال جعل الفن والثقافة طريق غامض لفهم الحياة أو يعمد الى وضع الأسئلة المزيفه والأجوبة الجاهزة التي لا تعني أي شئ لكنها تفرض الأستثناء الطائفي أو العنفي أو لخدمة الدكتاتورية مثل هذا الوضع يهيئ الفنان غير المتفاعل الى أن يصبح داعية لبرنامج النظام الدكتاتوري أوالشمولي ( الذي يهيئ المجتمع الى حروب لا مجدية ) وتفرض على الفن والفنان أو المثقف من قبل النظام الإستثنائي ،إضافة الى ما ذكر، حالة من استغلال ثقافته وفنه لتنمية غرائزالعنف المتوحشة في روح الإنسان في مجتمع فقد قدرته على التفاعل الإنساني والتاريخي لأنه يغرق في الخرافة لدرجة تحتل الأولوية في سلوكه ، فتتحول الى ظاهرة طبيعية في مجتمعات الأنظمة الشمولية والدكتاتورية والطائفية ،ويسبغ هذا المثقف على مثاله السياسي ( الدكتاتور ، الطاغية ،القائد ، الأب الروحي ، وشيخ الخرافة ... الخ ) صفات الرسل والقديسين ، من هذا المنطلق فان المثقف أو الفنان غير المتفاعل يبني ذاته هامشيا ، انه توريط الذات ـالمثقفة والذات الجماعية المتكيفة ـ في الالتزام بالوعي المشوه والخرافة من خلال فنه ، مثل هذا المثقف ـ الفنان هو جزء لا ينفصل عن النظام الدكتاتوري الشمولي أو النظام الطائفي المتسلط مما يجعله هذا مساهما دائما في تزييف حقائق الواقع المعاصر والحقائق التاريخية ، فيصل الى مرحلة الإتكالية الفكرية ، ويصبح المثقف الابن المدلل ، يمنحه الدكتاتور المكرمات والهبات ويمنحه شيخ الخرافة البركات ، ولكن في ذات الوقت يحرمانه الحق في التفكير واتخاذ القرارات الفكرية الخاصة لان القائد ـ الدكتاتور او القائد الطائفي هو الذي يفكر ويخطط بدلا عنه وعن المجتمع والأمة ،فيتحول الفنان غير المتفاعل إلى منفذ فقط ،وبما أن الدكتاتورية أو النظام الإستثنائي او النظام الشمولي بحالة دائمة من التطور السلبي تحتاج هذه الانظمة الى ذلك المثقف الذي يغذي ويشيع هيكلة وأساليب الفاشية التي سيتبناها النظام ، فليس كافيا أن يكون مثقفا متكيفا مع برامجه الثقافية فقط ، وإنما يطالبه النظام ان يساهم في المتغيرات المنهجية الجديدة في سياسته وان يكون محركها الفكري ، وهذا يفرض على المثقف ان يلتزم المفهوم الفاشي في الثقافة روحا وممارسة تخدعه حجج مختلفة مغلفة بدوافع ديمقراطية زائفة ، فيتم التمسك بها كأسلوب للتدجين ، سيباركه النظام الاستثنائي وسيبرره المثقف المتكيف إعلاميا،ومن هنا يشكل العمل الفني أو الأبداعي خطورة على الفنان أو المثقف وعلى المجتمع عموماً .
*"الحرية هذه الكلمة الحلوة ". جاءت هذه العبارة عنوانا لأحد الافلام الاسبانية في يوم ما من سبعينيات القرن الماضي. هل تذوقت طعم الحرية ؟ واين تجدها حاضرة معك بقوة ووضوح ؟
-ليس هنلك حرية بالمعنى الحقيقي ، لكن عندما أتأمل أو أكتب نصا شعريا او مسرحياً، اشعر بانني أحلم بحرية شبه متكاملة، لأنني أنا الذي أقرر وارسم وأبدع العالم الذي أريد أن أقدمه أمام الآخر ولكن كابوس المحضورات هو الذي يفقد الكائن تكامله الإنساني وبالتالي يفقد معنى الحرية كوجود مكثف للكائن ، نعم الحرية هي وجود مكثف للاشياء المهملة والملغاة أيضا والضرورية للإنسان والتي يطمح في الحصول عليها لكنها في النأي الحلمي ، فالحرمان من ممارسة الوجود الحقيقي للذات هو إلغاء للحرية ، الكتابة الإبداعية البصرية هي الحلم وفيها تصل الحرية الى أقصى درجاتها ، حيث عندما تقرأ رؤيتك في كتاب او عندما ترى أفكارك في فضاء المسرح او عندما تواجه الجمهور وأنت تمثل وسط فضاء المسرح الحلمي بألتاكيد ستكون حرا ، ففي اللحظة التي تعرف فيها كيف تتذوق الحياة عندها فقط تعرف كيف تتذوق الحرية ، ولهذا فان تذوق الحرية الإبداعية يبدأ في لحظة تطور مراحل انجاز القصيدة او النص او الرؤيا الإخراجية وعندما يكتمل هذا الإبداع تشعر بأنك حراً، الحرية المزيفة في عالمنا عموما هي رؤيا غير مكتملة وتصورٌ خطر ، وعلى المبدع أ ن يجعلها تتكامل من خلال الإبداع، فيها فقط يصبح الإنسان حرا وعليه ان يحتضنها كجمرة تشتعل في الروح والقلب حتى يمارس حريته تماما ً، بدونها لا يتكامل الإنسان ، وبدون الإبداع الحقيقي لا تتكامل الحرية أبدا،وهذاهو حقيقة التكامل بين الحرية والإبداع ،الحرية هي لحظة الشعور بالديمومة والانتصار الأبدي على الظلم والحيف والتهميش والعدم وحتى عبث الموت، قد يبدو كلامي فيه الكثير من القسوة لكن واقع الحال في عالمنا عموما يؤكد بان الإنسان لم يصل الى الحرية الحقيقية ، ففي العالم المتطور بالرغم من أنه يمارس الحرية إلا أنها حرية يتحكم فيها الرأسمال العالمي والبزنس، أما في مجتمعاتنا المتخلفة فإن الذي يتحكم فيها هو الخرافة والأمراض الأجتماعية والفكرية الأخرى ، تصوَّر كنتُ فرِحا جدا وشعرت بطعم الحرية عندما خرجت في الدنمارك لآول مرة في حياتي بتظاهرة مع ابنتي التي كانت بعمر 9 سنوات للمطالبة بحقوق ترفيهية إضافية لطلبة المدارس، حزنت لأنني كنت اريد أن يكون هذا في العراق ، ولكن هل هذا شعور ساذج بالحرية أم أنه إمتلاء حر ؟
حرية اللعب
*اللعبة المسرحية حاضرة بوضوح تام في طقسك المسرحي الذي تكتبه وتنشئه ، لماذا هذا الاصرار على استثمار هذه الآلية في بناء عرضك المسرحي ؟

-من خلال اللعب أوالإيهام يمكن للإنسان أن يرجع الى مرحلة الطفوله حيث الحرية والحلم وقد يبدو العالم لعبة في متناول يد الطفولة ـ أنْ تحلم بخيال طفولي يعني أن تبدع بحرية بدون قيود ، وهذا يعني أن تضع العالم على راحة اليد وتسير مفتوناً به الى أقصى درجات اللعب والحلم ـ وليس هنالك أي فارق كبير بين مكونات الإبداع الثلاث اللعب الحلم والعرض (عرض الحلم سواء على شكل مسرح او لوحة تشكيلية او موسيقى أو قصيدة أو رواية أو أي وسيلة إبداعية أخرى ) وهذا هو نوع من تكامل وجودي ـ إبداعي فيبدوالعالم بكامله لعبة حلم موسيقي أو شعري ، مسرحي أو تشكيلي ،أن تلعب يعني أن تشعر بأنك حر ،وعندما أستخِدم ُ وسيلة اللعب وآلية الحلم في نصيِّ المسرحي أو رؤيتي الإخراجية يحدث نوع من ممارستي لأقصى درجات الحرية مما يدفعني الى أن أجعل من الجمهور قريبا من العرض وفضاء اللعب ، وبالتالي أخلق شئ من ديناميكية العلاقة بين فضاء العرض وصالة المتفاعلين (المشاهدين) ،انا فنان وكاتب حالم وافهم العالم من خلال هذا الحلم ، والحياة بالنسبة لي بالرغم من قسوتها تعني لعبة حلمية ولهذا فان اللعب الفني هو طقس مسرحي يجب أن نعرف من خلاله كيف نحلم وكيف نحتفل به مع الجمهور .
*الصمت يشكل ثيمة وقيمة فنية في العمل الدرامي ،انت من خلال الاندفاع التام نحو العمل المسرحي هل تهرب من الصمت أم تسعى لاكتشاف ماتخبئه لغة الصمت من جُملٍ لايرقى اليها الصوت والضجيج والفوضى في التعبير ؟
-ليس هنالك صمت بالمعنى الواقعي داخل الفنان وانما هو موسيقى ديناميكية تضج في روح المبدع وتعبر عن جوهر العلاقة بين الذات و العالم، فعندما تكتشف هذا الجوهر تستطيع ان تسمع الصمت أو تراه وهو لغة خاصة لها إيقاعها، فالصمت هو موسيقى الأكوان الأخرى التي لا تسمع إلا في الرؤيا الإبداعية ، الصمت هو الديناميكية وهو اشتعال الرؤيا بحركتها الداخلية فبالصمت الديناميكي نفهم ونشعر بان العالم والأشياء في ديمومتها الحركية الأبدية ، ولهذا فان الأشياء تبدو صامتة ولكن حركتها الداخلية تضج بديناميكية الترددات الإيقاعية والمعاني التي تحتاج الى استخراجها وكشفها بوضوح ،في رؤيا العمل الفني يجب اقتناص الصمت المبدع وهذا يعني إظهار الأبعاد الداخلية ــ الخفية للأشياء والكائن والعالم ،الصمت المبدع أو البصري هو تأكيد إنسانية الإنسان والأشياء ، وهو عكس فوضى العالم التي تحول القيمة الإنسانية الى ضجيج ، وما الصمت إلا إعادة هذه القيمة الإنسانية للكائن والعالم من جديد ، ومن هنا فان الصمت هو قيمة ولغة فكرية وبصرية في آن واحد ، والتزام الصمت الديناميكي المبدع هو استجلاء اللغة البصرية للتعبير عنه من خلال العمل الفني ،ومن هنا فان الصمت ليس فقط يُسمع وانما يُرى وهنا تكمن قيمة العمل الفني فكرياً وابداعياً وبصرياً ، أن تصمت في لحظة الإبداع هذا يعني أن تخلق لغة بصرية إبداعية ، أنها لغة أخرى للتعبيرعن الحياة ، ومن هنا جاءت أهمية المفردة الشكسبيرية في تأويل الصمت فآخر كلمة يقولها هاملت هي : ما تبقى هو الصمت (ثم يموت ). وبالتاكيد فان الصمت المتبقي يعني الموت بالنسبة الى هاملت لكنه يعني الحياة المتبقية أيضا ،فإذا كان الصمت يعني الحياة ، إذن يجب ان نفهم هذه الحياة من خلال قيمة الصمت وليس من خلال الضجيج ،إن اكتشاف الصمت يعني اكتشاف جوهر الحياة لهذا فان الإنسان يعتبر الصمت شئ شاق لأنه يفرض عليه التأمل والتفكير ولهذا فهو يفضل الضجيج الذي يدخله بسهولة في ضجيج العالم والثرثرة الوجودية ، ليس هناك صمت أبداً وإنما هناك حركة ودبيب متأمل تدفع جميع الأشياء أن تكون في حركة ديناميكية دائمة وأن تسمع وأن تُرى ،وكمثال سأستجلي مثل هذا الصمت في لوحة سلفادور دالي (الذاكرة ) ، في هذه اللوحة نسمع ونرى صمتاً بصريا ًحركيا ًمطلقا ً من خلال وجود ثلا ث ساعات واحدة منها يتآكلها الدود أي أنَّ الزمن مأكولا من حشرات الوجود ،وجود ثلاث ساعات هذا يعني وجوداً مكثفا ً للزمن ، ولكن هل الزمن صمت أم ضجيج ، بالتأكيد انه صمت الصمت أوجوهرالصمت مادام الأمر يتعلق بالزمن، إنه صمت متأمل ومحسوس به ، لكن الصمت هنا يتحول الى ضجيج عندما لا يشعر الكائن بالزمن مثلا هل يتحول الزمن الى ثرثرة وجودية ؟ أنا لا أعرف هذا ، هنا يتشكل وجود الزمن أما من الصمت المبدع أومن الضجيج وإيقاعه القاسي حسب التأويل، بالتأكيدأن الإيقاع هنا هو زمن صامت لكنه مرئي أي إن الصمت في العمل الإبداعي يُرى كما هو الحال مع الزمن الذي نراه وقد تحول الى إيقاع مرئي في الموسيقى، ولهذا فإننا نكتشف الصمت المبدع والديناميكي من خلال اكتشافنا للزمن والإيقاع ، لأن الصمت المبدع في العمل الفني هو موت للضجيج والفوضى ويشكل قيمة فنية عليا في العمل الإبداعي، وعندما أكتشفه ُ وأركزُعليه في العمل الإبداعي فإنني أكتشف ذاتي الإبداعية وهي في ديمومتها الوجودية المبدعة ، الصامتة المتأملة الضاجة بالإبداع .
الرؤيا البصرية للعرض
*تشكل الصورة الأساس الذي يقوم عليه معمارك المسرحي ، هل تجد ان في ذلك تعميق للمناخ الدرامي الخاص بالتجرب المسرحية وازاحة كل ماله صلة بالادب ؟
-ان الثرثرة في مؤلف النص الأدبي المغلق في المسرح تعمق اغتراب نص العرض والفضاء الإبداعي ومهمات المسرح عموما أمام المتفرج المتفاعل، لذلك فمثل النص الأدبي هو اغتراب لآنية العرض البصري وللفرجة في ذات الوقت لأنه كُتب ضمن انشغالات تهدف إلى تحديد وتركيز وهيمنة الأطر الأدبية على فضاء العرض وإهمال الوسائل البصرية وجعلها ثانوية، أو جعلها تخدم البعد التفسيري للصياغات الأدبية وثرثرة المضامين الواقعية والنفسية المقيتة، وبهذا فإن النص الأدبي المغلق هنا لا يسمح بالإمكانيات البصرية للمخرج والممثل بل يحدد أفق خيالهما،وخاصة القدرات التعبيرية للممثل التي تعتمد على إطلاق الأسرار الإبداعية لذاكرته الجسدية المطلقة (وليس لذاكرة الممثل ) والتي لا يتكامل إبداعها إلا في فضاء ديناميكية العرض البصري ، و من جانب آخر فان النص الأدبي والعرض التقليدي غير البصري يخلقان الاغتراب أيضا في وعي وروح المتفرج ولا ينسجمان مع طبيعة الحوارالذي يتم بين العرض البصري والمتفرج المتفاعل وبذلك يفقدان الاتصال فيما بينهما، إن تداعي الرؤيا البصرية للمخرج لإبراز إمكانات الأنساق التي تكّون فضاء العرض يشكل لغة تجسيدية ودلالية وتأويلية لخلق التأثير والاتصال بين خيالين، خيال المتفرج من جانب وخيال الممثل ـ وذاكرة الأشياء التي في فضاء العرض ـ والمخرج من جانب آخر. لذلك فان المعادلة في النص و العرض البصري المعاصر، تفرض أدوات ووسائل ومفردات لغة بصرية جديدة، فتختلف جوهريا عما كانت عليه في النص المسرحي الأدبي المغلق ،فالمخرج وتداعياته البصرية (مؤلف وخالق الفضاء البصري للعرض ) يأخذ دوره محل المؤلف (مبدع النص البصري الذي أوحي بالعرض البصري المستقبلي ) فتنشأ رؤيا اخراجية جديدة تعتمد على جنينة النص ولهذا يتأسس ما ندعو له أي البعد الرابع في الفضاء والزمن في العرض المسرحي، ويكشف النص والعرض البصري تلك الأحلام والكوابيس والنبوءآت وأسرار الحوارات واللغة المستترة وغياهب الجسد والصورالمشعة والمثيرة ببراءتها والأصيلة لتبهرنا وكأنها تنبثق من السديم النائي في البرزخ الكوني، ولذلك فا ن التداعي البصري للأنساق الذي يمنحه خيال الفنان البصري (صاحب الرؤيا البصرية وليس الأدبية)هو زمن يؤثربصريا على المتفرج ويؤدي به إلى امتلاك لذة الخيال والتصور والتفكير في جوهر زمني ـ بصري إبداعي جديد (العرض البصري الإبداعي ) أي يضعه في زمن الإبداع والحلم وميتافيزيقيا الخيال ، ومن هذا نستنتج بان المؤلف والمخرج صاحبا الرؤيا البصرية يستطيعان أن يخّلصا النص والعرض من الاغتراب من خلال التأليف بالبصريات سواء كان نصا أو عرضا، ويتم تجاوزالاغتراب بتكييف النص البصري أو العرض البصري لمعاصرة المتفرج وجوهر مشكلته ،لذلك فان النص والعرض البصري يمتلكان إمكانية تهيئة ظروف استيقاظ الفنان والمتفرج المتفاعل معا عند عتبة الوجود البصري الإبداعي فقط ،ولا تعني دعوتي لكتابة النص البصري إلى إلغاء الكلمة أو الوسائل اللغوية الأخرى عموما، وإنما على العكس فإن الكلمة تصبح إحدى الوسائل البصرية المهمة لتحقيق النص البصري إذا أحسن انتقائها، وإذا استطاع المؤلف أن يحولها من كلمة أدبية إلى بصرية تصبح جزءا من تحقيق المشهدية البصرية في العرض،وهذا كله يفرض أسس كتابة النص البصري في زمن ما بعد الحداثة ويوحي بل يفرض أيضا بعدا رابعا للزمن والفضاء البصري في العرض المسرحي.
 
الاعلامية القديرة فرقد ملكو لمجلة إنانا :

 صفة الاعلامي تطلق الأن على المئات ممن لاعلاقة لهم بالاعلام

                                        حاورها : مروان ياسين الدليمي 
فرقد ملكو .. إسم له حضور مبهج وجميل لدى المتلقي العراقي منذ أن ظهرت على الشاشة الصغيرة في تلفزيون مدينة الموصل مع مطلع ثمانينيات القرن الماضي فباتت أيقونة للاعلامي المثابر والناجح الذي يَعرِف بمهنية ٍوحرفية ٍعالية ٍكيف يكسب ثقة المتلقي ويؤثر فيه من غير أن يلجأ الى التكلف والتصنّع،وأهم ما تتسم به ملكو من بين عديد الصفات المميزة التي جعلتها قريبة الى جمهورها قبل زملائها هي : الجديّة والمثابرة في العمل،فهي لن ترضى أبدا ًبأنصاف الحلول وأسهلها، بل تسعى بما تملك من ذكاء وخبرة وإرادة على تقديم الافضل متجاوزة كل الصعاب التي قد تقف أمامها  بل تعتبر ذلك مصدر إلهام ومتعة لهالإعمال الفكر وتنشيطه لأبتكار حلول جديدة ، لانها تدرك جيدا ً بفعل خبرتها المتراكمة أن الجمهور من الذكاء العميق مايمكنه  ألتمييز بكل سهولة مابين العمل الضعيف والعمل المتكامل. . . مجلة إينانا التقت بها وحاورتها حول مشوارها وتجربتها ورؤيتها للعديد من الموضوعات التي تتعلق بالعمل ألاعلامي،فكانت أجاباتها واضحة وصريحة كعادتها .   
*في بدء هذا الحوار لابد من المرور على بداية الاهتمام بالعمل في ميدان التلفزيون. .  كيف تولد هذا الاهتمام ؟. وماذا كنت تهدفين من وراءه ؟
- بدايتى فى التلفزيون كانت عندما تم تعيينى فى تلفزيون نينوى فى القسم الفنى كموظفة اعتيادية فى احد الاقسام الفنية ، في حينها  تدربت بشكل عملي وتطبيقي على كل التفاصيل فى كل الاقسام الفنية أسوة بزملائى وزميلاتى ،حتى أنني التحقت باكثر من دورة تدريبية فى المعهد الاذاعى والتلفزيونى فى بغداد لتطوير امكانتي وأدواتي الفنية ،وبعد عملى فى كل الاقسام الفنية إستهوانى العمل فى هندسة الصوت، ليصبح بالتالي كل مملكتى وقد نفذت الكثير من التمثيليات والمسلسلات التلفزيونية العراقية والعربية ولشركات انتاج اردنية ومصرية وتعاملت مع الكثير من الفنانين العرب الكبار كممثلين او مخرجين ..كما نفذت الصوت للكثير من الاغانى والاوبريتات ..بعد ذلك وفى منتصف الثمانينيات رشحني زملائى فى التلفزيون لتقديم برنامج وفعلا بدات فى منتصف الثمانينيات بتقديم برنامج تلفزيونى ميدانى فكانت كل حلقة تتناول محافظة من المحافظات العراقية عنوانه كان (نسمات من بلادى ) يتجول البرنامج فى كل محافظة متناولا ً جوانبها التاريخية والتراثية والثقافية والفنية والعمرانية وجولات فى اقضية ونواحى كل محافظة . وهو برنامج شهري يعرض ظهيرة كل  جمعة لمدة ساعة كاملة ،استمر البرنامج اكثر من 6 سنوات وتوقف مع احداث عام 1991 ..بعدها عام 1992 بدات فى تقديم جريدة ام الربيعين التلفزيونية الاسبوعية كنافذه ثقافية فنية اجتماعية تاريخية اسبوعية، وكانت تعرض ايضا ظهيرة يوم الجمعة وتوقفت مع احتلال العراق عام 2003 اى استمرت اكثر من 11 عام  وبشكل متواصل وبدون اى انقطاع مطلقا، واستطعت ان احقق نجاحى فى البرنامجين واصبحت لى جماهيرية كبيرة لان اغلب  العراقيين كانوا يتابعون (جريدة ام الربيعين )، بعد انطلاق قناة العراق الفضائية عام 1998 اصبحت ام الربيعين تعرض من خلال برامج القناة  ليشاهدها بالتالي  من كان  خارج العراق . وبجانب ام الربيعين بدات بتقديم سهرات موصلية من خلال قناة العراق الفضائية بشكل نصف شهرى وعلى الهواء مباشرة لمدة ساعتين حتى عام 2001 .. الى جانب هذه البرامج وفى نفس الوقت كنت اقدم برنامج (العراق تراث وحضارة) باللغة السريانية وكان يبث ضمن برامج قناة محافظة كركوك ..كذلك قدمت برنامج (تراثيات معاصرة ) عن الحناء والسوس وغيرها ..وحلقة السوس عرضت ضمن مهرجان تونس فى وقتها .. وكان هدفى من تقديم هذه النوعية من البرامج هو تعريف المشاهدين فى الداخل والخارج بتاريخنا المشرق وتراثنا وثقافاتنا وحضارتنا ..  



*هنالك الكثير من المتغيرات الحرفية  التي حصلت في ميدان عمل تقديم البرامج بعد ظهور البث الفضائي .. كيف تجدين الاستجابة لهذا المتغير في العراق ؟
-المتغيرات الحرفية التى حصلت فى ميدان تقديم البرامج بعد ظهور الفضائيات لازالت الاستجابة لها فى العراق  بسيطة جدا وانا اذهب بالاسباب الى عدم تدريب وتطوير الكوادر خارج العراق وخاصة الكوادر الفنية من مصورين ومخرجين وطبعا المذيعين والمقدمين كذلك عدم إقامة دورات تطويرية فى معاهد تدريبية حكومية مثلما كانت الدورات فى معهد التدريب الاذاعى والتلفزيونى بشكل متواصل طول ايام السنة، فكان دائما يتم استدعاء الموظفين من محطات التلفزيون في المحافظات للمشاركة،كما إن وعدم ارسال الكوادر الى مراكز دولية متخصصة للمشاهدة والاطلاع سبب اساسي في عدم حصول التطور . فالبرنامج التلفزيونى حتى يكون ناجح المفروض ينبغي أن  يكون متكاملافى الاعداد والتقديم والتصوير والاخراج واى مفصل من هذه المفاصل اذا اختل يؤثرعلى البرنامج باكمله،ولكى نصل الى نخبة من مقدمى البرامج بمستوى احترافى يجب اولا الاختيار الصحيح للمذيع من ناحية المواصفات كالحضور والثقافة والشكل،ولانختار المقدم حسب العلاقات والواسطة لان العمل التلفزيونى لاتنفع معه الواسطة والمحسوبية والمنسوبية،لانه عمل مرئى ليس ككل الوظائف الادارية والحسابية وغيرها ..انه عمل فنى والخطا فيه مكشوف امام الناس جميعا ً واذا كان المقدم يمتلك هذه المواصفات الاولية تبقى الدورات التطويرية التى تحدثنا عنها حتى تنصقل موهبته ويرتقى بالتقديم ..اذا على الفضائيات ان يكون اختيارها صحيح لمقدم البرامج وحسب المواصفات المطلوبة الناجحة لا حسب الاهواء والمزاجيات وبدون دراية وخبرة فى الاختيار
*بينالامس واليوم ماهي اوجه الاختلاف والتشابه في ميدان الاعلام المرئي ؟
-الاعلام سابقا كان فيه الكثير من الالتزام والاحترام والتقييم لهذا العمل وممتهنيه،هذا الاحترام والالتزام تعلمنا منه الكثير،على سبيل المثال : الحرص والمتابعة فى كل شئ ،سابقا كان الشخص فى هذا المجال كلما يتطور يبقى في حالة تواصل ولايتوقف لانه يريد أن يكون افضل، اما الان ومع الاسف ومن اول ظهورله على الشاشة يشعر انه قد أصبح  نجما وينتابه الغرور والغرور فى اى مجال يدمر الانسان  ولهذا مع الاسف الشديد اصبح الاعلام اليوم مهنة يستسهلها الكثير ليدخلوا  فيها واصبحنا الان نسمع صفة الاعلامي تطلق على  المئات  من الاسماء : الاعلامى الفلانى والاعلامية الفلانية والصحفى الفلانى والصحفية الفلانية وهم في الحقيقة لاعلاقة لهم بهذا العمل،سابقا كانت مقدمة البرامج تمر بمراحل صعبة جدا من العمل والمثابرة والجد والنشاط لتظهر على الشاشة وتسمى نفسها الاعلامية او المذيعة او المقدمة ..
*هل ساهم الاعلام المرئي في تحريك وعي المجتمعات أم لعب دورا تظليليلاً في تزييف الحقائق ؟. اي بمعنى هل كان الاعلام في العراق على قدر المسؤولية الوطنية ؟
-على الاغلب الاعلام المرئى في العراق لم يساهم فى تحريك وعى المجتمع الا بنسب قليلة جدا لانه غالبا لايطرح الحقائق بل يحاول ان يجمل الصورة ليوصلها للمشاهد بشكل مزيف، فاليوم نجد القنوات العراقية عديدة وكل قناة تتحدث حسب توجهها وسياستها ومايفيد نهجها في محاولة منها لأقناع مشاهديها بما تطرحه،كما إنها تشغل مشاهديها ببرامج المسابقات والارباح المادية ولاتهتم بالبرامج الثقافية والاجتماعية وهذا يؤثر بطبيعة الحال على وعى المجتمع ويجعله بعيدا عن الواقع  ..صحيح بأن الفضائيات العراقية في الوقت الحاضركثيرة لكن النوعية الجيدة فى ماتقدمه من برامج قليل جدا،ولهذا لايزال الاعلام المرئى العراقى لايتسم بالموضوعية والمهنية ولازالت الاخبار والاحداث تطرح بشكل مظلل وغير واضحة للمواطن العراقى الذى اتعبته ظروف البلد بحيث اصبح المشاهد لايثق بالاخبار التى تقدمها قنواتنا بل يتجه لقنوات عربية واجنبية معروفة .
*الى أي حد ٍ يشكل الاعلام خطورة على الرأي العام ؟ وهل يمكن أن يتحكم وبقوة في تغيير القناعات الراسخة لدى الناس ؟
-جهاز الاعلام يشكل خطورة على الراى العام،عن طريقه من الممكن ان تسقط دولة أو تساهم في بناء دولة،مثلا،قبل بدء الحرب على العراق عام 2003عندما كنا نسمع الاذاعات الاجنية وصوت اميركا تحديدا ً كنا نتأكد يوماً بعد آخربسقوط النظام قبل زحف جيوش الاحتلال،وصارت لدينا قناعة راسخة بذلك قبل حدوثه.. هذا يعنى ان قوة وسائل الاعلام اقنعتنا بان الاحتلال سيحدث، وبدانا نرى ونعيش المشهد من خلال اذاعاتهم قبل حدوثه وفعلا حدث كل ماروجته وسائل الاعلام ، لكننا نجد اليوم أن قنواتنا العراقية لاتستطيع أن تتحكم بقناعاتنا لانها لاتطرح الحقائق ..
*قناة عشتار هي القناة العراقية المسيحية الوحيدة في العراق حاليا ، اين تضعينها بين بقية القنوات العراقية ؟ وماهي طبيعة المساحة التي تحتلها لدى المتلقي العراقي عموما ومن ثم المسيحي ؟ ومالذي ينقصها  لكي تظهر بشكل افضل مما هو عليه ؟
- قناة عشتار الفضائية هى القناة المسيحية العراقية الوحيدة حاليا ومهمتها الاولى والاساسية أن  تسلط الضوء على شعبنا الكلدانى السريانى الاشورى وكل مايمتلكه من تاريخ وحضارة وثقافة وتراث ولهذا لها الكثير من المشاهدين الذين يتابعون برامجها , وحتى في برامجنا المباشرة والتى تكون باللغة السريانية تصلنا ايضا اتصالات هاتفية وايميلات من مشاهدين مسلمين عراقيين وغيرعراقيين وهذا دليل على  ان للقناة قد حققت متابعة عراقية جيدة  اضافة لمتابعتها من قبل شعبنا بشكل كبير من داخل العراق وخارجه .. وانا قدمت العديد من البرامج المختلفة في عشتار منذ 8 أعوام منها : برنامج سهرة عراقية وبرنامج أبيتنا وبرنامج للناس حكايات وبرنامج كلام الناس وبرنامج ياسمين الاهل ، ومنذ انطلاقة القناة ولحد الان انا متواصلة مع برنامج (طبيبك على الهواء )..تاكد بأن الاتصالات والايميلات تصلنى من داخل  العراق وخارجه ومن المسيحى والمسلم والعربى والكردى ووو..هذا دليل ان عشتار مساحتها واسعة للعراقيين بشكل عام ،ولكى تظهر بشكل افضل علينا بزيادة الكوادر المتخصصة لا العشوائية وادخال تقنيات احدث للتصوير والاخراج والاضاءة وغيرها ..ونتمنى ان تتحقق حتى تتواصل عشتار بجمالها ورونقها التاريخى وقيمة اسم عشتار ليمتد مستقبلا لاجيالنا انشاءلله
*لو عدت الى نقطة البداية ،هل ستمضين بنفس المسار الذي كنت عليه أم أن هنالك محطات اخرى ستمرّين عليها كانت قد فاتتك في الفرصة الاولى ؟
-انا لو عدت الى نقطة البداية صدقنى ساتوجه الى تلفزيون العراق لأعمل مقدمة برامج ولكن كنت ساختار الدراسة فى مجال الاخراج التلفزيونى لجانب عملى كمذيعة ومقدمة برامج لانني احب مجال الاخراج ايضا إلى  جانب عملى،  ودائما مااتابع البرامج اعدادا وتقديما واخراجا .
*مالذي يشغلك الان ؟ ماهي الاحلام ؟ ماهي المشاريع التي تنوين تحقيقها؟
-انا دائما يشغلنى إيجاد الافكار لخلق برامج جديدة، والمعروف عنى من قبل زملائي  أنني احب البرامج التى من  الممكن ان تتواصل وتطول لسنوات يعنى البرامج (المعمرة ) كل برامجى تتواصل سنوات لانى انا شخصيا اتبناها واسقيها حتى تورق وتثمر وتنجح .. بصراحة امنيتى وحلمى ان اعمل برنامج كبير لابناء شعبنا الكلدانى السريانى الاشورى واكون معهم فى كل يومياتهم ، اصل اليهم بالطائرة اينما كانوا ومعى الكاميرا التلفزيونية وانقل للعالم اجمع مدى وقوة وتاريخ هذا الشعب العظيم
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ




  1.   نشر الحوار في صحيفة الزمان يوم الثلاثاء 22 ايار 2012 م السنة الخامسة عشرة العدد
    4206 . الطبعة الدولية .
    التشكيلي إياد أل عبار يتحدث( للزمان )عن رفقته مع سيلفادور دالي وآخر أيام بيكاسو :

    - روضت الغربة وصنعت منها خوذتي ولوحتي


    - تعلمت الكثير من دالي برغم انه كان يرفض أن يتكلم معي عن الفلسفة


    حاوره : مروان ياسين الدليمي / الموصل

    إياد العبّار شاعر ورسام واكاديمي عراقي الاصل يقيم في ايطاليا منذ اربعة عقود ويُدرِّس في جامعاتها. . مدينته الموصل التي يقول عنها "عشيقتي في السراء والضراء " غادرها في مطلع العقد السابع من القرن العشرين ولم يعد إليها رغم انه مايزال يحلم بدجلة والفرات كلما وضع رأسه على الوسادة كل ليلة . العبَّار غادر العراق عابراً البحار والمحيطات بحثاً عن المعرفة في مجهول الازمنة والامكنة البعيدة ،حاملاً حقيبته على ظهره وهويشيح بوجهه للحرائق التي بدأ يستشعر انها قد امست قريبة وستأتي ، متجها الى مصر ، ليدرس فيها ومن ثم لينتقل الى ايطاليا ليكمل دراسته العليا للفن هناك وليبقى فيها حتى هذه الساعة .
    أقام العبار معارض شخصيةلأعماله الفنية من رسم ونحت في جميع أنحاء أوربا،بعض منها تتواجد في متحف الفنون للفن المعاصر في نيويورك، وكذلك في اليابان وأيطالياوفرنسا وإسبانيا وألمانيا ،أكثرمحاضراته عن الفن والأدب والدين والفلسفة تم نشرها في معظم المجلات والصحف الاوربية وفي دور النشر الأكاديمية التابعة لمختلف الجامعات،كمانشرالعديد من نتاجاته في دور النشر الاوربية ،من قصص ودواوين شعرية ودراسات،ايضا له مسرحية شعرية بعنوان: الشيخ والفنار كانت قد نشرت في إيطاليا باللغة العربية والإيطالية. كما أعاد كتابة ملحمة جلجامش شعراً وكلفه ذلك ثماني سنوات من عمره ،وله ايضا مجموعات من القصائد والقصص التي نشرت في صحف ومجلات اوربية وعربية منها :
    الحصار ـ قصة ـ باللغة الإيطالية 1991ـ دار النشر ـ پالا َّديو ـ
    الفريسة ـ قصة ـ باللغة الإيطالية 2001 ـ دار النشرـ جانكارلو دزدِّي ـ
    جروح في قلب الزمان ـ مجموعة شعرية ـ باللغة العربية والإيطالية 2002 ـ دار النشر ـ آنـَنـْكي ـ .
    الزمان التقت بالشاعر والفنان التشكيلي المغترب إياد العبار واجرت معه هذا الحوار . . .

