مسرح




الفنانة العراقية د. عواطف نعيم لمجلة إنانا : -


حُلمي أنْ يكونَ لي مُحتَرَفْي الخَاص، حتى أُحَقِقُ فيه ِمَشروعيَ المَسرَحي .  


                                                 حاورها / مروان ياسين الدليمي

لكي تثمر جهود العاملين في ميدان المسرح، في خلق فضاء جيد يتأسس على أنقاض الموروث الفني ، لابد أن يكون في طليعة أدوات التغيير والتجديد ،إرادة شجاعة تمتلك القدرة والتصميم ، مع إصرار كبير، على الاستمرارفي العمل والتفكير الدائم لتطوير آليات الاشتغال الجمالي . وبطبيعة الحال لن تتوفر هذه المواصفات إلاّ في نمط ٍخاصٍ ومحدود ٍمن المبدعين عادة مايُكرِّسون أنفسهم وجُهدَهم لأجل أن يحققوا إضافة مهمة  الى ماجاء به من كان قد سبقهم في سِفر البحث والتجريب عن أزمنة جديدة للدهشة والحضور الانساني الفاعل . والفنانة العراقية عواطف نعيم تقف في مقدمة قافلة أولئك الباحثين عن منصّات جديدة لكي يرتقي فيها الخطاب الجمالي الى المستوى الذي ينصف الانسان  في سعيه الى  قيم الحرية والسعادة والجمال . مجلة إنانا إلتقت بها وحاورتها حول رحلة الفنانة العراقية وهي تخوض غمار الخلق والابتكار في عالم ٍكاد الرجال أن يحتكروه . ُ
* لو اردنا ان نتوقف لنعيد تقييم الدور الذي لعبته العناصر النسوية العراقية في تاسيس الظاهرة المسرحية العراقية ، كيف تجدين أهميته والمساحة التي يبدو فيها واضحا ً ؟ 
- كل ما في الحياة ينطلق من طبيعة المجتمعات البشرية والتي هي بالتأكيد مختلفة في تقاليدها وأعرافها وعاداتها والمرأة العراقية جزء من هذا النسيج الاجتماعي العراقي تزدهر حين يزدهر وتنهض حينما ينهض ، فما بالك والعراق مبتلى بالحروب والخسارات والمحن من حرب إلى حرب ومن فاجعة إلى فاجعة ، ومن نهوض إلى نكوص ، قل لي كيف للمرأة أن تعمل في جو من التخلف والظلامية والتراجع ، هناك نساء رائعات عملن في التأسيس للظاهرة المسرحية في العراق مع رجال مسرح متنورين لكنهن كن أولى ضحاياه وهي تضحية ليست بالهينة ، وهن من كان لهن الفضل في تعبيد الطريق وتحمل تبعات المواجهة والنبز واللمز ، لكي يأتي من بعدهن من يتواصل ويجبر المجتمع أن يحترم الفنانة ويُكن لها التقدير وأن يصبح الطريق مفتوحاً أمام أخريات ويجرأهن لكي يلجن هذا العالم الساحر المدهش والمتعب في ذات الوقت .. السيدة زينب ، السيدة زكية خليفة ، السيدة سليمة خضير ، السيدة ناهدة الرماح ، السيدة فاطمة الربيعي ، السيدة آزادوهي صموئيل ، السيدة ماجدة السعدي ، السيدة سعدية الزيدي ، السيدة هناء عبد القادر ، السيدة مي شوقي ، السيدة فوزية عارف ، السيدة فوزية الشندي ، السيدة سهام السبتي ، السيدة غزوه الخالدي ، هؤلاء سيدات مسرح لابد وأن ترفع لهن القبعات. لقد أسسن مع رجال مسرح متنورين حركة المسرح العراقي. هم أسسوا ونحن نتواصل معهم ، وليس الكم هو المهم بل تلك النوعية الفريدة من السيدات الصابرات الحالمات اللواتي لولاهن ما كان للمسرح العراقي إرثه وتأريخه وعلاماته الفارقة وهذا ليس إدعاءاً أو مبالغة ، بل حقيقة موثقة ، ومؤشرة في تأريخ المسرح العراقي وصولاً ليومنا هذا.
* على صعيد الاخراج والتاليف المسرحي لم نجد حتى الان حضورا مؤثرا ووواضحا للعنصر النسوي باستثناء التمثيل .. الى ماذا يعود ذلك ؟
-هناك أسماء عملت في مجال الإخراج والتمثيل معاً ، علماً أن ميدان الإخراج والكتابة والتمثيل ليست بالميادين البسيطة أو السهلة المنال ، فكل ميدان من هذه الميادين يحتاج إلى قدرة وغنى معرفي وجرأة في المغامرة والبحث ، ولقد كانت التجارب الإخراجية محدودة لدى بعض الفنانات لربما بفعل التخوف من الفشل أو العزوف عن المنافسة في مجال عُدَّ حكراً على الرجال ، ولكن هناك أسماء برزت وقدمت أعمالا مازالت ماثلة في خارطة المشهد المسرحي العراقي الفنانة منتهى محمد رحيم وتجاربها في مسرح الطفل ، الفنانة أحلام عرب وتجاربها في مسرح الطفل ومسرح الكبار ، الفنانة د. إقبال نعيم وتجاربها في مسرح الطفل والفنانة نغم فؤاد وتجاربها في مسرح الطفل ومسرح الكبار ، إذن هناك أسماء وهناك حركة على مستوى الإخراج أما على مستوى الكتابة للمسرح فنجد أيضاً أسماءا مثل السيدة لطيفة الدليمي والسيدة ودادالجوراني وكلتيهما كتبتا للمسرح وإن كان تواصلهما محدود بنص واحد لا أكثر لكل واحدة منهما أخذ طريقه إلى خشبة المسرح العراقي ، المهم والخلاصة أن هناك من حاول ولكن ليس بالطموح الذي نتمناه للمرأة في المسرح العراقي وهذا ليس عيباً فأنك لو لاحظت وتابعت وجود النسوة المخرجات والكاتبات في أرجاء الوطن العربي لرأيت أنهن لا يتعدين أصابع اليد الواحدة سواء في تونس أو المغرب أو الجزائر أو سوريا أو مصر أو لبنان أو الأردن وهي البلدان التي تنشط فيها حركة المسرح. فكيف بالعراق وإرثه الثقيل من الحروب والكوارث والتخلف والنظرة المتدنية لكل ما يمت الى الفن بصلة ولاسيما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق؟!
*انت الان تمارسين الكتابة للمسرح وتم تقديم عدد من نصوصك المسرحية  على الخشبة ، السؤال هنا: هل من قضية محددة تأخذ الحيز الاكبر والاهم وانت تتصدين لكتابة النص المسرحي كأن تكون قضية جمالية او اسلوبية او فكرية ؟
-كثيرة هي القضايا التي تشغلني حين أتصدى لتقديم عرض مسرحي ، فأنا أؤمن أن المسرح مدرسة مسائية للتعلم والتنوير والتحريض ولبث روح المتعة البريئة وهي وسيلة لتأشير مرحلة والإعلان عن توجه فكري جمالي وفني ، لذا يتركز اهتمامي بما يهم الناس ما يشكل أحلامهم ما يعينهم على تخطي واقع الخوف واليأس لديهم ، .المرأة بكل ما في روحها من  ألم وشجن وحلم واسع بالحرية وأن تكون  ..أحب الطفولة ، كيف تفكر لأي شيء تسعى ، كيف نحفظ لها براءتها وعذوبة أحلامها .. أنا أنطلق في الكتابة من ضمير الناس لأني أمثلهم وأتمثل حكاياتهم وأحولها إلى عروض مسرحية تمتلك بعداً إنسانياً وقدرة على مخاطبة الآخر البعيد والقريب من العراق ومن محنه ومآسيه ، أنطلق من عراقيتي أولاً ومما أكتويت به من خوف وإحباط وخيبة أمل وغياب رجاء .. كي يعلم العالم الذي أحلق فوق مسارحه بعرضي المسرحي إن رسالتي بقدر ما تملك من عمق مأساة فأنها تنفخ بروح الأمل وتحمل في طياتها ألق السلام والجمال الحاضر في عروضي المسرحية إذ أتعامل مع الحداثة والجديد والمبتكر في معالجتي الإخراجية لنصوصي المسرحية التي تُعد مشاكسة للواقع وساخرة منه في أحيان كثيرة. هناك أسلوب يمنحني بصمتي في العمل سواء نحو الكتابة أو عند الإخراج وهذا ما يلحظه من يتتبع نتاجاتي المسرحية.
*هناك رأي يقول بأن المسرح في العراق ماهو الا مسرح نخبة لاصلة له بالجمهور وهو الذي يقدم في المهرجانات وينال الجوائز والنوع الاخر ماهو الاّ مسرح سطحي هدفه الاضحاك فقط وهو يخلو من القيم الجمالية والفكرية . وبين هذا وذاك لاوجود لمسرح قريب ومؤثر في الناس ويعبر عن تطلعاتهم واحلامهم . بماذا تعلقين على هذا الرأي ؟
-المسرح في حقيقة أمره نخبوي منذ بدأ خاطب الآلهة وتعامل مع المقدس منذ عهد الأغريق والرومان والمنظرين والمفكرين في المسرح العالمي ، لكنه استطاع أن يكون لجميع الناس النخبة أو العامة لأنه امتلك القدرة على مخاطبتهم والتعبير عن ضمائرهم ، المسرح من خلال عدد من رجالاته ومصلحيه أصبح مفتوحاً وحاضرا ومحببا للناس ورغم أن المسرح في حقيقته وافد بالنسبة للوطن العربي إلا أنه تحول على أيدي بعض من الباحثين والمجتهدين والمولعين بهذا الفن في أرجاء الوطن العربي إلى مسرح عمدوا إلى تأصيله ومنحه الهوية العربية من خلال التراث والتأريخ والأسطورة والميثولوجيا بكل تجلياتها من خلال العروض المسرحية كتابة وإخراجاً. لذا نغبن المسرح العراقي عندما نحدده بمسرح نخبة ومسرح هابط وسطحي ، إذ أن هناك مسرح يقوده مسرحيون يقدمون من خلاله عروضاً فيها من الفكر والفن والمتعة ما يجعلهم يجمعون ما بين النخبة والعامة ، والمسرح العراقي قبل أن يذهب إلى خارج العراق ليختبر قدراته ويعلن عن منجزه الإبداعي يبشر عن ولادته داخل أرض الوطن ، يحصد الربح نجاحاً وإقبالاً جماهيرياً ومباركة نقدية ثم يغادر بعدها متخطياً حدود الوطن. هناك عاملون فاعلون في المسرح العراقي علينا أن لا نتجاهل جهدهم. فالمسرح ألوان وكل حر في أن يختار اللون الذي يناسبه ويشاهد العرض الذي يبتغيه لولا فاعلية هؤلاء لأندثر المسرح العراقي ومع الذين يعملون ويتواصلون بعناد منقطع النظير مع علمهم أن الدولة تغفلهم وأن وزارة الثقافة في شغل عنهم ، وأن البنى التحتية خربة وليس ثمة جديد ينبئ بفضاء مضاف أو محور أو منجز لأحلام المسرحيين وهي كثيرة لكنها مقيدة بما هو معطى وممكن ومتاح ومسموح به ، مع وجود كل هذه الثوابت الدينية والأمنية والاجتماعية الجديدة بفعل الاحتلال الأمريكي وتداعياته!!
*الاتجدين ان المسرحيين في العراق يتحملون مسؤولية كبيرة في هذا التباين القائم مابين العروض الضعيفة ــمن الناحية الجمالية ــ التي تقدم في المحافظات مقارنة بتلك العروض التي تقدم وتنتج في بغداد .. خاصة بعد مضي اكثر من مائة عام على تأسيس المسرح في العراق ؟
-العروض المسرحية العراقية التي تقدم في بغداد والتي تقدم في المحافظات تخضع إلى معايير جمالية وفنية وفكرية وهي بالتالي تعبير عن مخيلة الفنانين الذين يقودون تلك العروض سواء التي تقدم داخل بغداد أو في محافظات العراق ، ولكن المعطى في المحافظات هو بالتأكيد قليل ومحدود إزاء المعطى لفناني بغداد ، لكن هذا لا يمنع من وجود عروض مسرحية في المحافظات ولاسيما تلك التي فيها فنانون متميزون ، وميزة تلك العروض أنها مؤثرة وتدل على قدرة عالية ولاسيما على مستوى الأداء والإخراج كما هو الحال في محافظة البصرة والحلة والناصرية. المسرح لا يقاس بعدد سنواته بل بقدرات وتميز مبدعيه والمهتمين به والمفعلين لحركته وبالظروف المحيطة بالعمل ذاته.
*انا لم اجد في العراق حتى الان مايشير الى انه قد طرح المسرحيون فيه فكرا ونظريات مسرحية يمكن أن تخلق وعيا جديد يحمل أفكاراً ومناهج جديدة رغم أن هنالك العديد من الذين أصبحوا الان  يحملون شهادات عليا سواء ماجستير أو دكتوراه . فماجدوى هذه الشهادات إذا لم تأتي بشيء جديد كما هو يحصل في أماكن أخرى من العالم ؟
-يا سيدي المسرح في الوطن العربي وافد أصلاً ولكن هناك من اجتهد من المسرحيين العرب فحاول أن يؤصل المسرح ويمنحه هويته العربية ، هناك محاولات عبد الكريم برشيد والطيب الصديقي وقاسم محمد ، ما علاقة الشهادة العليا بنظريات المسرح؟؟ هناك وعي واشتغال وبحث في الظاهرة المسرحية ليس ملزم بها حامل الشهادة العليا بل الفنان المجتهد المنتمي للمسرح والفاعل في عروضه وإنجازاته ، علينا أولاً أن نجعل من المسرح ضرورة اجتماعية تؤمها العائلة العراقية سواء العروض التي تستمد متنها الحكائي من المسرح العالمي أو التي ينهض بها كتاب محليون ، علينا أن نعمل على تطوير الحركة المسرحية والاهتمام بألوان المسرح ثم بعد ذلك نبتكر نظريات مسرحية كما فعل ستانسلافسكي وبرخت ومايرخولد وكروتوفسكي وأرتو وباربا .. مازلنا حتى الآن نتعلم من المسرح ونتعرف على أسراره بعد مرور قرن على ابتكار ستانسلافسكي نظريته والتي هي حسب رأيي وقناعتي أهم وأبقى النظريات والأساسيات في المسرح العالمي والعربي .. دعنا نبني مسارح ونتفق في أهمية المسرح المدرسي وعمل النساء في المسرح ثم بعد ذلك نبتكر نظرية نحن لم نستطع أن نبتكر نظرية تعلمنا فن الحياة فنرفض كل هذا الفساد والسقم الذي يحيط بنا وتريدنا أن نبتكر نظرية للمسرح في هذا الجو الكارثي؟ أنت متفائل.
*لماذا غابت الفرق المسرحية الاهلية . خاصة وانني لاأعلق اهمية على ان غياب الدعم الحكومي هو السبب الرئيسي لذلك . ؟
-هذا السؤال لا يوجه لي بل يوجه إلى وزارة الثقافة أولاً وإلى أصحاب الفرق الأهلية ثانياً فهم أحق بالإجابة عني.
*من خلال المشاركات الواسعة  في المهرجانات، هل تجدين ان المسرح في المنطقة العربية بات يملك خصوصية ما يمكن الاشارة اليها بالمقارنة مع المسارح خارج المنطقة العربية ؟
-نعم هناك خصوصية يتميز بها المسرح العربي عن مسارح العالم إذ أنه اجتهد في الانطلاق من خصوصية طقسية وبيئية ، تعامل من خلالها مع عناصر المسرح ، فباتت جزءاً من آلية اشتغاله على المستوى الأدائي والاشتغال على الفضاء وعلى مستوى الكتابة النصية والمعالجة الإخراجية حتى للعروض التي تستمد متنها الحكائي من النصوص العالمية ولاسيما المسرح التونسي والعراقي واللبناني والمصري.
*هل الظاهرة المسرحية في العراق لها امتتداداتها الاجتماعية التي تجعلها حاضرة وبقوة في حياة المجتمع الى درجة لايمكنها الاستغناء عن حضورها في حياته ومصادر وعيه وثقافته ؟
-المسرح لم يستطع أن يؤسس وعياً فنياً لدى المجتمع العراقي يجعل العلاقة ما بين الاثنين متواصلة ودائمية .. بسبب ظروف العراق السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تأثرت بالحروب الاستنزافية ومن ثم الاحتلال وهجمة الإرهاب والتطرف الديني ، هذا كلها عوامل تفت في عضد المجتمع العراقي وتمنع عنه حرية الاختيار وحرية التعبير والعيش الكريم الآمن ، فكيف يفكر في المسرح وهو يفكر في أمنه وأمن عائلته ولقمة عيشه ..!! ألا ترى أن السياسة الفاسده والسياسيين الفاسدين لعبا دوراً كبيراً في تخلف الحياة الاجتماعية والثقافيه العراقية؟!

*بعد أن نلت شهادة الدكتوراه في الفن المسرحي . مالذي تغير من الاهداف والاحلام في مشوارك الفني ؟
-أحلامي هي أحلامي ومشاريعي هي مشاريعي في مسرح عراقي معافى فيه حرية الفعل والقول والمنجز مسرح يتوجه للطفل والمرأة ، مسرح يثقف ويعلم ويمتع .. مشاريعي متواصلة وهمومي لأجل المنجز المسرحي مازال موجوداً يحفزني للعمل والبحث والتجريب والمغامرة قبل أن أنال شهادة الدكتوراه وبعد أن أصبحت أحمل اللقب العلمي الذي زاد من مسؤوليتي وحفزني للعطاء أكثر ، الشهادة العلمية هي صقل وتطوير معرفي لا غنى عنه في زمن بات فيه العالم صغير لا تستطيع حتى أن تهمس فيه ، والمرأة ولاسيما الفنانة في المجتمع العراقي تحتاج إلى ما يجعلها في موضع الحماية والأمان وليس أفضل من الشهادة العلمية والغنى المعرفي والنضج الثقافي حماية ووسيلة دفاع عن المشروع الفني والذات الانسانيه .
*لماذا المراهنة على المسرح تحديدا من بين بقية الفنون والحقول الثقافية كانت لديك ِ ؟
-أؤمن بالمسرح وسيلة للمعرفة والتأثير والنوعية لذا أراهن عليه فيه وبواسطته نستطيع أن نخلق المجتمع الآمن العارف بحقوق أفراده وواجباته ، أنه المدرسة المسائية التي يتعلم فيها الكبار والصغار والنساء والرجال ، إنه المعلم الذي لا يستخدم العصا كي يعلم بل يستعين بالجمال والفكر والحكمة.
*من المؤكد ان نقاط التفاهم والتشابه فيما بينك وبين الفنان عزيز هي القاسم المشرك الذي جمعكما . لكن الى اي مدى كانت نقاط الاختلاف من العوامل المؤثرة ايجابيا ايضا في مشواركما ؟
-أنا والأستاذ الكبير عزيز خيون فنانان متناغمان نلتقي في حب الوطن والمسرح لا خلاف بيننا ولا اختلاف فيما نفكر ونحلم.
*كيف تجدين مستقبل الفن في العراق ،هل من خطورة تواجهه على مستوى الاعتراف به كرافد اساسي للمعرفة والفكر او على مستوى حرية التعبير عن الافكار ؟*
-أخاف على المسرح من الأميين والجهلة لاسيما حين يكونون في مناصب مسؤولة وقيادية ، لو لاحظت جيداً لوجدت أن لا وجود للفن في الدستور ولا في البرلمان وهو في آخر الأجندة لدى السياسيين. أخاف على المسرح لأنه يخيف الظلاميين ، لكني أثق كثيراً بمن يعملون في فضائه من المبدعين ولاسيما جيل الشباب الجديد بكل عنفوانه وجرأته ووطنيته.

*اذا اردنا ان نضع نقاط على حروف الواقع المسرحي في العراقي وصولا الى رسم خطة عمل طويلة الامد هدفها ان يكون الفن المسرحي جزا ً اساسيا من المكونات المؤثرة والحيوية للثقافة العراقية فما يمكن ان تقول عواطف نعيم بهذا الصدد . ؟
-واقع المسرح العراقي اليوم مخيف فالمسرح يحتاج ليس فقط إلى دعم الدولة بكل ثقلها ، أنه يحتاج إلى منهاج للعمل للنهوض بهذا الواقع. ليكون هذا المكون عنصراً أساسياً وفاعلاً في الحياة الثقافية العراقية ، إنه يحتاج من المسرحيين أن يجمعوا أنفسهم ويحددوا أهدافهم ويكونوا مجلسا أعلى للثقافة مهمته دعم وتنشيط المؤسسات الفنية والثقافية وإحياء الفرق الأهلية وإقامة الورش والملتقيات التي تعنى بالظاهرة المسرحية والعمل على إقامة جسور تعاون وتبادل فني مع البلدان الناشطة في مجال العمل المسرحي (ألمانيا ، فرنسا ، بولونيا ، بريطانيا ، أميركا) العناية بالبنى التحتية وتفعيل المسرح المدرسي في بغداد والمحافظات ، هي خطة عمل ومنهاج تنظيم لتحقيق إنجازات إبداعية تصبح تقليداً في نسيج الحياة الثقافية العراقية.
*اخيرا ، ماهي الامنيات والمشاريع التي تنتظر في جعبة الفنانة نعيم ؟
-هناك مشاريع وأحلام أولها أن أطبع نصوصي المسرحية الخاصة بمسرح الطفل والنصوص المسرحية الخاصة بمسرح الكبار ، أن أجمع مقالاتي وأبحاثي النقدية والنظرية في كتاب ، وأن يكون لي محترفي الذي إنجز من خلاله مشروعي المسرحي ، بيت صغير فيه مكان لإنشاء خشبة صغيرة وإقامة مسرح يشبه مسرح الستين كرسي أقدم فيه تجاربي وأجمع فيه محبي المسرح في ملتقيات وورش مسرحية ، هو حلم لمشروع جميل أتمنى تحقيقه وهو ليس بالصعب أن كانت هناك عقول تحلم بعراق آمن!!!
 نشر الحوار في العدد الثالث من مجلة إنانا العدد الرابع . 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
نشر المقال في صحيفة الزمان الطبعة الدولية السنة الخامسة عشرة
 - العدد 4394- الاثنين 24 من صفر 1434ه 7 من كانون الثاني ( يناير ) 2013 م 


عوني كرومي  . . في مفترق تجربته المسرحية
إنجاز لافت بين مرحلتين : البرختية والعراقية

                                                       
قصديّة الاختيار
ليس من السهل أن تُختَصرهذه الرحلة ُالثريّة والعميقة ُلعوني كرومي في الحُلم والحريةِ والرؤى ،بعدد من الاستنتاجات التي قد  يصل اليها الناقد،لان تجربة كرومي توفرت فيها العديدُ من الشروط الذاتية والموضوعية التي تضعها في موضع التقدير والاحتفاء ، ذلك لانه حاول لاكثر من اربعين عاماً أن يوقظ في الانسان لحظة َالتمرد ِعلى القهر ِوالاستلاب ِمُتسلحاً بفكر جدلي،من خلاله ِكانت تبدو رؤيته لطبيعة الصراعات القائمة في الحياة واضحة ً، وهذا ماأنعكس بطبيعة الحال في جميع أعماله التي كانت تختزن هذه الرؤية وتمررها، لذا لم يكن مسارنا ونحن نتنقل بين التفاصيل التي صاغها كرومي خاضعاً  لسلطة الاحتفاء العاطفي الذي قد يخلط الاوراق من فرط الاعجاب والمحبة بقدرما كان إرتكازا ًعلى سلطة النقد في رؤية السياق العام  للتجربة دون الحاجة للتوقف أمام كل عرض مسرحي قدمه كرومي ،ونهدف من وراء ذلك ايضا : اثارة الجدل حول تجربة فنان كبير ترك أثراً فنياً واضحاً في مسيرة المسرح المُنتَج في العراق خلال اكثرمن اربعة عقود، وما توصل اليه من حضور فني . كما شئنا أن تكون هذه القراءة  مُنطلقا للبحث عن مشترك عام يجمع عوني كرومي مع أسماء ٍ أخرى من المخرجين العراقيين ، كانوا هم ايضا قد تلقوا تعليمهم العالي للفن المسرحي في جامعات أجنبية خارج العراق ولطالما اثيرت هذه المسألة بين أوساط المسرحيين لكنها لم تنتقل الى ميدان البحث العلمي والدراسات الاكاديمية التي فيما لو تمّت ستضيء بلاشك الكثيرمن الجوانب حول تجارب العديد من الفنانين وليس عوني كرومي لوحده ، وهي قضية تستحق التناول وفيها الكثير من الاشارات التي تصلح لان تكون فرضيات ومنطلقات بحثية .
الجيل ألأوّل
شهدت الظاهرة المسرحية في العراق بعد منتصف العقد الخامس من القرن العشرين  ظهور عدد من الاسماء التي كانت قد دَرَست الفن المسرحي خارج العراق في عدد من الدول الاجنبية  التي كان الفن والانتاج المسرحي فيها عريقاً ومتقدماً من حيث تنوع التجارب التي تُقدم فيها وفق اساليبَ ومناهج َمختلفة ٍ، مثل فرنسا والمانيا وانكلترا وايطاليا وروسيا اضافة الى أميركا . وقد شكّل مجىء الجيل الاول من الرواد ( جاسم العبودي وابراهيم جلال ، جعفر السعدي ، أسعد عبد الرزاق ، ابراهيم الخطيب)  بداية الوعي بالعملية الاخراجية وفق أسس علمية ٍأكاديمية ٍ، بعيداً عن الارتجال والعفوية ، التي كانت قد شكلت الى حد كبير، مسيرة الانتاج المسرحي في العراق ، منذ انطلاقته ِمع أول ِعرض ٍمسرحي قدم عام 1880 في المدرسة الاكليركية التي اسسها الاباء الدومنيكان عام 1750 في مدينة الموصل  . ومن هذه المدرسة وصلتنا أول النصوص المسرحية  وتعود إلى الأب القس ( حنا حبش ) يعود تاريخ الانتهاء من كتابتها الى عام 1880 ، وضمت المسرحيات الاتية:
1-   كوميديا آدم وحواء
2-   كوميديا يوسف الحَسِن
3-     كوميديا طوبيا
بعدها تم  تأسيس (جمعية التمثيل العربي) من قبل محمد خالص الملا حمادي وهي أول فرقة مُجازة رسميا عام 1921 ، تبعتها بعد ذلك (الفرقة التمثيلية الوطنية ) التي اسسها الفنان حقي الشبلي عام 1927 ، والشبلي يعد مؤسس المسرح العراقي في العصر الحديث بأجماع المؤرخين .
إنّ رواد المسرح العراقي الاوائل في خمسينيات القرن الماضي وهم كل من : ابراهيم جلال ، جعفر السعدي ،جاسم العبودي ، اسعد عبد لرزاق ،ابراهيم الخطيب . والذين كانوا قد درسوا فنون وعلوم المسرح خارج العراق جاءوا بمفاهيم جديدة على الساحة المسرحية العراقية انذاك، كان لها صلة بتنوع الاساليب والرؤى الفنية ، التي يمكن للمخرج ان يأخذ بها ، وفقاً لما يراه ُهو في النص الذي يعمل عليه ، وهذا ماأحدث تحولا كبيراً في الفهم والتعامل مع ألعملية الاخراجية ، وباتت بعد ذلك تظهر نتائجُها واضحة ًفي مجمل الاعمال المسرحية  التي تم تقديمها على  خشبة المسرح العراقي، خصوصاً في العاصمة العراقية بغداد، التي إستحوذت على النصيب الاكبر في هذا التحول ، وقد أنعكس هذا فيما بعد على الاجيال الاخرى التي جاورت تلك الاسماء أوالتي عملت معها، أوالتي  تتلمذت على يديها . إن ملامح هذا النضج بدت تتضح  في فهم التجربة المسرحية بكل تفاصيلها وأبعادها لدى الاسماء التي جاءت بعد الجيل الاول ،وتمكن بعضها من أن يُشكل حضوراً واضحاً  وفاعلية كبيرة في بناء مسيرة الانتاج المسرحي في العراق، وأخذت تتضح سماتهُ الشخصية في الاعمال التي يقدمها ،وأصبح بالامكان الحديث عن مسرح له بصمته ُالشخصية للاسم الفلاني يتميز به عن أقرانه، سواء من حيث الموضوعات أوالمعالجات الفنية  والتي عكست في مُجملها العقائد والايدولوجيات التي كان المسرحيون يؤمنون بها،ويمكن هنا الاشارة الى ابرز الاسماء التي شكلت الاجيال التي جاءت مابعد الجيل الاول ، وأرتأينا ترتيبها حسب أسبقية ظهورهاعلى الساحة المسرحية وهم كل من  : (بدري حسون فريد ، بهنام ميخائيل ، سامي عبد الحميد ، خليل شوقي) ومن ثم (قاسم محمد ، محسن العزاوي ،سعدون العبيدي ،جواد الاسدي ، ، صلاح القصب ، سليم الجزائري ، عوني كرومي ، فاضل خليل ،شفاء العمري ، عادل كريم ، وجدي العاني ، فخري العقيدي ، فتحي زين العابدين )  ثم (عزيز خيون، هاني هاني، شفيق المهدي ،عقيل مهدي ، محمود ابو العباس ) وبعدهم  جاء ( ناجي كاش ،حميد صابر،غانم حميد ،حيدرمنعثر ،ناجي عبد الامير ،كاظم نصار،)  ثم تتالت اسماء أخرى أعلنت عن حضورها على خشبة المسرح العراقي،لايتسع المجال هنا لذكرها .
المسرح المَلحَمي
الحديث عن عوني كرومي يقودنا بالضرورة  التوقف عند المسرح الملحمي كما كان قد توصل اليه الكاتب المسرحي الالماني برتولد برخت بعد الربع الاول من القرن العشرين ، ويعود تاريخ ميلاد برخت الى 10 من شهر شباط / فبرايرعام  1898 ، وفي عام  1922 حصل برخت على جائزة كلايست عن أول أعماله المسرحية، وفي عام 1924ذهب إلى برلين ليعمل مخرجاً مسرحياً ، وفي عام 1933 وهو العام الذي إستولى فيه هتلر على السطة في ألمانيا، هرب برخت الى الدانمارك ومن هناك اتجه  الى أميركا عام 1941، التي استقر فيها لاجئاً سياسياً ، وليحاكم عام 1947 من قبل لجنة مكارثي المناهضة للشيوعية ، ليعود بعدها إلى ألمانيا عام 1948، ليتولى إدارة المسرح الألماني في برلين الشرقية ، ثم أسس عام 1949 (فرقة مسرح برلين إنسامبل) وبقي يعمل فيها حتى وفاته في عام 1956.
 المسرح الملحمي كما هو معروف لدى الدّارسين والمختصين لم يكن إلاّ خروجاً على القواعد الارسطية في بناء النص أولا ً والعرض المسرحي ثانياً . وكان الهدف منه اشراك المتلقي في القضيا المطروحة ودفعه لأن يتخذ موقفاً منها، من خلال هدم الجدارالرابع الذي يشكل حاجزالوهم القائم مابين الخشبة وصالة المتفرجين ليؤكد بذلك على أن مايعرض أمامه ماهو إلاّ لعبة مسرحية . كما طرح المسرح الملحمي مفهموم التغريب الذي تعود مرجعيته الى الشكلانيين الروس ومدرسة سيمياء براغ للمسرح الذين كانوا قد طرحوا نظرياتهم السيمائية في عشرينيات القرن الماضي، وكانت مدرسة براغ قد تبنت التصنيف الوظائفي لفعل التواصل اللغوي الذي وضعه (كارل بوهلر) والذي حدده بثلاث وظائف :
1-الوظيفة التعبيرية
2- الوظيفة المناشِدة
3- الوظيفة التمثيلية
ثم اضيفت بعدها الوظيفة الجمالية ، وهي موجَهةٌ نحو فنيَّةِ أو جمالية ِألرسالةِ بذاتِها ولذاتِها 1. وبات على هذا الاساس أن يتم تقسيم النص وقراءته نقدياً الى وحدات حسب وظيفتها التواصلية . والتغريبْ ، كما يقول جيفري ليج هو " تصدير واع ٍ وخلّاق للغة ومعانيها ، والتصديرُ يعني إستثمار اللغة جمالياً لإحداث مؤثرات خاصة تتصدر وعي المتلقي ، والبنية المُتصَدِرةُ تتسم عادة بالانحراف والتكرار، والانحراف هو خروج ٌعلى الاعراف القواعدية والتركيبية والمعنوية للغة القياسية لابداع صور ٍ مَجازية تُفاجىء المتلقي وتستحوذ على انتباهه " 2 . . خاصية التصديرالمنبثقة عن مفهوم التغريب لم يقتصر أمرها على اللغة بل شملت ضمن بحوث مدرسة براغ جميع الفنون ، وقد أسهم برخت في تقنين المصطلح مسرحياً، ليتمكن من إستثماره  والتعبيرعنه في عروضه المسرحية .
بات مفهوم التغريب فيما بعد عنصرا ًأساسيا ً في بناء المسرح الملحمي ، إذ لجأ برخت ضمن هذا المفهوم على تحويل الشيء إلى شيء خاص ، لكي يحقق مقصده الفني في تحقيق  الغرابة والغموض والدهشة لدى المتلقي . وقد عمل بريخت على مفهوم التغريب بعد أن تأمل عناصر متفرقة  في مناطق  مختلفة من العالم خاصة في قارة أسيا ، فانتبه الى المسرح الشرقي سواء في في اليابان أوالصين أوالهند ، ليشكل فيما بعد من دلالات مسارح هذه الحضارات العريقة ، جملة من العناصرالفنية التي دخلت في  صلب المسرح الملحمي .
كانت دعوة برشت إعلاناً لقطيعة فنية وفكرية مع الارث الارسطي ، ليتخلى بذلك المسرح الملحمي عن وحدة الزمان والمكان والحدث ، مجتازاً بذلك الوحدات البنائية التي يتموضع فيها النص الارسطي من  : استهلال وعقدة وذروة ثم حل ٍ، ليصل الى بناء نص آخر، لاصلة له بالتعاليم الارسطوية ، إعتماداً على جملة إجراءات فنية  قام بها بريخت أوصلته بالتالي الى تفتيت وحدة الزمان والمكان والاخذ بها منفصلة الى  وحدات ، ترتبط مع بعضها وفقاً للمنطق الجدلي، الذي تبنى عليه وحدات الاحداث المتفرقة داخل النص ليتواشج في النص اجناساً عدة : اغنية ووثيقة وعرضاً سينمائياً ، ورقصات . ليصبح بالتالي مفتوحاً على سعته لاستقبال كل مايمكن ان يحقق كشف اللعبة المسرحية لتعميق وعي المتلقي بحقيقة التناقضات القائمة في الواقع وليس تظليله كما يريد له المسرح القائم على البناء الارسطي .  
عوني كرومي ، صراعُ مع الأُطر المُسبَّقة
فيما يتعلق بالمخرج عوني كرومي ، نجد أن تجربة هذا المسرحي، تستحق الوقوف عندها وتأملها ، نظرا ً  لِما شَغله من مساحة مهمة في الحركة المسرحية العراقية ، فبعد أن كان قد أنهى عوني كرومي دراسته الاكاديمية للاخراج المسرحي في المانيا ونال بموجبها شهادة الدكتوراه عاد الى العراق في منتصف سبعينات القرن الماضي وأستمرّ بالعمل المسرحي الى جانب التدريس في كلية الفنون الجميلة حتى مغادرته العراق في مطلع العقد التاسع من القرن العشرين متجهاً الى الاردن ليعمل أستاذاً في جامعة اليرموك لعدة أعوام ومن ثم الانتقال الى المانيا والاستقرارفيها حتى يوم وفاته وفاته في 26/ 5 /2006 أثناء تقديم العرض المسرحي( مسافر ليل ) للكاتب  المصري صلاح عبد الصبور عن عمر ناهز الواحد والستين.
من أبرز أعماله التي وصلت حدود سبعين عرضاً مسرحياً : كشخة ونفخة، ترنيمة الكرسي الهزاز، فطور الساعة الثامنة، كاليكَولا،غاليلو غاليليه، مأساة تموز، فوق رصيف الرفض، قصائد روفائيل ألبرتي ، مس جوليا ،  الإنسان الطيب،صراخ الصمت الأخرس ، بير وشناشيل، المسيح يصلب من جديد، الصمت والذئاب، الطائر الأزرق ،السيد والعبد، مسافر ليل .
والدكتور كرومي ولد في مدينة  الموصل عام 1945 وتخرج من كلية الفنون الجميلة عام 1969 ثم سافرالى المانيـــــــــــا لإكمال دراسته هناك ، وحصل على شهادتي الماجستيروالدكتوراه من جامعة همبولدت عام 1976بتخصص دقيق في العلوم المسرحية.
كانت مسيرته الفنية تعبيراً واضحاً عن تطلعاته وطموحاته الفنية وفقاً لنظرية المسرح الملحمي التي لم تخرج عن توظيف الفن المسرحي من أجل القضايا الانسانية في ظل الظروف والاوضاع القاهرة المُسلطة على الانسان في بيئة ما ، لتحيله بالتالي الى كائن مُستلب في ظل أوضاع مجتمعية  تحكمها قوانين الصراع الطبقي .
بقي كرومي طيلة مسيرته الفنية ماركسياً حد النخاع في عقيدته الايدولوجية وانعكس ذلك في اختياراته للنصوص التي قدمها على خشبة المسرح ، سواء التي كانت نصوصاً مترجمة أو التي كانت تحمل تواقيع مؤلفين عراقيين  .
وجميع النصوص كانت تخضع للاشتراطات الفنية البريختية المسبّقة والتي كانت بمثابة مِجس يبدأ من خلالها  بتشريح الاحداث والشخوص ومنظومة العلاقات المتصارعة ليعيد تركيبها وفقاً لتعاليم الاب الروحي برتولد بريخت .
هذا الانزواء وراء ظِل ِّ الاستاذ وتعاليمه ِكان واضحاً جداً في مسيرة كرومي ،الى الحد الذي أفقده طريقه الخاص الى حدٍ ما ، والذي كان ينبغي أن يرسمه لنفسه بعيداً عن القالب الفني الذي إستله من تجارب ووصايا بريخت التي شرِبها وتمثّلها  . وأسَرَ قدراته فيها .
وفقاً لهذا الايمان الذي كان عليه كرومي بكل ماهو بريختي يمكننا ملاحظة طبيعة النصوص التي كان قد اختارها للعمل عليها وتقديمها ، منها على سبيل المثال:  غاليلو غاليليه ، كريولانس ، ورؤى سيمون مشار،  كل هذه النصوص التي اشرنا اليها كانت للمؤلف بريخت تم تقديمها وفق ماجاءت عليه مكتوبة بخصوصيتها الملحمية في البناء والرؤية الفنية دون أن يذهب بها بعيداً عن هذا الاطار الفني الذي أراده لها المؤلف، ومن غير أن يجري عليها  تعديلات وفقاً لمقتضيات البيئة المحلية العراقية التي كانت تقدم فيها،حتى أن مسرحية (الانسان الطيب في ستسوان) التي كان قد عرضها في مهرجان المسرح العربي عام 1992 تحت عنوان (الانسان الطيب )  والتي كانت ايضا للكاتب بريخت إقتصر التعديل فيها على حذف كلمة (ستسوان) من العنوان  كما تم استخدام اللهجة العراقية بديلا عن اللغة العربية الفصحى . كان ذلك إجراءً جزئياً لايكفي للدخول بفاعلية في جوهر المعالجة الذاتية للفنان عندما يُقدم على تناول نص جاهزلم يكتبهُ هو .
لانَّ اللغة في التجربة المسرحية لاتشكل العنصرالاساس التي تقوم عليها، بل هي الاضعف حضوراً وتأثيراً في بناء العرض المسرحي المعاصر، الذي يتشكل معماره من منظومة سمعية وبصرية يُمسك المخرج بمفرداتهما المتنوعة والمختلفة ليخلق منها نسيجاً سينوكرافياً يؤثث به الفضاء المسرحي . ولكن هذا لايعني مطلقاً  أن عوني كرومي لم يتعامل مع نصوص تعود لكتاب  اخرين ، الى جانب نصوص بريخت ،  إذ قدم عددا من الاعمال المسرحية التي توزعت على عدد محدود جداً من الكتاب العراقيين مثل فاروق محمد،وعباس الحربي ومحي الدين زنكة  وكتاباً اخرين غيرعراقيين مثل : صلاح عبد الصبور،روفائيل البرتي ، البير كامو .
تساؤلات
إن الفترة التي درس فيها عوني كرومي الاخراج المسرحي في المانيا كانت التجارب المسرحية في العالم قد وصلت فيها الى مرحلة مهمة من التحولات وضعت المخرج المسرحي امام مساحة واسعة من الحرية في التفكير الفني بعيداً عن هيمنة الاعراف والتقاليد الفنية مهما كان شكلها ومصدرها وتاريخ انتاجها ، وبات المبدع المسرحي لايستجيب الاّ لصوت التجديد والانقطاع عما سبق من معرفة فنية ، وهذا ماكان عليه برخت نفسه عندما تجاوز الصيغة البنائية للمسرح الارسطي، وهكذا الحال مع غروتوفسكي وبروك وكانتور واخرين كانوا في تلك الفترة يقفون في مقدمة الخارجين من كاهل المقاييس المنجزة .
 والسؤال هنا : لماذاتخلى عوني كرومي عن هذا الدورالذي بات على المخرج أن يقترن به بعد سلسلة من التحولات التي كانت قد حصلت في طبيعة ومفهوم الاخراج المسرحي خلال النصف الثاني من القرن العشرين ترتب عليها جملة من الاجراءات التنظيرية التي تتيح له بل تفرض عليه أن يكون لاعباً حرا ً في المساحة التي يريد والشكل الذي يقصد وفقاً لتجربته الخاصة  والمعرفة التي يمتلكها .
سأتوقف هنا لاتساءل عن الكيفية التي ظهرت بها الاعمال التي لم تكن تحمل أسم وتوقيع بريخت،ويمكن أعتبارها أختبارا ً له ولقدراته الاخراجية،  وهو يقف وحيداً أمام الخشبة مع نص مسرحي لكاتب آخر، من دون أن تكون كلماتُ ومعالجاتُ عرابه ِالروحي بين يديه .
 فهل تمكن من الوصول الى عمق التجربة المسرحية أم بقي على ضفتيها ؟
إن ماأشير اليه في هذه القضية ،ينطبق ايضا على العديد من الاسماء التي كانت قد تلقت هي الاخرى تعليمها الاكاديمي خارج العراق، ولمّا عادت الى الوطن، قدمت نصوصاً عالمية سبق أن تم تقديمها عشرات المرات في البلدان التي كانوا قد درسوا فيها وبأساليب ومناهج فنية مختلفة ، مثل نصوص شكسبير وبريخت على سبيل المثال وبلاشك كانوا قد شاهدوها  .
في مثل هذه التجارب المسرحية أجد من الصعب الوصول الى حكم نقدي سليم ينصف التجربة ويضعها في إطارها النقدي الذي يَلم ُّ بخواصّها وحدودها وبما يمكن أن وصلت اليه من مقولات فنية وذلك لحضورالتنّاص بشكل مُهيمن داخلها في سياق الاجراءات التي لجأ اليها أولئك الفنانون ، وقد يكون حضورهذا التنصيص غير مقصود ٍ أو جاء متسللاًعبر ما خزنته الذاكرة في دهاليز اللاوعي منها، نتيجة مشاهدات ٍ لعروض مسرحية إستندت على تلك النصوص  نفسِها والتي اشتغل عليها المخرج العراقي فيما بعد، أو نتيجة قراءات ٍنقدية ٍكثيرة ٍكانت قد تناولتها .
تبدو هذه الاشكالية ُواضحة ُفي العديد من تجارب المخرجين العراقيين الذين درسوا خارج العراق، خصوصا في الدول الاجنبية المعروفة ِبعراقةِ مسارِحها ،مثل المانيا التي درس فيها عوني كرومي ، وشاهد فيها العشرات من العروض المسرحية التي تناولت نصوصا لبرتولد بريخت مثل مسرحية غاليلو، وكريولانس ، ورؤى سيمون مشار والتي تناولها هو فيما بعد عندما عاد الى العراق .
قراءة في الاشتغالات
من خلال إجراء مقابلة نقدية مابين عروضه ِالمسرحية التي أعتمدت على نصوص ِالكاتب بريخت والعروض الاخرى التي كانت لكتاب عراقيين لم تكن قد حظيت  نصوصهم بماحظيت به نصوص بريخت أو شكسبيرمن فرص التقديم الكثيرة على خشبات المسارح لأكثر من مرة وبأكثرِ من بلد ٍ ولغة ٍ. أجدني هنا مُستنتجاً الاتي : -
إن عروضَه المسرحية التي أستندت على نصوص ٍعراقية ٍ لم تكن  بالمستوى الفني المتقدم الذي كانت عليه العروض التي استندت على نصوص  بريخت وسبق لها أن قُدمت من قبل مخرجين أخرين ــ كما اشرت سابقاً ــ عشرات المرات ، وكان هو قد شاهد بنفسه العديد منها في اكثر من نسخة وفي اكثر من بلد  بأستثناء العرض المسرحي المعنون " ترنيمة الكرسي الهزاز " للمؤلف العراقي  فاروق محمد .
ترنيمة الكرسي الهزاز
إنَّ ماساعد على نجاح هذا العرض المسرحي وأن يُحقق ذاك التأثير العاطفي والانساني على المتلقي قبل الجانب الجمالي منه ، يعود الى أمرٍ لاصلة له بشكل مباشر بالجانب الفني للعرض ذاته،بقدر ماكان الامرمتعلقاً، بطبيعة التركيبة النفسية المُحطّمة للمتلقي العراقي انذاك،بفعل مقتضيات الظرف التاريخي الذي كان يحيط بالعراقيين جميعاً، بسبب الحرب .
إّذ كانت الحروب قد أخذت الكثير من أحلام العراقيين وسحقت نفوسهم، بتوالي أرقام القتلى والمفقودين واليتامى والارامل والعوانس .
 كانت الحرب حاضرة بكل دمويتها وبشاعتها  وماتركته من ظلال قاتمة على الذات الانسانية وعلى المجتمع ولايمكن للجمهورالحاضر للعرض المسرحي آنذاك أن يتجاهلها أويغفل عنها طالما هي مازالت تلهو بحياته . وهاهي تتجسد أمامه عابثة بشخصيتين نسائيتين شاء عوني أن يَخرُج َبهما من إطار المعمار التقليدي لخشبة المسرح، مُزحزِحاً بذلك دلالات المكان  الحميم الذي اقيم فيه العرض الى مدلولات اخرى لها صلة بالحرب وفظاعاتها على النفس الانسانية .
لم يكن المكان الذي قدم فيه العرض سوى بيت عراقي ذي طراز شرقي ٍ باذخ ٍبألفته ِ وفضاءاته ِ المفتوحة على دجلة والشمس والهواءعَبَر فناءه ِالواسع  المُنفتِح على السماء  والمُحاط َبغرف ٍ ونوافذَ وسلالم َحجرية ٍ تم استثمارها مسرحياً  لتصعد من خلالها الشخصيتان النسائيتان الرئيسيتان الى الطابق الثاني من المبنى الذي تم استثماره هو الاخرليلقي بحضوره المعماري على الاشكاليات المُعقّدة والمؤلمة التي فرضتها الحرب على شخصيتي العرض  .
كان هذا الاستثمارُ الفنيُ لمعمارية ِالمكان قد أحدث تداخلاً وجدانيا مابين المتلقين للعرض ومايُعرض أمامهم ، كما أحدث تياراً جارفاً من الاطمئنان، يشبه ذاك الذي ينبعث لدى الانسان الشرقي وهو يدخل الى فناء بيته بعد رحلة من العذاب والقهر والاستغلال خارجَه ُ.  
يمكننا القول إن هذا العرض قد إمتلك شروط  تألقه ونجاحه الكبير من خلال المكان الذي عُرض فيه . مكانٌ فاجأ المُتلقي وأدخَله في ألفة ٍ يتوق اليها ، وأخرَجَه منها في آن ٍواحد،عندما طرح عليه تلك المواجِعَ مُنثالة ً في تفاصيله ِ وكأنَّها جزء منه .
وبات هذا العرض وفق ماجاء عليه من خصوصية معمارية تأطّرَ حضورهُ فيها خارج السياق البرختي الذي كان قد أخذنا به عوني كرومي في مجمل أعماله السابقة . ويمكن تأكيد ماذهبنا اليه عندما نستذكر مسرحية (بير وشناشيل ) للكاتب عباس الحربي والتي قدمها عوني قبل هذا العرض بعدة أعوام على خشبة مسرح تقليدي أي مايطلق عليه أصطلاحاً (مسرح العُلبة ) ، ورغم أن النص كانت عائديته  لكاتب عراقي إلاّ أن العرض مَرَّ مروراً عابراً في ذاكرة المتلقي ولم يترك أثراً جمالياً مهماً  كما كانت عليه أعماله الاخرى التي سبقته والتي كانت بتوقيع  برخت كمؤلف لها .