    *اولا وقبل أن نبدأ بالحديث الذي إنْ بدأ فلن ينتهي ، أود ان اطرح السؤال الاتي على اياد العبار: - بعد هذا الابحار الطويل في سفر الحياة، والشعر، والرسم ، متنقلاً مابين مدن وقارات تفصلها ازمنة وحضارات ، من انت ؟
    - قبل أن أجيب على أسئلتك، أود أن أشكرك على هذا الإهتمام وعلى هذا الإطراء. لقد أيقظت فيَّ ما كان قد سَبَتَ منذ حين طويل. شكراً جزيلاً يا أخي مروان. . من انا؟! ليس غريبا عليّ هذا السؤال، وإجابتي الصادقة والصادقة جداً هي أنني لا أعرف. كل ما أعرفه هو أنني كنت قد بدأت ولم أنتهي بعد. بدأت بالعلم والدراسة ولمَّا أنتهي. كنت أُلاحِقُ ولاأزال كل ما يشدّني إلى المعرفة. إيماني الوحيد هو أن الخلاص يكمن في المعرفة والمعرفة لها قوانين ومقامات: الصبر والعزيمة، الطاقة الكبيرة من التحمل والإصرار، الإنفعال والغضب واحتراق الأعصاب، الفرح والحزن، الكراهية والأنحباس في عوالم الشوق وأغلال التتيم حتى النخاع، تواصل الرحيل فكريا، أخلاقيا وجسديا من مقامة إلى أخرى ومن فكر إلى آخر حتى تترابط وتتسلسل الدرب دون انقطاع ودون توقف، كل ذلك يتوجب العشق والحب وهذان لن يكونا بدون ألم ومعانات وشعور بشيئ من الجوع والبرد والخوف، بالكثير من الألم والحرمان والحاجة، العيش على مبدأ الخسران: أنت تخسر كي تحصل وأنت تحصل كي تكبر وتكبر كي تستعيد ما خسرته بطريقة أو أخرى. لم يبق مكاناً على الكرة الأرضية إلاّ وزرته إلا َّّ نيفاً، لم يبق فكراً إلاّ ودخلته مهما كان الثمن ومهما كانت الوسيلة. الإيمان بالمعرفة هو الإيمان بالله. والإيمان بالله يُؤكّد لك بأنك لا تعرف نفسك إلاّ إذا اتَّخذت المعرفة طريقا لك. .أنا كنت في كل الجوامع والمعابد في كل أنحاء العالم وكان السؤال هو هو.... أتعرف نفسك؟! وهل عرفت أنا نفسي؟ إذاً أعيد السؤال مِن جديد: هل عرفت مَنْ أنتَ؟

    *عندما نقرأ سيرتك الذاتية نجد ان خروجك من العراق في اوائل سبعينيات القرن الماضي كان ُمبكرا جدا على ماجرى من حروب واحداث جسام ، ومنذ أن غادرته لم تعد اليه ابداً. هل كنت تستشعر بما سيجري من دمار وتراجع حضاري فقررت الخروج منه مبكرا ؟ أم انك كنت منساقاً الى ماكنت تحلم به من مشاريع فنية وادبية كنت تخطط لانجازها؟
    - نعم، كنت أشعر بذلك. كان خروجي من الوطن مبكرا. هذا ما حدث، ولكني كنت قد عدت ولأيام قليلة وذلك في أواخر سنة 1976. بَقيت يومين ونصف اليوم ثم رحلت من جديد!. أنا لست مُتـَنـَبـِّئ، ولكن كان بي شعور يدفعني إلى المضيئ أماماً، إلى عدم التوقف... إلى الخروج ثائراً على كل ما يمنعني من الإستمرار في طريقي. كان في داخلي شعور بالضيق والخضوع المجبر لحالة لا تحتمل من الضغط والحد من وجودي وتفكيري، هذا ما جعلني أندفع الى الخارج قبل أن يحدث ما لم يكن في الحسبان! كنت أُمنـَعْ مِنِ الدراسة والقراءة! إذا قرأت لكارل ماركس قيل عني شيوعيا، وإذا قرأت لسيد قطب قيل عني هذا من الإخوان! وإذا قرأت لجون بول سارتر قيل هذا وجوديا وإذا قرأت عن داروين يُحتارُ ماذا يمكن أن أكون...إلخ! إذا عرضت لوحة في معرض ما بالإشتراك مع الأستاذ ضياء أو عبد الحميد أو ستار الشيخ قيل عن عملي غير مفهوم أو أنه مرفوض جذريا، والويل لي إذا نشرت قصيدة! وشرطة الأمن تلاحقني وأنا لم أكن قد جاوزت من العمر السابعة عشر!
    كذلك في مصر، عندما كان يصدر لي مقال في جريدة "الأهرام" أو في "الجمهورية" في الصباح، تأتِ شرطة الأمن بعد الظهر لتأخذني إلى السجن، بالرغم من أن مقالي كان عن الأدب أو الفن أو الفلسفة أو غيرها، إذ أنَّهُ كان هناك من القلائل الذين يقرؤون مابين السطور ويكشفون حقيقة ما كنت أريد قوله! نعم، كان بي ذلك الشعور بأنَّ شيئاً ما، بل أنَّ أشياء كثيرة ستحدث وإنـَّها لأحداثٌ جسام ودمارٌ وتخلـُّفٌ حضاريٌّ كان من غير شك سيهلكني، هذا إذا ما كنت سأقف أمامه شاهدا لا حراك لي، أم كنت سأردُّ وأنتهي كما حصل ذلك مع الكثير من جيلي، كان يجب أن أختار بين إثنين: إمـّا أن أواجه الواقع مواجهة مباشرة، وفي هذا الحال سأخسر، سأخسر كلَّ شيئ وأنا الذي كنت ضعيفاً ضعف نبيٍّ سُرِقـَتْ منه عصاه! وإمـّا أن أرحل ومن ثمَّ أُعِيد الكرَّة والحرب سجالٌ، كرٌّ وفرٌّ. .لذا رحلتُ، أشياء أخرى كانت تجعلني أكثر تحرُّقاً إلى الشرود والرحيل، منها التحدي، تحدي العالم الذي كنت فيه مُحتـَضِراً " مدفون بالحياء" والعالم الذي كنت أجهله، أجهل الـ " لماذا وكيف وأين ومتى ... إلخ" قد وصل إلى ما وصل سلبيا وإيجابيا. كان قد قيل: ستعيا، ستعاني كثيرا، ستـُكسر... وها انا بالرغم من كل ما جرى! كان في داخلي إذ َّاك وأنا أودع عبود عبدالله بكر وناظم ويونس وغيرهم، شعور غريب، شعور بأنَّ الكثير الكثير سيحدث، كنت أشعر بأنَّ تلك الأرَضَةَ قد بدأت تتحرك وتأكل وأن كثيراً ممَّا ليس بالغيب ولامحالة واقع! وهذا الكثير سوف يحطم كل مافي وجودي من رغبة وزخم للشروع بالمسير بذاك الذي خـُلِقتُ من أجله. لم يكن دواري دوار سائح ولكن التنقل من مدينة إلى أخرى، من جامعة إلى أخرى ومِن حضارة إلى أخرى باستمرارية وبدون توقف أعطاني القوة كي أخدع الزمان وآخذ منه قبل أن يأخذ مني:ـ ( الوقت كالسيف إذ لم تقطعه قطعك).

    *انت شاعر ولك في ميدان الفن التشكيلي تجربة ثرية جداً ، خصوصا انك رافقت لفترة ما الفنان سلفادور دالي في مشغله الفني ، كيف توصلت الى هذه الرفقة مع دالي وكيف وجدتها . نريد ان تطلعنا عن تفاصيل العلاقة مع هذا الاسم الكبير ؟
    -كنت، في مدينة فلورنسا، طالبا في أكاديمية الـ" سينيوريـَّة" للفنون الجميلة، في السنة الثانية، في السنة الأكاديمية 1974ـ 1975، كنت تحت زخم الإمتحان للنصف الأول من البرنامج الأكاديمي للرسم والنحت، كنت قد توقفت عن العمل، عن الرسم، وذلك لأنه كان قد سُمِحَ لي لأخذ ساعة من الوقت للغداء. ذهبت الى مطعم الطلبة وكالعادة أخذت صينية ووضعت عليها اطباق الطعام والشراب الذين اخترتهم وجلست الى جانب احد رفاقي في الأكاديمية لآكل. على حين صادف نظري دخول بعض أساتذتي ومعهم رجل لا أعرفه، كان أشهب الرأس واللحية، ذو وجه أسمر تميل تعابيره الى الحزن الذي كان يكاد يخفيه. كانوا متوجهين إلى حيث كنت جالسا. إقترَبوا وسلموا، نهضت، أردفت على السلام. قال أحد أساتذتي، أقدَّمُ لك الشاعر الإسباني الكبير رافئيل ألبيرتي! نهضتُ أسلم، قال ألبيرتي: أنا اليوم بدأت زيارتي لأكاديميتكم العظيمة! ودخلت أزور أكثر أنحائها، وصدفة، كنت قد دخلت المرسم الذي تعملون فيه لأجل الإمتحان ورأيت أعمالكم، أعجبتني لوحتـَكَ كثيرا، بل أدهشتني وأنا أُهَنـِّئـُكَ على هذا العمل الرائع! شكرته كثيرا، قال: إني ذاهب إلى باريس بعد ثلاثة أيام لزيارة صديقي بيكاسو لأنني سمعت أنه مريضا وأريد أن أطمئن نفسي عليه فهل تأتي معي؟ قلت: بلى بكل بهجة وشرف، قال: إذاً، ألقاك ونسافر سوية، قلت نعم! جلس ألبيرتي وأحد أساتذتي يأكلان معي. وكان الحديث إيـَّاه ـ الشعر والأدب والفن والفلسفة! حتى إذا جاءني النداء: إلى المرسم، إلى المرسم يا آل عبـَّار وإلاّ سترسب في الإمتحان! كنا أنا وألبيرتي في باريس. دخلنا غرفة بيكاسو، رأيته طريح الفراش، كان قد انتهى توا من أخذ فطوره ودواءه. وكان حديثا طويلا: كلمات بالفرنسية وأخرى بالإيطالية وأخرى بالإسبانية وأخرى بالإنكليزية وأخرى أيضا بالعربية! قال لي بيكاسو لقد سمعت عنك، قصائدك وكتاباتك ولوحاتك تنبع من نور أنا كنت قد عرفته! ورأيت صورا لبعض أعمالك، أنا أهنئك، أنت شاب ذا موهبة، ليكن الله بعونك! بعد أيام قليلة رحل بيكاسو الى العالم الآخر وكانت جنازة رائعة بقيت في ذهني حتى اليوم. أنا و ألبيرتي ذهبنا الى إسبانيا والتقيت بـ دالي، وكانت سيرتي معه صحبة وعداوة، إذ أنه كان رجلا نرجسيَّ الطباع، متكبَّـرا على الآخرين ومكروها من قبل مجموعة السرياليين عامةّ. حدثٌ وخطبٌ سيئ وثقيل كان قد صار بينه وبين الآخرين الى جانب تكبـُّره عليهم. كان قد هرب هو وخطيبة الشاعر الفرنسي بول إلـْوار ـ كانت روسية الأصل ونبيلة من نبلاء الروس ـ كان إسمها " ڴلاَهْ Galàh ". في مرسم دالي كنا نتباد الآراء ونحن نعمل "نرسم"، حول الكثير من المواضيع عن الفن عامة وعلم النفس وخصوصا عن فرويد والأدب والفن الكلاسيكي والمعاصر، ولكنه كان يرفض أن يتكلم معي عن الفلسفة! تعلمت منه الكثير ولو أننا لم نكن نتفق على الكثير من القضايا، كان يقول: لاأحداً بعدي!. كان أكثر حديثنا ينتهي بعبارات كهذه: إبقَ أنت وتعجرفك هذا، لا تنسى بانني أنا الأعظم!، إذهب إلى الجحيم، أنا لا أوافقك بهذا الرأي، أنت لاتدري شيئا... أنت وإستمناءُكَ الفكري هذا سوف تلقى نهاية عسيرة! وهكذا. كلما افترقنا إزدادت صداقتنا عمقا وكلما التقينا تبدأ مفارقاتنا لعبتها الأولى! معه تعرفت على الكثير من الأُدباء والفنانين والمخرجين السينمائين والممثلين. دالي، وبعد موت گلاه كان قد ذهب هو الآخر ولو فكرياً ونفسيا فقط ، إن العشر سنوات التي كانت قد بقيت له من حياته كان يعيشها وهو أشبه بالحي الميت! دالي كان صديقا ومعلـِّماً عبقريا.
    *الاغتراب شعور عميق طالما رافق المبدع حتى وهو داخل وطنه . فكيف بك وانت قد عشت الشطر الاعظم من عمرك مُغترِباً . مالذي تركته فيك هذه التجربة ؟ ماذا اضافت لك ؟ وماذا اخذت منك ؟
    -" الغنى في الغربة وطن والفقر في وطن غربة!" الغنى والفقر ليس بمعنيهماالمادي فقط ولكن هما أيضاً بالمعنى الكوني أي الروحي والفكري والأخلاقي. الإغتراب هوالمادة الحية التى تعطي وتأخذ وهو القدر الذي يلاحق الإنسان منذ تواجده على هذه الإرض. الغربة يمكنها أن تسحق وتـُبيد ويمكنها أن تـُعطي وتـُثمر، الغربة هي تلك "الغولة" المخيفة القاسية التي لا ترحم والتي يمكنها هكذا بلحظة أن تمحيك وتجعل منك نسيا منسيا. وهي، إذا ما رُوِّضَتْ وأُخْضِعَتْ تـُعطيك الكثير!جامعة تلو أخرى وإمتحان تلو الآخر ودراسة تتبع أخرى والفقر والحاجة هما أمهات الإختراع والإبداع. تراني أستعير كتابا إذا لم أكن قادراً على شرائه وبعد أن أنتهي منه، أعيده شاكرا وممتنا. تراني أشتري القليل القليل من الألوان والفِرَش والقماش، أشتري إزميلاَ و مِطرقة مُسْتـَعـْمَلـَيْن وحجارة لها قيمة رخيصة جدا، ثم أبدأ العمل. أنجح في الإمتحان وأرسمُ لوحة ذات مستوى فنـِّي عالٍ وأنحتُ تمثالاً يجعل الرَّائي عاشقا. أبيع اللوحة والتمثال مختومين بإسمي وألقي محاضرة وأُكْرَمُ عليها لأني كنت قد أجدتُّ بدراستي وصُنعي وفنـِّي وأجلس في إحدى مقاهي فلورنسا أو باريس أو مدريد أو أي مدينة أخرى، آكل لفـَّة ًمن الخبز والجبنة وأشرب كأسا من النبيذ وقهوة حلوة، أدخن سيجارة وأكتب، أقرأ وأرسم بقطعة من الفحم أو قلم من الرصاص مايمر أمام عيني، ومن ثم أسافر عائدا إلى الوطن! في سفري هذا أرى وأسمع وأُحِس!ُ بما لم تره عين ولم تسمعه أذن ولا خطر ببال بشر! تبزغ الكلمات وتـُولدُ أمهات الألباب وتـُطحَنُ الجُمَلُ والعبارات وتخرج ذوات السحر فتسحرن وتعزفن ألحانا من الضياع والشرود، من الموت والخلود من العطش والجفاف، من الضمأ والإشتياق، من الحب والحزن، من العشق والحرمان، تولد عروس البحر أو راعية الغنم في واحة الصحراء أوفي وادي الجبل، تولد نادلة المقهى أو عاملة في المصنع، تولد الغجرية أو الأميرة، الأخت والأخ والأُم والصديق الذين هم في منفى منفايَ، يولد كل شيئ ومن ثم يختفي كل شيء! أظلُّ وسيجارتي حتى غروب الشمس. أعود الى منزلي... أحتضن الكحل والحنـَّاء، أضع رأسي على وسادتي وأحلم بدجلة والفرات! هذا مثال بسيط لما تركته في وجودي الغربة. الغربة روّضتـُها وصنعت منها خوذتي وسيفي ودرعي وهي أعطتني فرساَ عربية أصيلة، أتـَتْ بها من وادي الرَّافدين فكنت ذلك الفارس العربي الذي لا يهدأ ولا يستكين. هذا ما تركته فيَّ الغربة. .في أواخر دراستي وأنا أقدِّم أطروحتي عن الحلا ّج مقارناً فكره بفكر فريدريك نيتشه، كان علي أن أجتاز أمتحان من الإمتحانات المقررة الأخيرة، إمتحان صعب جدا وهو " تاريخ الفكر الإنساني الفلسفي العلمي" لمؤلـِّفِه لودفيك جايموناه"Storia del pensiero filosofico” scientifico _ Ludovico Geymonat”، الكتاب مؤلف من تسعة أجزاء، كل جزء مختص بمرحلة وعصر، من بداية التاريخ إلى يومنا هذا! إلى جانب ذلك كان مطلوبا مني أن أقدم للإمتحان الأعمال الكاملة لفيلسوفيْن حسب إختياري، وكنت قد إخترت الفيلسوف الإنكليزي دافيد هيوم والفيلسوف الألماني عمَّانوئيل كنت، فكان ممَّا يجب عليَّ تقديمه للإمتحان مالا يقل عن 37ألف صفحة!
    كنت أرسم وأنحت وأدرس بصيغة مترادفة ومتوالية. في الإمتحان كان السؤال الأول، قال أحد أساتذة لجنة الإمتحان: حدِّثنا عن مفهوم "الجوهر" وذلك إبتداءً من آرسطوطاليس وحتى سبينوزا ! أي بمعنى آخر : مفهوم هذه الكلمة عند كل مفكر وفيلسوف عبر التاريخ إبتداءً من آرسطو إلى سبينوزا وهذا يعني سرد كل ما يتعلق بهذه الكلمة خلال أكثر من ألفي عام!. بدأت الجواب مرورا بالفلسفة العبرية والمسيحية والعربية الإسلامية حتى انتهيت إلى فكر سبينوزا. مرَّ على حديثي هذا أكثر من ساعتين وأساتذتي أمامي مبهورون بقوة ذاكرتي وسُداد جوابي. قال رئيس لجنة الإمتحان: يا بني، أشفيت غليلنا من هؤلاء! خذ هذه هي علامة نجاحك 30 من 30 إمتياز وليباركك الله. .عدت إلى منزلي، أكلت القليل وشربت أكثر ثـُمَّ احتضنت الكحل والحنَّاء ووضعت رأسي على الوسادة وأنا أحلم بدجلة والفرات!هذا مثال عمَّا أضافت إليََّّ الغربة. .أذكر أنني بعد أن ألقيت محاضرتي عن الفلسفة التنويرية La filosofia dell’illuminismo في القاعة الكبرى لإحدى الجامعات في مدينة فيينـَّا، سألني أحدهم فيماإذا أستطيع أن أوضِّحَ بلغة سَلِسَةٍ النظرية النسبية لألبيرت آينشتاين. إجابتي، عند نهايتها جعلت الجمهور يُصفـِّق ويُصفـِّر! . سألَني آخر: يا أستاذ، وأنت على كل هذا من العلم أتـَستطيع أن تـُجيبَ على سؤالي... " ولو أنني أعتقد أنـَّه محرجا"... ماهي الرُّوح؟! . الصمت كان يُطبق على القاعة كلـِّها وكاد يخنِقني... أجبت الروحُ هي من عند ربـَي وأنا لا أدري ما هي، فلاسفة الفكر التنويري يقولون بأنـَها طاقة الحياة ولكن ماهذه الطاقة، ما كنهها، هل هي طاقة كهربائية أم أنها نووية أم غير ذلك؟ أنا لا أدري إلا َّ ما علـَّمني ربـِّي. .عدت إلى منزلي، لم آكل ولم أشرب، لكنني احتضنت الكحل والحنـَّاء وألقيت رأسي على الوسادة مشاركا بكاء دجلة والفرات.
    هذا مثال آخر عمَّا أخذته منـِّي تجربة الغربة. .في تلك السنين وأنا طالب في أكاديمية الفنون في فلورنسا، كان بعض الأساتذة يطلبون منا الخروج والعمل، الرسم، في الخارج. كنت أذهب إلى ضواحي المدينة وأرسم بعضا من مناضر الطبيعة وصادف أن كنت أرسم حصانا وهو يمد برأسه ليأكل من غصن لشجرة عنب، كان أحدهم يراقبني من الخلف وأنا أرسم. قال كم أنت ماهر في الرسم، فقد رسمت رأس الحصان بأقلِّ من دقيقتين! قلت: لا هذا غير صحيح، أنت نسيت أكثر من خمسة عشر عام وأنا أحاول رسم رأس حصان بأقلِّ من دقيقتين! هذا مثال آخر عن الغربة. عدت إلى منزلي وأنا أغني أغنية عراقية: شيگولون... شيگولون... توَلَّعْ بالمّحّبـَّهْ وصار مجنونْ... خلْهُمْ يڴولونْ!!! إحتضنت الكحل والحنـَّاء وشيئاً فشيئاً أغمضت عينيَّ ورأسي على الوسادة أحلم بدجلة والفرات.

    *لو عدت الى الوراء اربعة عقود هل كنت ستختار نفس الطريق الذي سلكته ؟
    -نعم، بكلِّ تأكيد كنت سأختار نفس الطريق الذي سلكته بكل ما كان وصار، بل أنه بودي لو أضفت إليه، وسَّعته، طوَّلته، عمَّقته أكثر وأكثر وأكثر.

    *حياتك حافلة بالتنقل والاسفار والتجارب ، هل من محطات معينة كان لها تأثير عميق واساسي في رسم مسارك الانساني والابداعي ؟
    -نعم، هناك محطات جغرافية ـ مكانية: منها الموصل، هي عشيقتي في الجهر والخفاء، في اليسر والضرَّاء، كانت قد سُمَّيَت زوجة لآخر، لكنني خطفتها ورحلت! روما وفلورنسا وفينيتسيا وباريس و بيتر بورگو( (Pietroburgoو مدريد وبرشلونة...و...و...وهناك محطات فكرية:الحضارات القديمةـالسومرية،البابليةالآشورية، المصرية القديمة، الإغريقية واللاتينية، الحضارات الشرقية اليابانية ـ الصينية ـ الهندية، المكسيكية "المايا" وأميركا الجنوبية، حضارات أميريكا الشمالية " ألاسكا" والهنود الحمر، الفكر الإجتماعي ـ الحضاري ـ الأنثروبولوجي الإفريقي، حضارة أوربا القديمة والحديثة المعاصرة... الفكر العربي الإسلامي والمسيحي والعبري... من كل هؤلاء ومن غيرهم أخذت الكثير ولم أشبع بعد ولم أرتوي. هناك إتجاهات متعددة للفكر الغربي معاصرة وحديثة منها في الفن: الفن الشعبي ـ الپوپ آرت Pop arte الفن الفضائيL’arte spaziale والتوب آرتTop arte ...إلخ، هذه الحركات الفنية وغيرها الكثير كانت بداياتها في الستينات حيث أنها جاءت بعد الدادائية والمستقبلية والتكعيبية والسريالية وهذه الأخيرة كانت في بدايات القرن الماضي. حركات فنية تشكيلية إلا َّ أنـَّها كانت تتعدى ذلك الى الأدب والفكر عامة، حركات فنية تولد صباحا وتموت مساء! الشعر في الغرب وصل إلى الحضيض بشكله ومضمونه إلا َّ القليل منه. القصة والروايا مازالتا تحتلاَّن القسم الأوسع والأعلى في الأدب الغربي. السينما والمسرح في سقوط رهيب في أوربا بعد أن خضع الإعلام كله تحت ثقل الإنتاج الأميريكي المادي المبتذل. الفكر الفلسفي يحاول النهوض وذلك عن طريق الإتجاه المعاصر الحديث للفيلسوف الألماني هانز جورج ﮔاديميرHans Georg Gadamer وهي فلسفة الإرمَنِيْوتِكهْ Ermemeutica وهو إسم مأخوذ من إسم إله البريد واللصوص "إيرمسErmes" في الميثولوجيا الإغريقية القديمة أو " ميركوريوسMercurios" في الميثولوجيا اللاتينية، وكان هذا الإسم يستعمل للإشارة إلى الفلسفة التفسيرية ـ الترجمية للكتب المقدَّسة في العصور الوسطى، أخذه ﮔاديمير ليوسع رقعة معناه إلى: أنَّ كل تفسير ترجمي أو ترجمة تفسيرية لأيِّ موضوع أو كتاب أوأيِّ عمل هي بحد ذاتها موضوع آخر لا يمت بصلة قط إلى الموضوع الأول إيـَّاه! .الفكر الغربي عامة يتخبط مابين المادية الإستهلاكية البراجماتية Pragmatism وهي الفلسفة الذرائعية التي تقوم على الإستشراف العملي المادي للأُمور والمشكلات. .منذ البداية في حلـِّي وترحالي كنت قد اتخذت منهجا معيناً أعمل به ولاأزال: يقول أفلاطون :" الحياة مقياس وحساب، إذا خرجت عنهما فإنـَّك الخاسر". ثمانية أشهر من الدأب بالدراسة وأداء الإمتحانات والتدريس والمحاضرات والعمل للحصول على مايكفي، شهر للراحة والتحضير للسنة القادمة وثلاثة أشهر للسفر والرحيل. نعم السفر والتأمل والتفكير العميق والكتابة.
    بعد محاضرة ألقيتها في جامعة روما" لاسبيينسهْLa Sapienza "
    عن مفهوم التخصص في مجال معين من العلم ما بعد الشهادة التي يحوز عليها الدارس، سألني أحدهم، قال:من أنت؟ شاعر، رسام، نحات، أديب، كاتب، فيلسوف،عالم فزياء كمِّيَّة أم ماذا؟ أجبت: أنا كل هؤلاء وغيرهم ولستُ أحدا منهم! التخصص له إيجابياته وسلبياته، فمن جهة يجعل الدارس قد توصَّل إلى أعلى درجة من المعرفة في حدود تخصصه ومن جهة أخرى يجعله أكثر جهلاً بما يحيطه من العلم والمعرفة. كل أدب وفكر قرأته لأيِّ أمَّة لاشكَّ وأنـَّه قد ترك بصمة وتأثيرا في مساري هذا، مع ذلك لم أتـَّخذ عظيما ما بعينه من العظماء كمثال أعلى لي أو أنني اتخذت فكراً معينا أو إيديولوجية بحد ذاتها. الكل له دوره في بناء هذا الوجود الذي يحتويني. أنا أُسَمِّي ميكل آنجلو الجد وليوناردو الجد الآخر و سقراط الأب الكبيروآرسطو المعلم الأول وإبن رشد المعلم الثاني وغيرهم الكثير الكثير ممن أحتذي بهم وأحتسي مما تركوه لكل الإنسانية. كل أديب، شاعر، فنان، عالم وفيلسوف من أيِّ أمة كان ومن أيِّ عصر، ليس إلا َّ مرشدا ومعلما ورفيق درب أتبادل معه مما في وجداني وأتعلم منه أكثر مما يتصور هو بنفسه. لم أتبع سياسة أو سياسياً أو رجل دين، من أيِّ جهة كان. أنا أعتبر السياسيين ورجال الدين هم مَنْ يهدمون الحضارة والإنسانية! ستقول لي ولكن هؤلاء هم يشكلون العمود الفقري للمجتمع بتعاملهم مع الشعوب لإيجاد الطريقة المثلى للسعادة والرفاهية وأنا أقول هو كذلك! ولكن السياسي أورجل الدين، يبدأ بذاته وما يفيدها ثم يتجه الى الآخر"هذا إذا ما قرَّر الإتجاه إليه"!ـ هذا ما يحدث عادة ـ بالضبط على عكس العالم والفيلسوف والفنان والأديب. أخلاقية السياسي ورجل الدين هي أخلاقية شخصية ذاتية يبدأ بها فكره وينتهي بها ولا يبتعد عن ذلك ولو بخطوة واحدة، إنـَّه لا يرى أبعد من أرنبة أنفه شيئاً على الإطلاق! ذلك كي يحوزعلى السلطة والقوة التي يحكم بها. مهما يكن حكمه، سلبيا أم إيجابيا، دكتاتوريا أم ديمقراطيا سيكون ذا طابع خاص وشخصي متحيز ليس إلا َّ. لذلك تراني ومنذ شبابي لم أتبع حزبا أو سياسة. أنا مسلم، أأمنُ بالله الواحد ونبيـِّه محمد "صلعم"، أأمن بالأنبياء والأولياء من قبله، أحترم كل مذهب وكل دين يحترم إيماني هذا.
    عفواً. خرجت قليلاً عمَّا كنت فيه... أستميحك عذراً. أنا رجل طمَّاع! أطمع أن أحصل أكثر وأكثر من كل حدبٍ وصوبٍ ذلك كي أعطي أكثر وأكثر وأكثر.


    *منذ بدء مشوارك الشعري في مطلع سبعينيات القرن الماضي كان للميثولوجيا حضور طاغ في نصك الشعري الذي نشرته في المجلات العراقية انذاك ومن يقرأ اخر ماكتبته من نصوص عام 2012 يجد ان العبار مازال ينهل من هذه الاجواء الملحمية التي تحتشد في تربة العراق والجزيرة العربية كما في (آكِلُ المِرار، ذو يَزِن ، ذو َمحَن ْ، مَالِكُ ابْنِ ِالرَّيب) . مالذي يجعل هذه العلاقة متسمة بهذه القوة وهذا التلازم ؟ . وهل كان للاغتراب دور في تعميق هذه الصلة وتأصيلها ؟ أم ان الماضي مازال يسكن فيك رغم ابتعادك جغرافياً عنه ؟
    - نعم، هو كذلك. والحديث ذو شجون! .كنت في الصف الأول الثانوي وبدأت من هناك. إشتريت كتاباً مستعملاً: " العروض مبسطا لحسن دندشي" بمئتي فلس! درجة النجاح في إمتحان مادة ما كانت 100من 100 وكنت أحصل على 40 من 40 في الإنشاء و3 من 30 في النحو! 14من 15 بالإملاء و15 من 15 في حفظ النصوص الأدبية، فتكون درجتي النهائية في اللغة العربية 72 من 100!. دخلت الإعدادية ـ القسم العلمي ـ كنت أحب الجبر والرياضيات والفيزياء ..إلخ، إلى أن إلتقيت بالأستاذ يونس والأستاذ ذوالنون الإطرقجي. كنت أريهم ما كتبت والجواب كان أن العروض جيد والنحو مكسور بصيغة شنيعة! علـَّموني ومن ثم أكملت في جامعة عين شمس في القاهرة ـ كنت أدرس النحو العربي في الأزهر على يد الأستاذ شحاته الطنطاوي والذي كان كل مايعرفه من الحياة شيئين فقط لا غير: النحو العربي والفقه الإسلامي! وصلت إلى أن تكون أطروحتي للتخرج هي " التفسير والتعليق على ألفيـَّة إبن مالك" ومقارنة أراء سيبويه بما يعللونه الكوفيون في النحو مثل الكسائي و المبرّد. خلال تلك الحقبة كنت أدرس، أحفظ، أتعلم وأخزن الكثير في كل مكان يناسب: في سراديب الفكر، في غرف القلب الأربعة، في الصدر وبين الأضلاع، في الأحشاء وفي الشرايين حتى أنني كنت قد أُتـُّهِمتُ بالشره والطفيلية ـ كل التاريخ والفلسفة والأدب العربي وإلى يومنا هذا، لم يفتني شيئ إلا َّ ما شاء الله ـ، كنت قد حفرته في كياني ـ. الميثولوجيا هي هوية وجنسية لكل حضارة، هي ذلك النبيذ المُعَتـَّق وتلك النكهة التي تعطي إسماً وشكلاً وجسماً لكل الوجود، تمنح الرائحة الزكية والزي الرسمي والتقليدي، تهب جماليات الزمان والمكان والسببية للزهو والشرف وكل قيم الوجود وميتافيزيقيته. كل هذا يجعلني أستشف وجودي، المفعم بالفرحة والحزن وأرسم أبعاده الثلاثة باحثاً عن البعد الرابع، من الأُسطورة!
    الغربة تجبرك على الإنصياع والذوبان فيما هو أبعد من المادة الهشة ويومياتها المخنقة، تجعلك تثابر كي تجد العلاج لجروحٍ وكسور وكدمات، تمنحك القدرة على الحصول على الإكسير الشافي الذي يعيد لك القوة والزخم اللاَّزِمَيْن للمضيئ أماماً. الأُسطورة هي راعية الغربة والغربة إذا لم تـُرعى تضيع وتضيع أنت معها! .الماضي هو الوجود بعينه! إذا قلت أنَّ شيئاً ما هو "الآن" فإنـَّه قد مضى! والحاضر، كل الحاضر، كل وجوده يتوالى في الماضي القريب ولا مناص له أبداً من ذلك. المستقبل هو أسطورة الماضي الذي فيه يتكررالحاضر، والماضي هو أُسطورة نفسه! "إذن"... إذاَ...فإنَّ آكل المرار هو أنا وهو أنت وكل من يتجرَّأ ويفرض وجوده فرضاً قسريّاً وقدريـّاً ولامحالة إلاَّ أن يكون. البعد جغرافياً وجسدياً مهما يكن من طوله وارتفاعه وعمقه وعرضه يبقى موصولاً بالروح، بالعشق والهيام والغرام، هذا الوصل يكون أعمق ما يكون عندما يحمل صليب البعد، عندما يتعدَّى المسافات ويختزلها فتصبح على قاب قوسين أو أدنى! فمن ثمَّة قبلة تحرق الشفاه وتمتدُّ إلى القلب فتجعل العين تدمع فيعود طوفان نوح وتغسل الأرض من كل خطاياها!
    يا أخي مروان كلنا ماضٍ وكل ماضٍ هو ميثولوجيا الوجود! الحاضر هو تلك اللحظة التي قد مرَّت. الماضي هو الخلود!.

    *انت المثقف والمبدع القادم من الشرق عشت المشهد الثقافي الغربي وعرفته عن قرب وتداخلت معه وكنت جزءاً منه لاكثر من ثلاثة عقود،. السؤال هنا : كيف تنظر الى دور المثقف العربي وحضوره وفاعليته في محيطه العربي بالقياس والمقارنة مع المثقف في الغرب ؟ هل من ازمة يعاني منها هذا المثقف ؟ وأين تكمن هذه الازمة ،مع نفسه ؟ مع مجتمعه ؟ مع النظام السياسي العربي ؟
    -نعم، أنا الرجل الآتي من الشرق ليس إلا َّ. عشت وأعيش المشهد الثقافي الغربي، عرفته وتداخلت معه وبه طيلة هذه السنين، لم أبتلعه هكذا مرَّة واحدة، كما يحدث عادة مع الأكثرية، ولكن إستوعبته وأكلته مضغة مضغة، سرت خطوة خطوة، كل خطوة كانت لها أبعادها: بدايتها، مسيرتها، زمنها، عمقها، طولها، عرضها وارتفاعها. إنَّ كل تطور حضاري له صفاته وزمنه وليس من الممكن إلـْتـِقـَافـُه هكذا مرَّة واحدة. الثقافة الغربية هي مسخ جبار وعجيب، له أساليباً وطرقا تعجُّزيَّة تستطيع أن تبتلع كل شيئ دونما تترك له أثراً، لم أتواطأ معها بل كنت ولاأزال نِدّاً: خصماً، عدوّاً وصديقاً! لم أنتظر كي تعطيني بل أخذت منها ماأشاء، كانت تتكبـَّرعليَّ وكنتُ أذلـُّها، كانت تتحدَّاني وكنت أبارزها: في مَحْضََرِ الجميع أضرب وجهها بقفازي وأواعدها عند الفجر لإنهاء القضية بمبارزة معطيا لها حق إختيار السلاح والمساعد الذي تفضِّلـُهُ! وعند الفجر نلتقي ويبدأ النزال فأجرحها بالـ"متنبـَّئ" وترد بـ"لورنزو العظيم" أقطع نفسا من أنفاسها بـ" أبي العلاء المعري" وتردُّ بـ " دانتي"... وهكذا يطول الصراع حتى الغروب وكلـُّنا قد أخذ منه التعب والعطش والجروح ما أخذوا، نتوقف كرجلين نبيلين لنعقد الصلح أو أن نكمل المبارزة غداً! في أكثر الأحيان وحكماً بما تقتضيه الحال يكون هناك نوع من التلاحم والتداخل فكل ماهو غربي يصبح شرقيا والعكس صحيح أو أن الكل يفقد حدوديته ويصبح التعبير الفكري خارج الزمان والمكان والسببية. مهما كان الشكل والاُسلوب وأينما قيل ولاَيِّ سبب كان، يصبح ذلك التعبير كونياً فيتعدى كلٌ مِنْ شكسبير وابن المقفع، دانتي وأبو العلاء المعري، جابر بن حيان إبن الهيثم الكوفي الجبري وإقليدس، الفارابي وسيبيليوس، حدود المكان والزمان والسببية. هكذا يصبحُ هؤلاء بلا حدود تحدُّهم ولا زمان يتسلـَّط ُ عليهم ولا سببيـَّةٍ تـُعَلـِّلُ وجودهم وفكرهم. هم أحرار، يتواجدون ويختفون، يرحلون ويعودن لا حدود توقفهم ولا زمان يتعداهم ولاسببية تعصب أعينهم أو تسد أفواههم. هم قد توحدوا بالحرية المطلقة إلى أبد الآبدين!
    إنَّ دور المثقف العربي في الغرب محدود بصيغة أو بأخرى اللهمَّ القليل منهم من إستطاع اختراق الحدود. أما حال المثقف العربي في داخل وطنه " فالعياذ بالله!" إنـَّه محكوم قبل أن يتنفس، قبل أن ينبس بحرفٍ واحد. على مرِّ التاريخ نحن رأينا وسمعنا وقرأنا عن أًولئك الذين ثاروا ودفعوا الثمن غالياً، أذكُرْ معي يا أخي مروان كيف أُلـْقِيَ بإبن المقفع في التنـّوُر وهو حي وكيف أُحْرِقَ جوردانو برونو وهو حي، والحال لم تتغير عبر الزمن. حتى هنا في الغرب هناك ثمن يدفعه من يثور على القيود فكيف هي الحال في أوطاننا؟. في الوطن إمَّا أن تكون مهرِّجا أو أن تكون ببغاءً وإلاَّ! مَنْ ذاك الذي وقف في وجه أحد الحكام العرب "عرب بالإسم فقط" وقال لا، بأوسع ما تنفتح به شدقتيه؟ ومَنْ كان قد فعل، نحن نعرف ماانتهت به الحال إليه. إنَّ الأزمة التي عانى منها المثقف العربي ولازال هي أزمة لها شكلان بجوهرين، الأول المحيط الذي يعيش به من سياسة وتقاليد إجتماعية ودين مفسَّر على طريقة المنفعية والسيطرة والأخذ بزمام الحكم وفرض ما تشتهي نفس هذا وذاك من الحكام ورجال الدين. الآخر هو النفس والضمير، العقل والقلب، تلك الخلفية المليئة بالمأساة والقمع والأبتزاز التي يعاني منها المثقف العربي. طالما تابعتُ وقرأتُ وكلما وجدت مايستحق وما يمكن الأخذ به يكون قد ضاع واختفى. الكثير منـَّا في الخارج ومنهم في الداخل يأمل! ولكن هل ياترى من منقذ أو أنَّ قدراً ما يخرجنا؟ أو أنَّه كما يقول المثل الإيطالي:" مَنْ يعش مُؤَمِّلاً يموت مُنـْفـَجـِراً"!
    *الشعراء العرب منذ النصف الثاني من القرن العشرين كتبوا الكثير من البيانات والتنظيرات الشعرية التي تؤسس لنماذج كتابية جديدة للنص الشعري ومن المؤكد انك قد اطلعت عليها . هل تجد هذه الكتابات كانت تقليداً وتأثراً بشكل واضح بتجارب غربية أم انها كانت محاولات اصيلة لكسر الجمود الشكلي الذي رافق الشعر العربي بصيغته التقليدية ؟
    -إنَّ الطفرة الأولى في التجديد ( والتجديد ليس غربياً أو شرقياً) كانت لبدر شاكر السيَّاب ولنازك الملائكة لنشرهما لأولى قصائد الشعرالحر وذلك في سنة 1945 ـ 1946. ذلك التجديد كان عبارة عن كسر وتحطيم القصيدة العمودية السائدة وذلك بعدم الإنقياد بعدد التفعيلات الموجودة والمحددة في البحر الواحد من بحور الخليل الستةعشر واستعمال مايجوز فيه من خبنٍ وطيٍّ وما إلى ذلك للتفعيلة نفسها، بل إلى هذا أضف أنـَّهما كانا قد إعتمدا على مايسمى بكسر التفعيلة نفسها وإجازة التدويرأي:
    مستفعلن مستفعلن مستفعلن ـ.ـ.ــ./ ـ.ـ.ــ./ ـ.ـ.ــ.
    مستفعلن مست ـ.ـ
    ـ فعلن مستفعلن .ــ./ ـ.ـ.ــ.
    مس ـ ـ.
    ـ تفعلن ـ.ــ.
    ...إلخ.
    أوائل القصائد للشعرالحر كانت تـُنظم على البحور الصافية أي التي تحتوي على تفعيلة واحدة متوالية: مستفعلن مستفعلن...، وليس على البحور المختلطة أي التي تحتوي على تفعيلتين مختلفتين: مستفعلن فاعلن أو فعولن مفاعيلن. .من بعد ذلك بدأ الشعراء بتوسيعهم لهذه الثورة في شكل القصيدة العربية بحيث أضافوا أشياء أخرى لم تكن نازك الملائكة نفسها راضية عنها! بالأحرى كان يجب عليها أن تفكر بأنَّ من فتح الأبواب وكسر القيود سوف لن يتوقف أمام المتاريس والعوائق المقبلة، بل أنـَّه سوف يواصل الطريق بكلِّ ما يحويه من المخاطر والوقعات والسقوط والعلو. إجمالاً كانت هذه هي الخطوة الأولى. .إنَّ إحدى الميـِّزات الأساسية واللازمة لكي يكون ما نكتبه يسمى قصيدة وليس أي نتاج أدبي آخر هو الوزن ـ الموسيقى " هذارأيي". هذه الموسيقى، هذا اللحن وهذه الغنائية هي التي تعطي القوة القصوى للكلمة كي تخترق العوائق والجدران الإسمنتية المسلـَّحة وتصل إلى الأعماق. بهذا فالكلمة لاتكون هي الواسطة للتعبير ولكن الموسيقى التي تغلـِّفها وتحتويها فتجعل منها الغاية التي موقعها في الأعماق. الكلمة هي كالفكر تتواجد في كل زمان ومكان، فإمـَّا نائمة وإمـَّا هي في سباتٍ عميق:ـ هذا الشاعر قال ماكنت أفكِّرُ به!... وذاك المُهَلـْهِلُ غنـَّى ما عجزت أن أُصْدِحَ به! الموسيقى هي لغة كونية وعندما تحتوي الكلمة ـ(المُتـَّفـَقُ عليها مِنْ قِبَلِ مجموعة مِنَ البشر) ـ ، تجعلها متـَّسِمة بكونيتها فتقضي على الحواجز والعوائق كلها وتصبح الكلمة روحاً لا يحدها شيئ على الإطلاق. لم أتوقف في يوم من الأيام عن مواصلة القراءة والإطـَّلاع على كل ما يجري سواءً في الوطن العربي أم في الأنحاء الأخرى من العالم، لذا فمن خلال تواصلي وجدت الكثير، منه ما اعتبرته تجربة فاشلة لأنها تقليداً أعمى للآخرين لا لشيئ بل لمجارات " الموضة" ومنه ما اعتبرته قابلاً للتعامل معه. التجديد يجب أن يكون ومن دونه سيطغي الموت والتحجر. وهذا التجديد يجب أن يكون في كل زمان ومكان ولكن القضية وما فيها أن هذا التجديد يجب علينا أن نفهمه أن نتدارك محتواه وشكله بصيغة موضوعية وليست إعتباطية.
    النص المكتوب دون الموسيقى يسمى نثراً والمسرد منه يسمى رواية أوقصَّة أو أي تسمية أخرى وليس بالشعر. شكل التعبير مهما يكن ومهما سمي تجديداً كان أم تقليدا فإنَّ محتواه يجب أن يصل الى الغاية وإلا َّ كان تعبيراً مبتوراُ، أعرجاً، مشوهاً! " بالمناسبة، التشويه هو نوع من التعبير، أليس كذلك يا أخي مروان؟!"

    *على هذا : أنت مازلت تحتفي بالغنائية وتعدها مرجعية فنية يتنفس فيها نصك الشعري حريته ؟ وضمن هذا الاطار ايضا ،ماهو رأيك بالتجارب الشعرية العربية التي باتت تستثمر السرد في بنية النص الشعري ؟
    -أظنني قد أجبتك عن هذا السؤال بالذي قلته من قبل، ولو بطريقة غير مباشرة، ولكن لاحرج أن أحكي: إنَّ خمرة الشعر هي غنائيته وخمرة القصيدة ليست أيَّ خمر محرَّمةً أو محلـَّلة كانت، بل هي موسيقيتها التي بدونها لا يمكن أن تكون القصيدة. أيَّ نصٍّ نقرأه نقول عن هذا قصَّة وعن ذاك نثرا وعن ذلك مسرحا وآخر نقول عنه سردا بسيطاً ... إذن والحال هذه فإنـَّنا قد اعتدنا " والعادة، يا أخي مروان، العياذ بالله منها!" على أن نسمِّي الأشياء بأسماء سمَّيْناها، فهل يمكن التغيير؟ نعم يمكن أن نغيِّر، حتى وإنْ كان تغييرا غير معقول"كمسرح اللاََّمعقول": نسمِّي البقرة باسم " أنا ـ Io" وهي إحدى عشيقات الإله جوبتر وأن نسَمِّي أيَّ شيئ بأيِّ إسم كان. التسمية ليست مهمة بهذا القدر بل هو مضمون النص وما يرمي إليه. مثلا: في الفن خاصة والأدب عامة " في الغرب خصوصا" تطلق تسميات على العمل الفني أو الأدبي، هذه التسميات ثابتة وغير قابلة للتغيير مطلقا، فأنت تسمي هذا النتاج الفني أو الأدبي كلاسيكيا وذلك حسب مرجعية صفات معينة كانت قد ثـُبـِّتـَتْ من قبل ولا يجوز تغييرها. مثل" أن العمل الكلاسيكي يسمى كذلك لأنـَّه يكون تقليدا تامّاً للطبيعة" وهذه هي إحدى خصائص الكلاسيكية. وذلك العمل هو من المدرسة الكلاسيكية الجديدة لانـَّه يحتوي على خصائص أخرى لا يحتويها العمل الكلاسيكي... وهكذا من الكلاسيكية الجديدة الى الفيَمِّنـﮔو ومن هذا الى الرمزية والى الإنطباعية و... الى ... فكلٌ له خصائصه شكلا ومضمونا. كذلك ما يتعلـَّق بالشعر ـ " رأيي" ـ هو أنَّ الغنائية ـ الموسيقية ـ هي الواسطة الأكثر لازِمِيـَّة بل من المستحيل الا َّ ترافق القصيدة. مع ذلك، إذا سألتني: هل هنال من نصٍّ يستطيع أن يكسر القيود ويتعدى الحدود كلـِّها وهو ليس بالقصيدة التي اعتدنا تسميتها؟ أقول نعم. بل هناك ما يفوق ذلك! ولكن سمِّهِ ماتشاء وليس بالقصيدة.

    *بينك وبين العراق فاصلة زمنية شاسعة هل كنت تتابع مايجري في المشهد الابداعي ؟ وفيما لوكنت متابعاً له ، هل من ملاحظات عليه ؟ خاصة بعد العام 2003 ؟
    -نعم. هذا ما أعتقد أنني قد أجبت عنه من قبل أيضاً، ولكن أقول أنني تابعت كلَّ صغيرة وكبيرة، ما كان سلبياً وأيجابياً، لاحظت الكثير ولكن، قبل التاريخ المشؤوم ـ المـُنـْتـَظر! الذي ذكرته كان السكوت والقمع هما الأقوى وبعد ذلك كانت الشذرات هنا وهناك. براعم أرجو لها أن تكبر سريعاً، براعم منتشرة بين الكثير من الموت والحطام والرماد، بين مخلـَّفات وسموم أرجو أن تتحول إلى سماد وعون كي تنمو البراعم وتـُورق وتـُزهر.

    *هل لديك نية لزيارة العراق او العودة اليه ؟ أم ان العراق امسى جزءاً من الذاكرة وجزءاً من الماضي البعيد ؟
    - نعم، سَأعود! أنا رجل يسكنني الحزن والعتاب! هذا الحزن ذو أنفة وكبرياء، كما العراق ذو أنفة وكبرياء, والعتاب به ألم وحسرة، كألم وحسرة أرض العراق وسمائه، الحزن لا يأكل إلاَّ من طعام راقي الصنع ولا يشرب إلاَّ من دجلة والفرات! العتاب اختناق وغصَّة وتعلثم، كلمات متقطِّعة تكاد لا تـُسمع، حشرجة بها لوعة ومأساة، أنين آتٍ من أبعد الأبعاد وحرقة تـُفـْحِمُ القلب! . العراق ليس ذكرى، بل هو وجود خالد إلى ما شاء الله. الذكرى هي أنا: رجل ولد ومرَّ في أحشاء العراق وهو راحل غداً، والعراق باقٍ إلى ماشاء الله. أنا إبن من أبناء الرَّافدين الثائرين... آهِ لو تعلـَّمت الثورة بسلاح غيرالقلم والفرشاة والإزميل! هناك من يقول: سلاحك أقوى أجمل. ربَّما، ولكن،يا أخي مروان، قد أثرت مالا يجب إثارته وأطعمت للنار عظاماً تكاد تكون رماداً.
  2.  ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ





حوار مع الممثل محمد العمر نشر في صحيفة الزمان
السنة الرابعة عشرة العدد 4093 يوم الثلاثاء 10 كانون الثاني 2012
الممثل محمد العمريتحدث( للزمان) عن وجع ومسرّات السنين على المسرح  :
أنا مع نخبوية العرض المسرحي

في مسيرتهِ الفنية الطويلة التي شهدتها خشبة ُالمسرح في مدينة الموصل  والتي تعود بدايتها الى العام 1974 تجاهل الممثل محمد العمر بوعي ٍ واصرار ٍ كل المغريات الماديّة  اضافة ًالى الشهرة  الواسعة ِالتي يمكن ان يحظى بها فيما لو ارتضى لنفسهِ ان يقايضَ موهبتَهُ بأدوار سهلة ٍالمسافة ُ بينها وبين خداع  المتلقي  قصيرة جداً ، وآثرَ العُمَر خلال اكثر من ثلاثين عاماً إلاّ ان يكون مُتجَدِداً ومُجَدِداً في عشقه الدائب والدائم  للتجريب  داخل اطار التمثيل المسرحي بحثاً عمّا يحررُ جسد الممثل من أُطر التعبيرالتي استهلكته ، وذلك من خلال انغماره في عروض مسرحية نخبوية همُّها الارتقاء بمفردات اللغة الجمالية للتجربة المسرحية ..
الزمان التقت بالفنان محمد العمر وأجرت معه هذا الحوار : -

*المسرح في مدينة الموصل كان المنطلق لمسيرة المسرح العراقي قبل اكثر من مئة عام وتحديدا عام 1882 لكنه ورغم هذا التاريخ البعيد عن نقطة البداية هو الان يعاني من ضعف شديد منذ عدة عقود ويكاد ان يكون هناك غياب تام للعروض المسرحية . باستثناء مايتم انتاجه من قبل الطلبة والاساتذة في كلية ومعهد الفنون الجميلة ، هل يمكن ان تشخص لنا الاسباب والظروف ؟
- من الطبيعي جدا ان يكون المسرح جزء من حركة وديناميكية الواقع الذي تعيشه المدينة فهو يتأثر بها ويؤثر فيها سلباً وايجابا ومن تبنى المسرح في البدايات اي في نهاية القرن التاسع عشر هم الاباء الدومنيكان والمجتمع الموصلي كما تعرف مجتمع محافظ وقد رسم الكثير من الخطوط الحمراء حول هذا الفن وهو لاينظر الى المسرح او العاملين فيه نظرة احترام . فظهرت في خمسينيات القرن الماضي فرق مسرحية قدمت اعمال بسيطة ثم ظهرت في ستينياته فرق مسرحية اخرى منها فرقة نادي الفنون وفرقة الرواد وفرقة المسرح العمالي وكانت هذه الفرق اكثر تخصصا نتيجة وجود عناصر فنية كانت قد تخرجت حديثاً من معهد الفنون الجميلة في بغداد امثال حكمت الكلو وعلي احسان الجراح وراكان العلاف . إلاّ أن تلك الاعمال لم تنتج هوية مسرحية واضحة للموصل كما ينبغي إلاّ بعد ظهور الفنان  شفاء العمري حيث قدم منذ ستينيات القرن الماضي وحتى ثمانينياته اكثر الاعمال اهمية من حيث الشكل والمحتوى وتعددت المذاهب والاتجاهات الفنية التي تعامل معها الفنان العمري حتى اصبح اسمه عنوانا للمسرح في نينوى . اما كلية الفنون الجميلة فهي حديثة العهد لكن معهد الفنون الجميلة الذي سبقها في التأسيس فيمكن القول ان في بدايات تأسيسه في النصف الثاني من سبيعينيات القرن الماضي اكثر نشاطا مما هو عليه الان .
*هل لك ان ترسم لنا صورة لمستقبل المسرح في الموصل . هل ستكون استمرارا لهذا التدهور ام ان هنالك مايدعو الى التفاؤل ؟
-ياسيدي ان فايروس التدهور لم يشمل المسرح فقط وانما عطل كل مرافق الحياة لكنني رغم هذا اعود مرة اخرى لاقول ان هذا الوضع ليس إلاّ وضعا مؤقتاً فالمسرح هو جزء من حركة المجتمع الثقافية ، وزهرة واحدة لاتصنع ربيعاً ، وهذا الشعب ، شعبٌ حي ونينوى مدينة ولاّدة للكتاب والشعراء والمسرحيين فمثلما انجبت الشاعر الراحل الكبير سالم الخباز ومحسن عقراوي فقد انجبت الشاعر معد الجبوري ورعد فاضل واملي كبير بالشباب الاخرين من اساتذة وطلبة في كلية ومعهد الفنون الجميلة .

*هل هنالك اسماء معينة من الشباب يمكن المراهنة عليها في البدء بخطوات جديدة تضع المسرح بفاعلية واضحة ومؤثرة في واجهة المشهد المسرحي العراقي . ؟
-بالتأكيد هناك اكثر من فنان ينبغي ان تتوقف وتنصت اليه وتتابع اعماله سواء على مستوى التأليف او التمثيل او الاخراج . ومن الاسماء المؤثرة على سبيل المثال في ميدان التمثيل نبدأ اولا بالشاعر الكبير معد الجبوري ورعد فاضل وناهض الرمضاني وبيات محمد مرعي ومروان ياسين . اما على مستوى الاخراج فقد انجبت كلية الفنون الجميلة اسماء شابة مهمة مثل بشار عبد الغني ومنقذ محمد والفنان د. محمد اسماعيل .

*عادة ماتكون العروض المسرحية التي كنت ومازلت تعمل فيها والتي تستغرق شهورا عدة من التحضير والتمرين عروضا نخبوية لايشاهدها سوى عدد محدود من المتفرجين ولايستغرق عرضها سوى اياما معدودة لاتتناسب مع الجهد المبذول ومع القيمة الفنية العالية التي تحملها . ياترى اين تكمن سعادتك في هذه العروض .. ألا تصاب بالخيبة ومالذي يدعوك الى الاستمرار ؟
-حسب تصوراتي المتواضعة بأن التمثيل والاخراج على الاقل في الموصل هي من فنون الاثر حيث تكون جماليتها تكمن في لحظة ولادتها ومن ثم تصبح اثراً أما التأليف فهي حياة ديناميكية مستمرة مع تقدم الازمنة . لكن المتنفس الحقيقي الذي يشعرني بالسعادة وحب الاستمرار هو ناتج لعشق المسرح والذوبان فيه واشباع الانا الداخلية .

*هل انت مع نخبوية العرض المسرحي ؟
-نعم أنا مع نخبوية العرض المسرحي .

*مالذي يعيق نمو وتطور الحركة المسرحية في المحافظات تحديدا والعراق عموماً سواء فيما يتعلق بعمل الفرق المسرحية او المؤسسات الفنية؟
-يمكن ان يعزى هذا الوضع الى مجموعة من الاسباب منها سياسية واقتصادية وغياب الرواد عن الساحة الفنية كما ان المردود المادي المتواضع جدا ادى الى توجه الفنانين الى الفضائيات العربية اضافة الى الرغبة في الانتشار السريع .

*ازاء التطور الحاصل في السينما والتلفزيون على مستوى الاساليب التي بدأت تستقطب المتلقي من جديد ألاتجد ان هذا قد يكون واحدا من الاسباب التي جعلت المسرح لم يعد في دائرة اهتمامات المتلقي التي تستقطب اهتمامه وتثير دهشته على الاقل في العراق ام ان المسرح له خصوصية في اساليب العرض والتقديم لخطابه لاتؤثر عليها الاساليب والتحديثات التي حصلت في السينما والتلفزيون ؟
-مما لاشك فيه ان للسينما والتلفزيون تأثيرواضحح في استقطاب المتلقي كما اثرت فعلا الاساليب والتقنيات الحديثة في عالم التشكيل إلاّ ان المسرح يبقى محافظا على خصوصيته على نبضه الحي الذي يساعد على ان يبقى متماشيا مع العصر هو التطور والتغيير الذي شمل المسرح بتقنياته التي ترسم سينوغرافيا العرض المدهشة .

*هل لك ان ترسم لنا صورة موجزة عن اهم المحطات التي وسمت مسيرتك الفنية ؟
-ان مجرد عملي مع استاذي الكبير شفاء العمري اعتبره محطة اختصار وايجاز لكل المحطات ومنها اقطع تذكرة الذهاب الى اجمل الامكنة الساحرة ومن ثم اعود الى محطتي لاسافر بعدها الى اماكن اكثر بهجة وجمالاً فأنا انظر اليها من الاتجاه المعاكس حيث انطلق من الامكنة البعيدة متجها الى المحطة الاساس التي يقف فيها شفاء العمري .

*بعد هذا العمر الطويل الذي قضيته على خشبة المسرح بكل حلوها ومرها مالذي خرجت به من افكار وهل يستحق منك كل هذا الجهد وهذا الوفاء ؟
-يقول الشاعر الكبير معد الجبوري : الكل باطل وقبض ريح متى يدق الموت بابي وأستريح .

*الممثل العراقي عادة مايحصل على جوائز مهمة في المهرجانات التي يشارك بها هل تجد ذلك امرا طبيعياً تبعاً لما يمتلكه من خصوصية في الاداء أم ان هنالك اسباب اخرى تقف وراء هذا التكريم خصوصاً اننا نجد ان الساحة العربية فيها الكثير من الطاقات الكبيرة فماذا تقول عن هذا وعن الممثل العراقي ؟
-على مستوى المسرح نعم المسرح العراقي مسرح واعي ومدروس وعندما يشتغل المخرج العراقي او الممثل العراقي تجده يعمل بكل حب وصدق وحرفية فهو فنان يلاحق عمله بكل تفاصيله بكل صدق وبكل وعي انا اوافق على ان المسرح العراقي دائما كان يحصد الجوائز في كافة المهرجانات التي يشارك فيها وهو يستحق تلك الجوائز .

*هل شاركت في مهرجانات خارج العراق. ؟
-لم اشارك في اي مهرجان خارج القطر للاسباب لان بغداد احتكرت كل المشاركات الخارجية بل اقتصرت على اسماء معينة . ولكن نتأمل من دائرة السينما والمسرح بأدراتها الجديدة بعد العام 2003 خصوصا مع وجود د. شفيق المهدي ان تلتفت الى فرق المحافظات وتشركها في المهرجانات ونحن بالانتظار

*انت تعمل ضمن اطار مسرح لاينتمي الى طراز المسرح التقليدي مالذي يخبئه هذا النمط من المسرح من تفرد وخصوصية الى الحد الذي يستبقيك فيه طيلة اكثر من ثلاثة عقود ؟
-التميز وصعوبة الاداء والبحث الدقيق في تفاصيل الشخصية هذا اضافة الى الجمل التمثيلية المدروسة التي اشتغل عليها لاضعها للشخصية فأنا اتصور ان ادائي كاللغة العربية الفصحى  تكتشف جمالها ومستويات التعبيروالتأويل فيها عندما تضعها امام اللهجات العربية . ؟

*فلاطون كان يقول الجسد قبر . انت كممثل كيف تنظر الى مسألة الجسد واستخدامه من قبل الممثل ؟
-الجسد بحد ذاته لغة يمكن ان تتفاهم بها وبواسطتها مع الاخر . والجسد كما يقول بريخت وستانسلافسكي هي الادوات الخارجية التي يملكها الممثل لتجسيد مايمكن ان تقوله الادوات الداخلية وان بدايات تعلم الانسان للكلام كانت عن طريق الرقص . فالجسد هو اللغة التي كان يتحدث بها الانسان اما على مستوى المسرح فقد قدمت اعظم الاعمال عن طريق لغة الجسد .




  الشاعر رعد فاضل يتحدث للزمان : عن ظلم شعراء الاختلاف في العراق  
-الحداثة لا تقوم إلاّ بوعي مضاد .

   حاوره : مروان ياسين الدليمي


اختار الشاعر العراقي رعد فاضل في تجربته الشعرية التي ابتدأت في منتصف العقد السابع من القرن العشرين أن يُحدِثَ قطيعةً ابداعيةً معرفيةًمع نمط القراءات المحايثة، ليمضي بعيدا ًبمساره في فضاء شعري مُختلِفٍ ومُختلفٌ فيه وعليه،علامتُهُ :قراءةٌ مفارِقةٌ في فهم وانتاج مقترحات وتحولات التجربة الشعرية الحداثوية . . وجاءت كتاباته الشعرية والمسرحية ــ نصوصا وتنظيرا ــ  خروجاً على انماط المألوف في القول والرؤية . . والمهم بالنسبة له في هذا المعيار هو "كيف يؤلف الشعر وكيف تخلق الأفكار والرؤى لتأخذ طريقها إلى شعرية المحتوى ، لتتحول إلى أفكار مميزة تُحفِّزُ وتوغِلُ وُتهدِدُ لِتؤسِسَ". . هنا نلتقي مع من كان على مدى ثلاثة عقود منحازا ًبحلمه الشعري  الى الوعي المضاد والمفارق في احداث التحولات التي تجلت في التفكير والتنظير والكتابة الشعرية . وليتوالى الاختلاف والتجاوز كتابا شعريا بعد اخر متشكلا في لغة معبأة بزخم تخييلي، صادم،وغامض . . فالكتابة لدى فاضل انزياح عن ذاتٍ لغويةٍ مُحنَّطة ٍومُحنِّطةٍ الى اخرى تتفوق بذاتها على ذاتها عبرالتأمل واجتراح ذاكرة جديدة يتماهى فيها اليومي والاسطوري في بناءات توليدية تحلق بالكلام الشعري  الى فضاء كوني .
في رصيد الشاعر رعد فاضل هذه العناوين : الموجة الجديدة(مجموعة شعرية مشتركة) 1982،أناشيد المحارب(مشتركة)1984، فاليتقدم الدهاء الى المكيدة 1993،شانقابا امورو 2000، عندما اشتبك الضوء بالياقوت 2003،منمنمات 2009،مخطوطة المحنة 2010،وله في المسرح ثلاثة نصوص:لاغبار لاأحد 1989، وأناشيد الاخطاء 1992، ومن وممن ولماذا 2007. أما في التنظيري الشعري فله : الاجتثاث والمغادرة1992، وقيعة وثلاث عواصف 1994، الآخر من الكلام .