إستنتاجات
عليه نخلصُ الى مايلي :  أنّ تجربة عوني كرومي يمكننا تقسيمَها الى مرحلتين ، اعتماداً على النصوص التي تعامل معها ، المرحلة الاولى : ويمكن تسميتها ( البرختية) ، وكانت نشأتُها وحضورها قائمة على نصوص برخت وتأثيرات العروض الاجنبية المُستنِدة على تلك النصوص ،وهنا يبدو عوني كرومي في مشروعه المسرحي منجِذباً أكثر مما هو جاذباً ، مختفياً اكثر مما هو مُعلنَاً ، غائباً اكثر مما هو حاضراً ، ممتزجاً أكثر مماهو منفصلاً . لأن أيّة تجربة فنية يُقدِم عليها الفنان ينبغي أن تقوم على فكرة التحرُّر . التحرُّر من الشكل المُسبَّق ، من هيمنَته ِ، وليس إعادةُ انتاجهِ وتكراره ِ،  فالشكل في هذه المرحلة من تجربة عوني كان اداة ً مُقننة ًوموجَهة ًللسيطرة على حريته ِ وتكمِيمِيها  وفق قياسات ٍجاهزة ٍ.
المرحلة الثانية : ويمكن تسميتها (المرحلة العراقية ) ، وكانت اكثر تحرراً من سابقتها ، تعامل فيها عوني مع المُعطى وفق آلية الملاحظة والتجريب ، وصولا الى لحظة التحرر من فروضات المسرح الملحمي وإخضاع التجربة لمنطق الحرية لكي تفرض مقولاتها الشكلية كما تجلت في أنضج صورة لها في العرض المسرحي ( الكرسي الهزاز) وهذه المرحلة كانت التحول الاهم في مسيرة عوني ، تخلص  فيها من تبعة القوالب الجاهزة التي كانت تمسك به، فوجد ذاته الفنية  تستمد حضورها من التجربة الميدانية .
الهوامش :
1- سيميائية براغ للمسرح ، دراسات سيميائية - عدد من المؤلفين – ترجمة وتقديم أومير كورية – منشورات وزارة الثقافة السورية – دمشق 1977
2- المصدر السابق .
3- المسرح بين الفن والفكر – د. صليحة – مشروع النشر المشترك – دار الشؤون الثقافية العامة ( آفاق عربية ) – بغداد
4- ( النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت من ماكس هور كهايمر الى اكسل هونيث ) د. كمال بومنير – الدار العربية للعلوم ناشرون .


                                                      

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
 
نشرت في صحيفة الزمان السنة الخامسة عشرة العدد 4189
 في يوم الاربعاء 2 ايار 2012 م الطبعة الدولية



مساحة ُ الدهشة ِ والانزياح ْ. .
 في العرض المسرحي الجان والمجنون .

الخروج من ذاكرة المتلقي                                                                      

تأليف واخراج : بيات محمد مرعي
تقديم             : تربية نينوى
تاريخ العرض : 16/4/2012
مكان العرض  : قاعة فرقة مسرح قره قوش


الخروج من ذاكرة المُتلقي
مشهدية العرض المسرحي المعاصر في مدينة الموصل تكاد أن تنحسر بشكل واضح في تجارب معدودة يمكن الاشارة اليها بعيدا عن السقوط في الارتباك والغموض اللذين يمكن ان يصيبا الناقد فيما لو كان يتحرك بقلمه النقدي في مشهدٍ مزدحم ٍ بتجارب مسرحية عديدة  تتحرك في اطار الخروج عن النمط المُتراخي والمُتأكسدِ في حدود بركة التحليل والتفسير للنص او للعرض المسرحي دون ان يسعى هذا المشهد  الى تحقيق ازاحات فنية وفكرية يقف العرض المسرحي عليها من اجل ان يكون كتابة جديدة بصرية وسمعية .
إن مدينة مثل الموصل يمكن الولوج الى المساحة المتوهجة فيها دون عناء وذلك لندرة العروض التي تنهل من مُنحنيات القراءات المُستنطِقة لِما وراء الدلالات المَبثوثة بين أسطر الجُمل والصُور المسرحية التي يحملها النص الادبي . وغالبا ما تصبُّ مُجملُ العروض في قوالب فنية مُدونةٍ في ذاكرة المُتلقي، وهي لاتخرج عن استغراقٍ ٍ احتفالي بالنص الادبي لاغير ! بما يَحملهُ من افكارٍ وصورٍ تستمدُّ حضورها من  طاقة الوضوح دون ان ترحلَ نحو الاستغراق في تفتيت المؤطِراتِ المُتمظهِرةِ  التي عادة مايتخَلجَنُ المؤلفُ فيها ويُضفي عليها هالة ًمن  القداسة ، وهذا المُعطى لايقتصرُ أمرهُ على الموصل فقط بل يشمل العاصمة ايضا ولكن ليس  بالصورة التي تندرج عليها العروض في المحافظات . وهذا لايعني أن النشاط المسرحي خارج العاصمة مستمرٌ في ركوده الفني على مستوى الاساليب ، ذلك لاننا بين فترة واخرى نجد انفسنا ننتقل عبر عرض مسرحي جديد هنا او هناك  الى زمن مُتدفق ٍ يطرقُ جدار الركود والصمت ليزرع في زخم ماتكدّس من اسمال ٍ مسرحية غيمة ًماطرة تبعثُ الامل بومضةٍ أشرقت  على وجه عشاق الفن المسرحي ومتذوقيه..
تشفير الفضاء المسرحي
من بين العروض الجديدة التي استوقفتني خلال الايام الماضية مسرحية الجان والمجنون للمؤلف والمخرج بيات محمد مرعي فهذا العرض قد كثف مساحة الامل بما يُمكن أن يحمله المشهد المسرحي الموصلي من طاقة شعرية مُبهرة  تمتلكُ الكثير من عناصر الاختزال والايحاء والتأويل . ليصبح بالتالي هذا  العرض صياغة فنية غير تقليدية ازاحت ومضاتها الخاطفة التي اثثها مَرعي بمُخيلة ٍمجنونة ٍ إستَقت ْ تشردها وانتمائها في آن واحد من روح الشِعرْ الذي يدرك اسراره بيات محمد مرعي وهو الكاتب القصصي والروائي الذي يكتب جُمَلهُ عادة وهي معبأة بخمرة الشعروليقتحم بها ذائقة المتلقي المسرحي التقليدية في رؤية الاشياء الواقعية على المسرح وهي تمضي في تشكيلات غير مأهولة ٍ ، حتى ان الدفوف التي كانت مُلازمة للمجموعة شكّلت  عنصرا اساسيا في بناء العرض مع الشخصية الرئيسية ( المجنون ) باتت تحمل  وظيفة درامية تنطوي على هاجس جمالي يذهب بها الى محمو وظيفتها التقليدية كما هو شائع في المناقب والموالد لتواكب بانزياحها الدلالي هذا التشكيلات البصرية  التي تنوعت منها المدلولات التي حمّلها اياها المخرج في كل خطوة كان العرض يخطوها الى الامام وهو يجنح في رسم ذات المجنون واحلامه الانسانية البسيطة في العيش بوطن آمن يوفر له لقمة خبز وهو يصرخ : - انا جائع.     بساطة ُ الحلم الذي كانت تكتنزهُ ذاكرةُ المجنون ( سعيد) وهو يواجهُ حياة ًشقية ًيتنقل فيها بين القبور والاموات بينما كانت اصوات خفية مُرعبة تأتيه وتلاحقه من أزمنة مُتداخلة تتأرجحُ مابين الوهم والواقع ، الماضي والحاضر، أوحت لمُخيلة المُخرج مَرعي ان تُبقي فضاء الخشبة خالياً من قطع الديكور باستثناء عدد من المكعبات الصغيرة التي أمعن في تشفيرها وهويستثمرها في خلق توليفاته ِالصورية مع مصابيح الليز والدفوف وليفجر في لحظات العرض المتتابعة مُناخات مُتخيلة مُتتالية تعكس الصراع الداخلي المتوتر الذي كان يعصف بذهن وذاكرة المجنون سعيد .  من هنا فقد نأى  التشكيل السينوغرافي للعرض عن حبكة المفردات الصورية الواقعية وعَلّق ثيماته ِفي ما يمكن أنْ تنتجَهُ المخيلة ُمن تخيلات موغلة ٍفي الدهشة والغرابة عبرأدوات ٍ بسيطة ومحددة  وإلى أن تكون الخشبة مساحة رحبة تتحرك فيها المجموعة على هيئة اشباح وهي ترتدي  زياً مسرحياً مُوحَداً يتراوح لونه مابين الاسود والابيض وهو يغطى جسد كل فرد من افراد المجموعة حتى وجوههم التي مُسِخَت  واختفت وضاعت ملامحها لتبدو بشكل ٍ واحد وملامح واحدة . هذا الاختزال الذي كان سمة هذا العرض استثمر القيمة الدرامية للضوء في ازاحاته التعبيرية التي فكَكَ الضوءَ بتدرجاته ِاللونية ، العوالم الثُنائية المتضادةَ والمتصارعة مابين الذات والعالم والتي اختزلتها بؤرة الصراع القائم مابين سعيد والمجموعة فكان الضوء ملفوظة بصرية تتحرك داخل متن الحكاية الدرامية وليس على الهامش منها ، ولم يكن للعمل من دونها  ان يوصِلَ جملتَهُ البصرية التي اطلق من خلالِها مِعمَارهُ الفني المعبأ بالدهشة .
ان هذا العرض المسرحي الذي تحرك نسيجه الدرامي في لوحة بصرية أنيقة ٍ دون بذخ ولاإسراف إنتاجي ، استطاع أن يُزيح عنّا  حالة التساؤل  والشك التي باتت تُصاحبُنا نحن المسرحيون  خلال الاعوام القليلة المنصرمة حول  جدوى الفن المسرحي ؟ ومالذي يمكن ان يدفع المتفرج للذهاب الى صالة العرض المسرحي بعد ان  امتلك الفن  السينمائي امكانات تقنية هائلة وفرتها له التقنية الرقمية  مكنته من تقديم كل ماكان يبدو مستحيلا قبل عدة اعوام ؟ .
في هذا العرض تلمست الجوابَ عن هذه الاسئلة ، وانزاحت بقدر كبير تلك الشكوك بجدوى الذهاب الى العرض المسرحي ،  فلقد كشف هذاالعرض عمّا يمكن أن يصل اليه المسرح من مساحات واسعة ورحبة في الرؤية الفنية واشكال التعبير عنها قد لاتستطيع السينما ان تنافسه فيها اذا ماأخذنا بنظر الاعتبار محدودية المكان الذي تُنسَجُ فيه عوالم فضفاضة تتفجر منها صور انسانية . .
طواعية الجسد في الاداء المسرحي
اما فيما يتعلق بالاداء المسرحي للممثل الرئيسي في هذا العمل، الفنان احمد الجميلي ،  فلقد تمكن الجميلي ان يمنح الشخصية بُعدها الانساني وهو يتحرك برشاقة وحيوية على الخشبة وكانت قدراته الجسدية ولياقته البدنية قد أسعفته بذلك ، وهذا يعني ان الجميلي يُدرك تماما ان الدخول الى التجربة الانسانية في العرض المسرحي بكل ابعادها تستدعي اقتفاء التفاصيل والافعال دون تعقيد ودون اللجوء الى الاسراف في التعبير والمشاعر وهذا ماسيؤدي بالتالي الى لحظات آسرة في آداء الممثل وهو يتحرك بكل حرية مابين الحلم والواقع ،ومابين المتخيل والملموس ، واذا لم يكن جسد الممثل رشيقاً وبدنه مَرِناً ومطواعاًُ فلن يتمكن من تفجير الحياة ونبضها في جسد الشخصية التي تتحرك على الخشبة .
 كما اختصرت الممثلة غادة التي ادت شخصية سعيدة شقيقة المجنون حسرَتنا على غياب العنصر النسوي من النشاط المسرحي الموصلي خلال الاعوام الماضية واكتملت بحضورها جوقة المبدعين الذين ايقظوا فينا مشاعر من الحب والعشق للفن المسرحي كانت قد خبت جذوتها بفعل كم من العروض التي لاتخرج عن سياق التكرار والاجترار  لعروض مسرحية  سابقة .


   ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


 شر في صحيفة الزمان السنة الخامسة عشرة العدد 4237 الخميس 28 حزيران 2012 م الطبعة الدولية
 
         

المخرج قاسم البياتلي يستعيد مع الزمان تجربته مع غروتوفسكي ويوجينو باربا :

       تحريت التقنيات الداخلية والخارجية للممثل

                                حاوره  :مروان ياسين الدليمي / اربيل

يشكل البحث في التمارين التي تهيىء الممثل جسديا وبدنياًً للدخول في تجربة الاداء المسرحي : البناء الذي ينشده المفكر والمخرج المسرحي د.قاسم البياتلي . . من هنا كانت رحلته الى ايطاليا في مطلع العقد السابع من القرن العشرين مغامرة ً وبحثاًً ً عن التجارب والاسماء التي سبقته في هذا المضمار لكي يلتقي بها وجها لوجه ،وليجد نفسه بعد رحلة طويلة بين مسارح وتجارب مختلفة في المدن الاوربية يقف الى جانب أهم ّ مفكري وفلاسفة المسرح في القرن العشرين وليستكمل بُجهدهِ وبحوثهِ النظرية والعملية ماكان قد بدأهُ (غروتوفسكي ، وبيتر بروك ، واوجينو باربا) هذه الاسماء الكبيرة في عالم المسرح ،عَرفها عن قرب، بعد أن  رافقها وعايش تجاربها . وفي مساره هذا يسجل نقطة تَميّز عن بقية المخرجين العرب ،اضافة الى  إختلافه الواضح  مع معظم التجارب المسرحية التي حاولت عبر مسارها البحثي والتجريبي الوصول الى تحقيق الهوية لكنها اهملت "التمارين" التي ينبغي ان يعمل عليها الممثل  بعيداً عن العرض المسرحي  .  فالهدف الذي ينشده البياتلي في مختبره "ليس تقديم العروض المسرحية  بل "البحث في اشكاليات تخص المسرح بشكل عام او فن الممثل لغرض الكشف عن معطيات جديدة أو البحث في معطيات قديمة للكشف عن امكانيات جديدة في التوظيف" . فانطلق بحثه في مجال بداغوجية الممثل من تجارب وبحوث من سبقوه من معلمين في القرن العشرين ،ومن تحرياته هو في بداغوجية الطرق الصوفية،ليس من حيث الرؤية الروحانية ، بل من حيث الاجراءات والتطبيقات العملية وكيفية توظيف طاقات الكائن - الانسان ( الداخلية والخارجية ) للقيام بالطقوس المفتوحة نحو الاخرين
( نحو الجماعة ) .  . الزمان التقت به وحاورته حول تجربته .
*أولا  في بداية هذا الحوار لابد لنا ان نتعرف على العناصر الاساسية التي اخذت حضورها الواضح والمؤثر في اعداد وتكوين( المخرج والباحث والانسان) قاسم البياتلي ؟
- بعد تخرجي من معهد الفنون الجميلة قسم المسرح والسينما في بغداد عام 1976 سافرت الى ايطاليا ودرست هناك في قسم الفنون والموسيقى والعروض في كلية الاداب جامعة بولونيا ، وقد تعرفت هناك عن قرب على طريقتين من التفكير وممارسة المسرح ، طريقة المخرج ( الاستاذ لويجي سكورسينا) الذي يعد من الجيل الاول من المخرجين في ايطاليا بعد الحرب العالمية الثانية ودرست معه مبادىء الاخراج لسنتين متتاليتين ، وطريقة الدراما تورج ،كذلك الشاعر (جوليانا سكايبا) الذي درست معه اصول الدراما تورجيا .  تميزت الطريقة الاولى بالنمط التقليدي للمخرج في المسرح المؤسساتي في اوربا أي طريقة اخراج النصوص الدرامية من خلال رؤية اخراجية نقدية ، ولكن من خلال تطبيق كل السياقات المعمول بها في ذلك المسرح ابتدأً من طريقة اختيار النص وتوزيع الادوار والقراءة الاولى للطاولة وتفسير أبعاد النص والشخصيات والبروفات من اجل تجسيد رؤية المؤلف او المخرج . أما الطريقة الثانية فكانت تتميز بأخذ نص درامي كلاسيكي ودراسة عالم المؤلف ( باشراف الاستاذ ـ المخرج ) مع الممثلين ( الطلبة ) من أجل تأليف نص دراماتورجي ينطلق من مقترحات وعمل المساهمين في البروفات لخلق عرض ( مرئي مسموع ) يتزاوج مع نص المؤلف وقد وجدت هذه الطريقة الثانية هي الاقرب من نفسي وميولي المسرحية وتعلمت منها كيفية اخذ المحفزات والمقترحات العملية من المساهمين ، والتعامل من خلال ذلك مع مفردات المسرح لغرض كتابة النص العرضي على الخشبة . وبعد تخرجي من الجامعة وعملي في الفرقة التي قمت بتأسيسها عام 1984 ( فرقة مسرح الاركان ) ُفتحت امامي امكانيات اخرى في فهم وممارسة فن المسرح وذلك من خلال العمل اليومي مع مجموعة من الفنانين الايطاليين والبحث في حيثيات اللغة التعبيرية للممثل وطرق اخراج العرض بكل مايتطلبه ذلك من امور مادية ( توفير المبالغ اللازمة للانتاج ،ودفع اجور قاعة التمارين وقاعة العرض وضرائب التذاكر واجور الممثلين ) في مجتمع رأسمالي لايرحم وبجهود مغترب ليس لديه مصدر عيش سوى بيع قواه العضلية في سوق مدينة فلورنسا ومواجهة أمور فنية قادرة على خلق المصداقية في الوسط الفني المسرحي . وقد كنت محظوظا في لقائي مع المعلم الصديق (يوجينو باربا) في عام 1982 وتعرفي على فرقته المسرحية ( الاودن تياتر ) والمدرسة الدولية لانثروبولوجية المسرح التي اسسها في عام 1980 . ومن ثم التعرف عن قرب بمركز غروتوفسكي للمسرح الذي اسسه المعلم البولندي في عام 1985 على مقربة من مدينة فلونسا . وكان لذلك اثر كبير على تحول طريقة عملي وفهمي لفن الممثل واشكاليات العرض المسرحي . وبعد ذلك اخذ عملي مسار البحث في مجال فن الممثل واخراج العروض المسرحية .
*في اطار بحثك عن بداغوجية الممثل ، اشرت في مخطوطة كتابك الموسوم (( فن الحركة ولغة الجسد التعبيرية )  الى ثلاث مدارات للطاقة الكامنة : الكائن / الانسان / الممثل . . حدثنا بشيء من التفصيل عن هذا الموضوع ؟
- انطلق بحثي في مجال بداغوجية الممثل من تجارب وبحوث من سبقني من معلمين في القرن العشرين ومن تحرياتي في بداغوجية الطرق الصوفية ليس من حيث الرؤية الروحانية فقط بل من حيث الاجراءات والتطبيقات العملية وكيفية توظيف طاقات الكائن - الانسان ( الداخلية والخارجية ) للقيام بالطقوس المفتوحة نحو الاخرين ( نحو الجماعة ) . ومن هنا كان تركيزي على التربية البداغوجية للممثل وكيفية تفعيل طاقاته الكامنة فيه على اعتباره كائن حي وانسان مفكر – اجتماعي و"فنان " ( ممثل ) يمارس حرفة ( صنعة ) لها ابعادها وخصوصيتها وظهرت امامي عمليا ضرورة البحث في ثلاثة مراكز للطاقة : الجسمانية والجسدانية والبدنية . وقد توصلت الى وضع تمارين عملية لتفعيل الطاقة الجسدانية اي كيفية تمفصل وتجسيد الافكار من خلال الحركة والفعل ، ومن ثم كيفية تطبيق ذلك من خلال معايير اللغة الفنية التعبيرية الخاصة بالممثل لاظهار "الصورة " الفنية ( التي تنطبع في النفس – البدن ) من خلال الافعال البدنية ( التي عمل بموجبها غروتوفسكي ) والهدف من ذلك هو ان يستطيع الممثل ان " يظهر " طاقاته الكامنة فيه ( ولايتظاهر ) في افعاله التي يقوم بأنجازها بشكل ملموس ( مرئي ومسموع ) .
* من خلال ماتوصلت اليه من بحوث في تجاربك المختبرية حول لغة الجسد ولغة الحركة،هل من فروقات واضحة مابين الراقص والممثل ؟ ثم ماهو الفرق في الحركة لدى الاثنين  ؟
- للجسد لغته الخاصة سواء في حالة حركته الموضعية او لاحركته او في حركته الانتقالية في الفضاء المحيط به ، ويستند ذلك على نبضات واندفاعات وحيوية تجري تحت الجلد بين الدم واللحم ويظهر ذلك في عملية التوتر ( الانشداد ) والاسترخاء العضلي وفي عملية البحث المستمرة عن التوازن المستقر ، ولهذا نجد الانسان حتى في حالة جلوسه او وقوفه منتصباً في مكانه يبحث عن وضعية ( او يتحول من وضعية الى اخرى ) من اجل العثور على راحته وفي هذه الحالة تحدث عملية التوتر والاسترخاء العضلي(في مختلف اعضاء الجسم ) وتحويل ثقل الجسم من نقطة ارتكاز الى اخرى وكل وضعية يأخذها الجسم تعبر عن حالة نفسية او فكرية تجري في الداخل وتظهر في صورة الانسان . ومن هنا فأن لغة الجسد تستند بالدرجة الاولى على الاندفاع من الداخل نحو الخارج وفي عملية الانبساط والانقباض أي انغلاق وانفتاح الجسد في وضعياته المتنوعة وفي عملية بحثه المستمر عن استقرار التوازن وبقاءه حيويا. أما لغة الحركة تستند على خلق العلاقات بين المبادىء التي تتحكم بالحركة أي مبدأ الانشداد والقوة في الحركة ومبدأ الزمن ( بمختلف سرعاته ) ومبدأ الفضاء ( بكل ابعاده الافقية ومستوياته العمودية ) في الحركة المنجزة . وبناءً على ذلك يتم ربط الحركات وتمفصلها على شكل لغة تعبيرية ، ومن الواضح ان لغة التعبير في عمل الممثل ( او الراقص ) تتم من خلال تضافر لغة الجسد ولغةالحركة .
* انت اطلقت تسمية (المسرح الوسيط)  بعد سلسلة من التجارب كذلك تسمية مسرح الاركان الذي اسسته في ايطاليا من اين جاءت هذه التسميات ومادلالاتها ؟
- الاركان في لغتنا العربية تعني الاعمدة التي تستند عليها طريقة ما . اي الاصول التي تستند عليها ، وهي جمع لمفردة ركن . وعندما اسست فرقتي كنت اعمل في ركن صغير ( في زاوية ) بعيداً عن الانظار ،في صالة صغيرة وكان هدفي أن أضع أركاناً لطريقة عملي . اذن ، إن تسمية فرقة ألاركان قد جاءت من واقع حقيقي ملموس وهدف محدد قمت بانجازه من خلال اخراج العروض ( منذ سنة 1984 ) ومن خلال تنظيم الدورات التدريبية في اعداد الممثل والراقص منذ سنة 1990 وقد انعكست ابعاد هذا العمل المتواصل في كتبي التي قمت بتأليفها باللغة الايطالية واللغة العربية منذ 1995 .
*ماتقوم به في المسرح الخاص بك من تمارين هل يوضع في اطار التجريب أم  انك تسعى لهدف آخر ؟
-إن التمارين ضرورة من ضرورات عمل الممثل منذ ان وضع ستانسلافسكي التمارين الاولى في منهجه لغرض اعداد الممثل وكان هدف ذلك هو ان يخرج الممثل من طور الهاوي الى طور الفنان المحترف وقد قمت انا كذلك ( مثل المعلمين الذين سبقوني ) بالبحث عن التمارين الخاصة والملائمة لهدفي في تربية نفسي فنياً ، ومن ثم لغرض الاستفادة منها في داخل فرقتنا . وبعد ذلك اصبحت هذه التمارين مفيدة ايضاً للعمل عليها في الدورات التدريبية ( البداغوجية ) للممثلين الذين كانوا يرغبون الاقتراب من طريقة عملنا والتعرف عليها عن قرب . والتمارين توضع لغرض إعداد ارضية لفن الممثل وليس من اجل اخراج عرض مسرحي . واعتقد ان المسرح" التجريبي  الذي ظهر في ستينيات القرن الماضي ،لم يهتم ولم يؤمن بشيء اسمه التمارين للمثل. وتجربتي المسرحية لاعلاقة لها بالمسرح التجريبي ، بل استندت على البحث والتحري في التقنيات الداخلية والخارجية للممثل . أما في عملية الاخراج ففي كل عرض مسرحي جديد هناك محاولة القيام "بالتجريب " للكشف عن امكانيات جديدة في التعامل مع مفردات العرض المسرحي ، ولكن لايتم في ذلك تجاهل المعايير والمقاييس الفنية التي يستند عليها تماسك ومصداقية العمل الفني .

*هل من شروط أولية لتحقيق المختبر المسرحي ؟ وهل بأمكان اي عامل مثقف ومجتهد في المسرح ان يباشر بتأسيس مختبر مسرحي ؟
- لقد قمت بأعداد كتاب ( صدر في الشارقة ) حول مسرح "غروتوفسكي " والمختبرات العديدة التي قام بانجازها ،لغرض ابراز ماهية وخصوصية عمل المختبر المسرحي . هناك شروط لتحقيق ذلك : اولا ينبغي أن تكون هناك مجموعة ثابتة ( عدد من الاشخاص ) تعمل سوية لفترة طويلة نسبياً
( لبضع سنين ) ويكون العمل متواصل حول اشكالية أو قضية يراد البحث في ثناياها والكشف عن أبعادها ومن ثم الاستفادة منها في المسيرة الفنية
(الفردية والجماعية للفرقة) ومن ثم يمكن أن تكون مفيدة كمحفزات للاخرين . مثل البحث في ماهية العضوية والاندفاع في الفعل البدئي ، أو اشكالية مشاركة المتفرج في العرض أو اشكالية علاقة الطقس في المسرح او ماهو الفعل الذي يقع ( وليس الفعل الواقعي ) وماهو الظهور وماهو المتظاهر ... الخ . كما نجد ذلك في المختبرات التي قام بها غروتوفسكي منذ فترة مسرح المختبر في بولندا عام 1959 ولحد عمله على" الطقوسية الموضوعية " في مركزه الذي اسسه في عام 1985 في ايطاليا والذي ترك البحث فيه لمساعديه بعد وفاته في عام 1999 . اذن ، هدف المختبر هو ليس اخراج عرض مسرحي ولايتحدد بزمن اسبوعين قبل بروفات عرض ما ، بل يبحث في اشكاليات تخص المسرح بشكل عام او فن الممثل ، لغرض الكشف عن معطيات جديدة أو البحث في معطيات قديمة للكشف عن امكانيات جديدة في التوظيف ،مثلما فعلنا نحن في المختبر الذي عملنا فيه داخل فرقتنا المسرحية في مدينة فلورنسة بين عام 1987 – 1997 وذلك من خلال طرح الاسئلة حول" فن الحركة "وماهي " النماذج الحركية " التي يمكن ان نستخدمها في انماء مطواعية الجسم او ماهية الطاقات "الجسمانية والجسدانية والبدنية " التي يستخدمها الممثل في عمله وكيف يمكن تفعيله . وقد قمنا بتجربة ذلك على أنفسنا عملياً ، ومن خلال التمارين ، لغرض الكشف عن ابعاد ذلك بشكل ملموس ( وليس نظرياً ) . وبالرغم من ان هناك من سبقنا في البحث في ثنايا فن الحركة والطاقة في عمل الممثل لكن أردنا ان نبحث ونستكشف ، وقد توصلنا مثلا ً الى تحديد ستة نماذج ( تيبولوجي ) من الحركة التي اصبحت بالنسبة لنا اساساً في اعداد اعضاء فرقتنا ومن ثم بدأنا بتوظيف ذلك في الدورات التدريبية خارج الفرقة لكي يستفيد منها الاخرون . وهذا يعني ان "الدورات التدريبية ،والورك شوب، والسيمناري" التي نقوم بها في انحاء مختلفة من العالم هي ليست مختبر ، بل امتداد للبحث والعمل في المختبر لفترة طويلة .

خطأ التركيز على الرأس وترك الجسد

*في موضوعة ( فن الممثل ) ماهي اشكالية استلهام التراث من منظور البحث على الهوية ؟ ثم  اين تجد الخلل في كل ماطرحته التجارب السابقة في المنطقة العربية ؟
- ان البحوث والتجارب التي اهتمت بالتراث ( العربي والاسلامي ) منذ منتصف الخمسينات للقرن الماضي ركزت بالدرجة الاولى على اشكالية البحث عن " الهوية الثقافية " والفكرية وانعكاساتها في المسرح وبالتالي تم استدعاء التراث من حيث البعد الفكري والادبي من خلال قراءة جديدة لكتب التراث ، وقد اعطى ذلك مردوداً جيداً في كيفية كتابة النص الادبي المسرحي او القيام بتمسرح بعض الظواهر للعروض التراثية ( خصوصاً الحكواتي والسامر ) وعلاقتها بالجمهور وفي كلتا الحالتين ( في حالة النص والعرض ) لم يتم الاهتمام بل تم تجاهل " فن الممثل " واقتصر الامر على الاشارة الى عملية " الارتجال " الذي تم ربطه جزافاً بالتلقائية والانسيابية والعفوية ( وزج ذلك عنوة واجحافاً بارتجالات كوميديا ديللارته لدى الممثل المحترف ) ، وكأن الارتجال هو الخروج عن النص أو عدم وجود نص أو التهريج مع الجمهور . ان البحث في التراث عن الافكار والنصوص يعني التركيز على" الرأس" وترك" الجسدالعضوي"الملموس للممثل(المسرحي) 
في الظل . وفعلا لم نجد بحوثاً ميدانية في ثنايا التراث عن اصول فن الحركة أو تقنيات جسدية أو صوتية أو ذهنية مسرحية تخص الممثل . وبالتالي بالرغم من مرور الزمن لم تتمخض لدينا اصول بداغوجية للممثل تستقي مفرداتها وبعض اجراءاتها من ينابيع التراث المتعددة . وبقينا في حدود الاعتماد الكلي على بحوث ستانسلافسكي في اعداد الممثل وعلى بحوث مايرهولد وغروتوفسكي ( على قدر الاجتهاد في ذلك ) . ولكن ماذا اقول في هذا المضمار انطلاقاً من تراثي عندما اجلس مع باربا أو بروك أو عندما اعمل مع ممثلين في اوربا ؟ سؤال طرحته على نفسي قبل ثلاثين عاما ولازلت ابحث عن اجابة عملية مفيدة لي وللاخرين . إذن ، هناك " هوية ثقافية فكرية " يتقاسمها الافراد الذين ينتمون لتراث معين ، وهناك " هوية فنية " ( حرفية يتميز بها كل فنان حسب اختصاصه ) اي هناك تراث فني ينتمي إليه كفنان يتفاعل مع تراثه ( الفردي – الجماعي ) الذي ينتمي إليه كأنسان . ومن الضروري في رأينا ، الاهتمام بكلتا الهويتين وليس بأحدهما على حساب الاخرى .

الهوية ليست قضية  أصالة وتأصيل .
*هل يكفي استلهام حكاية من التراث أو التاريخ العربي لتأصيل هوية المسرح العربي ؟ وفي اي اتجاه ينبغي الذهاب إليه لتحقيق هذا الهدف ؟
- يتكون المسرح من سلسلة من الحلقات ( أو الاقطاب ) المتنوعة ويشكل النص الدرامي احدى هذه الاقطاب . ولكن لايمكن تشخيص هوية المسرح بالنص حصرياً . وعندما نريد ان نرسم خريطة لواقع حركة عضوية للمسرح في مجتمع او ثقافة ما سنذهب للنظر في تلك الحلقات المتنوعة او الفضاءات المتعددة : النظر في اشكاليات فن الممثل ، والفضاء المعماري المسرحي ، واشكاليات تأليف النص الدرامي ، وفضاء العرض والتطبيقات العملية اللازمة لتحقيق ذلك من تقنيات وحرفيين مختصين في الاضاءة والسينوغرافيا والازياء ) . وكذلك معالم ( توبولو جية ) طبيعة المتفرج ، واساليب النقد الدرامي ، ونظريات الدراما وكتابة تاريخ المسرح ،والبحوث التنظيرية الميدانية ... الخ . اذن من اجل تأصيل " الهوية الفنية " للمسرح يتطلب عمل جماعي في كل هذه الفضاءات التي ذكرناها وذلك يحتاج الى تراكم معرفي وعملي والى مؤسسات تنظيمية وفرق مسرحية نشطة ومراكز ومختبرات مسرحية ومعاهد واكاديميات للتأهيل الاساسي ، وبحوث نظرية وكتب ومجلات متخصصة ، ودعم مالي ، والتفاعل الثقافي بين الثقافات المختلفة ( من الشرق والغرب ) والتفاعل بين التراث ( من حيث الثقافة والفكر وتفعيل مفردات واجراءات عملية المتواجدة في مختلف القنوات الفنية والطقوسية ) ومسيرة فن المسرح والثقافة المعاصرة . ومشكلة " الهوية " في نظري هي ليست قضية " اصالة وتأصيل " بل هي عملية طرح مبادرات ( فردية – وجماعية ) عملية لغرض التأسيس لارضية مسرحية ( في مختلف الاقطاب ) من دون تجاهل التراث ولاتجاهل من سبقنا في مبادراته وتجاربه المسرحية التأسيسية . وهناك اختلاف بين أن اقوم بإخراج عروض مسرحية أو أمثل في عروض مسرحية وأنجز تاريخ ( وسجل ) للابداعتي الشخصية وأن اقوم بالبحث العملي – النظري – من اجل حرث أرضية المسرح ونثر الذور فيها وسقيها ومراعاتها لكي نجني ثمارها المفيدة لنا وللآخر . والفن هو أخذ وعطاء ، وقد أخذنا منذ أكثر من قرن من المسرح الاوربي في مجال " طرق التمثيل " ، مثلا ، فماذا اعطينا نحن ؟ ماذا يمكن ان نطرح من مبادرات في هذا المجال من اجل المساهمة ( وليس التأصيل ) في حركة المسرح المعاصر ؟ سؤال كررته على نفسي منذ اكثر من حوالي ثلاثة عقود في غربتي الغربية في ايطاليا ، وحاولت أن اطرح اجاباتي ( نقطة في جريان نهر ) في مسيرة عملي وتفكيري في فن المسرح

*هل تجد أن الارباك والتخبط وعدم وضوح المسار في البحث عن هوية للمسرح العربي قد اضاع هوية الممثل العربي ؟
- لقد سألت في احدى المرات احد الاساتذة في العراق ( وهو ممثل محترف مرموق أكن له احتراماً كبيراً ) سألته مالفرق بين الممثل العراقي والانكليزي ، مالذي يتميز به الممثل العراقي ، ؟ فأجابني : "الاحساس العميق " . فقلت له : هل يمكن ان ادرس الاحساس في الاكاديمية العراقية ؟ قال : " لا بالطبع " . ولو اردت أن اذهب الى كامبرج ( كما فعلت انت ) أو الى روما أو البرازيل ماذا أطرح لمريدين المسرح في مجال"  اعداد الممثل " مالذي نتميز به نحن في العراق ؟ سؤال ينبغي البحث عن إجابة له ! ويشكل عملي ، ماهو الحوار الحضاري الذي يمكن أن افتحه مع مسارح الثقافات الاخرى ( الاوربية والصينية واليابانية ) في هذا المجال بالتحديد ؟ في مجال " فن الممثل " الذي يشكل قطباً اساسياً ( مع المتفرج ) في المسرح ؟
* بعد أربعة عقود من العمل في اوربا كيف تنظر الى ماضيك ؟ والى ماذا توصلت من قناعات وأفكار ؟
- فعلي المسرحي ماهو الاّ امتداد لذاكرتي ( لتراثي وتجربتي الشخصية ) وذلك هو حضور ممتد ( يختلف عن الذكريات والمذكرات المسجلة لاربعة عقود ) . عزمت في مسيرتي المسرحية على ان أمسك القوس في يدي اليسرى وأسحب الوتر باليمنى وكلما سحبت الوتر نحو الوراء ( بعزم ) ذهبت نحو " الجذور العضوية " لذاكرتي لينطلق السهم نحو المرمى الذي انظر اليه بشغف في خضم معمعة الحياة المعاصرة . وكل عرض مسرحي اخرجته وكل دورة تدريبية أو مختبر مسرحي نظمته وكل كتاب قمت بتأليفه أ و ترجمته كان موقعاً انطلق منه " سهمي " و( مساهمتي ) في الدرب الطويل لتجربتي المسرحية .

*انت عشت تجربة حياتية غنية وشاقة وممتعة رأيت فيها الكثير من البشر والكثير من الامكنة وتعاملت مع فلاسفة وفنانين إضافة الى بسطاء الناس ، مالذي يجعلك تشعر بالسعادة والاستمرار بهذا الاندفاع تجاه الحياة ؟
- عندما تعرفت عن قرب على تجربة غروتوفسكي وعلى تجربة مسرح الاودن ومؤسسها المخرج الصديق ( ايوجينو باربا ) ، شعرت أن لي اصدقاء ورفاق درب سبقوني في معاناتهم وهمهم ، وعلى حد قول الاتراك وجدت فيهم " أرخاداش " اي بمعنى ( صخرة ظهري ) سندي الذي أتكىءُ عليه في لحظات التعب أو مواجهة الصعاب ،ولي رفاق درب في العراق وفي ايطاليا ( اعضاء فرقتي ) واعضاء فرق المسرح الثالث في اوربا وأمريكا اللاتينية وأشاطر كل هولاء الهم والعزيمة في طريق الابداع المسرحي وقد قيل لي " إن كنت تعبر الصحراء وتفكر بنفسك فقط ستهلك ، ولكن لو كنت تفكر برفيق درب أو حبيب لك ستنجو " " والاندفاع " في الحياة وفي المسرح يتحقق بوجود الشريك ( الاخر ) في القرب أو البعُد . وذلك هو مايجعل حبل المودة  ينشدُّ بين الحشى والقلب وان يستمر الاندفاع نحو الحياة .
*الى ماذا تسعى وتخطط للايام أوالاعوام  القادمة ؟
- أعمل حالياً مدرساً لمادة التمثيل في قسم المسرح في كلية الاداب في جامعة دهوك . وفي هذا القسم الذي تأسس قبل اربعة اعوام بعزيمة المبدع الدكتورابرهيم احمد سمور ورئيس الجامعة ، بدأت المساهمة مع هيئة اعضاء التدريس في اعداد مجموعة من الطلبة اكاديميا ً وفي نية القسم ان يقوم بتوكيل بعض اعضاء هيئة التدريس بأخراج عروض مسرحية مع طلبة المراحل الاربعة ، وفي هذا المجال افكر بالعمل بمشروع عرض مسرحي يستند على نص الشاعر الروسي بوشكين ، ومن جانب آخر بدأت بنشر 15 مصطلح ومفهوم مسرحي من سلسلة 50 مصطلح باللغة الكردية في جريدة ئفرو في دهوك ،وسيكون ذلك مشروع كتاب باللغة الكردية والعربية .وفي نفس الوقت أقوم بالتنسيق مع فرقة شور شفان المسرحية ودائرة المسرح في دهوك من اجل استضافة فرقتي المسرحية ( مسرح الاركان ) من ايطاليا في شهر اكتوبر عام 2012 لتقديم عرض مسرحي من اخراجي بعنوان "شهرزاد "  واقوم كذلك بمشروع اعداد كتاب جديد حول " فن الاخراج المسرحي " . وقد صدر حالياً ( في هذا الشهر ) في القاهرة كتاب " العضوية والطقوسية في مسرح غروتوفسكي " من اصدارات الهيئة المصرية العامة للكتاب 2012
*نشر في صحيفة الزمان السنة الخامسة عشرة العدد 4237 الخميس 28 حزيران 2012 م الطبعة الدولية




ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ 
نشرت في صحيفة طريق الشعب العدد 167 السنة 77 الاثنين 23 نيسان 2012 م



المُمَثِلونْ  ..                
                               اهداء / الى كل ممثلٍ مسرحي
"نكونْ أو لا نكون ْ
ذلكَ هو السؤالْ ".  .*
أصواتُنا  تَهمي مِن أقداحِ ِ يقظَتِنا ،
ننسُجُها  ُ: أقنعة ً
أبجَديّةَ َ مَرايا
حَيواةًً تَنبِضُ فيها الروحْ  
مَلكا ً مخدوعا ً  يَهِيمُ على وجهِه ِ،مطعوناً في شيخوخَتِه ِ
إمرأةً ألمانية ً، تُواجِهُ هَمجية َ الحَربِ بشجَاعةِ  الانبياء ْ
أُميراً دانماركياً يَنقصهُ الاِقدَامْ
فُقَراءَ يَدفنونَ أحلامَهُم في حَضيض ِ روسيا القيصيرية ْ
مُشعوِذِينَ يَرتَقونَ سَلالمَ السُُّلطةْ بِشكل ٍ خَاطفْ
نُبلاءَ يَخونُهُم أتباعُهُمْ
فارساً مغربيا ً يُقتُلهُ الشّكُّ مِن فَرط ِالعِشق ْ
غُزاةً  مُبتَهِجينَ ، يَلتقِطونَ صُورا ً للذكرى وهُمْ يَرفَعونَ إشارة َالنصر ِ
على مؤخِّراتِ الضّحايا .

هي مَسَاقِط ُ ضَوءٍ نَسكبُها مِن عُشبِ أرواحِنا  
الليلُ فيها  يَرمي َصمتَه ُ
يَستدلُّ على وجهِهِ
يَرتدي ثوباً مُرصّعاً بالنجوم ْ
كُلما ضَاقَت الايامُ على الخَلق ِ في المُدنِ الواسعة  المُنتَظرة ْ.

من نكونُ نحن ُ في هذا السِفْر المُتقلّبِ
بينَ الظُلمة ِ والضوء ْ
بين قناع ٍوقناعْ
بين الرؤية ِوالجُرحْ
بين اليقظة ِ والحُلُم ْ   . . ؟
من نكون ُغَير َ أطفالٍ نُخبّىء في جيوبِنا  مُعجِزات ْ
لاأحدَ يعبأ بِها سِوانا
من نَكونُ نحنُ غَيرَغُرباء يبتسمونَ في غُربتِهمْ
من نكونُ نحنُ غَيرَ مُدن ٍ للتأمُّلِ  لاسأمَ يَسكنُ  فيها  
أجسَادُنا  
بِها نَهتكُ  ُظلمة َالمرئي
نُقيمَ  شَجرَ المَعنى .  . .
ماكانَ لنا بَحرٌ في صحراءٍ نَمضي بِها
ماكانَتْ لنا أرضٌ
ماكانَ لنا بيتٌ في اغتِرابِنا . .
كانَ لنا ماسيكونْ
وَمالمْ يَكُنْ 
ومايَنبغي أنْ يكونْ . . .

كانَ لنَا ماينأى الاخرونْ عَنهُ
كانَ لنَا قلقٌ لانفارِقَهُ ولنْ يُفارِقَنا ،
نقيمُ فيهِ ويُقيمُ فِينا
نَتوقُ اليهِ إنْ غَابَ عنّا  . . .

نَحنُ كواكِبُ شاردة ْ
بَراءَتنا إحتَسَتْها البِلاد ُخلفَ الكواليسِ ِ
جُرعةً ً
جُرعة ً
فَبِتنا على شَكلِها ولونِها ومَقاسِها ،
بحلوِها ومُرِّها وحموضَتِها    
فكانتْ لنا  وكنّا لها في خِتام كُلِّ مَشهد ٍ ، طَعنة ً ٌفي الحُنجرة ْ .
نحنُ الممثلونْ
نحنُ الهائمونْ
نحنُ الباذخون ْ
نحنُ الطّالعون مِن نبوءات ٍ ثيابُها طَاهرة ْ
موحِشا ًبعدَ اسدالِ السِّتار كانَ الوقتُ يدورُ مِن ْ حَولِنا .

·       جملة شعرية شهيرة لشكسبير في مسرحية هاملت .

                                              مروان ياسين الدليمي
                                                13/4/2012









نشر في جريدة التأخي العراقية بتاريخ 24/11/2011 العدد 6217
   نقد مسرحي :    
مروان ياسين الدليمي / اربيل

الحرامية . .

إتقان اللعبة في صياغة الخطاب المسرحي  .