أزمة المؤسسة الثقافية العربية
*هل تتفق مع الرأي الذي يقول بأنّ قصيدة النثر قد خاضت معركة آيديولوجية في العراق أكثر مما هي معركة فنيّة، إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار المناخ السياسيّ العراقيّ طيلة نصف القرن الماضي، وما كان يشهده من عنف وصراع انعكس بشكل واضح وثقيل على المشهد الثقافي العراقي ؟
                                                                          
- كلّ تطلّع مختلف وجديد معرّض إلى خوض حروب من جهة كلّ قارّ وقديم وبخاصة عندنا. منظومتنا الآيديولوجية والثقافية العربية لا تقدّس الأشياء حسب أيّ فهم عميق لها أو لأيمانها بها أيماناً خلاّقاً، وإنما لتحتمي فكرياً وسياسياً وثقافياً بما رسّخته هذه الأشياء بقدامتها، فتحوّل هذا التقديس إلى تقاليد ثابتة، ومَن يتجرّأ على خرقها وتجاوزها، سيوصم بآفاق من التّهم الجاهزة، تصل في الغالب إلى التّخوين والتّأثيم، ويُضرب من حوله شتى أنواع الحصارات.
فلأذهب أبعد من ذلك: لا يمكن (للحظة الماضي الثقافية) أن تكون الجسر الوحيد إلى (لحظة الحاضر الثقافية) التي لا يمكنها هي الأخرى أن تكون هذا الجسر إلى (لحظة ثقافية ما في المستقبل). ذلك ما تتحلّى به كلّ ثقافة خلاّقة، وكلّ شاعر ومُتلّق من هذا النوع. صحيح أنّ الشعر يوصل ما بين هذه اللحظات الثلاث بطريقة أو بأخرى، ولكنّ المهمّ ما طبيعة هذا الوصل؟.
لكي يكون النص الشعري ومُتلقّيه منتجيْنِ، لابدّ أن ينطلق إنتاجهما من لحظة الـ (ما) هذه، أي من مستقبل الأشياء والإنسان. وهنا قد تسألني: كيف ذلك والشاعر ومتلقّيه يعيشان لحظتهما الماضية والحاضرة ثقافةً ووجوداً وإنتاجاً ؟. فأقول: إنّ أهمّ مهمة أُنيطتْ بالشعر هي أن يكون (رائياً) وهذه الرؤيا بالنتيجة لا تقود إلاّ إلى اكتشاف الأشياء وترحيلها إلى لحظة الحاضر. وفي ظنّي أنّ هذا هو أحد أهم أسباب الصراع ما بين لحظتي؛ (الماضي والمستقبل). وما لحظة الحاضر هنا إلاّ ميدان ذاك/ هذا الصراع. من هنا لابدّ أن لا يصنع الشاعر تاريخه بالخضوع لقواعد الثقافة القارّة، آيديولوجياً ومؤسسّاتياً، وإنما عليه صناعة فرص جديدة لتاريخ يجيء، لذلك أنطلق دائماً من حداثة لا يمكنها أن تقوم وتستمرّ إلاّ بانطوائها على وعي مضاد .
أزمة المؤسسة الثقافية العربية بعامة، والعراقية بخاصة تتركز في مناوءتها الغريزية لكلّ جديد، كما نوّهت، وبخاصة للشعر، وبما أنّ الثقافة تؤسس عقليات فبطبيعة الحال ستتحوّل هذه العقليات تدريجياً إلى نظام شموليّ صارم يظلّ ينتج قراءات، في أغلبها، خاطئة وضعيفة للشعر، أعني الشعر المتحوّل. وما دام " من حقّ الشعر أن تكون ألفاظه كالوحي، ومعانيه كالسحر " كما رأى أبو هلال العسكري. إذاً لا بدّ بالمقابل من ثقافة ومتلقّ على هذا المستوى من هذا الوحي والسحر. كلّ شعراء الحداثة والاختلاف العراقيين ظُلِموا وإنْ تباينت مستويات هذا الظلم نقدياً وإعلامياً. ظُلمنا جميعاً، وأثِّمنا وخُوِّنا، غير أنّي سأظلّ أسمّي هذا الظلم الضريبةَ الذّهبية التي لا بدّ من دفعها- ضريبة أن تكون مختلفاً؛ ثقافةً ونصّاً ورؤيةً ورؤيا، سلوكاً وأسلوبَ حياة. ولا أزال من جهتي مستعداً لدفع ضرائب أُخر، ما دام الوسط الثقافي عندنا لا يزال عيياً، ويدفع هو الآخر لنا ضرائب تردّده ونكوصه وثباته. الشعر الشائع عندنا رسميّ ومؤسساتيّ، أعني ذلك النمط المُفضّل لدى الذائقة الآيديولوجية؛ ثقافياً وسياسياً واجتماعياً، ويتمّ ذلك عبر منهجة دراسية لا تتعلّق إلاّ بنزعة تلك الّذائقة الواحديّة. ذلك هو الشعر الذي تربّت وتتربّى على وفقه أجيال من الذائقات في مدارسنا وجامعاتنا، وبالمعنى الأكثر تخصيصاً للكلمة: إننا لا نتوفر حتى الآن على ذائقات نوعية متنوعة، إلاّ ما ندر، من شأنها إعادة فحص الشعر فحصاً نقدياً حقيقياً بسبب من هذا الخضوع التربويّ لسلطة تلك الذّائقة، وما المتغيرات التي تطرأ على مناهجنا الدراسية وبخاصة الجامعية، من وقت لآخر ليس إلاّ على وفق المتغيّر الآيديولوجي والسياسي، لا على وفق التّطلب الثقافي بالمعنى المتنوّع والواسع للكلمة. من هنا تكون ثقافة الأغلبية عندنا ليست سوى نتاج لقراءة هذه الآيديولوجيّة المركزية للشعر، فضلاً عل تحكّمها بوسائل النشر والإعلام. معركتنا أكبر من أن تكون آيديولوجية أو فنية بالمعنى العام للكلمة، معركتنا في أن نظلّ نأتي من أمام. تلك هي معركة كلّ شعر خلاّق.
التنظير نص ابداعي
*أنت تكتب في التنظير الشعريّ بالاهتمام نفسه الذي توليه لكتابة النّص الشعري إلى اي حدّ  تجد ذلك أمراً ضرورياً لتوضيح عالمك الشّعري ووضع الدلالات أمام النّقاد كي يسيروا في الاتجاه الذي تريد عندما يسعون إلى السّير في قارّتك الشعرية التي تؤسس لها مجموعة شعرية بعد أخرى.
- في أكثر من حوار ومناسبة ثقافية كنت قد نبّهتُ إلى أنّ كلّ شاعر جِدّة وحداثة لا بدّ وأن يكون مُفكّراً، أعني أن يكون مُنظِّراً يجيد التفكير والكلام على هذا التّفكير وعلى كتابته الشعرية، أسلوباً وفكراً، ليس دفاعاً أو هجوماً بالمعنى العام للكلمة، بل لإضاءة المفاصل الجديدة التي يشتغل عليها. أنا أنجز شعري ثمّ أُنظِّر على وفقه. فالتنظير عندي بهذا المعنى ليس سلاحاً ولا مُلحقاً تفسيريّاً. قد يكون نوعاً من التّبرير لهذا الاختلاف والخروج، تفكيراً وأسلوباً. الشعر المختلف  يتطلّب دائماً قارئاً عُمدةً ، كما تتطلّب كتابة الشعر الخلاّقة شاعراً عُمْدةً بالمستوى الذي يتطلّبه الاختلاف والابتكار الخلاّقان. وإذا لم يكن الشعر (هذا الشعر) بالنسبة إلى الشاعر ومتلقّيه حسب هذا التوصيف إشكاليّةً فكلاهما ليسا بخلاّقين. قد تتساءل: وما علاقة ذلك بالتّنظير حسب تحديدات سؤالي؟!. العلاقة تكمن في بحثي عن توصيف آخر لقراءة الشعر، وهذا البحث هو من يظلّ يحرّضني على التنظير للشعر وقراءته. في واحد من الحوارات التي أجريت معي سابقاً ( أودّ التنويع عليه قليلاً): إنّ الشعر في واحد من معانيه هو حرق لثقافات إبداعية ومعرفية بتنوّع أشكالها،  ليس لتمثّلها تمثّلاً تقليدياً، بل لابتكار خلاّق آخر لها، وبهذا يكون التنظير نوعاً من الفِكْر الشّعري، أو التفكير للشعر. البعض يرى أنّ نصوص رعد فاضل الشعرية لا تطابق نظرته إلى شعره، أقول وبجرأة: نعم. ولكن كيف؟. أزعم أنني شاعر ومثقّف متحرّك، كلّ ما فيّ لا ينحو إلاّ منحى البحث والتّقصي والاكتشاف، وما تنظيري إلاّ جزء عضويّ من حركة هذا البحث والتّقصي والاكتشاف ورغبة في المعرفة وكيفية التّجاوز. أتحرّك شعرياً لا يعني بالمقابل إلاّ أنّي أتحرّك نظرياً، بل ليعني أنّي أتحرّك نسيجيّاً. وكما ترى إنها علاقة عضويّة تكاملية. فكيف يمكن مع الحركة ترسيم ملامح تطابق نهائيّ وحاسم ما ؟. ولمناسبة هذا الكلام أقول: إنّ الشعر ما عاد شكلاً شموليّاً ولا اجتراراً لشكل أو لطريقة تعبير بعينها. التنظير أضيئ به مكامن التّجاوز والاختراق، وبالمثل مواطن المراوحة والتّراجع إن وُجدت. التنظير أتعرّف عبره إلى نفسي وإلى العالم/ وبالشعر أضيئهما. الشاعر المتحرّك بطبيعته مُنظّر سواء أعلن عن ذلك أو مارسه في الخفاء، وفي الحالتين يمكن جسّ حركة هذه الثنائية في شغله الشعريّ. والآن وبما أنّ النقد الحديث لم يعد نصّاً تابعاً للنصّ المنقود فلا يمكن قطعيّاً القبول بفكرة أنّ الشاعر هو مَن يوجّه الناقد. النقد نصّ إبداعي ناقد لنصّ إبداعيّ منقود. الناقد كما الشاعر لا يُوجَّهُ ولا يُسيَّر، كلاهما خلاّقان.

  القراءة نشاط رؤيوي
*مثلما لك اجتهادك في كتابة اطروحتك الشعرية أجد من الضروري أن أسألك عن الذين يقرأون نصّك الشعريّ. من هم؟.
-دعني أنوّع ثانية على آراء كنت نشرتها سابقاً أجدها مناسبة للإجابة على هذا السؤال: هل القارئ موجود فعلاً. وهل تراه قابلاً للوجود قبل قراءة تكون على درجة عالية جداً من الفاعلية والحسم. كيف تراه مميّزاً أكثر مما يستطيع هو أن يفكّ وأن يتلقّى... ويرفض؟. كما يفهم جاك دريدا هذا الأمر بمعنىً من المعاني. غالباً ما يبدو الشعر(هذا النّوع الإستثنائيّ من الشعر) عصيّاً على الفهم، وعندما تقف القراءة عاجزة أمامه غالباً ما تعزو هذا العجز إلى طريقة كتابته، جاهلة أو متناسية أنّها إزاء نوع آخر من التعبير الشعريّ/ في مواجهة تعبير يفكّر ويشتغل خارج توقّعاتها/ تعبير يعنى بتأثيث واقعه الشعري تأثيثاً مغايراً، صادماً، تعبير ليس معنيّاً بالاشتغال على وفق واقع هذه القراءة. هكذا تصير مخاطبة القراءة، هنا، مُوحىً بها من قبل المقروء الشعري على أنها خطاب مُحتَمل ومُتَوَهم به. خطاب زائغ، فكأنّه سرّ كلّما حاورته يُفرّخ بين يديك أسراراً. من هنا كلّ قراءة تُعنى بالسّطوح لا يمكن أن تكون إلاّ (قراءة عاميّة)، كما أسمّيها، لا تفهم كيف تكونُ قراءةً - جوهراً/ وعَرَضاً، بالمعنى الفلسفيّ، في آن، كونها لا تشتغل إلاّ على الخط القبليّ، الخط الأفقيّ الذيليّ، بينما قراءة الجوهر/ العَرَض، أعني قراءةَ العمق والتّموّج فلا تُبحِر إلاّ عبر تموّجات هذا العمق وصولاً إلى عمائق أبعد غوراً. على القراءة إذاً أن تتحوّل إلى نشاط رؤيوي لتتمكّن من القيام برحلتها الجمالية والفكرية   داخل النشاط الجمالي والفكريّ للشعر، لأنها بهذا المعنى ما عادت قراءةَ استهلاك، على العكس، تحوّلت إلى قراءة تفكُّر وإنتاج. قراءة هي الأخرى كما الشعر مُحتَمَلة. قارئ الشعر كما أتخيّله اليوم معنيّ أكثر من أيما وقت مضى، بالتّخلي نهائياً عن نظامه(المتعدّي) كون هذا النظام لا يزال معنيّاً بثبات القراءة، ليتحوّل نهائياً مع تحوّل الشعر، لأنّ استعداده الجماليّ والثقافيّ والنفسيّ هذا يمنحه خاصيّة البحث والتّقصي والاكتشاف ليقرّ فيما بعد بملء حساسيته الجديدة هذه؛ بأنّ الشعر ما عاد محاكاة مباشرة له، ولا واقعاً يخصّ العالم أكثر مما يخصّ الشاعر، وأنّ قراءة الشعر ما عادت كم كانت عليه، وأن خرق سياقات شعرية قديمة ومعاصرة ليس خيانة للشعر. على القراءة إذاً أن تتوقّف عن التعامل مع الشعر(هذا الشعر) في ظلّ فهمها القديم للشعر. على وفق هذا الفهم قرّائي هم مَن يفهمون هذا الفهم وينحون هذا المنحى. قد يكونون قِلّة أو حتى نادرين، غير أني أعوّل عليهم نقّاداً وقرّاء. .في حوار أجراه معي أحد الأصدقاء بتكليف من جريدة تاتو العراقية، سألني: " يشكو أغلبية قرائك من قراءة نصوصك، ويصفونها بالغموض، وبأنها صعبة المراس " . هذا رأي أُشيع منذ أكثر من ربع قرن عنّي، وغالباً ما كان يُعبَّر عنه وكأنّه تهمة أو سُبَّة!!. ولأنّ الجريدة  لم تنشر هذا الحوار لأسباب هي الأخرى تبدو غامضةً في الأقلّ بالنسبة إليّ !!، سأعرّج على بعض من إجابتي على هذا السؤال لما له من علاقة وطيدة بالقارئ والقراءة: إنّ تنكّر الشعر للواقع لا يعني بالمعنى الدارج للكلمة أنه ضدّه، وإنما يعني سعي الشعر المتواصل لكي لا يكون (شعراً واقعياً) فأنْ تكون جزءاً من واقع ثقافيّ لا يعني بالضرورة أنك مُمثِّلٌ لهذا الواقع، كي تكون (واقعياً) بهذا المعنى. الشعر رفضٌ وثورة مُتواصلان، ولا يمكن أن تكون الثورة رفضاً، ولا الرفض ثورةً إلاّ إذا قاما داخل هذا المرفوض- المُثار عليه. حتى هذا الشعر الذي أتكلّم عليه بمرور الوقت سيعيش نوعاً ليس اختلافياً ولا ائتلافياً، وإنما كأنّه يعيش حالة (اللاختلاف). الشعر وبخاصّة عندنا لا يزال غائباً بالمعنى الاجتماعيّ الواسع للكلمة قياساً بما يسمّى الشعر الشعبيّ (لا أقصد العامّيّ- هنا، وإنما أقصد ذلك النمط الدّارج بين عامّة القرّاء)، وسيظلّ كذلك ما دام هامشياً بالنسبة إلى القراءة الجماهيرية بمعناها الواسع أيضاً. وهنا أتساءل: لِمَ يُطلب دائماً من الشعر أن يكون جزءاً حيوياً من الحياة الاجتماعية والثقافية الواسعة كالتلفزيون والسينما وما شابههما، وهي كما تعرف وسائل ترفيهيّة ما عاد الاستغناء عنها ممكناً اجتماعياً، ولا يُطلَبُ من هذا الاجتماعيّ أن يكون شعرياً؟!. الشعر متحرّك وذلك ما يُشعِر كلّ قراءة بهذا المعنى، بفوقيـّته، لتقدّمه وطليعيّته لا لكونه ارستقراطياً كما قد يُفهَم من هذا الكلام. حسناً.. " أفخرُ الشِّعر ما غمض، فلم يُعطك غرضه " هذا ما نبّه إليه أبو اسحق الصّابي!!. المجتمع عندنا ثقافةً وقارئاً بعامّة، ليس ثابتاً، على العكس!! إنه متحرّك أيضاً ولكن إلى وراء دائماً، وذلك ما يجعله في انفصال دائم ليس عن الشّعر فحسب وإنما عن كلّ حياة ثقافيّة حيّة ومتواصلة. " الشعر لَمْح تكفي إشارته " هذا ما كتبه أبو تمّام !!. فهل تعتقد أننا نتوفر على قاعدة عريضة ولو نوعاً ما من هذه القراءة (اللماحة )؟!. الشعر الخلاق شرطه أن يكون نوعاً من اللبس/ نوعاً من المقاومة. فهل ترى واقعنا ثقافياً واجتماعياً بمستوى هذه التّطلبات؟!.

المثقف العربي لايتمتّع بأيما قدرة تغييرية!
* نصف قرن مضى من تاريخ المنطقة العربية شهدنا فيها انكفاء لأيّ مشروع ثقافيّ خلاّق.  كيف تنظر إلى مسؤولية المثقف العربيّ ؟.
-إشكاليّة المثقف العربيّ بعامّة تعود إلى تبعيّته للمؤسسات الثقافية الرّسمية، وهذه المؤسسات كما تعلم تابعة بدورها للأنظمة السياسية العربية، ليس لنصف قرن مضى وإنما لأبعد من ذلك بكثير. الإشكالية من وجهة نظري ليست في دور المثقف العربيّ وطبيعة مسؤوليته ودوره، وإنما في طبيعة ثقافته وتكوينها. الثقافة العربية بعامة لم تكن نتاجاً لثقافة حرّة مستقلّة، أعني تلك الثقافة القائمة على تنوع المنهج والنّزعة والمشارب والرؤيا، باختصار:الثقافة العربية السّائدة ليست إلا استلهاماً للثقافة السياسية السائدة، فتحوّلت من كونها عقلاً مُكَوِّناً (بكسر الواو وتشديده) إلى عقل مُكَوَّن (بفتح الواو وتشديده) وهذا بدهياً ضدّ كلّ طبيعة ثقافية خلاّقة، فتحوّل المثقف العربيّ عبر قرون من هذه السياسة الثقافية البراجماتيّة إلى (مُستَلِهم) في الوقت الذي لابدّ أن يكون فيه عقلاً خلاّقاً، مُؤسِّساً، ومُلْهِماً، أي عقلاً مُنتِجاً على وفق متطلّبات كلّ تطور للحياة. من هنا لا دور كما ترى لهذا المثقف في أيّ تغيير ذلك أنّه، حسب هذا التوصيف، لا يتمتّع بأيما قدرة تغييرية ولا حتى تنويريّة إلاّ على وفق الأصول الثقافية والتقاليد السياسية العربية السائدتين، لأنّ السلطة كلها في قبضات سياسيي الدولة ومثقّفيها تخطيطاً وتنفيذاً. المثقف العربيّ إلاّ القلّة القليلة النادرة لا يزال يزداد تعمّقاً في تبعيّته لهذه المؤسسات،لا بل يتحوّل بأساليب عجيبة مع تحوّلها سياسياً وآيديولوجياً وثقافياً، وحسب التطلبات التي تجدها هذه المؤسسات ضرورية وواجبةً لمثل هذا التّحول. خذ انموذجاً: كانت هنالك مؤسسة ثقافية مركزية قائمة بذاتها ولذاتها في العراق، وكان المثقف هو الآخر عموماً مركزياً قائماً ما دام لا يتقاطع مع متطلّبات هذه المؤسسة، والآن صار لدينا مؤسسات عدّة، صحيح أنها قائمة على التعددية ظاهرياً، غير أنها عمقياً هي الأخرى تمارس مركزية أجنداتها الآيديولوجية والسياسية، لا بل حتى المناطقيّة، والعرقيّة، و، و،... تتحكّم بطبيعة الثقافة التي ترسخ لها وهي بطبيعة الحال ثقافة المراوحة والتراجع نفسها ولكن بأساليب مختلفة، أما الهدف فنفسه. باختصار: المثقف العربيّ بعامة إمّا مُنكفئ ومنغلق على ذاته، وإما تابع لسياسة تلك الأجندات أسلوباً، ونزعةً، ومشروعاً. أما المثقف العربيّ الخلاّق الذي من شأنه وحده القيام بأعباء هذه المسؤولية، فإما هو الآخر: مهاجر في ذاته/ أو منفيّ خارج المنطقة العربية ثقافةً ووجوداً !!. لست متشائماً قطعاً. تلك هي الحقيقة إلاّ ما ندر.
النقد كتابة اخرى للنص
* هل تجد أنّ التأطير النقديّ للتجارب والتّحولات في الشعر العربي المعاصر كان دقيقاً ومعبّراً عن تلك التحولات في المصطلحات والمقولات الأكاديمية والمنهجية كما هو الحال في إطلاق مصطلح الشعر الحرّ على كتابات السّياب والبياتي وعبد الصّبور، وكذلك فيما  يتعلّق بقصيدة النثر والنّص الشعريّ المفتوح.... ألا تجد أنّ هنالك خلطاً بين هذه المفاهيم ؟.
-ليس هنالك خلط في المفاهيم بهذا المعنى. أخالفك الرأي نوعاً ما. من جهتي أقول: بعد تنوّع أشكال  التعبير الشعري العربي، وبخاصة كما حددتها أنتَ ابتداء بالسياب وانتهاء بقصيدة النثر(بتنوع أشكالها) كان لا بدّ أن تتنوع المناهج النقدية، وقراءة هذا التنوع. شعر مختلف، بالتأكيد يتطلّب نقداً مختلفاً. تلك بدهية. ولكن: هل أصبح هذا المطلب واقعاً نقدياً عندنا، أم لا يزال مطلباً ؟!. ذلك هو السؤال الأهم من وجهة نظري. أرى أننا نتطلّب نقداً ثقافياً لا يلغي النقد الأدبيّ، وإنما يتماشج معه لإنتاج نقد أشبه ما يكون بكتابة أخرى للنص فما دام هنالك حركة مستمرة لزحزحة الشعر، فهماً وطريقةَ تعبير فلابدّ بالمقابل أن يكون هنالك نقد بمستوى هذه الزحزحات.لا يزال النقد عندنا إما استقرار في نظام اللغة البلاغي/ وإما خروج كامل عليه. الشعر  نوع من الحجاج مع اللغة والعالم والحب والتاريخ والفلسفة والإنسان، من هنا ما عادت مهمة الناقد الرئيسة هي البحث عن العلاقات في النص الشعري بوصفها تواصلاً مترابطاً كمثل حلقات في سلسلة، وإنما على العكس من ذلك، مهمته تكمن في توصيف تلك العلاقات الانفصالية، العلاقات الشخصية التي ينشئها الشاعر مع الأشياء. العلاقات التي تظلّ تترك مِسْحات شخصيةً على وجه العالم بعامة، والكتابة الشعرية بخاصة، ليقوم فيما بعد باكتشافها. أغلب النقد عندنا تجريبيّ مُتنزِّه وصّافٌ، وليس مُكتشفاً، وفي المقابل أغلب الشعر(تصويريّ). الشعر الخلاّق شرطه أن يكون( تصوّريّاً، ظنّاً، حيرة، وتوجّساً) الشعر من هذا النوع راءٍ في المقام الأول. تلك في رأيي هي المهمة التي لا بدّ أن يضطلع بها النقد. يعنّ لي أن أتساءل هنا: ألم يكن ماركس رائياً في تصوّره الشهير " تحويل العالم " وكذلك مالارميه في " تحويل اللغة " بهذا المعنى؟. ركّز على العلاقة الغامضة- الواضحة التي بين هذين الشرطين لكلّ عمل خلاّق. ما الشعر إن لم يكن عالماً مُتحوّلاً عبر لغة مُتحوِّلة/ وما النقد إن لم يكن كذلك؟.     
      التلاقح الخلاّق                
* لماذا برأيك هذا الانجذاب إلى كلّ ما ينتجه الغرب من أشكال فنّية شعرية؟. هل في ذلك إشارة إلى عجز واضح في دور المبدع والمثقف العربيين، وهو بالتالي معادل موضوعيّ لطبيعة العجز القائم في منظومة الثقافة العربية التي كانت ولما تزل يرسمها المناخ السياسي؟.
-  لا حركة حقيقيةً من دون حريّة حقيقية. لا حياةَ حيّة، حقاً، من دون حرية حيّة. وكذلك لا إبداع خلاّقاً من دون تنوّع أشكاله. تلك هي الحركة التي تنتج الأشياء وبضمنها الشعر. كنت قد أوضحتُ في جواب سابق بعضاً من طبيعة الثقافة العربية بهذا الاتجاه. إنّ فعل المراوحة والتراجع الذي لا تزال تمارسه هذه الثقافة بعامة، مؤسسات وأفراداً هو في رأيي مَن يدفع إلى مثل هذا التساؤل!!. الشكل الفنيّ ليس زيّاً يجذبك فتذهب إليه، الشكل أفق، وما طُرق تعبيرنا إلاّ مناخات متنوّعة في هذا الأفق، غير أنّ لكلّ طريقةٍ مِسحتها الشخصيّة، هذا هو الأهم، وذلك هو التّميز عبر الشكل كما أفهمه. وإذا كنتَ تلمّح إلى السّبق التاريخيّ فيما يخصّ الغرب، وأنّ أصل هذه الأشكال ليس عربيّاً بهذا المعنى، أجدني مُجبراً على القول: الشعر العربي( أعني شعر الشّطرين) لا يتجاوز عمره 1500سنة تقريباً، وبما أنّ المصادر التاريخية كانت قد أجمعت على أنّ حضارة العراق تعود إلى أكثر من سبعة آلاف عام قبل الميلاد، وأنّ التراتيل والأناشيد التي كانت تُتلى في معابد بابل وأكد وآشور، فضلاً على ملحمة كلكامش كُتبتْ بشكل أقرب ما يكون إلى قصيدة النثر، والنّص المفتوح، فهذا الشكل هو الأكثر أصالةً عربياً  إذا ما علمنا أنّ سكان العراق الأوائل هم ما كانوا يُعرفون بالأقوام الجزرية( نسبة إلى الجزيرة العربية) الذين نزحوا إلى ما عُرِف فيما بعد بجنوب العراق بسبب التّصحّر الذي ضرب الجزيرة آنذاك- حسب هذه المصادر نفسها. وكذلك عودة  إلى المواقف والمخاطبات للنّفري، والإشارات الإلهية للتوحيديّ، وشمس المعارف الكبرى للبونيّ، وإلى نتاج هائل لنخبة من المتصوّفة، كفيلة بتأصيل هذا الشّكل عربياً- إن أردت ذلك. ليس هنالك في شكل الكتابة فنياً؛ تصدير واستيراد بمعنى الانجذاب كما عبّرت أنت، وإنما هنالك نوع من التلاقح الخلاّق أسلوباً وطريقةَ تعبير ورؤيا، من هنا لا يمكن أن يكون السّياب منجذباً ،بهذا المعنى، إلى الشكل الإنكليزي، وأدونيس إلى الآخر الفرنسي، على سبيل التمثيل لا الحصر .
                       
                    

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


رائد فرحان يتحدث ل(  الزمان) عن استلهام روح المدينة القديمة  

التشكيل العراقي إضافة عالمية

      حاوره : مروان ياسين الدليمي 
                                             الموصل

غالبا ماتكون فرشاته  مبلولة بغيمة من نينوى ،وكأنه وهو ينام بين وردها على موعد مع  الحنين اليها. . له موعد مع الوقت،يستظل به فيما تبقى منه في المرمر الموصلي.. له موعدٌ لم يفت آوانه بعد ، فرّ به من زهرة البيبون، له طعم النهاروشكل الربيع في سماء المدينة، له اكتظاظ اللون وله شكل دجلة .. البقاء في مشغل الابداع والخلق طيلة اكثر من ثلاثة عقود يعني الانفتاح والدخول في متاهة الاكتشاف لاشارات تتراءى من مفارقات التجربة وتفاعلاتها ..هكذا كان الفنان رائد فرحان ولم يزل ينشىء منصّته الانتاجية في تسويقات تنطوي على طبيعة تتجاوز ماهو مستهلك الى ماهو مَخفي ومُحتمل ، دون أن يَنغلق َمنطوقه في اطاروسائط وتقنياتٍ عادة ماتتوزع انشطتها في مقاصد الاخرين وهي تؤطر تحركاتهم وتشخيصاتهم على اللوحة. . الحركة الفنية في العراق عبر تاريخها كانت ولم تزل فيها  ظاهرة  غُيّبت من خلالها الكثير من الاسماء ،ومازلنا ننتظر ذاك الوقت الذي تصبح فيه هذه الظاهرة جزءاً مقصورا على حقيقة الماضي. ويمكن تسمية هذه الظاهرة ( تواطىء مع المعتاد ) وكأننا لم نزل نلهث وراء الثابت ونمشي وراءه ولانعير اهمية لما هو ُمتغيّر حتى لو سقطنا في هاوية الحياد عن التحديق من شرفة الغد . . . اسماء كانت توشح نفسها دائما بالارتعاش وتمضي في مشوارها المشدود الى اليقظة وهي تنسج اشرعة المغامرة ،تماهت تلك الاسماء مع التفاصيل الغضة ، مع البراءة والوقت المزجج بالامنيات ،ولانها كذلك : وُضِعَت ْخارج اطار المشهد الغارق بالضوء !. قد تحمل هي جزءاً من مسؤولية هذا الاقصاء وهذا الاغتراب ،لكن الاستحواذ على بؤرة الصورة  والذي طالما  أتقنه البعض هو الذي نأى بها خارج اطارها قسرا وعمداً . . جاء رائد فرحان الى شرفة اللون والتكوين ، في منتصف العقد السابع من القرن العشرين مع اخرين من زملاء الدراسة اثناء مرحلة الدراسة الاعدادية منهم لوثر ايشو ، مزاحم الناصري ، عاصم هادي ،خليف محمود واخرين .. جاءليكتب نصه البَصَري  بعد ان بدأت ذاته تتلمس بدهشة ٍجمال الاشياء حوله في مدينة الموصل ،شوارعها ،معمارها ،ربيعها، كل شيىء فيها ، فأأستيقظت تحت مطر الفرشاة مشاعر الفرح ،  تحتفي بقلقها وشواطئها واسواقهاوفلكلورها ووجوه ابنائهاوبأزقة نينوى القديمة  وهي تلم البيوت الى اضلعها ليس كما في المدن الاخرى ..هكذا تناثرت فتنته بمدينته مذ اول لمسةٍ لفرشاته . .  فرحان بدد صمته وخصّ الزمان بهذا الحوار:

*الفنانون التشكيلون في الموصل هل تجد لهم خصوصية فنية بشكل عام ضمن المشهد التشكيلي العراقي . ؟
 مدينة الموصل مدينة جميلة بواقعها البيئي والاجتماعي, لها عمق حضاري وتراث غني ومتنوع وامتداد ثقافي يبدا من فجر الحضارات البشرية  وانعكس هذا على الجانب الثقافي  لمجتمع هذا المكان  وبالتاكيد الفنانون التشكيليون في الموصل هم جزء من هذا النظام المعرفي و لهم خصوصية من  نواح عدة تمثلت في طبيعة اللون والتكنيك , بحكم البيئة الطبيعة ذات الجو النقي والالوان الزاهية تنوع  التركيب الاجتماعي للمدينة  (القومي والديني ) حدا بهم الى ميزات اجملها بما يلي : الالوان نقية  (اساسية في مجملها  ) وواضحة الصفة والمعالم ومتضادة فنيا وبصريا . . التكوينات تمثل تجمعات شكلية ( كتل , شخوص الخ ) تمثل البنية الاجتماعية للبيئة الموصلية . .التاريخ الحضاري والسياسي والبنية الشكلية للانسان في المدينة جعل منهم يميلون الى الموضوعات الملحمية والبطولية اقترابا من الفن الجمعي وتكون حاضرة في اعمالهم. .البحث عن التواصل مع الموروث الحضاري الفني الذي يمتد بعمق 3500 سنة ق.م باستخدام مفردات واشكال قد تكون طوطمية مستعارة من هذا الارث الحضاري والشعبي. وميل الى التشخيص الشكلي الايحائي بالمضمون.
لهم ميل عالي لامتلاك الحرفية بدقة متناهية كنوع من التفرد والخصوصية .
 
*انت دخلت عالم الفن التشكيلي قبل اكثر من ربع قرن وكانت لديك صورة للاسلوب وللشكل وللعالم التشكيلي الذي تنوي الوصول اليه  فهل حققت ماكنت تسعى اليه ومالذي تغير بعد هذا المشوار من العمل والتجربة والدراسة الاكاديمية ؟

عالم الفن التشكيلي غير محدد باسلوب أو نمط وهو متجدد بتجدد المعرفة والتقنية ، لذا من الطبيعي ان يكون الفنان التشكيلي مواكب لعصره ،مضافا الى الموروث الذي يمتلكه ، ومع وجود كم هائل من الاساليب والقدرات والتقنيات سواء على  المستوى المحلي او على المستوى العالمي ويمكن القول بان اختراق هذا المجال يحتاج الى قدرة ووعي وفهم لهذا المجال  من هذا المنطلق يمكن القول بانني استطعت ان اولج عالم الفن التشكيلي من خلال الخصوصية باستخدام المفردات  التي امتلكها. والقدرة في الاداء من ناحية التقنية والحرفة العالية ، هضم ماهو موجود وتطلع الى التفرد والخصوصية في عالم الفن التشكيلي. يمكن القول هناك بصمة واضحة اسمها (رائد فرحان ) سواء كان العمل حداثوي او واقعي .
 
*منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي انت كنت في بغداد وفي حينها توفرت لديك الفرصة لان تحظى بشرف الالتقاء بجيل الرواد فائق حسن وحافظ الدروبي وشاكر حسن ال سعيد ونوري الراوي واسماعيل الشيخلي واخرين كيف تصف هذا الجيل خصوصا ان البعض منهم قد درسك في كلية الفنون مثل فائق وحافظ ؟
-يمثل جيل الرواد جيل المعلم الذي قدم خبرته ومعرفته وما تعلمه من الثقافة الغربية بامتداها من عصر النهضة وصولا للعصر الحديث ونقله لهذه المعرفة للاجيال اللاحقة وخصوصا التقنيات وطرق المعالجة والتعريف بما يمكن ان يستفاد منه والتحول باتجاه عالم الشخصية (الاسلوب ) ، اي انه وفر للاجيال الاسس العلمية والفنية للفن التشكيلي وقدم البنية الحقيقية للفن الاوربي للمتعلم المحلي والعربي من خلال تاسيس معهد الفنون الجميلة ومن بعده اكاد يمية الفنون الجميلة اللذان ساهما بشكل فاعل بتشكيل الهوية الاقليمية والمحلية للفن التشكيلي واحياء الموروث الحضاري للفنون الشرقية القديمة (الرافدينية والفرعونية ). ووضع المفاتيح امام الاجيال اللاحقة.
                                                                                       
*في العراق كانت ولازالت مسألة الاجيال تشكل حضورا واضحا في النقد ليس في الفن التشكيلي فقط بل في مجمل الحقول الابداعية . وقد لاتجد هذا المنهج في التصنيف لدى بقية الدول العربية . مالاسباب برأيك التي دفعت بالنقاد الى اتباع هذا المنهج وهل اعطى هذا نتايج مهمة ومفيدة لصالح الحركة التشكيلية العراقية ؟
الحقيقة ان مسالة تصنيف الاجيال على وفق المراحل الزمنية لاتمثل الحقيقة في الجانب الابداعي بيد انها من الممكن ان تمثل نوع من الارشفة لمرحلة ظهور بوادر الابداع لدى الفنان ضمن الحقبة الزمنية لذلك العقد باعتبار انه يمثل حالة متميزة على اقرانه من نفس الجيل .ويبدو ان الناقد التجأ الى هذه التصنيف لسهولة الموضوع ولقصر الفترة الزمنية للفن التشكيلي المعاصر اذا ما اعتبرنا ان مرحلة تاسيس قسم الفنون التشكيلية في معهد الفنون الجميلة ابتدا عام 1939 وان المرحلة السابقة له هي ليس بمعنى احترافية الفن وتداوله لدى المجتمع والطبقة المثقفة وانه كان مجرد مزاولة للهواية لدى بعض ضباط الجيش , على ان هذا التصنيف كان موجود لدى الغرب كما هو الحال في فترات عصر النهضة (فن القرن الثالث عشر او الرايع عشر ... الخ) بيد ان الحقبة الزمنية تختلف بامتداد قرن من الزمان اما الفن التشكيلي العراقي فلا يتجاوز تاريخه الكلي لقرن من الزمان . اعتقد انها قدمت تصنيفا مهما بالنسبة للباحثين والنقاد يساعد في الوصول الى النتائج الاكثر علمية .
 
انت والفنانين العراقييين التشكيلين الذين هم من جيلك مالعلامات الفنية التي تؤشر خصوصية تجربتكم وتضعها في اطار محدد واضح المعالم يمكن للدارس والناقد ان يتوقف عنده ؟
من الممكن ان تكون التجربة التي مر بها جيلي واقراني من نفس الجيل تجربة مضيئة ذات سمات واضحة الخصوصية والتفرد بالاضافة الى التنوع في الاتجاهات والاساليب و تشكل ثقل واضح في التشكيل العراقي المعاصر, ذلك انها استطاعت ان تبني جسرا ثقافيا واضحا ومتواصلا مع المنجز الثقافي العالمي وتؤسس لتجربة محلية يشار اليها في الحركة التشكيلية العربية والعالمية على انها حالة متقدمة على الاجيال السابقة .وهذا كان واضحا من خلال المهرجانات والمسابقات المحلية والاقليمية والدولية . فالتقنية  المعاصرة التي تعامل معها هذا الجيل كانت لاتقل اهمية عما يجري من تجارب تقنية في الفن العالمي المعاصروكان هناك تفرد واضح في الاسلوب  لدى الكثير من الفنانين لهذا الجيل لابل اصبح منطلقا لاعادة حساب كثير من فناني الاجيال السابقة لنمطية وطبيعة الفن المقدم للمستقبل مجاورا لهؤلاء المبدعين .

*الفن التشكيلي العراقي له تاريخ ثر ومميز وطويل هذا بشهادة النقاد والمعارض الدولية .انت كفنان وكأستاذ اكاديمي يدرس الفن كيف تنظر الى مسيرة الفن التشكيلي العراقي .وماهي التجارب المميزة التي توفرفيها الاسلوب الشخصي الذي لانجده استنساخا او لنقل محاكاة لتجارب عالمية اخرى ؟
اثر الفن التشكيلي العراقي بشكل متميز على الفن العربي من خلال المنجز الذي طرحه خلال القرن الماضي ذلك انه اسهم في اعطاء الخبرة للدارسين من مختلف الاقـــــــطار العربية لابل زاد في نقل الثقافة التشكيلية من مختلف بلدان العالم الغربي والشـــرقي الى العراق والبلدان العربية من خلال المهرجانات العالمية واســـتضافة كثير من اعمـــال وفناني العالم . منذ تاسيس معهد الغنون الجميلة واكاديمية الفنون الجميلة ومعارضهم السنوية، و تعزيزا لدور الجمعية والنقابة ومن ثم وزارة الثقافة والاعلام مضافا اليهم المعارض الجماعية والفردية التي اقامها الفنانون العراقيون في بلدان العالم وملحقياتها المختلفة . ويمكن اعتبار تجارب كثيرا من الفنانين العراقيين تجارب شخصية متميزة كتجربة الفنان الرائد المرحوم جواد سليم لتاسيس جماعة بغداد للفن الحديث وتجربة الفنان الرائد محمود صبري في البحث عن مضمون ومحتوى جيد عبر نظريته في ( واقعيةالكم) وتجربة المرحوم شاكر حسن ال سعيد جماعة البعد الواحد وتجربة المرحوم كاظم حيدر عبر نقله الفن التشكيلي من نخبي الى جماهيري بمحتوى اسطورى محلي ولا ننسى تجارب الاجيال الاخرى في مطلع ستينات الفرن المنصرم والسبعينا ت كجماعة تموز وجماعة الاربعة ، التراث ،وهناك تجارب مميزة وفريدة للفنانات العراقيات امثال وداد الاورفلي ، بهيجة الحكيم , ليلى العطار ، بتول الفكيكي ، سهام السعودي واخريات . وتعدى الفن العراقي هذه المرحلة لينتج في مطلع الثمانينات ونهاية القرن الماضي تجارب واساليب شقت طريقها وسط زحام التشكيل العراقي الثر والزاخر بخطوات ثابتة وواثقة من النتائج واضافت للفن العراقي الصفة العالمية امثال ارداش  ، فيصل لعيبي ، نعمان هادي ، وليد شيت ، رافع الناصري واخرون من الجيل الثاني لنفس المرحلة .
 
لمدة تزيد على العشرين عاما كنت مقيما في بغداد طالبا ومن ثم مدرسا في كلية الفنون الجميلة اضافة الى نشاطك الدائم هناك في المعارض والفعاليات الفنية والان انت عدت الى مدينتك الموصل وحالياً انت تعمل تدريسياً في كلية الفنون الجميلة التابعة لجامعة الموصل . مالذي دعاك الى اتخاذ قرار العودة والتخلي عن كل ماانجزته خلال ربع قرن في بغداد .. وهل تجد ان الموصل يمكن ان تكون مرحلة مهمة وجديدة في مسيرتك الفنية ؟
 بالتاكيد لايمكن المقارنة مابين بغداد والموصل  من ناحية الفن والفعاليات الفنية والانشطة الثقافية التي كانت تقام قبل 2003 , وحقيقة عودتي الى مدينة الموصل كانت اختيارا صعبا الا انه كان صائبا لهول مايحدث في العاصمة !!!!!  الحالية .اما مدينة الموصل فيمكن اعتبارها المحطة التقاعدية لاي (مبدع ) موظف ؟  . كاي مدينة اخرى باستثناءالعاصمة .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

             حاوره : مروان ياسين الدليمي

المخرج السينمائي عبد الخالق الجواري :

          كامرتي لن تتعب من التجوال .

ليس ثمة طريق يؤدي الى اكتشاف الحقيقة سوى البحث عنها . . هذا ماأشترطه على نفسه المخرج السينمائي عبد الخالق الجواري عندما اختار أن يذهب بعيدا بعدسة كامرته في رحلة لاتخلو من المتعة والتعب في آن واحد  بين المسافات والازمنة بصحبة الفلم الوثائقي . . متوغلا في مناطق وموضوعات عبث الغبار فيها .. باحثا عن الضوء،والالم،والمعرفة،خلف اكوام من الحجارة وبين الملامح أو في شقوق الجدران . . ومن اجل ان نقتسم معه متعة العشق للصورة والفكرة والرؤية اجرينا معه هذا الحوار .


*الفلم الوثائقي في العراق لم يشهد اهتماما ملحوظا خلال العقود التي مضت سواء من قبل الفنانين أومن الدوائر الفنية المعنية ،الى ماذا يعود ذلك،هل يعود الى قصورفي الفهم للعمل السينمائي واختصاره بالفلم السينمائي الدرامي ام ان ذلك يعود الى صعوبة العمل في الفلم الوثائقي او قد يعود  ذلك الى اسباب اخرى؟
- لم يحظ صناع الفيلم الوثائقي أوالروائي على مر الازمان المتعاقبة في العراق بما حظي عليه زملائهم في اوربا والأمريكتين من اهتمام ودعم علما ان بلاد مابين النهرين تمثل إرثا غنيا  وشهيا لانتاج عشرات الافلام الوثائقية المتميزة ولا يمكن حصر القصص والاحداث  التي يمكن تحويلها الى انتاج فني . ان العراق بيئة بكر لم تستثمر . فهنالك الكثير من الازمنة والاحداث التي مازالت مدفونة في ذاكرة الناس  والمكان تحتاج الى من يقترب منها .  يقول ايرول موريسوهو من افضل مخرجي الوثائقيات في العالم الان :-ان الشرق يمتلك ثلثي سحر العالم وغموضه.

*انت عملت في القنوات الفضائية معدا ومخرجا للبرامج ذات الهوية الوثائقية كيف تقيم تجربة انتاج مادة وثائقية للقنوات الفضائية . هل وجدت القائمين عليها يخضعون ماتفكر فيه وفقا لمقتضيات وخصوصيات البث التلفزيوني الذي يراعي الكثير من الضوابط والاشتراطات الاجتماعية.  والاخلاقية على حساب الحقيقة والجرأة والموضوعية التي هي شروط اساسية لنجاح الفلم الوثائقي  ؟
- تنوعت القنوات الفضائية العراقية إلى عدة أنواع ، منها  قنوات خاص هدفها الربح ومنها حكومية والتي عادة ماتكون خاضعة لقوالب واشتراطات وضعتها الدولة ومازالت تلعب نفس الدور التقليدي الذي عفا عليه الزمن ،اما بقية القنوات الاخرى  المطروحةعلى الساحة الفضائية ليست سوى قنوات حزبية فئوية ذات نظرة محدودة وضيقة لاتتجاوز مكانها وزمانها وبيئة نشئتها ، ولا يمكن طبعا مع ماتحمله هذه القنوات من توجهات اسيرة ايدلوجيات لاترى الواقع الاّ بعين واحدة لايمكن لها ان تنشر الوعي الوثائقي من اجل صناعة أفلام تؤرشف ذاكرة بلد غني وحافل بالأحداث والحروب والتغيرات السياسية في ظل عالم يلهث وراء الاقتصاد وجني الأرباح. ذلك لان هذا النمط من الافلام يحتاج الى هواء الحرية في التفكير والتعبير والمعالجة وهذا مالايتسع له صدر اي مسؤول في هذه القنوات التي لاتسعى الاّ لتنفيذ ايدلوجياتها السياسية ولو على حساب التضحية بالحقيقة .  يقول جيمس كارتن وهو  أحد أهم صناع الوثائقيات الاميركان: - ان الامة التي بلا وثائقيات هي امة بلا ذاكرة.

*نلاحظ في الاعوام الاخيرة ظاهرة الاحتفاء بالفلم العراقي في المهرجانات الاقليمية ، لماذا برأيك هذا الاهتمام ، هل يعود ذلك الى اسباب فنية يحتويها الفن السينمائي في العراق؟ ام ان ذلك ينسحب من خصوصية الواقع العراقي  فقط .؟
-الاحتفاء الذي اشرت اليه بالفلم العراقي جاء اولا لاهمية مايجري على ارض العراق من احداث وثانيا لوجود محاولات جادة لعدد من الشباب السينمائيين لاثبات وجودهم وقدراتهم رغم أن الكثير من تلك التجارب مازالت  تفتقر الى  الموضوعية والاحتراف ،وهذان امران جوهريان يقف عليهما بناء ونجاح الفلم الوثائقي ، وعليه فيما لو لم يتوفر هذين العنصرين في الفلم فمن الطبيعي ان  ينتهي تأثيره مع انتهاء المهرجان ، وليصبح بالتالي رقما يضاف  في   سجل قائمة الافلام العراقية المنتجة ، اي يصبح جزاً من الكم المنتج لايستدعي العودة اليه لقراءته وتأمله من جديد بين فترة واخرى من قبل الدارسين والاكاديميين . لعدم احتوائه على الجرأة في الطرح شكلا ومضمونا . فما فائدة ان تقدم عملا فنيا  دون ان تحرك المياه  الراكدة دون ان تثير القلق لدى المتلقين الفن لاينبغي له ان يبعث التخدير في حواس ومشاعر المتلقين كما لو كان شيئا مخدرا نحتسيه . بل ينبغي له ان يكون ممتعا في فيما يثيره من اسئلة لها صلة بحياة ومصير الانسان والبشر   وينبغي ايضا ان تتوفر في العمل الفني مستويات متعددة  من   الافكار .
*هنالك الكثير من النتاجات السينمائية العراقية منها :ماهو وثائقي ومنها ماهو روائي قصير ،هل استوقفتك تجارب معينة ؟
- في الحقيقة استوقفتني أعمال وثائقية كثيرة منها فيلم لمخرج عراقي مغترب هو باز شمعون البازي، يسجل المخرج في هذا الفيلم عبر اسلوب واقعي قصصاً لمجموعة  من الاطفال العراقيين ومن شتى المكونات ، يذهبون في رحلة علاج الى اوربا بعد ان كانوا قد تعرضوا الى اصابات وتشوهات جسدية بسبب التفجيرات التي تعرضوا لها من قبل عصابات الإرهاب ، في هذا الفلم نجد اولئك الاطفال في رحلة علاجهم يضطرون  للعيش والسفر معا وهم ينتمون اصلا الى قوميات واديان وطوائف مختلفة ،وهنا يعيد الفلم اكتشاف الشخصية العراقية وتناغمها فيما بينها رغم ما يحدث على الأرض المشتعلة من تقاطعات وتشنجات يقف وراءها السياسيون وتجار الحروب الذين يلبسون ازياء مختلفة . ومن الفرص الجميلة انني كنت ضمن المجموعة التي  اشرفت  على مرحلة مابعد الإنتاج لهذا الفيلم الروائي الطويل . ايضا  أعجبتني كثيرا التقنيات في بعض مفاصل فيلم ابن بابل للمخرج محمد الدراجي  رغم تحفظي على جوانب من الفلم خصوصا مايتعلق بالسرد الوثائقي .

*بعد عشرين عاما من العمل في انتاج البرامج الوثائقية كتابة واخراجا كيف تنظر الى تجربتك انت ، هل تجد نفسك قد توصلت الى شيىء ما في هذا المضمار ،يمكن ان نجد له صورة واضحة في الايام القادمة ؟
- منذ عدة سنوات وأنا  أحاول مطاردة بعض القصص بالبحث والتقصي المتكرر                  فالأساس لأي فيلم هي المقولة التي أؤمن بها كثيرا (ابحث ثم ابحث وفي كل مرة ستجد  شيئا) ومن اجل ذلك سعيت لمخاطبة مؤسسات عربية وغير عربية لإنتاج فيلمي الذي اعمل عليه منذ مدة طويلة ، حتى استقر المشروع على مؤسسة ألمانية كبرى jena bild التي رحبت بإنتاج هذا الفيلم بمشاركة شركة kic film الكندية وبرعاية مؤسسة الفيلم القومي الكندي وقد شرعنا فعلا  بكتابة السيناريو معا انأ والأستاذ قيس الزبيدي السينمائي العراقي المعروف والفيلم من إخراجي , يتناول الفيلم رحلة عالم الآثار ماكس مالوان وزوجته الكاتبة أجاثا كريستي في العراق في فترة الثلاثينيات من القرن الماضي . كما أنهيت عمل مائة حلقة من برنامج وثائقي عنوانه  (حكاية صورة) بواقع عشردقائق لكل حلقة وهو من إنتاج شركة عراقية ، وسوف يعرض قريبا على أكثر من قناة فضائية والبرنامج يتناول 100 حدث من خلال صور الشخصيات نفسها،  في محاولة منّا لارشفة الوثيقة العراقية التي داستها سنابك خيول المحتل واوشكت على طمر الكثير والثمين منها.
شرعنا في ذات الوقت ايضا في كتابة وانتاج فيلم وثائقي لصالح احدى القنوات  العربية وهي تجربة جميلة في الكتابة والاخراج المشترك بيني وبين المخرج السينمائي الاستاذ قيس الزبيدي الذي سيكون لي الشرف وللمرة الاولى ان اوقع باسمي الى جانب اسمه العالمي الكبير، كما اني وبعد دورة مكثفة عالية التخصص  تمكنت من الحصول على شهادة اول مخرج عربي على كاميرات Redcinama)) Arri alexa) )وهذا النوع من الكاميرات جديد تماما على المنطقة برمتها وهو الذي سيجعل العمل السينمائي اكثر سهولة بدون استخدام الفيلم 35ملم ، وبعد نهاية الدورة اعمل الان على تدريب  مخرجين ومصورين في اكاديميتين خاصتين هما:
Focus Academy)) و Drama Academy))

*عندما تبدأ في التفكير في انتاج عمل ما ،هل هنالك موضوعات معينة دائما ماتدور في وجدانك ، ام انك تلتقط الموضوعات مما قد يدفعه الواقع الى السطح ، ام انك تسعى لاكتشاف الموضوعات ؟
- لقد استفدت كثيرا من التجوال في كردستان العراق من أقصاها لأقصاها خلال أكثر من 3 سنوات أنتجت فيها بالتعاون مع قناة عشتارالفضائية  أكثر من سبعين برنامج وثائقي له خصوصية وشكل معين يمكن مقارنته بادب الرحلات،  وبواقع نصف ساعة للحلقة الواحدة ، حاولت في هذه التجربة ان أسرّع في عملية الإنتاج التفيذي والضغط  في كلفة الانتاج حتى تتلاءم مع الميزانية المتواضعة  لقناة محلية ، فأنا أؤمن تماما بقضية اساسية وهي : لكي تكون مخرجا وثائقيا ناجحا عليك ان تكون خلاقا حتى في تقنين النفقات الإنتاجية!

*هنالك العديد من التجارب العالمية في الفلم الوثائقي ، هل تعتقد ان الفنان العراقي قريب من تلك التجارب ، هل قرأها بشكل جيد ، هل حاول ان يكتشف مافيها من عناصر فنية . ؟
- لاتزال التجارب العراقية محلية وضيقة ،ولا تتجاوز خارطة ولادتها ، لكني لا اعتقد ان هذا الواقع سيطول ، لأننا اليوم نراهن على الطاقات الشابة النخبوية الجديدة التي تسعى لاستخدام الثقافة استخدام أمثل من أجل خلق صناعة سينمائية ووثائقية. مازلنا بحاجة لرؤية تجارب الاخرين الذين سبقونا في هذا المضمار . لان رؤية هذه التجارب على تنوعها في الرؤية والمعالجة والاساليب سيفتح افاقا كبيرة في نمط تفكيرنا ويجعلنا نسعى لان لانستسهل البدء في اي مشروع فني وثائقي . فهذا العمل يحتاج الى وقت طويل من التحضير والاستعداد على الورق قبل البدء في التنفيذ . وهذا فرق جوهري بيننا نحن في العراق وبين التجارب المتقدمة في  العديد من دول العالم .
*نود ان تعطينا فكرة عن طبيعة التجارب والاعمال المهمة التي انجزتها ؟
- ابتدأت العمل في الفلم  الوثائقي منذ نهاية التسعينات عندما رافقت المخرج الايطالي القس(Director: Jan-Marie Benjamin) اثناء انتاجه فيلم في العراق تحت اسم Iraqi solidarity أثناء تلك التجربة سحرني الموضوع كثيرا وتعلمت منه ان الصبر هو حقا مفتاح الحل في الفلم الوثائقي وان خلق مجابهة  واستهلال وخاتمة امر نتركه للحدث نفسه وينبغي علينا ان لانظيف ولانتطفل عليه.

*بماذا تفكر الان . . ماهي المشاريع التي تسعى لتحقيقها ؟ 
- أسعى منذ فترة لخلق بيئة عمل وثائقية  جديدة وذلك عن طريق تأسيس مدرسة لتطوير الشباب الراغبين في العمل بهذا المجال ،  ولدي أيضا قيد الانجاز  كتاب وصل الى مراحله  النهائية يتحدث عن أسس بناء الفيلم الوثائقي وهو بعنوان(الإعداد المسبق . . إكسير النجاح).















                    حاوره :مروان ياسين الدليمي 

الروائي يونس صديق توفيق الحمداني :

-انا عراقي في غانة الكتاب الايطاليين


ثلاثون عاما في المغترب الايطالي وهو يبتكر صور حضور ٍآسر ٍ في مزاج المدن المسكونة بالبحر و والضوء وغواية العشاق . .  ثلاثون عاما وهو يحلق عاليا ً في سماوات الغربة  بعيدا ً عن موطن ارتعاشته الاولى  . .
 لكن الذاكرة مازالت تطرق ابوابا مقفلة ، تطرح اسئلة في دروب الموصل العتيقة ، لعلها تمسك بأسماء وتفاصيل تركها هناك منثورة على العشب في ربيع  نينوى وحول اسوارها . .  مازالت الروح نابضة  تضج برائحة النقوش على باب الدار ، وظلال النهارات التي اغتسلت بماء دجلة ، مازالت تطل من الشرفة البعيدة ،تتعقب البراءة في  انكسارات الازمنة الحاضرة /الغائبة . .
ونحن ازاء سيرة مكتضة  بالامطار والاسفار والروايات والاشعار والاحلام  كان علينا ان نقتنص الوقت لنسجل ـ بعد غياب دام ثلاثة عقود عن الوطن ـ  حديثا مع يونس صديق توفيق الحمداني الايطالي الجنسية العراقي الاصل  وهو أول كاتب أجنبي يكتب أول عمل روائي مباشرة  باللغة الإيطالية وبدون أي وسيط  .  
 سيرته تقول أنّ له العديد من المؤلفات  منها : (الغريبة ) رواية صدرت عن داربومبياني في ميلانو عام ١٩٩٩، (مدينة إرم) رواية صدرت في ميلانو عن دار (بومبياني) عام ٢٠٠٢. (اللاجئ)رواية صدرت في ميلانو عن دار (بومبياني) عام ٢٠٠٦. (عراق صدام) راوية تاريخيةصدرت في ميلانو عن دار (بومبياني) عام ١٩٩٩. (إسلام) بحث تاريخي صدر عن دار إيديا ليبري عام ١٩٩٧. (حضور السيدة البابلية) ديوان شعر صدر في تورينو عن دار آنكولو مانزوني عام ١٩٩٤ . (القمر بين اليدين) ديوان شعر صدرفي تورينو عن دار (آنانكي) عام ١٩٩٤.(السلام عليكم . الحديث بالعربية ) دراسة لغوية صدر في تورينو عن دار أنانكي عام ١٩٩٩. اضافة الى ذلك فهو يكتب في صحف ايطالية عديدة مثل : لاستامبا والميسّاججيرو والجورنالي  ويرأس المركز الثقافي العربي - الايطالي دار الحكمة منذ عام2000. كما يشغل منصب عضو استشارية وزارة الداخلية الايطالية لشؤون الإسلام الايطالي منذ عام 2006. اضافة الى انه  يشغل منصب أستاذ اللغة والأدب العربي في جامعة جنوة كلية الآداب منذ العام 1999..


البحث عن فضاء جديد
* قبل اكثر من ثلاثين عاما غادرت العراق للداراسة في ايطاليا ، واثرت البقاء فيها ، مالذي وجدته في ايطاليا ولم يستطع العراق ان يعطيك اياه ؟
-لقد غادرت العراق لهدف الدراسة والمعرفة وكان أملي هو العودة رغم إدراكي لحساسية الوضع السياسي الذي بدأ يسود البلاد آنذاك. في داخلي كان التوق الى الحرية يقودني بعيدا حيث البحث عن قيمة الإنسان ومساحات التواصل مع الذات والآخر، من أجل إكتشاف وتحسس واقع الوجود والكينونة الفكرية الذين كانوا في مرحلة التطور في أعماقي. كنت أحتاج الى فضاء يسمح لي بالحركة والإرتقاء، الى مجالات تسمح لفكري ولإبداعي بالتطور دونما رقيب أو تحديد آيديولوجي أو شروط مفروضة من واقع سياسي وفكري معين. إيطاليا منحتني الوجود والإحساس بقيمتي كإنسان. عرفت معنى الحرية بالنسبة للأديب وتعلمت، رغم بعض المشاكل، أن للحياة قيمة تستأهل التضحية من أجلها.

*عندما  خرجت من العراق كان عمرك ثمانية عشر عاما وها أنت تعيش  في اوربا منذ  اكثر من ثلاثين عاما ومع هذا عندما كتبت اعمالك الروائية ونلت عليها جوائز اوربية كانت معظم الشخصيات والازمنة والامكنة ذات هوية عربية . .  مالذي دفعك الى ذلك . هل كنت تحاول ان الدفاع عن تلك  الجذور امام الغرب  ام هي محاولة لاكتشاف الذات و تعريتها ومدواتها مما اصابها من ضرر ،ام هي محاولة منك لاستثمار الدراما الانسانية التي عادة ما تحتشد في تفاصيل الحياة الشرقية والتي يتمنى اي كاتب اوربي ان ينهل منها لكن الفرصة ليست متاحة امامه مثلما هي لك ؟
- البعد عن الوطن يترك في الأعماق الدفينة جروح
عميقة لا تنفك تنزف وتؤلم. وأعمالي تحمل كل الجراحات وثقل الذكريات وجنون الوحدة القاتل. عالجت الشعور بالحنين والعزلة التي يعاني منها المهاجر والتي، مع مرور الوقت، تقتل فيه عنصر الإرتباط بالجذور، وفي الوقت نفسه تغلق في وجهه أبواب الإندماج. كانت الكتابة ومازالت هي الفضاء الذي يمنحني القدرة على التواصل مع الهوية والبعد الثقافي الأصلي، والدفاع عنها ليس سوى ردّ فعل للكثير من الجهل الذي يعاني منه الغرب تجاه حضارتنا وديننا. كانت أيضا عملية لاكتشاف الذات التي أنهكها البعد والشوق بل ونهشتها الوحدة حتى العظم. وجدت الحاجة في (رواية الغريبة) الى طرح قضية الهجرة السرية والتضاد بين كيانين: واحد معلق بين عالمين ولاينتمي الى أيّ واحد منهما  رغم إعتقاده الراسخ بأنه قد تعدى مرحلة الإندماج  والآخر متمسك بجذور الأرض التي جاء منها، طرية ولاينسلخ عنها رغم موته البطيء في قفص عزلته. عالجت الإحساس بالوحدة وكيف أن جرح الحنين والبعد عن الوطن لايبرأ أبدا وكيف أن الذاكرة هي العالم المتوازي الذي يعيش فيه المهاجر ويجد فيه ملاذه ومنفاه. كما أنني وجدت نفسي منقادا الى ضرورة معالجة تراكمات فكرية وذكريات وصراعات طفت على السطح فجأة بعد سقوط النظام  (رواية اللاجيء) في عمل درامي يعكس الحاجة الى طرح الوضع العراقي (السياسي والإجتماعي) على طاولة التشريح وتقديمه للقاريء الأوربي بصيغة ملحمة عائلية تقربه من المأساة عن طريق معايشتها عن قرب.
أنا أعتبر أول كاتب أجنبي يكتب أول عمل روائي مباشرة  باللغة الإيطالية وبدون أي وسيط. وهذا حتم عليّ في بعض الأحيان أن أستغل بعض الدرامات الإنسانية لأنني أعرف الناس بها ولكوني عشتها أو كنت شاهدا عليها. كل أبطال رواياتي أناس حقيقيون عاشوا ماساتهم بصمت وماتوا بصمت. وجدتني رغما عني في موقف من يتكلم بلسان الآخر ويعالج معاناته بصيغة أدبية غيرت من مفهوم القاريء الإيطالي وجعلته ينظر الى المهاجر على أنه إنسان وليس مخلوقا بلا هوية.


*في العراق وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي حصلت على  الجائزة الاولى في مسابقة الشعراء الشباب مناصفة مع الشاعر لؤي حقي وتم تكريمك  انذاك من قبل رئيس الجمهورية احمد حسن البكر ، ماهي المساحة التي يتحرك بها الشعر الان  في مشوارك الادبي ؟
- كان ذلك التكريم قد شكل منعطفا مهما في حياتي الأدبية. حينها كان عمري ثمانية عشرة عاما تقريبا حين وجدت رئيس الجمهورية والوزراء يصغون الى شعري بإهتمام  ويكرمونني، كما أنني كنت في إمتحان مصيري أمام فطاحلة الشعر في العراق ومنهم رئيس لجنة التحكيم الشاعر الكبير عبد الرزاق عبد الواحد. كانت لحظات جميلة جعلتني أعيش الشعر وكأنه عملية داخلية من التطور الذاتي للإبداع حتى أن القصيدة أصبحت ألوان حياتي التي أرسم بها وشريط أفكاري التي أصور به وأوراق مشاعري التي أكتب فيها. لقد وضفت الشعر في سياق الرواية، بتفاعل مع النثر بهارمونية موسيقية لكي يكون الصيغة الفنية الأكثر صدقا وفاعلية في التعبير عن خطورة الحدث وثقله. أدخلت القصيدة في حيز الرواية، أقحمتها بين السطور فكانت إطارا متكاملا، وهذا يعتبر، في مفهوم النقد الأوربي، عملا خطيرا قد يقضي على مسيرة الكاتب. كنت متشبثا في تغيير قوانين ألوان الكتابة الروائية وخلق نوع من التزاوج بين فن الشعر وفن الرواية إنطلاقا من تراثي القصصي العربي: المقامات وألف ليلة وليلة وكان النجاح الذي لم أتوقعة تذوق القراء الشعر مثلما تفاعلوا مع العمل القصصي.


الشعر هو الحقيقة التاريخية .
*كيف تنظر الى اشكالية  المصطلح والمعنى لانواع الشعرالعربي الحديث ، دقة وفهما علميا اكاديميا ، ابتدأ بمايسمى الشعر الحر وقصيدة النثر والنص المفتوح . وهل ارتقت هذه التسميات الى مستوى التعبير والتأطير الدقيق لهويته؟
- الشعر يجب أن لايخضع لإشكاليات وأطر معينة. فهو عبارة عن حركة ديناميكية متطورة، مرتبطة بتطور الحضارة الإنسانية. الشعر كان حرّا حتى حينما كان يخضع لقواعد ونظم ضيقة تتمثل بالشكل والمحتوى، بينما هو الآن، وبالأخص في هذه المرحلة، بحاجة ماسة الى أن يخرج من حدود التحجر والخمول. في الخمسينيات كان المحيط الإجتماعي والسياسي والثقافي يتوق الى إيجاد صيغ شعرية جديدة ولكن فترة الستينيات كانت مرحة التدفق الحقيقي لما  يمكن أن يسمى بالشاعرية المتألقة في أكبر تعبير عن الإندماج الإبداعي بين الشكل والمحتوى. اليوم، وحتى هنا في أوروبا، أصبحت قصيدة النثر هي الشكل الفني الأمثل، والذي يمنح مساحات فضائية تتماشى مع حركة الإنسان في بيئة مفتوحة تبدأ من الإنترنيت ثم الفيس بوك وانتهاء بالحركة الأفقية للموجودات والتي أصبحت تقريبا ضوئية بفعل التطور العلمي. إذا كل مرحلة ولها إبداعها الفني والأدبي والشعر ليس بمعزل عن هذا بل هو الحقيقة التاريخية والشاهد الأكثر صدقا على واقع العصر.