تأليف واخراج : رفيق نوري
تمثيل : حمه سعيد ، نوزاد رمضان ، تارا عبد الرحمن ، كوفار أنور ، تحسين اسماعيل ، كمال دانيال
مدير انتاج : هيوا سعاد
تاريخ العرض : 31/10/ 2011
مكان العرض : قاعة الشعب في اربيل
تقديم : منتدى عنكاوا للفنون بالتعاون مع مديرية الفنون المسرحية في اربيل
                                           

المنطق الجدلي
الدراما فن يستند في بنائه على الجدل بين الحاضر والماضي ، بين الواقع المرئي والمحسوس وبين واقع مفترض متخيل ، وفيما لو غاب الجدل عن الرؤية التي تحكم هذه العلاقة غابت الدراما ، فما جدوى ان تقلب صفحات الماضي دون ان تمتلك مجسا ناقدا يدقق من جديد في كنه ومسار الاشياء والاحداث ؟
 من هنا كانت اهمية الاعمال المسرحية لعدد من الكتاب الذين مروا في تاريخ المسرح العالمي ، ذلك لانها لم تخرج في بنائها عن المنطق الجدلي الذي كان يحكم رؤية الكاتب للاحداث والعلاقات الانسانية التي تناولها في نصه ليخرج بافتراضات وتصورات قائمة على توفر المنطق في بنائها .
وهنا ليس  بالضرورة ان يكون مايتوصل اليه الكاتب باعتباره حقائق ثابتة ينبغي تصديقها والقبول بها  باعتبارها استنتاجات لاتقبل الجدل والتقاطع والرفض ، بل يبقى مايتوصل له اي كاتب ماهو الا من باب الفرضيات التي تحتمل اوجها عدة تتراوح مابين الرفض او القبول لكن يبقى المنطق هو اللبنة التي ينبغي توفرها كقاسم مشترك في اية فرضية يتم طرحها من قبل الكاتب .
وفيما لو  ذهب الكاتب الى الاتجاه الاخر باعتبار مايطرحه من افكار ماهو الا حقائق ثابتة فأنه بذلك يكون قدم حكم على عمله بالفشل ، وبالتالي سينعكس ذلك على موقف ورد فعل المتلقىء للعمل الدرامي والذي سيتسم هنا بالرفض وعدم التواصل مع العمل ، ذلك لانه ينطلق من قاعدة خاطئة في تحديد ورؤية العمل الفني عندما يضعه في اطار مقفل على الافكار المطروحة فيه دون ان تكون  عرضة للنقاش والحوار والجدل في ذهن المتلقي . وهذه القاعدة الخاطئة تجعل من النص يسقط في هوة بعيدة تقصيه عن جنسه ومساره الفني المفتوح كما تلصق كمامات على فم المتلقين كي لايدخلوا معه في حوار جدلي،  وهذا هو ماينبغي ان يقوم به العمل الدرامي واي عمل فني .
 فما جدوى ان تقدم عملا فنيا دون ان تفتح الابواب مشرعة لحوار يتقاسمه المؤلف مع الاحداث والشخصيات التي يتناولها من جهة والمتلقين من الجهة الاخرى ولن ينتهي هذا الحوار مع انتهاء العمل الفني بل يبقى قائما حتى بعد الانتهاء من قراءة او مشاهدة العمل لفترات قد تطول او تقصر تبعا لعمق ومستويات الافكار والرؤى المطروحة بين طيات الحوار والصور الفنية التي يحملها العمل الفني .

المخرج المؤلف
مسرحية الحرامية التي كتبها وقدمها (نصا وعرضا مسرحيا ) الفنان رفيق نوري حنّا توفرت فيها جملة من العناصر الفنية  التي اشرنا اليها في المقدمة . فلم يكن نوري وهو يكتب هذا العمل يسعى الى تقديم مجموعة من الشخصيات الانسانية المتواجدة والمقيمة في مستشفى للامراض النفسية والتي تعاني امراضا نفسية مختلفة نأت بها معزولة عن المجتمع لتجتمع في مكان واحد افترضه فنيا  حتى يكون حاضنة مكانية مكثفة يمكن عبرها ومن خلالها بناء نسيج من العلاقات الانسانية فيما بينها لتكون توطئة للوصول الى اعماق تلك الشخصيات وصولا الى رسم دائرة واسعة من الاحداث والدوافع التي جعلت منها بالتالي مهزومة ومأسورة بمشاعر وهواجس وخيالات مريضة غيرواقعية انتهى بها هذا الحال في نهاية المطاف الى ان تكون في مستشفى للامراض النفسية والعقلية .
 ولكي نبقى في اطار المفاهيم الدرامية التي انطلق منها وبنى عليها هذا العمل لابد من الاشارة الى  ما يحسب له لصالح هذه التجربة عندما يكون مؤلف النص الادبي هو مخرج العرض .  نظراً لعمق التجربة المسرحية للفنان نوري التي تمتد لاكثر من ثلاثة عقود توزعت مابين التمثيل والاخراج وتدريس الفن المسرحي في معهد الفنون الجميلة ،  فقد انعكس ذلك بشكل واضح على طبيعة النص المكتوب على الورق الذي اتيحت لي فرصة الاطلاع عليه وقراءته والذي لم يكن سوى بمثابة مسودة اخيرة للخطة الاخراجية التي بني عليها العرض المسرحي .
وينبغي الاشارة هنا الى لغة النص التي كانت مكثفة وموجزة وخالية من الزخرفة اللفظية والبلاغية ــ التي عادة ماينشغل بها كتاب نصوص الادب المسرحي التقليديين ـــ ولتذهب اللغة في فضاء الايماءة والايحاء الذي يمنحها طاقة درامية تأويلية تحث المتلقي على التأمل والتفكير في مايراه ويلتقاه من شظايا الافكار التي تتاجج  وتتطاير نتيجة الصراع المحتدم في ذات الشخصيات ومع ذوات الشخصيات الاخرى .
ايضا ينبغي ان نشير الى ما توفرفي المسودة او المخطوطة الادبية من  نقاط انطلاق فنية كانت بمثابة هيكل فني واضح الملامح  لمعمار ألعرض المسرحي ، وقد خلا  في مجمل عناصره ( الاحداث ، الحوار ، الشخصيات ، فضاء الاحداث ، الافكار ) من اية تفاصيل  فائضة عن الحاجة يمكن التغاضي أوالاستغناء عنها .
وهنا يتضح مدى النضج الدرامي  الذي يمكن ان يتوفر في اي عرض مسرحي عندما يأتي من  مشغل مؤلف درامي له تجربة عملية بكل تفاصيل الشغل المسرحي على عكس النصوص التي يكتبها اولئك الذين يأتون غالبا من حقول الفن القصصي او الروائي او اي فن ابداعي اخر وهم لايملكون  اية تجربة عملية وميدانية مسرحية مما يوسم اعمالهم بطبيعة الحال بالترهل ، والاستطراد ، والحشو ، اضافة الى  احتوائها على تعليمات وملاحظات اخراجية لاقيمة ولاجدوى من الالتزام بها ) ومجمل ذلك لايساهم في بناء وتطوير الحدث الدرامي .
هذا اضافة الى ضعف المعرفة في بناء تفاصيل الفضاء الدرامي الذي تتحرك فيه الشخصيات  في اغلب هذه النصوص ، فأما ان يكون فضاء خياليا غير قابل للتنفيذ على رقعة الخشبة المسرحية لعدم توفر الدراية الواقعية الكافية بما تمتلكه من طاقة وقدرة وامكانات . او يكون فضاء غارقا في طبيعيته مما لايترك اية فسحة للخيال ان يلعب دوره في التجربة الفنية ،وليصبح بالتالي كتلة ثقيلة على الخشبة ، قد تؤدي اي وظيفة ممكنة الا الوظيفة الدرامية التي تغيب عنها  .

 سلطة المخرج
كان عرض الحرامية الذي تصدى لتقديمه مجموعة من الممثلين الكوردالمحترفين عرضا مسرحيا توفرت في منظومته ( البصرية والسمعية)  مجمل العناصر الفنية التي عادة ما  تسود الاعمال الفنية التي تنجح في استقطاب وعي المتلقي ووجدانه وتجعله وهو يتلقى التجربة الجمالية للعرض الفني وهو في حالة من التواصل والتوقد  الذهني والشعوري ، وهذا قصد جوهري لايغيب عن وعي المبدع  مطلقا كلما  اراد ان يكون في المواجهة مع اي مشروع فني جديد لم تتضح ملامحه بعد وكلما تصدى لتقديم عمل فني يعبىء فيه هواجسه وتأملاته وقراءاته الفلسفية والجمالية للقضية التي يسعى  لطرحها باطار رؤيته ومعالجاته الفنية التي تكتسب رشاقتها وتفردها الاسلوبي من خلال عمق التجربة الانسانية له بكل روافدها وهو يحرص كل  الحرص على نشدانها واكتمالها في البناء العام للتجربة الفنية  لكي يصل الخطاب المسرحي الى المتلقي في سياق جمالي وهو يمتلك عنصر المتعة بمعناها المطلق والشمولي( الفكري والعاطفي)  .
"المخرج هو المبدع الكللي للعرض المسرحي وهذا هو دوره الطبيعي الذي لاينافسه فيه احد"  اي بمعنى هو الذي يتحمل المسؤولية الكاملة عن النص والتمثيل وتصميم الاطار المادي للعرض (السينوغرافيا ) والمخرج رفيق نوري مارس دوره السينوغرافي كاملا في هذه التجربة  متلمسا طريقه على خشبة المسرح بالاعتماد عى مجساته الذاتية التي رسختها حرفيته ومهنيته المسرحية التي نطقت بجمله الدرامية  في مفردات لغة العرض البصرية والسمعية بعد ان طوعتها ووظفتها لخدمة الجملة الدرامية وهو يرحلها في البقع الضوئية التي كتبها بالوان محددة مابين الازرق والاحمر والاصفر لتنتشي اللحظة التعبيرية بطاقة من البوح والكشف الاستفزازي الايحائي .
كذلك  انغمر المكان الذي تدور فيه الاحداث ( المستشفى ) بمستويات متدرجة لقطع الديكور التجريدية التي جنحت لان تكون سلالالم غير متناظرة انفتحت في اغترابها التجريدي على واقعية العذابات التي حملتها اليها الشخصيات وحملتها بالتالي مدلولات جديدة وبعيدة عن ايقونيتها وهي تتحرك عليها بتعدد مستوياتها . هذا اضافة الى مفردة الاسرّة المتحركة على عجلات والتي دون عليها المخرج نوري اكثر من جملة درامية باشكال وتوظيفات متنوعة ومختلفة وهو هنا قصد أن ينحت اشكاله من وحي فهمه وتبنيه لمنهج الحداثة ولتحمل الدلالات  لديه بالتالي مدلولات متعددة ومتنوعة اخرى بعيدة عن وظيفتها الاجتماعية المستهلكة والمتداولة.

وفيما يتعلق بالممثلين المحترفين الذين اعتمد عليهم فقد تفادى نوري ان يزج نفسه في اشكالية قد لاتكون لصالحه عندما لم يغامر في الاستغراق باستثمار الطاقة الجسدية بما تمتلكه من كشوفات مشفرة  كما هو الحال في التجارب المسرحية الحديثة . ذلك لانه يدرك بحكم خبرته وفهمه لطبيعة الواقع ماهية القدرات المتاحة امامه والتي تربّت على نمط من الاداء الكلاسيكي يستند بشكل اساس على التعبير الصوتي ولايعير اهمية كبرى للطاقة التشفيرية  التي يملكها الجسد . وذلك للغياب التام في  استثمار( البيو ـ ميكانيك )  الذي كان قد توصل اليه مايرخولد كطريقة في اعداد الفيزيقي / البدني للمثل بهدف الانجاز الخارجي العاجل للمهام التي يكلف بها .وهو نقيض منهج المعايشة الداخلية للمعلم الاول ستانسلافسكي ، لذا حاول نوري  ان يستمثر مايمتلكونه من خزين حرفي ّوخبرة متراكمة في الاداء النمطي  ليوظفه بالاتجاه السليم  الذي يدخل في السياق الفني الذي يسعى لتقديمه . وهذه قضية فنية تواجه المخرج المعاصر في سواء في اقليم كوردستان او في العراق اذ مازالت اساليب اعداد الممثل لجسده ضعيفة جدا ولم  تأخذ اي جزء من اهتمامه ، لذا من الطبيعي ان تتعطل الطاقة التشفيرية لجسد الممثل ويبقى الصوت هو الوسيلة التي يعتمد عليها الممثل دائما  في التجسيد والمحاكاة والتشخيص .  وعليه لابد ان تأسف كثيرا عندما تجد ممثلا شابا يملك موهبة ناضجة وجميلة في التمثيل مثل (     ) ويملك اطلالة قوية جدا على الخشبة بما يتسم به ادائه من استرخاء وعفوية في اداء الفعل ورد الفعل قد يعجز عن الوصول اليه  الكثير من نجوم المسرح العراقي ، وهنا نستذكر مقولة للمعلم ستانسلافسكي " الشيء الرئيسي في فن الممثل لايكمن في الفعل ذاته بل في نشأة الميل الى الفعل نشأة طبيعية فهذا الميل هو بالضبط نصف الموهبة " فمثل هذا الممثل بهذا الحضور الاسر تأسف كثيرا له عندما تجده لايهتم ببناء جسده وترشيقه الى الحد الذي يمكنه  الخروج من حالة الترهل التي يعانيها والتي تسبب له البطىء الواضح في الحركة وبالتالي التعطيل التام لطاقة جسده التعبيرية . وهكذا هو الحال مع الممثلين المبدعين  (     ) و(   ) اللذان نجحا في تقديم دوريهما اعتمادا على مايمتلكان خبرة طويلة في المسرح الكوردي .وطالما الحديث هنا عن التمثيل لابد من  لذا ينبغي ان يصار الى اقامة دورات مستمرة لتدريب وتنمية المهارات والفعاليات الجسدية وبتعبير ادق ( مختبرات مسرحية ) ينتظم فيها من يعمل في مهنة التمثيل  حتى ترتقي قدرات الممثلين الى مديات افضل ولكي يستطيع المخرجون ان يستثمروا ويفجروا الطاقات المخزونة في جسد الممثل الكوردي . لان الجسد ماهو الاّ وسيط فاعل بين الانا والاخر .
اخيرا لابد من الاشادة بهذا العمل الذي امسك بخيوط اللعبة المسرحية بمهارة واضحة استثمر فيها المخرج رفيق نوري نزعته الى المزاوجة بين اساليب ومناهج متنوعة توزعت بين ماهو  تعبيري وتجريدي ورمزي . وقدم للمسرح في كوردستان عرضا فنيا ملأ فراغا واضحا بعمل مسرحي يتسم بمتعة الخطاب الفني  في المسرح الكوردي هو بأمس الحاجة اليه حتى يستعيد المسرح جمهوره الواسع الذي افتقده . ذلك لان مصطلح المسرحانية كما يؤكد د. صالح سعد في كتابه (الانا ـ الاخر ازدواجية الفن التمثيلي ) الصادر عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية يشير الى "الدور البارز الذي لعبه بقاء العرض المسرحي على خارطة الفنون  والاداب الانسانية كتعبير ضمني عن شوق الانسان الغريزي الى الفرح والاحتفال كمساحة مفتوحة للمشاركة وللابداع الجمعي "                                            
وختاما تحية لكل الممثلين والعاملين  الذين ساهموا فيه .



قيامة التأويل . .


تجنيس الهويه المسرحيه. . في القراءة الاخراجيه






قراءة نقدية في علامات تجديد البنية الفلسفية، في لغة الاخراج المسرحي .
للنصف الثاني من القرن العشرين، في مدينة الموصل .


(ان العناصر البصرية والسمعية للمسرح ، تشكل بنية مجازية . سيميائية
لها كل مواصفات النص(1). )
آن اوبير سفليد-
فيلسوفة بنيوية-












مدخل .. لاصطياد ثيمة العنوان.






ان هذه الدراسة : لا تسعى الى احتواء عروضاً مسرحية بعينها ، بهدف التحليل والنقد . انما تنشد استقصاء : تطور البنية الفلسفية للرؤية الاخراجية في تكوين الخطاب الجمالي للعرض المسرحي في مدينة الموصل . ابتدأً من النصف الثاني للقرن العشرين وحتى عام 2004 مستنداً في تعاملي مع موضوعة الدراسة على:
1. تجربتي المسرحية التي ابتدأت في عام 1972.
2. الوثائق الصحفية التي ذهبت الى رصد ومتابعة الفعل المسرحي
3. المقابلات والحوارات الشخصية مع من كان – بؤرة – الحضور المسرحي الفاعل في التجارب التي تلمسنا كثافة حضورها.






ألمحور الأول...


علامات … التفكيك والتكوين




غرباء في صالة العرض المسرحي:
لم يعد المخرج المسرحي المعاصر ينطلق عبر نوافذ النص المسرحي الادبي . بل لم يعد المخرج يحتمل التعامل مع نفسه بصورة مشوهه.انما اخذ يتطلع من خلال دوره الخلاق لاخضاع النص الى مستلزمات الفضاء المسرحي وتقنيته المتحركه. وهو بذلك يضحي بسلطة النص ويغادر بهاالى مؤلف جديد .لان النصوص الادبيه ما هي الا مشاريع عروض مسرحيه تستدعي من المخرج ان يصحبها الى محترفه الذاتي ليسلط عليها مشرطه وفقا لمنطق :1-التصور 2-الافتراض ..حتى تستوفي اشتراطات الفضاء المسرحي وتستجيب الى فعل التمسرح .مغادرة بذلك (قوقعة اللغه).
ان مايخطط له المخرج في افتراضاته وتصوراته ماهي الا :قراءة توليديه للنص. ينتج عنها قراءة اخرى ، تجيءبعد انتهاء العرض ، من قبل مجموع المتلقين والذين بدورهم سيتلقون العرض وهم يحملون مشارطهم بحثا عن اسئلة واجوبة جديده بقيت خفية وبعيدة عن الظهور امام المؤلف والمخرج على حد سواء .. بمثل هذا المنطق سيتم تشييد زمنا جديدا يتسع لكل ماهو مستور ومستقر في انساق العرض السمعيع والمرئيه.
اننا لسنا بحاجة الى جمهور واسع.طالما كانت فلسفتنا تنظر الى التجربه المسرحيه على انها: مغامرة شاقة لتفكيك اللغه المتوارثه .واقتحام عصيانها وهدمها. لنشكل عرفا اخر ولغة اخرى. وهذا الفهم يتم الوصول اليه عبر تكثيف الجهد والبحث والتامل بشكل متواصل من اجل استنتاج تجارب فنيه تنسف الية العلاقه القائمه مابين الجمهور والتجربه المسرحيه .


الخروج من الدائره المغلقه
ان غايتنا الحريه. حرية الشكل.حرية التلقي. حرية القراءه. فلم يعد مجديا الركون الى ارتباطات فنيه مسبقه لقيام التجربه المسرحيه. لان المسرح، باعتباره (فعل معرفه) وتقنية تعبير عن الانسان وهواجسه يمتلك الافق الواسع لاستيعاب المغامره والتجريب. بحثا عن حلول جديده لاطلاق الاسئله المتحركه في ذات الانسان.
الى ذالك. فان المخرج في تعامله مع النص الادبي يعيد اكتشافه من جديد. متحركا في مواطن مغلقه لم تستنطق من قبل المؤلف. متجاوزا بذلك مايتحرك على السطح من مكاشفات. مصحوبا بعدته المسرحيه (التقنيه والمهاريه) للخروج من النمذجه في التعاطي مع النص. والتي لاينتج عنها الاحلقه مفرغه من التكرار والنمطيه في بناء العرض .
من هنا: لم يعد المخرج ينظر الى النص المسرحي على انه دائرة مغلقة من المعاني والدلالات المكتفيه براهنيتها. بل وجد فيه اشبه مايكون بخطين متوازيين لايمكن لهما ان يلتقيا. وهذان الخطان هما: ( النص والمخرج) قبل العرض....( والمخرج مع المتلقي) بعد العرض..... لان هذا الصراع الثر قائم ولاينتهي مابين اضلاع هذا المثلث.
من هنا تتسع وتتعدد زوايا الرؤيا الى الموضوعات والافكار مابين المؤلف والمخرج والمتلقي في انتاج التجربه المسرحيه.. وعليه فان كل الصياغات الاجرائيه في الحذف والتعديل والاضافه واعادة التركيب من جديد من قبل المخرج ماهي الا محايثه للنصوص بمعان جديده. للوصول بالعمل المسرحي الى ان يكون حركيا في الية تعامله مع النص ومشتبكا معه لامستسلما. ولاينفك هذا الاستباك حتى بعد انتهاء العرض. بل تستدعي هذه العلاقه الجديده: كل عوامل التحريض على طرح الاسئله والسير في طريق التامل والتاؤيل.. ولعل المؤلفين سيجدون انفسهم غرباء داخل صالة العرض وهم يشاهدون نصوصهم وقد خرجت من ملكيتهم ومملكتهم. وحلقت في زمن اخر زمن شكلته الحرية المشاعه لكل اطراف اللعبه المسرحيه. ولم يعد النص منغلقا على الزمن الذي اأراده له المؤلف. بل تعداه الى زمن مفتوح بالدلالات التي شكلها ويشكلها المخرج والمتلقي. بهذه الامكنه البكر التي دشنها المخرج المعاصر مع النص. وماهي الا عودة الروح الى الجسد الميت.
من هنا: ضاقت الارض تحت اقدام المؤلف التقليدي وانزوى خارج اللعبه المسرحيه ومسارها. وانطوت صفحته ليقفز الى الخشبه: المخرج المؤلف.. والذي يشتغل مفكرا بلغة المعالجه الاخراجيه للمعنى الذي ينوي ترويجه على خشبة العرض. فهو لا يستطيع الخروج من ثنائية (التركيب + المعنى) عندما يخطط _للنص/العرض_ لان في ذلك يتجلى الدالين (النص+ العرض) في سياق واحد متراكب داخل انساق العرض السمعيه والبصريه التي تملكها علاقة تجانس وتوافق في تشكيل الصوره /المشهد.


الاجهاز على المؤلف
ان هذا الحضور الفاعل: لا ياتي الا من فهم مسوغات العمل المسرحي وعلاقته المتشابكه اثناء التمرين والتحضير للعرض.. يقول كاندس دالنغ (ان النصوص تقول دائما لا اكثر او اقل من مقاصد مؤلفيها او انها تقول ببساطه شيئا اخر )......... على ذلك عندما يرتبط المخرج مع نص ما فانه سيحاول ان يكمل النقصان الحاصل في النص. ويستدعي ما هو غائب للحضور على خشبة المسرح عبر اقنية مختلفه عن لغة المؤلف وفقا لمشيئة الاجراءات الافتراضيه داخل (مشغل التمارين ) الذي يفي حاجاته من خلال رحلة غامضه تسعى الى الاستعانه بعلاقة راسخة مع الية الاستعاره في كتابة النص من جديد. ليحرره من راهنيته. ويعدو به الى احتمالات جديده ومن ثم ليصبح ملحقا بقانون (الضروره).
ان اجراءات هذه العلاقه الجديده مع النصوص: اوقفت رحلة الكتابه الادبيه للمسرح وفق المنهج الارسطي. ولم يعد هذا الرهط من الكتاب قادرا على المصالحه مع استقلالية المخرج وتمرده على سلطة النص ومقترحاته بعدما اصبح النص خاضعا لاعادة توليده من جديد .بعيدا عن مكتفيات المؤلف. بل تم الاجهاز عليه وفق مقتضيات اللعبه المسرحيه وفضائها الفسيح بانساقها السمعيه والبصريه ليستجيب لتقنية الفعل المسرحي المتحرك وفق الضروره الدراميه. وبذلك سيتجه النص عبر العرض المسرحي نحو جهة اخرى لايرتضيها المؤلف التقليدي وسيصاب بالخيبه والخذلان.


سلطة الخشبه
ان المخرج حينما يتصدى لاي نص: يسعى الى تحريره من عبودية المحددات التي فرضها المؤلف عبر لغته. ليقوده المخرج الى فضاءات الخشبه المفتوحه والمنتصره لبلاغات: الافتراض والتصور الاستعاري للفعل الدرامي.. هنا وضع المخرج نفسه امام اختيار حر وشائك في البحث عن الخفايا المستبعده عمدا وسهوا عن النص. ولم يعد في موقع المستهلك المخدوع من قبل المؤلف. بل واضعا نفسه وتجربته في زمن ابداعي جديد. ليعيد امتلاك وتغيير بنية النص.. الى هنا وصل المخرج الى ايقاف مفعول النص الادبي باعتباره (بؤرة مركزية للعرض ) وتسلم عصا السلطه الانتاجيه لسينوغرافيا العرض بانساقها السمعيه والبصريه. ليكتفي بها المخرج في استبعاد سطوة الاملاءات الاستعلائيه الادبيه وليحرر الفضاء المسرحي من غشاوة الجمله الادبيه وغرورها. ولتنعتق الطرق امام المخرج ليحقق الممارسه الاخراجيه بلا وصاية مسبقة. وليؤسس (نصا) مسرحيا تم تشكيله في فضاء (الخشبه / المكان). وليس على الورق.
لاشك ان ذلك اعطى للتجربه المسرحيه خصوصية اجناسيه. لها صلة بامكاناتها الجماليه واخرجها من معتقل الادب الى فضاء (التمسرح) ولم يعد هناك قسرية كتابية مسجله على الورق تفرض نفسها على المخرج. بل خرج صانع العرض المسرحي من عزلته بندية واضحه. ليفرض هويته الابداعيه وليدجن المؤلف الادبي فيها..
بذلك: عبر المخرج بالعرض المسرحي الى رهانات اللغه المسرحيه التي خلخلت ارستقراطية النص الادبي. وامتلك العرض براءته من خطايا الغرباء الذين اقتحموا بكارته.
في هذا الاطار التغييري: كشف النقاب عن صيرورة بناء (النص/ العرض) بحركه اختزاليه رمت بالكثير من الاستعراضات الاستطراديه اللغويه. ليحل محلها بدائل مقاومه. استعاريه . مجازيه. تشفيريه. عباتها الصوره المسرحيه بما تمتلكه من قدره على تسريب الفعل المسرحي. ولم يعد المخرج مترجما ومكتشفا لافكار المؤلف. بل خالقا وممارسا لحريته في التعبير عن افكاره هو.محطما بذلك العلاقه غير الطبيعيه والمخادعه مابين النص والعرض.


كتابه جديده
وهنا ينفتح السؤال: مالذي يسعى اليه المخرج من وراء ذلك بعد ان ترك وراءه كل ذالك الارث الواضح الذي انتجته مؤسسة معرفيه قائمةمنذ الالاف السنين ؟
ان مايسعى اليه المخرج هو: البحث عن انتاج خطاب جديد يبلور نمطا تكنيكيايتم استدعائه عبر الممارسه التجريبيه وهي تتجلى من العلامات التي تاكسدت في متون ذلك الارث.كما ان هذا الخوض التجريبي يحمل في توغله بين ثنايا التجربه المسرحيه مقصدا فنيا لابتكار اشكال وستراتيجيات جديده ومتحركه لتهشيم مفردات الذائقه الجماليه المتداوله. والخروج من الوقائع الجاهزه .لايجاد بنيه اختزاليه ترتفع بالقيم والعلاقات التعبيريه الى خارج تشكيلات المؤسسه المعرفيه (التاريخيه) ومن ثم ليولد الاختلاف في التلقي. وتعدد القراءات للعرض. بعيدا عن الثوابت والاطر المرجعيه التقليديه المتوارثه. لنصل الى قطيعة معرفيه وجماليه مع ماهو مسبق من الافكار والنظم.وصولا الى كتابة جديده لكل عرض وتجربه مسرحيه.
من كل ذلك يسعى المخرج المعاصر الى التوغل الدائم في بناء خصوصية التجربه المسرحيه ورسم تفردها وعصيانها عن كل ما يجاورها من الفنون الاخرى. كذلك تنويع خصوصية كل تجربة مسرحيه وانغلاقها على نفسها.. هنا يتحول العرض الى دخول في تجربة متفرده بكل حقولها السريه وبحثا عما هو مخبوء تحت الافخاخ التي نزرعها في زمن العرض. المحتفل بعنصر التناقض القائم ما بين كل المفردات والاشارات المرفرفه في ذاكرة العرض .


القبض على جمر الاسئله
ان مانقيمه هنا على خراب السياق الطبيعي والمتوارث للعلاقات ماهي الا: رحلة انتشاء _لكن بارتياب _ضد الرماد وضد التالف المقدس. وارتماء تام في محنة. بزمان ومكان جديدين. بفعل الانتهاك الدائم لرايات ميراثنا.ذلك لان حقيقة علاقتنا الدائمه مع المسرح. هي في حالة استياء دائم لما انجزناه من قيود.
عليه فان خصوصية هذه العلاقه تقتضي: صراعا دائما مع انفسنا الى مملكة الرفض. لنقبض على جمر الاسئله باحتفال مجنون
ان غايتنا: المجابهة مع النفس. مع الذات. مع الوجود.. فما الذي يمكن ان نقدمه اذا لم نتخلى عن مافي جعبتنا من مهارات مكدسه بين ايدينا. بفعل الصدام والمجابهه.






حرية اللعب . .


المسرح … لعبة ، ترتبط بتقنيات جمالية ، تكشف في استقصاأتها عن حواريات تفكك كثافة الزمن … وتعيد سرده بصيغ وبناءات تتوزع على خارطة مسكونة بالتعري ، ضد النزول / الصعود . الى منظومة معرفية جمالية . تتقصد ابتكار الفوضى المزحزحة لفساد المعايير ، وهو يحتوي على صرامة نظامية متحررة ، بافتراضات مرئية ولا مرئية.
ان اصولية المدرسة الارسطية : اقتصرت اسئلتها على منظومة السرد القصصي للدراما ، المسوّر باللغة المصنعة ، وبقي التجريب فاتحاً ذراعيه امام النصوص الادبية المسرحية .. وكانت تلك الرؤية . قد انجزت مغريات ادبية مسرحية كثيرة . الا انها لم تخضع العرض المسرحي الى فضاء الحرية واحراز تقاليد التهديد والازاحة والتفجير ، في نطاق الممارسة الانجازية للرؤية الفنية – الجمالية – التي تواجه النص المكتوب على الورق وبقي العرض المسرحي . حتى اوائل القرن العشرين يتعثر باذيال النص الادبي المكتوب للمسرح.
الا ان التوازن في هذا السياق . قد اختل بفعل حركة مضادة – كانت خلاصاً – للعرض المسرحي من قيود المؤلف ونزعته المتفاقمة في الاستيلاء على كل شيء .. حدث ذلك مع بداية القرن العشرين من خلال راينهارت ، وما يرخولد .. فشدد هؤلاء على ترجيح دور المخرج في نحت العرض المسرحي ، بلغته السينوغرافية.
وهكذا تشكّل موقفاً جمالياً جديداً . في فهم (الحرية) الابداعية للمخرج المسرحي.
فكان (انتونان ارتو) بكل احلامه اللاعملية . واحداً من الذين قادوا حركية التحديث في قوانين ولغة العرض المسرحي … ساحقاً كل الحدود الستاتيك التي تحجم الدلات في المسرحية في تشكلات مدلولية مقهورة . وقاذفاً بها في معان تثير اسئلة لا تعرف طريقاً للاجابة.
ثم جاء بريخت وبروك وغروتونسكي . ليكشفوا عن ممارسات تمردية عن كل ما هو ينظوي تحت سلطة التقاليد . كانت رعشة الحرية ، هي التي تقودهم لطرح الاسئلة ، على الذات ، ومحاكمة مقولات التراث الفني الجمالية … واشعال الفتيل في كل الوقائع والاجابات الصياغية التي يقوم عليها العرض المسرحي الخارج من احشاء النص الادبي.
ان ما حدث وما يحدث في حركية الرسم التحديثي لمسار وبنية العرض المسرحي : ما هو الا فعل "صيرورة" ترتب عنها – وما زال – نتائج في جوهرية المنظومة النسقية للعملية الفنية البنائية للعرض المسرحي . وبالتالي تحولت مقولات الذائقة – النقدية – لدى المتلقي .. وصار المتلقي ، اقرب الى فعل المحاورة المتبادلة . مع المشروع الفني لدى المبدع ومنتجاً للافكار – وليس مستهلكاً لها – وهنا تكمن نقطة التحول .. في فاعلية – التجربة الابداعية المسرحية – وكذلك فاعلية التلقي التي احاطت بالخمول . والثقة المتبادلة ما بين المنجز الفني والمتلقي.
ان ما يشتغل عليه المخرج الحديث هو : ازاحة سلطة النص الادبي . وتقديم سلطة العرض المسرحي بانساقه الصورية والسمعية .. وهو بهذا يمنح الحرية الكاملة للعرض لكي يحلق في فضاء الخشبة . بعد ان تعمد كتاب المسرح ان يعتقلوا المسرح داخل حدود اللغة وتراكيبها البلاغية … الا ان ما حصل من تحولات ثورية جمالية مع بداية القرن العشرين . اعطى للمسرح فضاءات جديدة للعمل فيها … وبدأ يشكل تهديداً متسارعاً لكل التاريخ المسرحي المزيف للمسرح وفتحت الابواب واسعة امامه ليؤكد اختلافه عن باقي الفنون وحضوره يتاكد من خلال : القضاء التام على كل الصلات المزيفة مع باقي الفنون .. وازاحتها عن كاهله . واعادة قراءة العلاقات الايقونية مع كل مفردات العرض المسرحي اضـاءة .. ديكور .. موسيقى .. جسد الممثل … صوته . ومن ثم تكوين علاقات جديدة مع هذه المفردات .. تتحرك في حدود وفضاء الاختلاف عن وظيفتها المتوارثة … وتقويضها أي عزل (المدلول عن الدال) ، وهذا يتم عن طريق سلطة التاويل . ولقد اثمرت جهود رجال المسرح (مخرجون – ممثلون – مصمموا ديكور - ومصمموا اضاءة) في اختراق متاريس وتحصينات الكتاب الذين وقفوا ضد حرية المسرح .. فاخترقوا حضورهم "اللغوي" باستحضار كل ما تم تغييبه ما بين السطور … ان هذه القراءة الجديدة للعرض المسرحي بددت الظلمات التي غرق فيها المسرح … فكانت جهود كل من مايرهولد . ارتو . غروتونسكي.بتربروك … تفكيراً وعملاً (مغايراً) وتفجيراً لاسرار العرض المسرحي المتراكمة . لأنهم قد عملوا على تحقيق – واستجواب كل التراث المسرحي – اللغوي – وحاكموه . لانه قد دخل ارضاً ليست أرضه . وانتهك فضاءاً ليس فضاءه.
فأثمرت جهودهم في جعل العرض المسرحي عصياً على الامتلاك ومبتعداً عن السهولة التي ادمن عليها المتلقي لمئات السنين واصبح المسرح لايبوح باسراره للاغبياء والكسالى .
بل انطلق العرض الى تحقيق التجاوز ضد هو منطقي ومعقول وحلق في سماوات اللامعقول وصولاً لتاكيد ما هو منطقي ومعقول . ومن هنا تحرك العرض المسرحي من السكون الى الحركة المستمرة . واحدث اضطراباً وقلقاً لذيذاً في عقل المتفرج اليقظ … وعلى الرغم من ان فناني القرن العشرين قد ازاحو كل الممارسات القمعية اللامسرحية /الكتابية عن طريقهم . وبدأوا اقرب ما يكونوا الى الارهاصات والافتراضات الجمالية للمسرح … الا اننا تأخرنا كثيراً في الوصول الى ممارسة وعينا في الخلاص من الوقائع اللامسرحية المشوشة التي تجلبها لنا اللغة الأدبية الفخمة. وهكذا بقينا معلقين في داخل التاريخ واختصرنا الامكنة في مكان ضيق هو مكانه . وبذلك اصبح كل شيء متشابهاً واصبحنا نعيد تكرار ما أنتجه الذين سبقونا . وبقينا ندور في حلقة مفرغة من الوهم … كنا نعتقد بان هذا الفعل : هو الحضور لكنه لم يكن الا غياباً … وعلى هذا تأخرت الثورة المسرحية في العراق – اذا صح القول – حتى ثمانينات القرن الماضي .. عندما اخترق هذه الغشاوة الفنية المخرج صلاح القصب . الذي بدأ معركته منذ منتصف سبعينات القرن الماضي … وهكذا تمكن هذا الفنان ان يحقق الخلاص الفني للمسرح العراقي .. وبدأت باعماله : ملامح "الذات المضادة " تتكون . وتشكلت حلقة الصراع على خشبة المسرح العراقي .. وبدأت اصوات عديدة تعلن عن نفسها … وتمكنت من الخروج من عالم محدود الى عالم واسع الافاق . وبدأت الاصوات المسرحية الجديدة تمارس عليه التفكيك المنهجي لعربة المسرح العراقي المتهرئة . وتعلن اختلافها عما سبق قوله . وانجازه . وتحررت من كل سلطة او مرجعية سابقة … اننا هنا لا نخرج عن الصواب اذا قلنا ان فترة الثمانينات من القرن الماضي كانت علامة تحول في الفعالية الاخراجية .. اثمرت تحولاً نوعياً في المناهج الاخراجية .. وشكلت حساسية جمالية جديدة ذات طابع نقدي وتحليلي . وهي محطة ستراتيجية مهمة في مسيرة العطاء المسرحي سواء على العراق . او مدينتنا الموصل . التي انعكست فيها هذه التحولات على اثر افتتاح معهد الفنون الجميلة في النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي .. وبدأت جهود الفنانين العرب . وفي مقدمتهم المخرج التونسي المبدع المنجي بن ابراهيم .. تتواصل مع الجهد الذي كان قد بدأه الفنان شفاء العمري . قبل اكثر من عشر سنوات من ذلك التاريخ في تشييد منظومة مفاهيم متحركة ومفتوحة لبناء العرض المسرحي … لقد كان لجهود المنجي بن ابراهيم . الاثر الكبير في اضفاء (الديناميكية في الانشاء العلاماتي للصورة المسرحية )(وتحميل اللغة والنص المعمول به) دلالات اخراجية – تأويلية – مكتنزة بالمعاني . وهذا ما عبرت عنه جهوده في مسرحية (البدلة) و(الفدية) . وجاء الفنان عصام سميح ليشكل مع المنجي ثنائياً رائعاً في تجديد لغة الخطاب المسرحي الموصلي . وصياغته وفق اشكالية فنية مشفرة . وهذا ما تحقق مع مجموعة الطلبة الذين تخرجوا من تحت ايديهم والذين سيشكلون مع نهاية القرن العشرين الوجه الجديد للمسرح العراقي في المدينة.
لكن لم يكن هنالك من اسم قبل صلاح القصب . قد حاول ان يستثير المخيلة الاخراجية … ويخرج عن السكون الجمالي الحاصل في المشهد الاخراجي العراقي هذا اذا لم ننسى المخرج ابراهيم جلال ومحاولاته الفنية لاستثمار تقنيات المسرح الملحمي . لتوصيل افكاره الماركسية . وضخها الى المتلقي…
وعلى هذا : لم نجد نزعة (التشكيل والتشكيك) تظهر على سطح الخشبة العراقية حتى مجيء صلاح القصب . رغم ما كان يملأ العالم المسرحي الخارجي من تكوينات عمودية جديدة . تصيب المتابع بالذهول .. إذ كانت تتشكل هناك في اوربا تحديداً "ذاكرة جديدة للمسرح " يغلب عليها النزعة التحويلية لهيكلية مفردات الوعي الجمالي المسرحي .. وبدأت القدرات والخبرات الجمالية تنمو باتجاهات مؤرقة لاساطير المسرح . فكان غزو غروتوفسكي البولدني وهو يقيم (مملكته الفقيرة) وينحو الى اعادة صياغة الطقوس المسرحية لنجدة المتلقي من اشباح الحضارة المعاصرة التكنولوجية التي اصابت المسرح بالعطب .. وبيتر بروك الذي اقام (مكانه الخالي) ليعكس فيه رموزه واساطيره واشاراته . وهو يخاطب الروح الانسانية على ايقاعاتها البدائية سواء في ايران او في غابات افريقيا . او فوق جبال الالب وما زال السطح الخشبي للمسرح يتسع للكثير من البصمات التي كشفت العتمة في الزمن المسرحي العتيق … لكن اين كان اسلافنا من هذا الاشتعال الجليل ؟ ماذا فعل الرواد (عزالدين ذنون النون عبدالله زكـي ، عبد القادر الحلو ، محمد نوري طبو ، علي احسان الجراح ، راكان العلاف ، حكمت الكَلو ، عصام عبد الرحمن . والجيل الذي جاء من بعدهم) لقد قبع كل هؤلاء في مدينتهم نينوى . وهم في حالة من الاستقرار الفني يعيدون دائماً ما يشيدونه من هياكل عظمية . وظلت الصورة غارقة في ركود (التقاطيع الارسطية) عبر جميع اعمالهم الاخراجية … والنصوص الجاهزة التي استجابوا لها . وقدسوها . وغابت عن ارواحهم لذة الاكتشاف وكشط السطوح وتأمل الذاكرة باضاءات جديدة تزيح عنها كل التراكمات الفنية والرؤيوية .وبقي انجازهم في حدود الاستقرار والتشكيل الخطابي العقائدي . الذي يستجيب لسطوح اللوحة المجتمعية (سياسياً واجتماعياً) ولا يخرج عنها . فكان بذلك اسيراً للنظام الشمولي الذي يحكم الحياة بـعقيدة العبودية السياسية طيلة فترة النصف الثاني من القرن الماضي . وحتى الذيـن كانوا ضمن تكوينات المعارضة السياسية والمجتمعية اليسارية , وذاقوا جراء ذلك مرارة السجون والمطاردة (كالمخرج يسن طه) بقوا مجردين من حالة الارتماء في لهيب القلق الفني ، والبحث والترقب واكتفت اعمالهم ان تكون صدى عقائدياً لانتماءاتهم السياسية لا اكثر . ولم تملأ المشهد الفني بطروحات حداثوية . تمد الوعي والخيال الانساني الى التنامي وتشكيل منظومة جديدة للخطاب المسرحي . كرد جمالي على خطاب السلطة ورموزها الفنية.
على ذلك : لم يواجه السلفيون الرواد . انفسهم بالاسئلة التي تخترق بوابة الواقع .. ولم يسألوا انفسهم عن طبيعة القداسة التي تحكم منظورهم الفني الملطخ بتلافيف مجترة من تجارب وتعاليم تشمعت في معمارية ارسطية . مرة تتدلى بخيوط طبيعية واخرى واقعية فوتوغرافية . ان رؤيتهم الفلسفية للخطاب المسرحي ظلت وحتى هذه اللحظة تتموضع في دائرة ضيقة مفادها :"ان المسرح مرآة عاكسة للحياة!" ان الكل يردد هذه المقولة التي تشكل تجريداً لغوياً لخلاصة تجربتهم الثقافية بكل امتدادها الافقي . والذي يمتد على مدى اكثر من خمسين عاماً . ولم ينتبهوا على ان ما يتشكل على وجه المرآة لا يمثل الا السطح . كما ان المرآة لا تعكس ما يجري من دماء . ودلالات . واحلام . وعواطف . واحباطات . ومشاعر سرية . واقبية . وصرخات خلف ابواب مقفلة . وجمال اخاذ يتشكل خلف غشاوة الواقع المرئي .. جاء وجودهم ليشكل تراتباً عددياً . لا اكثر ولم يشكل اشتغالاً على اسئلة الثقافة – باعتبارهم يشكلون جزءاً مهماً من حقولها المتعددة – التي تحاور المنجز الثقافي – ما مدى اضافته ؟ جدته ؟ الموقف من الماضي ؟ المستقبل ؟ كثيرة هي الاسئلة التي تنمو في حقول الثقافة . ودليلنا على ذلك: اننا لم نجد أي حوار استيقظ فيما بينهم ليتشابك مع ما هو مستقر ومتشكل في نظام الحياة المعرفي . سواء في صحيفة او مجلة او كتاب . بل انعزلوا بانفسهم عما كان يجري في ميادين اخرى للثقافة من تحولات وصراعات وازاحات منهجية واسلوبية كما كان وما زال سواء في الشعر . او الفن التشكيلي او الرواية . او القصة القصيرة . وبقوا ولوحدهم فرحين بالعيش في زمن آخر . زمن استورثوه وأمنوا به قبل عشرات السنين.
ان ما جعل البشرية تتحرك في سياق التمرد الفلسفي ابتداءاً من صور الصمت الاولى للانسان وهو يحدق في ارجاء الطبيعة . مروراً بكل الفلسفات . ووصولاً الى ما نحن عليه هو البحث عن جوهر الاشياء . واعادة التسميات وصياغتها من جديد . وفقاً لمدلولات جديدة . وظل الانسان يعيد طرح الاسئلة وانتاجها . على مدى تاريخه الطويل ليتحول هذا السؤال الى خفقات انتاجية وخطوات ثابتة تجوس على الجمر لتزيح التقاطعات المقدسة التي تحكم الطريق بالظلمات.
لقد استسلم الرواد الاوائل عبدالله زكي وعبدالقادر الحلو وعزالدين ذو النون لما استورثوه واحتضنوه من تعاليم ولقى ممهورة باصابع من زمن السلالات (القرونسطية).
حتى وان كانوا قد قدموا نصوصاً كلاسيكية عالية الصنعة (هاملت) مثلاً عام 1947 من قبل عبدالله زكي في جمعية اليقظة . الا انهم ارتكنوا في انجازهم الارسالي الى تراتيل الاباء الدومينيكان . وغبار المناهج الصامتة منذ قرون . مراهنين على تواصلهم المعرفي مع من سبقوهم لا اكثر . رغم ما كان يتمتع به عزالدين ذو النون من اعلان حالة الانذار الدائم . سعياً منه لفهم الجديد القادم واستيعابه . وهذا ما تأكد في مسرحية (الرجل الذي نكر نفسه) التي قدمها عام 1969 . محاولاً في هذا العرض الركض وراء ما جاء به المخرج الشاب انذاك علي احسان الجراح . بعد ان اكمل دراسته الفنية في معهد الفنون الجميلة/بغداد . إذ بعثر على سطح الواقع النائم – بين اليات وتخريجات المنهج الطبيعي – مفردات جديدة . لكنها لم تكن جديدة – اذ كانت محشورة بين صفحات الكتب الاكاديمية .(كالتكوين – الدوافع والمبررات العلمية للحركة ، الخروج عن الذائقة العفوية في التكوين والتشكيل) كذلك تحركت تجليات ستانسلافسكي في قراءة وتحضير الدور . كما انطلق الديكور في طاقة جديدة للتعبير الدرامي . من خلال المناهج الفنية الاكاديمية التي دفع بها علي احسان الجراح الى الخشبة المسرحية . الذي دفع عزالدين ذو النون ان يصمم ديكور المحكمة ليكون مستوعباً للحركة الاخراجية الغير تقليدية . أي بناء حركة الممثل وفقاً للمنطق الدرامي داخل المحكمة ، وليس تقيلداً منضبطاً لآلية الحركة الواقعية . كما تفرد علي احسان الجراح بالقدرة على اختيار النصوص لخلق تكوينات وتشكيلات حركية . تقف عند حدود الشكل لا غير .دون ان تؤسس هذه الاختيارات الى تحقيق مرتكزات تكون بمثابة مثابات للانطلاق نحو تكوين منجز مسرحي ينتمي الى ذات المبدع . اولاً . وحركية العالم ثانياً.
ان جيل الرواد التحق بسفينة العرض المسرحي وهي تشق الامواج العاتية لكن – بقدم واحدة – لذلك لم يقتربوا من طروحات المشاريع والانجازات . فأنسحبوا الى الظل ولم يدخلوا منطقة الضوء . وعلى هذا فهم لم يصلوا الى (غيمة المبدعين الشاردة) أي لم يصلوا الى الالتقاء وممارسة (الرؤية الاخراجية) . وبقوا في مسار دائري يدور حول نفسه . بقوا في اطار الترجمة الحرفية لافكار المؤلفين لان عيونهم بقيت معصوبة على نصف الذاكرة.




المحور الثاني ...


البلاغات الاختلافية




ا




إنتاج الدلالة في العرض المسرحي


المخرج / شفاء العمري
ان التصعيد الفعال في الصورة المسرحية للمدينة . جاء على يد الفنان شفاء العمري . الذي استهوته التجارب المسرحية الحديثة في العالم . وتخلى عن احتشام المشهد المسرحي المحلي … وبدأ في الخروج من هشاشة الخطاب الفني والتعمق في الانقياد لاسرار اللعبة المسرحية والسعي لتحطيم العلاقة الايقونية المقدسة التي تؤسس نظرة الفنان الموصلي لطبيعة الاخراج المسرحي . فجاءت تجاربه (القاعدة والاستثناء . ثورة الزنج ، مساء التامل ، فرح شرقي ، بائع الدبس الفقير) كانت هذه التجارب عبارة عن مستويات قرائية متعددة تحمل افاقاً جديدة لترحيل الوعي الاخراجي الى انساق سمعية وبصرية غير متداولة ، شدت اواصر المشهد المسرحي المحلي . المنهار . بفعل الضوء الفيضي الساطع الذي اشاعه المسرح الارسطي . وبدأ العمري في رسم مقاربات جمالية تستثمر اقصى مديات (الخيال) في تكوين المشهد المسرحي . وفق منظومة سينوغرافية مؤثرة تستدعي كل المخزون المعرفي الذاتي والموضوعي المحلي والانساني . في تركيب الفضاء المسرحي . كنا نلمس حساسية شعراء ومخرجي المسرح الكبار في اعماله ابتداءاً من غروتوفسكي الذي يمكن ان يكون شفاء العمري اول من انتبه له في العالم العربي عام 1972 . عندما حاول شفاء ان يتساوى مع منهج هذا العبقري في مسرحية (مساء التامل) . علماً ان العالم العربي لم يتعرف على غروتوفسكي الا بعد اكثر من عشرة اعوام من ذلك التاريخ . عندما ظهرت وللمرة الاولى مقالة عن المسرح الفقير لغروتوفسكي) للمخرج عوني كرومي في مجلة الاقلام . أي في عام 1982 .. اقصد من وراء ذلك . ان شفاء العمري كان يتلقى اعاصير العالم بكل شجاعة … ويحاول ان يمسكها بيديه . لتكون له القدرة على صناعة مشهد مسرحي محلي .. طافحاً بالديناميكية الانشائية . وقد رافقت اعماله تساؤلات وصراعات كثيرة . وذلك لخروج اعماله عن تفكير القبيلة الفنية التي تتزعم الموسسة الفنية المجتمعية داخل المدينة والوطن . ورغم ذلك ورغم كثافة الرمال التي رميت بوجه هذا الفارس لكنه ظل حاد البصر والبصيرة واستطاع المضي في طريقه حتى نهاية عقد الثمانينات من القرن الماضي الذي شهد تراجعاً (تطبيقياً) لافكاره الحداثوية ، وتقهقراً فنياً في منظومته الاخراجية . وان كان هذا التراجع قد بدأت ملامحه تتشكل مع مطلع الثمانينات عندما تولى اخراج مسرحية (شموكين) للمؤلف معد الجبوري .. والتي زحزحت قناعات شفاء العمري الحداثوية في الرؤية الاخراجية … وحلت مكانها . تراسلاً وجدانياً مع المكان ومفردات المكان . وبدأ موغلاً في عشقه للماضي اكثر من سعيه وراء التساؤلات الفنية المتوالدة عن طبيعة ما ينبغي ان يكون عليه العرض المسرحي الحديث . فغرق في تكلسات التاريخ . وقطع الديكور الاشورية الضخمة التي كانت تنتهج من ثقلها خشبة مسرح قاعة الربيع .. الا ان فترة التسعينات من القرن الماضي .. كانت علامة واضحة على ما وصلت اليه قدراته (التطبيقية) من (تواضع – وتموضع) عندما سقط عرضه المسرحي (الخادم والسيد) في مهرجان المسرح العربي عام (1992) في خطاب مسرحي (معجمي) انكسر فيه المستوى التشفيري . وتم سحق الانساق البصرية والسمعية . لصالح المشهد المسرحي – المسطح – والذي يخلو فيه الفضاء المسرحي من محمولات السينوغرافيا المجازية التي تحتشد فيها الدلالات والرموز . والتي تغري المتفرج وتغويه على الجلوس والبقاء حتى نهاية العرض .. وهكذا جاءت عروضه الاخرى .(البكاء في غياب القمر ، الثرثرة) . لتؤكد رحيل هاجس التجديد في المنظومة الفكرية الاخراجية للمخرج شفاء العمري . لكنه يبقى وعلى الرغم من وقوفه عند هذا الحد من التراجع (التطبيقي) موطن الانطلاق الاول . لطقوس التجديد والتفكير في عالم كان (يغرق في بركة اوحال) . وعلى الرغم من ذلك . فهو ما يزال نظرياً يتلقى (حركية العالم المسرحي) ويستقبلها بكل تنوعاتها . وانشطاراتها . وينهل منها قناعاته . ومن ثم ليصبها في نسيج نصوصه التي يؤلفها . وان كان سعيه هذا يتقهقر دائماً . لتخرج نصوصه . مؤطرة بلغة واساليب تتقاطع مع ملفوظاته النظرية. التي تتسم بكثافة جمالية حداثوية .. ان تجربة شفاء العمري رغم تعثرها . وانزياحها عن الاستمرار في تاسيس الفعل التكويني المنطلق باتجاه الكشف والتغيير الا ان المساحة (الديناميكية) التي ما زال يشغلها على خشبة المسرح العراقي . واللوعة التي تحكم علاقته بالمسرح . تجعله : متدفقاً بالحضور والذوبان في كل الصخب القائم في الميدان … كل هذا يجعله يمتد عميقاً في التنقل داخل المسافة ما بين ماضيه الممسك بالفضاء الدرامي . والحاضر المحكوم بالاغتراب التجريبي . والمستقبل المكرس للمجهول .
ان هذا الفنان يعرف اسرار "تسريب الجمال" على الخشبة لسنوات طوال . ذاك الجمال الذي وثق ضراوة الاحتدام ما بين ارسطو وسعدالله ونوس ، في سعية لاثبات براءة (بائع الدبس الفقير) عندما حلق بذاك الكائن البائس في عبث المكان الموثق باشعة الشمس المعلقة في عمق الخشبة ، فكانت تبدو وكانها رماح تشكيلية !.. الا انها كانت تبدو عقاباً يلاحق ذاك البائع … ان العمري اينما قادته خطاه : تصحبه تجربة متفردة في تدريب الممثل على التسابق بلا هوادة في التطلع الى الافضل وفي خياطة تفاصيل الشخصية . والكشف عن بناءات (حسيّه وجسدية) تستدعيها "التلقائية" والتي يشتغل دائماً في الوصول اليها . عبر علاقة تبادلية متواشجة مع الممثل . ان شفاء العمري هو الاكثر اندفاعاً في ملامسة الخطاب الجمالي لدى الممثل .. ويصعب على الناقد ان يتجاوز تجربته في هذا المضمار ، الذي يمكن ان يكون اتصالاً مع تخطيطاته التجريبية الاولى . فلقد سعى منذ البداية ان يستوفي شروط العلاقة المتسعة مع نخبة الممثلين الذين اختارهم بدقة والحقهم بمساره الفني الى ان يتابع في تفجير الوقائع المنغلقة في ذاكرتهم ، عبر تجارب ، وتمارين ، موجعة للذاكرة المستسلمة للتكرار . ومن هنا اندفع الى نور الخشبة اجماعاً ادائياً "عمرياً" له نسقه الواضح . الموصول بتلقائية المظهر . والمنطلق من الفعل المهووس بالاسئلة "الستانسلافكية" لكن رغم كل ما خطه وفجره في تحميل العرض المسرحي من مستويات بنائية ودلالية متعددة . الا انه اخفق في المراهنة على الفنان التشكيلي راكان دبدوب – رغم اهمية تجربته – عندما زجه في نسق تجربته "الدرامية" !؟ إذ بقيت المسافة على خشبة المسرح ما بينهما تزداد بعداً – منهجياً – وتقاطعاً . ولم يتحقق من هذه العلاقة – التي حرص عليها شفاء العمري – أي تواشج وتسابق لتطوير الفعل الدرامي . وانزوى الفكر التشكيلي داخل حدوده المحصنة . ولم يلتحق بخاماته الجميلة والمتنوعة في الزمن الدرامي . بل بقي محتفظاً بمكانته وجلاله الاسلوبي ، يحدق الى ما يجري على الخشبة .ومكتفياً بعلاقة قوامها التاخي . وليس الالتحام … في مقابل هذا الاضطراب والتباعد في العلاقة ما بين تطلعات العمري وانشاءات راكان دبدوب . التي لم تثمر الا نوعاً من الاشكال والخطوط التجريدية التي تلوح للفعل الدرامي من بعيد جداً ، ولا تدخل في مدوناته في مقابل هذا انجز شفاء العمري اعمالاً مسرحية دون الاعتماد على لوحات دبدوب كما حدث ذلك في (الاعمى والمقعد – حديقة الحيوان – الزير سالم).
ففي مسرحية الزير سالم استثمر العمري خشبة المسرح العارية دون مسطحات تشكيلية ، وكذلك سرى الامر على حالة المتفرجين لخلق الانخطاف التراجيدي في لوحة الحواس الانسانية لدى المتلقي وهو يدخل الى جدلية "الفريد فرج" المؤلف في رؤيته الاسترجاعية لحركة الحكاية الاسطورية . فكان ان استدار العمري الى الحكواتي ليعلقه في اعلى نقطة داخل صالة المتفرجين ، لينجز سرده (الاحتفالي) وليواجه الفواصل الزمنية داخل الحكاية ، بتقنيات قرائية تظهر الصيغة الدرامية في الحركة السردية على لسان الحكواتي.
واعتمد التشكيل البنـائي للمكان على اقصاء أي كتلة قد تلحق تشويهاً بفضاء الصحراء . وتعطل تدفق الدم المسفوح على التراب . لتتحول خشبة المسرح وصالة المتفرجين الى تقابل مضاد بصوتين مختلفين . الموت/الحياة … العنف/الهدوء … الماضي/الحاضر… الحب/الكره … وهكذا جاءت (قصة حديقة الحيوان) لادوارد البي ليشكل فيها سلطة المكان داخل الفراغ الذي احدثته المصطبة الوحيدة التي احالها الى الخشبة من ثنايا النص الادبي . واسس عليها منظومته الارسالية التي اخترقت مستويات البناء اللغوي وقدمته ملفوظاً حركياً مكثفاً لشخصية (جيري) واحال جسد الممثل الى قوة اضافة في انتهاك اللغة الادبية . وحررها (بمناورة) دلالية ، الممثل (محمد العمر) – القاسم المشترك لكل اعمال شفاء العمري – فأرسلت اشارات ورموز كثيفة لكل التفاصيل اليومية التي ازدحمت بها حكاية النص " عن الكلب . واغتيال الكلب . والجيران" … لقد عمل العمري هنا على بناء الفضاء بلغة (سمعية وبصرية) ذات مستويات عدة . لكنها ارتكزت على تعديل الحركة الطبيعية للجسد . وتقييدها بايقاع نشط غير منتظم . يستجيب لتنوع مشحونات الذات لدى الشخصية . وخلق انسقة وانماط ايقاعية حركية توظف امكانات الممثل الجسدية (دون غيرها) في تحقيق الاثر الشعوري .. واطلق العنان لشاعريته وتراكم خبرته في خلق اجواء ممهدة لاحداث خلل واختلال في ايقاع النطق الجسدي والصوتي . لدى الممثل – من اجل الوصول الى الارتكاز في المكان .. ليتحول بعد ذلك الى ارتكاز نفسي . كما يقول جوليان هولتن في كتابه (نظرية العرض المسرحي)… نحن لن نستطيع ان نسترجع كل اعمال شفاء العمري . وذلك لكثرتها . كما ان هذا ليس مجدياً.
لذا سنكتفي بما اشرنا اليه . واخضعناه للتامل والقراءة والتي حسبما اعتقد كانت كافية لتقديم ما خزنته تجربة هذا المبدع في مشواره الطويل … لكني ساتراجع قليلاً . ولن انهي الحديث عنه قبل ان استوفي النقص ! .. لاقول ان ما قاله شفاء على الخشبة . كان توليفاً فنياً. لثراء التجربة .. ومكابدة ابداعية لكل اساليب القهر والتغييب المنهجية التي هيمنت على المشهد الاخراجي . ولقد شهدت هذه التجربة :
1. مواجهة حاسمة مع من يسعى لافراغ الشغل الاخراجي من (المحتوى الثقافي) واستبعاده عن الخطاب الفني للعرض المسرحي.
2. تحقيق مستوى فاعلاً من الوعي الفني في مواجهة الهشاشة والتردي داخل المشهد المتسلط والمتسيد على خشبة المسرح.
3. الدفاع عن هوية وحرية الخطاب المسرحي / الثقافية . ضد ثقافة السلطة المنغمسة في ملفات (التمجيد ، التضليل ، التزوير) وتحقيق خطاب مسرحي ، معرفي ، تنويري ، لخلخلة الحس المتبلد في وعي المتلقي ، جراء الادمان على التصورات الهشة والمسطحة التي ينتجها الخطاب المسرحي السائد.
4. الرحيل بين تضاريس المشهد المسرحي العالمي / الخارجي المتغير . ومحاولة استحضاره الى الداخل . ممهداً بذلك للخروج من وقائع وخرائب المسـرح الارسطي.
5. التحريض على حساسية ذاتية جديدة في قراءة المشهد المسرحي /اخراجياً.
السيرة الذاتية :
مواليد :1938/موصل
اعماله :
مساء التامل قاسم محمد ،
الوهم والقرية شفاء العمري ،
اوديب ملكأ سفوكلس ،
محلتنا شفاء العمري ،
ثورة الزنج معين بسيسو ،
العريف احمد شفاء العمري ،
فرح شرقي وليد اخلاصي ،
نزهة في الميدان ارابال ،
مأساة بائع الدبس الفقير سعد الله ونوس ،
الزير سالم الفريد فرج ،
شموكين معد الجبوري ،
الشرارة معد الجبوري ،
قصة حديقة الحيوان ادورد البي ،
الخادم والسيد شفاء العمري ،
البكاء في غياب القمر وليد اخلاصي ،
الثرثرة شفاء العمري ،
الاعمى والمقعد سيراندو كونو




ايقاظ . المتعة البصرية . في الخطاب المسرحي


المخرج / المنجي بن ابراهيم
مع مجيء عام 1970 دخل المجتمع العربي في دوامة عنيفة من التحولات الجذرية . وازاء هذه المتغيرات المجتمعية ظهر على السطح من سيحدث المواجهة مع القوى (الفنية السلفية) اذا جاز القول . وينقل الخطاب الفني للعرض المسرحي .. بعيداً عن الطابع الاجتماعي والاخلاقي.
وقريباً جداً من جوهر " المشروع الفني" الذي هو : الخلق والتشكيل الجمالي للحدس او البصيرة . والسير في طريق يلفه الايهام ، والالهام ، والغموض . والايحاء . في مجمل سير العملية الابداعية للعرض المسرحي .. تزعم هذه المعركة ضد البلادة الفنية . المخرج التونسي المنجي بن ابراهيم ويسانده في ذلك المخرج عصام سميح ، لقد تحملا هذان الاثنان مسؤوليـة تأسيس معهد الفنون الجميلة مع اخرين . وركزا جهديهما على بناء قسم المسرح فيه . بالنمط والاسلوب الذي ينطوي على :
1. الاعتراف بشرعية الحداثة في الفن.
2. استبعاد مستويات الوعي المتدني للعملية الابداعية.
3. خلق نسق من التفكير الفني الحر
4. تأسيس زمن ابداعي / اكاديمي على انقاض الفن الجماهيري الملفق برؤى الاعلام السلطوي الدعائي.
ان تنفيذ هذه الحكاية ! ليس بتلك السهولة ، فلقد جوبهت جهود المنجي والسميح بحركة مضادة من قبل القوى الفنية السلفية في المدينة . وهي بذلك كانت تعبر عن خوفها وقلقها مما هو قادم . وتضطرم في نفسها الهواجس المرة .. شعوراً منها : بان سطوة النسيان سوف تصيبها وان لعبة القدر لم تعد تضحك لها.
لقد جاء المنجي بن ابراهيم مستنداً على تجربته الذاتية الطويلة في المسرح الوطني التونسي . والتي تنبىء عن قدرتها التأسيسة .. ومحتواها الخلاق … الذي يقترب في شكله الايجابي من التامل الصوفي .
وبدأ في تحقيق حضوره الفني الانيق والمثير للجدل على سطح الخشبة المحلية ، فيها شعر الحشد الكلاسيكي بان خروجهم من الجنة ! والجلوس على مصطبة التقاعد . بات قدراً غير مؤجل ولا يستر عوره … وبدأت اعماله المسرحية واعمال طلبته في تجريد شواهد الواقع المسرحي المتاكسد من المساطر والقياسات المقدسة . والتي سورت المدركات الذهنية للمخرج المحلي في رحلته الماضية … وخندقته في ممارسات واقنعة واليات صدئة وزائفة . كان جل اعتقاده بانها البقعة الصحيحة للانطلاق الى رعشة الابداع … وكم استكانت عقول واجيال الى اغشية هذا الطاعون الفني . وبقيت بلا حراك تلازم اماكنها . وهي غائصة في قناعات فنية ومنهجية ارسطية مقدسة ولا تفكر في الرحيل عنها او حتى مساءلتها !… بل كانت تلك الاجيال الرائدة . تتهم من يتلبسه جنون التجاوز والانقطاع عما سلف (بالتخريب) والعداء للعقائد السائدة !؟ وسط هذه الاجواء المشحونة بالريبة والكذب . علينا ان نتصور طوق المحنة التي كانت تخيط بصوت هذا المبدع .. والذي تشكل وجدانه الفني على مبدأ منهجي واضح :اقصاء كل ما هو شائع … واستحضار كل ما هو مبتكر ومدهش . انذاك وجد نفسه – وهو القادم من بقعة اقرب ما تكون الى اوربا والمشبع بهواء الحرية الفرنسية – امام شراسة الخطاب الفني الملفع بالعقيدة الحزبية المتشككة بكل ارهاص فني ، ينطوي على سمات غير مالوفة في حضيرة الاذعان والتصفيق . عند ذلك صار يميل المنجي كثيراً الى "مظهرة" الرمز وتهجيره الى بقاع تأويلية بعيدة . خوفاً من جنون الرقيب الذي قد ينسف مشروعه الفني . لكنه لم يتراجع بل انغمس يوماً بعد آخر في ليل العراق العجيب وسماؤه الاسطورية . وبات في كل فجر جديد يغتسل بشمس الشباب الذين ابحر معهم في سفينة اللامألوف في العرض المسرحي … الى ذلك جاء عمله المسرحي "البدلة" نسفاً لكل القيم الفنية المسرحية المستندة الى تعاليم اشبه ما تكون بتعاليم العصور الوسطى الكنسية … كان ذلك العرض : مشروعاً فنياً "استعارياً" . تعامل مع المفردات اللغوية تعاملاً مجازياً صورياً ، وحملها تراكيب تجريبية ، ودلالات مؤسلبه لا تقع مطلقاً في ايقونات اللغة المعجمية . واستطاع بقطع البدلة الستة المضخمة والتي توزعت على مساحة الخشبة . وتنوعت في ترتيبها . ان يكشف عن مستويات مكثفة من التصعيد الرمزي . والمدبر بدهاء تاويلي يفتح شهية الرقيب ويلجمها . ورغم انشغاله بكيفية الافلات من شباك الانتهازيين الا انه سوق مشروعه الفني الجديد . وازاح الكارثة عن وعي الطلبة . الذين اختاروا التفوق لصالح الارتباط به وبمنهـجه الذي قادهم الى تابين كل الافكار الكلاسيكية المحيطة بهم . ودفنوها خارج اسوار المعهد . وعكسوا وعيهم الجديد للخطاب المسرحي في اعمالهم المسرحية التي توزعت على كل السنوات التي شغلها المنجي بن ابراهيم وعصام سميح . فلا غرابة اذاً ان يستيقط شكسبير في اروقة المعهد .. ليجد نفسه في حكاية غريبة . افترضها الطالب بشار عصام . دون خوف من مكبث . ليجد نفسه امام هاملت . والملك لير . وعطيل .. مؤجلاً بذلك قدسية النص الى الماضي . ومسدداً انساقه المشفرة على طول مقولاته الدرامية المحفوظة في العرض المسرحي المسوق بدلات لاصلة لها باية مرجعية كلاسيكية.
وهكذا ادار الطالب ضياء حجازي مشغله الفني باقنعة تنطوي على كثير من الهلوسة المشرئبة بالمنطق الجدلي . وهو يشكل اضلاع المشهد التراجيدي (النيرودي) نسبة الى بابلو نيرودا . في مسرحية تالق جواكان موريتا ومصرعه . ذلك العرض الذي لم يرى النور ولم يكتمل . بسبب الخوف من الحرية . ووعي الحرية الذي كان يكتسب ظرفه ومنطقه يوماً بعد آخر.
لقد كان المنجي بن ابراهيم . انتقالة الى فضاء المستقبل . ومكتظاً بتلبسات فنية تجريبية كثيرة . يمكن ايجاز مكنوناتها على الشكل التالي:
1. التفوق الجمالي … لصالح الشكل الفني . المتصل بالمضامين الانسانية .
2. الانقطاع الدلالي .. عن وظيفة وطبيعة الاشياء المعارة الى خشبة المسرح.
3. تهشيم .. التطهير الارسطي ..وايقاظ المتعة البصرية … للمتلقي .
4. بلورة خطاب مسرحي … يرتكز على الاستعارة الحركية …. بديلاً عن اللغة الادبية . في اقصى الحدود.
5. بناء منظومة سينوغرافية للعرض المسرحي.
ولعل ابرز ما شكله المنجي في مفصل التاسيس الابداعي لفن الاخراج المسرحي في عقول الطلبة هو : اعتبار المخرج المبدع الكلي للعمل الدرامي فهو المؤلف . والمصمم لكل مفردات العرض … السمعية والبصرية … أي هو الذي يتولى سينوغرافيا العرض المسرحي .. ومع هذا التسويق الجديد لطبيعة دور المخرج في العرض : حدث التحول . في الاسس والسياقات الرؤيوية والذوقية . وحصل (الخرق) في النظرة التقليدية الضيقة للمساحة التي يكتب فيها المخرج مقاصده داخل التجربة المسرحية . ومن هنا انفلتت (التجربة الذاتية) من عقالها لتنحي الحدود بعيداً عن حرية المخرج اللامشروطة . ولتمتد في وجودها الى كل ماهو ظاهر وباطن في العرض المسرحي .. فكل الاشياء والمفردات تنطلق مدلولاتها من ممارسة المخرج لدوره في انتاج وتكوين كتابه جديدة للاشياء وعلاقاتها في اطار المنظومة الانشائية للانساق السمعية والبصرية في مكان وزمان العرض المسرحي . وكان يؤكد مراراً على ان التجربة لا تتكرر اذا اردنا البقاء والتحليق في فضاء التجدد والتجديد.
لا نغالي اذا قلنا ان تجربة المنجي : تحركت بوعي المخرج والاستاذ الذي يلقي باسئلة (الكشف) و (النبش) في المجهول بحثاً عما هو كائن في الاعماق . لذا كان العرض المسرحي لديه : يتحرك منطلقاً بادواته ليحقق قطيعة في المعرفية الذوقية المتوارثة . وفي اسس النظرة الجمالية والحرفية للخطاب المسرحي .. ولقد انسحب بحثه التجديدي هذا الى دوره كاستاذ في المعهد . وتمكن من احداث (هاجس الجرأة) وتفجيرها في عقول الطلبة . وسحبها بعيداً عن المرجعيات المنهجية الجاهزة في التفكير والعمل … واحدث انقلاباً جذرياً في النظرة الى العملية الاخراجية . لتكسر طروحات الطلبة الاخراجية (افق التوقع) لدى المتلقي .. وهذا يعطي سبباً كافياً لادارة المعهد ان تمنع عدداً لابأس به من الاعمال المسرحية وذلك لخروجها عن حدود الوعي والمنهج المسموح به . ومحاولتها ممارسة فعلاً ابداعياً استجوابياً . يحاول امتلاك (المغلق) والبوح به . وهذا ما حصل على سبيل المثال مع عرض (البانتومايم) للطالب المخرج جمال حامد . وكذلك في عرض (الذي يأتي والذي لايأتي) للطالب المخرج عبدالقادر الحلبي .
كم كانت المدينة بحاجة ماسة الى من يعبر بها الى تاسيس نظرة جديدة وينقلها من فلسفة "الركود" التي جعلت اجيالاً عديدة لم تعد قادرة على تمييز المتغير . وتحيا في مرجعيات (معطلة) تجعل كل الاشياء تبدو متشابهة وتتواصل في دائرة مغلقة . فانكسرت بجهود المنجي تواصلاً مع جهود العمري . قوقعة (المنطق الطبيعي) التي كان يدور في فلكها جيل الرواد من المخرجين . وما اتسمت به هذه الحركة من : سطحية . وشكلية فارغة . والية في النقل والتجسيد . وقدسية فاسدة للنص الادبي . والذي لا تتغير فيه الاشارات والعلامات مهما تقادم الزمن . وفي مثال على ذلك .. فعندما تولى احد مخرجي الرواد (محمد نوري طبو) تقديم مسرحية (جوهر القضية) للمؤلف ناظم حكمت .. استخدم مخطوطة اخراجية له.. تعود الى سنوات بعيدة . ورفض أي محاولة لاجراء أي تغير او تعديل عليها . فكان هذا النموذج تعبيراً عما كان سائداً من "ربوبية" بلهاء … تستجير بمكائد "السكون" ولا تحدث في الزمان الا العفن .. ولكن مع مجيء المنجي وتأسيس المعهد : قضي الامر.
فرمى هذا المبدع قلبه بين احضان طلبته … ولاذوا على ايقاع صوته المتهدج بالتجليات والاسرار الى بيته كل يوم … لينسجبوا افتراضاتهم . ويدحرجون مهابة الخنازير والرؤوس المسربلة بالخطيئة . واشارات الوقوف في الطوابير .. على سياط اسئلتهم المنثالة في عمق الليل . حتى اذا ما انتبهوا الى اصابع الفجر وهي تدق على نوافذ البيت . انصاعوا الى الطريق المؤدي بهم الى المعهد . وهم يحملون تيجان الماء الى المدن المنهوبة . هكذا قدم هذا المبدع النبيل حرثه لهذه المدينة . ورمى بكل قيامته تحت اقدام ابناءها . وخاض معهم الحرب ضد الخراب المالوف . وكرنفال الاعادة والتكرار. ليقيم : مملكة الاختراق . ويرمي من شرفاتها . نكهة التقديس . ورائحة الكلاب . وقلاع المناهج البلهاء . وابحر معه في هذا الالم عصام سميح . ليعلق الراية من بعده على سفينته . بعدما غادر المنجي ارض العراق الى وطنه تونس . مع مطلع حرب الخليج الاولى.
المنجي….
الاخرون…
ان تدفق الكثافة البنيوية في قاموس التجربة الاخراجية للمنجي بن ابراهيم واختلافها مع المنظور الخطابي السائد ، بارتكازها على:
التاسيس التاويلي . المحمول في الدلات البصرية والسمعية ، في المنظومة السينوغرافية لخطاب العرض المسرحي . احدث انقلاباً في مخزون وثوابت الذاكرة الرؤيوية للعملية الاخراجية . واطلق سراحها بعد ان كانت معتقلة خلف قضبان النص الادبي وتعليماته . وخطوطه الحمر . المنفتحة بكل سطوتها على بنية النص ومعماريته . … وازاء هذه الحرية المكتسبة تحلق حول المنجي مجموعة كبيرة من الطلبة الدارسين للمسرح وانطلقوا معه ينشدون مشروعه التحديثي . ورافقوه خطوة خطوة .. داخل وخارج المعهد .. طمعاً منهم في الرحيل الى مملكته والاقامة فيها … وهنا : حاول البعض ان يعرقل فرادة هذه العلاقة المنتجة داخل المعهد . في المقدمة منهم المدرس عبدالخالق الجبوري ويسانده في ذلك عدد من الطلبة لكن تلك المحاولات لم تجد نفعاً . واثمرت جهود المنجي وعلاقته مع مجموعته . في تكوين قاعدة راسخة من الذاكرة المسرحية التي تستنجد بالتجريب في ممارسة الفعل الاخراجي . وتمكنت تلك المجموعة . من تشكيل سماء الخطاب الاخراجي للعرض المسرحي في المدينة . كذلك تمكنت جهود المخرج عصام سميح . رفيق درب المنجي في ذلك المخاض . من نقل التجربة الى الاجيال الاخرى التي لم تحضى برؤية ومرافقة المنجي.
السيرة الذاتية :
تولد : 1947
المناصب التي تولاها : مدير للمسرح الوطني التونسي
اعماله في الموصل :
البدلة ، الفدية ، الاسياد






مناخ… اخر للخروج .. من سطوة المهيمنات


المخرج / عصام سميح
ونحن نقرأ في السياق التحليلي لمكونات البنية التأسيسية التجاوزية لتجربة المنجي بن ابراهيم . يتاح لنا ان نحدد فعالية الممارسة الابداعية للمخرج عصام سميح ، حين استانف مشروعه الفني التحديثي في لغة الخطاب المسرحي عندما شرع به المنجي بن ابراهيم داخل معهد الفنون الجميلة في الموصل . ان الالتزام الاخلاقي والابداعي الذي وحد الاثنان عند نقطة الشروع . دفع بالمخرج عصام سميح الى الدخول بفاعلية في : تأسيس تشكيلات المنظومة الجديدة في كينونة الممارسة الانجازية في لغة العرض المسرحي . وتفتيت معطيات الفلسفة الفنية الموروثة . واطلاق الحرية لانجاز قاموس فني قيمي يمارس دوره في تحريك وقلب الطروحات الجمالية .. وازاحة التدابير الالية التدميرية الطبيعية في لغة الانتاج المسرحي . والارتكاز الى : المعادل الموضوعي . التشظي في اللعبة الفنية . المجاز . الاستعارة) كانت هذه الطروحات تعبر عن ممارسات تحولية . تسعى لتفعيل حرية السؤال لتشمل كل مناطق الخطاب المسرحي . في الوفت الذي كان يصر فيه الخطاب المسرحي السلفي لجيل الرواد ومن تبعهم حتى ثمانينات القرن الماضي .. على تتويج النص الادبي على عرش العرض المسرحي.
وعلى انه هو المحرك والمرآة التي يتشكل على سطحها كل تفاعلات وجزئيات الهم الانساني.
جاءت تجربة عصام سميح مع اخرين … لتضع سلطة النص على مصطبة التشريح لتبدأ عملية قراءتها وفقاً لاختزالات التجربة الذاتية . بعيداً عن طقوس القداسة والخضوع لاشتراطـات النصوص – الفنية باعتبارها ثوابتاً قيمية لا يصح التحرش بها . وفي هذا السياق تعامل مع النصوص (هل كان العشاء دسماً ايتها الاخت الطيبة) للمؤلف وكذلك (دائرة الطباشير القوقازية) لبرتولد برخت . و (مسافر ليل) لصلاح عبدالصبور و (ليلة القتلة) لخوزية تريانا . ليحيل تلك النصوص الادبية الى منطقة (التجريد الفني) من كل العطب الادبي الذي تكاثف على وقوف ديناميكية الافكار والرؤى المنحشرة والمنزوية تحت هذا الركام الذي خلفه الكاتب . ليحطم بذلك التقنيات الواقعية . والطبيعة المستهلكة والتصورات اللغوية الثقيلة التي تعيق البناء الفني في لغة العرض المسرحي وتقذف به في ايقونة الاغتراب الكلاسيكي . بعيداً عن حركية الانتاج الدلالي المتشظي في التجربة الابداعية الاخراجية وهو بهذا كان يجرب الوصول الى وسائل وادوات اختزالية ليشبع رهانه الرمزي . الاستعاري . وليوسع الحدود المغلقة في مشغل المخرج المسرحي ويدفع بها الى ابتكار اساليب فردية للعمل الفني الابداعي . تحقق الانقطاع الاختلافي عن المنتج الفني الايقوني . كذلك ليصبح النص الادبي والذي طالما اعتمد عليه – مكبلاً بقيود الصور والرموز المجازية المنتجة في مشغل المخرج . وليس العكس.
على هذا فان فترة التدريبات لديه تتجاوز الفترات القياسية وذلك لخضوع العاملين معه الى نشوة الاستغراق في مشغل التحضير والاعداد والتخطيط لكل العلامات الجمالية التي يتم انتاجها من قبل كل المشتغلين في التجربة .. لذا كان يطالب العاملين معه باعتماد دفتر صغير : لكتابة كل ما ينتج في الذهن والمخيلة من هلوسات للاستعانة بها في انتاج تراكيب الصورة السينوغرافية للعرض المسرحي بعد ان تخضع تلك الهلوسات الى معالجات جماعية بادوات المشغل الفني الذي ينسج تفرده وتحولاته كل افراد المجموعة.
ان اسلوب الورشة الفنية هذا : كان غريباً على صلادة التقاليد الفنية السائدة والتي تلقي بكادر العمل في عزلة تامة عما يجري في مخيلة المخرج من تخطيط لصورة العرض . وما تفرضه من سطوة احادية المركز . يتخندق فيها المخرج لوحده . ليطلق رصاصة الرحمة على الجميع بما فيهم العرض المسرحي في يومه الاول….
ان الخروج من هيمنة هذه المثيولوجيا الفنية ومزاعمها وما تنطوي عليه من استدعاء وتكرار لقياسات زمن واحد . ونقل الذات الفنية الى طبيعتها المتحركة في مناخات الصيرورة . والدعوة الى تكثيف وتيرة الاعتماد على عناصر المشغل الفني "كادر العمل" في استحضار التحولات والتفاصيل البنائية المكونة لمهيمنات الخطاب الفني في العرض . والانطلاق من : اجتراحات فنية مختلفة ومتقاطعة مع الموروث السائد في رسم الملامح النسقية داخل التجربة . كل هذا انتج حضوراً ارسالياً "مضاداً" وحيوياً في لغة الخطاب المسرحي بعيداً عن صياغات فوتوغرافية او شكلانية مستنسخة ! واوجد "مناخاً" اخر لنشوء وارتقاء التجربة بين طلاب الفن – والذين سيصبحون في اواخر القرن العشرين ومابعده – العلامات الجديدة في توجيه وتكوين عملية الانتاج (الدلالي الجديد) في لغة الاخراج المسرحي….
ان هذا " المناخ" المستحدث اوجد الحلقات المفقودة في صياغة التجربة الاخراجية:
1. احتضان متعة "التداول الجماعي" لحيثيات التجربة.
2. الخروج من "العلامات الايقونية" للنص . والدخول في فضاء الاستجابة لاشارات "الذات المنتجة" لمدلولاتها .
3. تحريك "مسوغات الانتاج" في مخيلة العاملين في التجربة وتكثيف الافتراضات الفنية ، للخروج من سطوة المهيمنات الفنية والثقافية السائدة ومحاصرتها بتداولية جديدة.
من هنا كانت مظاهر المجابهة التحديثية التي لعب على اوتارها المخرج عصام سميح .. وكانت بذور هذه المجابهة باتجاه المستقبل زاخرة بها خطواته الاولى . ايام كان طالباً في معهد الفنون الجميلة في بغداد في اوائل سبعينات القرن الماضي .. عندما هدم حاجز الخوف . وتعقب المسالك الوعرة لاثبات وجوده المميز عندما أقدم دونما تردد على توليف مجموعة من اشعار المقاومة الفلسطينية . بعد ان ادخلها الى ميدان العرض المسرحي . ليضيق حدود اللغة الشعرية الادبية . ويوسع المعادل الدرامي صورياً . والمتهيكل على خشبة مسرح مدرسي للبنات . ولكي يسفر عن تمرده الصريح : اطلق الحرية للبنات لكي يؤدين كل الادوار الرجالية وكان بامكانه ان يستعين بالرجال لتادية الادوار . لكنه ولكي يؤكد مفاهيمه الاختلافية . التي بدأت تمجد الحرية المفقودة لهذا الفلسطيني – انحاز لاختياره ذاك ، حينها فعلت هذه المجازفة فعلتها مع ما اطره من تركيبة رؤيوية على الخشبة في لفت الانتباه اليه من قبل اساتذته الذين كانوا يدرسونه في المعهد . كالمخرج حميد محمد جواد.
الا ان توالد ارهاصات هدم المهيمنات الفنية السلفية الارسطية بدأ يتشكل ويتصاعد نموه بفعل سفره الدائم بين البلدان . فكان لا ينثني عن التجوال بين المهرجانات المسرحية الدولية . بحثاً عن ذاته حتى ولو خسر كل ما يملك لقاء تذكرة توصله الى عرض مسرحي جديد يحتويه مهرجان قرطاج او الاسكندرية او دمشق . وهذا ما جعله وسط دائرة زاخرة من العلاقات المهمة . مع من كانوا يشكلون مظاهر الخطاب الثقافي والفني الفاعل في المجتمع العربي . ابتداءاً من سعدالله ونوس وانتهاءً بالبياتي واخرين . فكان لتلك النظم الحياتية التي اوجدها لنفسه مع رفاق دربه الذين كانوا يدرسون مـعه المسرح في بغداد امثال المرحوم حامد خضر . اياد حامد . محمد سيف . ان تزيد من نزعته المتاججة في تاسيس صورته الفنية بعيداً عن التيارات الفنية المستهلكة والسائدة . ومن التعبيرات الفنية التي تنهل من تلك الارهاصات الجدلية الفاعلة في تكوين شخصيته : كانت مسرحية "القاعدة والاستثناء" التي حشد في بنيتها الشكلية المرئية والتي توزعت على ساحة او ملعب لكرة السلة ، مستويات جغرافية متنافرة (صحراء ونهر ومدينة) كما عبأ الحبل (الغليظ) الذي يربط القاضي بالتاجر بجوهر العلاقة الطبقية والايدلوجية التي تربطهما معاً.
وعلى العكس منه شكل الحبل "الواهي" الذي يربط الاجير بسيده وعلى وفق تلك الرؤية الماخوذة بعطش المبدع الى التحليق بعيداً بمهمته ، تحول ملعب كرة السلة بدلالته الرياضية الى مدلول دموي تنتزع فيه الارواح المرتعشة بانياب السادة.
ان ما قام به المخرج عصام سميح في هذا العمل هو عملية حرق لتلك المصطبة العتيقة التي تستريح عليها العلامات الهرمة للمسرح التقليدي . والقى المضامين الانسانية في حضانة علاماتية جديدة . ارسلت قلق الاسئلة عارياً في ساحة اللعب الدموي . ومن شاهد ذاك العمل كان يرى في بصيرته دخان المصطبة يتصاعد من خلف المتاهة البصرية (المنهدمة) في الهواء الطلق والفراغ الفسيح لساحة اللعب…
ثم يعود مرة اخرى ليهدم الحيطان الهرمة للمسرح التقليدي عندما قدم مسرحية "ليلة القتلة" للمؤلف خوزيه تريان عام 1984 كان ثمة "مانيكانات" عارية تتوزع على الخشبة محاطة بصمت لا يشقه الا حدث تصادم السكاكين الحادة ، وسط عرس مثقل بالايدي والنوايا المتشابكة . والتي وان وحدها القميص الابيض من الخلف . لكن مقدمة القميص كانت تنطق باختلافاتهم وتناقضاتهم عـندما تقف المجموعة صفاً واحداً . ليصلوا في ختام العرض الى تمزيق ثوب العرس لوالدتهم . تعبيراً عن تمردهم على السلطة…
في هذا العرض انزلقت المفاهيم الممطرة بالدهشة والغرابة . لتجعل المخرج المبدع ابراهيم جلال حينما شاهد العرض في بغداد لا يتردد في الوقوف في نهاية العرض . تعبيراً عن انفعاله وفرحه وانتمائه لهذه المجموعة الشابة القادمة من اقصى الشمال العراقي . لتقدم خطاباً مسرحياً على عكس الاتجاه المقدس الذي كان يسود قتامه الزمن البطرياركي في بغداد . وهذا ما عبر عنه ذاك الرائد المسرحي الكبير المرحوم ابراهيم جلال في كلمة ما زالت محفوظة في شريط صوتي يوثق تلك الامسية….
هكذا نسج عصام سميح غربته المشاكسة . بتلخيصات مسرحية مكثفة وغزيرة . فضلاً عن الطلبة الذين دفع بهم الى سماء المسرح . ليشكلوا فيما بعد جوهر العاصفة التي ستقلع سياج المهيمنات التقليدية في مسرح المدينة امثال : بشار عبدالغني .. ضياء حجازي … محمد جاسم … بيات محمد مرعي … عبدالقادر الحلبي … عادل محمود .. واخرين.
السيرة الذاتية :
تولد : 1954 موصل
الشهادة العلمية : دبلوم . اخراج مسرحي/معهد الفنون الجميلة .بغداد/1979
اعماله:
راشامون رنوسوكي
خادم سيدين كارل كارلدون
القاعدة والاستثناء بروتولد برشت ،
طير السعد قاسم محمد
رحلة بهلول اعداد فارس جويجاتي
العشاء الدسم رياض عصمت ،
ليلة القتلة فوزية تربانا ،
مسافر الليل صلاح عبدالصبور ،
حكاية فلسطيني غسان كنفاني ،
الفرسان الثلاثة هيثم خوجه








افق الحريه ..


المخرج المسرحي/ د جلال جميل






إكتّوت مسيرة المخرج المسرحي جلال جميل بفكرة الخروج بالتجربة المسرحية من تلفيقية ألوعي الجمعي . والأخذ بها إلي فاعلية ألذات المنتجة للبنية ألمسرحية بأنساقها السمعية و البصرية، لتغدو التجربة : فعلاً ثقافياً . متعالياً علي مضمرات الخطاب المسرحي المتصالح مع سلطة الواقع/ المزيف ثقافياً..
ومن ثم لتصبح علامات التجربة ،بتشفيريتها :إنغلاقاً وتحريراً، بذاتها و لذاتها " جمالياً و فلسفياً" .. ولعل مسرحية " لست أنا" للمؤلف صموئيل بيكت . والتي تصدى لإنتاجها سنة "1999" نموذجاً لهذا التمفصل الجمالي .. فكانت خطاباً( مضاداً )ضد إقطاعية التفكير الوظيفي ، بمعناه النفعي . وتأكيداً علي أن المسرح : لغة أخرى وعرفاً آخر . كما يقول غروتوفسكي .
ومن وحي هذا الإرتحال المشرأب بأتجاه خلق الفوضى ضد نماذج اليقينيات المنجزة في كشوفات الوعي المسرحي الشائع : شيّد المخرج جلال جميل اختراقاته المغايرة في بنائية العناصر الشكلية والمضمونية خارج جاهزية التشكيل التوقّعي . . ليرسم حدوداً مشحونة باللامألوف في فضاء العرض المسرحي فكانت تخريجاته الإشارية ، نأياً عن المكشوف وإيغالاً في المستور .
إن منظومته القراءية منغمسة بقوة الوعي العلمي . المستجيب لحركية الانتاج الفكري العالمي . وشحذ العلاقة النقدية مع هذا الانتاج ... وهذا ما جعله اختلافياً في اشتراطاته الاستقرائية للعرض المسرحي ...إن أكثر ما يجعل عربة المسرح العراقي جاهزيةً في محاوراتها واقتناصاتها الإنجازية ، وغير قادرة علي بناء نسق واضح ومتجاوز : هو إفتقارها إلي نسق واضح التجسيد ،وهذا يعود إلي/ عجز العاملين في هذا الميدان عن قراءة الذات والتجربة .. قراءة مغادرة لسلطة الماضي . تتشكل مفرداتها من أصابع الغد وتأسيساته .. وإذا كان د. جلال جميل لم ينل ما يستحقه من احتواء إعلامي . وهذا يعود إلي عدم إنضوائه تحت جلباب شلة أو مجموعة كما هو حاصل في الوسط المسرحي العراقي ، والذي غالباً ما يتضامن أفراد تلك الجماعات ، لتمجيد وتضخيم تجارب وأسماء دون استحقاق . وبذلك تم صنع العديد من الأسماء والتجارب المزيفة /إلا أن استمراره في تخطي المرئي ، والمفروغ منه في المعطيات الراكدة فيما . هو كائن في المسرح العراقي . وانشغاله المتوهج في استدعاء المفردات والتراكيب المستحدثة من كل بقاع الأرض ، عبر نشاط مختبري وترجماتي ونقدوي، صبور ./ سيجعله ينقر الذاكرة المسرحية كما تنقر حبة المطر أرضاً عطشى . . ونحن نسعي للخروج من بنيتنا السكونية لنفتح مغاليق وأسرار أزمتنا الوجودية / مسرحياً / مستنجدين بقوة العقل وتراكمات الوعي الفردي . لا بد من التأكيد علي مركزية الثقافة كمنطلق لتأسيس خطاباتنا المسرحية ، حتي نتمكن من اقصاء سلطة الخطاب اللاثقافي في مسيرة الحركة التي هيمنت عليها غواية البني المستنسخة بكل تشكيلاتها السطحية والتي كانت إحدي اسباب عدم ارتقاء الخطاب المسرحي إلى المستوي الذي جعله عاجزاً عن طرح مفاهيم ومقولات مغايرة ، ترتقي بالتالي بأليات التفكير الإبداعي المنتج للتجربة المسرحية . وبرغم ذلك هناك العديد من الأسماء التي تعمل بصمت لإنجاز منظومة من التفكير المعرفي لزحزحة كل ما يكرر انتاجه الواقع في مهيمنات جمالية رثة ... والمخرج د. جلال جميل أحد تلك الأسماء التي اشتملت تجربته على أكثر من عشرين تجربة مسرحية تولي إخراجها وعلي عدد من النصوص التي تصدى لكتابتها، وعشرات المقالات النقدية التي حاول من خلالها : ممارسة انخراطه في مساءلة موجهات الحركة ، والتجربة المسرحية العراقية . إضافة إلي نشاطه المتفرد في الكتابة النظرية عن فلسفة الضوء واللون في تصميم الإضاءة المسرحية . علماً أن أطروحته لنيل شهادة الدكتوراه كانت ( مفهوم الضوء والظلام في العرض المسرحي ) وقد تكفلت إحدي دور النشر المصرية بطبع وتوزيع هذه الأطروحة وذلك لتفردها وأهميتها في هذا الميدان .