*كيف تنظر الى منظومة الثقافة العربية الحديثة . . هل تجدها بعيدة عن التفاعل مع المتغيرات . وان نتاجها في مجمله ليس سوى طريقة شكلية للمثاقفة مع الاخر؟
- منظومة الثقافة العربية تحتاج الى الخروج من خطابيتها ومن خضوعها الى التقليد. نحن لدينا الطاقة على التحرك والتحرر ونحن بطبيعتنا شعوب ديناميكية وحضارتنا كانت دائمة الإرتباط بحركية الزمان والمكان. هذا التشبث العبودي بالشكل والنظر المتواصل الى الخلف جعل من منظومة الثقافة العربية عبارة عن مؤسسات بورقراطية تهدف الى الإنتاج المتسلسل لأعمال تسعى الى الإبهار. هناك محاولات جيدة من أجل كسر هذا الخط ولكنها لاتتمتع بدعم مؤسساتي بل نجد أن في كثير من الأحيان يكون الجمهور هو الفاعل الأساسي في الإختيار والتقييم بل والتسويق حتى. هناك انتاج أدبي عربي يرقى الى العالمية ويصل الى درجة ابهار المهتمين لكن ومع الأسف فالأمر ينحصر في أعمال قليلة جدا وهذه نادرا ما تكون مرتبطة بمؤسسة أو منظومة ما. نحن لدينا الطاقات والتجارب والإمكانيات المادية من أجل الخروج من أطر الكلاسيكيات ومنح العمل الأدبي حرية الإنطلاق والنمو. علينا أن ناخذ بعين الإعتبار تطور المجتمع والمرحلة الزمنية التي نعيشها كي ندرك أن العمل الفني هو الناتج الحقيقي لما هو حاصل في المجتمع وهذا ماحصل بعد ظهور الإسلام وخلال الفترة العباسية وهكذا.


*المسرح ، القصة ، الرواية ، الشعر الحديث بشكله الاوربي كل هذا الثراء المتنوع ماهو الاّ نتاج حديث على ثقافتنا العربية المعاصرة ،وكان للشكل الاوربي فيها الحضور الاكبر والاهم لكن الملاحظ ان مايعرف لدينا بقصيدة النثر اخذت الحيز الاكبر في الجدل الذي وصل الى حد الخلاف والرفض والتشنج في الاوساط الادبية منذ اكثر من اربعين عاما ومازال بينما الاشكال الادبية الاخرى لم تتعرض الى مثل هذا الجدل . . مالاسباب في رايك؟
- الفنون الأدبية في عمومها دخيلة علينا وخاصة المسرح بصيغته الأوربية وفن الرواية بشكله الحالي أيضا يعتبر مولودا متبنى  رغم أن التراث العربي عرفه منذ قرون. وكما سبق وقلت فإن الشعر هو من الفنون الأدبية العربية الأكثر أصالة وقصيدة النثر هي التطور الطبيعي للسجع والقصيدة وصولا الى الشعر الحرّ وقصيدة النثر التي فجرت الجدل والخلاف بل والرفض أحيانا. أتصور أن هذا اللغط المفتعل هو ليس سوى ردّ فعل طبيعي لمن يريد حماية فن أدبي عربي أصيل ومن أجل هذه الأبوية المبالغ فيها يصل الأمر بالبعض الى وضع هذه الفرس العربية في قفص ضيق يجعل منها ومع مرور الزمن عاقرا. أنا لست من دعاة الدفاع عن التطور على حساب الأصل بل يجب ترك الحرية لكل أشكال الإبداع مع تشجيع البحث والتجربة والخلق الذي يأتي من الداخل مع الإستفادة من التجارب الخارجية وهذا ما حصل في الماضي وسيحصل مستقبلا شئنا أم أبينا.


*لاشك ان النثر مازال يحتل  لدى العرب  ـ سلطة وشعوب ـ  مرتبة ثانية من حيث الاهمية والتقييم امام الشعر الذي مايزال يحتل المرتبة الاولى مع الاخذ بنظر الاعتبار جملة المتغيرات الفنية التي حصلت في كل انواع النثر سواء في ميدان الرواية او القصة او المسرحية . كيف تنظر الى هذه المسألة ؟
- نحن شعوب محافظة، والقصيدة هي أول الفنون الأدبية العربية التي جعل منها شعبنا البدوي وسيلته الإعلامية والتوثيقية الأكثر فاعلية وأمانة والتي حافظت في أرشيفها الغني على تراثه وهويته. العرب شعب "أورالي" أي أنه يعتمد على الرواية الشفهية، والشعر هو أسهل الفنون الأدبية التي يمكن حفظها وتناقلها بين الناس في الأسواق والمجالس والمقاهي. لاضير في هذا لأننا ملزمون بالحفاظ على هذا الفن وتطويره ولكن هذا يجب أن لايكون على حساب باقي الفنون الأدبية حتى وإن كانت هذه بدورها غريبة أومتبناة ولكنها أصبحت، وبعد خضوعها للإندماج، فنونا إبداعية عربية تتطلب الأخذ بعين الإعتبار بل ويلزم البحث عن كل الصيغ الجديدة كي نتبناها ونطورها كما فعلنا دائما.



ثقافتنا اليوم  ليست في حالة تبعية
* المثاقفة امر لابد منه لكن ، الاتجد ان الثقافة العربية مازال دورها سلبيا  فهي  مازالت  تستورد وتستهلك المصطلحات والتصنيفات الغربية دون ان تساهم في انتاجها . . اذ مازالت مرجعية  المثقف العربي الاصطلاحية ترجع الى المعجم الاوربي . لماذا برأيك لم تخرج الثقافة العربية من هذه التبعية  ؟
- ثقافتنا الآن تمرّ بمرحلة تكوين الهوية الحديثة وهذه تتطلب الإستهلاك والنمو. إنها عملية تطور طبيعية تنهش كل شيء يمر في طريقها. الثقافة الأوربية مرت بهذه المرحلة الطبيعية قبل ألف عام تقريبا ولغتهم مليئة بمصطلحات من أصل عربي بل وحتى هناك صيغ أدبية وفنية صدّرناها نحن الى أوربا عن طريق الترجمات والرحالة والحجاج. كوميديا دانتي الإلهية مثلا تحتوي على الكثير من العناصر الفنية والثقافية الإسلامية، شعر الدولجي ستيل نوفو وعلاقته بالشعر العذري والموشح الأندلسي وقصص البوكاججو وعلاقتها بألف ليلة وليلة، حكاية روبينس كروز وعلاقتها بقصة الحي ابن يقظان وغير ذلك، هذه كلها أعمال أدبية لها علاقة مباشرة بفنون الأدب العربي والذي دخل أوربا مع الترجمات والمثاقفة. فثقافتنا العربية اليوم ليست في حالة تبعية  وإنما داخل بودقة مرحلة التطور الطبيعي للثقافات المتفاعلة. فقط الثقافات النشيطة تلتقي وتتفاعل  وسوف نخرج من مرحلة التأثير والتأثر هذه عندما ننتهي من تكوين هويتنا الثقافية الحديثة وهذا يتطلب وقتا. الأمر ليس في المصطلح وإنما في ديناميكية التطور وفي كيفية خلق صيغ إبداعية أصلية تعكس حالات خاصة لها علاقة بواقعنا، بفكرنا المعاصر بوجودنا في عالم دائم التطور والتغيير.

*هل مازلت تشعر بالوحدة والاغتراب ؟
-نعم. بصراحة هذا شعور كان يستحوذني حتى عندما كنت في وطني وبين أهلي فما عليك الآن وأنا في منفى الإغتراب. هي حالات داخلية تنشأ من حساسية مفرطة تجاه واقع معين أو حالة معينة. أنا لست سوى غريب في عالم ظاهري وغالبا ماأشعر وكأنني هائم في عالم البرزخ بين انتمائي الجذوري والذي يشكل كل خلفيتي التراثية وهويتي الأصلية وبين واقع أعيشه وكلي وعي بانني لاأنتمي اليه وبأنه هو بحد ذاته ينظر اليّ بريب وبحذر وبأنه لايتقبلني كما أنا بل يطلب منّي أن أتغير وأن أصبح كما يريدني هو أن أكون عليه.



*لو سألتك الان بعد هذه الرحلة الطويلة في البحث والقراءة والاغماس في الثقافة الاوربية ،  فهما وتجربة وحياتا ودراسة وتدريسا . لو سألتك من انت بما تجيب ؟ 
- غريب يبحث عن جذوره وهويته في عيون الوقت الذي يجري جارفا الذاكرة والحلم. انا لست سوى أبيات شعر هرمت وصور إصفرت وألوان بهتت وأصوات بحّت وعيون جفّت دموعها وضعفت رؤيتها. الشيء الوحيد الذي أنا متأكد منه هو أنني عراقي وأن فيّ حنين قاتل لوطني ولمدينتي ولأهلي.


دار الحكمة جسر الى العالم
*جزءأً مهما  من نتاجك الفكري كان ترجمة العديد من كتب التراث الفلسفي الاسلامي  لاهم المفكرين والمتصوفة والفلاسفة المسلمين . مثل الجاحظ والإمام أبو حامد الغزالي والشيخ الصوفي ابن عربي ومؤلفات جبران خليل جبران العربية وشعر الشنفرى. السؤال هومالدوافع التي اخذتك الى تلك الازمنة لتعيد تقديمها الى الثقافة الاوربية ومالذي يمكن ان تلعبه في تصحيح وتعديل الصورة عن الاسلام في اوربا بعد ان شهدت ضررا كبيرا لحق بها في الاعوام الاخيرة؟
- بعد دخول القوات العراقية الى الكويت وخاصة في الفترة التي سبقت حرب التحرير كان الغرب  يعيش في حالة من الخوف والهلع من إحتمال قيام حرب عالمية جديدة، والقاريء الإيطالي خاصة كان يبحث عن أي شيء له علاقة بالثقافة العربية والإسلامية ودور النشر بدأت تبحث عن مؤلفات تملأ الفراغ الشائع والجهل الذي جعل الغالبية العظمى تتساءل عن موقع العراق والكويت على الخارطة وهل أن الإسلام دين أم معتقد وهل أن القرآن منزل أم كتبه الرسول (صلع). كان من الضروري المساهمة في صنع برنامج توعية يعيد للحضارة العربية كرامتها ويساعد الإنسان في الغرب على فهم فكرنا وإبداعنا بل وتصحيح الكثير من الحكم المسبق والفهم الخاطيء الذي نال من ديننا وخاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لم أتوقف فقط على الترجمة بل التأليف مثل كتاب "إسلام" الذي ترجم الى الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والألمانية والهولندية وكذلك دراسات وروايات تعالج الكثير من القضايا مثل رواية "مدينة إرم" التي تتعرض لمسألة الحوار بين الحضارات. لقد ساهمت أيضا وبشكل عملي في النضال من أجل تصحيح صورة الإسلام وتشجيع الحوار بين الأديان والتصدي للفكر التكفيري وتشجيع الإندماج الصحيح للمهاجرين في المجتمع المضّيف وذلك عن طريق تأسيس المركز الثقافي العربي – الإيطالي دار الحكمة عام الفين والذي هو عبارة عن مركّب ثقافي يحتوي على مطعم عربي ومركز ثقافي يحتوي على صالة كبيرة للنشاطات الثقافية والمعارض صف للدراسة ومكتبة ومقهى عربي إضافة الى حمام تركي على الطريقة الشرقية. هذا المركز الفريد من نوعه في إيطاليا أصبح وجهة لكل من يريد التعرف مباشرة على حضارتنا وتراثنا العربي وفكرنا الإسلامي المنير عن طريق تنظيم نشاطات تقريبا يومية.

*هل تجد للثقافة العربية المعاصرة حضور ملموس في الثقافة الاوربية ، واين يمكن تلمس هذا التأثير ؟
- نعم، حضور الثقافة العربية المعاصرة بدأ يأخذ حيزا كبيرا في الثقافة الأوربية سواء بفضل كتاب عرب يكتبون بلغات أوربية أو عن طريق الترجمات. التواصل خلق نوعا من الصيغ الأدبية الجديدة التي كانت غائبة عن أطر الكتابة الغربية. نجد اليوم كتابا أوربيون يعالجون قضايا كانت غائبة عن مواضيع أعمالهم إن لم تكن من المحرمات. القضية الفلسطينية مثلا، الحرب على العراق والإحتلال، وكذلك بالنسبة لأفغانستان ومسائل الهجرة وتبعاتها. يجب أن لاننتقص من جهد الكتاب العرب الذين يكتبون بلغة غير العربية لأنهم يقومون بعمل مهم في تعريف القاريء الأوربي بقضايا عربية تبدأ من المواضيع التي طرحتها سابقا الى مسائل تتعلق بحقوق الإنسان وحقوق الأقليات انتهاء بالأحداث الأخيرة والثورات التي هزت كراسي  وقلبت الموازين في بلداننا.

*انت  تحمل الجنسية الايطالية  منذ اكثر من ربع قرن ومن خلال جهدك الفكري انت تشكل جزءاً من سياق الثقافة الاوربية . . هنا يبرز سؤالان ، الاول يتعلق بك انت  وهو : بأية هوية تسعى وتحرص لان  تقدم نفسك وانت تشارك في صنع المشهد الثقافي الاوربي  وفي الجانب الاخر كيف تجد الصورة التي ينظربها المثقفون الاوربيون اليك ؟
- أنا أحاول أن أكون جسرا بين حضارتين عن طريق الربط بين تراثي الأدبي والحضاري وذلك المكتسب. الأمر ليس بسيطا ويحتاج الى جهد كبير. فكوني أحمل الجنسية الإيطالية لايعني أنني انسلخت عن هويتي العراقية وقلبي الذي ينبض عربيا. كثيرا ما أكتب الشعر بلغتي الأم وأعيد كتابته بالإيطالية أو ترجمته وأنا الآن أعمل على إعادة كتابة روايتي "الغريبة" باللغة العربية، بفكر عربي وبصياغة عربية. أنا ورغم علاقاتي الطيبة مع الجميع وبرغم أن المؤسسة الثقافية الإيطالية تحترمني وتثمن أعمالي وبرغم أنني حزت على ستة عشرة جائزة من كبريات الجوائز الأدبية الإيطالية إلا أن الجميع هنا يعتبرني كاتبا عراقيا ولا أحد يضعني في خانة الكتاب الإيطاليين، بل ولاحتى دار النشر التي تنشر لي أعمالي تعتبرني مؤلفا إيطاليا بل تضعني بين الكتاب الأجانب. هذا هو أحد أسباب شعوري بأحقية بلدي عليّ وبأن الوقت قد حان للعودة وبأن الغريب يبقى غريبا لو مهما فعل.

*كيف تنظر الى مايجري الان من المنطقة العربية من تغييرات وثورات شعبية ، هل تشكك في الجهات التي تقف ورائها ؟ ام تجدها ثورات حقيقية خرجت  تماما من حسابات الدوائر الاستخباراتية الاجنبية ؟ وكيف تنظر الى مستقبلها؟
- لا. أنا ليس لديّ أدنى شك بأن ما يحصل هو تطور طبيعي لحالة عربية خاصة وصلت الى نهايتها. منذ نكسة 1967 ونحن نعيش سلسة من النكسات والتداعيات حتى أننا وجدنا أنفسنا سجناء عقدنا والقناعات التي زرعها فينا زعمائنا على أساس أننا شعوب لاحول لها ولاقوة، نؤله جلادينا ونخشى كلابهم الليلية ونرتعد خوفا حينما يطل الفجر. لقد علمونا كيف ننتقص ونزدري من ذواتنا. لقد أوهمونا بأن كل مشاكلنا ومصائبنا سببها إسرائيل وبأننا ضحايا نكسة مستديمة لاقيام لنا منها. كانوا يستغلون الشماعة الإسرائيلية لتعليق كل اسقطاتنا وذنوبهم وسر بقائهم عليها، وكانوا يشغلون الرأي العام العربي بهذا الكيان الذي يسمم حتى الهواء الذي نتنفسه الى درجة أنهم جعلوا من الدولة الصهيونية  وحش خرافيّ لايقهر وقوة ليس لنا عليها قدير. إنها ثورات خرجت من كل الحسابات سواء الداخلية أم الخارجية. . إن إسرائيل نفسها ترتعد الآن بسبب مايجري وتنتظر المفاجآت التي لابد وأنها قادمة. إنه تمرد شباب واعي ومتفتح  والذي يشكل اليوم  سبعين بالمئة من القوة السياسية والإجتماعية العربية على آلة القمع والسرقة والإغتناء الغير مشروع على حساب الفقراء والمظلومين من ابناء الشعوب . هذا السيل الذي جرف كل شيء خرج من ينابيع القهر والإضطهاد والفساد والمحسوبية حتى أنه تفجّر كعين ماء في قلب الصحراء. جيلنا كان ضحية النكسة وضحية العجز الذي وضعنا فيه حكامنا، وها نحن قد هرمنا بين الحروب والحصارات والمنافي، وقد حان الوقت لهذا الجيل أن يفيق وينهض، إنه زمنه وهاهو قد فعلها فما علينا الا أن نترك له زمام القيادة. قد يخطىء وقد يخسر لكنه فعل مالم يتجرأ أحد على فعله إلا ذلك الذي قام به الثوار في زمن اليقظة الأوربية في القرن الثامن عشر. كان من المفروض أن يجري هذا مباشرة  بعد سقوط تشاوشيسكو في رومانيا، ربما كنا الآن قد وفرنا حتى على عراقنا تبعيات الدمار والإحتلال.  إن ردة فعل الحكام العرب أثبتت أن هذه الثورات هي ناتج طبيعي وموضوعي لحالة عربية وصلت الى درجة لاتحتمل. حاكم يهدد ثم يضرب ثم يقمع ثم يقتل. ومن يقتل؟ أبناء شعبه الأبرياء وخيرة شبابه فقط لأنهم تظاهروا وطالبوا بالإصلاح. رد الفعل هذا هو الدليل الأكبر على أن هؤلاء الحكام هم قتلة ومجرمون وليس فيهم ذرة من الوطنية، كما يدعون، بل هم أول أعداء أوطانهم وشعوبهم. الحاكم يحترم شعبه بل ويضحي بنفسه من أجله وليس كهؤلاء المتسلطين الذين استباحوا دماء أبنائهم. هم يتصرفون وكأنهم أصحاب البلد وكأنهم ورثوها عن آباءهم وكأن الشعوب عبيد لهم يسرقون ويورثون ويقتلون بلا رحمة. هذه حالة عربية خاصة سكتنا عنها طويلا ويجب أن نخجل منها.
لندع، إذا، المستقبل لصانعيه  فأنا ليس لديّ الجرأة على التنبوء بما قد يحصل لأن المفاجآة قادمة.


غياب الحضور العربي
*انت منخرط الى حد واضح بالحياة السياسية في ايطاليا ولك حضور لدى الجالية العربية والمسلمة وخصوصا الجالية المغاربية  مالذي دفعك الى ذلك ،والى ماذا تسعى ؟
- كان هناك فراغ في الحضور الأدبي العربي فشاركت في ملء جانب منه، وكان هناك فراغ في التصدي لحملات التعرض للإسلام فشاركت في الشرح والحوار وكان هناك فراغ في الدفاع عن حقوق المهاجرين فساهمت في إعطاء صوتي لهؤلاء المستظعفين. اليوم هناك الكثير من المثقفين الفاعلين والمنظمات والجمعيات التي تقوم بواجبها وأنا من ضمنها. الجالية المغربية هي الجالية الأكبر في إيطاليا وزوجتي مغربية وقد زرت المغرب عشرات المرات وأجد أنه بلد رائع الجمال ومتنوع وغني لكننا أهملناه كثيرا وما علينا إلا تبنيه عربيا لأنه كريم ومتشبث بحضارته الإسلامية التي حافظ عليها بحرص منذ زمن الخروج العربي من الأندلس وهو فخور بتنوعه الثقافي والأثني الذي يجعل منه غنيا في تنوعه هذا. وفي كل هذا النشاط أنا أسعى الى أن يكون لنا حضورا عربيا فاعلا وتأثيرا في الحياة السياسية والثقافية الأوربية لأن هذه القارة هي خلفيتنا الثقافية والإقتصادية التي لاغنى لنا عنها رغم الإختلافات والصدامات والتناقضات لكن من الخطأ إعتبارها عدوا يجب التقارع معه لأن الوقت قد تغير والشعوب تغيرت مفاهيمها ووجهات نظرها.

*مالذي يقوم به المركز الثقافي العربي الايطالي ( دار الحكمة ) والذي قمت بتأسيبسه منذ العام 2000 ؟
-المركز يقوم بدور فاعل في التقريب بين الثقافات والحوار بين الحضارات وترشيد الإندماج عن طريق الندوات والمحاضرات والورشات التدريبية الخاصة بشباب الجيل الثاني. لقد استظاف المركز العديد من الكتاب والمفكرين العرب والأجانب في لقاءات ثقافية من بينهم الكاتبة نوال السعداوي  والشاعر سميح القاسم والكاتب والباحث يوسف زيدان والكاتبة سعاد العامري والكاتب سلمان ناطور والشاعر العراقي جبار ياسين والكاتب الطاهر بن جلون وغيرهم. كل هذا يدخل في إطار تنشيط الوجود الثقافي الذي يعكس الزخم الكمي والنوعي الذي يميز ثقافتنا الغنية والحاجة الى التعريف بها. كما أن الجالية العربية تحتاج الى ذلك التواصل مع حضارتها ومثقفيها من أجل إثبات وجودها وإعطاء الحياة لجذورها وهويتها.

ماتبقى في الذاكرة  
*مالذي تبقى من  بلد اسمه العراق ومن مدينة اسمها الموصل في الذاكرة  ؟
- بقي كل شيء، كل ما علق في ذاكرتي وكل ما حملته في حقيبة سفري حال خروجي من ذلك البلد الذي بكيته طويلا. بقيت نجوم الموصل وأقمارها، عبق أزهارها وأزقتها، دجلتها والجسر القديم، صروحها وآثارها العريقة  وتلك الخطوات الحالمة التي مازلت أسمع وقعها البعيد على إيقاعات ألحان أغاني عبدالحليم التي كنا نغنيها وصوت رياض أحمد الذي كان يطلقه أحد الأصدقاء الطيبيين ونحن نتمشى على ضفاف النهر أو بين أشجار الغابات، نعانق هبة شبابنا ونطارد أحلامنا. ذاكرتي أبيات من الشعر سمعتها من أحد شعراء الموصل الأصدقاء وقصة قصيرة قرأها عليّ أحد الكتاب الذين رحلوا، في الحرب العراقية-الإيرانية  والآخر رمى بجسده بين أمواج دجلة كي تبتلعه الى الأبد. صور وأصوات وألوان تتواكب في ذهني كصدى البعد. بقي الكثير من عراقي لكن هموم الشوق وعذابات الغربة والحزن الذي حمّلني إياه هذا الوطن قتل فيّ الفرحة وجعلني كالذي "ينتظر الطوفان ولايأتي الطوفان"...

*اخيرا وليس اخرا  انت حلمت وحققت الكثير مما حلمت به فهل من حلم مازال يرواد يونس صديق توفيق الحمداني ؟
- لاأحد يحقق كل شيء، فالأحلام لاتنتهي. حلمي الأهم الآن هو العودة الى الوطن، والنوم بين ذراعي أمي وزيارة قبر والدي والمرحوم أخي وشرب القليل من ماء دجلة. أحلم أن أتمكن من المساهمة في بناء العراق الجديد، العراق الديمقراطي، الحرّ حيث الجميع ينعم بالسلام والحرية والكرامة. دون تمييز عرقي ولاطائفي عراق العراقيين، عراقي أنا.
 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

 
                                                      حاوره : مروان ياسين الدليمي           
الشاعر شاكر مجيد سيفو :
                           لايقبلُ الشعرُ ان يكون وديعاً ابداً .

 في  كل اوقاته اجده منغمساً  في زرقة الكلام السعيد يقترف الجمال ، وكأنه في سِفر ٍ عميق  يتأمل سطوة المرارة وارتباك الابطال في الاساطير. .  .  يقظاً يقف امام علامات الاستفهام ، ليبدأ حين  تصحو دهشة اللغة وهي تحدق في حواشي اللحظات المغيّبة بين سطور المدن الغارقة في منافي الروح ، هو الشاعر الذي يتواطىء مع العالم في كتابة الحلم ، و يرى" أنّ ألشعر هو القوة الغامضة التي ليس لها اي تعريف"   

* ماهي مصادر وعيك الشعري ؟ هل فوضى الاشياء او فوضى المعارف او المزاج يمكن ان تكون هي المصدر الاساس في ذلك ؟
- في تعددية الاسئلة ومنها في سؤالك الاول ، تتحول هذه التعددية الى مكامن انشطارات الذات التي هي أصلاً الكمون الخَلقي والتخليقي في آن واحد ، تضعني ياصديقي الجميل ، في هذه الكمونات والخزائن في تعددية القبض على جمرة اللقى ومتغيرات الزمان والمكان والتاريخ وقطاراته الضاجة ودخان كل عصوره المثير للانشغال بالوعي الشخصي والعقل انطولوجياً على اساس أنّ العقل هو اللوغوس حسب هيغل ، هذا في إنبثاقاته المتتالية من الحيوانات الجوانية التي تتعالق جمالياً مع التخييل ومقتنيات الذاكرة وفوضى الاشياء الخلاقة ، هل وصلت الى المغامرة الجمالية التي تشف ّ عن المزاج والوعي الشقي الحاد الجوّال في الحياة واصطياد عوالم الغرائبية للتماهي مع انجيل الكتابة المختلفة واستكناه المجهول واللهاث وراءه دون هوادة !!
كل ماقرأته ورأيته ووقفت عنده وآلتهمته وهصرته وثقّبت فيه بالمخيال الانطولوجي والفنتازي كان التراكم ،  هذه التراكمية التي تصل بالذات الى افاق مفتوحة ومجهولة وبلاحدود بلانهايات ، وضعية التاريخ الشخصي ، الاحمال الحياتية نحن ياصديقي ، دواب بعقول شقية استثنائية حادة تقترف سروداتها الجمالية بنوع من التماهي مع الالهة ، أو بميكانيزمات انزياح الذات المبدعة في نظام العلامة السيميولوجية ، نحن ياصديقي ايضاً ملائكة لم نقترف سوى اخطاء سماء لم تخلق بعد . .. . اذن علينا احراق التاريخ كلّه ، لنبدأ من لحظة الوجود الاولى  ، حتى ماقبل آدم ، لاننا دائماً نستعين بالمطلق دون المرئي منه . واللامرئي منه كومة قش ، وعلينا الدخول اليه بعود ثقاب أو رمشة عين شخاطة . . حتى لوكانت شخاطة إسرافيل . .
* مع من تواطأت لتخرج بتجربتك الشعرية ؟
- لايمكن للكتابة الشعرية ان تكون مراوغة وزائغة في انساقها الجمالية والتفكرية في طبقاتها الجوانية إذا تركتها في الهواء الطلق تتشكل من بنى نصّية يغيرها الاشتغال الآني المتوحش باللحظة في سيميائيتها القصدية وحتى في اسرارها الزمنية ، الكتابة الشعرية هي التي تتواطأ معك حين تأخذها الى قطوف لازمنية تتواطأ مع الاخر تلك معضلة تقع في خانات الايصال المطلوبة دائماً على حساب الابداع ، أنا دائماً ارى في اللامرئي حتى في فعل اللحظة الشعرية القادمة ، علينا اذن ان نذهب بالشعري الى روحه العالية ، الى كيميائية جسده الحلمية ـ الحالمون هم ورثة الحياة ، وأكبر الحالمين في التاريخ ( بوذا وكونفشيوس ويسوع ) هذا هو متن التواطؤ مع العالم في حلميته ، في كتابة الحلم واقتراف الشهوي منه ، والنزول الى العالم السفلي مع دموزي ، هذا النزول هو بعينه هذا التواطؤ الغرائبي والعجائبي الذي يبني سروداته من تشعير انساقه الحلمية والذهاب بالمعرفي الى تأسيسات خطاب التاريخ الكاريزمي ، الكوزموبولتي ، وفي خاتمة إجابتي ياصديقي  لن ولم أتواطأ إلاّ مع ذاتي التي يسحلها الزمن الغرائبي والشهوي الراسخ الكامن في كمون المتحف الجمالي والابستمولوجي الشخصي .

* اين يكمن هوس ذاتك ، ومالذي سعيت اليه وانت تقصد الكتابة الشعرية ؟
-هوس الذات يقع في خانة سعيها ، ولاأنفصام أو انفصال بين الانا الشخصية والذات الشاعرة في محكمة الكتابة وحبكة الحياة ومحاكماتها ، فالحياة حرباء ، والتاريخ نسق خبيث منها ، حيواني في افعاله وغرائزه التاريخية الزمانية الوقائعية ، يتماهى مع بنياته اللعوب ، يستعصي على اي مفتاح نصّي المغامرة في اللعب على ديموغوغائيته العفنة ، لكنني كنت ولازلت ألعب في تدمير هذي البنى الجوانية وتدمير قرائنها ، وتوريد صفحاتها وتعليق ألواحها على حبل التخييل ، كي اختصر ماسمّيته ـ السنين وتقادمها ـ وأنا أسمّيها بالزمن الوحشي والزمان الغرائبي والعجائبي ، وهنا الغرائبية ، حسب مفهومات غاستوت باشلار ، من الجمال أن اسعى الى بناء مملكة من النساء البدينات اللائي ادخلنني الى جسد الحياة ، أو جسد النص ، بأعتبار الكتابة أنثى ، لذا كانت لي حصص تموينية في المكابدات والعذابات التي تشبه في سيرها على حبال الذات وعلى سيرك الايام ، والتي تشبه سير النجوم والنيازك والكواكب السيارة الى لارجعة ، أو الى مصير سارد مقفل ، ياصديقي نحن في الشرق نغامر بالسيرة والمسير والمصير في لحظات تقاطع الزمان والمكان وأمنيات كلاب الصيد والمسالخ ، ماذا قبضنا من سيرتنا التاريخية ، سوى السرد الكارثي المتقطع في كل حين ؟ ؟ ؟
هل تعتقد أننا أمام هذا النسيان نقف ونتوقف في لحظة ما من لحظات الزمن الكارثي ، لن نقف إلاّ في خاصرة النسيان كي نوقفه ، وكي لاننسى نحن النسيان نفسه !!.

*كيف تعاملت مع اللغة شعرياً ، ومالذي منحته لها ومالذي منحته لك ؟
- اللغة كائن حي من الكائنات التي تسكنني بحرية ، وتعمل في دواخلي بقوة الجوهر الاستاطيقي كي تدفعني الى تأسيساتها ، كي احرص على حياتها الداخلية في مشغلي الشعري ، كي اقشرها من التزينيات التقليدية ، تحركني في كل الاتجاهات بماكنتها الروحية التي تبيض نظماً وأنساقاً وتعمل هذه الاخيرة في رهط التخيل والتصوير والتشكيل واجتراح خطاطة الشعرية البصرية ، اللغة حسب هايدجر هي الوجود ، هي التي تحفظ علاقة الشاعر السّرانية مع دواخل العالم والوجود ، هي المرآة في الرسالة الادبية التي تعمل على تنوير الروح الشعري نفسياً وروحياً ، كي يتدفق المشهد الميتافيزيقي في ميتاجماليات الغموض الذي تصنعه اللغة في سحرها وكونيتها وعلاقتها بالمكان والزمان ، اللغة احتفال بلاغي هائل واحتفاء بالدرس الاول التكويني والبنيوي والتوليدي والاشاري ، الذات العميقة ترى في تجليات النسق اللغوي المغاير الطبيعة الشعرية ووجودها ونشيدها الكوني والرؤيا الداخلية التي ينوس في مرجلها العقل الشعري ، اللغة التي تشتغل عليها الذات الشاعرة ، وذاتي بالتحديد هي التي انشغلت بذاتها في مناطق الانزياح والهارمونية ليست تلك الزفرات التي تدخل في حلقات الدخان وتزول بزوال نسمة الهواء العابرة ، تترسخ انساق اللغة في انغلاقها على ذاتها في عدم البوح والاقامة عند ضفاف الوجود ، وتنفتح في الغوص العميق في عوالم التناظر والاختلاف والتطاحن والتطامن في البؤر الصوفية ، في زرقة الكلام السعيد ، لتستعيد سعادتها المفقودة ، اللغة تبتكر لنا مأزق وأفاق التأويل حيث تسلّمنا الى مكان يقول الجرجاني في اجتراح المعاني " المعنى يسلّمنا الى معنى المعنى " وذلك كان ولازال الهوس والجنون باللغة ، اللغة الثانية في صناعة المشهد الشعري الشخصي ، تلك هي غواية اللغة بوجودها الفيزيقي وغرائبية الرؤيا للذات الشاعرة ، وهذا هو الدوّي الحافل والحامل لجسد اللفظة من جسد اللغة في ماكنتها التكنلوجية ، بوصف الادب صناعة تكنلوجية في دويّه الروحي والسيسوثقافي وسحريته الغامضة وحياته الخاصة في ممارسة فعالياته الشخصية لذاته ومن ذاته . . إنني اشتغلت في معظم شعري في كل كتبي الشعرية على هذه الاثار في حدوسها وخصخصتها وكشوفاتها الاستثنائية السرية ، كنت دائماً أرى في اللغة ذلك الجسد الذي يقابل جسد الانثى ومن الجمال والصعوبة والمزاج الفنتازي اختراقه بصورة مباشرة بصور من الهذيان الوصفي . كنت أحرص على استثمار ورشف تلك الشراهة في شراهة رشف الايروتيكي الغرائبي والتغريبي والاستعاري والتوليدي الثّر في حلقاته البلاغية الرؤيوية الشهوية في مساحات تعبيرية لاحدود لها .  