كان لوجوده في كلية الفنون الجميلة في بغداد ، منذ منتصف العقد السابع من القرن الماضي - مذ كان طالباً وحتي أصبح استاذاً فيها - الأثر الكبير في هيكلة قراءاته النقدية لآليات ومحمولات التجربة الإبداعية . . وهنا لا يمكن إغفال الدور الكبير والمهم الذي لعبه عدد من أساتذته أيام كان طالباً وتحديداً: المخرج المسرحي إبراهيم جلال . والفنان المصري محمد توفبق.. اذ وضعاه على الطريق السليم في الإمساك بمنهجية التفكير الجدلي . لينشأ متسلحاً برؤية أكاديمية متحررة . فكانت مجايلته لتلك الأسماء . الأثر البالغ في تجاوز السنن التقليدية في رؤية و تركيب العرض المسرحي . ومحاولة البحث والكشف عن التداخلات الثرية في أنساق العرض . ذلك لأن تجربة إبراهيم جلال في المسرح العراقي من الغنىوالأهمية لا يمكن لأي مطلع أن يتجاوزها . . لما تركه من أثر في تحديد آليات السرد الدرامي بعيدا عن التأسيسات النمطية الكلاسيكية والوصول بها إلي تجليات جدلية ، في تقديم الأفكار والرؤي العراقية . بتقنيات وتخريجات ملحمية مبتكرة . تجاوزت املاءات اساطين الملحميه الاوائل . ( بسكاتور . راينهارت . برتولد بريخت ) .


وبخطى يقظة تتسلق الدروب الوعرة وتطفئ شظايا الصعاب تابع الفنان جلال جميل صياغة مشواره الفني الذي ابتدأ عام 1969 مع فرقة مسرح الرواد في مدينة الموصل ... ولم تتضح ملامح رؤيته الفنية دفعة واحدة . وذلك لتفرد الصياغة الذاتية لتجربته الفنية المتوزعة بأنشغالات متعددة في سفر العمل المسرحي . . . . . ولكي يتخطي ذاته بشكل دائم استغرق بعملية متواترة في تقصي القوانين والقواعد التي تحكم الأشياء وترابطاتها معاً . واستجاب منذ انطلاقته الأولي لإقتفاء أثر ألإتجاهات المسرحية المحدثة في العالم/ ادراكاً منه/ لحاجتنا لمقترحات التجديد في الرؤية والممارسة / وإيماناً منه /أن يبقي المسرح العراقي في قلب الفتوحات الجذرية ( منهجاً وعملاً ) لأن تجديد الخطاب المسرحي بات أمراً مهيمناً على رسالة المسرح التواصلية مع حركية الزمن


.. وهو بذلك أفاد كثيراً من معطيات التجارب العالمية . . التي بقي في ديمومة معها وانسكبت عناصر استقراءاته ومعاينته للتجربة المسرحية . بآليات متعددة . سواء في تصميم الإضاءة لعشرات الأعمال التي حاول من خلالها المشاركة في التفسير والتحليل وإثارة الذهن . أو في مجال النقد والكتابة للمسرح عبر عدد من الأعمال التي كتبها برؤية نقدية . خارج نطاق المتوارث . وبقطيعة معرفية تتحرك بشكل خلاّق . لبناء نصوص مسرحية لا يكتمل منظورها الفلسفي والفني إلا على خشبة المسرح . كما في مسرحية 1- السكون2- فئران ومطابع 3- البيضة ...


في جميع تلك الأعمال حاول أن يبني خطابه المسرحي مستنداً علي رؤية فلسفية . تحاول استقراء فوضى العالم وهمجيته . ليعكس بتلك النصوص تجربته الإنسانية ، وتوقه إلي عالم أكثر أماناً وإنصافا للإنسان ... ولأنه إنشغل في معاينة القضايا الكبري الأزلية . التي قهرت الإنسان وأثخنته جراحاً . ارتأى أن يجرد كل نصوصه من عنصري ( الزمان والمكان ) . لتبقي محلقة في أزمنة كونية .. وفق هذا المنظور : فإن أعماله لا تستقر في خانة المناهج التاريخانية بل تبقي متحصنة بحركيتها وانطوائها علي بذرة ولادتها ، مع كل قراءة جديدة لها ...إن تجربة المخرج جلال جميل تتوخي العفوية لاصطيادها ، ومن ثم لإزاحتها معنونةً بلوحة محسوبة بمشاكسات ( المنطق والتجريب ) . ليتشكل التكوين دون أن يكون أسيراً لضبابية الرؤية . وحيادية اللون . بل ليكون مخادعاً في لعبته الفنية ، وهو يوصل أفكاره المتدفقة .. متجاوزاً بجرأته شباك القوانين والقواعد التي يدرك أسرارها . تماماً كما فعل في مسرحية ( لا غبار لا أحد ) التي كتبها الشاعر الحداثوي /رعد فاضل / كاشفاً عن رغبة : في اصطياد ما لم تقله القاعدة اليونانية . عبر مونودراما ذات بنية صورية متشظية ، انقطاعية عن مقدمات الدراما اليونانية .




إن في تجربته وعياً ابستمولوجياً في عمليات الاستجابة التجريبية لمنطوق النظريات والمفاهيم .. ونزوعاً إلى الجدل المعرفي لإدراك وترميز الواقع في الفضاء المسرحي وتعميقه لهذا المنحى بألياته الإجرائية في تحليل وتركيب معادلاته الصورية المتراكمة في جسد العرض ..
وعلي ذلك بدت أعماله وكأنها تأملاً وتحليلاً عقلياً بارداً . . وكأنه لا ينساق إلى تأجيج العواطف والمشاعر . . وهو ينسج أسئلته وقلقه ، ولوعته ./ بل تمظهرت أعماله وكأنها تخرج من صومعة مسرحي يتمنطق بالعقل . وينقاد إلى المسرح كأشتراط اجرائي لتحقيق المواجهة الفلسفية ما بين الداخل/ والخارج . . الروح/ والجسد . . بل يبدو وكأنه : فارضاً هيمنة واضحة لإشارات الجسد كمقولات ظاهرية لتناقضات الروح .


من هنا كانت مسرحية " لا غبار لا أحد " بما شكلته من فرض لمنطلقات تتنكر لأي وجود للعالم المادي خارج النص . إذ بنى خطابه المسرحي/ علي اقصاء سلطة الدلالات الأيقونية في كل مفردات الرؤية البصرية، لبنية المفردة اللغوية الملفوظة في مقولات النص الشعري . بعيداً عن مناطق الوعي الدرامي الجمعي المهيمن ، والمنحدر، من ثقافة الأغريق ... وأمام تراكمات الصور المضمرة في محمولات اللغة الشعرية ، قابلها د: جلال جميل بعالم من التخيلات والتكوينات التي مارست فعلها السردي بالارتكاز علي تشظي المرآة . بفاعليات تشكيلية مناوئة للمألوف . طيلة
زمـن العرض.


كان تقديم مسرحية لا غبار لا أحد ، بمثابة/ حرية جديدة/ لشكل آخر من الرؤية الدرامية/ للحياة / والموت / والخديعة . وهي بذلك أكسبت إيقاع المدينة جرعة من الصدمة والرفض حدّ الاستهجان . ازاء هذا/ العبث/ في صرامة اللعبة المسرحية المتوارثة والتي أمست باردةً وموحشة . ولينهض من رماد الخشبة بهذا العرض : إعترافاً غير متحفظ/ ضد بربرية الذائقة المتهرئة لجمهور مستهلك، وعاملين يرتابون من/ الجنون /كما يرتابون من /الصمت /والتأويل/ وأجنحة الوجد . . . فكانت دهشة الحضور ، إحساساً بالخطيئة ، أمام ذاك الإنفلات المنفتح على جسد الحداثة . فأنهالت /تُهم/ التدمير الدرامي والتسميم الذوقي تتساقط على هذا الإنكار الشكلاني المتمرد لمخطوطة النص وتركيبة العرض . بعد ان تم كَسرُ الإفتتان المتوارث/ بالفهم والوضوح ...


وهكذا تشكلت أسرار بنيته التقنية والتصوّرية لمسرحية ( نشيد الأخطاء ) التي قدمها في كلية الفنون الجميلة . والتي كتب مخطوطتها أيضاً الشاعر رعد فاضل ليتوافر في محسوس مستويات منظومته السمعية والبصرية بناءً إشارياً في كل أنساق العرض . ليلتقي مع نيتشه حين يقول :( الصراع في الدراما ليس صراعاً أخلاقياً . بل صراع إبداعي جمالي ، ينحو لبناء عالم مضاد يقف علي النقيض من العالم الواقعي .) .
وغالباً ما يحتفي خطابه المسرحي على خصوبة الجمع الدينامي للحركة الجسدية المنتظمة وغير المنتظمة ، في محاولة منه لسبك الإيقاع بعدما تتلاشى الحدود بينهما ، ليّشيد بذلك العنصر الحركي . علامات بصرية حراكية . تجذب انتباه المتلقي وتشده إلى التجربة .. إن المحمولات الفلسفية والجمالية في انساق العرض لدى د. جلال جميل/ يتم سردها في/ تعددية الخطابات/ في منظومة خطاب العرض المسرحي ( الإضاءة ، التعبير الجسدي ، اللون ، الديكور ، الأزياء. الصوت ) إن كل هذه المحاور الإتصالية ، وهو يحيلها إلى إشارات قصدية . لا يمنحها الفرصة لكي تخرج من بين يديه ، بل يسعي دائماً إلى تشييدها هو بنفسه ، دون الإعتماد علي الآخرين ... كما أن الكشف عن المتكئات الجمالية لديه .. يستدعي منا التوقف أمام سلسلة التمارين الجسدية التي يُحتّمها على الممثل ولمدة طويلة قبل البدء في تشكيل سرده البنائي لأنساق العرض ." لأن الممثل .. هو أكثر حالات الذات شيوعاً . في الدراما ، وإن قوام الممثل يشكل وحده ديناميكية لمجموعة كاملة من الإشارات . وناقل هذه الإشارات ../ جسد الممثل / صوته/ حركاته / كما يقول يوري( فليرتوفسكي ).


من هنا : يدخل الممثل لديه قبل الشروع بالتجربة بسلسلة من التوترات الجسدية والنفسية لتصديع ما تشكّل لديه من أنماط جاهزة . حتي يستجيب جسده لقصدية الإشارات . بعدما أخرجته تلك التمارين المضنية من الفوضى إلى التنظيم والنظام . وغالباً ما يضع جدولة قاسية لساعات التدريب الجسدي والصوتي حتي يتم تحقيق المقاصد المتباينة في نظام مترابط . عبر/ لغة الفعل/ كما يقول جوليان هلتون في نظرية العرض المسرحي .
ولأن د. جلال جميل مدرك لأهمية خشبة المسرح بكونها فضاءً درامياً متحرراً من طبيعتها المعمارية التقليدية فلقد مارس حريته إلي أقصاها .






ا
الخروج من ثراء المغيب . . والدخول الى اللغة القياسية


المخرج / فريد عبد اللطيف
ان تاسيس رؤى مغايرة . تمتلك خطاباً مسرحياً يتحرك ضد اطر ماضوية ، متشكلة من مناهج وقيم ، واليات تفريغ تمتلك سلطة ضاغطة ومقيدة ، امراً غاية في الصعوبة . ان هذا المنطق المتحرك باتجاه فضاءات جديدة ليدشن فيها اسئلته الغامضة وثراءها التاويلي : يقتضي كشفاً للحجب .ومواجهة فاحصة واقتلاعية لهشاشة المقاييس الارتدادية . عبر عمل متواصل من الانجازات الفنية التي تمسك بحرية التجربة الذاتية في القراءة الابداعية والانجاز . دونما خوف من ثقافة السلطة المؤسساتية السائدة . الا ان التارجح ما بين عالمين متناقضين من انتاج المعنى:
الاول : يتسم بمناخ واحد يمنح الاحساس بالطمأنينة والهدوء والسكون … لانه يتحرك متجاوباً مع نظام معرفي متشكل له مفرداته وآلياته الواضحة المنمطة.
الثاني : يلفه الغموض .. ويتحرك في المجهول . خارج الطرق المالوفة ., بحثاً عن المجهول!
ان هذا التارجح .. سيكون على حساب القدرة على التحليق خارج الاطر والبوابات المتاحة … والسقوط احياناً في احضان التراث الفني المستهلك – حسباً ونسباً – وهذا يمكن قوله عن تجربة المخرج فريد عبداللطيف.
في عام 1974 – ايام كان طالباً في معهد الفنون الجميلة/بغداد يدرس الاخراج المسرحي . افتتح مشواره الابداعي متوحداً مع تراتيل جرأته في اقتحام محارة الانجاز الفني . بعمل مسرحي اصطاده من رواية للكاتب اسماعيل فهد اسماعيل . فقطف منه ما يستحق ان يكون ثمرة درامية ليشكلها وفقاً لما تقرأه ذائقته انذاك – على صورة العرض المسرحي الذي يراه . ثم وزع مفردات عرضه المسرحي في كل ارجاء الصالة والخشبة . وكأنه اراد ان يوصل حرارة الالم الفلسطيني في كل الفضاء . المشغول باساليب برشت ، ومايرهولد ، وقاسم محمد الذي رعى المخرج بظله ومتابعته . كانت تلك التجربة الاولى بداية الاستجابة لغواية"اظهار الاختلاف" ضد خديعة الاخرين ثم بدأت قسمات جمله الاخراجية تتماوج وتكتمل عملاً بعد آخر . ولو توقفنا امام اهم اعماله . لمثلت امامنا مسرحية "الغوريلا" التي شهدت ترابطاً نسقياً "استبدالياً" . ونسف في بناء منظومته الاشارية تعاقب الاشارات – افقياً – وحرض الذاكرة . ذاكرة المتلقي على التحفز وانتاج معانٍ مغيبة – قسراً – من وفي الواقع ..– أيامها- كانت الدكتاتورية الشمولية في ذروة مجدها على تراب العراق . فلم يتردد المخرج فريد في مفصلة العلاقات داخل العمل وفقاً لمنهج (تناقضي) ايقظ افاقاً متعددة للاشارات الصورية والسمعية واستبعد من ذاكرة المتلقي الالفاظ والصور الحاضرة على الخشبة الا اننا نجده قد اختلف مع ذاته . في عمله المسرحي الذي قدمه عام 1987 بعنوان (حسن اشطر من حسون) في ذاك الـعمل موضع خطابه الابداعي في مفردات واشارات قياسية . همشت الطاقة الجمالية المجازية في لغة الخطاب المسرحي . واقتصرت صياغة المفردات والدلات داخل العملية الاخراجية فـي حدود الوظيفة المعلوماتية المتساوقة مع المنطق الاجتماعي (الالي العفوي) وكل ما راته العين على الخشبة خرج من نصوص الذاكرة الواقعية . ولذلك بدأ مالوفاً وفاقداً للاهتمام.
ان هذا الضياع ! سببه التوزع ما بين بنيتين ثقافتين متقاطعتين:
بنية المسرح المتحركة في زمنها الخاص . زمن العاصفة والتجديد وتأبين صور الارتداد المنهجي والعلاماتي.
وبنية السينما والتلفزيون … التي عمل فيها كثيراً .. وهي بنية تبتهل الى السهولة والاسفاف في الرؤية والتناول . وتشق طريقها متعلقة بالنزول الى متطلبات (السطح).
ولو كان المخرج فريد عبداللطيف : قد تخلى عن العمل في الظواهر النمطية الجامدة للسينما والتلفزيون . وركز – حركته – القابلة للتجدد والاكتشاف على الخطاب المسرحي … لتمتع بسلطة تاثيرية اكثر افصاحاً عن ذاته الخلاقة التي انفلتت من عقالها كما يقال في عدد من الاعمال : مثال.. مسرحية (خيط من تراب) عام 1998 : في ذلك العمل تفحص كثيراً ضمنية المنطلقات الفنية التي يقوم عليها العمل الاخراجي والتي ادت الى النيل من حركية المجاز في مدلولات الاشارات والعلامات داخل الخطاب المسرحي . ومضى يحرر حواراً جدلياً آخر … يتحرك خارج حدود السطح للنص الادبي المعتمد عليه – للمؤلف (بيات محمد مرعي) . وذلك بسحق اطر التلقي التقليدي لدى المتفرج واقتلاعه منها. والاخذ به الى مناطق اخرى . لا يرتكن الخطاب المسرحي فيها الى سردية الحكاية . ووضوح الافكار وتسلسلها والبناء الهرمي للعقدة . والخاتمة المعبرة!؟
كما لجأ في مسرحية (الاغتيال) عام 2000 الى اطلاق الحرية لحضور الاشارات المغيبة في النص . عير استثمار الية المجاز في تقديم واستثمار الوحدات السمعية والبصرية والخروج من حدود اللغة والاشارات المعجمية التي خلفها النص ، الى ثراء المغيب من الصور والمعاني واستظهارها على الخشبة ليدخل الاشارات في علاقات حرة غير محددة مع بعضها البعض . لانجاز معان ودلالات افتراضية متعددة وقد تحقق ذلك في تفكيك (فونيم) الكلمات لينحي بتلك الطريقة . اشتراطات الواقع . مستبدلاً اياها بقراءة جديدة تتشكل عبرها معان ودلالات مناقضة . وهذا ما ينطبق عليه قول (سوسير) : ليس العقل هو الذي يخلق المعنى على الاشارة .. انما المعنى متاصل في العلاقات التي يفرضها النسق اللغوي.
وازاء مـاتأملناه في مسيرة المخرج فريد عبداللطيف نجد ان الوعي بالحرية ليس كافياً . انما المهم ان نمارس هذه الحرية – طريقاً – نحو اجتياز الحدود وهدمها . ومخرجنا فريد عبداللطيف .. لا احد يستطيع ان ينكر وعيه الحاد والثاقب بالحرية واشتراطاتها … لكنه وبسبب توزعه ما بين مثالية استاذه الفنان الرائد بهنام ميخائيل . وطقوسه التطهيرية وتمرد استاذه الاخر صلاح القصب . المنغمس حد الوله بحريته الفردية المعلنة في انجازاته المسرحية والمنحازة الى فضاء التجريب الصوري . تأرجحت انساق منظومته الابداعية . ما بين هذين الرافدين..
كان لقاء غريباً . وارتباطاً اشد غرابة . لطريقين وفلسفتين في الفن والحياة ، لا يجمعهما الا التناقض . ولا يفرقهما الا الانسجام .. لقد كتب المخرج فريد عبداللطيف اهداءً لهذين المخرجين في دليل مسرحية (المعطف) التي اخرجها عام 1988 . قال فيه (اهداء … الى المربي بهنام ميخائيل والفنان د. صلاح القصب) من هنا .. يمكننا الانطلاق والتوجه الى فك الارتباط ما بين جزيئات اشكال الوجود الموضوعي لمخرجنا المبدع فريد عبداللطيف . والمتحقق على صورة تحمل اشكاليتها المعلنة :- السكن هو جوهر المثالية . والازدراء … بلسان الحرية وعثراتها وظواهرها.
وعلى هذا : جاءت الحركة "الفزيولوجية" السريعة خدعة اخراجية ستراتيجية ، يعمد الى اظهارها كلما انجز عملاً مسرحياً محيلاً بذلك هيمنة الحوار بغشاوته الادبية الى مرتبة ثانية في اللغة البنائية للعرض المسرحي.
اما عمله (القنديل) للمؤلف عبده خال . والذي قدمه اواخر عام 2003 . فلقد توجه نحو تشكيل بنية مسرحية تحرك ذاكرة المتلقي الى مستويات من التفكير والاستدعاء . لمرجعيات رمزية جمعية . . فتحولت بذلك الكرة الارضية على الخشبة الى صخرة سيزيف. والمغارة الى اجراءاً مكانياً لتامل ما يحدث من فوضى في هذا العالم .. والقنديل اشارة بصرية تتشابك مع علامات الفضاء المسرحي للاحساس بحيوية الزمن.
والآن ما هو المستنتج من هذه الرحلة الطويلة؟
… لم يدخل المخرج فريد عبداللطيف في متاهات البحث والاستقصاء الطموح بحثاً عن ممارسة (جديدة) وفعالة لمنمنمات وادوات (النظر) الاخراجية ، نزولاً الى عوالم مجهولة وشائكة ومقفلة بحثاً عن مفاتيح لها . وازاحتها للخروج من شرنقة الاطر والزخارف التي حاكها الاخرين بتأملاتهم وتجاربهم الخاصة.
كان عليه ان لا يكتفي بتقليد نظرة الاخرين للاشياء!
حتى لو تتلمذ على ايديهم . لان النأي عن استباحة الاخرين لنا (بتوقيعاتهم الرمزية والشكلية) يحملنا مسؤولية التفكير – بحرية – أي تحرر ذاتنا من ذات الاخر . والخروج من سلطوية رؤاها.
ولا يمكن اغفال جدية واخلاص المخرج فريد عبداللطيف وتبنيه لحرية الاخرين – كرهان فني – في ترويض الافكار وتشكيلها ليبني له تاريخاً من العلامات الفنية الزاخرة بساعات الاخرين!
واقتراباً من الصورة وحتى تتشكل الملامح بكل تغضاتها ووسامتها لمخرجنا : فريد عبداللطيف . لابد من هدنة قصيرة . للاحتفاء بذاك الموقف الحكيم والشجاع الذي اجمع عليه هو وزميله المخرج عبدالرزاق ابراهيم . عندما بقيا لوحدهما يقودان اصابع النور في رماد العقد التاسع من القرن العشرين واسرفا في عشقهما للمسرح رغم مغادرة معظم المدرسين لوظيفتهم داخل المعهد . تحت وطأة الفقر . وقسوة الحصار . لكنهما امعنا في اصطياد الموت الذي سعت مديرية التربيـة في المدينة الى دحرجته صوب خشبة المسرح لازاحته عن الوجود . خاضعة بذلك لتاثيرات التيارات السلفية المستحكمة بحركة الحياة والمجتمع . فلولا فر يد عبداللطيف وعبدالرزاق ابراهيم لتغلغل الغبار الى مخدع الفن النبيل واسدل الستار على نافذة من نوافذ الحقيقة.
السيرة الذاتية :
تولد : 1953 موصل
الشهادة : دبلوم معهد الفنون الجميلة بغداد 1976 – بكالوريوس/اخراج مسرحي . اكاديمية الفنون الجميلة /جامعة بغداد /81-82
اعماله :
اني اتهم اسماعيل فهد اسماعيل
حسن اشطر من حسون فريد عبداللطيف
المعطف شفيق المهدي
فصيلة على الطريق الفونسو ساندي
الغوريلا يوجين اونيل ،
الحدث السعيد مورجيك ،
الضباب يقظ بيات محمد مرعي ،
الحبلجي اسامة غاندي ،
خيط من تراب بيات مرعي ،
الاغتيال فلاح حمدون ،
القنديل عبده خال












اللعب داخل الفضاءات المفتوحة


المخرج : عبد الرزاق ابراهيم


استجاب المخرج الشاب عبدالرزاق ابراهيم الى متغيرات الوعي الجمالي في بديهيات المناهج الاخراجية السائدة . مع مطلع التسعينات من القرن الماضي . وتخلى عن الوثوق بها .. بعد ان قدم عدداً من الاعمال المسرحية المنمذجة وفق التراث الارسطي . والبرشتي مثال (سنة الجوع) التي كانت من تاليفه و (اهمس في اذني السليمة) تاليف وليم هانلي . (بائع الدبس) تاليف سعدالله ونوس..
لكنه بعد هذه الاعمال قطع علاقته مع قبيلة السلف الفني . واعلن عبوره الى الشاطىء الاخر . باحثاً . عن ممكنات جديدة تتحرك فيها الدلالة المسرحية . لانجاز كثافة تأويلية . تتشظى في البنية التركيبية لانساق العرض المسرحي . وتحرض للظهور على السطح المهيمن من علامات الخطاب المسرحي . غلالة استفزازية شفيفة لكنها واضحة . تتمحور حول كل الثقل العقائدي (ديني . اخلاقي . سياسي . قبلي) … من هنا جاء اعداده لمسرحية (السود) لجان جينيه . ذاك الاعداد الذي اقام تاسيساً جديداً لتركيبة النص العبثية . ليرشح لنا خطاباً مسرحياً استفزازياً . اطلق اضاءات جدلية مكبوتة . عبر تقاطعات مشهدية تتحرك فيها مفردات العرض (قادة عسكريون . غوغاء . ثوار . شعراء . ملائكة . قتلة . دمى) في فضاء محايد مفتوح . شكّلهُ في ساحة عامة . خارج العلبة الايطالية . ومن هنا كان تخصيب التجربة المسرحية لدى المخرج عبدالرزاق ابراهيم . عندما حاور الفضاء المفتوح بلغة متدرجة السواد – ولاول مرة – نرى استثماراً فنياً للارتفاعات الشاهقة من : سطوح ، وشرفات ، ونوافذ عالية … في تكوين الافتراضات الاخراجية المقترحة ، لخلق الانساق السمعية والبصرية في المنظور الفكري والجمالي لخطاب العرض المسرحي . ولم يسبقه احد ما في حركته الاجتراحية هذه . داخل المدينـة . في اكتشاف المساقط المرتفعة ، والكتل الكونكريتية الواسعة ، والشرفات المعباة بالفراغ….
ضمن هذا المسعى الخلاق للمخرج عبدالرزاق : احدث تأجيجاً انتاجياً في الرؤية الفنية لممكنات الواقع المرئي … وايقاض التفتح والاستثمار العلاماتي ، المعباً بمحمولات جمالية وفكرية . وتجلت جرأته كذلك في حرثه الفكري بارادة المحارب عندما اشعل النار في بزة الجنرال العسكري . وسط ساحة العرض وجعل كل فرقته المسرحية تبصق عليها وهي تنوء تحت السنة النار . حدث هذا بعد عام من غزو صدام الكويت!؟.
كان ذلك المشهد في توسعاته (البنائية . والهرمية) نسفاً لشبكة حجرية من العلاقات الرؤيوية .. التي ظلت مهيمنة على لغة الخطاب المسرحي الاخراجية وجرأة بلاغية رمت بثقلها الدلالي الكثيف خالية من تحريفات العجرفة والانفعال الفكري … وعندما عرض هذا العمل المسرحي في بغداد ضمن مهرجان الشباب المسرحي . واختار ايضاً ساحة كلية الفنون الجميلة مكاناً للعرض . لاقى وصفاً شعرياً من قبل الحضور . واستدعى بلغتهم النقدية عبر الصحف والمجلات . كل عبارات الشعور بالصدمة الايجابية . لما اسسته من ازاحة لكثير من اجوبة المسرح التقليدية . ونحى منحاً اسلوبياً صادماً واستقزازياً في توليفته النسقية داخل العرض..
ان التعاطي مع علامات (التحول والمغايرة) في التفكير والمعالجة الرؤيوية للعمل المسرحي يعد امراً ليس من السهولة بمكان ويتطلب:
1. استبعاد المساحيق البلاغية الفائضة عن مفردات اللغة الفنية.
2. الوصول الى لحظة الامساك بالنور . والسير في عالم (المتاهة) الابداعي.
3. اكتشاف الطفولة في المناطق المحرمة.
4. تعرية منظومة الاشباح الفكرية المقدسة.
5. تجربة شخصية يقظة في رؤية طلاسم الماضي.
ما يهمني القول هنا : ان تجربة عبدالرزاق ابراهيم الاخراجية على الرغم من تباين مستوى العروض الـتي قدمها .. ما بين الوصول بها الى مستوى الاكتشاف والتجاوز . كما في مسرحية (السود . في انتظار غودو . الصبي كلكامش) . والنزول الى تجارب تستعير من تقنيات واقنعة الورشة التقليدية الارسطية والبرشتية الكثير الكثير . كما في (اغنية التم . ومحنة كلكامش).
الا ان بحثه المستمر داخل ورشة التجريب المسرحي في لغة العرض الاخراجية : جعله يمتلك حساً سريعاً في الاستجابة الانتاجية لتمويل الرؤى والافكار على الخشبة او في أي مكان يختاره للعرض . وهو بذلك يؤكد تحيزه في تطويع كل المعوقات والمعرقلات لشروطه الشخصية . فكل بقعة من الفضاء مهما كانت محدودة تصبح لديه قابلة لاقامة الحوا رمعها . وانجاز علاقة درامية داخل حساسيتها المعمارية والجغرافية.
كما ان صياغة رؤية قرائية لتجربة عبدالرزاق ابراهيم تكشف عن : تنقله داخل مناهج وتيارات فنية متعددة .. وهذا يعود برأي الى منطلق واحد : البحث عن المعالم الخاصة لذاته الفنية ومدوناتها الذائقية والمعرفية . وان جاء ذلك على حساب نكوص الخط البياني لمقترحات تجربته الابداعية . وتأرجحه الغير متوازن ما بين استشراق مناطق مجهولة امام الادوات الاخراجية . والتراجع الى اجابات رؤيوية توقفت عند حدود وظيفتها المتعايشة مع مؤسسة الخطاب المعرفي المقبول.
فما بين انتاجية الدلالات المتحركة على سطح الصورة السينوغرافية للعرض المسرحي في مسرحيات مثل " السود … بعد موت انكيدو …. في انتظار غودر" وحضور شبكة السياقات المعرفية الجماعية واستبعاد منظومة التشكلات التجاوزية في المحاولة الفردية كما في (محنة كلكامش – سنة الجوع) .
ويمكن القول هنا : ان بطء آلية التحرك والنمو في طقوس التكوين الخطابي المشتغل على فاعلية التعايش الجدلي مع سلطة التاويل هو التمظهر الواضح في الممارسة الفنية للمخرج عبدالرزاق ابراهيم.
سيرة ذاتية :
تولد : موصل 1958
التحصيل العلمي : بكالوريوس / اخراج مسرح/اكاديمية الفنون الجميلة/بغداد 82-83
اعماله:
بائع الدبس الفقير سعد الله ونوس
سنة الجوع عبد الرزاق ابراهيم
اغنيةالتم جيكوف ،
السود جان جينيه ،
الصبي كلكامش عبد الرزاق ابراهيم
محنة كلكامش عبد الرزاق ابراهيم
في انتظار غودو صاموئيل بكت ،
اهمس في اذني السليمة وليم هانللي










تحطيم قواعد السرد التقليديةُ


المخرج/ موفق الطائي
يقف هذا المخرج : مجاوراً لحدود المغايرة في تكوين جمالية اللعبة المسرحية وعلاماتها ، منشغلاً (بتوالدات فنية ، تتوزع ما بين المسرح ، والخط العربي ، والرسم ، والتصميم ، وفي ضوء هذه المؤهلات. اندفع في مساره الابداعي يلامس خيوط اللعبة في الخطاب المسرحي).
تحت هذا الخط العريض ،كتب مسرحية كفر قاسم في منتصف سبعينات القرن الماضي . وقدمها على خشبة المسرح ، باستعادة معرفية لتاريخ الذات امام الفجيعة المتكررة كاشفاً بكيفياته التشكيلية . فصول الالم . والمقاومة . مكرساً كل جهده : ان يعطي الوثيقة طريقاً للتمرد على سكونيتها تحت التراب . لتتحول (بآلية التغريب) الى متعة غير مالوفة تستقطب الجمع ، ما بين الحقيقة واجنحة التاويل .. ان عملية التعريف بارقام الضحايا لم تتوقف عند حدود الجمع الرياضي . وايقاظ الالم . بل مال بها موفق الطائي . الى تحطيم قواعد السرد الموضوعي التقليدي للحكاية واغواء تالفات تعبيرية متوترة ما بين الصمت . والبانتومايم ، والغناء.
كانت تلك الدلالات وسائط بحثية ، تشكيلية . غادرت منطقة البناء القياسي . لتطل على احاطات تكوينية وبنائية درامية . تنفجر فيها الاشارات وتتشظى الى مدلولات بمعطيات تأويلية . لا تتأخى مع انغماس الجمهور في مفازات مخدرة . وما لم تقله الكتب والتواريخ : قاله جسد العرض.
وهكذا تأخى مع الفضاء المسرحي : عندما استجاب للدخول مرة اخرى الى غموض الواقع . مأخوذاً بطريق الاستمتاع ، بتحقيق المجابهة مع الآخر . مع الجمهور في مسرحية (ريم) والتي كانت من تاليفه ايضاً.
في هذا العرض الذي قدم في اوائل الثمانينات من القرن الماضي ازدادت (الفزيولجية) عنفاً . واسلبة . لا لكي تحاكي ظاهرية الصورة المرئية . وتقديمها وفقاً لمنظومة الحواس . بل ذهب الى منهجه الحركة . بتركيبات (نحتية) مجزأة في بنيتها الكلية . ليوقظ مساحات مطلقة من الاسئلة..
ان استدلالات موفق الطائي على شكلية التعبير ، عن الوعي الذاتي ، ناتجة عن قراءته النافذة للمساحات ، والسطوح بعين الرسام اولاً . وتفعيل سيميائية التفاصيل بتفريغات الكاتب المؤلف ثانيا . وفي آخر الامر يموضع المخرج موفق الطائي (تركيبته) وفق منظور قيمي يؤكد استقلالية التفاصيل الفنية المتجاورة عن اصولها . ونزوحها الى (بنية) تنظيمية (متحولة) لتتسامى المدلولات فوق منطقة غير مقروءة ، ما بين الشعور واللاشعور.
ان خزينة التشكيلي : قارب الكلام … الى منظومة صورية ، واجهت وعي المتفرج بجمالية ملحمية . لطالما استهوت منظوره الفني والانساني … للاشياء . ان حضور القواعد الاكاديمية في الكثير من اعماله ، جاء من دوره التربوي في النشاط المدرسي … الذي اخذ منه الكثير . متخلياً – بقصدية – واضحة ، عن اكتشاف محاور اختلافية في تقنية التعبير والايصال المسرحي . ان مسيرة تبلغ اكثر من ربع قرن في خدمة المسرح المدرسي … اوقفت الكثير من آليات التفكير – للخروج – عن نواميس التفكير الاكاديمي لكنه رغم ذلك ظل متماهياً مع حركية العرض المسرحي المفتوح على القراءات المتعددة والمعاكسة لبرودة الوعي المتقاعد عند المتلقي في صالة العرض.
السيرة الذاتية :
تولد : 1954
الشهادة العلمية : دبلوم معهد المعلمين
اعماله :
الرجل الذي قال لا عبد الاله حسن
كفر قاسم موفق الطائي
ريم موفق الطائي
الاميرة والحب طارق فاضل ،
العديد من المسرحيات الاستعراضية .








التوغل .. في حرية المسار


المخرج / بشار عبدالغني
بشار عبدالغني يمثل صورة واضحة لافاق المشهد الاخراجي في المسرح العراقي الحديث . والذي يطلق العنان لسلطة التاويل لتؤسس الخطاب الفني للعرض المسرحي العراقي.
ان هذا المخرج الشاب يهدف في مشروعه الاخراجي : الوصول الى ما هو جوهري . من خلال اكتشاف العناصر الجمالية الحسية والتجوال داخل اهتزازات الروح.
وعلى الرغم من قلة اعماله . لكنها تستقر بنا الى قناعة واضحة: بان هذا الفنان حينما يتصدى بكل طاقته الانسانية لخشبة المسرح فهو يسعى لتأثيثها بتراكيب وانشاءات حاضنة لانفعالاته الذاتية المختزنة .. وهو يختلف عن غيره باستنهاضه للمقاربات الجمالية التي تسير الى مقاصده التجريبيـة . عندما يلعب لعبته على المسرح . ومع كل ما يفعل فهو يرتـمي في عوالم كبيرة جداً لكنه يصر على اختزالها . وبنفس الوقت منفتحاً عليها بكل طاقته العاطفية . وتتسم عروضه بطغيان التشكيل على مساحة واسعة من سينوغرافيا العرض . مستوعبة بذلك كل علامات واشارات الخطاب المسرحي .. ومن هنا يمكننا القول ان بشار قد اقترب خطوة خطوة من اكتشاف خبرته الجمالية . وكان للقراءة المستمرة والاطلاع على تجارب الاخرين : الميدان الذي حرره من قيود المتوارث من الاساليب والمعالجات . وبدأ يمضي باتجاه أخر ومسارات اخرى لم ترسمها فرشاة العملية الاخراجية في مدينة الموصل . كما اعاد صياغة الاسئلة الاخراجية في نتاجاته المعدودة . ليصل الى ما هو ابعد مما هو مرئي . وبدأ واضحاً هذا الخطاب الجمالي الجديد في عمله المسرحي (رحلة الطيور الخشبية) التي سعى من خلالها الى بناء منظومة انساق مشفرة . تهيمن عليها العلامات التي تضع المتفرج في موقف حرج وتقذف به الى شواطىء التاويل وهو يسعى من خلالها الى التجوال مع الشخصية التي رسمها في دروب الاسى – داخلاً وخارجاً – وانتج بعمله ذاك عجينة ثنائية للوطن والمنفى . الشرق والغرب . المادة والروح .. لقد حاول بشار منذ بدايته الاولى ان يسبغ على مشروعه الفني شكلاً مشتعلاً بالحداثة . حاول من خلاله ان يستنهض كل جماليات الواقع الكافر … وانقلب عليها ليجد لها معادلاً صورياً احال المفردات الواقعية الى ارتباطات متشابكة . ولو شئنا العودة الى نقاط الشروع الاولى والتأسيسية للفضاءات الجديدة في المسرح العراقي . والتي كانت افتراقاً جمالياً ورؤيوياً للمهمة الاخراجية … فلا بد لنا ان نتوقف عند عراب الحداثة في المسرح العراقي . المخرج صلاح القصب – الذي وضع البنية الاولى لنهج تفكيري جديد . تصدى لكل المفاهيم التقليدية المستغيثة (بالحوار والعقدة والحبكة والشخصيات ..الخ).
وفتح الباب واسعاً امام سلطة جديدة تسعى (لتهشيم الموضوعية وكذلك التمركز الكائن في مرئيات الواقع) والاقتراب دوماً نحو – الحدس – كشكل وآلية للمعرفة الذهنية المجردة . للوصول الى الحقيقة .. وهنا اصبحت الذات هي المنطلق للتعبير عن كل الاحباطات … والهواجس .. والاحلام والعوالم المحيطة .. ان هذه الثورة الفنية التي اعتمدت على التخاطب "الصوري" حلقت بالعرض المسرحي الى افاق عالية جداً . بعيداً عن "الشيئية" لتصبح لغة المسرح لغة اخرى لا تسقط في المناهج المعيارية المتوارثة . بل اسست خلاصاً بصرياً ذي منظومة لغوية خاصة .. لقد كان لهذا المشروع الحداثوي في المسرح … والذي بدأت تتضح معالمه في ثمانينات القرن الماضي على خشبة المسرح العراقي ، وزج بكل ثقله في تسعينات القرن الماضي . واطاح بكل مفردات ومفاهيم المنطق الفني للمسرح الارسطي . والذي ظل يهيمن على السياق المسرحي العراقي منذ التاسيس وحتى مجيء المخرج صلاح القصب .. وهكذا شهدنا اسماء كثيرة ولدت من رحم هذا التيار الجارف وشكلت تقاطعاً حاداً مع ما سبق … والمخرج بشار .. واحد من هؤلاء الذين حلقوا بعيداً عن القياسات الارسطية التي قيدت المسرح العربي عقوداً طويلة .. والقى بنفسه خارج المنطق الموضوعي للاشياء . في محاولة منه لتاكيد اللامنطقي واللامعقول في حركة الاشياء المرئية والمنطقية .. اننا عندما نعاين البناءات الجمالية لهذا المخرج الشاب . نجده يهشم كل العقد والعلامات الارسطية من احشاء النص المسرحي . ليبدأ هو في صياغة نصاً اخر لا يصلح للقراءة اكثر مما يصلح للمشاهدة .. هذا النص الجديد يحمل لغة مشفرة تعطي الذات السلطة الكاملة.
لتوليد الصور بلا حدود . وليلعب الخيال لعبته الحرة في تكوين انساق العرض . ولتصبح الصورة اكثر الانساق تاثيراً في العرض . لانها تصدم ثوابت وافاق المتلقي لما تحمله من تكوينات حركية مشفرة تنقل الخطاب المسرحي الى مستويات عليا من الدلالات . ان براعة بشار في قدرته على التحويل الثوري للعلاقة الايقونية مع الاشياء الملموسة . ليجعل من التشفير هو القانون الذي يحكم العلاقة بين كل الاشياء . إذ لم تعد العصي الخشبية . والماسحات .. وجسد الممثل . والسرير .. لم تعد بنفس الوظـيفة الواقعية والمنطقية المتداولة . بل تاخذ ابعاداً ودلالات اكثر فاعلية . لانها تصبح حاملة لمستويات متعددة من الاشارات التعبيرية . ان المخرج بشار يوغل كثيراً في تشفير انساق العرض المسرحي (السمعية والبصرية) لينشىء خطاباً مسرحياً معباً بالدلالات . والتي ليس من السهولة فك رموزها : فالامر يقتضي من المتفرج جهداً ابداعياً للامساك بها . وهذا يعود الى ان العرض المسرحي لدى مخرجنا ممغنطاً بالكثير من القيم الرمزية ذات الامتدادات اللامتناهية والتي تجعل الخطاب المسرحي بانساقه المشفرة مفتوحاً على مستويات تأويلية متعددة.




سيرة ذاتية :
تولد : 1968 موصل
بكالوريوس : كلية الفنون الجميلة / جامعة بغداد / اخراج مسرحي
شهادة الماجستير :كلية الفنون الجميلة / جامعة بغداد / اخراج مسرحي
شهادة الدكتوراه :كلية الفنون الجميلة / جامعة بغداد / اخراج مسرحي
اعماله:
الأخوة ياسين حسين رحيم
هجرة الطيور الخشبية بشار عبد الغني
هبوط تيمورلنك عبد الفتاح قلعجي
الظلمة جالواي
الفيل يقيم مآدبة سمر نورمان سيكلنج
شعر مستعار مروان ياسين الدليمي










ايماءات الجنون
في صياغات ارسالية غير محترسة


المخرج/ طلال الحسيني
كما انفتح التعبير الفني البنائي لدى المخرج طلال الحسيني على صياغات ارسالية غير (محترسة) يقذف بها في وجه البني المهيمنة – شكلاً ومضموناً – اثباتاً لنزعته التمردية في مواجهة فروض الطاعة العمياء التي تمسك بنظرة المجتمع الى ذاته والى الآخر.
ويترشح دائماً عن اعماله ، صوراً . واشارات لإرادة تواجه التغييب ، والتشابه ، والتماثل – الذي يسحق الخط الانساني تحته . ويتجلى في محاولات هذا المخرج اقصى درجات الممارسة الابداعية في خلق الفرضيات المغايرة.
ان استمراره في ملاحقة النصوص الشعرية المكتوبة للمسرح وفق فرضية جديدة تعكس الجملة الشعرية على الخشبة بانساق متحررة من اغلال العقل ومنفتحة على ايماءات الجنون الناطقة بحرارة الحكمة المترنحة على وجه الممثل – الخارج من عاصفة الانكسار الاغترابي - . حينها يستمتع الجمهور بلسعة النار التي دحرجها طلال الحسيني . على صمت الخشبة.
وهو يغربل الظواهر الاجتماعية من قدراته الجسدية . وفي مسرحية (المتحف) للمؤلف الشاعر كرم الاعرجي . . هاجر الحسيني بالصورة الشعرية الى تناقضات ديناميكية . تحركت وفق منظومة مستثارة بفعل اللاوعي واللاشعور وانشاء الخيال الحر والجامح الذي يشتغل فيه ومنه الحسيني – في كل اعماله – تجليات وتأملات . استنطقت مخاوف الانسان في بلد تحكمه الكلاب . والدهاليز والنهايات الغامضة . عبر استثمار معدل للتراث الصوتي العراقي . وانكسارات الصوت في صرخة المجاميع .
ان التجربة الطويلة لهذا الفنان والتي تمتد منذ عام 1972 وحتى هذه اللحظة 2004 . بما فيها من علامات خارجة عن فروضات الطاعة الفنية والمجتمعية . تمنح هذا المخرج المكانة المنفردة بين اقرانه . وهو الذي يحمل شهادة في علم الرياضيات . وليس في فن الاخراج المسرحي ! ان أي استعادة لاعماله المسرحية ، والعيش في تفاصيلها الماطرة . سوف تحكمنا بتصور واضح عن هوس هذا الفنان:
1. تغليب المواجهة مع الجمهور على استرضائه.
2. اشهار المسكوت عنه ، وكشفه على الخشبة دونما تردد (كالجنس ، الدين ، السلطة).
3. الاشتغال الحر على المعادل الصوري بكثافة تأويلية لتحطيم الدلالات الايقونية . والدخول في الزمن المتعدد للعبة المسرحية التي تحركها النشوة الداخلية المرتكزة على اداء الممثل لكل الافعال بلا اكسسوارات معتمداً على بلاغته الايمائية في التوصيل والايحاء.
لاشك ان التصدي لمشكلة (البنية) من وجهة نظر سيميائية ومحاولة ايقاظ دور الوسيط ما بين العرض والمتلقي . لايلتقيان على قاعدة فلسفية واحدة . وان كان الوعي الفردي بدلالاته يتشكل من الوعي الجمعي بمدلولاته . لكنه يفترق عنه ويتشكل خارج حدوده في اللحظة الابداعية الانجازية لدى الفنان.
ان تمظهر العناصر الذاتية في المنظور والبناء والمتمحور حول (اطلاق الحرية لتداعي الافكار والادراكات الجمالية) عند المخرج طلال الحسيني . هو الذي جعل منه مكتسباً لخاصته . لا يشاركه فيها احد . الا وهي اكتساب العرض المسرحي صورته الشخصية الانفعالية المتوترة) . وسقوط الوجوه في مرايا الغضب كما في (لعبة الكريات الزجاجية) التي اخرجها في منتصف الثمانينات من القرن الماضي.
لقد تواجدت في تفاعلات تجربة الحسيني المسرحية . خارطة للروح الوحيدة . في مواجهة الموت المتحول مع الهواء . وتقنيات الغربة كما رسمها في (اغنية التم) ليجيكوف . عندما اطر خشبة المسرح باصوات واشكال فنتازية اورقها من القماش الابيض والاصباغ اللقيطة .
تولد : 1956/موصل
بكالوريوس : رياضيات / جامعة الموصل
اعماله:
الشجرة المسكيني الصغير
لعبة الكريات الزجاجية حامد خلف
المتحف كرم الاعرجي
استدرج النهار حتى نافذتي مروان ياسين الدليمي
اغنية التم جيكوف
فوق رصيف الرفض حمدة خميس
زهرة فوق تبوت الكلمات رسمي اليافي .
اخرجوا مروان ياسين / طلال الحسيني










تفوق الغائية… على المغايرة الجمالية


المخرج / د. محمد اسماعيل
يشتغل محمد اسماعيل في منطقة الاخراج المسرحي محملاً بحيرة كبيرة ، اساسها : الداب الحثيث في الدخول الى بنية جديدة لخطاب العرض المسرحي ، تعمل على الابتعاد عن ظلال العرض الواقعي . محاولاً تمويل المقترحات النظرية لمفكري "السيميائية" الى تجارب عملية مسرحية ، مجبولة بانساق الرؤية البنوية معتمداً في تحقيق ذلك على:
قراءته المستمرة لكل ما يصدر من مطبوعات في هذا الاتجاه . لكن هل يكفي هذا لكي تبدو محاولاته متجسدة على الخشبة ؟ هل تكفي القراءة النظرية للفلسفات الحديثة والايمان بها ، حتى يصبح المرء جزءاً من زمنها المتحرك في الواقع؟
لا اعتقد ان ذلك يكفي . لان المسالة لها (متن) بمستويات متعددة . ويمكن القول ان اعتماده على نصوص ادبية لا تغادر منطقة تاكيد سلطة النص . كذلك اشتغاله الاخراجي ضمن هيكلية هذه الحدود التقليدية للنص . وعدم مقاومته قيود ومكونات المؤلفات الادبية المسرحية ، رغم اجراءاته التجميلية لتلك النصوص . جعله لا يدخل دائرة الانجاز السيميائية بحرث جديد.
ان فعل الاضافة يسكن في : معادلة الصراع والجدل مع المنجز الماضي ، وشمولية ذلك الصراع وتضاعيفه . وتفعيل الرؤى التواقة للاحلام والمجهول . لتحل في بنية المفاهيم المتشكلة في التجارب المسرحية.
لقد بقي هاجس الدكتور محمد اسماعيل منذ مطلع تسعينات القرن الماضي هو : البحث عن زمن اخر تتشكل فيه ملامحه بعيداً عن مفاهيم الخطاب المسرحي التقليدي .
كما في مسرحية (اسرق اقل رجاءً) والتي نالت اعجاب الناقد الكلاسيكي د. عمر الطالب . فقال عنها : المسرحية جيدة لسخريتها من جميع الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في ايطاليا!؟.
من هنا يتضح تفوق الوظيفة الاجتماعية والسياسية للمسرح لدى المخرج محمد اسماعيل على الوظيفة الجمالية المغايرة لما هو مهيمن.
كذلك ما انجزه في مسرحية (لعبة النهاية) لا يخرج عن (مواد) الانجاز والحل داخل اطار واظهارات النص العبثي (للمؤلف) لصموئيل بيكت . ولم يطرق حلولاً اشارية معبأة بطاقة جديدة . مما حدا بالدكتوره عواطف نعيم ان تقول في معرض تعليقها عن هذا العمل "لقد تم تقديمه ضمن امكانيات بسيطة . معتمداً على اداء الممثلين لها".
كذلك مسرحية (انكيدو) للمؤلف طلال حسن . فلقد التزم د. محمد اسماعيل كما يقول د. عمر الطالب : بنص المؤلف واجرى عليه تعديلات بسيطة!؟.
ان النتائج المترتبة على ارضاء المؤلف والسير في مدوناته لاتأتي لصالح ممارسة الحرية في التعبير الفني . وتبقي حركة المخرج الانتاجية (علاماتياً) في اطار البنية المسرحية لمتن النص الادبي … ومن هنا يضيق هامش التأويل والاسئلة المشدودة الى المجاهل البعيدة لدى المخرج في انجاز اشارات جديدة لا يفرضها متن النص الادبي . وكما يقول بوغاتيريف في بحثه (سيماء المسرح الشعبي) . ان التحولية هي الصفة التي تميز المسرح عن باقي الفنون.
لقد احال محمد اسماعيل تقنياته الانشائية في تكوين مشهده المسرحي الى منطقة (مجاورة) لاليات اللعبة الظاهرة للمؤلف . ولم يحاول ان يصعد من فرادة وخصوصية الفضاء السينوغرافي المتاح للمخرج المسرحي دون المؤلف .. رغم ما يطرحه من مقترحات نظرية في احاديثه ومقالاته تنبع من منظومة جمالية متدفقة من عمودية التناسل الرؤيوي . واسقاط البساطة والغائية من اسلوبية الخطاب وبنيته.
واذا كان د. محمد اسماعيل لم ينجز تقاطعاً انجازياً ضد معيارية العروض المسرحية القابعة تحت سلطة الاجترار المنهجي السائد . الا انه كان يقود تجربته باتجاه الخروج من سلطة العرض المقيد بالمفاهيم الجمالية القياسية.
وما رسمه من مفردات منظومته الرؤيوية في مسرحية (اسرق اقل رجاءً)… او في مسرحية (كانكان العوام) … او في لعبة حلم . ما هو الا ارهاصات فنية كشفت عن نزعة حقيقية من قبل المخرج . لكي يخرج من هيمنة الكثافة الرمزية (الايقونية) … وصولاً الى التحليق في فضاءات التاويل ، المؤسس على تفجير مستويات الرمز في الدلالات ، وفقاً لما تقوده التجربة الذاتية.
ففي مسرحية (كانكان العوام) كانت سينوغرافيا العرض . نزوعاً نحو نحت الفضاء المسرحي . بمقترحات فراغية تتشابك مع المشاعر الساخنة وتحتضن التمرد الوجودي الساخر لابطال الحكاية . مضاعفة حركية التعقيد الشعوري المحتدم . الذي تشيء به قطع القماش المعلقة باعمدة الخشب لتوحي على انها (مركب).
كذلك .. في مسرحية (اسرق اقل رجاءً) عزز د. محمد اسماعيل ايماننا باننا نجاور مخرجاً ميالاً بشكل صريح الى تشكيل تجربته ضمن المشهد المسرحي التحديثي .. فكانت خشبة المسرح العارية . تقابلاً جمالياً لذات المخرج . وهو بذلك : انفتح برعشته الساخرة على ممارسة الانجذاب نحو الزاوية المنفرجة في الرؤية الفنية بعيداً عن التقوقع ضمن اشتراطات الشيئية.
السيرة الذاتية :
تولد : 1956/موصل
التحصيل العلمي : دكتوراه في المسرح التربوي . كلية الفنون الجميلة /بغداد
يعمل رئيساً لقسم المسرح في كلية الفنون الجميلة /موصل
اعماله:
الصخرة فؤاد التكرلي
لعبة النهاية بيكت
حلم في فنجان عبدالرزاق الربيعي
الحمقري حسين رحيم
كان كان العوام جورج امادوا
ليس لدى الصباغين ذكريات داريو فو
اغنية الوداع تشيخوف
اسرق اقل رجاءً داريوفو
نزهة في الميدان ارابال
انكيدو طلال حسن
اشتار طلال حس








ربيع السخرية
وفصول العبث والتمرد


المخرج / فارس جويجاتي
تملصت تجربة فارس جويجاتي من فعالية الارغام لكيانية المهيمنات المؤسساتية القائمة .. وخرجت الى تدوين توقيعات فنية … اشارت الى تجربة مغامراتية متمردة .. لا يحركها الانـفعال الصريح . بقدر ما تنقاد الى بذرة الانحياز الى المواجهة والعبث بما هو قائم .. ورغم بساطة الكشوفات الفنية التي انتجها .. والتي لم تتحرر من حدود السياقات المكتسبة . الا انه حقق استثماراً (مناوراتياً) ضد رموز العبادة السياسية والقداسة الحزبية .. واشتغل على توظيف ذكائه . وسخريته وعبثته . لخداع السلطات . وانتاج فوضويته الفنية .. اشتباكاً مع اساطير الواقع السياسية المعاصرة.
كانت خطوته الاولى : الاستناد الى نظرة جدلية في وعي التجربة المسرحية … والانطلاق خارج التقاويم المفضوحة للسرد المسرحي الموظف لخدمة العلاقات القائمة…
وهنا ركز جل اهتمامه على التاليف الادبي للمسرح . ليقيم مداخلات فكرية ساخنة مع الفلسفة العقائدية القومية السائدة .. وليفجر امام الجمهور الكثير من الاسلئة المحرمة من قبل فعاليات المجتمع الدينية والسلطوية .. فكانت مسرحية (فوارس بني كانور) التي بحث فيها عن كوامن الثورة الطبقية في التاريخ العربي الاسلامي .. والخروج عن تواصيف المؤرخين المعتمدين لدى مؤسسات النظام العربي السياسي .. وهو بذلك خلق مواجهة تنويرية مع التاريخ .. والمجتمع . والسلطة . وصولاً لتحقيق اتصال جدلي .. ابداعي ، مع الكيانات المشعة المحضورة.
كما وقف بفعالية تاليفية امام تجربة انسانية اخرى ليكسر منطق التعصب والشوفينية في النظرة الى الحرية والانسان . عندما كتب نصاً مسرحياً (سبارتكوس) .. لينفذ من خلاله الى اشكالية العبودية في مجتمعاتنا العربية الخاضعة لسلطة الدكتاتورية الحزبية.
لقد عبر فارس جويجاتي عن تلك التجارب الثورية واستنطقها بطريقته الخاصة والتي لا يشاركه فيها احد:
1. تعرية رموز القهر والاستلاب . بمعالجات ساخرة وعبثية . كأن يعطيها اسماءاً مختلفة غير اسماءها التاريخية . كأن يكون اسم احد اصدقائه . بعد تحريفه قليلاً.
2. الاعتماد على الفتيان والاطفال حصرياً في تقديم افكاره .
3. عدم الخضوع للمقاييس المعيارية في نظرته وتقديمه للاشياء والشخوص ، والسفر بعيداً على بساط العبث والسخرية من كل شيء طاله التقديس!؟
ومن منظومة تخريجاته التمردية الساخرة : كان لا يتردد في تزوير الكتب الرسمية الموقعة من قبل اعلى السلطات الثقافية والرقابية .. التي تتيح له عرض اعماله .. والتي كانت تجابه دائماً بالرصد والملاحقة من قبل انتهازي السلطة…
ولكونه … لم يتلقى تعليماً اكاديمياً في فن المسرح . تأسس خطابه المسرحي . على قاعدة فلـسفية ماركسية تغلغلت في ثنايا اسئلته . وفعالياته . الكتابية اولاً . وفي عروضه ثانياً.. التي حفلت بكل ما يعد مواجهة مع البلاغة السائدة – مسرحياً – ومجتمعياً.
الا انها لم تطرح حركية جمالية جديدة . تقف بقوة وتاثير لتدوين وتوثيق جديد ، لمنظومة سمعية وبصرية خارج الظلال الكثيفة للمسرح القائم داخل هيكيلية القيم المجتمعية .. وبقيت فرادته تنطق عبر الحوار الادبي المصاغ بلغة ادبية كلاسيكية ! ومن خلال نظرته الثورية للتاريخ والواقع…
كذلك من خلال فرقته المسرحية المكونة من الفتيان الذين كانوا يتفوهون بكل ما هو مسكوت عنه ، ومغيب في اعترافاتنا امام انفسنا . وامام الاخر.
كما تعامل مع التاريخ المعاصر وفقاً لموجهات الاسطورة:
1. انخراط عميق في الخيال.
2. المبالغة والتضخيم
كانت تلك منطلقاته وهو يسرد تلافيف حكاية رجل موزع ما بين تكوره امام المحراب . وانقياده وراء وجدانه المهووس بالالحان والايقاعات التي تلامس القلب…
انها حكاية رجل الدين وقارىء المقام (الملا عثمان الموصلي) لقد تعامل مع هذه الشخصية بوهج المسحور بها . متأخماً مع احساسها التراجيدي بالحياة . لقد اثر من خلال العرض المسرحي الذي الفه – نصاً – وخطاباً – مسرحياً : ان يبتعد عن الاصغاء الى اليات الواقعية في التناول والتفريغ الفني . قافزاً بقوة الى زقورات الواقعية السحرية في غموضها ودهشتنا امامها.
وبتلك الخصوصية الاطارية التي وزع عليها تواقيعه البنائية .. تفرد في تدوينه الفني للوثيقة المكتوبة . والشفافية والصوتية . واحتوى العرض على تجريد المحتوى العاطفي التخديري للطقوس الدينية وتحميلها افتراضات جدلية.
ان اساليبه وتجاوزاته العبثية . . لم تمنعه من التعاطي بهوية صوفية مع تقاليد العمل داخل المشغل المسرحي . فلم يكن يتردد وهو الطافح بالازدراء لكل التقاليد . ان يرغم ويعلم تلاميذه الصغار ان يتعاملوا مع خشبة المسرح وكأنها قريناً لبيت من بيوت الله . فلا تراجع عن الخضوع والخشوع كلما دخل اياً منهم الى صالة العرض المسرحي.
كذلك لابد من الاشارة الى تفوق فارس جويجاتي وخصوصيته في ارتكازه على الفتيان والاطفال الصغار في تقديم اعماله للكبار .. وليس كما يحصل في كل ارجاء الكون : الكبار يقدمون الاعمال المسرحية للصغار .. وهنا يكمن سر تمرده وميله نحو الفردنة في تحقيق خارطته التخليقية وهو يبني تجربته المسرحية.
ان تعاطي فارس جويجاتي مع التجربة المسرحية . وقع خارج السياقات التقليدية . بل اجزم بالقول ان فرادة شخصية فارس الانسانية بما تملك من طاقة تحررية تنأى عن كل المرجعيات (دينية – اجتماعية – فنية) وتأسيس تجربة مسرحية وحياتية – تقصي – الخوف الكونكريتي الذي كان يتلبس الكثير منا طيلة عقود السبعينات والثمانينات والتسعينات من القرن العشرين في العراق.
كان نفيه للخوف ياتي بطرق مقاربة للحداثة في مغايرتها لما هو متشكل في الواقع من افعال وردود افعال. فمن كان يتجرأ ان يقول بصريح العبارة كما قال فارس جويجاتي في مسرحية (فوارس بني كانور) وهو الاسم المختلق من قيل جويجاني عن (القرامطة) التي تناولها في هذا النص إذ قال:
احد الصعاليك : زمن ام دم هذا الذي نتذوقه ، تحت سياط الايام . منكم الى الله ايها السادة.
السيد : انا.. الله .. ايها الصعلوك
او كما قال في احد المقاطع من مسرحية (سبارتكوس)
الشيخ : لم تكن روما في حاجة الينا كما في هذه الايام شرف روما ، ينادينا ، وترابها المقدس ، ايضاً ، الدفاع عن روما … الدفاع عن روما…
تالياس : (احد العبيد) … ان ما ترتكبه السلطة بحقنا لن تجرؤ على ارتكابه اية قوة عسكرية غازية . مهما كانت التها الحربية مدمرة.
علينا ان نعلم .. ان هذا الطرح قيل في زمن ، كان الموت والحرب لغة تهيمن على شمولية الحياة في العراق ايام الحرب ما بين العراق وايران . وكل شيء انذاك كان يتم تنسيقه لتحقيق الموت من اجل الشهادة ! دفاعاً عن … النظام!؟.
ان ميله المستجيب الى التحدي دفعه للسفر الى معظم المدن العراقية مع فرقته المسرحية .. التي لاقت كل الحب والتقدير من ابناء العراق المضطهدين . مما جعل نجوم العاصمة بغداد انذاك (محمود ابو العباس ، هناء محمد ، ازاد وهي صموئيل) لايترددون في قبول دعوة جويجاتي للعمل مع فرقته في مسرحية (رحلة بهلول في خان كمر).
فيمايلي اسماء الممثلين الصغار – الكبار الذين شكلوا مفردات الحكاية (الجويجاتية) طيلة العقد الثامن من القرن العشرين .. كانت بداية تدفقهم ضد المزاج المرعب للسلطة القائمة انذاك عام 1979 . وهو العام الذي بدأت تتأسس فيه تقاليد النار ، والخراب ، والذبح ، لتلتهم كل شيء يستقيظ على جاذبية النور.
عبدالقادر الحلبي 13 ثلاثة عشر سنة ، احمد هاشم 12 اثنا عشر سنة ، محمد جاسم ياسين 13 ثلاثة عشر سنة ، خالد غانم 13 ثلاثة عشر سنة ، محمد حازم ياسين 12 اثنا عشر سنة ، فواز عبدالعال 12 اثنا عشر سنة ، سعد عبدالفتاح 12 اثنا عشر سنة ، سعد عبدالفتاح 12 اثنا عشر سنة ، محمد عبدالله 12 اثنا عشر سنة ، محسن ارحيل 12 اثنا عشر سنة ، فوزية سليمان 12 اثنا عشر سنة ، نادية سليمان 12 اثنا عشر سنة ، اميرة يونان 12 اثنا عشر سنة ، سميرة حيدر 12 اثنا عشر سنة
سيرة ذاتية :
تولد : 1950 موصل
الشهادة العلمية : لا يحمل شهادة علمية اكاديمية
اعماله:
سبارتكوس تأليفه واخراجه
ملا عثمان الموصلي تأليفه واخراجه
فوارس بني كانور تأليفه واخراجه
العذارى يقرعن الاجراس تأليفه واخراجه
عنتر وعبده تأليفه واخراجه




حضور الخطاب التحريضي
وغياب الحرث الفني


المخرج / يسن طه
ان التوغل في حيثيات تجربة المخرج يسن طه تستدعي تغييب الملاحقة النقدية لسلطة التأويل التي قد تتواجد في مفردات السرد المسرحي الذي حرص يسن طه على المواكبة عبره في انتاجية العرض المسرحي وذلك لتفرد هذا الفنان في الحضور داخل اشكالية الصراع العقائدي السياسي داخل المدينة ولم يشاركه احد من الفنانين في ولوج حمى هذا الصراع ضد السلطة بشكل صريح وواضح مما جعل السلطة تختزل الطرق امامه وتغلق كل الابواب بوجه وترميه اكثر من مرة داخل المعتقل مما قلص الوقائع المسرحية التي يمكن ان يسجلها داخل المشهد المسرحي المحلي وبذلك لم تتوفر الفرصة الكفيلة له ليقف ضد السياقات التقليدية التي كان يتخندق فيها ... إلا انه رغم ذلك الحصار الذي فرض عليه وأبعده عن ميدانه المسرحي انجز عدداً قليلاً من العروض المسرحية التي افرغ فيها خصوصيته المعارضة /سياسياً ، ففي مسرحية السيران ولعبة اولاد يعقوب التي حكايتها كانت تستند الى قصة يوسف واخوته والتي اخرجها في مطلع العقد السابع من القرن العشرين تجرأ ان يعيد تفاصيل حكاية العرض مرة اخرى بعد نهاية العرض ليحول مسار الحكاية ويجعل من يوسف يرفض النزول في البئر مرة اخرى تعبيراً عن رفضه لاسقاط الحزب الشيوعي الذي كان ينتمي له آنذاك في حبائل السلطة الحاكمة آنذاك ، كذلك في مسرحية موت مانديلا التي تناولت سيرة المناضل مانديلا والتي قدمها في منتصف العقد السابع من القرن الماضي ، في ذلك بنى قصديته السياسية اولاً التي استدعتها ضلامية العهد الذي يعيشه العراق آنذاك رافضاً بذلك كل الثكنات الفكرية التي ترمي بها السلطة كل اشارت الحرية ، وهكذا تغلب على ذاكرة العنف مرة اخرى في تلك الفترة عندما تصدى لعمل اخر بعنوان انتبهوا ايها السادة ليومئ بفاعلية واضحة الى رفض هزيمة الناس امام ماكنة السلطة .
من هنا فأن مشاريع يسن طه المسرحية كانت حضوراً ليقظة الفنان أمام كهنوتية السلطة وطرقها المترهلة والمعبئة بالعواصف الرملية التي تقذف بها بوجه الانسان وحريته ، كانت تلك الاعمال تستقر في الجهد الفكري المملوك لصالح المباشرة والمجادلات التي تستند الى الرغبة في تثوير ارادة المتلقي السياسية لآأكثر . وتبعد كثيراً عن هدم البرك الآسنة فنياً. وعلى هذا ساد الخطاب التحريضي وغاب الحرث الفني لتحقيق مصطلحات ومنطلقات فنية تخرج عن اطار الاستلاب القياسي . الا ان يسن طه على الرغم من تغليبه القراءة الواحدة للعرض الغير متعددة بناءاً على مقتضيات دوره السياسي اولاً ، الا انه كان يؤسس في وجوده الاجتماعي والانساني داخل الوسط الفني والثقافي تجربة للتفاؤل والادرادة المتعالية على سلطة الخوف والقمع التي كانت تحصد لذة الحياة من ارواح العراقيين ، كان وجوده المتفائل رغم قساوة الزمن الجاثم على قدسية الحياة : اثباتاً على بقعة الضوء التي يرسمها الفنان امام الانسان الذي اغتصبته احلام السلطات الممسوسة .
سيرة ذاتية :
تولد : 1946 موصل
الشهادة العلمية : بكالوريوس اكاديمية الفنون الجميلة/اخراج مسرحي
اعماله:
السيران ولعبة اولاد يعقوب
موت مانديلا سلوى زكو
انتبهوا ايها الساده نبيل بدران














ذاكرة الغد . .


خريجو المعهد … والدخول الى وعي التجربة المسرحية
بعد ان رمى المنجي وعصام سميح ما بوسعهما من بروق في تربة المعهد ارتفعت سلطة الموهوبين الفاعلة – تعاين رغباتها وتوجهاتها لتكون فاعلة في المعطيات . ومحشدة خيالها . وقراءتها . المتعارضة لازاحة معاني التوهم . والانحياز الى منطق التأسيس الاختلافي والتخلي عن محاكاة الشروط والتحديدات والضوابط المنهجية المستهلكة . والتي تدور في حلقة الاحتفال بالنصوص الادبية المسرحية المصاغة (شكلاً) ضمن فرضيات ومعايير منهجية ارسطية او مستحدثة .. لكنها لا تكشف عن ارتباط انتاجي بتلك المفاهيم المستحدثة . انما تبقى متعلقة بها ضمن مستوياتها وحلقاتها الضعيفة والهشة.
من هنا تحرك الطلبة ذوي الموهبة : ضياء حجازي ، بيات محمد مرعي ، فارس دانيال ، سمير يعقوب ، بشار عصام ، عمار عصام ، محمد جاسم ، جمال حامد . عادل محمود د. بشار عبدالغني وعبدالقادر الحلبي .. تحرك هؤلاء ببصيرة رافضة الخضوع والاندماج في منظور وخيال المؤلف المسرحي.
وادركوا بعد ان خرجوا من دائرة التاريخ والوهم : الى انتاج العرض المسرحي الخاضع لغايات جمالية لا تحفل بالمهيمنات المستهلكة من المدلولات . وابتغوا الى .. تأخي المزاج الفني الذاتي ، مع التحرر الفكري من عبودية المخططات الفكرية الكلاسيكية . والخروج من سكونية المنظومة المعرفية السائدة في بنية الخطاب الفلسفي للعرض المسرحي. والتشكل خارج هذه المرجعيات الارسطية : في منطقة فنية محايدة مكانياً . يمكن تفكيكها وتشكيلها بممارسة رؤيوية عميقة ذات شفافية جمالية عالية . حتى في افتراضاتها المتشككة والاستفزازية كما في مسرحية جمال حامد (الصرخة) عام 1983 . والتي منعت من العرض واقتصرت مشاهدتها على اساتذة المعهد فقط . رحم الله جمال حامد الذي اغتالته الحروب العبثية!.






التفجير الدرامي للبنى السردية


المخرج / بيات محمد مرعي
كذلك تجلى هذا المنحى الحر في البناء والتشكيل الدلالي الصوري في مسرحية (الاستعراض) للمخرج بيات محمد حسين مرعي . الذي بقي حتى بعد تخرجه من المعهد ومن ثم كلية الفنون الجميلة في بداية التسعينات من القرن الماضي ملتزماً بانتمائه الرافض للصياغات التقليدية في انتاج مفردات العرض المسرحي . عبر اكثر من عمل قدمه … وهكذا تضاعف يقينه في بداية التسعينات من القرن الماضي .. بان العرض ينبغي ان يزيد من ثراء وتعدد مستوياته القراءتية . وقد اتاحت له موهبته المتفردة عن اقرانه في الكتابة الادبية (سواء في القصة . او الرواية . او المسرحية) ان يخرج عن اطر الاخرين ويكتشف – مواطن مجهولة – ومشطوبة في متون اعمال الاخرين . عندما يتولى النهوض باعمالهم على المسرح .. ليتولى هو اطلاق مستحكماته التشريحية والبنائية في نصوص الاخرين . ومن ثم ليجعلها تتخلى عن مؤلفيها . وتغير معالمها . لتسكن ملامحه هو . وزمنه هو . هكذا فعل مع مسرحية (همس المعاطف) التي قام بتاليفها واطاح (بغوغول) … واحال اللامادي الى مادي واللازمن الى زمن … لقد عبر هذا العرض عن كثافة الرؤية الشخصية لبنية المسرح الفنية لدى بيات..
ان الخرائط الفنية الغزيرة التي نسجها بيات في مساره الفني . كانت تتشكل من ان : العرض المسرحي هو كل واحد . فيخضع الى خصائص معمارية متصورة في كل انساق العرض . وعلى ذلك : فهو حين يبدأ في تكوين وانشاء (وجود العرض) فمن الممكن ان يبدأ من النهاية او الوسط . أو أي مكان .. كما انحاز بيات الى تاكيد حضوره الانجازي عبر احتفائه البصري (بالجسد) باعتباره لغة تؤطرها الحرية في تاسيس – الفعل – كدلالة . تتخفى في طياتها المدلولات .. وليصحب هذا الجسد الى بؤرة اشتغاله في الفضاء المسرحي – المشحون – بمهابة الحروف الجسدية . المنفتحة على مدلولات لا تختار من الميراث الاجتماعي اسرارها . بل تخلق علاقات متقاطعة وافتراضية .. يتراجع امامها التوقع .. وينفتح وعي المتلقي المستثار الى استقصاء السحب الشاردة في اللعبة البصرية … كما يخترق المالوف في مشاكسته للضوء . وتجريده من واقعيته … ووظيفته الانيقة ليحيل متوالياته اللونية الى ذاكرة مجردة من اللغة الواقعية – القياسية – دافعاً بها الى منطقة السؤال.
السيرة الذاتية :
تولد : 1962/ الموصل
الشهادة : دبلوم / معهد فنون الجميلة / موصل
– بكالوريوس/ كلية الفنون الجميلة /اخراج مسرح /جامعة بغداد-
– يعمل حالياً / مديرا للنشاطات اللاصفية في تربية محافظة نينوى
أعماله :
الاستعراض نيكولا بتراج
هذيانات معطف بيات محمد
خيط من تراب بيات محمد
مكبث شكسبير
الضباب يقظ بيات محمد
كاليكولا البير كامو
الامبراطور جونز يوجين اونيل














التجريب ضد اشكال السلطة


المخرج / عبدالقادر الحلبي
وهكذا انطلق عبدالقادر الحلبي في التماعاته المسرحية ابتداءاً من مسرحية "القضية" لكافكا . وانتهاءاً (بورطة مهرج) للماغوط .. ومن خلال قراءتي لمذكراته اليومية التي كان يسجلها على الورق في كل عمل مسرحي يتصدى له . لاحظت مستويات التفكير والقلق الذي كان يقع اسيراً فيها .. حينما يشرع في عملية التخطيط لانجاز خطابه المسرحي . يقول في احد السطور " ينبغي ان لا انحاز الى مزاجي النفسي الخاضع للظروف في عملية اختيار النص" هنا ينتقل القلق الى التمركز بشكل فعال في خلق مسرحية (القضية) بكل ثقلها وكوابيسها . تتكشف امامنا على الخشبة عبر الغرف الحديدية الفارغة التي بثها عبدالقادر لتصاحب اوجاع وهواجس ذاك الجسد الضئيل (ك) . ومن ثم ليسلط الاضواء على بشاعة الاليات التكنيكية للسلطة من خلال مخاريط ضوئية معلقة على صدور المحققين … كانت منظومة الانساق (السمعية والبصرية) في ذلك العمل قد تشكلت بذوق ومزاج يتوخى الخروج من ثرثرات اللغة الاخراجية المستهلكة لمدلولاتها…
ان التداول الخصب للنصوص المسرحية وتحطيم غاياتها الادبية – اللغوية والفكرية – والتعارض معها واخضاعها الى عملية نقد وخلخلة في تكوينها ونسيجها البنائي والارسالي . كان بمثابة كشفاً جديداً لمستويات متعددة نجح العرض المسرحي في الوصول اليها . ولم يستطع النص الادبي المسرحي الاقتراب منها .




سيرة ذاتية :
تولد : 1968/ الموصل
الشهادة : دبلوم معهد فنون الجميلة اخراج مسرح- موصل
أعماله :
القضية كافكا / جان لوي بارو
ورطة مهرج الماغوط
فصد الدم سعد الله ونوس
الامير وبنت الباز جروة علاوة وهبي
الذي لا يأتي رياض عصمت .








بقية الفرسان . .


ويصح ما قلناه – كذلك – ان يتشكل منسجماً مع تجربة عمار عصام وبشار عصام ومحمد جاسم وفارس دانيال وسمير يعقوب . الا انهم وللاسف الشديد لم يستمروا في تجاربهم المسرحية … باستثناء عادل محمود الذي انبثق في بداية عام 2003 ليقدم نفسه مخرجاً مسرحياً ضمن الاطار التحديثي في حركة المسرح العراقي بكفاءة مميزة على الانجاز الفني … الناقل لارهاصات المسرح العالمي الحديث . كما في مسرحية (بياض اعمى) عام 2003 في ذلك العمل : اقدم على تغيير جغرافية المكان المعد للعرض بمستويات متفاوتة في الرؤية والمشاركة … منطلقاً من افتراضات جمالية تتجاوب مع ستراتيجيته الاخراجية في انتاج مناحي دلالية تحرر الذاكرة الجماعية للخروج من دائرة التعاطف التسويقي الغريزي المتدني .. ومنح العلاقات الانسانية المحاصرة بمقولات السلطة الغاشمة الفارغة … استحقاقات انسانية حميمة . عبر استثمار صالة العرض بكل جغرافيتها ابتداءاً من الخشبة مروراً بصالة المتفرجين التي تم قطعها بممر طويل حتى نهايتها ليتوزع المتفرجين على الجانبين محاصرين بخشبتي العرض من جهة اليمني واليسار كذلك ليتحول العرض بعد استثمار خامة (النايلون) الشفاف بتغليف الممثلين في اجزاء مهمة من زمن العرض الى اختبار اليات جديدة في لغة العرض…
كما نجح في اخضاع المتلقي عندما قدم عمله المسرحي الاخير (عندما تصرخ الجراح) عام 2004 الى رؤيته الاخراجية المرتكزة على تعددية البؤر الدرامية وتشظيها في منظومة العرض الذي كتبه بنفسه . ليتشكل متحرراً من اطر المقولات المتحفية . مؤسساً صياغته الجمالية : بمفردات معدودة .(كالعصي الخشبية . وخامات القماش الابيض) كدلالات انتاجية تخاطب مداليل الافتراضات الدرامية المنحوتة حول بؤر … الموت . والعنف تاريخياً..
ان كل هذه التجارب الشابة والتي لم تحضى باستحقاقها الاعلامي والبحثي . كانت ذهاباً الى منطقة الخلق والابداع بذاكرة لا تتخندق وراء اساليب وتيارات بقصد التقليد … بقدر ما كان حفراً في الذاكرة . لتجنب الوقوع في البديهيات والسكن بين الاطلال .. كان الجميع يشعر بفاعلية التجريب المختبري . لخلق اليات تخريجية جديدة في لغة الخطاب المسرحي . متأثرين بخصوصية تجربة المنجي وعصام سميح في وعي التجربة المسرحية باعتبارها : مشروعاً فنياً انجازياً مغايراً … يتشكل في ضوء حركية العلامات المرسلة في انساق العرض المسرحي (السمعية والبصرية).
ان هذه المجموعة الشابة التي تحركت خارج حيثيات المتن السلفي .. ابتداءاً من منتصف ثمانينات القرن الماضي هي التي بدأت تؤسس وتثير الاسئلة المغيبة وتقود العرض المسرحي الى التخلي عن مناطق استلبت منه








موضعة الخاتمة..


سأحاول التدليل … على اشتباكات الذات مع التجربة . في منعطفات – المغلق – القائم في كيانية : الزمن المحذوف ، من اسطورة اسمها العراق ….(مسرحياً).
سؤال : هل توصلنا الى خلق كيانية تجربة يرسم الوعي فيها علاقة منتجة مع الاشياء انسجاماً وتقاطعاً تتأسس من خلالها سمات لمنهج ابداعي يتحرك وفقاً لمنظومة فلسفية . تتخلى عن اشارات التداول والمألوف في انتاج المعاني.
واين حدود نقل تجربتنا من اطارها التجريبي الى صيرورتها الكيانية الواقعة والمتحولة . بفعل ادواتها الخاصة والمشتبكة مع وظيفتها ، لتخرج كيانات اخرى مزخرفة باتجاه فضاءات سيميائية لا حدود لها.
مازلنا في سيولة الاختزال للتجربة . ولم نناور فيها . ومنها . وينقصنا التحرر من داخلنا الى داخلنا . والدخول الى تجربتنا جسداً وروحاً .. هذه المنهجية في مدار البحث والتكوين الابداعي ، تقصي زمن الواقع . لتوظيف واقع الزمن – الاسطوري – في انتاج ما لا يمكن انتاجه . بشيوع كيميائية الحرية في مدلولات المشغل الانجازي للتجربة الابداعية المسرحية.
ثمة مصاغات مفاهيمية تصادمية . تناظرت مع وحدات المستوى الثابت للسياق التقليدي المسرحي.
افصحت عن توصيلاتها بعيداً عن اجراءات الذائقة الوظيفية المجتمعية . وانجزت مغامرات الجسدية / التجسيدية على الخشبة مستثمرة : مساحة الحرية … الكثيفة المستويات . ان منعطفات التجربة المسرحية في مدينة الموصل . ارتبطت بالوعي النقدي الخارج من فعالية المسوغات الاكاديمية المتداولة نقدياً داخل معهد الفنون الجميلة . منذ لحظة تأسيسه ، وحتى نهاية العقد الثامن من القرن العشرين . وكل توصل جاء بعد ذاك التاريخ . كان اقامة في مدار العلاقة الانتاجية لمعايير التجربة الابداعية التي فعل سماتها وحررها اكاديميوا قسم المسرح . الموسسون في المعهد…
الا ان النكوص في سيرة الانجاز المسرحي كان بفعل الحروب الكثيفة . التي القت التساؤلات ورمتها على حافة الموت . هناك . بين السواتر . والخنادق . وتحت القصف وهدير الطائرات … ونقص الغذاء . وبشاعة التعذيب في المعتقلات..و…و..
ان كل تلك التوصيفات لما انطوت عليه الحياة في العراق . انجزت محظوراتها في مواجهتنا لانفسنا .. ووضعت اعتباراتنا . وتسمياتنا الشخصية تحت ارغامات الآخر ، السلطوية القياسية . وبتنا في نظرهم ايقونات . نتماشى معهم . وهم يقامرون بحياتنا . ويعدونها سلفاً للتدوين في سجلات الموت المصاغ بقصائد التقديس الدبقة ومع اختزالات الموت لارواحنا طيلة اكثر من ثلاثة عقود . من حكم المقولات العقائدية الفارغة .. كانت تنهض اضاءات جديدة من تحت ركام الصمت . لتحيل الفوضى المغلقة الى تصادمات تأويلية … تصل حد التجريد هروباً من منظومة الخوف القائمة … ومواجهة مخادعه معها…
هنا تكمن اشكاليتنا : سقوطنا ، ونجاتنا . في ثنائية واضحة … الحرية / الموت.




2004

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

ملاحظات عامة  في الانتاج الدرامي العراقي


وانا في صدد التعليق بشكل موجز على  الانتاج الدرامي التلفزيون العراقي . . في البدء اقول ان الدراما العراقية التلفزيونية لازالت لاتمتلك شخصية خاصة بها كما هو الحال مع الدراما المصرية والسورية وايضا المغربية التي لم نلتفت لها بسبب حاجز اللهجة المغربية التي لم نتعود عليها بعد  .
فالدراما العراقية تسعى دائما لاستنساخ مايتم انتاجه سواء في مصر او في سوريا ، وهذا على الاقل يظهر بشكل صارخ في الموضوعات التي يتم تناولها ( الحارة الشعبية ، دور الضباط في صنع تاريخ العراق السياسي . المطربات وعلاقاتهن مع علية القوم من الشخصيات السياسية . الخ ) والى جانب هذا الاستنساخ الذي اضر كثيرا في بناء دراما عراقية ذات خصوصية وملامح  عراقية فإن الجانب الفني هو الاخر يعد المشكلة الاساسية التي عادة ماتعجل في القضاء على اي ( سيناريو )يمكن ان تتوفر فيه عناصر درامية ناضجة لدى كتاب مشهود لهم بالخبرة والدراية الحرفية  كما هو الحال مع صباح عطوان وحامد المالكي على سبيل المثال .
 والجانب الفني نقصد به  ( الاخراج + الاضاءة + التمثيل + الانتاج ) فكل عنصر من هذه العناصر الفنية لم يصل المشتغلون فيه الى مستوى عال من الحرفية الى الحد الذي يمكن ان يضيف (فنيا)  الى ماهو موجود في النص من امكانات درامية بل على العكس نجد هذه العناصر قد ساهمت في مجمل الاعمال العراقية المعروضة باضعاف نقاط القوة الدرامية التي توفرت في تلك النصوص .
ولو اخذنا كل عنصرعلى لوحده وتأملنا فيه لتوضحت الفكرة التي نود الوصول اليها : فالمخرجون العراقيون بشكل عام( الذين يعملون في اطار الدراما التلفزيونية تحديدا )  لاتشكل حركة الكاميرة ولاحجم اللقطة بالنسبة لهم مفردة تعبيرية يصوغون من خلالها بلاغة جملهم الاخراجية . فالمهم بالنسبة لهم ان تكون الشخصية والحدث موجودان امام العين ضمن اطار اللقطة. وليس مهما الحجم والزاوية او حركة الكامرة التي يتم الرصد والرؤية بها .
 اما مايتعلق بالتمثيل فمازال معظم الممثلين العراقيين يتسمون بالمبالغة والافراط في التعبير ( الفعل ورد الفعل/  الاستلام والتسليم ) ولم يتكيفوا مع ماتفرضه حساسية العدسة وقدرتها على التقاط ادق التفاصيل التعبيرية التي تتشكل على الوجه والجسد البشري دون حاجة لان يبذل الممثل جهدا( جسديا ) واضحا ومبالغا به لكي يقنعنا بصدق مايقوم به  وهذا يعود في مسؤوليته ايضا الى المخرجين العراقيين لانهم لايبذلون جهدا في تنظيم جهد الممثل التعبيري وتكثيفه ليبقى جهدا ايحائيا غير مباشر في التعبير والبوح وغالبا مايتولى الممثل  بناء الشخصية دون رقابة وتنظيم المخرج .
 اما مشكلة الاضاءة فهي الاخرى مازالت لاتتعدى من حيث الفهم لدى اغلب العاملين سوى ( انارة المكان ) وليس اضاءته دراميا وفقا لما تقتضيه الفكرة الفلسفية التي يسعى الى تأكيدها المخرج . مما يعني العمل على بناء معمارية ضوئية تتوخى خلق تدرجات ضوئية ولونية وفقا للفكرة الدرامية التي يسوقها الموقف داخل المشهد وارتباط هذا الشكل الدرامي داخل المشهد الواحد  مع السياق العام او الجو العام للعمل الفني .
 ويبقى عنصر الانتاج ، مشكلة المشاكل في الدراما العراقية المتلفزة ذلك لانه  يدير العملية الانتاجية كلها بطريقة تخلو من التحضير المسبق الذي قد يستغرق اشهرا واعواما لدى شركات الانتاج المحترفة في الدول الاخرى ،اضافة الى غياب الدقة التاريخية في مفردات وعناصر الانتاج وهذا مايتعلق بالاعمال التي تتناول فترات زمنية ماضية ، سواء كانت بعيدة او قريبة . كما ان الانتاج يفتقر غالبا الى الفقر الواضح في تأثيث المشهد بقطع من اكسسوارات وديكورات غالبا ماتكون رديئة وغير متوافقةمع بقية المفردات سواء من حيث (اللون والشكل والاسلوب ) وهذا مالايمكن للمتفرج المعاصر ان ينطلي عليه بعد الان  . .
وعودة الى الباعث الذي حفزني لكتابة هذا  المقال والذي هو :   صوت المطربة (شوقية )الذي بات امراً مقررا ومكررا وبشكل ممل في العديد من المسلات العراقية التي انتجت في الاعوام الاخيرة خاصة تلك التي انتجت في سوريا. مع ان صوت هذه المطربة عندما يقارن بصوت اخريات غيرها لانجد فيه ماهو مميز او ملفتا للاسماع بل ان فيه عدم تمكن في تقنية اداء المقامات رغم عملها في بداية مشوارها الفني في فرقة الانشاد العراقية مع مطلع سبعينيات القرن الماضي !  ويمكننا ان نقول ــ مع احترامنا الشديد  لشخصها الكريم ــ ان مايشفع لها في الحضور والتواجد انها في يوم ما غنت الى جانب المطرب الكبير فؤاد سالم في اغنية ( ياعشكنا ) التي مازالت كلما سمعناها تحظى بنفس الوهج والبريق ( اقصد الاغنية ) . هذا هو فقط كل تاريخ المطربة شوقية ولاشيىء اخر تملكه ــ بعد هذه الاغنية ــ يستحق ان نستمع ونصغي اليه .
 فما هو السر العجيب الذي يدفع مخرجينا لان يصروا على استخدام صوت لايملك اية مقومات فنية يمكن ان  تميزه عن ابسط واقل المواهب النسوية في العراق !  إذ لا يكفي ان تكون مطربة يسارية التفكير والهوى لان تفرض على تايتلات الدرما العراقية ! لايكفي هذا .. مع بالغ تقديري للفكر والتاريخ اليساري السياسي والنضالي في العراق . .
ان تطور الانتاج الدرامي العربي ( السوري والمصري ) على سبيل المثال وتعدد القنوات الفضائيةــ عربية واجنبية ــ  ساهم الى درجة كبيرة في ارتقاء الذائقة لدى المتلقي ولم يعد بالامكان استغفاله والضحك عليه بطرق واساليب كنا قد تعودنا عليها ايام كانت لدينا محطة تلفزيونية واحدة رسمية،كنا مرغمين على مشاهدة ماتعرض لنا ، مهما كان ماتعرضه علينا ،  سطحيا وهزيلا .  



                             1/9/2011     

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

نقد مسرحي
المسرحيه الغنائيه : مورن لا




الفضاء الدرامي في المسرحيه الغنائيه


تقديـــم : فرقة انانا للتمثيل
تمثيل : نشوان بنوشا ، ايفان ، جاكلين ، ديفيد
تاليف موسيقي : وليد زيا ، توني برخو
تاليف واخراج : رفيق نوري
انتاج : مديرية الثقافه والفنون في اقليم كردستان




رغم ان هنالك الكثير من المفاهيم الحديثه التي استجوبت الميراث المسرحي العالمي . عملت على تحريك ماكان راكدا ومتعفنا، لطرده خارج اللعبة المسرحيه ابتدا من راينهارت ، وماير هولد . وانتونان ارتو . مرورا ببرشت وغروتوفسكي وبروك . رغم كل ماحققه هؤلاء من ازاحات جذريه للمفاهيم المستهلكه . الا ان العرض المسرحي بكل تلك المواصفات الجاهزه الكلاسيكيه . لم يندثر وظل يعيد انتاج نفسه شاطبا كل التحولات وغير مصغي لها . كما بقي جمهور هذا المسرح وفيا له . ولكل عناصره الجماليه . ان العرض المسرحي الدائر في فلك المنهج الارسطي رغم كل المتغيرات التي عصفت به وزحزحته عن الكثير من مساحات مملكته . لم يزل يحتفظ ببريقه وسلطته الجماليه على المتلقي . ومازال يمتلك القدرة على ايصال الافكار والاشكالات التي تواجه الانسان المعاصر .. ومسرحية( مورن لا) شيدت بناءها الفني على قيم ومفاهيم هذا المنهج الارسطي العتيد . لتؤكد بحضورها : ان بصمة المسرح الكلاسيكي مازالت تحمل خطوطها وملامحها واضحة .


(مورن لا ) . . مسرحية غنائيه ، قدمتها (فرقة انانا) التابعه لمنتدى الثقافه والفنون السريانيه في عينكاوا . ابتدا من 12/7 / 2008 على خشبة مسرح المنتدى، وهي من تاليف واخراج الفنان رفيق نوري ..
ونحن اذ نحاول ان نقرأ نقديا هذا العرض ، ينبغي ان نضعه في سياق عموم الحركه المسرحيه العراقيه . لانه جزء منها في نهاية المطاف ،
رغم كيانيته السريانيه . . . ومن هنا تحدونا الرغبة في تدوينه منهجيا في معمارية المسرح الغنائي المنتج في محيطنا الاقليمي . .
ان محاولة المخرج رفيق نوري في بناء تجربة جمالية مسرحيه يستولدها من خصوصية الجملة اللحنية خلقت لنا عرضا لامس بشفافيه، الفضاء الدرامي للعرض المسرحي الغنائي . رغم ان التجارب المسرحيه الغنائيه الناجحه قليلة جدا سواء في المسرح العراقي او المسرح العربي ، باستثناء تجربة الرحابنه في لبنان التي اضاءت خشبة المسرح لسنوات عديده ، معتمدة تلك التجربة علىخصوصية الالحان والاشعار. لللاخوين رحباني


لقد اعتمد الفنان رفيق نوري على نص شعري درامي كتبه هو بنفسه . من هنا تمكن المؤلف المخرج من تنظيم العلائق اللغويه والايقاعيه الشعريه مع ا لمتطلبات الحرفيه لبناء المشهد المسرحي .
وفي هذ السياق انجز تركيبة متفاعله بين الجسد والموسيقى والاضاءة . هذه المنظومة السمعيه والمرئيه، التي تحرك بها العرض المسرحي على خشبة مسرح صيفي صغير ، والذي لايتسع لكل الاشراقات الجميله لحركة مجاميع الممثلين التي احتواها العرض .
الا ان المخرج بخبرته الاكاديميةالطويلة في المسرح. تمكن من خداعنا بصريا وجعلنا نتخيل هذه الخشبة بمساحة واسعة لاتضيق بهذا العدد الكبير من الممثلين الذين تجاوز عددهم اكثر من خمس وثلاثين ممثلا وممثله . . احتوى هذا العرض على فكرة رئيسية :تدعو الى السمو فوق التسميات المختلفه والايمان بفكرة الشعب الواحد .. تأتي هذه الفكره المحورية للعرض. باعتبارها خطابا ومطلبا شعبيا لمسيحي العراق للخروج من متاهة التمزق والتشرذم وراء رايات وتسميات لن تقدم حلا لكل التهديدات والمشكلات الخطيره التي تهدد الوجود المسيحي في العراق . رغم كونهم سكانه الاصليون .على ذلك فان اختيار مؤلف العرض للشكل الموسيقي في بناء الفكره و حبكة الحكايه قد اسهم في الخروج من ا لثرثرة الخطابيه للاهداف السياسيه . ليكون الشكل الفني للمسرح الغنائي معالجة فنيه موفقة جميله للوصول الى مايبتغيه العرض من افكار .
..لاشك ان المخرج رفيق نوري يسعى دائما من خلال اعماله الفنيه ان يكون حاضرا باسئلته التي يطرحها على المتلقي . ليكون العرض المسرحي لديه محكوما بقدرته على اثارة وعي المتلقي وتحريك ماهو ثابت في قناعاته .
كما تمكن مؤلف العرض المخرج رفيق نوري من تحريك عناصره الفنيه على الخشبه واستثمارها دون اسراف ومبالغه . وهذا ماجعل ايقاع العرض ينمو بشكل متصاعد حتى يصل الى الذروة في ختام العرض . ليلتحم الجمهور المتعطش لوحدة الكلمه مع الممثلين و ليرددوا معا اغنية الختام . ومع ذلك اجد ان المخرج رفيق نوري قد اثقل كاهل خشبة المسرح الصغيره بكتلة ضخمة وثقيلة من الديكور الذي تشكل على هيئة قلعة تجمع في تصميمها ملامح معمارية من كل الحضارات العراقيه القديمه ولو ارتكز على ماتحمله حركية الفن الحديث في خطوطه وايحاءاته الرمزيه لتمكن من التحرر من هذه الكتلة الضخمة ولتوفرت له مساحة وفراغا واسعا يمكن ان يستثمره لبناءمنظومته الصوريه .
اخيرا لابد ان اشيد بجهود المثلين الذين قدموا عرضا جيدا .دون الوقوع في شرك الصراخ او المبالغه او التشنجات الانفعاليه والعضليه التي غالبا ماتظهر على اداء الهواة . فكانت خطوات نشوان بنوشا على المسرح متسمة بالارتكاز والاسترخاء الواضح ، ويكاد يكون هذا لدى جميع الممثلين، ابتدا من الممثل ايفان وكذلك جاكلين وديفيد . وحتى الاطفال استطاع المخرج ان يوجههم بالشكل الذي جعلهم يؤدون ادوارهم وكانهم يمتلكون الخبرة في فهم الفعل ورد الفعل عل خشبة المسرح .
تحيه اولا لجهود مؤلف العرض المخرج رفيق نوري،
وتحيه لمن صاغ الحان هذا العرض المميز وليد زيا وتوني برخو اللذان اكدا بامكاناتهما الموسيقيه انهما لايقلان موهبة وعطاء عن الكثير من الاسماء الموسيقيه ، سواء في المنطقه العربيه اوالاقليميه . وفيما اذا لوتوفرت لهاذين الموسيقيين الشابين اية فرصة للعمل خارج الحدود المحليه لتمكنا من تحقيق مكانة مهمة ومميزه في البناء اللحني الدرامي . وتحية لكل من ساهم في هذا العرض .
اخيرا اقول الى من يعنيهم الامر : ان هذا العرض يستحق ان يعرض في امكنة عديده خارج الاقليم . وهو افضل رسالة فنية وحضارية للتعبير عن تطلعات واحلام الناس .