*هل يمكن ان تكون الكتابة الشعرية استعادة للوعي خارج الخطيئة ؟
-الكتابة الشعرية التي تستدعي استثارة الوعي تكمن في وجودها وفاعلياتها التخييلية ، لاأعتقد أنها استعادة للوعي خارج الخطيئة ، لانها الخطيئة الكبرى في نزوعها للحضور واكتتابه ، لكنها تظل خارج قفص الخطيئة عندما تتشكل من داخلها ومن بنيات دواخلها في كثافة الرؤى العلائقية لتشكيل منظومات لاحصر لها من سرود لغوية دلائلية تتشظى ،

*هل تعتقد ان التشظي في النص الحديث ناجم عن نسق العصر الحديث ؟
 -التشظي وايقاع العصر ، ونسقه المفتوح ، يعود بنا الى فهم امبرتو ايكو في النص المفتوح ، وذلك النص الذي يحاكي مشهدية العالم الضاج بالتناقض والتوازي والتكثيف والانشطار والايقاع الداخلي للمعاني الكونية وموسيقية الكلمة .
*انتمائك الى ارض اورثتك حضارة موغلة في القدم ، هل كان له قوة الحضور في ذاتك الشعرية ؟
-بأختصار شديد في موضوعة انتمائي الى حضارة الاجداد وقوّة حضورها في ذاتي الشعرية : تتجسد هذه القوّة وهذا الحضور بكثافة وسحر واشتعال في ذات الوقت في كتبي الشعرية الصادرة " حمى آنو " وإصحاحات الاله نرام سين " وأطراس البنفسج والعديد من نصوصي الشعرية المنشورة في الصحف والمجلات العراقية والعربية . . كتب العديد من النقاد في هذه الموضوعة : الحضارية التراثية في شعري ، منهم عبد الرضا جبارة ومصطفى الكيلاني وشوقي يوسف بهنام ، وقال شوقي في احد سطوره " ن الشاعر سيفو  يسعى الى أن يتألهن من خلال استثماره رموز الالهة القديمة"
* هل تنتمي الى هذا الزمن ،أم انك تحيا في زمن اخر  ؟
-الشاعر يحيا في كل الازمان عبر حياته الشعرية فهو الجوال الكبير الذي لايستطيع الفكاك من اية لحظة ، اقرأ سركون بولص وسترى ماذا يقول في قصائد كتابه الشعري  الاخير " عظمة اخرى لكلب القبيلة " سترى هذا الجنون في الاقامة في كل زمن وكل كلمة وكل شارع وكل حانة وكل ملهى ، وكل مقهى وكل بيت وكل لحظة ، هذي هي الدهشة وهذي هي المفاجأت التي وددت ان اقودك اليها ، هي مفاجآت العالم كلّهُ قد تراها او تصادفهك في سوق القورية في كركوك أو في شارع الحب في بغديدا أو في شارع النهر في بغداد أو في الحي الصيني في ملبورن أو في حانة ما في سان فرنسيسكو ، هذه لفافات الروح التي تلفّ بها جسدك أينما رحلت ، لقد مات سركون وحيداً ، لكن عاش العالم كلّهُ والازمان كلها ، إذن ياصديقي نحن ننتمي الى العالم كله ، الى الازمان كلها ، لقد عشنا  كل متواليات الجحيم ، * مالذي يمكن للشعر ان يقوله  الان ؟
-الشعر هو هذي القوة الغامضة التي ليست لها اي تعريف ، لم يعد الشعر ذلك الكائن الاجتماعي الذي يستدعي المتلقي الى المنصة بسهولة ،لايقبل الشعر أن يكون وديعاً أبداً ، لانه سيفقد هذه الخاصية الكونية العالية التي تتعالق بأنساقه الميتاجمالية والسحرية والغرائبية ، الشعر لايقول إطلاقاً وانما يكتشف ويبتدع ، نحن ننفي وجودنا في الشعر، هذا في كتابة غيابه ، أمّابكتابة  الحضور ، فهو ذلك الثرثار الذي تعجّ به الصحف الرثّة والدوريات السطحية والفضائيات لملىء الفراغ ، لكن هذا لايعني انه ليس هناك شعر يجدد اسطورته المنبرية، نعم نحن آمام تيارات وأمواج تتلاطم وتتصادم في الكتابة الشعرية الجديدة  ، والمختلف واللامرئي والسمين والعميق هو الذي يظل يشع ، هل بأمكاننا أن ننسى ( أبا تمام والمتنبي وأبا نؤاس أراغون وسان جون بيرس وجاك بريفير وأدونيس وت إس إليوت وهولدرلين ومالارميه وريلكه وووووو
المئات من القامات الشعرية الكونية ؟ ؟ شكراً لك لانك حرضتني لأذكر وأتذكر كلّ هؤلاء الانبياء بلانبؤات ! 
نشر في صحيفة الزمان   بتاريخ 9/6/2011. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــl
                                                             حاوره : مروان ياسين الدليمي
                                                                 
الشاعر بهنام عطاالله :

أبحث عن قارئ يفهم كيف يقرأ النص ويفكك محتواه.




بعد رحلة اثمرت العديد من النصوص الكلاسيكية  برفقة  القصيدة الموزونة المقفّاة ، اختار الشاعر بهنام عطاالله ان  يغادرها بعيداً نحو فضاء  قصيدة النثر، حيث المشهد الشعري هناك ينفتح بتركيبته وصياغاته الفنية من ذات الشاعر  ليحلق في فلك متحرر من أسر الزمن  . . فتناثرت افكاره وتأملاته بين صور موزعة على اربع مجموعات شعرية اصدرها خلال رحلته الابداعية ،  نائياً  فيها عن قارىء يتدثر بأغطية مُهلهة . . كان مطلع سبعينيات القرن الماضي قد شهد ظهور مجموعة من شعراء شباب ينتمون الى ناحية قرقوش التابعة لمدينة الموصل ولم تزل  تلك المجموعة ( شاكر مجيد سيفو وزهير بهنام بردى ) تواصل بكل شغف  كتابة مشروعها الفني. ولكي نتلمس جغرافية عالم شعري اختار ان  يسكنه  بهنام عطاالله اجرينا معه هذا الحوار:

متى أصبح الحرف هو المسار الوحيد في رؤيتك الجمالية للحياة ؟
الحرف هو المسار الأول، وهو توأم الكلمة منذ البدء، وبذلك كان وسيضل المنطلق لتأثيث تجربتي في الكتابة الشعرية والنقدية، فمنذ الطفولة كانت النوايا تتجه نحو جمالية الحياة ونياسمها وحيواتها الصغيرة والكبيرة. كان للحرف تقديسا خاصا في مسار السيرة اتخذته بابا لهندسة النص وتغليفه بتهويمات وشفرات أحاول من خلالها جذب المتلقي نحو عوالمي التي تنحى المنحى العقلي أم الجنوني ، من خلال التركيب الهيلامي لمسار هذا الحرف وتنويعاته واضاءاته.

بعيداً عن رؤية النقاد لتجربتك الشعرية وقريباً منك أنت . كيف تنظر الى خصوصيتك الشعرية؟
لكي تستطيع أن تحصل على جوابا شافيا وواضحاً أقول: إن القارئ والناقد هما اللذان يقيمان أي تجربة شعرية. وكما تعرف فقد حضت تجربتي الشعرية - منذ مجموعتي الأولى (فصول المكائد) عام 1996 ولغاية صدور آخر مجموعة شعرية في أثينا عام 2008 (هوة في قمة الكلام) - باهتمام وتقييم وقراءات عشرات الكتاب والنقاد والمهتمين، فكانت هي المرآة الحقيقية لتجربتي الشعرية، وأنا احترم ما كتب عني سلبا أم ايجاباً، لأنها جاءت للتقييم والبناء لا للهدم.  حيث صدر عن تجربتي كتابين هما (تنافر المفترض المكاني) للأديب يعرب السالم وكتاب (تضاريس شهوة الانحناء) للكاتب شوقي يوسف بهنام. أما كيف انظر  إلى خصوصيتي الشعرية فأقول إني اكتب قصيدة النثر، وكما تعرف يا زميلي مروان إن قصيدة النثر ليست سهلة الكتابة، بل إنها تحتاج إلى جهد لغوي وتراكمات الخبرة وهندسة النص فضلا عن الإيجاز ووحدة المضمون. لقد استطعت من الولوج في أعماق النص خلال الكتابة بدون مواربة أو لف أو دوران، فجاء نصوصي تجمل تباشير نص / قصيدة النثر من خلال التلاعب بالألفاظ و "الارتكاز على المشهد الحلمي / التخيلي والمزاوجة  بين الثنائيات الضدية في الصورة / الشكل/ المشهد / الصوت .. الخ".  

 الفن لعبة بكل المقاييس المنهجية . في هذه اللعبة أنت عن ماذا تبحث؟
نعم إنها لعبة إبداعية، فانا دائماً ابحث عن نص مغمور يجتاج قلقي، ويجيب على أسئلة الكون والجغرافيا المتقدة وتنافرهما الزمكاني وما يتمحور عنهما من انفلاقات، تحاول أن تجذب المتلقي. ومن خلال هذه اللعبة الجميلة أبحث عن قارئ يفهم كيف يقرأ النص ويفكك محتواه، وهذا قلما نراه أو نلمسه إلا عند المتذوقين. فاللعبة هنا ليست سهلة الولوج ولكن تحتاج إلى جهد ولغة وخبرة وقراءات منوعة كما أحاول : خلخلة الافتراض الزمني، للتأثير على البعد المكاني للنص ..".

ما هو الهدف الأسمى للشاعر،  وهل لهذا الهدف صلة باصراره على الكتابة بعيداً عن المنظومة التقليدية؟
الهدف مبثوث في قلب الشاعر منذ كتابته الحرف، والكلمة الأولى،  والعبارة الأولى ومن ثم النص الأول، فإشاراتي الدلالية المتوالية هو تفكيك القلق المكاني مع خلق حالة الفوضى المصطنعة، وهذا التلاعب يؤدي إشعال " خانة  التخيل بقلق مستفز ودائمي " وهذا هو الامتداد الذي قد يحدث زلزالا ً داخل النص، أو على اقل تقدير أنه يحاول استمالة المتلقي نحو نصوصه، هدفي إذن واضح من هندستي للقصيدة والتفنن في صياغتها بما أجعل النص ساحة وواحة كبيرة يستلقي فيها القارئ، لكي ويصل إلى مراده.
لقد استطاع كتاب قصيدة النثر وأنا واحد منهم، من اللعب بعيداً عن المنظومة التقليدية، فأصبح لكل شاعر تاريخه الشعري، وأنماطه النصية المعينة، بحيث يستطيع القارىء او الناقد الحاذق من خلال قراءة النص إلى الإشارة إلى اسم الشاعر، وبهذا  استطاعوا من الإفلات من جذب منظومات التزمت والخروج إلى براري وساحات الكتابة الجديدة.

 كيف تنظر الى هذا التجاور في الاجناس الادبية داخل متن النص الشعري المفتوح . هل هو انتهاك لخصوصية الشعرأم الدفع به الى اقاصي بعيدة . ؟
اعتقد أن الشاعر المتمكن، من لغته وخبرته المتراكمة، يستطيع أن يحدث تجاوراً مع الأجناس الأدبية الأخرى خلال كتابة نصه، وهذه العملية تزيد نصه قوة وتجسيما وتضخميا للحدث المطروق، أو الثيمة المطروحة. لذلك أرى أن بعض الشعراء خاصة المعاصرين منهم استطاعوا التجاوز في الأجناس الأدبية الأخرى، من خلال تعشيق الأجناس الأخرى ضمن النص الشعري، وهذا ما نراه في بعض قصائد الشاعر العراقي بدر شاكر السياب وبعض الشعراء الذين كتبوا قصيدة الشعر الحر وقصيدة النثر، وهذا ما نراه عند البعض من الشعراء الشباب المعاصرين.

كيف تنظر إلى  القصيدة بشكلها العمودي التقليدي وهي تواجه هذه التحولات الواسعة في بناء وشكل التجربة الشعرية . هل ستصمد أم ستنزوي في ذاكرة التاريخ الادبي ؟
كما تعلم إن الشاعر ومنذ بداية الكتابة الشعرية، لا بد له من الالتصاق بالقصيدة بشكلها العمودي التقليدي، لأنها تزيد من ملكته الشعرية، من خلال قراءة وحفظ قصائد من الشعر العربي القديم والمعاصر. ومن ثم نراه - فيما بعد – يحاول بناء  تجربته الشعرية الخاصة به.
أنا من يقدس القصيدة الشعرية بشكلها العمودي التقليدي لأنها كانت المنطلق الأول نحو الآفاق الشعرية فيما بعد.فبالرغم من السدود الكبيرة من النصوص الحديثة التي تقف أمامها
والتحولات الكبيرة التي حدثت في الشكل والمضمون، إلا أن هذا لا يمكن اعتباره انهزاما لهذا الجنس الأدبي الشعري، الذي سيبقى يتصدر ما ينظمه الشعراء . بالرغم من التحولات الكبيرة التي حدثت في بنيوية النص الحديث ولا يمكن أن تنزوي أمام ذاكرة التاريخ، بل يقينا ستبقى القصيدة العمودية تتصدر مهرجانات الشعر في الوطن العربي.

هل جربت أن تكتب بعيداً عما انت تعودت ان تكتب فيه  ؟
نعم في بداية اهتماماتي الأولى كتبتُ القصيدة العمودية التقليدية ونشرت العديد منها في الصحف المحلية في بداية السبعينات من القرن المنصرم، إلا أنني ما لبثت أن كتبت قصيدة الشعر الحر ونشرت عددا منها، ثم كانت محطتي الأخيرة كتابة قصيدة النثر، لأنني أجسد فيها تجربتي الشعرية وحريتي في التعبير دون قيود.فكتبت النص المفتوح والنص المغلق. أما هل  جربت الكتابة بعيدا عما تعودت أن اكتب فيه فأقول : إنني كتبت في مطلع تجربتي الشعرية القصة القصيرة ونشرت واحدة منها .. وما زالت العديد منها مركونة على الرف وهي قصص واقعية من خلال معايشتي للحرب العراقية الإيرانية والحياة العامة، إلا أنني  أرى كينونتي في قصيدة النثر.كما كتبت ومارست النقد الأدبي وأصدرت كتابا بعنوان " اضاءات في الشعر والقصة" عام 2002 وكتابا آخر بعنوان (الضفة الأخرى: عام 2005. ولدى تحت الطبع كتاب نقدي أخر بعنوان (وهج القصيدة.. يقظة الذاكرة).

من اختار الآخر أنت أم الشعر ؟ وهل ستأتي لحظة ما تفترقان فيها أو تختصمان ؟
في الحقيقة إن الشعر هو الذي اختارني، فمنذ المرحلة الابتدائية ومن ثم المتوسطة التصقت بتلك القصائد الملحمية في العصر الجاهلي، تلك القصائد التي عندما تقرؤها كأنك تعيش حوادثها ومعالمها، فحفظت الشعر منذ تلك المرحلتين، وما زلت اقرأ وأتابع ومن ثم بدأت اكتب الشعر بتأثير ذلك، فنشرت العشرات من القصائد في الصحف العراقية والعربية .
أما عن اللحظة التي تأتي  لكي نفترق أو نتخاصم، فإنني  اعتقد إن ذلك اليوم ليس بالقريب، بالرغم من تطلعاتي الأخرى إلى الكتابة بالأجناس الأدبية الأخرى. فأنا – كما أسلفت -أمارس النقد الأدبي وكتابة المقالة الصحفية، كوني ارأس تحرير وإدارة العديد من الصحف والمجلات التي تصدر في سهل نينوى. كما لا أجافيك سرا لو قلت لك وللقراء الكرام ومحبي كتاباتي إنني في صدد كتابة رواية طويلة هي عبارة عن سيرة ذاتية، أحاول من خلالها تعشيق الحوادث التأريخية والاجتماعية، فضلا عن توظيف الميثولوجيا والأساطير الشعبية، التي كانت سائدة في بلدتي ومنطقتي، التي عشت فيها الطفولة والشباب، وقد بدأت بالكتابة الأولية لها.

مالذي يربطك بهذا العالم ؟
الذي يربطني بالعالم هو الحب والشعر ومن ثم الإبداع، الذي هو ديمومة التجدد والنشاط والتألق وهو ما لا استطيع أن أعيش بدونه. لذلك تجدني دائم الحركة تأليفا وكتابة ونظماً على مدار السنة، إذ لا مكان للشاعر أو الأديب أو الإعلامي دون التجدد والإبداع.


 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الشاعر وعدالله ايليا :

 إن مختبري الشعري طافح بالرؤيا ، ليضيء المسافات في ظلام هذا العالم.

خلال مسيرته الشعرية التي تمتد لاكثر من عقدين من الزمان اصدر الشاعر وعد الله ايليا  خلالها ست مجاميع شعرية باللغة العربية .اضافة الى عدد من الاصدارات الاخرى باللغة السريانية  التي هي لغته الام . ولانّهُ حاصل على شهادة البكالوروس اداب لغة فرنسية من جامعة الموصل ،فقد  ترجم ايليا العديد من النصوص الشعرية من اللغة الفرنسية الى اللغة العربية لأهم الاسماء الشعرية الفرنسية . ورغم توزع انشطته الثقافية مابين رئاسته لتحرير مجلة المثقف السرياني، وعدد اخر من المطبوعات السريانية  ورئاسته لمركز السريان للثقافة والفنون في ناحية بغديدا، الا ّ انه يحرص بكل هاجسه الثقافي على ابقاء جذوة الشعر ملتهبة في مسيرته الابداعية، الشاعروعد الله ايليا  ، من مواليد ناحية قرقوش عام 1962 ،  كانت بداية ظهوره على خشبة المشهد الشعري العراقي في نهاية ألعقد السابع من القرن الماضي .



 لنبدأ بالتفاصيل الاولى ونتحدث عن البدايات  التي شكلت ملامح الشاعر . الطفولة . . الشباب. ؟
-طفولتي الشعرية بدأت وسط غابات الشعر المتشابكة الناطقة بالنبوءة والرسالة ورحيق النور الذي كان بمثابة بداياتي ونقطة شروعي الأولى التي كانت في المرحلة المتوسطة حيث كنت أسعى بكل أفرازات المراهقة الدخول  إلى عالم الكلمة واللحظات الشعرية التي كانت تتقدُ في وعيي الداخلي وجروحاتي ،كي أتوغل إلى عالم الكتابة. من هنا دخلتُ إلى حقل الشعر بعد أن طاردتُ عذاباتي لأكتشف ذاتي ووجودي.  هكذا كانت طفولتي الشعرية تنطق بالحُبِّ والألم والأمل، ثم جاءت المرحلة الإعدادية لتكشف عن غموضي الجميل وغلياني اللامتناهي ،  ولأدخل  أبواب الشعر الحقيقية وحنينه الأزلي وتوهجاته وهكذا أنشدتُ نشيد انشادي الشعري الأبدي.
هل للمكان الذي ولدت فيه دور واضح في ايقاظ الوعي وتشكيل التجربة ؟
-إنَّ بلدتي العريقة (بغديدا) كان لها الدور الفاعل في إيقاظ وعيي وتشكيل تجربتي الإبداعية وحفر إسمي في عالم الإبداع، كيف لا وبلدتي هي عاصمة الثقافة السريانية في العراق، بغديدا التاريخ والأصالة والتجدد والتجذّر،لقد أسست في داخلي بلدة شعرية جميلة وحضارة رائعة ومناخ شعري قادر على صنع تاريخي وأسطورتي الخاصة وعالمي الشعري الخفي الضاج بالرؤى، هنا بزغ فردوس الشعر عندي ونمت روح الإرتباط والإنشداد والإنطلاق ونبتت بذرة إبداعي.
متى جاءت اللحظة الشعرية الاولى ؟
-جاءت اللحظة الشعرية الأولى حينما رأيتُ الكون أمام إستدارته والحياة حتى نهايتها دفعة واحدة ،إذ كان مختبري الشعري طافح بالرؤيا ليضيء المسافات في ظلام هذا العالم، وتتخصب اللحظة الشعرية بالألم والجرح والوجود حتى وصولي إلى الذات,
س: هل كان الشعر زمناً أمناً تلجأ اليه من قسوة العالم ام كان زمناً متمرداً عليه ؟
نعم.. لقد كان الشعر بالنسبة لي بمثابة سؤال لا ينام أبداً إذ كنتُ أواجه الموت داخل فضاء الحياة وفق رؤية خاصة ،عالمها مصاغ من سعي دؤوب لإنهاء نقص العالم غايته قراءة المجهول .
بما انك شاعر قبل ان تكون كاتباً واعلامياً  ولك تجربة مهمة في الكتابة الشعرية . من اين يولد الشعر ؟
-يولد الشعر من حيث يتمزّق الشاعر بمعاناته وعذاباته بحثاً عن الحقيقة والصفاء والإنسان، فالشعرُ عالم مرعب يكشف عن المرئي واللامرئي، ويولد الشعر حينما يظهر جماله المخفي.
هل من تجارب شعرية كان لها تأثير مهم في تشكيل وعيك الشعري . وهل يمكننا ان نسأل اذا كان لك اب شعري تقتف اثره ؟
-كانت هناك تجارب شعرية خاصة أثرت بشكل أو بأخر تأثيراً كبيراً في تشكيل وعيي الشعري ونهوض شعريتي على ما هي عليه الآن إذ أضافت قيمة شعرية إلى متحفي الشعري الذاتي.
ماذا ينبغي أن يتوفر في النص الشعري الجيد والمؤثر ؟
-كي يكون النص الشعري جيداً ومؤثراً ينبغي أن يتوفر فيه عنصر الوعي والزمن وبتوفر هذين العنصرين تتكون طبقات النص من خلال تكثيف اللغة وغرابة الصور بالبحث عن اللامنظور والكشف عن المجهول.
هل تشغلك مسألة الشكل الفني في الكتابة الشعرية وكيف تنظر اليها ؟
-نعم.. تشغلني كثيراً مسألة الشكل الفني في الكتابة الشعرية وتنمو بداخلي مع نمو القصيدة ذاتها، لأنه لا توجد صورة جاهزة يمكن رصفها ضمن القصيدة للتعبير عن المشاعر بل تخضع الصورة لطبيعة الشعور الكامن في نفس الشاعر، والصورة الجاهزة لا تمكننا من الخوض في أعماق التجربة الإنسانية.
الى ماذا ترمي وانت تكتب الشعر . الى أين تريد الوصول ؟
-وأنا أكتب الشعر لأواصل رحلة الحياة والشعر معاً وأبقى في حالة إنفعال ما يحدث في العالم، وفي أغلب الأحيان تتقدمني القصيدة ولا أدري إلى أي مكان تقودني. أريد الوصول إلى عالم الصدق والحقيقة والمجهول لأن الشعر يختبيء بين خلايا دمي ويضخ في روحي مشاعر وأحاسيس جديدة. الشعر بحد ذاته حركة وبدونها لا يمكن أن يكون له حياة، أطمح أن أؤسس منطقة شعرية كونية تمثل تاريخي الشعري الجسدي والروحي وذاتي العميقة في رؤيتها لكل العوالم المجهولة.
 نشر في صحيفة الزمان بتاريخ : 17/1/2011 على الرابط : :
http://www.azzaman.com/index.asp?code=search&txtSearchText=وعد%20الله%20ايليا
ـ
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
                       
حوار مع الشاعر والإعلامي نمرود قاشا 
ـــــــــــــــــــــ
ايرى الشاعر والاعلامي نمرود قاشا بأن " شرذمة الخطاب السرياني أثر بشكل كبير على توحيد الجهود في مجال تطوير  اللغة والتراث السرياني " .
وأشار  ألى إن" لو أستثنينا بعض الدول العربية مثل: لبنان، سوريا والعراق. فليس هناك ما نسميه بالإعلام السرياني"
 وقال  قاشا " قليلة هي المؤسسات التي تعمل بمهنية وعلمية برعاية ودعم الإعلام السرياني"  .
 واضاف ايضاً " هناك العشرات من الأسماء السريانية الكبيرة ساهمت ولا تزال في تشكيل الوعي الإنساني بكل حقوقه الفكرية والثقافية".
وتطرق قاشا خلال حوار  أجريناه معه  الى العديد من الموضوعات التي تتعلق بقضايا ومشكلات يعانيها الاعلام السرياني . 

*أنت تساهم بشكل واضح في الإعلام السرياني من خلال موقعك كرئيس تحرير لمجلة (النواطير)، كيف تقيم تجربة الإعلام السرياني، هل أستطاع أن يواكب ما يجري من أحداث؟
- تسألني عن الإعلام السرياني، هل يوجد إعلام سرياني يعمل على نشر التراث السرياني وتشجيع الأقلام التي تكتب باللغة الأُمْ !؟ هذه الأُم التي تعاتب أولادها وبشكل يومي لأن الكثير منهم (عاقون) وبعيدون عن المثابات التي خطتها أنامل هذه الأم.. لكي نستطيع أن نقول بأنه هناك أعلام سرياني علينا أن نتفق أولاً على أساسيات العمل ومن ثم ننطلق بشكل مبرمج وصحيح ومن هذه الأساسيات اولاً لغة موحدة مفهومة ومكتوبة من قبل الجميع وتذوب (الشرقية والغربية) في بودقة السريانية وهذه العملية لا تأتي إلاّ من خلال مؤسسة أكاديمية تعمل على توحيد المفردات وإستحداث أخرى أي (عصرنة) اللغة ومن ثم نشرها بشكل علمي صحيح. وحالياً تحاول (دار المشرق الثقافية) في دهوك إيجاد أرضية لهذا العمل ولكن اليد الواحدة لا تصفق أو يبقى الصوت خافتاً كالهمس وأحياناً يتظاهر البعض بعدم سمعه. وإذا كان المجمع العلمي العراقي سابقاً يضم (مجمع لغة سريانية) لماذا لا يصار الى إستحداث مجمع خاص بالسريانية ليكون له مطبوعاته الخاصة به ولا تمر كل المطبوعات السريانية إلاّ من خلال (فلترة) .  ثانياً ،شرذمة الخطاب السرياني أثر بشكل كبير على توحيد الجهود فكل جهة تحاول أن ترضي (سيدها) أما اللغة والتراث فتبقى مجرد أغطية تستر عوراتهم.. لقد أصاب أمتنا السأم من كثرة ما يردده السياسيون من مفردات (أثرا، أُمثا) والنسبة الكبيرة منهم لا يعرف السريانية كلغة وتاريخ والكلمات التي تردد ما هي إلاّ للإستهلاك المحلي.ثالثاً ،التعليم السرياني الرسمي وطلاب المدارس السريانية هل خطط لهم بشكل علمي ومدروس لأن يأخذوا دورهم في إنضاج اللغة وخدمتها لأن تكون هناك جهات علمية تحتضنهم وتفتح الطريق أمامهم لتكملة دراستهم العليا، بعد كل هذا، هل نستطيع أن نقول بأن الإعلام السرياني يواكب ما يجري من أحداث؟، فمواكبته للأحداث نسبية جداً وأعتماده على الكثير من العوامل المساعدة.
*هناك العديد من المطبوعات السريانية سواءً المكتوب منها باللغة العربية أو باللغة السريانية، هل تجد ذلك أمراً يصب في مصلحة الإرتقاء بدور الإعلام السرياني وتطور الجانب المهني والحرفي فيه، أم إن ذلك يعكس خللاً يتسبب في ضعف التفاعل معه؟.
-نعم.. أي مطبوع يصدر في اللغة العربية أو أية لغة أُخرى والغرض منه خدمة اللغة السريانية بلاشك  عملية صحية جداً.. فكل لغات العالم الحية تحاول أن تعتمد على لغات أُخرى لنشرها وإيصال ثقافتها إلى العالم.. لهذا كل المطبوعات الصادرة بالعربية ترتقي بالإعلام السرياني وتساهم في تطويره بكل الجوانب المهنية والحرفية كما تتفاعل معه.
*هل تتفق معي بأن الإعلام السرياني يتحمّل مسؤولية كبيرة في عدم الإنفتاح بالصورة الكافية على العالم لكي يرسم صورة حقيقية لما يجري من أوضاع مؤسفة للمسيحيين في العراق ولإعطاء صورة حقيقية عن الدور المهم والفاعل للمسيحيين في بناء العراق ماضياً وحاضراً؟
-لو أستثنينا بعض الدول العربية مثل: لبنان، سوريا والعراق. استطيع ان اقول ليس هناك مايمكن ان  نسميه بالإعلام السرياني الموجّه للعالم  في الظروف الطبيعية، أقصد الظروف التي لا يستنفذ فيها الإعلام السرياني خلال الأزمات.
عليه يجب أن يكون هناك منابر ثقافية وإعلامية تخاطب المتلقي اينما كان اقليمياً ودولياً  لكي تصل الصورة واضحة وخالية من أي تشويه أو غرض سياسي أو عقائدي، وعليه اقول نعم يتحمّل الإعلام السرياني مسؤولية تاريخية كبيرة في أن ينقط كل الحروف العطشى للنقاط ولكي لا تكون هناك ضبابية في قراءة كل الأحداث.
*الإعلام السرياني لكي يقوم بدوره الفاعل ينبغي أن تتوفر له أرضية مادية تتمثل بعدد من المؤسسات التي ترعى شؤونه إضافية إلى الدعم المادي. هل تجد أن ما هو موجود من مؤسسات إعلامية للشعب الكلداني السرياني الآشوري يلعب دوره بشكل فاعل لدعم الإعلام السرياني؟
-قليلة هي المؤسسات التي تعمل بمهنية وعلمية برعاية ودعم الإعلام السرياني، وما موجود منها لا يتعدى أصابع اليد الواحدة على مستوى الوطن، وهذه المؤسسات أو البعض منها يعمل بموجب سياقات حددت لها مسبقاً نتيجة لسياسة الجهة الممولة وإذا كان هدف هذه الجهة خلق أرضية صحية للعمل الإعلامي المهني لا ضير من ذلك وإن لا تشوه اللغة والتراث السرياني وتعمل بفاعلية لدعم شعبنا، كل شعبنا.
*ألا تعتقد أن هناك نقصاً كبيراً في المطبوعات السريانية التي تكشف عن أسماء مهمة من أبناء شعبكم كانت قد ساهمت في تشكيل الوعي الإنساني بكل حقوقه الفكرية والفنية. منها ما هو غاب عنا، ومنها ما زالت حاضرة وتعمل بصمت.. هل من مشروع لاحتواء جهود تلك الأسماء؟.
-نعم.. يا أخي هناك العشرات من الأسماء السريانية الكبيرة التي  ساهمت ولا تزال في تشكيل الوعي الإنساني بكل حقوقه الفكرية والثقافية، هذه العناوين الكبيرة أنزوت هنا وهناك لأنها لم تجد مؤسسة تعطيها حقها وتحترم أبداعها وتعزز مكانتها وهي العناوين موزعة في دول الشتات لهذه الأسباب أو تلك يتقدمها الوضع المعقد في العراق.. رجال الإعلام السريان خدموا لغات وقوميات وشعوب أُخرى أكثر مما خدموا لغتهم وأمتهم وخير دليل على هذا الكلام ما فعله المفكرون السريان في تعزيز اللغة العربية في العقود الأربعة الأولى من القرن الماضي،  فمن له فضل على اللغة والثقافة العربية  أكثر من (جرجي زيدان، جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمه، الأب انستاس ماري الكرملي، كوركيس وميخائيل عواد، بطرس البستاني، إبراهيم اليازجي) وكثيرون غيرهم.
هذا الاسماء السريانية  عملت بصمت ،وهناك آخرون أيضاً يعملون بصمت أيضاً، أما هل هناك مشروع لإحتواء الجهود ؟ فأنا اقول لك لايوجد على المدى المنظور ،  فطالما هناك تشرذم في الاتجهات ، مع وجود  جهات عديدة محلية وخارجية تحاول أن تقلع هذه الجذور ، ستبقى مسألة هذه المشاريع والاحلام مؤجلة على الأقل في الوقت الحاضر.
*هل في الإعلام السرياني من مطبوعات ومؤسسات تتوفر فيه المواصفات المهنية الكافية لكي يبدو شفافاً أمام الرأي العام؟
-المؤسسات التي تتوفر فيها المواصفات المهنية قليلة ولا تتعدى أصابع اليد الواحدة،ولكن القسم الأكبر من مطبوعاتنا سواء كانت باللغة الأُم (السريانية) أو باللغات الاخرى ، كالعربية فأغلبها يفتقر إلى مواصفات مطبوع يحمل المواصفات المهنية لمطبوع غني بمواده ،وشفافاً أمام الرأي العام.
*من تعتقدون له مصلحة في إخلاء العراق من سكانه الأصليين وإفراغه من العقول التي ساهمت في بئاءه؟
-الكل يساهم في طعن جسد الوطن بسكين الحقد، قسم من هذه السكاكين يحملها أبناء هذا الوطن ولكنها تتحرك بموجب أجندات تأتي من خلف الحدود. ولكن تسأل، وماذا يستفيد أبناء البلد (حاملي سكاكين الحقد)؟.. في أي بقعة من العالم تجد الكثير ممن هم على استعداد لعمل أي شيء في سبيل تحقيق مصالح ضيقة قد تكون السلطة أوالمال لتقديم  هذه المصالح..
والقسم الآخر الذي لا يزال يؤرقه أسم (العراق) لما يمثله من خزين فكري وثقافي وحضاري طموح يقلق ويؤرق الكثير فيحاول أن يمرر أصابع سوداء بمخالب حادة لخنق هذا الطموح ووأده،  والمسيحيون يشكلون نسبة متقدمة من عقدة الخوف هذه، وقبل أن يحتل العراق كانت أغلب الأصوات تنادى بـ (إسقاط الدكتاتورية، بناء وطن ديمقراطي حر، ثروات البلد بأيدي أمينة، إستقرار الوطن الذي عانى الويلات لعقود).. كل  الأصوات التي كانت تنادي بهذه الشعارات لم تفعل شيئاً مهماً من اجل تحقيق تغيرا ملموساً .ياعزيزي  المسيحيون أُناس مسالمون وبسطاء ولم يسبق وإن كان لهم طموح بالسلطة ولم يعرفوا السلاح في تعاملهم مع الاخرين  وهم  أكثر الجهات الخاسرة في وضعنا المعقد هذا .
*إذا أردتم أن تضعوا أسساً قوية وسليمة لبناء مؤسسات إعلامية ناطقة بإسم شعبكم ما الذي ينبغي توفره لتحقيق ذلك؟
- لكي تكون المؤسسة الإعلامية قوية وسليمة البناء يجب أن تتوفر فيها مقومات الحد الأدنى لهكذا مؤسسات ومنها أدارة كفوءة ومتمكنة وأكاديمية ومهنية وأمينة على نشر هذا التراث الثر وأن تكون هذه المؤسسة مدعومة مادياً من جهة غير ربحية. وأن تكون بعيدة عن (المهاترات) التي باتت تغلف الشارع المسيحي وأن يبتعد السياسيون خطوتين عنها وإذا ما مدوا يدهم لدعمها فينبغي ان يتم ذلك بدون أملاءات. إذا ماتوفرت ذلك  في مؤسسة ما عندها تكون جديرة بالثبات أولاً وبإحترام شعبها ثانياً.
*الإعلام العراقي، كيف تنظرون له فيما يتعلّق بقضية شعبكم وما يتعرّض له من تهجير وقتل في الكثير من المدن العراقية التي يتواجد فيه؟
-الإعلام العراقي الرسمي، يتضامن مع كل أزمة تعصف بشعبنا وكذلك هو الحال مع أجهزة الإعلام الخاصة، لأنه من غير المنطقي أن ثقف أجهزة الإعلام على الحياد في جرائم تقترف بحق الشعب العراقي وشعبنا جزء منه.وحادثة سيدة النجاة، جريمة هزّت الجميع ولهذه تواجدت كل الفعاليات العراقية من أجهزة إعلام ومنظمات ومؤسسات وكانت لها حضور تضامني رائع مع الحدث.. ولكن المسألة متعلقة بمؤسسات الدولة الأمنية ، إذ يجب أن تعرض وجودها بقوة على الساحة ، وليس من خلال كتل الكونكريت العملاقة التي تضع العراقيين في "قوطية" ولكن من خلال العمل المهني الصادق والإنتماء لهذا الوطن وأن يكون الوطن والشعب رقماً واحداً ورئيسياً في إهتمامها وتلغي كل الأرقام الأُخرى.  