2009






نقد مسرحي:
تقديم معهد الفنون الجميلة / موصل
تأريخ العرض 18 /5/2005
إخراج:عادل محمود


( شعر مستعار )
والخروج عن الأطر المستهلكة


مستجيبا لحركية النطق الجسدي في خلق القراءة الإخراجية للنص الأدبي المسرحي " شعر مستعار": أيقظ المخرج عادل محمود تراكمات صورية مكثفة. إستلها من بين فراغات المخطوط الأدبي وشحنها بمناورات تأويله تشكّلت في قوة الغموض وكثافته في بناء العلاقات المتصادمة على الخشبة. ومنذ اللحظة الأولى لبدء العرض تنسحب قطعة قماش بيضاء كبيرة عن كتلة متلاحقة من الأجساد العارية وهي تنؤ تحت بناء تكويني ( ستاتيك ). ليستميل هذا البناء إلى أدوات مشفرة لتشكيل معمارية القهر والبذاءة في أقبية الموت المنتصبة في قلب الحكاية العراقية. . . لم يكن العرض المسرحي الذي شكل أضلاعه المخرج الشاب "عادل محمود " منساقا إلى الدائرة الفنية ألإستجوابية لأفقية العرض التقليدي. بل ذهب بعيدا جدا في التعبير عن حريته وجرأته في رسم مخطوطة العرض. واستحضر زمنا آخر..ليضيفه إلى زمن النص..فكانت سلطة ألاحتلال: الوجه الآخر المضاف لسلطة القمع الوطنية التي أورثتنا زمن الغزاة. مما جعل العرض يمتلك زمنين متداخلين ليصبحا زمنا واحدا وهكذا تشظت صور القهر في منظومة العرض لتستميلنا إلى غموض تناثر في مرارة ألأجساد الممرغة بالذل داخل سجن أبو غريب, الذي سوّره المخرج بأجساد الممثلين. وكما كانت الحكاية متناثرة داخل النص الأدبي بصياغات مشهدية منفصلة, تسردها ذاكرة البطل رقم ( 1 ) وهي تنؤ تحت ضغط حبل المشنقة. انهمك المخرج في نفي خيوط الحكاية ما بين رقم (1) ورقم (2) واللذان يشكلان كلا واحدا لذات ملوثة بصفعات الدكتاتورية ودناءة المحتل. إن غرائبية التشكيل في منظومة العرض من أصوات وإيقاعات وصور شكلت في مجموعها تخصيبا لذائقة المتلقي وأيقظته من سردية المألوف. فكان مشهد الاغتصاب متمركزا على استثمار طاقة التأويل في قطعة قماش بيضاء تنسحب من مقدمة المسرح حتى أعلى سقف المسرح لتشكل بمفردها كل أركان الجريمة دون أن يدنسها الملفوظ اللغوي وما بين المشهد ألأول الذي استدعى علاقة المواجهة بين القاتل والقتيل وكلاهما واحد.سرد الحكاية بصور مرحلة من سريالية الأخبار الواقعية التي تحررها الشاشات الفضائية عن دهاليز التدنيس والاستلاب في السجون والمعتقلات التي تتناسل على ارض العراق.ماضيا وحاضرا في محاولة منه لتشكيل تلك الإشارات وفق آلية التمسرح لتقوم كل الأشياء بوظائف تمثيلية إن ما تأسس عليه العرض المسرحي كان مجابهة تحديثيه أقدم عليها المخرج لكي يستثمر طاقة (التصور) و ( الخيال ) في إنجاز لعبته الفنية للخروج من الأطر المستهلكة في تخريج الأفكار وهيكلتها في فضاء الخشبة بعيدا عن مهيمنات المشغل الإخراجي التقليدي وارتقاءا بالتفاصيل البنائية المتشكلة وفق تصورات اختلافيه كما في مشهد الحلاق الذي جاء متأججا ومعبأ بملفوظات صوريه, غادرت مالوفيتها الواقعية بتراكيبها الدلالية التالفة إلى مقاربات جمالية تفيض بالغرابة والإدهاش وهكذا فعلت قطع المرايا المحتشدة حول الضحية والجلاد في المشهد ألأخير للعرض... إن إرهاصات المخرج عادل محمود في ترتيب الفوضى الدموية المتشكلة بقطع القماش الأبيض التي أخذت تتشكل وفق مدلولات متصاعدة ومختلفة وكذلك علب الصفيح الفارغة التي يتبول فيها السجناء بعد أن وسع من معجمية شفراتها للتحليق بسفر الحكاية التراجيدية لشخوص الملحمة العراقية المعاصرة.
إن الذاكرة الرؤيوية لهذا المخرجٍ لا تستنجد بما تشكل من آليات جاهزة لمسرحة الأفكار بل تنطق في بناء معماريتها التكوينية على إقصاء كل ما أنتجته المقولات الفنية من سياقات فنية جاهزة والارتكاز على خرق كل ما سوقته المرجعيات المنهجية التقليدية (كلاسيكية- واقعية- طبيعية- رمزية ) والاحتفاء بانفلات التجربة الذاتية في تجريب الافتراضيات المتهدجة من حرفية الأزمنة اللامنطقية في تشكيل الأسئلة جماليا على خشبة المسرح. . ضمن هذا المسعى أيقظ المخرج طلاسم شعرية في ممكنات الواقع المرئي كما في مشهد السجناء وهم يؤون إلى النوم مختلطا بمشاهد الرقص داخل باحات السجن مرورا بمشهد البصق على السجين بشكل متكرر.
من هنا كانت منظومة العرض السينوغرافية معبأه بمحمولات جمالية متحركة وإن سجلنا على العرض ملاحظة تتعلق ببطء الإيقاع وضعفا في آلية الربط ما بين المشاهد الفنية التي قادها المخرج عادل محمود بمعية كادره الفني..وفي مقدمتهم الممثل قتيبة زهير والممثلة رفاه عبد الجبار..أياد طارق الصفار.










الخروج . . عن مسار اللعبه


نقد مسرحي


- الفيل ياملك الزمان -




تقديم : فرقة شمشا للتمثيل
تأليف : سعد الله ونوس
اخراج : د. فيصل المقدادي
ترجمها الى السريانيه : فلاح نجيب / ميلاد عبد المسيح


تمثيل : تلان موسى / لاناكامل / رامان رمزي /
كارلوس صباح / ايفل مسيح / ميلاد عبد المسيح
مهيب صباح / مادلين حنا / ميلانيا دلشاد /
رئد عبدو / ديلون كوركيس / روفان موسى
هدير صباح .
اضاءه : راستي بولص / بسام عبد المسيح
موسيقى : ريفا جبار يلدا
ديكور : ميلاد عبد المسيح / راستي بولص
لوحات ديكور : صبا سمير
مكياج : مؤيد فقي
كومبيوتر وتصميم : كوران عبد الجبار
دعايه واعلام : فلاح نجيب عظمت /هوكراندراوس يلدا
مدير المسرح والانتاج : راستي بولص
مكان العرض : مسرح جمعيةالثقافه الكلدانيه
تاريخ العرض : 10 ـ 11ـ 12ـ /9 / 2008






ابتداءًمن العقد السادس من القرن العشرين حدث تحول كبيرفي بنية التجربه المسرحيه العربيه نصاً وعرضا مسرحيا . اذ تجلى ذلك عبر الاشتغال الجمالي في بنية النص الادبي المسرحي في محاولة لتتبع الاشكال الفلكلوريه والتراثيه والطقوس الشعبيه الدينيه المقاربه للشكل المسرحي والقابعه في المورث الشعبي، واستنطاقها في تاسيسات نصيه لتكون منطلقا واطارا لهوية كتابية مسرحيه عربيه . وتجلى ذلك في استثمار شخصية الحكواتي ،ومقامات بديع الزمان .وخيال الظل ، وتشابيه عاشوراء ، واتاح هذا الاشتغال تداول وهيمنة مفاهيم جديده لمشاريع مسرحيه ، كالمسرح الاحتفالي ، ومسرح البساط ، ومسرح السامر ، ومسرح الحكواتي . وانتعشت الظاهره المسرحيه وافرزت عددا من الاسماء في حقل الكتابه المسرحيه مثال: سعدالله ونوس، وعبدالكريم برشيد . .
كذلك مخرجين مؤلفين، اقترحوا عروضا مسرحيه مهادنة لماهو موروث من التراث المسرحي العالمي . نهض منها انجازات دراميه كسرت اشكال الكتابه التقليديه . منطلقة من بؤرة مركزية هي خشبة المسرح بكل فضاءها وخصوصيتها . وفي طليعة هولاء المخرجين المؤلفين ، الطيب الصديقي ،قاسم محمد ، روجيه عساف
عملت هذه الاسماء على مسرحة التراث والاساطير الشعبيه والطقوس الدينيه . الا ان سعدالله ونوس من بين كل هولاء امتلك رؤية نافذة لقراءة الحكاية الموروثة واخراجها برؤية وتركيبة عمقت حدة التناقضات والصراعات الطبقيه . كما كانت كشفا وتعرية لكل اشكال القهر والموت الذي تمارسه موسسات السلطه في مجتمعات العالم العربي . كل ذلك جاء بتخريجات كتابيه تطرح نفسها على شكل لعبة تنكريه . . يقول ونوّس( ان الحكايه وحدها هي التي تخفف العذاب وتداوي الجرح )، لقد راهن ونوس
على اشكال مسرحيه اقل مايقال عنها انها تورط المتفرج في الصاله وتجعله مشاركا في صياغة العرض المسرحي .سواء في مغامرة رأس المملوك جابر ، الملك هو الملك ، وموضوع نقدنا مسرحية : الفيل ياملك الزمان.


حكاية النص : الفيل المدلل الذي يملكه احد المللوك . يتسبب دائما في تدمير ارزاق وحيوات الناس الذين يعيشون في المملكه .مسببا لهم اذىًنفسيا وماديا . احد مواطني المملكه يعقد الهمة ويحرض الناس على مواجهة الملك لعرض مشكلتهم عليه لايقاف هذا القهر الذي يتسبب به الفيل . وماأن يحدث اللقاء مع المللك . يتملك الناس الخوف والرعب من شخص المللك .ليقترح عندها من قاد الشعب الى الثوره الى ان يرتمي باحضان المللك مقترحا عليه تزويج الفيل حتى تنعم المملكه بذرية الفيل . ليلقى هذا المقترح التاييد والفرح منقبل الملك وحاشيته وبالتالي ينعم المللك على من قاد الشعب في البداية للثورة ضد ه، ان يكون احد افراد حاشيته , لينال نصيبه من التكريم والحضة لدى المللك .
جاء هذ النص قراءة واستنطاقا لواقع كرسته هزيمة الخامس من حزيران
كتبها ونوّس عام 1971 ضمن مشروع لمحاكمة بنية السلطه السياسيه
العربيه والتدقيق في شكل العلاقه القمعيه التي تحكم هذه ألسلطه مع المواطن . فكانت حكاية الفيل المستعارة من نتاج المخيلة الجمعية اشارة رمزية الى فساد وقسوة السلطة . مع تاكيد واضح من قبل ونوّس على سلبية
معظم الشخصيات والقوى الاجتماعية والسياسية وخلوها من المبادىء وسقوطها في مستنقع الانتهازية والوصولية والنفاق السياسي ،
ان نصوص سعدالله ونوسّ لاتخلو من ادانة صريحة لقوى المجتمع . ومسؤوليتها الكامله عن كل الدمار الذي يلحق بها نتيجة لتراخيها ولامبالاتها ازاء مايجري ويقع عليها من حيف وظلم .
العرض الذي قدمته فرقة شمشا واخرجه د. فيصل المقدادي، لم يبتعد عن هذه الفكره . في قراءته الفكريه للنص . بل كان مصمما على تأكيدها . وهو هنا يعكس النظرة التي سبق للمؤلف ان طرحها قبل اكثر من ربع قرن دون اية اضافة من قبل المخرج . وهنا سؤال يفرض نفسه : مالذي اراد ان يقوله المخرج بعد ربع قرن على ماكان المؤلف قد قاله ؟
انا اجد ان المخرج لم يقل شيئا طالما أعاد انتاج خطاب المؤلف بكل حيثياته . وكأن الزمن يدور في حلقة مفرغه . !. مالذي يمكن ان يقدمه المخرج اذا لم يكن في موقف المواجه لخطاب ألمؤلف بقراءة جديدة لمخطوطة النص .التي كتبت قبل اكثر من ربع قرن ؟
تلك هي اشكالية هذا العرض الذي توحّد بل انحنى امام مقولات النص وكانها تحيا في صورة من الاكتمال الفكري المقدس . لاينبغي الاقتراب منه ومحاورته. . من هنا فان هذا التاسيس القائم على الركون والانزواء في زمن وخطاب المؤلف .معناه اسقاطاً للدور الانتاجي لسلطة المخرج ابداعيا . وتكريسا لسلطة وخطاب المؤلف . وبالتالي سينعكس هذا ، جماليا على الرؤيه الفنيه للمخرج وهو يتناول نصا مسرحيا ، كتب منذ سنوات عده .
و لن يأتي بشيء جديد عن منظومة المؤلف الدراميه . طالما غابت تلك العلاقه الجدليه مابين المؤلف والمخرج .وهذا ماوقع فيه هذا العرض .
علما ان سعدالله ونوس حينما انغمس في عالم الكتابه المسرحيه لم يتورط بالسقوط في شباك سلطة المرجعيات الفنيه . وهو يبتكر عوالم تجلياته المسرحيه . بل كانت نصوصه ماهي الا مقترحات وابواب مفتوحه لطرق ومسالك ينبغي على منتج العرض ان يجتهد في اختيارها . هذا لان الحريه كانت المتن الذي اشتغلت عليه كل النصوص التي اقترحها ونوّس لخشبة المسرح . فليس غريبا اذا ان يترك ونوّس هامش الحريه واسعا للمخرج بل شرطا اساسيا لكل من يتصدى لاي نص من نصوصه .
د. فيصل المقدادي ، وهو ينشىء معمارية عرضه المسرحي اثقل خشبة
العرض بلوحة تشكيلية مرسومة بطريقة واقعيه، وبحرفية اقل مايقال عنها متواضعة جداً، استحوذت على النصف الاعلى ليمين خشبة المسرح ، اعادتنا هذه اللوحه الى بدايات الظاهره المسرحيه في العراق قبل مئة عام وكاننا امام عرض مدرسي . هنا بدا تعامل المخرج مع الجمهور على انه
جمهور ساذج لايفهم الاشارة ولاالرمز . فاثقل عليه بتلك اللوحه الواقعيه ليؤكد له جغرافية المكان !. ومما زاد الامر غرقا في الفوضى الاسلوبية ان يكدس في الجانب الايسر من خشبة المسرح براميل نفط لتكون دلالة على هذه الماده التي كانت سببا في دمار شعوب المنطقه العربيه . الا ان توظيفها وتوزيعها تم بشكل فوضوي ، لم يضف شيئا في تطوير الفعل الدرامي، طالما بقيت بدلالتها الايقونيه ساكنة على الخشبه ، ولم يتم اطلاقها في توظيفات و مدلولات اخرى، بعيدا عن مفاهيمها المعجميه .
ان العرض المسرحي مغامرة بحثية وجماليه للكشف عن منضومة جديدة من اليات الخطاب الفني وابتعاداًوتغريباًللمدلولات عن الثوابت الجمعيه
من هنا فان فضاء الخشبه في هذا العرض تم أسره وتدميره بكتل ومفردات لم ترتبط مع بعضها دراميا (براميل النفط +عرش الملك +لوحة العرض الخلفي التشكيليه ) . هذا أضافة الى ان استثمارها جاء احاديا وبشكل فني مباشر وفاضح ،مع ان القيم الجمالية لاتفصح عن نفسها إلاّعبر وجودها الموحي والمُختَزلَ.
وليست الاضاءه المسرحيه بمعزل عن انفراط منظومة العرض السمعيه والبصريه، اذ سقطت الاضاءه هي الاخرى في مسار الازاحه عن المشاركه في تشكيل المناخ الدرامي وتأسيس توقيعات دلالية دراميه . بل اكتفى حضورها في حدود الكشف عن الشخصيات والمكان .
واقتراباًمن المعالجه الاخراجيه لتطور الاحداث والشخصيات نجد ان المخرج لم يبصرنا من الشغل الاخراجي التمهيدي مع الممثلين قبل ان ينقلبوا على مواقفهم الرافضه لعربدة الفيل وموقف المللك اللامبالي لذلك . اذ جاء تحول الشخصيات وانقلابهم على ذواتهم ومواقفهم سواء من ارتمى بحضن السلطه او من سقط ميتا وهو يعلن مواجهتها . جاء هذا التحول المهم في مسار الشخصيات فجاءةً دون تمهيد وتبرير منطقي، ينبغي لناكمتفرجين ، ان نلمس تمظهره على الخشبه، بوسائل تقنيه عديده توفرها خشبة العرض امام المخرج . وهذا ماجعل مجموعة الشعب فارغة من بعدها الانساني . و لينحرف بالتالي مسارالعرض وجوهر خطابه النقدي القاسي الى عرض هزلي يستدر ضحكات الجمهور . وليذهب سدى ذلك الخطاب النقدي والتحريضي للنص والعرض على حد سواء .
واجد الاشارة ايظا الى ان اسلوب كسر الجدار الرابع والاختراق البريختي التحريضي اليتيم للجمهور من قبل الممثلين في بداية العرض ، لم يجدي نفعا ولم يعد ينسجم مع ماأنتهى اليه العرض من نهاية تشيع الاحساس باللاجدوى والعجز .
ورغم كل ملاحظاتنا هذه ، الا ان المخرج فيصل المقدادي كان موفقافي توزيع الشخوص وتحريكها على رقعة الخشبه ، باشكال وخطوط مكثفة منحت العرض حيوية وايقاعا متدفقا . تظافرت معه جهود الممثلين الشباب . الذين ارتقت قدراتهم بشكل ملموس بفضل الجرعات الاكاديميه التي منحهم اياها د. فيصل المقدادي اثناء فترة التدريب على العرض، لما يمتلكه من خبرة اكاديمية في تدريب الممثل والتي تراكمت جراء سنوات طويلة قضاها في تدريس مادة التمثيل في كلية الفنون الجميله . .






تأويل الصوت والجسد.. في مسرحية حديقة الانسان




الحلم الاميركي الذي طالما صنعته الالة الاعلامية الاميركية لم يعد بذاك البريق الذي طالما تبجح به الساسة الاميركان ، وكم تناول ذلك العديد من كتاب المسرح الاميركي الحديث منذ مابعد الحرب العالمية الثانية . والكاتب ادوارد البي واحد من طلائع الكتاب الذين تمردوا على هشاشة القيم التي صنعتها الرأسمالية الاميركية عبر نصوصه التي طرق بها وبعنف على جدران العزلة المفرضة على الذات الانسانية المهشمة . ومسرحية حديقة الحيوان نموذج يتخذ السخرية المرّة ضد نمط الحياة التي تسحق الفرد.
هذا الفرد الذي يبحث عن علاقات انسانية تبعث الدفء في روحه المنطفئة ، خلف جدران شاهقة من الصلب والكونكريت امست تخنق الطبيعة والانسان في ان واحد .
الفنان شفاء العمري قدم عرضا مسرحياً بعنوان ( قصة حديقة الانسان ) في 29 / 7/ 2010 على خشبة فرقة قرقوش المسرحية في بغديد ا/ قرقوش التابعة لمحافظة نينوى ، وسبق له ان قدم هذا العرض في مطلع شهر تموز الماضي في بغداد على خشبة مسرح كلية الفنون الجميلة . وهو من انتاج دائرة السينما والمسرح في بغداد .
نص المسرحية يعود للكاتب الاميركي ادوارد البي المعنون ( قصة حديقة الحيوان ) وهي تسمية تنطلق من اسلوبية النص الذي يحلق في فضاء العبث ، الذي ينتمي له الكاتب البي .
هنا النص يتناول موضوعة العزلة التي تسحق الانسان الاميركي المعاصر وهو يحيا في بيئة تتسارع فيها حركة النمو الاقتصادي والمادي الى الحد الذي سحقت تحت عجلاتها المسننة القيم الانسانية والاخلاقية ،مما ادى الى عزلة خانقة للفرد داخل اطار مجتمع تشكله اثنيات وقوميات واجناس مختلفة ومتعددة تتشارك في انتمائها وانتسابها للوطن على الرغم من هجرتها اليه من دول وقارات متباعدة.
شفاء العمري سبق له ان تناول هذا النص في منتصف ثمانينيات القرن الماضي ولم يكن في حينها عازماً على اجراء اي تعديلات جوهرية عليه مكتفياً انذاك في تقديم رؤيته الفنية التي اكد ًفيها على الجوانب الانسانية للشخصيتين الرئيستين وهما يقعان تحت شعور حاد من العزلة.
والعمري هنا يتناغم مع ماجاء به النص من افكار، دون ان يسعى الى التقاطع او الانزياح عنها في العرض المسرحي .
اما في قراءته الثانية للنص عام 2010 فقد انعطف فيها كثيراً عن مسار القراءة الاولى ، ليخلق مقاربة جديدة تتحرك بحرية ٍ وقصدية واضحة مابين دلالات النص الاصلي ومدلولات ماجرى من تداعيات جسيمة بعد الغزو الاميركي للعراق عام 2003 .وهذا هو مايبرر جدوى اعادة انتاجه بعد اكثرمن ربع قرن على انتاجه في المرة الاولى دون الخضوع لمحددات العرض الاول ، ليقف العمري هنا حراً، وبعيداً عن هيمنة الماضي ،وقريباً جداً من منطقة الابداع التي يعزف على اوتارها الفنان المفكر وهو يتلقى بوعي متوقّد ومخيلة جامحة متغيرات واعاصير الحياة ،وليعكس في مجابهاته الجمالية رؤيته الفنية عندما يعيد قراءة الاعمال والنصوص المسرحية المهمة التي تحتشد فيها مستويات متعددة ومتصاعدة من الافكاروالموضوعات التي عادة ما تمنح الفنان المكتشف مساحات واسعة من الضوء وسط العتمة، للتحرك داخلها ،ليكشف ِ ما يختفي بين السطور .
هذه هي الارضية الفكرية التي هيكَل عليها العمري مشروعه الفني الجديد /القديم ، وهويعيد قراءة قصة حديقة الحيوان. لنقف امام عرض جديد ينحاز الى المغامرة ويزيح بعد ربع قرن سلطة خطاب عرضه الاول .
في نسخة العرض الاخيرة ، تناثرت شواهد قبور الجنود الاميركان القتلى في العراق على خشبة المسرح لتصبح حديقة الحيوان : حديقة لرفات من تورط في حرب لاناقة له فيها ولاجمل . هي حربُ كتب سيناريو حكايتها وتفاصيلها وافكارها ، رجال السياسة والمال ، كتبوها بحرفية عالية تداخلت فيها الوقائع بالاكاذيب، من اجل صنع طبخة فنية مقنعة وممتعة ومشوقة من اجل خداع العالم لاأكثر، كما هي عادة السينما الاميركية بكل ماتملك من حيل وخدع تقنية ،تمكنها دائماً من تحقيق المعجزات على الشاشة ضاربة المنطق والحقائق بعرض الحائط .
مايمتلكه العمري من مخزون معرفي وخبرة متراكمة تشكلت خلال نصف قرن من العمل الجاد في ميدان المسرح ،وساعياً فيها الى مواكبة التطورات الحاصلة في ميدان المسرح العربي والعالمي وصولاً الى تكوين شخصيته الفنية المميزة عبر تقديم اعمال مسرحية تستجيب لدوافع التجديد في معمارية العرض المسرحي وتشكيل رؤية فنية تنظيرية لمسرح محلي عربي يستثمر كل الممكنات التي تختفي وتتناثر بين سطور التراث والطقوس والفلكلور والتاريخ ، القريب منه والبعيد .
وفي ذروة تطلعاته تلك لم يتردد في الاستناد على نصوص مسرحية كتبها اخرين ،او قد يلجأ هو الى كتابة نصوص مسرحية وفقاً للمناخات التي ينوي اجتراحها عندما لايجد لدى الاخرين مايمنحه فرصة التحليق بعيداً في فضاء العرض المسرحي .
هذا الهاجس الدائم بالعمل والبحث وطرح الافكار طيلة نصف قرن اوصله في السنين الاخيرة الى ان يمتلك رؤيته الفنية الخاصة لشكل العرض المسرحي، وبدا ذلك واضحاً في عمله الاخير وكذلك في الاعمال التي سبق ان قدمها في تسعينيات القرن الماضي . وقد اقترب هذا الشكل الى منظومة من الاشتراطات الفنية التي يستنطقها غالباً كلما تصدى لعمل ما. . ويمكن لنا ان نستوفيها في الملاحظات الاتية : الابتعاد شبه التام عن استخدام قطع الديكور ،والاكتفاء بالانسان وبحضوره الواضح في فضاء الخشبة ،وهذا المساريضع اي مخرج اخر امام اشكالية بصرية تفرض عليه جهداً مضاعفاً في تشكيل سينوكرافيا العرض المسرحي معتمداً فقط على جسد الممثل وصوته وهو يتحرك على الخشبة العارية الاّ من قطع معدودة جداً من الديكور والاكسسوارات اضافة الى الاضاءة المسرحية .
وهنا يبدو شفاء العمري قد وصل في ذروة تجربته الطويلة. اي الى تلك الخطوة الاولى التي سبق ان انطلقت منها الظاهرة المسرحية قبل الاف السنين عند الاغريق، عندما كان الممثل يشكل بؤرة العرض على خشبة المسرح العارية .
لقد جاءت هذه العودة ــ باعتبارها مشروعاً فنياًـــ الى نقطة البداية بعد ان امتلك العمري فلسفته التقنية في استثمار الوسائل والاساليب الفنية التي تمكّنه من تكثيف وتحرير مايمتلكه الممثل من طاقة جسدية الى الحد الذي يصبح فيه هذا الجسد لغة حية تتشكل منها حروف وجمل وتراكيب بلاغية تنبض بصورافتراضية دون ان يتوقف المتلقي بمايحيط بهذا الجسد من مفردات وقطع مادية . ذلك لان سعة الرؤية لدى المخرج تكتفي هنا بصوت الممثل وجسده لرسم صورة العالم الذي ينشده او يرفضه على الخشبة ومن خلالهما( الصوت والجسد ) يطرح مايلح عليه من رؤى وافكار .
في هذا العرض ( قصة حديقة الانسان ) اخذنا العمري الى حديقته دونما ضجة ولا بهرجة لنقف امام عالم جمالي شكّله ممثلان اثنان فقط لاوجود لغيرهما على الخشبة . الاول كان الممثل القدير محمد العمر والثاني كان الفنان الرائد علي احسان الجراح .
نص المسرحية يقترب من مناطق مظلمة في الحياة والثقافة الاميركية من خلال لقاء عابر يتم في حديقة عامة لشخصيتين لاصلة سابقة بينهما،احال المخرج شفاء العمري جزءاً منها الى مقبرة لجنود اميركان سقطوا قتلى في العراق .
وقد تحمل الفنان محمد العمر العبء الاكبر في تقديم هذا العرض،وهو يؤدي شخصية (جيري) التي تستحوذ على رقعة واسعة من مساحة الاحداث التي تدور في بقعة مكانية واحدة لاتتعدى حدود مصطبة خشبية تتشارك الشخصيتان في الجلوس عليها .
الممثل محمد العمر يمتلك قدرات فنية عالية تتظافر فيها ،طاقته الجسدية،ولياقته ، ومرونته ،في التعبير عن التحولات النفسية ،اضافة الى مايمتلكه من مخزون شعوري وانفعالي غالباً ما أحسن َ هذا الممثل الخبير في استدعائه واستنطاقه، في الوقت والشكل الذي يبتغيه هو ، ووفقاً لما يفرضه منطق الفكرة الفنية التي يسعى خطاب العرض الفني الى توصيلها.
ان هذا العرض بما يشكله من ثقل على من يتولى تأدية شخصية (جيري. يفرض ممثلاً من نمط خاص، تتوفر فيه جملة من العناصرالفنية المميزة جسدياً، وصوتيا،ً وذهنياً ،وطاقة شعورية متوقدة .
والممثل( العُمر) بتاريخه المسرحي الطويل الذي قطعه بكل اخلاص مع مدرسة شفاء العمري المسرحية خلال ثلاثة عقود من عمر الزمن خير من يستحق ان توكل اليه مهمة تشخيص هذا العرض ، والجهد الذي بذله يضعه في مقدمة الممثلين المعاصرين العراقيين الذين يدركون تمام الادراك وبفهم واسع، كيفية التعامل بتقنية عالية مع ايقونية الجسد بمدلولات مفتوحة وهو يرسم معمارية الشخصية الانسانية في حدود المؤطر منها داخل العرض المسرحي ،ذاهباً بها وفقاً لعمليات الاشتغال والتجريب الدائم طيلة فترة التمرين الى ايقاف سطوة المستهلك من المدلول ومفجراً افاقاً جديدة ومدهشة تتجدد مع كل عرض .
لقد رافق محمد العمر المخرج شفاء العمري منذ مطلع سبعينيات القرن الماض وهو لم يكن في حينها سوى ذاك الشاب الرياضي الذي كان قد قطع شوطاً جيداً في عالم رياضة الجمناستك والجمباز. ورغم تفرغه التام بعد ذلك لعالم شفاء العمري المسرحي إلاّ أنه ظل محافظاً على لياقته، وبنيته الرياضية، من اجل ان يكون جسده قادراً على الاستجابة التعبيرية المكثفة لكل المستويات البنائية للمشغل الاخراجي . وهو امر غالباً مايهمله الممثل العربي والعراقي . والذي دائماً مانجده مترهلاً وبطيئا في حركته بسبب وزنه الزائد وضعف لياقته البدنية .
اما الشخصية الثانية في هذا العرض فقد كانت من نصيب الفنان الرائد على احسان الجراح . وهو اول خريج مسرحي في مدينة الموصل تخرج من معهد الفنون الجميلة في مطلع ستينيات القرن الماضي . ورغم بلوغه العقد السابع من العمر وتجاوزه بعدد من السنين الاّ انه لم يزل يواصل عمله في المسرح . والمفارقة في هذا الامر ان علي احسان الجراح كان المعلم الاول الذي تتلمذ على يده شفاء العمري مع مطلع العقد السادس من القرن العشرين . لذا امريدعوالى الغبطة أن تتواجد في هذا العرض ثلاثة اجيال مسرحية من الاساتذة والتلاميذ في أن واحد. الاول جيل تشكلت تجربته في خمسينات القرن الماضي ويمثله الممثل علي احسان الجراح وثانٍ في ستينياته ويمثله تلميذه شفاء العمري وثالث في سبعينياته ويمثله تلميذ شفاء الممثل محمد العمر .
يتسم المخرج شفاء العمري بخاصية لانجدها الاّ لدى قلة من المخرجين المحترفين الذين يملكون القدرة على تفجير الطاقات الكامنة لدى المواهب الفنية التي تعمل في مشغلها الفني . ويملكون الطريقة والاسلوب لتطويرها . إذ عادة مايستمر التمرين فترة طويلة لدى العمري إذ يحاول فيها ان يكتشف دائماً مناطق جمالية جديدة في تفاصيل النص الذي يشتغل عليه . ويصب الكثير من جهده على تدريب الممثل . والعمري يملك من الوسائل الفنية التي تراكمت بفعل الخبرة والثقافة العالية التي يتسلح بها مايمكنّه من رسم طرق ومسالك رحبة ومتعددة للممثل من اجل ان يصل الى امكنة بعيدة في بناء الشخصية التي يقدمها على الخشبة .
يقول المخرج القديرشفاء العمري في كلمة معبرة ثبّتها في كراسة العرض التعريفية ، لها دلالة واضحة على عمق وصدق ارتباط هذا الفنان بخشبة المسرح ، يقول فيها : بعد هذه السنوات التي مضت على اخر عمل اخرجته للمسرح تأتي هذه التجربة المتواضعة التي اشعرتني بأني لم ازل احيا .
2010




ابحث عن مهنة اخرى .


اذا كنت لاتصغي الى النقد .






من خلال متابعتي للحركة المسرحية في سهل نينوى وجدت ان هنالك تبايناً واضحاً في المستويات الفنية لكل الكوادر العاملة في في الفرق المسرحية . وقد انعكس ذلك على مستوى الاعمال التي قدمتها تلك الفرق .
فمابين فرق ارتقت بمستوى الطروحات الفنية التي تضعها في مصاف الفرق المسرحيةالمتقدمة في العراق، وفرق اخرى تحتاج الى جهد كبير في تدريب وتطوير عناصرها الفنية حتى تدرك القواعد والاصول الفنية في صياغة التجربة المسرحية .
والاسباب التي قادت الى هذا التباين في مستوى الانتاج والفهم يعود الى حداثة التجربة بالنسبة لبعض الفرق التي لم يمضي على دخولها الى ميدان العمل الا سنين معدودة . وهي لم تقدم خلال تلك السنين سوى عدد محدود من الاعمال المسرحية ومعظمها تم تقديمه اثناء الاحتفال بعدد من المناسبات الدينية او الوطنية متداخلة مع انشطة فنية لاصلة لها بالعمل
الفني , اضافة الى ان معظم كوادر تلك الفرق هم من الهواة الذين لم يتلقوا المعرفة الاكاديمية في مؤسسات فنية اكاديمية الا ماندر من تلك الكوادر والتي قد تملك شهادة فنية لكنها لم تتسلح بخبرة معرفية اكتسبتها بفعل التجربة والاستمرار .
والاهم في هذا الموضوع هو الغياب التام للحركة النقديةالتي تواكب العروض المسرحية بعيداً عن (عبارات المجاملة ) والتي غالبا ماكانت سائدة في المتابعات الصحفية لاعمال الفرق المسرحية .
ان غياب الحركة النقدية المسرحية السليمة في سهل نينوى قد تسبب في الكثير من الامراض والاوهام لدى البعض . الذي ذهب بعيداً في اوهامه معتقداً جراء ذلك الوهم بأنه قد امتلك ناصية الفن والعبقرية التي تجعله بمنأى عن الاخطاء والفشل وهو لم يزل في اول الطريق !. وان كل مايقدمه ماهو الا تحفاً ثمينة من الفن الاصيل غير مسموح لاي ناقد ان يتناولها بالنقد والتحليل .
ولوحدث أن اخطأ احد النقاد واشار باصبعه الى بعض جوانب الخلل
ـــ التي يمكن حتى الاسماء العظيمة ان تقع فيها ـــ لوجد نفسه متهماً بتهمة جاهزة ترمى على كل من يتجرأ ويسجل ملاحظات ليس في صالح اعمالهم ( انك مدفوع من جهة او شخص ما ! ) . وماأسهلها من تهمة . .
بهذه التهمة الجاهزة يتم اختصار جهود كل النقاد والباحثين عن القيم الفنية . (فهم ليسوا إلاً اناس قد دفعتهم جهة ما للنيل من اعمال تلك الفرق ! ) وبهذه التهمة البائسة والرخيصة : يشطبون على جهود المئات من النقاد الذين شهدتهم البشرية وانحنت لاعمالهم منذ خمسة الاف سنة قبل الميلاد ابتدأً من ارسطو وانتهاء باحدث ناقد مسرحي في السنة التاسعة من بعد الالفين .
وهم بذلك يتناسون ويتغافلون ـــ دون ان يعلموا ــ ان المسرح لم يصل الى ماوصل اليه من تجارب حديثة بكل اشكالها وارهاصاتها إلاّ بوجود حركة نقدية رافقت التجربة المسرحية ووضعتها على مصطبة التشريع والنقد دون الاخذ بنظر الاعتبار اية علاقات شخصية اواية ظروف واجهت انتاج العمل . لان العمل ما أن يعرض على الجمهور يصبح ملكاً مشاعاً للجمهور المتلقين ، ينظرون له وفقاً لتصوراتهم . كما أن نخبة النقاد يتعاملون معه على انه تجربة فنية ينبغي التوقف عندها وقراءتها نقدياً لمعرفة اسرارها .وتقييمها فنياً لوضعها في الاطار والمكان الذي تستحقه .
ان من يشتغل في العمل المسرحي عليه ان لايكون متطيراً من النقد الذي لايجامله ولايصفق لعمله . بل ينبغي عليه ان يتوقف امام اي كتابة نقدية تتعرض لعمله بمشرط التحليل لكل تفاصيل التجربة . من اجل ان يتعرف على مااستطاع التوصل اليه ونجح فيه، وما فشل في الوصول اليه . وذلك سوف يصب في نهاية الامر لبناء تجربته مستقبلاً بشكل افضل .
اما اذا كان رد فعل الفنان سلبياً وعنيفاً مع من لايتفق مع عمله الفني فمن الاجدى له ان يبحث له عن مهنة اخرى لاتحتاج الى نقاد ولا الى جمهور ومثل هذه المهن الشريفة كثيرة في الحياة والتي يمارسها كل عباد الله البسطاء .
ولكن طالما اختار الواحد منّا أن يقتحم التجربة الفنية بكل ظروفها ومغامراتها وصعوباتها فينبغي عليه ان يتحمل كل النتائج بشجاعة وعقل متفتح،وان يصغي لللاخرين ولملاحظاتهم ولايتعالى عليها، والاهم من ذلك ان لايبقى أسيراً لتصوره الدائم بأن ألاخرين مدفوعين ضده ! خصوصاً اذا كان هذا الفنان في اول الطريق الفني . هذا الطريق الشائك والصعب والذي يحتاج الى الكثير من الصبر والتواضع والكثير الكثير من الوعي واحترام اراء الاخرين . هكذا استطاع يوجين يونسكو وارابال وصموئيل بيكت واوزبورن وكل كتاب المسرح الطليعي الذين ظهروا بعد الحرب العالمية الثانية بكل كتاباتهم التي تجاوزت المألوف والتقليدي في الطرح والمعالجة . استطاعوا ان يغيروا وجه ومسار المسرح العالمي ، بعد ان كان النقاد قد قالوا عنهم في اول ظهورهم بأن كتاباتهم لاتساوي شيئاً ولاتستحق ان تكون ورقاً للتواليت ! ماذا فعلوا أنذاك حين قيل عنهم ذاك الكلام ؟ هل اقاموا الدنيا واقعدوها ؟ هل طالبوا بمناظرات تلفزيونية لتأكيد صحة كتاباتهم ؟ هل اتهموا النقاد بأنهم مدفوعين ضدهم ؟ بل على العكس من ذلك . قرأوا كل ماكتب عنهم وتوقفوا عنده متاملين إلاّ انهم استمروا في مشوارهم الطويل . حتى استطاعوا ان يصبحوا قادة التغيير في القيم والمفاهيم المسرحية . . اخيراً اقول علينا ان نكون متواضعين امام تجاربنا وان لانخدع انفسنا بأنفسنا فليس بيننا غروتوفسكي ولابيتر بروك ولا أريان موشكين ولاشاينا . والشجرة المثمرة تميل دائماً .


2008






فاطمة الربيعي . . تسمو في اطراف الحديث


"كنت اتمنى ان يتم تكريمي في العراق قبل اي مكان اخر" .


توقفت امام هذه الجملة التي قالتها الفنانة العراقية فاطمة الربيعي اثناء حوار كان قد أجراه معها الاعلامي مجيد السامرائي ضمن برناج اطراف الحديث الذي بثته قناة الشرقية في ليلة يوم الاحد 6/ 3/ 2011 . .
الربيعي قالت هذه الجملة و كانت تبدو عليها حسرة واضحة في نبرة الصوت والتعبير والملامح علت وجهها المُعبّر دائماً عن الاصرار والتحدي والتفاؤل رغم السنين الطوال التي مرت عليها وهي تمارس بكل جد واخلاص العمل في الميدان الدرامي، مسرحاً وسينما وتلفزيون، دون ان تفكر ولو للحظة واحدة حسب ماقالت في ذلك الحوار أن تكسب من وراء عملها في الفن أيّة ثروة كبيرة كما هو الحال لدى زملائها في هذه المهنة في معظم البلدان العربية والاجنبية .
ويكفيها فخراً انها كسبت من كل هذا الجهد وهذا الكفاح المضني محبة الناس ورضاهم عنها فقط ، رغم الخسارات المادية التي تكبدتها وهذا امرٌ لم يكن يعلم به احد طيلة مشوارها الفني الطويل الذي يمتد لاكثر من اربعة عقود ولم تكشف عنه سابقاً الاّّّّ في برنامج اطراف الحديث ،الذي عرفنا من خلاله أنّ الربيعي سليلة عائلة ثرية جداً ، وقد ترك لها والدها مع اشقائها بعد وفاته قبل سنين مضت املاكاً واسعة،ولو كانت قد نالت نصيبها منها حسب مايقتضيه الشرع والقانون لأصبحت الان من طبقة الاثرياء والملاكين ، لكنها مع شقيقتها زهرة قد حرمتا من حقهما الشرعي بهذا الميراث من قبل اشقائهما، لا لشيء الاّ لانّهما كانتا قد اصرّتا على المضي في مشوارهما الفني حتى النهاية ولم تستجيبا لرغبة اشقائهما بالتوقف نهائياً عن العمل مقابل الحصول على حصتيهما ، ولو كان لهذه الفنانة الكبيرة وشقيقتها زهرة طمع في مال الدنيا لتخلتا تماماً دون لحظة تفكير وتردد عن الفن الذي لم يمنحهما شيئاً سوى محبة الناس،ولجلستا في بيتهما تنعمان بثراء واسع لن تنالا ولو بجزء بسيط منه حتى لو عملتا بكل جد واجتهاد الى اخر لحظة من حياتهما في حقل الفن .
مالذي دفعهما لان تضعا نفسيهما في مثل هذا الموقف الدرامي الذي لايليق الاّ بالابطال التراجيدين الذين قرأنا سيرهم في النصوص المسرحية الرومانسية عندما كانوا يجدون انفسهم في لحظة ما امام مفترق طرق يضعهم اما خيارين لاثالث لهما امّا الاندفاع وراء مشاعر الحب النبيلة او الخضوع لسلطة الواجب الذي تفرضه القوانين والاعراف الاجتماعية .لم يكن امامهما الاّ ان تختارا الوقوف مع نبل مشاعرهما وعواطفهما بمواجهة تراجيدية ضد سلطة اعراف ٍمجتمعية ٍلامنطق يسندها .
هكذا كانت فاطمة وزهرة الربيعي في مشوارهما الحياتي والفني. . فأنت هنا امام انموذج الفنان المتصالح والمتطابق مع نفسه الانسانية ، ولن تستطيع ان تفصل مابين شخصية الفنان والانسان بعد ان تداخلا ببعضهما واصبحا وجهان لعملة واحدة .
وبعد هذا الموقف المشّرف والمشرق الذي جاءت به هذه الفنانة الكبيرة فاطمة الربيعي لصورة وحقيقة الفنان وهو يعلو بأهدافه واحلامه الى مراتب تسمو به عالياً فوق مايسعى اليه عامة الناس في مجتمع عربي شرقي همُّهُ الرئيسي كسب المال والتمتع بالدنيا في ظل بحبوحة من العيش الهادىء مجتمع مازال يخضع تحت سطوة قوانين واعراف تنظر بازدراء واضح لشخصية الفنان رغم الدور الكبير الذي يضطلع به باعتباره واحداً من ادواة الثقافة المهمة في عملية التغيير والبناء والتجديد في بنية وشكل الحياة ولتسمو به ايضاً فوق مايسعى اليه الساسة دائماً من اعتلاء مراتب السلطة والوجاهة دون ان يقدموا شيئاً مفيداً لحياة ورفاهية شعوبهم .
دائما ماكان المجتمع في معظم فعالياته النخبوية يتعمد اذلال الفنان بتجاهله ، فهو غائب تماماً عن كل المشاريع التي عادة ماتطرح بعد اي تغييرسياسي يحصل في اي بلد عربي ، ولافرق في هذا الموقف بين بلد مهم وكبير مثل مصر له تاريخ عريق في الحراك الثقافي والسياسي يمتد لعقود طويلة وبين بلد اخر مازالت تحكمه الاعراف القبلية مثل اليمن او السودان او لبنان او العراق ، فالقادة والنخبة السياسية في كل البلدان العربية قاطبة ودون اتفاق مسبق تلتقي جميعاً عند نقطة اذلال الفنان بتجاهله ، ومايؤكد هذا القول اننا لم نشهد حتى هذه اللحظة ان تم استدعاء اي نخبة من الفنانين من قبل قادة العهد الديموقراطي الجديد حتى يشاركوا جدياً في صياغة مستقبل اي بلد من تلك البلدان ! والعراق بعد التاسع من نيسان عام 2003 هو اقرب شاهد على مانقول، كذلك هو الحال مع تونس ومصراللتان شهدتا بشكل متتابع تحولات سياسية جذرية مع مطلع العام 2011 في منظومة الحكم التي كانت تمسك بهما طيلة نصف قرن من الزمان لتخرجهما من ظلمة مستنقع آسن ٍ اساسه دكتاتوريات فردية عائلاتية حزبية شمولية فاسدة مجرمة متخلفة ،وانعطفت بهما هذه التحولات الى اعتاب مجتمع آخر يقوم في جوهره على تقديس الحريات المدنية ،وعلى عكس التصريحات والشعارات والحوارات والخطابات الرنانة المعلنة التي تمجد الحرية ، بدأنا نسمع ونشهد مواقف صادمة لعدد من قادة ورموز العهد الجديد في العراق تفوح منها بكل صراحة ووضوح رائحة مخيفة لاأشد منها تخلفاً الاّ جماعة طالبان في افغانستان،وقد خلّفت فينا تلك المواقف والتصريحات التي حرّمت تدريس الفن الموسيقى والمسرحي في المعاهد والكليات الحكومية مشاعر مختلطة مابين الحيرة والدهشة والخيبة، وبتنا نستشعر نواقيس الخطر وهي تدق معلنة الخوف على مستقبل الفن والفنان في بلد يحرص قادته في كل مناسبة يتواجدون فيها على اعلان تمسكهم الجاد والصادق في بناء نظام ديموقراطي تعددي برلماني فدرالي يحترم الحرية والكرامة الانسانية بعد ان كان المجتمع والفرد معاً قد حرما من كل هذه الحقوق في ظل النظام السابق !.
ان الفنان العراقي بصورته المشرقة التي عبرت عنها الفنانة فاطمة الربيعي بكل مسيرتها الفنية ، لاشك هو الان في محنة اكبر مما كانت عليه في العهود السابقة منذ تأسيس الدولة العراقية في مطلع العقد الثاني من القرن العشرين، لان مكانته ودوره في المجتمع تتعرضان الى ازدراء واضح وكبير لم يشهد له مثيلاً ، بل ان مايشهده الفنان خلال الاعوام القليلة الماضية من تضييق واضح للمساحة التي يتحرك فيها والخطوط الحمر الكثيرة التي باتت توضع امامه سواء كانت دينية أوطائفية أوسياسية عندما ينوي الاستعداد لتقديم اي عمل فني تجعلنا لانتردد في رسم صورة قاتمة لما تخبئه لنا الايام والاعوام القادمة .
اقف هنا لاستعيد تلك الجملة التي قالتها الفنانة فاطمة الربيعي واشاركها اياها تلك الامنية واقول لها : ياسيدتي ، لقد نلت من التكريم مالم ينله ولن يناله اي سياسي يتربع على عرش السلطة حتى لو بقي طيلة حياته متوهماً ومخدوعاً مع نفسه بأن الناس تكن له مشاعر الحب والاحترام ، بينما هي في حقيقة الامر تكن له كل مشاعر الكره والاحتقارفي دواخلها .
لقد كنت ياسيدتي على درجة كبيرة من الصواب عندما قلت " انا بسبب الفن فقدت ثروة مالية كبيرة ، لكنني في مقابل ذلك كسبت حب الناس وهذي ثروة لايمكن تقديرها بثمن ما " .. فشكراً لك مرة اخرى ،لانك تستحقين ان تكوني فخراً لنا ولبلدك بما قدمت ، ولك كل التكريم وليس لغيرك .
2011




لُعبة الازمنة . . في العرض المسرحي الكوردي


إغماضة عين . .




توطئة :


هنالك العديد من نقاط التشابه والتماثل في مناطق الاشتغال الاسلوبي وفي منظومة المنطلقات النظرية التي أطّرت المسار الفني لكل التجارب المسرحية التي احتشدت على خشبة المسرح في اقليم كوردستان . ويمكن القول ان المسرح الكوردي بدأ متأثراً بشكل واضح بطبيعة التوجهات الفنية التي مرت على المسرح العراقي اكثر من تأثره بأي منطقة جغرافية اخرى تجاوره . هذا التوصيف النقدي ينطبق على مجمل النتاج المسرحي الكوردي منذ خطواته الاولى التي تزامنت مع بدايات المسرح العراقي في مطلع القرن العشرين .


رؤية تجريدية


الموسم المسرحي الجديد لمديرية الفنون المسرحية التابعة لاقليم كوردستان لعام الفين واحد عشر ،ابتدأ بمسرحية جديدة للمخرج( محمد جميل) عنوانها ( إغماضة عين ) وهي من تأليف بينتر سنوسن. وتمثيل : دلفين محسن ، ساية حسين ، روجين ، تم تقديم العرض على خشبة مسرح قاعة الشعب في منتصف شهر كانون الثاني الماضي .
اعتمد العرض المسرحي على ثلاث شخصيات نسائية محورية استحوذت على مساحة واسعة من رقعة وزمن الاحداث ،ليتشكل العرض في بنائه على رؤية تجريدية في معالجة موضوعة واقعية تتعلق بثلاثة شخصيات نسائية تعيش وضعاً انسانياً مأزوماً.
نص العرض اعطى اشارات واضحة تشير الى بيئة اجتماعية شرقية محددة ،وفي اطار واضح لزمن معاصر يحيط بتلك الشخصيات ،التي كانت تعاني من انتهاك ً لاحلامها وهواجسها، التي بقيت مكبوتة في دواخلها لتستحيل بالتالي الى كوابيس تنحو بها في لحظة ما نحو الانحراف . .


دلالات التشفير
الفن بشكل عام ماهو الاّ محاولة من الفنان الى تمثل تجربة حياتية في سعي منه الى اعادة اكتشافها ومحاولة فهمها للوصول الى تحديد دلالاتها القيمية . وعليه فأن التجربة الفنية ليست الاّ تشكيل نسقي رمزي يصوغه الفنان بناءً على اقامة علاقة جدلية مابين الحاضر /الماضي ، المرئي / غير المرئي ، المبدع / المتلقي . . ومن اجل ايصال هذا الجدل القائم فيما بين التجارب الفردية ، والافكار التي تنصهر في ذوات الشخصيات النسائية الثلاث ، اعتمد العرض على لعبة فنية تتبادل فيها الشخصيات الادوار فيما بينها ضمن اطار الحدث الرئيس الذي تتحرك فيه ليتم من خلال هذه اللعبة الوصول الى طبيعة الاحباطات النفسية والاجتماعية التي تلقي بظلالها الثقيلة عليهن .
المخرج محمد جميل كان مدركاً لطبيعة الاطار الفني الذي ينبغي عليه ان يتحرك في فضائه العرض ، منطلقاً من نظرية مفادها ان الشكل الفني لايمكن فصله عن المضمون، ولان العمل الفني تجربة حية متكاملة ومتوحدة مابين الشكل والمضمون وأن الجدل هو الذي يحكم تفاصيل هذه العلاقة . ولان غياب هذا التناول والفهم الجدلي يحيل التجربة الفنية الى تجربة ميكانيكية لانبض فيها . من هنا جاء البناء السينوكرافي لهذا العرض معادلاً صورياً بُنيت علاماته على فهم واضح لطبيعة الصراع القائم في موضوعة العرض والقوى التي تتحكم بآلياتة واتجاهاته ، ومن اجل تحقيق هذه الرؤية عمد المخرج الى استثمار دلالات ليست مألوفة في انتاجية العروض المسرحية العراقية والكردية معاً ، هما مادتي (ورق الصحف ،و مادة النايلون الشفاف )،فهاتان المادتان لم يتم استثمارهما بشكل استهلاكي في تأسيس الدلالات التشفيرية للعروض المسرحية العراقية بشكل عام ، على الرغم من استخدامهما في عروض تُعد ُّعلى اصابع اليد كان قد شهدها المسرح العراقي في فترات متباعدة سواء في معهد الفنون الجميلة او في كلية الفنون الجميلة .
المخرج محمد جميل شاء أن يغطّي مقدمة المسرح واطاره وسقفه الامامي بورق الصحف ليشيرمن خلال ذلك الى تقاطع الواقع بكل احباطاته مع ما يكتب في الصحف من اخبار لاتشيردائماً الى مايخبئه من اسى وعنف ، ولكي يعمّق هذا المدلول ، فاجئنا اكثر من مرة باندفاع كائنات مرعبة غير ادمية من تحت الصحف التي تغطي ارضية المكان التي تحيا عليها الشخصيات ، وجاء خروجها عنيفاً وصادماً في زمنين اثنين : الزمن الذي يمرُّ عسيراً على الشخصيات، وزمن اخر نطل من خلاله نحن المتفرجون على مايجري امامنا ، لنتوحد بالتالي مع شخصيات العرض في لحظة واحدة يتداخل فيها الحلم مع الواقع .
طاقة التأويل
ومن اجل ان المضي بعيداً في تحقيق هذا التداخل أحال المخرج مادة النايلون الشفاف لتكون طاقة تشفيرية يؤسس من خلالها هذه العلاقة : مابين الحاضر والماضي ، المرئي واللامرئي . . اضافة الى هذه العلاماتية التي أشّرها المخرج بكل وضوح وشفافية، اراد ايضاً ان يحدد للفعل الدرامي جغرافيته بشكل واضح، ليتمكن من خلالها ان يشيرالى حضور الماضي بتفاصيل شاخصة ،تم تكثيفها بدلالات ملموسة جاءت على شكل (دمى، ومانيكانات،) عادة ماتستخدم في ميادين الرمي .
مخرج العرض المسرحي محمد جميل حاول ان يستثمر دلالة النايلون بأكثر من مدلول مانحاً اياها طاقة تأويلية اخرجتها من سكونيتها المعجمية اخذاً بها الى تشظيات سيميائية اكسبتها مرونة تعبيرية ، من خلالها تمكن من أن يوصل الى المتلقي جملاً مشفرة دون ان يلجأ الى التصريح بها مباشرة ، كما عودنا على ذلك المسرح التقليدي الذي عادة مايضيّق في فضائه مسار الحرية الابداعية أمام المبدع .
القدرات النسائية التي تولت مهمة تقديم الادوار الرئيسية في هذا العمل اتسمت بأمكانات جيدة وجريئة في التعبير عن الافكار التي احتشدت داخل العرض . وإن كانت في مرحلة البناء الاكاديمي لقدراتها التعبيرية
( الصوتية والجسدية ) والتي تحتاج الى قدر من الخبرة والاستمرار في العمل لكي تفصح عن نفسها بشكل افضل مستقبلاً .


2011




لكي ننصف المبدعين . . .


ملاحظات . .
على احتفال المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية
بذكرى يوم المسرح العالمي .








في 27 من شهر اذار من كل عام يلتقي المسرحيون في كل بلدان العالم المتحضر والمتخلف منه ، للاحتفال بيوم المسرح العالمي، وقد اصبح الاحتفال بهذا اليوم بمثابة عرفا وتقليدا امميا ، تحرص المؤسسات المسرحية الرسمية منها وغير الرسمية ، من فرق مسرحية وغيرها من الانشطة والفعاليات التي لها صلة بالنشاط المسرحي على الاستعداد له بالشكل الذي يليق بهذه المناسبة، والاستعداد يمتد ليشمل طيلة ايام السنة التي تشهد عروضا وانشطة مسرحية ولايقتصر على يوم الاحتفال فقط .
بل ان جهد القائمين على تنظيم الاحتفال يقتضي منهم متابعة جادة ودؤوبة لنشاط كل الذين يعملون في الميدان المسرحي طيلة موسم مسرحي كامل من مؤلفين الى مخرجين وممثلين ومصممي اضاءة ومصممي ديكورومصممي ازياء ومصممي موسيقى ونقاد مسرحيين وقبل حلول يوم 27 اذار باسبوع او اكثر يلتقي يومياً اعضاء اللجنة المكلفة رسميا من قبل وزارة الثقافة والتي عادة ماتضم ممثلين عن نقابة الفنانين ورابطة المسرحيين ونقابة الصحفيين ونقاد المسرحو اتحاد الادباء ، من اجل مراجعة وتقييم الفعاليات والانشطة المسرحية وكذلك استعراض كل الاسماء المسرحية بكل الاختصاصات وتقييم دور العاملين فيها ليتم بالتالي اختيار مجموعة من الاسماء التي تستحق التكريم المميز دونا عن غيرها وفقا للقيم الاعتبارية التي اتفقت عليها اللجنة بمختلف اختصاصات اعضائها والتي تاتي في المقدمة منها التميز في العطاء من خلال المشاركة الفاعلة والمتفردة بعمل فني واحد في الموسم المسرحي المنصرم مثال على ذلك: يتم اختيار المخرج الفلاني كافضل مخرج عن عمله المسرحي الفلاني ، ويتم اختيار الممثل الفلاني كافضل ممثل عن دوره في المسرحية الفلانية، وهكذاالحال مع بقية العاملين بكل الاختصاصات ،
كما يجري في هذا اليوم ايضا في بعض الاحيان تكريم بعض الاسماء الفنية لالحجم الدور الابداعي الذي لعبته في مشوارها الفني الطويل فقط ، انما يتم تكريمها لاجل استمرارها في العمل لعقود طويلة من العمل او تكريما لمجمل اعمالها .
كما يتم ايضا تخصيص جائزة لعدد من الاسماء الفنية الشابة الواعدة التي دخلت الميدان المسرحي واثبتت تميزها بشكل ملفت للنظر خلال فترة قصيرة من ظهورها في النشاط المسرحي وتاتي هذه الجائزة من اجل تشجيع هذه الطاقات الشابة واعطائها دفعة قوية من الامل.
اذا كل تفاصيل التكريم الذي يتم في يوم المسرح العالمي ماهي الاّ احتفاء بالمبدعين المميزين في عطائهم بعمل ما ضمن الموسم المسرحي المنصرم ولن يكون التكريم في هذا اليوم جزافاً ، او ينثرعلى رؤوس جميع العاملين دونما تفريق بين الذي يعطي بتميزعن الذي لم يكن مميزاً خلال عمله او ان تمنح الجوائز وشهادات التكريم وفقاً لمنطق العلاقات الشخصية التي تحكم العاملين في الميدان المسرحي مع الجهة التي تتولى التكريم .
ان الغاية من هذا الاحتفال السنوي ماهي الاّ تثمين وتكريم وتفعيل للجهد الفني المميز، ووضع اسم الفنان الذي يقف وراءه في المكانة العالية التي يستحقها هو لوحده لما بذله من جهد لم يرتقي اليه اخرون عملوا ايضاً معه في نفس الموسم .
الذي دعاني الى كتابة هذه البديهيات التي يعرفها كل المسرحيون في العالم هو الاحتفال الذي قامت به المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية في يوم المسرح العالمي . وقد بدا واضحاً ان المديرية لم تكن مستعدة له بالشكل والطريقة والوقت الملائم الذي اشرنا له في بداية المقال .
لذا ذهبت الجوائز والدروع التكريمية التي منحتها المديرية الى غير مكانها الصحيح .
وحرمت منها اسماء اخرى كان ينبغي ان تكون هي على رأس المكرمين تبعاً لما قدمته من عطاء مميز في الموسم المسرحي الماضي .منهم في ناحية عنكاوا ،من الرواد الفنان رفيق نوري حنا والناقد صباح هرمز ومن الشباب جاكلين سامي / كمال دانيال /هدير صباح / راستي بولص.
وفي سهل نينوى وسام نوح عماد نوري/ نشأت مبارك /نصار مبارك/ ابراهيم كولان/ طلال وديع . واخرين مبدعين قد ننسى اسمائهم سهواً وليس تعمداً .لذا نرجوا العذر منهم




هذا اضافة الى ان المديرية قد نسيت في هذا الاحتفال انها مسؤولة عن كل النشاط المسرحي السرياني فرقاً واسماءً متواجدة على ارض العراق من البصرة وحتى زاخو وليس نشاطها التكريمي مقتصراً على عنكاوا ذلك لان عنوانها الواسع يقول انها المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية !
اي انها معنية بكل الثقافة والفنون السريانية اينما وجدت على ارض العراق لذا من الخطأ ان يتم حصر جوائزها التكريمية على منطقة جغرافية محددة ويتم استبعاد رقعة واسعة من مسؤوليتها بكل جهود الفنانين المسرحيين الذين عملوا طيلة موسم مسرحي بكل اخلاص وجهد .
لقد بذل عدد من العاملين في الميدان المسرحي جهداً مميزاً خلال الموسم الماضي سواء في عنكاوا او في سهل نينوى او في دهوك وكان ينبغي على المديرية العامة للثقافة والفنون السريانية التوقف امام عطائهم ، وتكريم عدد من تلك الاسماء التي تستحق هي ولوحدها التكريم وليس تلك الاسماء التي تم تكريمها في الاحتفال والتي لم تكن بأفضل درجة من العطاء والتميز عنهم !
ولكن بما ان المديرية لم تلجأ الى تشكيل لجنة على غرار ماشرنا اليه في مقدمة المقال ،لذا لم تتوفق في مسعاها التكريمي هذا . وأنا لاأشك مطلقاً في النية السليمة التي استندت عليها المديرية وهي تقيم هذا الاحتفال وهذا يعود الى طبيعة وحجم الدور المهم والكبير الذي اضطلعت به المديرية منذ تأسيسها الذي لم يمضي عليه اكثر من عامين ، لكنها وهذا امر لاشك فيه تمكنت من القيام بالكثير من المسؤوليات الملقاة على عاتقها والتي تهدف الى تنشيط وتفعيل الثقافة السريانية عبر العديد من الملتقيات والندوات والاصدارات التي كانت وراءها .وهي بذلك جسدت الحلم الذي طالما راود المثقفين السريان بأن يكون لهم مؤسسة ثقافية تحقق لهم جملة من الاحلام التي طالما بقيت حبيسة الصدور والاقلام . وقد يكون ماحصل من خطأ في ذكرى يوم المسرح العالمي يعود في اسبابه الى غياب التمسك بهذا التقليد في مؤسساتنا الفنية عموماً . فكيف الحال اذاً ، فيما لو كانت هذه هي المرة الاولى التي تتولى فيها مؤسسة رسمية ثقافية مسؤولية الاحتفال بهذا اليوم فمن المؤكد ان ذلك سيوقعها بعدد من الاخطاء .
لكن الدور الذي اضطلعت به المديرية في الشأن الثقافي السرياني عموماً خلال العامين الماضين لايعفيها من الخطأ الذي حصل بذكرى الاحتفال بيوم المسرح العالمي .27/ 3/ 2010 ونرجومن القائمين عليها ان يلحظوا ذلك مستقبلاً وان لايتكرر في المواسم القادمة .
كما نرجو ان تكون ملاحظاتنا التي اشرنا اليها في مقدمة المقال حول الالية التي يتم بها التكريم محط عنايتهم واهتمامهم وهذا مانتوقعه منهم . لكي تبقى المديرية خير من يضع الامور في نصابها السليم ، وهذا مايعول عليه كل المثقفين السريان وفي المقدمة منهم المسرحيون .






وداعاً . . الفنان د. جلال جميل . .


في صبيحةاليوم الاول من شهر ايلول الحالي .انتقل الى رحمة الله الفنان د. جلال جميل . عن عمر ناهز السادسة والخمسين . بعد ان ترك وراءه ارثاً فنياً وفكرياً مهماً يستحق التقديروالاهتمام . يذكر ان الفنان جميل ابتدأ مشواره الفني ممثلاً مسرحياً مع مطلع سبعينات القرن الماضي في مدينة الموصل . إلاّأن طموحه الفني كان كبيراً مما دفعه الى ان يواصل مشواره العلمي ليدخل اكاديمية الفنون الجميلة في بغداد في منتصف العقد السابع من القرن العشرين وليحصل على شهادة البكالوريوس في الاخراج المسرحي بعد أن نال الترتيب الاول على الطلبة المتخرجين من كلية الفنون وعلى الترتيب الثاني على جميع طلبة جامعة بغداد . وهذا مما اهله لنيل شهادة الماجستير بدرجة امتياز عن رسالته الموسومة ( فلسفة اللون والضوءفي العرض المسرحي ). ومن ثم ليتوج مشواره العلمي بنيله لشهادة الدكتوراه في الاخراج المسرحي بدرجة امتياز . وكان طيلة هذا المشوار العلمي يمارس دوره العلمي كمدرس للفنون المسرحية في اكاديمية الفنون الجميلة بعد ان تم تعيينه فيها منذ منتصف العقد الثامن من القرن العشرين وقد تخرج من على يديه العشرات من الطلبة والفنانين الذين يدينون له بالفضل والتقدير . كما ساهم الفنان الراحل د. جلال جميل في تصميم إضاءة العديد من الاعمال المسرحية والمهرجانات الفنية داخل وخارج العراق معتمداً على خبرته العملية والعلمية التي ميزته عن غيره من العاملين في هذا الميدان . اضافة الى مشاركته في في العديد من المهرجانات المسرحية ألدولية في اسبانيا والامارات وبولونيا سواء بعروض مسرحية اوعبر البحوث والدراسات النظرية التي نشر الكثير منها في اهم الصحف والمجلات العربية . كما طبع له كتابان عن فن الاضاءة المسرحية في احدى دور النشر المصرية .
وبعد احداث التاسع من نيسان عام 2003 وماشدته بغداد من احداث عنف واستهداف طائفي قرر العودة مرغماً الى موطن صباه مدينة الموصل.
منتقلاً بذلك الى التدريس في كلية الفنون الجميلة التابعة لجامعة الموصل . ومن خلال موقعه العلمي والاداري باعتباره المعاون العلمي لكلية الفنون الجميلة . اضطلع بدور مهم في تطوير المناهج العلمية في الكلية وحرصه على استقدام العديد من الكفاءات العلمية العراقية في الميدان المسرحي ومن كل محفاظات العراق للتدريس في الكلية والمساهمة في رفع من مستواها وشأنها العلمي إضافة الى تحفيز الطلبة على كتابة البحوث النظرية التي لم تكن تأخذ حيزاً من اهتماماتهم قبل مجيئه للتدريس فيها . كذلك اصراره على اقامة مهرجان مسرحي ترعاه الكلية كل عام . ابتدأً من عام 2004 . ويشارك في هذا المهرجان معظم الفرق الفنية المسرحية في مدينة الموصل . اضافة الى المشاركة الكبيرة لكلية الفنون الجميلة بهذا المهرجان . رغم كل الصعوبات التي كانت ولم تزل تحياها المدينة . وفي ختام مشواره الفني تم اختياره ليكون رئيس اللجنة العليا التحضيرية لانتخابات نقابة الفنانين في الموصل وقد سعى من خلال ذلك الى تصحيح الاوضاع الخاطئة والموبوءة التي شهدتها اعمال النقابة بعد عام 2003 لذا كان يخوض في الاشهر والاسابيع الاخيرة من عمره صراعاً حاداً مع من يسعى للابقاء على الدور الهزيل للنقابة . لكن اصراره كان كبيراً لذا عمل بكل
إرادة وجهد من اجل بناء نقابة للفنانين تمارس دورها المهني والوطني بعيداً عن الانزلاق والسقوط في ادوار توضع امامها اكثر من علامة استفهام وتعجب .
الموصل اليوم تودع واحداً من انجب ابناءها وهو اول من يحصل على شهادة دكتوراه في الفن المسرحي في مدينة الموصل . تغمد الله الفقيد برحمته . وادخله فسيح جناته . وألهم اهله وذويه واصدقاءه الصبر والسلوان .








سرقة مقال . .


كان ينبغي عليك ياسيد رحيم العراقي ان لاتورط نفسك في سرقة المقال الموسوم (وداعاً جلال جميل ) المنشور في صحيفة الزمان بتاريخ 2/ 9/ 2009 للكاتب مروان ياسين الدليمي الذي هو انا . وتنسبه الى شخصك ولتنشره بعد ذلك في (موقع النور) وفي جريدة( ثقافات )التي تصدر عن وكالة انباء عراقيوان في الموصل . مع تغيير لعنوان المقال فقط لاغير .
وادعو جميع القراء الى ان يدخلوا موقع صحيفة الزمان والى صفحات (الف ياء) وان يكتبوا اسمي فقط عندها سيجدون صحة ماأقول .
سيدي الكريم رحيم العراقي . انت كاتب ساخر جميل لك الكثير من الكتابات المسرحية النقدية التي تثبت قدرتك وامكانياتك الكتابية .لذا انت لم تكن بحاجة الى ان تسخر من الاخرين الذين يحترمون شخصك وكتاباتك عندماسمحت لنفسك بسرقة مقال بسيط ،لم يكن الاّ محاولة متواضعة مني لكتابة سيرة موجزة عن صديقي واستاذي واخي د. جلال جميل الذي كنت قد رافقته منذ منتصف العقد السابع من القرن العشرين وحتى فاته . فمالذي دعاك الى ان ترتكب مثل هذا الخطأ الذي سوف لن يغنيك في شيء بقدر ما قد يسيء لك ولمصداقيتك . ؟ ومن المؤكد ان الكثير من رصيدك الشخصي الذي بنيته في سنوات طويلة من الكتابة والقراءة سوف يعيد النظر فيه الكثير من القراء الذين ينظرون لك بعين ملؤها التقدير والاحترام لمسيرتك المهنية والابداعية .
قد يكون الدافع الذي دعاك لسرقة هذا المقال البسيط وليس مقالاً(دسماً ) اخر ، هو عدم امتلاكي للشهرة التي يمكن ان يتمتع بها كتاب اخرين مما يوفر لهم ذلك حصانة تمنع الاخرين وتردعهم من سرقة مقالاتهم . .
لكن ذلك لايعفيك من ارتكابك لخطأ قاتل لايمكن نسيانه وغفرانه لك من قبل قرائك الذين يحترمونك وانا واحد منهم .
ملاحظة اخيرة : قد لاتذكرني ياسيدي الكريم رحيم العراقي . لكني اذكُرك جيداً وقد عشنا سوية في منتصف ثمانينيات القرن الماضي في وحدة البرامج الاذاعية والتلفزيونية التابعة للاعلام العسكري ايام كنا جنوداً وكان معنا في حينها . الكاتب رضا الاعرجي . وعبد الكريم السوداني الذي هو حالياً مدير شبكة الاعلام العراقي . والممثل هاشم سلمان . والمرحوم كريم قاسم عبود . والصحفي عماد عبد الامير . واخرين .
لك مني تحياتي ، وارجوا منك ياأخي العزيز ان لاتتورط مرة اخرى بارتكاب صغائر الامور .لانك كاتب كبير .


إعتزال فنان مسرحي . . رُغماً عنهُ !


حتى لايقتل الصمت الكافر . . ابناءنا المبدعين . .




الفنان طلال الحسيني ينتمي الى جيل جديد يملك وعياً وحساسية جديدة في فهم العمل المسرحي ، كذلك في رؤيته، لشخصية الفنان التي تم تداولها من قبل الاجيال التي سبقتهم ، بمفاهيم سطحية ومهزمومة ، امام اشكال المتراكمات الاجتماعيات المتعفنة في طقوس وتقاليد جاهزة .
اعلن جيل طلال الحسيني عن ظهوره في مطلع سبعينات القرن الماضي ليتربع على عرش خشبة المسرح طيلة عقدين من الزمان مابين ممثل (طلال الحسيني ومحمد العمر ومنهل احمد ومروان ياسين ) ومخرج
( عبد الرزاق ابراهيم وموفق الطائي ) .
كان هذا الجيل يحمل في داخله ثقافة جديدة، اختارت اليقظة الاكاديمية في خطابها الفني، متزامنة مع حركية التغيير الاجتماعي التي بدأت تؤكد خصوصية معاييرها الجديدة . . ومنذ اللحظة الاولى لظهور هذا ألجيل وجد نفسه امام مواجهة شرسة مع اقطابٍ ورموزٍ كاذبة ٍلم يعد لديها شيئاً يمكن ان تقوله وتقدمه على الخشبة، بل انكشفت بفعل تلك المواجهة الفنية كل الكلائش المستهلكة والقوالب الطنانة والفارغة التي كان الجيل السابق يجترّها ويتقيئّئها على الخشبة . بفعل ماإمتلكه جيل طلال الحسيني من استيعاب وفهم واستلهام للمناهج الفنية العلمية التي تسعى لتطوير الادوات التعبيرية انطلاقاً من التنقيب في مستويات واغوار عالم الذات الانسانية، مبتعدين عن كل الاساليب والاقنعة الجاهزة التي طالما إتكأ عليها الجيل السابق لهم . كما عبرجيل الحسيني
بحظورهم الفني ، عمّا ينبغي ان يكون عليه موقف الفنان، ازاء العلاقة التي تحكمه مع مجتمعه، من خلال حرصهم على تأكيد الموقف الوطني والانساني للفنان، رافضين السقوط في مستقنع التبعية للاخرين أوالانجرار وراء المكاسب السريعة التي غالباً مايكون ثمنها قمعاً واسكاتاً لصوت الضمير .


ولم تهدأ حركتهم طيلة اكثر من ربع قرن ،حتى جاءت فترة الحصار الاقتصادي الدولي التي فرضت على العراق طيلة عقد التسعينات ، ليختار معظم افراد هذا الجيل الركون إلى الصمت والمراقبة من بعيد ، بعد ان اجتاحت مسارح العراق موجة كارثية من المسرح الرديء الذي اعتمد على مخاطبة الغرائز المنحطة في الانسان ، وقد سقط في حبائل ذاك المسرح الكثير من الفنانين وفي مقدمتهم اسماء كثير من الاجيال التي سبقت جيل الحسيني، ولم يعد هنالك من علامة فارقة يمكن للمتفرج من خلالها ان يميز مايتم تقديمه على خشبة المسرح، ومايقدم في مواخير الملاهي اللليلية. . وذلك : لانّ من كان يعمل في تلك الملاهي وبعد قرار اغلاقها من قبل السلطات الحكومية انذاك انتقل مباشرة للعمل على خشبة المسرح. وبالتالي لتسصبح اسماء معروفة ومتدوالة أنذاك في بيوتات الكاولية والمراقص الليلية والبيوتات المشبوهة الاخرى نجوما في سماء المسرح العراقي ! والذي كان رجاله ــ منذ البواكير الاولى لتأسيسه ـ هم في طليعة القوى التي كانت تقف وتناصر قضايا الشعب العراقي المبتلى بحكومات فاسدة ، وكم ضاقت المعتقلات والسجون العراقية باسماء شريفة من الفنانين العراقين ، لالشيء ، إلاّ لأنهم كانوا ينتمون الى وطنهم فقط ، بمهنية وانسانية عاليتين .
إن طلال الحسيني وجيله استمرارُ لذاك الجيل الوطني النبيل والذي لم يشأ إلاّ أن يعلن عن نفسه بعد دخول قوات الاحتلال الى ارض العراق الطاهرة محاولاً أن يعيد رسم صورة الفنان من جديد وسط الفوضى والخراب اللذان بدأَ يعُمّان البلاد ، بعد أن سقط من سقط في احضان المحتل ،وعقد العزم مع عدد من الشباب على تقديم عمل مسرحي بعنوان
( أخرجوا ) كتب اشعاره كاتب المقال ، ليتولى طلال عملية اعداده واخراجه للمسرح . إلاّ أنه لم يجد من يقدم له الدعم المالي لتقديم العمل سوى مبلغ رمزي بسيط تلقاه من نقابة الفنانين في الموصل ولايكفي هذا المبلغ أن يسدد ثمن اجور طبع النص المسرحي .
وذهبت كل المحاولات سدىً من اجل اقناع اطراف عدة لدعم انتاجية العمل ، بل ان دائرة السينما والمسرح وبشخص رئيسها د. شفيق المهدي هي الاخرى مارست معه المماطلة والتجاهل ، رغم كل الاتصالات الهاتفية والتي غالبا ماكانت ً لا تجد اذاناً صاغية . كذلك مارست قوىً سياسية محلية نفس الاساليب اياها وفي محاولة منها لكسب ألوقت ، استثماره في عملية انتخاب مجالس المحافظات، وحين فشلت في سعيها الانتخابي ولم تحظى إلاّ بنسبة مخيبة لأمالها . اقفلت كل خطوطها الهاتفية مع الحسيني ولم تعد تكلف نفسها بالرد عليه . وهاهي الايام تمضي ولامن بارقة امل جديد يظهر في الافق يُحي الامال لدى الحسيني وممثليه الشباب الذين كانوا مندفعين بكل مشاعرهم من اجل تقديم عمل مسرحي امنوا به لانهم وجدوا فيه فرصة للتعبير عما يجول في خواطرهم وهم يرون وطنهم العراق على كف عفريت يتناهبه السراق والافاقون . .
وأخيراً . . وفي لحظة من لحظات اليأس والجزع ، قرر طلال الحسيني مغادرة خشبة المسرح والاعتزال نهائياً عن العمل ـــ وفي داخله غصة حارقة وخنجر مسموم مغروساً في ظهره ـ إحتجاجاً لما آلت إليه الامور من كذب ورياء . .


ومن هنا : أنا ادعو كل المخلصين في هذه المدينة والوطن ــ وهم كثر بلا أدنى شك ـــ ان يقفوا مع هذا الفنان المبدع والشريف ، من اجل أن لايقتل الصمت الكافر ابناءنا المبدعين ونأسف بالتالي وبعد فوات الاوان على غيابهم .




18/ 3/ 2009
الموصل




الفنان الرائد رفيق نوري حنا .. حركة دائبة ونشاط لايهدأ






وجودي في اقليم كردستان وفي عنكاوا تحديداً مضى عليه اكثر من اربعة اعوام كنت قريباً جداً فيه من الانشطة والفعاليات الفنية التي تشهدها اربيل وناحية عنكاوا تحديداً المسرحية منها والسينمائية ، ولايمكن ان اطلق حكماً عاماً على مجمل تلك الانشطة التي يختلف ويتباين المستوى الفني فيما بينها بدرجات واضحة وهذا يعود الى من يقف من الفنانين وراء تلك الاعمال الفنية تبعاً لخبرتهم ومستواهم الفني ومدى عشقهم لهذا الدرب الطويل والشاق الذي يتطلب من العاملين فيه الكثير من الجهد والتضحية والصبر الطويل، ذلك لان الاعمال ذات المستويات العالية والتي تنطق بافكار فنية وجمالية تحتاج الى وقت طويل من التحضيرا ت الاولية والى فترات من التمرين والمعاينة والبناء والتعديل . وهذا ماسيؤدي بتلك الاعمال الى النمو المتصاعد في بناءها الفكري والفني لتصل بعد شوط طويل الى مستوى من النضج يمكنها من تحقيق التأثير المطلوب في المتلقي سواء اثناء فترة العرض او خارجه .
وبما ان مدينة صغيرة مثل عنكاوا لاتملك ذاك العددالكبير من خريجي المعاهد الفنية فان النشاط الفني قد انعكس عليه هذا الوضع بالتالي لينحسر فيها النشاط الى اعمال فنية موسمية . ورغم ذلك فأن وجود فنان ذي خبرة طويلة في العمل الفني مثل (رفيق نوري) له العديد من التجارب الفنية التي ساهم فيها سواء في اقليم كردستان اوفي بغداد اثناء تواجده هناك ايام الدراسة في منتصف سبعينيات القرن الماضي في معهد الفنون الجميلة لدى اهم الاسماء الفنية المسرحية العراقية وفي المقدمة منهم الفنان الراحل
( قاسم محمد )قد اعطى له خصوصية فردية مكنته ان يرسم له تاريخاً فنياً مشرفاً ومهماً على مستوى اقليم كردستان .
فكان تاريخه الفني حافلاً بالعديد من الاعمال المهمة التي تُعد بحق علامات مضيئة في المسرح السرياني والمسرح في اقليم كردستان . ولم يتوقف هذاالفنان طيلة مسيرته الفنية التي تمتد لاكثر من اربعة عقود فنية كان خلالها يكتب العديد من العروض المسرحية التي يقدمها باللغة السريانية واللغة الكردية . وحتى في تلك الفترة التي كان فيها ملتحقاً بالبشمركة في ثمانينيات القرن الماضي، مقاتلاً من اجل الحرية كان يمارس عمله الفني هناك على الجبال وعند القرى الكردية المحررة ولم ينقطع عن ممارسة عشقه للعمل الفني بل تمكن بمايمتلكه من خبرة وعلم في ميدان علم النفس ــ الذي درسه ونال عنه شهادة اكاديمية اضافة الى الفن المسرحي ــ ان يشرك ابناء القرى في تقديم عدد من العروض الفنية التي كان يدعوهم فيها وعبر افكارها التي كان يصوغها هو الى حب العلم والمعرفة اضافة الى عشق الحرية والدفاع عنها .
وفي الاعوام الاخيرة بعد عام 2003 اتسعت دائرة نشاطه الفني داخل الاقليم ليقدم افلاماً سينمائية باللغة السورث اضافة الى اعمال مسرحية جادة باشكال فنية تتوزع مابين الغنائي والتجريبي والدعائي تبعاً لمقتضى الفكرة التي كان يدعو لها .
ومجمل تلك الاعمال التي قدمها كانت من بناة افكاره ومن صياغاته الفنية التي فيها الكثير من المسحة الاكاديمية باعتباره مدرساً للفنون المسرحية في معهد الفنون الجميلة / اربيل، اضافة الى الحرفية الواضحة والعالية التي جاءت بفعل الممارسة الطويلة والخبرة المتراكمة .
ورغم ضيق المساحة التي يتحرك عليها الفنان نوري في المنتدى الذي يتولى ادارته ( منتدى عنكاوا للفنون ) الاّ انه تمكن ان يحشّد الكثير من العناصر الشابة التي اخذت تعمل معه تطوعاً دونما تفكير باي مردودات مالية قد تعود عليها بالنفع، والكثير من تلك العناصر لم تكن لها اي تجارب فنية سابقة ، لكن وجودها في المنتدى والدور الفاعل لرفيق نوري في تدريبها وصقل موهبتها وتربيتها فنياً مكنها من ان تخطو خطوات واسعة وتتضح ملامح شخصيتها الفنية، فبرز منهم العديد من الاسماء الشابة على مستوى الاداء المسرحي والدرامي وكذلك في ميدان الموسيقى والغناء . واتسعت نشاطات المنتدى يوماً بعد اخر وعملاً بعد اخر ليكون بؤرة ثقافية يجتمع فيها العديد من الفنانين الكورد والسريان والعرب من خلال الانشطة والفعاليات الفنية التي داوم المنتدى على تقديمها اسبوعياً من اجل تعميم الثقافة والتذوق الفني لدى عموم الناس وهذا هو ماكان يهدف اليه الفنان رفيق نوري .
فتعدت نشاطات المنتدى الى مديات واسعة توزعت مابين العروض المسرحية والعروض السينمائية للافلام الكوردية الحديثة، هذا اضافة الى مارافق تلك العروض من حوارات ونقاشات دارت مابين الجمهورالحاضر و مخرجي تلك الافلام .
ولم يقتصر الامر عند هذا الحد بل اقيمت عدد من الامسيات الموسيقية والشعرية التي احتفى بها المنتدى بعدد من المبدعين وفرسا ن الكلمة . ليؤكد المنتدى على دوره الحقيقي في المساهمة الجادة في تنشيط وتفعيل المشهد الثقافي والفني في ناحية عنكاوا وفي اربيل . والى احتفاءه بالابداع والمبدعين كماحصل مع الشاعر مروان ياسين الدليمي عندما اقام المنتدى له امسية تكريمية بمناسبة نيله جائزة ناجي نعمان الادبية في بيروت . ولولا وجود فنان مخلص لفنه مثل رفيق نوري لما شاهدنا هذه الانشطة الثقافية والفنية التي توزعت على عمر المنتدى الذي لم يمضي عليه اكثر من ثلاث سنوات .
والفنان رفيق نوري حركة دائبة من النشاط الذي لايهدأ طيلة ايام السنة فهو موزع مابين عمله كمدرس في معهد الفنون الجميلة وعمله كمخرج للبرامج في قناة عشتار ومدير لمنتدى عنكاوا للفنون، وهذا جهد كبير لايقوى عليه الاّ من كان يملك طاقة من الحب لعمله لاحدود لها وطاقة من العطاء لاتوصف .
ولو توفر ت الامكانيات المادية التي يحتاجها من مقر واسع وقدرة انتاجية تستجيب لمشاريعه الفنية الطموحة لتمكن من تحقيق الكثير من الاعمال المهمة والتي سيتوقف عندها الوسط الفني باعجاب وتقدير .
لذا انا ادعو كافة المؤسسات الفنية المعنية بفتح الابواب امامه وتقديم مايحتاجه من دعم مادي ومعنوي لان هذا الفنان يمتلك من القدرات الفنية مايمكنه من ان يخلق ارضية فنية واسعة وصلبة يقف عليها الكثير من الاعمال الفنية الجيدة والكثير من العناصر الفنية الشابة الطموحة .
نشرت في موقع كتابات بتاريخ 3/9/2010وعلى الرابط الاتي :
 http://www.kitabat.com/i74573.htm


















إعتزال فنان مسرحي رغماً عنه
حتي لايقتل الصمت أبناءنا المبدعين

مروان ياسين الدليمي
الموصل
الفنان طلال الحسيني ينتمي الي جيل جديد يملك وعياً وحساسية جديدة في فهم العمل المسرحي، كذلك في رؤيته، لشخصية الفنان التي تم تداولها من قبل الاجيال التي سبقتهم، بمفاهيم سطحية ومهزمومة، امام اشكال المتراكمات الاجتماعيات المتعفنة في طقوس وتقاليد جاهزة. اعلن جيل طلال الحسيني عن ظهوره في مطلع سبعينات القرن الماضي ليتربع علي عرش خشبة المسرح طيلة عقدين من الزمان مابين ممثل (طلال الحسيني ومحمد العمر ومنهل احمد ومروان ياسين) ومخرج (عبد الرزاق ابراهيم وموفق الطائي).
كان هذا الجيل يحمل في داخله ثقافة جديدة، اختارت اليقظة الاكاديمية في خطابها الفني، متزامنة مع حركية التغيير الاجتماعي التي بدأت تؤكد خصوصية معاييرها الجديدة .. ومنذ اللحظة الاولي لظهور هذا ألجيل وجد نفسه امام مواجهة شرسة مع اقطابٍ ورموزٍ كاذبة لم يعد لديها شيئاً يمكن ان تقوله وتقدمه علي الخشبة، بل انكشفت بفعل تلك المواجهة الفنية كل الكلائش المستهلكة والقوالب الطنانة والفارغة التي كان الجيل السابق يجترّها علي الخشبة. بفعل ماإمتلكه جيل الحسيني من استيعاب وفهم واستلهام للمناهج الفنية العلمية التي تسعي لتطوير الادوات التعبيرية انطلاقاً من التنقيب في مستويات واغوار عالم الذات الانسانية، مبتعدين عن كل الاساليب والاقنعة الجاهزة التي طالما إتكأ عليها الجيل السابق لهم. كما عبر جيل الحسيني بحضورهم الفني، عمّا ينبغي ان يكون عليه موقف الفنان، ازاء العلاقة التي تحكمه مع مجتمعه، من خلال حرصهم علي تأكيد الموقف الوطني والانساني للفنان، رافضين السقوط في مستنقع التبعية للاخرين أوالانجرار وراء المكاسب السريعة التي غالباً مايكون ثمنها قمعاً واسكاتاً لصوت الضمير. ولم تهدأ حركتهم طيلة اكثر من ربع قرن،حتي جاءت مدة الحصار الاقتصادي الدولي التي فرضت علي العراق طيلة عقد التسعينات، ليختار معظم افراد هذا الجيل الركون إلي الصمت والمراقبة من بعيد، بعد ان اجتاحت مسارح العراق موجة كارثية من المسرح الرديء الذي اعتمد علي مخاطبة الغرائز المنحطة في الانسان، وقد سقط في حبائل ذاك المسرح الكثير من الفنانين وفي مقدمتهم اسماء كثير من الاجيال التي سبقت جيل الحسيني، ولم يعد هنالك من علامة فارقة يمكن للمتفرج من خلالها ان يميز مايتم تقديمه علي خشبة المسرح، ومايقدم في الملاهي الليلية. وذلك : لانّ من كان يعمل في تلك الملاهي وبعد قرار اغلاقها من قبل السلطات الحكومية انذاك انتقل مباشرة للعمل علي خشبة المسرح. وبالتالي لتصبح اسماء معروفة ومتدوالة أنذاك في بيوتات الكاولية والمراقص الليلية والبيوتات المشبوهة الاخري نجوما في سماء المسرح العراقي! والذي كان رجاله ــ منذ البواكير الاولي لتأسيسه ـ هم في طليعة القوي التي كانت تقف وتناصر قضايا الشعب العراقي المبتلي بحكومات فاسدة، وكم ضاقت المعتقلات والسجون العراقية باسماء شريفة من الفنانين العراقين، لالشيء ، إلاّ لأنهم كانوا ينتمون الي وطنهم فقط، بمهنية وانسانية عاليتين. إن طلال الحسيني وجيله استمرارُ لذاك الجيل الوطني النبيل والذي لم يشأ إلاّ أن يعلن عن نفسه بعد دخول قوات الاحتلال الي ارض العراق الطاهرة محاولاً أن يعيد رسم صورة الفنان من جديد وسط الفوضي والخراب اللذين بدأَ يعُمّان البلاد، بعد أن سقط من سقط في احضان المحتل، وعقد العزم مع عدد من الشباب علي تقديم عمل مسرحي بعنوان (أخرجوا) كتب اشعاره كاتب المقال، ليتولي طلال عملية اعداده واخراجه للمسرح. إلاّ أنه لم يجد من يقدم له الدعم المالي لتقديم العمل سوي مبلغ رمزي بسيط تلقاه من نقابة الفنانين في الموصل ولايكفي هذا المبلغ أن يسدد ثمن اجور طبع النص المسرحي. وذهبت كل المحاولات سديً من اجل اقناع اطراف عدة لدعم انتاجية العمل، بل ان دائرة السينما والمسرح وبشخص رئيسها د. شفيق المهدي هي الاخري مارست معه المماطلة والتجاهل، رغم كل الاتصالات الهاتفية والتي غالبا ماكانت لا تجد اذاناً صاغية. كذلك مارست قويً سياسية محلية نفس الاساليب اياها وفي محاولة منها لكسب ألوقت، استثماره في عملية انتخاب مجالس المحافظات، وحين فشلت في سعيها الانتخابي ولم تحظ إلاّ بنسبة مخيبة لأمالها. اقفلت كل خطوطها الهاتفية مع الحسيني ولم تعد تكلف نفسها بالرد عليه. وهاهي الايام تمضي ولامن بارقة امل جديد يظهر في الافق يُحي الامال لدي الحسيني وممثليه الشباب الذين كانوا مندفعين بكل مشاعرهم من اجل تقديم عمل مسرحي امنوا به لانهم وجدوا فيه فرصة للتعبير عما يجول في خواطرهم وهم يرون وطنهم العراق علي كف عفريت يتناهبه السراق والافاقون.. وأخيراً.. وفي لحظة من لحظات اليأس والجزع، قرر طلال الحسيني مغادرة خشبة المسرح والاعتزال نهائياً عن العمل ـــ وفي داخله غصة حارقة وخنجر مسموم مغروساً في ظهره ـ إحتجاجاً لما آلت إليه الامور من كذب ورياء.. ومن هنا : أنا ادعو كل المخلصين في هذه المدينة والوطن ــ وهم كثر بلا أدني شك ـــ ان يقفوا مع هذا الفنان المبدع والشريف، من اجل أن لايقتل الصمت الكافر ابناءنا المبدعين ونأسف بالتالي وبعد فوات الاوان علي غيابهم.









Azzaman International Newspaper - Issue 3259 - Date 4/4/2009

جريدة (الزمان) الدولية - العدد 3259 - التاريخ 4/4/2009


2009/04/03 نشرت في الزمان



















































































(دولة المكونات) مصطلح ملغم بالعنصرية ،من خلاله بدات عملية هدم دول ومجتمعات المنطقة. وفي اللحظة التي سيشطب فيها نهائيا من دستور ( بريمر ) وم...