*يذكر ان الشاعر والاعلامي نمرود قاشا من مواليد1956 قضاء قرقوش / بغديدا التابع لمحافظة نينوى ,ويرأس تحرير مجلة النواطير التي تهتم بالثقافة والفنون السريانية وسبق ان صدرت مجموعتان شعريتان الاولى  بعنوان تراتيل خاصة ،والثانية بعنوان هموم غير مرئية .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
  
حوار مع القاص والروائي هيثم بردى .
كاتب أي نص، يتماهى فيه السارد والناقد ،ويتعّسس عليهما الرقيب.
يقف القاص العراقي هيثم بردى في أزمنة تنفتح على تتداخل وتشابك الواقع والحلم والافتراض داخل مشغله السردي ، منطوياً بمخلوقاته ومشغولاته على هاجس حميم يتوق فيه الى أن يمسك لحظةً من البياض تنهمر في فضائها براءة التجريب والدهشة،ولأجل ان نشهد على سيرة مفتونة بالاجتراح والتشابك والتجاوز والنسج الفني في ظلال السرد القصصي والروائي ، اجرينا معه هذا الحوار . 
 -إذا أردنا أن نستكشف مفهوم القصة القصيرة الذي ينسج من خلاله هيثم بردى عالمه القصصي، فما الذي يمكن أن يقوله بهذا الصدد؟
 إن عالمي القصصي, حسب تعبيرك, مستلٌ قطعاً من الفضاء الواقعي, فالحياة زاخرة بثيم لقصص وروايات, فليس ثمة عالم متخيل أو افتراضي, ولكن الواقعي قد يتحول إلى مفترض من خلال قدرة القاص والروائي على الموائمة والاصهار بين العالمين, وبناءً عليه من الممكن أن يتحول النص السردي إلى مجرد صور شاحبة متعاقبة لمصور هاوٍ بذائقة مضببة يلتقط الحيوات بروح ناقلة ناسخة وبزوايا التقاط محنطة, أو يتحول إلى تهويمات متداخلة متداعية لا تفصح عن كنه وناسوت النص, فيتحول إلى فسيفساء سفسطائية لا معنى ولا قيمة له، وأيضاً قد يتحول النص, إذا أمسك القاص بأداته بحرفنة إلى كيان ينبض بالحياة يستدعي كل تقانات النص الحديث, إنني عندما أنسج نسيجي القصصي, لا أحاول أن أوازن العصا من منتصفها تعزيزاً للمقولة الشائعة: خير الأمور....؟ بل أُدخل الثيمة والوحدات الأرسطية في فرني السردي الخاص بعد أن أعززهُ بعناصر تؤازره وتعاضدهُ لتكوين بنيان قصصي يتشرب التجديد بنسب محددة تدفع بالنسيج إلى البهاء والسحر..
-أنت أيضاً كتبت القصة القصيرة جداً وقطعت شوطاً في هذا المضمار نصوصاً وبحثاً. فما الذي دعاك إلى أن تتبنى هذا النمط من الكتابة؟ وهل يمكن للقصة القصيرة جداً أن تستجيب لما يود قوله هيثم بردى أكثر من حقول سردية أخرى؟
كانت ومضة وامضة قدحت في الذاكرة فأضاءت المدى فوراً, وأكثر ما أدهشني فيها قصرها واكتنازها ولغتها المضغوطة الموحية ونهايتها الواخزة التثويرية, فأحسست أنني اجترعت فعلاًً عجائبياً أشبه بميتافيريقيا الميتافيزيقيا, ولم أتوقع أن قصتي الأولى (صدى) هي أولى لبناتي التي شيدت مع مثيلاتها اللائي خرجن من عتبة أخيلتي لاحقاً, دارتي الخاصة المتواضعة في مدينة القصة القصيرة جداً.
بالتأكيد, إن القصة القصيرة جداً أصعب وأعسر الأجناس السردية وهي ضمن مواصفاتها القابلة للتطور والنماء والتجدد تستجيب قطعاً لما أُريد قوله, فهي مذراتي التي تقتنص الزبدة (الحبة) وتبدد الزبد (القشة), وبأقصر معالجة فنية وأنسب المفردات التي تمخضت من ذائقتي, والتي لو أخضعناها للبؤرة المشعة اللاّمة فإننا نجدها فضاءً وسيعاً يستدعي تبئيرها بأقصى ما تكتنزه من خصائص وسمات لا يتوشح بها أي جنس آخر.
-من أين جاء التجنيس للقصة القصيرة جداً لدى هيثم بردى؟ هل بفعل التجربة الكتابية الذاتية، أم من خلال الحس النقدي الذي تمتلكه؟ أم وفقاً لقياسات واشتراطات عالمية؟
كاتب أي نص, يتماهى فيه السارد والناقد ويتعّسس عليهما الرقيب, فهو حين يكتب نصه يكون الرقيب فيه جالساً على يمينه يراقب إبداعه ويتسّقط التابوات التي يخط عليها بمداده الأحمر ليبتر ويطفئ جذوة الإبداع في نصه, وحسه النقدي على يساره يلعب مع الرقيب لعبة التخفي, وبين صرامة هذا وبداهة ذاك ينبني نص يسعى نحو التكوين.
-الملاحظ أن الكتابات القصصية القصيرة تنحو باتجاه التجريب والشكلانية إلى حد كبير في مجال اللغة خصوصاً إلى الحد الذي تختفي الأفكار وتضيع في مشغل اللغة العالي الذي يبدو واضحاً في بناء شكلانية القصة القصيرة. ألا يدعو ذلك إلى انحسار القراء عن هذا الفن؟
ما كان بدهية قبل ستة عقود أو سبعة, صار الآن بفعل فعالية وتوالي الزمن الفائت وبتعاضده مع الزمن القابل في ذاكرة الزمن, فان اليوم الذي تصرّم قبل العقود السبع كان يختزن حيوات ورواسخ ونظريات خضعت للتطور أو حتى للتغيير, وفقاً لتقادم السنين, فلا عجب إذن أن تظهر خلال هذه الفترة اصطلاحات وتنظيرات ورؤى تحاول أن تشطب أل: ما قبل وتبشّر بـ أل: ما بعد... فالمدارس النقدية التي كانت تتبنى الشكل والمضمون وتعتبرها مدرسة راسخة، تقوضت تحت سطوة معاول المدارس النقدية الجديدة, وهذه المدارس لم تأت من فراغ بل هي خلاصة مخاضات وتبرعمات لتلك الرؤى النقدية, وبهذا فإن هيمنة التجريب والشكلانية – حسب قولك -, والكائن المنتفض المتولد من ذاته بكل عنفوان, ... وأقصد به اللغة, هو الوليد الشرعي والمنطقي لتينك المدارس النقدية, وأن البنيان السردي المشّيد من لغة مشفرة موحية جزلة متشابكة, وبتشكيلٍ عالٍ من البناء السردي واللغوي يشيده بّناء محترف. يكون الناتج تحفة فنية راقية.
أما ما يتوفر من تلك اللبنات إلى سارد (بنّاء) لا يخلط أولياتها حسب القياس, فان ما تخرجه أصابع ذاكرته تسيء إلى اللغة باعتبارها الأداة الرئيسية المهمة والخطيرة التي يبنى عليها النص, فتكون دارته السردية مجرد بهرجة وسفسطة وغموض, تماماً مثل طلاء فاقع متداخل بنسب لونية متنافرة لدار سكنية يملكها إنسان لا يفهم التناغم الهرموني للألوان.
 وفي المحك, ...إن النص السردي المبني على لغة وحبكة متينة وبتشفيرٍ عالٍ, وإيحاءٍ زاخر, لن... ولن ينأى عنه المتلقي الذواق المثقف.
 -ما هي مصادر قراءاتك، ولمن تقرأ عراقياً وعربياً وعالمياً؟
لأكثر من مرة أسأل هذا السؤال واحتار في الإجابة, فالمفاضلة والنسبية والإطلاق لا مكان لها في أجندة ذاكرتي, فإنني أقرأ كثيراً أية ورقة مطبوعة أو مجلة قديمة أجدها عند الحلاق, أو في صالة انتظار عيادة طبيب, أو صحيفة مدعوكة على أرضية مرآب, أقرأها حتى لو كانت عن الأبراج. فضلاً عن قراءاتي المنوعة المتعددة, فالقاص والشاعر والناقد والروائي ...الخ, الذي يقرأ فقط كتب القصة والشعر والنقد والرواية, تاركاً القراءات الأخرى الموزعة على مشارب المعرفة, يكون نتاجه شاحباً قاصراً قميئاً.
إني اقرأ الأدب والفلسفة والفن وعلم النفس والاجتماع وأي كتابٍ يضيف إلي رصيداً وزاداً معرفياً جديداً, وفي باب الأدب, القصة والرواية تحديداً أُحاولُ أن أحيط بكل ما يصدر فيها عراقياً وعربياً وعالمياً (من خلال الترجمات), والنتاج الجيد المميز يفرض حضوره في الذاكرة, إن كانَ لقاصٍ أو روائي يمتلك تجربة بعيدة في الكتابة أو لقاصٍ أو روائي شاب واعد.
-كيف تفهم الحرية كشرط إنساني للحياة، وكيف تتعامل مع الحرية إبداعياً؟
الأديب بصورة عامة, مهما تمتع بالحرية يربض في ذاكرته شرطي... ربما لا تكون وظيفته اشتراط الممنوعات وتصفيد الذاكرة, قدر ما تكون البصبصة الدؤوبة التي تشعر الأديب بأنه مراقب دوماً, وتأسيساً على هذه الصورة المفترضة قد يغيب التعامل الشفاف مع الحرية كمفهوم في رقعة الفعل السردي بحيث أن الإفراط في تعاطيها قد يسيء كثيراً إلى النص تماما مثل الذي يغمض ذائقته عن الكثير من أساسيات التعامل الحر مع الثيمة والموضوع, والذي يسيء بالتالي إلى النص.
-هل يمكن للقاص هيثم بردى أن يضعنا أمام نماذج من التحولات الفنية في القصة القصيرة: عراقيا عربياً سريانياً؟
منذ البواكير وحتى آخر قصة نشرت اليوم أو ستنشر غداً, خضعت القصة العراقية إلى تحولات جوهرية دفعت بالإبداع إلى التجديد, فإذا تقصينا وبحثنا مراحل التحول نجد قدحتها الوامضة الألقة في الخمسينات من القرن الماضي حين تفيأ القص العراقي الواقعية الانتقادية واحتداماتها وإرهاصاتها وشواهدها.
ومن ثم حدثت الثورة المضادة, إن جاز التعبير, فظهر جيل حمل على منكبيه راية المغامرة والمغايرة والمغادرة, وترك بصمته وأثره, وربما لحد كتابة إجابات هذا الحوار, في الأجيال اللاحقة... ثم عادت الواقعية بسمتها الاشتراكية في السبعينات وأفرزت جيلاً محدوداً, تحول فيما بعد, في العقد الثمانيني إلى الواقعية السحرية التي سحرت القاص العراقي والعربي لمدة عقدين من السنين, والآن... وبعد الألفية الجديدة, يحاول القاص الجديد والواعد والمكرّس والمخضرم أن يكتب قصته التي تشير إلى عراقيتها... وما ينطبق على القاص العراقي ينطبق أيضاً على القاص العربي بنسب تتوائم مع معطيات الواقع وإفرازات هذا الواقع, رغم التماثل الجيوغرافي والطوبوغرافي مع العراقي.
أما القصة السريانية, فاني وبعد تقصٍ معمق وشبه مكتمل لما ينشره القاص العراقي السرياني, فان الأمل لا يزال قصياً يربض في إدراج الأفق البعيد.
-كيف كنت تنظر إلى الواقع فنياًَ وأنت تستعين به تجربتك السردية؟
ثمة تواشجات عديدة ومتنوعة تحصلت بين الواقع والفن بكافة أطيافه ومنها الأدب القصصي والروائي, وتشكلت مدارس رسخت اصطلاحاتها المندرجة تحت لواء المدرسة, فهناك الواقعية النقدية والواقعية الاشتراكية والواقعية السحرية, وقد تظهر الواقعية المستقبلية والوحشية والرمزية... الخ, والواقع يشكل الثيمة الرئيسية لبنيان كافة المدارس, وما يختلف فيها هي زاوية التناول.
-ما الذي يشغلك في الكتابة، اللغة أم المعالجة أم الشكل؟ فيما إذا لو أردنا أن نتعرف على منظورك ألتقييمي إلى هذه القيم والعناصر الفنية من حيث أولويتها أو من حيث مفهومك عنها المنعكس في كتاباتك؟
الذي يولي اهتمامه للغة فقط, ويهّمش المعالجة أو ينأى عن الشكل, تكون نظرته للأدب كحالة توليد إبداعي قاصر يستمد هويته وكنهته من جزء من تلك الينابيع, أما الذي يقوم بتبئير تلك الأسانيد والعناصر وأعني بها أدوات الإبداع, ينبثق نص يحمل سمات النضوج لا ينظر إلى كميات وأوزان المواد الأولية التي دخلت في تكوينه, بل ينظر إليه كنسيج مترابط متمازج متماهٍ.
-هل تبحث عن هوية وأنت تكتب؟ وهل من شكل وإطار لتلك الهوية التي تبحث عنها؟ والهوية هنا فيما يتعلق بالجانب الإنساني والجانب الفني والمعرفي كذلك؟
عندما نقرأ نصاً أدبياً, شعرياً كان أم سردياً, غفلاً عن اسم مبدعه, وتعرف كاتبه أو ناظمه من خلال (النص) فتلك ميزة تسجل لصالح النص وواضع النص, فبذا يكون لواضع النص هوية, والهوية في تقديري تترسخ مع تعمق التجربة, والمبدع – يقيناً – يحاول أن ينشئ إطاراً لصورته وكينونته الإبداعية, وبناءً عليه, فإننا لو قرأنا رواية (صورة دوريان جراي) في أية صورة مقاربة تبغي التعمية دون أن نضع على غلافها اسم الروائي, لن يغادرنا اليقين قط أن واضعها هو أوسكار وايلد, ولو قرأنا (ليس لدى الكولونيل من يكاتبه) سيترادف فوراً اسم ماركيز, وكذلك لو قرأنا (ملحمة الحرافيش) فان نجيب محفوظ سيتأصل في ذاكرتنا, وعندما أسس هؤلاء والمئات من المبدعين الآخرين لهوياتهم الخاصة, ما فعلوا ذلك بتبني جانب وترك الجوانب الأخرى, فلو فعلوا هذا لما كان وايلد وايلداً, وماركيز ماركيزاً، ومحفوظ محفوظاً, ولما تحولوا إلى رموز وطواطم في الأدب السردي العالمي.
واني – وبتواضع غير مصطنع – أحاول أن أُشَّكل هويتي الخاصة التي تشير إليّ, وعندما أفلح أكون قد حققت المرتجى: الهوية, وعندما أفشل يكون لي شرف المحاولة.
-بعد التجارب العديدة التي اشتغلت عليها وأنتجتها في ميدان السرد القصصي، ما الذي يشغلك سردياً؟
-تشغلني جميعها, فاني حالياً مواظب على كتابة سيرة قصصية للأطفال, ولي في المطابع مجموعة قصص قصيرة, ولازلت أكمل روايتي الجديدة, ولكن القصة القصيرة جداً تبقى ساحرتي الأزلية, فهي تملكتني قبل ثلاثة عقود ونيف, وستبقى آسرتي الجميلة, وإنا أتمتع بفراديسها الرائعة حتى تشرق فيّ آخر شهقة.
نشرت في جريدة الزمان الثلاثاء 5 نيسان ابريل 2011العدد   3864
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

                          
 حوار مع المخرج المسرحي رفيق نوري . 
ـــــــــــــــــــــــ
المخرج المسرحي رفيق نوري أكد في حواره مع مراسل وكالة كوردستان للانباء  ( اكانيوز ) "لو كنت مسؤولاً ،لطردت من  الوسط المسرحي كل المتطفلين والدخلاء، وجعلت  الناس يقدسون المسرح " وأضاف ايضاً " الانسان  الكوردي كما  اعتقد عانى الويلات والاضطهاد من قبل اغلب الحكومات العراقية السابقة التي ارادت له ان يكون دائماً تابعاً لها " كما اشار في حواره هذا  الى " ان المشاهد الكوردي الان يحتاج الى التفاؤل" وتتطرق الفنان نوري ايضا الى المشاكل التي تواجه الانتاج المسرحي في اقليم كوردستان .

*الى ماذا تسعى من خلال  المسرح ؟
الى  التغيير، الى الاحتجاج، الى الثورة في داخل النفسية البشرية ، بهدف تقديس قيمة الانسان اينما كان .
*هل تجد ان الامر  مجديا في عملية البحث عن شكل و هوية قومية للمسرح ؟
 - نعم ولا .. نعم حتى يعرف فنان في استراليا أو اميركا  أن   نتاجي المسرحي يعود الى  العراق .. بمعنى اخر حتى يكون التلاقح الفكري بيننا على ا ساس قائم على  الاصالة  و ليس التقليد  .
*عدم وجود ارث مسرحي عميق الجذور  في الثقافة الوطنية والقومية  هل يشكل مبعثاً للقلق بعدم امكانية تجذره في الواقع الاجتماعي ؟
- طبعا .. لكن قلقي في هذا المحور قد يختلف عن قلق فنان مسرحي اخر، و هذا شيء طبيعي ، و اذا كان الامر كذلك علينا نحن المسرحيين ان نعمق هذه الجذور اذا   كانت غير عميقة وهذا هو الخيط الاول  للابداع المسرحي ..
*المسرح  في كوردستان انت جزء منه . كيف تجده . هل يمتلك المقومات الفنية اللازمة التي تمكنه من تقديم عروضه في المهرجانات الدولية ؟
- هناك محاولات شابة جادة تبشر بالخير .. نعم هناك مقومات فنية موجودة في كوردستان لكنها للاسف مبعثرة  تفتقر الى التوظيف الصحيح والتخطيط الدقيق والتشخيص السليم لاعادة تنظيمها .. المسرح الكوردي له طاقات مبدعة  ينطبق عليها المثل التالي :  ما قيمة الذهب إذا بقي طول العمر تحت التراب ..

*لكي نؤسس لمسرح مهم وحيوي له ارتباط بالحياة وبمتغيرات الاساليب الفنية التي تحدث دائماً في العالم . ماهي الارضية التي ينبغي توفرها لذلك وماهي المعوقات التي تحول دون ذلك ؟
-لاهتما م ببناء قاعات المسرح وفق مستلزمات القاعات الخاصة بالمسارح ،انشاء فرقة محترفة تتفرغ للعمل المسرحي ( فرقة قومية او وطنية ) على شرط  ان يتولى ادارتها شخص مبدع و خبير بالعمل المسرحي،  له دراية بالتجارب العالمية والمسرح التجريبي المعاصر ،  الغاء معاهد الفنون الجميلة  العديدة في اقليم كوردستان و انشاء معهد خاص بالتمثيل و معهد خاص بالفنون التشكيلية  و معهد خاص بالموسيقى، ويمكن انشاء معاهد لتربية الفنية حتى تكون بديلاً عن معهد الفنون الجميلة  لكي  نتخلص من الوساطة في القبول التي تعرقل تنمية قدرات  المبدعين ،  بل احيانا تحرمهم من فرصهم الطبيعية في دراساتهم الفنية و تعطى لاناس ليس لهم علاقة لهم  بالفن بل لهم علاقة بالمسؤولين،  و هذا مايعرقل العملية الابداعية .
*هنالك رأي  يقول بأن الشرق الاوسط لاينتعش فيه الفن الدرامي المسرحي . لاننا اصلاً مجتمعات قبلية ، وطبيعة هذه المجتمعات لاتؤمن بالجدل،  بقدر ماتستجيب للطاعة والخضوع والتقديس ، وهذا مايتنافى مع الجدل . ومانعيشه اليوم في الشرق من ارتداد عن العقل يؤكد صحة هذا القول ، مالذي تعلق عليه حول هذا الرأي؟
-صحيح الى حد ما ، لو ناخذ الأمر بمنظار تربوي ، سنلاحظ ان بناء الشخصية  في الشرق الاوسط منذ الطفولة فيه خلل ( لاننا لانعلم الطفل كيف يعيش، وانما نعلمه كيف يخضع )  و هذا مايشكل ظاهرة ( العقل المُسَيّر) الذي يعرقل الابداع ، هذا الامرليس مقتصراً فقط في مجال الدراما بل في كل المجالات .. لذلك نلاحظ اغلب الاعمال الدرامية  إما تقليدية أو عاجزة عن المنافسة مع الدراما الغربية ، لكون العقل الغربي يتسم بالاستقلالية والجراة التى تؤدي به  الى الى التجديد بعيداً  عن التقليد خصوصا اذ كانت ناتجة من شخصية الفنان .
*من وجهة نظرك كرجل يعمل في ميدان الدراما ،ماهي طبيعةالموضوعات او المتناقضات التي تحكم حياة الفرد في كوردستان وتضعه في حالة من الصراع النفسي والفكري،والتي ينبغي على الدراما ان تقترب منها وتسلط الضوء عليها ؟
-الانسان  الكوردي كما  اعتقد عانى الويلات و الاضطهاد من قبل اغلب الحكومات العراقية السابقة التي ارادت له ان يكون دائماً تابعاً  للسلطة،  و زرعت في نفسيته الخوف من المجهول،  يشترك في هذه الصفة المشاهد العراقي بشكل عام،  لكونهما عاشا في نفس البيئة الاجتماعية السياسية الفاسشية لعقود من الزمن . اذن المشاهد الكوردي حاله حال اي مشاهد عراقي يحكمه الالم و الحزن سواء في اغانيه أو في عمله أو في بيته ،فليس من السهل تجريد لاشعوره من كل ذلك الماضي المؤلم . اعتقد أن المشاهد الكوردي الان يحتاج الى اعمال تعالج تلك العقد، تعيد طريقة تفكيره ،بهدف جعله يشترك بحلول تلك المواضيع، منها: نظرته الى المراة، الى  التفكير العلمي ، الخ ، ينبغي أن نبعده عن الافكار الباليه التي تقلل من قيمة الانسان . المشاهد الكوردي الان يحتاج الى التفاؤل، الى كوميديا هادفة ،الى التخلص من التبعية، واكبر مشكلة يعانيها هي  موضوعة ( الثأر ) .
*نأتي الان الى تناول الجانب الفني لنعرف منك ماهي العلاقة المتوازنة مابين النص والعرض المسرحي ؟
-كلما كان النص مرئيا يستمتع به المشاهد ( وليس المستمع ) لانه كتب للمسرح و ليس للاذاعة .. رغم ان الدراما كمايقول ارسطو هي محاكات لفعل .لكن الكلمة مطلوبة ، النص الادبي  مطلوب ،  و لكن ينبغي أن يكون نصاً يكتب ليُشاهد و ليس لُيقرا او لُيسمع فقط  فالتوازن يتحقق بين النص و العرض المسرحي عندما يولد من قبل مؤلف العرض المسرحي الذي هو المخرج،  لانه الوحيد الذي يعرف كيف يبني  علاقة متوازنة بين جميع عناص العرض المسرحي من خلال  سينوكرافيا مثيرة ومؤثرة كل عنصر فيها موظف توظيفاً جديداً ناتجاً عن رؤية جديدة تُعطي للمتلقي صياغة جديدة و ممتعة  لظواهر الحياة ، انذاك يصبح التوازن بين العرض و النص
مثيراً ، و يبقى في الذاكرة،  و قد يغير من ذائقة المشاهد نحوالارتقاء .
*انت ُتدرّس المسرح  في معهد الفنون الجميلة في اربيل . كيف تجد المناهج الدراسية في هذا المعهد هل هي قادرة على بناء جيل اكاديمي يفكر ويشتغل بشكل صحيح  ؟
 -المشكلة ليست بالمنهج بل بمن ُيدرّس المنهج ، نحن نحتاج الى كادر تدريسي في مجال الفنون يكون متخصصاً،  وليس شخصاً يتباهى فقط بحمل شهادة اكاديمية،نحتاج  الى دورات تدريبية تطويرية  في كيفية تدريس دروس الفن اضافة الى ذلك ،فإن عدم وجود منهج مطبوع و محدد ،يؤدي بالتالي الى عدم وجود  التعريفات اجرائية و اكاديمية موحّدة لمصطلحات الفن في مختلف المعاهد ،التي تعطي الميزة الاكاديمية والتي تبعد طلاب الفن عن التعريفات السطحية وتقربه من العمق و الدقة في فهم ماهية الفن بمنظور اكاديمي .
*انت تتولى مسؤولية ادارة منتدى عنكاوا للفنون هل من صعوبات اومعوقات تواجهونها في سبيل دعم مشاريعكم الفنية ؟
- منتدى عنكاو للفنون يعد من مؤسسات المجتمع المدني ،وهو منظمة  مستقلة و ليس لها علاقة باية جهة سياسية او حكومية ويتكون من ثلاثة اقسام ( الدراما ،الموسيقى  الفنون التشكيلية ) يمكن اي متذوق للفنون ان يلاحظ انجازات المنتدى من خلال( الانترنيت) حتى يعرف كيف انجز المنتدى  العديد من النتاجات المسرحية والسينمائية و الثقافية رغم عمره القصير ، إن اكبرمشكلة واجهتنا  مؤخرا هي العامل المادي، أي  التمويل . لانّ  ميزانية المنتدى المالية متواضعة ، لكن بعد ثلاثة سنوات من العمل و النشاط دون مشاكل،  تحولت فجأةً ميزانية المنتدى  بامر من  وزارة الثقافة الى دائرة حكومية! ( المديرية العامة للثقافة و الفنون السريانية ) لاعلاقة لنا بها ، لذا ، قمنا بالاعتراض على ذلك وأصدرنا بياناً مشتركاً، نحن و فرقة شمشا للتمثيل ، ونشرناه في المواقع الكترونية . طالبنا فيه بأعادة  ميزانيتنا المالية  الى مديرية السنترات الفنية في اربيل،  لكن دون جدوى . وعلى ذلك قررنا نحن في الهيئة الادارية للمنتدى بعد ان اخذنا موافقة الهئية العامة قررنا ان نعمل من دون ميزانية بالاعتماد على انفسنا فقط، وذلك  لعدم قناعتنا التامة باستلامها من دائرة حكومية ( المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية) . ومن الطبيعي تسبب هذا الامر في عرقلة عملنا ، وقد يؤدي ذلك الى غلق  باب المنتدى .
*كيف تنظر الى مستوى التخطيط والتنظيم الذي تتولاه المؤسسات الحكومية المعنية بالشأن المسرحي . هل لديها رؤية مستقبلية لاحداث تغيير حقيقي في طبيعة النشاط المسرحي ؟
- المشكلة ليس بتلك المؤسسات بل بمن يديرها . بعض من تلك المؤسسات تقوم بدور ايجابي ، ولها محاولات تبشر بالخير،  و بعضها لايهمها النشاط المسرحي ، بل تركزعلى توظيف اموال الدولة بصورة خاطئة، وغير منتجة ، بل توظفها  لمصالحها الشخصية ،  و لدينا الدلائل اذا اراد احد ما ان يتحقق من ذلك .والسؤال هو :  كيف تريد ان ينهض النشاط المسرحي للامام  اذا كان الامور بيد شخص لاعلاقة بالمسرح ؟
*لو اتيحت لك الفرصة وتسلمت مسؤولية ادارة النشاط المسرحي في كوردستان ، مالذي ستفعله ؟
-ساطالب ببناء قاعة مسرحية وبمواصفات متطورة، اؤسس فرقة مسرحية وطنية ، اسعى لتطوير الجانب الحرفي من خلال بناء مختبرات للمسرح، وورشات للعمل المسرحي ،افتح دورات متخصصة  عن الجوانب والاساليب المتطورة في  المسرح العالمي .  باختصار ساخلق طقساً مسرحياً يعتاد فيه  الجمهور بالذهاب الى المسرح كما يذهب الى الكنيسة والجامع ، سأطرد من  الوسط المسرحي كل المتطفلين والدخلاء، سنجعل الناس يقدسون المسرح، سنقدم اعمالا تنافس الاعمال العربية والعالمية . انا ثقتي بذلك كبيرة اذا توفرت هذه الفرصة .. فهل من مُصغي !! .

الفنان رفيق نوري من مواليد ناحية عنكاوا في اربيل . وتخرج من معهد الفنون الجميلة ببغداد  في منتصف سبعينيات القرن الماضي . وهو الان يعمل مدرساً لمادة الاخراج المسرحي في معهد الفنون الجميلة في اربيل . 
نشر في موقع اكا نيوز 2010
                                                                    


            





                                      

المشهد الثقافي 599

المشهد الثقافي ح 599 اعداد وتقديم : مروان ياسين  تقارير حسن البغدادي العناوين : محاضرة عن علاقة الفلسفة بالفن والشعر والادب للدكتور معت...